صفحة 1
بحث تخرج: العمليات الفدائية رؤية فقهية عبد الرحمن النوفلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] العمليات الفدائية رؤية فقهية
إعداد الطالب / عبد الرحمن بن مبارك النوفلي
1423هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
إهداء
إلى هذه الأمة التى رشحها الله سبحانه وتعالى لتكون خليفة في أرضه ، إلى أبنائها الأبطال الذين أبوا الذل ورفضوا أن يروا رآية هذه الأمة لا تحلق في سماء العز والإباء ، إلى الماجدين من هذه الأمة الذين باعو نفوسهم رخيصة في سبيل الله إختاروا حمل شعلة النور ليفتخو لمن خلفهم ، ويزيلوا الشوك من الطريق ليفسحوا لمن بعدهم .
شكر وعرفان
أتقدم بالشكر والتقدير إلى المدير العام للمعهد سعادة الشيخ / زياد بن طالب المعولي ، الذي فتح لي باب هذا الموضوع ، كما أتوجه بالشكر إلى شيخي العزيز / ناصر بن سليمان السابعي ، الذي أرشدني وشجعني إلى اختيار هذا الموضوع ، وساعدني بكلماته المضيئة ، وتوجيهاته المنيرة ، التي كان لها وقع قوي ، وتأثير كبير في سير هذا البحث ، كما لا أنسى أن أشكر الدكتور المشرف / الهادي أحمد الهادي ، الذي كانت له اليد الطولى في إخراج هذا البحث ، فقد أحاطني بعنصري العلم والنصيحة ، وأشكر الدكتور المناقش / سليمان محمد أحمد .
وشكر خاص حار أتوجه به إلى من قام بطباعة هذا البحث ، وتحمل مشقة الأخطاء الكثيرة والعثرات الكبيرة وإصلاحها أعني الطالب / عماد بن ناصر الراشدي ، وكل من كانت له يد بيضاء ، وساهم في إخراج هذا البحث المتواضع ...
مقدمة
اللهم لك الحمد حمدا خالدا بخلودك ، ولك الحمد حمدا لايليق الا لجلال وجهك وعظيم سلطانك ، ولك الحمد حمدا لا ينبغي الا لسواك يا رب العالمين، ونشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ، الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد . ونشهد أن سيدنا محمدا وعلى آله وصحبه ومن دعى بدعوته واهتدى بهديه إلى يوم الدين .
وبعد ،،، (1/1)
صفحة 2
فإن الأمة الإسلامية تمر بمرحلة غير عادية ، حيث يتكالب عليها الأعداء من كل حدب وصوب ، تحيط بها فتن كقطع الليل المظلم ، ألقى عليها الليل بديجوره الدامس ، حتى لا تكاد ترى بصيص أمل أو نور خافت قد يلوح من بعيد ، لكن وجد من الرجال من استطاع أن يعيد لهذه الأمة بعض أمجادها الأبية ، وعصورها الغابرة ، قام بالجهاد في سبيل الله بطرق حديثة تمثلت فيما يسمى بالعمليات الفدائية ، وفي هذا البحث قمت بالتنقيب عن هذه المسألة وبحث تفاصيلها .
ومما دعاني إلى اختيار هذا الموضوع بحثا للتخرج ما يلي :
- جدة الموضوع وقلة من كتب فيه .
- الحاجة الشديدة على معرفة حكم الشرع لا سيما وأنها قد انتشرت كثيرا في الآونة الأخيرة .
- محاولة إبراز رأي المذهب الإباضي فيها وهل له أمثلة قديمة لها .
- المساهمة في إثراء المكتبة الإسلامية حول هذا الموضوع المستجد الذي احتار فيه كثير من العلماء .
وقد واجهت صعوبات كثيرة في أثناء البحث منها :
1. ندرة المراجع والمصادر التي تناولت هذا الموضوع .
2. صعوبة الموازنة بين الأدلة لأن المسألة لم تتضح بعد على صورتها النهائية .
وقد قمت بعمل شيء جديد في هذا البحث وذلك تمثل في :
1. التحدث في مسألة حكم اشتراك المرأة في هذه العمليات .
2. إبراز رأي المذهب الإباضي في المسألة .
3. إدخال بعض المعلومات الجديدة عن الموضوع من خلال شبكة الاتصالات العالمية ( الإنترنت ) .
وقد كان منهجي في هذا العمل على النحو التالي :-
1- ذكر المسألة ومحاولة ا يجاد ادلة لها من القرآن والسنة للفريقين المجيزين والمانعين.
2- مناقشة ادلة الفريقين ومحاولة الترجيح بينهما .
3- تخريج الايات والاحاديث وذكر تراجم العلماء.
4- محاولة عرض امثلة لهذه العمليات .
وقد قسمت البحث على النحو التالي :
الفصل الأول : تعريف العمليات الفدائية والتمثيل لها وبيان مشروعية الشهادة ودرجة الشهيد ويحتوي على ثلاثة مباحث :- (1/2)
صفحة 3
المبحث الأول :- التعريف بالعمليات الفدائية .
المبحث الثاني :- مشروعية الشهادة وفضلها .
المطلب الأول :- تعريف الشهيد .
المبحث الثالث :- أمثلة على بعض العمليات الفدائية في عصر النبوة وما بعدها .
الفصل الثاني : حكم العمليات الفدائية ، وتأثيرها ، ويحتوي على مبحثين :-
المبحث الأول : -طبيعتها وجدواها .
المبحث الثاني : حكم هذه العمليات ويحتوي خمسة مطالب :-
المطلب الأول : تفسير آية ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة )
المطلب الثاني : أقوال العلماء في الاقتحام على الأعداء اقتحاما لا ترجى معه نجاة .
المطلب الثالث : شبهة الانتحار في العمليات الفدائية .
المطلب الرابع : حكم العمليات الفدائية .
المطلب الخامس : حكم مشاركة المرأة في العمليات الفدائية .
خاتمة
هذا وأرجو أن أكون قد وفقت في بحث هذه المسألة ومحاولة الكشف عن خباياها ، وإظهار وإبراز حكم الشرع فيها .
وأسأل الله العلي القدير أن يوفقني إلى ما فيه الخير .
بقلم الطالب / عبد الرحمن بن مبارك النوفلي .
الثلاثاء / 27 / صفر/ 1423هـ
الفصل الأول :
بيان مشروعية الشهادة و فيه ثلاثة مباحث :
المبحث الأول : التعريف بالعمليات الفدائية .
المبحث الثاني : مشروعية الشهادة و فضلها .
المبحث الثالث : أمثلة على بعض العمليات الفدائية .
الفصل الأول : تعريف العمليات الفدائية والتمثيل لها وبيان مشروعية الشهادة ودرجة الشهيد .
المبحث الأول : التعريف بالعمليات الفدائية .
في الحقيقة العمليات الفدائية كانت موجودة منذ القدم ، وهي ليست وليدة هذا العصر وإنما فعلها الصحابة الكرام ، أو الناس الصالحون الأولون ، لذا كان لاختلاف العصور أثر في التعريف ، من هذا المنطلق كان التعريف بالعمليات مهما ، ولا بد من مراعاة ذلك قديما وحديثا .
أما تعريفها قديما : (1/3)
صفحة 4
فقد عرفت " تلك الأعمال الجهادية التي يقدم عليها فاعلها طلبا للشهادة ورغبة فيها " (1)
وهذا تعريف جيد بالنسبة لتلك المرحلة لاسيما أنها كانت تتعدد وتختلف الأساليب في القيام بها .
ويمكن أن تعرف بأنها عمل بطولي يقدم عليه المجاهد بائعا نفسه لله طالبا للشهادة قصده نكاية الأعداء .
وأما العمليات في هذا العصر فقد اختلفت عن تلك العصور بسبب اختلاف الأدوات التي يقاتل بها المحارب ويستخدمها مما أدى إلى عدم وضوح الصورة الحقيقة في الحكم عليها وهو ما نحن بصدد البحث عنه الآن ، ويمكن أن توصف هذه العمليات بأن يخرج الشخص إلى العدو وقد حمل معه بعضا من المواد المتفجرة في مكان مناسب له مثل ملابسه أو حزامه أو حقيبته حتى يكون في مقربة من العدو ، فيفجر نفسه بأداة تحكم معه أو غيره عن بعد ، ويكون أيضا هو من ضمن الضحايا في هذه العملية بسبب ما يحمله من المواد المتفجرة .
وأيضا لهذه العمليات صور مختلفة بحسب ما يراه الشخص أصلح من الذهاب إلى مكان تجمع العدو أو الركوب معهم أو الدخول في منازلهم بحيث يقتل أكبر عدد ممكن من الأعداء وهو ما يرجوه من هذه العملية .
المبحث الثاني : مشروعية الشهادة وفضلها .
__________
(1) ... العمليات الاستشهادية ، نواف هايل تكروي ، دمشق سوريا ، ط: 2، 1418هـ - 1997م . (1/4)
صفحة 5
لقد حث الإسلام على الجهاد والاستشهاد في سبيل الله ، فالشهيد له منزلة عظيمة في الإسلام ، فهو من أفضل الأعمال تقربا إلى الله سبحانه وتعالى ، وذروة الجهاد أن يبذل الإنسان نفسه في سبيل الله ، قال تعالى { والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ، والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم } (1) وبين أنهم أحياء عند ربهم في عالم البرزخ مكرمون في منزلة عظيمة لا يدركها الأحياء الذين هم في الدنيا { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المحسنين } (2)
وجاء في صحيح مسلم عن مسروق قال : سألنا عبدالله (هو ابن مسعود ) عن هذه الآية { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون } أما قد سألنا عن ذلك فقال - صلى الله عليه وسلم - " أرواحهم في جوف طير لها قناديل معلقة بالعرش (3) تسرح من الجنة حيث شاءت ، ثم تأوي إلى تلك القناديل ، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال : هل تشتهون شيئا ، قالوا أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث نشاء ففعل بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا : يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليست لهم حاجة تركوا " (4)
__________
(1) ... الحديد : 19
(2) ... آل عمران : 169- 171
(3) ... أي يخلق الله لأرواحهم بعدما فارقت أبدانهم هياكل على تلك الهيئة تتعلق بها وتكون خلفا عن أبدانهم وإليه الإشارة بقوله { أحياء عند ربهم } تحفة الأحوذي : شرح الترمذي 8/ 361
(4) ... صحيح مسلم ح رقم (1887) 3/1502- 1503 (1/5)
صفحة 6
قال النووي (1) " قوله - صلى الله عليه وسلم - فقال لهم الله تعالى " هل تشتهون شيئا ، هذه مبالغة في إكرامهم وتنعيمهم ، إذ قد أعطاهم الله ما لا يخطر على قلب بشر ، ثم رغبهم في سؤال الزيادة ، فلم يجدوا ما أعطاهم ، فسألوه حين رأوه أنه لا بد من سؤال أن يرجع أرواحهم إلى أجسادهم ليجاهدوا يبذلوا أنفسهم في سبيل الله تعالى وليستلذوا بالقتل في سبيل الله ، و الله أعلم " (2)
وقد جاء في مسند الإمام الربيع عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : والذي نفسي بيده لوددت أن أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحيا ثم اقتل ثم أحيا ثم أقتل " (3)
قال الإمام السالمي (4) - رحمه الله – فكأنه - صلى الله عليه وسلم - أراد المبالغة في بيان فضل الجهاد وتحريض المسلمين عليه ، وفي الحديث استحباب طلب القتل في سبيل الله وجواز قوله وددت حصول كذا من الخير وإن علم أنه لا يحصل لأن فيه إظهار محبة الخير والرغبة فيه ، والأجر يقع على قدر النية وفيه تمني ما يمتنع عادة و الله أعلم " (5)
__________
(1) ... هو يحيى بن شرف بن مرة الحزامي الشافعي (631هـ -676هـ ) من تصانيفه : المجموع ، منهاج الطالبين وريلض الصالحين , انظر الاعلام 8/149 .
(2) ... شرح صحيح مسلم ، دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان ، ط:ا ، 1415هـ -1995م ، 8/93 .
(3) ... مسند الإمام الربيع ، مكتبة مسقط ، سلطنة عمان ، ط 1، 1415هـ - 1995م ، ح رقم (453)
(4) ... عبدالله بن حميد بن سلوم السالمي ، (1286هـ - 1332هـ ) من مصنفاته : معارج الآمال ، جوهر النظام ، انظر أبو إسحاق مقدمة مشارق أنوار العقول ، مقدمة جوهر النظام .
(5) ... شرح مسند الإمام الربيع ، عبدالله بن حميد السالمي ، مكتبة مسقط ، سلطنة عمان 2/297 (1/6)
صفحة 7
ويزيد الشهداء والمجاهدين فخرا ومكانة أن رسول - صلى الله عليه وسلم - تمنى أن يقاتل معهم ومما لا شك فيه أن مرتبة النبوة لا تعدلها مرتبة وليس تمني النبي - صلى الله عليه وسلم - للشهادة ابتغاء الوصول إلى مرتبة أعلى ولكن كما قال ابن حجر (1) : " تمنى عليه الصلاة والسلام ذلك تسلية للمجاهدين الخارجين في سبيل الله الذين ربما راودهم الشك في مكانتهم حيث لا يكونون بصحبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن الخروج يفقدهم دوام الصحبة وذلك عند عدم خروج الرسول - صلى الله عليه وسلم - معهم فبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - نعمة أن يقاتل فيقتل ، وهو الأمر الذي يفعلونه أن ما يفوت الخارجين من فضل الصحبة يحصل لهم مثله بل فوقه بفضل الجهاد " (2)
المطلب الأول :-تعريف الشهيد :
قبل أن نأتي إلى تعريف الشهيد نشير إلى سبب تسميته بهذا الاسم فقد وردت عدة أقوال في تسمية الشهيد ، حتى عد ابن حجر أربعة عشر قولا (3) ، بينما ذكر السالمي ثمانية أقوال (4) ، وذكر النووي سبعة أقوال (5) منها المتداخل مع ما ذكره ابن حجر والسالمي ، ومنها المتباين نذكر بعضها :-
__________
(1) ... ابن حجر : أحمد بن علي بن حمد الكناني العسقلاني ، من مؤلفاته : فتح الباري ، تهذيب التهذيب ، (773- 852هـ ) (1372 – 1449م ) انظر الأعلام 1/178
(2) ... فتح الباري على شرح صحيح البخاري ، ابن حجر ، دار الريان للتراث ، ط: 1، 1407هـ -1986م ، 7/ 2817
(3) ... فتح الباري 6/127
(4) ... شرح الجامع الصحيح 2/289
(5) ... المجموع 1/277 ، النووي ، دار الفكر ، ط: 1، 1417هـ 1996م ، بيروت لبنان . (1/7)
صفحة 8
قيل سمي شهيدا لأنه حي وأن روحه شاهدة أي حاضرة ، وقيل سمي شهيدا لأن الله وملائكته يشهدون له بالجنة ، وقيل لأنه يشهد عند خروج روحه ما أعد له من الكرامة ، وقيل لأنه يشهد له بالأمان ، وقيل لأنه لا يشهده عند موته إلا ملائكة الرحمة ، وقيل لأنه الذي يشهد يوم القيامة بإبلاغ الرسل ، وقيل لأن الملائكة تشهد له بحسن الخاتمة ، وقيل لأن الأنبياء تشهد لهم بحسن الإتباع لهم وغيرها (1) .
ونحن في بحثنا هذا نقصد من الشهيد من يقتل في سبيل الله ، وذلك لأن الشهداء أنواع فقد جاء في الحديث الذي يرويه أبو هريرة - رضي الله عنه - قوله - صلى الله عليه وسلم - " الشهداء خمسة : المطعون ، والمبطون ، والغريق ، وصاحب الهدم ، والشهيد في سبيل الله " (2) .
الشهيد لغة : من شهد وهو ما يأتي بمعنى الشاهد ، ومن قتل في سبيل الله تعالى ويجمع على شهداء ، وأشهاد ومنه الشاهد ، والحاضر ويجمع على شهود وأشهاد ، وهو أيضا من يؤدي الشهادة (3) هذا تعريف الشهيد في اللغة ، وقد اختلف العلماء في تعريف الشهيد في الإصطلاح إلى أقوال أو إلى تعريفات :
أولا : عرفه الإباضية بأنه ( اسم وضعه الشرع لمن قتل في سبيل الله طالبا أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى هذا معنى ..ثم أطلق على سائر الأصناف كالمقتول دون ماله والميت بالطاعون ونحوه ) (4)
__________
(1) ... شرح الجامع الصحيح 2/289-290
(2) ... فتح الباري على صحيح البخاري 6/ 127 ، ح رقم (18229)
(3) ... القاموس الفقهي لغة واصطلاحا ، سعدي أبو حبيب ، دار الفكر ، دمشق سوريه ، ط: 1، 1402هـ -1982م ، ص202-203 ، والموسوعة الفقهية ، وزارة الأوقاف ، الكويت ، ط: 1، 1413هـ 1993م ، 26/ 3703
(4) ... شرح الجامع الصحيح 2/289 (1/8)
صفحة 9
ثانيا : عرفه المالكية بأنه ( من قتل في قتال الحربيين فقط ، ولو قتل ببلد الإسلام بأن غزا الحربيون المسلمين ، أو لم يقاتل بأن كان غافلا أو نائما ، أو قتل من مسلم بظنه كافرا ، أو داسته الخيل ، أو رجع عليه سيفه أو سهمه أو سقط في بئر أو سقط من شاهق حال القتال ) (1) .
ثالثا : عرفه الشافعية بأنه (الذي يقتل في قتال الكفار مقبلا غير مدبر لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى دون عرض من أعراض الدنيا ) (2)
رابعا : عرفه الحنفية بأنه ( من قتله المشركون أو وجد مقتولا في المعركة وبه أثر أي جراحة أو باطنة كخروج الدم من العين أو نحوها ) (3) .
رابعا : عرفه الحنابلة بأنه ( الذي يموت في المعترك مع الكفار ، رجلا كان أو امرأة بالغا كان أو غير بالغ ، سواء قتله الكفار أو عاد عليه سلاحه فقتله ...أو سقط عن دابته أو وجد ميتا ولا أثر به إذا كان مخلصا ) (4) .
نلاحظ من هذه التعريفات أن العلماء لم يجعلوا لليد الفاعلة دورا في تحقيق الشهادة من أن المشركين هم من يقتل الشهيد إلا أن ذلك جاء في معرض بيان ما يجري عليه أحكام الشهيد ، وعليه فالجمهور ذهب إلى أن الشهيد من قتل في مواجهة الأعداء بغض النظر عن الوسيلة التي تم بها القتل .
المبحث الثالث : أمثلة على عمليات فدائية في عصر النبوة وما بعدها .
__________
(1) ... القوانين الفقهية ، محمد أحمد الكلبي ، دار الكتاب العربي ، ط: 1، 1409هـ -1989م ، ص144
(2) ... مغني المحتاج ، محمد الشريني ، دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان ، طك 1، 1415هـ -1994م ، 1/350
(3) ... حاشية ابن عابدين ، محمد بن عابدين ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، ط: 1، 1419هـ -1998م ، 2/268وما بعدها
(4) ... انظر كشاف القناع ، منصور البهوتي ، دار الفكر ، 1402هـ -1982م ، 2/ 113- 115 (1/9)
صفحة 10
لقد عرفت مواقف التضحية والشجاعة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يستثير الصحابة ويشحذ هممهم في الذب عن هذا الدين والذود عن حياضه ، مما أدى بالصحابة الكرام أن يشمروا عن سواعدهم الفتية لحماية هذا الدين الحنيف ، فانطلقوا إلى ساحات المعارك يقطعون رؤوس الكفار يبذلون في كل ذلك الغالي والرخيص في سبيل إعلاء كلمة الله ولو كان ذلك ثمنه حياته ، فهي رخيصة في إعلاء هذا الدين كل ذلك سعيا وراء الشهادة ، ونيل شرف مصاحبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد كثرت الحوادث في هذه العمليات التي قد تؤدي بحياة المسلم فينطلق بين صفوف الكفار يقطع أعناقهم .
وهذه أمثلة على تلك العمليات ، ولا يقال بأنها مختلفة فلكل عصر ظروفه ، فذلك عصر قديم لم تتوفر الوسائل والأساليب التي قد تكون أكثر فعالية فهي السبيل الوحيد لنيل الشهادة المتاحة .
1) روى مسلم عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - ، قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسيسة(1)
، (1/10)
صفحة 11
عيناً ينظر ما صنعت عير أبي سفيان ، فجاء وما في البيت أحد غيري وغير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا أدري ما استثنى بعض نسائه - قال : فحدثه الحديث ، قال : فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتكلم ، فقال : إن لنا طلبةً ، فمن كان ظهره حاضراً فليركب معنا . فجعل رجال يستأذنوه في ظهرانهم في علو المدينة ، فقال : لا ، إلا من كان ظهره حاضراً . فانطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، حتى سبقوا المشركين إلى بدر ، وجاء المشركون ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يتقدمن أحدكم إلى شيء حتى أكون دونه . فدنا المشركون ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض . قال : يقول عمير بن الحمام الأنصاري : يا رسول الله !جنة عرضها السماوات والأرض ؟ قال : نعم . قال : بخ بخ ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما يحملك على قولك بخ بخ . قال : لا ، و الله ! يا رسول الله ! إلا رجاءة أن أكون من أهلها ، قال : فإنك من أهلها . قال : فأخرج تمرات من قرنه(2) ، فجعل يأكل منهن ، ثم قال : لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة ، قال فرمى بما كان معه من التمر ، ثم قاتلهم حتى قتل) (1) .
2) عن ثابت قال : قال أنس : عمي (2) الذي سميت به لم يشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بد
__________
(1) ... بسيسة: بباء موحدة مضمومة وبسينين مهملتين وهو بسبس بن عمرو، ويقال ابن بشر، انظر شرح مسلم للنووي 7/ 44
(2) ... قرنه : أي جعبة النشاب ، انظر شرح مسلم للنووي 7/46
(3) ... صحيح مسلم بشرح النووي 3/ 68- 69 ، باب ثبوت الجنة للشهيد ، ح رقم (1901)
(2) ... عمه أنس بن النظر . (1/11)
صفحة 12
3) را ، قال : فشق عليه ، قال : أول مشهد شهده رسول الله غبت عنه ، وإن أراني الله مشهدا ، فيما بعد ، مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليراني الله ما أصنع ، قال : فهاب أن يقول غيرها ، قال : فشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد قال : فاستقبل سعد بن معاذ ، فقال له أنس : يا أبا عمرو ! أين ؟ فقال : واها لريح الجنة ، أجده دون أحد ، قال ، فقاتلهم حتى قتل ، قال : فوجد في جسده بضع وثمانون ، من بين ضربة وطعنة ورمية ، قال فقالت أخته : عمتي الربيع بنت النضر : فما عرفت أخي إلا ببنانه ، ونزلت هذه الآية : { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا } (1) قال : فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه (2) .
4) حدثنا سعيد بن عمرو الأشعثي ، و سويد بن سعيد - واللفظ لسعيد - ، قالا أخبرنا سفيان ، عن عمرو ، سمع جابراً يقول : قال رجل : أين أنا ، يا رسول الله إن قتلت ؟ قال : في الجنة . فألقى تمرات كن في يده ، ثم قاتل حتى قتل . وفي حديث سويد : قال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد (3) .
__________
(1) ... الأحزاب 123
(2) ... صحيح البخاري مع فتح الباري ، كتاب الجهاد والسير ، ح رقم (2805) 6/100 ، وصحيح مسلم ح رقم (1903)
(3) ... انظر صحيح مسلم بشرح النووي 13/66 ، كتاب الإمارة باب ثبوت الجنة للشهيد ح رقم (1899) (1/12)
صفحة 13
5) عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش ، فلما أرهقوه (1) قال : من يردهم عنا وله الجنة ، أو هو رفيقي في الجنة ؟ فتقدم رجل ، من الأنصار ، فقاتل حتى قتل ، ثم أرهقوه أيضا ، فقال : من يردهم عنا وله الجنة ، أو هو رفيقي في الجنة ؟ . فتقدم رجل ، من الأنصار ، فقاتل حتى قتل ، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة ، فقال رسول - صلى الله عليه وسلم - وسلم لصاحبيه : ما أنصفنا أصحابنا (2) .
6) وفي يوم اليمامة لما تحصن بنو حنيفة في بستان مسيلمة الذي يعرف بحديقة الرحمن أو الموت ، قال : البراء بن مالك لأصحابه ، ضعوني في الجحفة - وهي ترس من جلد كانت توضع به الحجارة وتلقى على العدو- ألقوني إليهم ، فألقوه إليهم فقاتلهم حتى فتح الباب للمسلمين (3) .
7) عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس ، عن أبيه ، قال : سمعت أبي ، وهو بحضرة العدو يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف )) . فقام رجل رث الهيئة ، فقال : يا أبا موسى ! أنت سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول هذا ؟ قال : نعم ، قال : فرجع إلى أصحابه فقال : أقرأ عليكم السلام ، ثم كسر جفن سيفه(2) فألقاه ، ثم مشى بسيفه إلى العدو ، فضرب به حتى قتل. (3).
__________
(1) ... أي غشوه واقتربوا منه .
(2) ... صحيح مسلم بشرح النووي 12/ 204- 205 ، كتاب الجهاد ح رقم(1789)
(3) ... إتمام الوفاء في سيرة الخلفاء ، محمد الخضري بك ، ص21 ، دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان ، ط:1، 1403هـ 1982م (1/13)
صفحة 14
هذه بعض الأمثلة من العمليات الفدائية التي كانت تحصل في عصر النبوة والخلافة الراشدة وهي أمثلة كانت قوية في ذلك العصر ، ذلك أنها كانت بإرشاد من النبي - صلى الله عليه وسلم - أو بإقرار منه أو بحديث سمعوه من أحد الصحابة يرويه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه حث على هذا العمل أو رآهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فمدح فعلهم ، ذلك فهم شهداء كما هو واضح من سياق الأحاديث وهذه الأمثلة واضحة لا تحتاج إلى مزيد بحث وعناية وتركيز لأنه بإقرار من النبي - صلى الله عليه وسلم - مهما كان اختلاف النية الصالحة مثل إعلاء كلمة الله أو نيل الشهادة أو ابتغاء الفتح أو دفاعا عن القائد الأعلى وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
ومن الجدير بالذكر أن هناك عمليات فدائية عند الإباضية ، وذلك متمثل فيما يعرف بالشراة ، فقد عرف الإمام السالمي هذا النوع من الجهاد بـ " من باع نفسه لله ودفعها للقتال في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وانقطع عن الدنيا إلى الآخرة " (1) كما عرفه غيره بقوله " يطلق على أولئك الذين عرفوا بإقدامهم على التضحية بالنفس والمال ابتغاء رضا الله والفوز بالجنة "(5)
إذن يمكن إدراج هذا النوع من الجهاد من ضمن العمليات الفدائية فهي تعني بيع النفس رخيصة في سبيل الله وبيعها على الجنة طاعة لله ونكاية بالعدو وعدم الرجوع إلا بالنصر أو الشهادة .
ويمكن أن نضرب أمثلة لهذه العمليات وكيف تمت ، من ذلك :
__________
(1) ... جفن سيفه : أي غمده، انظر شرح مسلم للنووي 7/46
(3) ... صحيح مسلم بشرح النووي 13/69،70
(4) ... جوابات السالمي ، عبدالله بن حميد السالمي ، مطابع النهضة ، ط: 1، 1419هـ - 1999م ، 1/ 548
(5) ... حركة الخوارج ونشأتها وأسبابها، يوسف بن الشيخ عبد المحسن ، ط: الأولى1409هـ_1988م صـ136 (1/14)
صفحة 15
1) في معركة قديد (1) حيث حدثت معركة بين الشراة من الإباضية وبين جيش بني أمية حيث التقى الجيشان ، قاتل الإباضية بقيادة بلج بن عقبة (2) الذي قاتل قتال الشجعان حتى استشهد ثم لحق به أبو حمزة الشاري ، فقاتل حتى استشهد (3) .
2) عندما جاء خازم بن خزيمة (4) إلى عمان لمحاربة الجلندى (5) لأنه رفض تسليم خاتم شيبان (6) والطاعة للخليفة العباسي حدثت معركة ضارية بين الجلندى وجيشه العماني وبين خازم بن خزيمة ، فقتل جميع أصحاب الجلندى ، فلم يبق إلا هو وهلال بن عطية (7) ، فقال الجلندى : احمل يا هلال ، فقال هلال أنت إمامي فكن أمامي ولك علي أن لا أبقى بعدك ، فتقدم الجلندى فقاتل حتى قتل رحمه الله ثم تقدم هلال بن عطية وعليه لامة حربه ، فكان أصحاب خازم يتعجبون من ثقافته وهم لم يعرفوه ثم عرفوه ، وقالوا : هلال بن عطية فاحتولوه(8) حتى مات رحمه الله (9).
الفصل الثاني :
* حكم العمليات الفدائية و تأثيرها وفيه مبحثان :
المبحث الأول :
طبيعتها و جدواها .
المبحث الثاني :
حكم هذه العمليات .
الفصل الثاني : حكم العمليات الفدائية وتأثيرها .
المبحث الأول : طبيعتها وجدواها .
__________
(1) ... قديد : منطقة بين مكة والمدينة المنورة .
(2) ... بلج بن عقبة : من الإباضية عاش في القرن الثاني قتل على يد بني أمية .
(3) ... الأنساب ، البلاذري 9/303، منهج الدعوة عند الإباضية ، د. محمد ناصر ، مكتبة الإستقامة ، سلطنة عمان مسقط ، 1418هـ -1997م
(4) ... خازم بن خزيمة : أحد قادة الدولة العباسية .
(5) ... الجلندى : أول إمام للإباضية في عمان عين من (132-134 هـ)
(6) ... شيبان : أحد قادة الخوارج في القرن الثاني الهجري ، هرب من الدولة العباسية إلى عمان .
(7) ... هلال بن عطية : قائد إباضي ، قاتل مع الجلندى ، عاش في القرن الثاني وتوفي في هذه المعركة .
(8) ... احتولوه :أي التفوا من حوله
(9) ... تحفة الأعيان ، السالمي ،مكتبة الإمام السالمي ،السيب ،1/93،94 (1/15)
صفحة 16
المطلب الأول : طبيعتها .
في الحقيقة يصعب وصف هذه العمليات بدقة لأنها تكون بطريقة سرية للغاية ، لا يطلع عليها إلا أصحاب التنظيم أو القائمون عليها .
ولكن يمكن أن نطلع على أمثلة لبعض الطرق ، مثل :
- احتلال بعض المؤسسات المأهولة ووضع المتفجرات فيه فيتفجر وهو معها .
- أو احتلال معسكر ووضع المتفجرات فيه .
- أو أن يلف نفسه بحزام من المواد المتفجرة فيفجر نفسه وهو ما يحصل اليوم في فلسطين المحتلة .
لكن يمكن أن نتعرف على خطوات هذه العمليات (1) :
? اختيار القائم بالعملية :
أولا : الالتزام بالدين ورضا الوالدين .
ثانيا : ألا يكون ربا لأسرة وأن يكون له إخوة آخرون وليس وحيد أبويه .
ثالثا : القدرة على تنفيذ المهمة الموكلة إليه ، واستيعاب خطواتها .
? ترشيحه : يتم عبر قيادة المنطقة في الجهاز العسكري .
رصد وتخطيط : قال أحد قواد كتائب عز الدين القسام (2) أو أشار إلى وجود مجموعات رصد ( مخابرات عسكرية داخل كتائب عز الدين القسام مهمتها ملاحقة الدوريات العسكرية الإسرائيلية والمستوطنين ملاحظة تحركاتهم على الحدود ، وأضاف قائل : ( إننا ننتهز أي ثغرة أمنية أو موقفا عسكريا أو سيارة عسكرية على غير ذلك ويتم تصوير الهدف عبر كاميرات الفيديو ، ويعرض
الشريط على لجنة قبل أن تتخذ هيئة أركان العمل العسكري قرارا حول إتمام هذه العملية وبعد إقرارها يتم تدريب الإستشهادي عليها) (3) .
أما مدة التدريب : فهي تختلف حسب الأشخاص وبقدر العملية أحيانا ثلاثة أشهر أو شهر ونصف إلى غير ذلك .
__________
(1) ... ملخص مقابلة خاصة مع قائد كتائب عز الدين القسام ، من موقع أون لاين
(2) ... صلاح شحاتة القائد العام لكتائب عز الدين القسام .
(3) ... المصدر السابق . (1/16)
صفحة 17
تكلفة هذه العملية : قال إن هذا الأمر يتوقف على نوع العملية فعملية هجوم بالسلاح الأتوماتيكي تكلفتها أي ثمن السلاح والذخيرة (250 طلقة ونحو عشر قنابل يدوية ) ولكن بعض العمليات تحتاج إلى تكاليف أكبر ، حيث ندفع الأموال لشراء السيارات مثلا والتجهيزات الأخرى وشراء ذمم اليهود ، ومثل هذه العمليات قد تصل إلى 50 ألف دولار أمريكي (1) .
المطلب الثاني : تأثيرها وجدواها .
في الواقع لهذه العملية تأثير كبير في أرض الواقع وعلى جيش العدو .
1. بعثت الهمة إلى الأمة ، وأعادت لها بعض معنوياتها المفقودة ، وأن لها القدرة على مجابهة جيش العدو .
2. القلق الكبير الذي تثيره هذه العمليات في جيش العدو .
3. تجعل العدو يتصرف بطرق عشوائية غير مخطط لها ولا منظم ، وتجعله يرتكب أخطاء قد يندم عليها بعد ذلك فهي بمثابة وخز بالدبوس .
4. أحيانا تؤدي إلى هجرة بعض أسر جيش العدو من أوطانهم والبحث عن وطن آخر هو أسلم لهم .
5. تكبد العدو خسائر باهظة وتبعث في نفسه الشك في مقاومة هذه العمليات .
أمثلة على بعض العمليات الحديثة :-
1- العملية : تدمير مقر الحاكمية العسكرية في صور ( لبنان ) .
التأريخ : 11/11/1982م
النتائج : انهيار مبنى الحاكمية المؤلف من ثمانية طوابق وتدميره بشكل كامل وهو يضم : مكتب الحاكم العسكري ومساعديه وقيادة الشرطة العسكرية .
الخسائر البشرية : 400 قتيل منهم أكثر من عشرين ضابطا (2) .
2- العملية :تفجير السوق التجاري في القدس الغربية بتاريخ 31/7/1997م .
النتائج : تناثر أشلاء الصهاينة على الشرفات وأسلاك الهاتف ، أضرار بالغة لحقت ب(60) محلا (3) .
3- عمليات الرد على اغتيال ( يحيى عياش ) وذلك في شهري شباط وآذار عام 1996م ( خمس عمليات خلال أقل من عشرين يوما ) .
__________
(1) ... المصدر السابق .
(2) ... العمليات الاستشهادية في الميزان الفقهي 39-40
(3) ... المرجع السابق . (1/17)
صفحة 18
النتائج : قتل أكثر من 66 صهيونيا معتديا ، وجرح 300 وأضرار مادية (1) .
4- تدمير مقر قيادة القوات الأمريكية ( المارنيز ) في بيروت .
التأريخ : 23/10/1983م
النتائج : انهيار المبنى بشكل عام وكامل ( أربعة طوابق )
الخسائر البشرية : 219 قتيلا من أفضل القوات تدريبا ، 75 جريحا ، أكثر من عشرين مفقودا (2) .
المبحث الثاني :
حكم هذه العمليات وفيه خمسة مطالب و خاتمة .
* المطلب الأول : تفسير آية و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة .
* المطلب الثاني : أقوال العلماء في الاقتحام على الأعداء اقتحاما لا ترجى معه نجاة .
* المطلب الثالث : شبهة الانتحار في العمليات الفدائية .
* المطلب الرابع : حكم العمليات الفدائية .
* المطلب الخامس : حكم مشاركة المرأة في العمليات الفدائية .
المبحث الثاني : حكم هذه العمليات .
المطلب الأول : تفسير آية { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } وعلاقتها بالموضوع .
المسلم مأمور بأن يحافظ على نفسه وماله وكل شيء له فيه مصلحة ومنفعة ، ولا يعبث بالأمور فيقع في المحظور من إلقاء النفس فبي التهلكة ، فالله سبحانه وتعالى بعد أن حث المسلمين على الجهاد أمرهم بالأ يلقوا أنفسهم في التهلكة .
__________
(1) ... المرجع السابق .
(2) ... المرجع السابق . (1/18)
صفحة 19
فعن يزيد بن أسلم أبي عمران قال : " كنا بمدينة الروم ، فأخرجوا إلينا صفاً عظيماً من الروم ، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر ، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر ، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد ، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم ، فصالح الناس وقالوا : سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة ، فقام أبو أيوب فقال : يا أيها الناس أنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه ، فقال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن أموالنا قد ضاعت ، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه ، فلما اقمنا في أموالنا ، فأصلحنا ما ضاع منها ، فأنزل الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - يرد علينا ما قلنا { وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } (1) فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها ، وتركنا الغزو ، فما زال أبو أيوب شاخصاً في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم " (2) في القسطنطينية فقبره هناك .
وأما معنى هذه الآية فقد اختلف العلماء في تفسيرها ، وقد ذكر الفخر الرازي (3) في تفسيرها عدة أقوال نذكر منها هذه الأقوال :
قيل النهي عن الإنفاق كل المال ، وقيل أن يخلو بالجهاد فيتعرضوا للهلاك وهو منقول عن البراء بن عازب وعن أبي هريرة ، وقيل أن معنى هذه الآية متصل بما قبلها بقوله تعالى { الشهر الحرام بالشهر
__________
(1) ... البقرة 195
(2) ... رواه الترمذي 5/212
(3) ... هو محمدبن عمر بن الحسن اليتمي البكري ، أبو عبدالله الإمام المفسر (544 –606ه ) (1115- 1210م ) من مؤلفاته : مفاتيح الغيب ، انظر الإعلام 6/313 (1/19)
صفحة 20
الحرام والحرمات قصاص } (1) أي فإن قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم فيه فإن الحرمات قصاص ، فلا تجاوزوا اعتداءهم عليكم ولا تحملنكم حرمة الشهر على أن تستلموا لمن قاتلكم فتهلكوا بترككم القتال ، وقيل أنفقوا في سبيل الله ولا تقولوا إنا نخاف الفقر إن أنفقنا فنهلك ولا يبقى معنا شيء ، فنهوا أن يجعلوا أنفسهم هالكين بالإنفاق ، وقيل وهو الرجل يصيب الذنب الذي لا يرى انه لا ينفعه معه عمل فذاك هو إلقاء النفس في التهلكة والإحباط وذلك بأن تفعلوا بعد ذلك (2) وهناك أقوال أخرى تركناها خوف الإطالة .
بينما ذهب الشوكاني (3) ومحمد بن يوسف أطفيش (4) إلى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وهو أيضا ما يراه الباحث فالآية تحمل على العموم فيشمل كل ما من شأنه أن توقع المسلمين في التهلكة من الإنفاق في غير الموضع الحسن أو دخول حرب لا ترجى معها نجاة ولا يوقع نكاية بالأعداء ، أو وضع الشخص في موضع لا يصلح له ، أو عدم استطلاع الأراضي وترك اقتصاد الأمة أو إهماله كله من قبيل التهلكة (5) .
__________
(1) ... البقرة ، الآية 194
(2) ... التفسير الكبير ، فخر الدين الرازي ، 5/117، دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان ، ط:1، 14411هـ - 1990م .
(3) ... فتح القدير ، الشوكاني 10/242، دار الكتب العلمية بيروت لبنان ، ط: 1 ، 1415هـ - 1994م ، والشوكاني هو محمد بن علي بن محمد الشوكاني (1173 – 1250 هـ ) ( 1760- 1834م ) من كتبه نيل الأوطار ، فتح القدير انظر الأعلام 6/298
(4) ... تيسير التفسير ، محمد أطفيش ، وزارة التراث القومي ، سلطنة عمان ، 1406هـ - 1986م 1/ 278 والؤلف هو أطفيش بن محمد بن يوسف (1236 – 1332هـ ) (1820- 1894م ) الحمضي الجزائري ، من كتبه شرح النيل ، انظرالأعلام 7/156
(5) ... تفسير المنار / محمد رشيد رضا 2/214، دار المعرفة بيروت لبنان ، 1414هـ -1993م (1/20)
صفحة 21
واضح من تفسير الآية وعرض الأقوال أنها ذات صلة وثيقة بالموضوع فالشخص الذي يريد النكاية بالأعداء بمفرده هل يعتبر من قبيل إلقاء النفس في التهلكة أم لا ، وهذا بدوره يقودنا إلى بحث مسألة مهمة يجدر بنا طرحها هنا وعن طريقها يمكن التوصل إلى الجواب الشافي وهي مسألة اقتحام الإنسان على الأعداء اقتحاما لا ترجى معه نجاة .
المطلب الثاني : أقوال العلماء في الاقتحام على الأعداء اقتحاما لا ترجى معه نجاة
إن معرفة أقوال العلماء في الإقدام على العدو إقداما لا يرجى معه نجاة ، أو يغلب على الظن معه الهلاك ، وكذلك أقوالهم في التولي يوم الزحف ، وحدود حرمته ووجوبه وإباحته هو سبيل آخر لمعرفة ما إذا كان لمسألتنا هذه – العمليات الفدائية بصورتها الحديثة – نظير في الشرع أم لا وفيما يلي نسرد كلام بعض العلماء في هذا الموضوع :
أولا : قال محمد بن الحسن الشيباني (1) تلميذ أبي حنيفة : لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده ، لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو ، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه ، لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين . فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه فلا يبعد جوازه ، ولأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه . وإذا كان قصده إرهاب العدو وليعلم صلابة المسلمين في الدين فلا يبعد جوازه . وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت نفسه لإعزاز دين الله وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم } (2) ، إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه (3) .
__________
(1) ... محمد بن الحسن الشيباني (131- 189هـ ) ( 748- 804م ) إمام الفقه نشر مذهب ابي حنيفة له كتب مثل : المبسوط ، انظر الأعلام 6/80
(2) ... التوبة 111
(3) ... انظر تفسير القرطبي 2/364 (1/21)
صفحة 22
قال القرطبي (1) تعليقا على هذا : " وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه متى رجا نفعاً في الدين فبذل نفسه فيه حتى قتل كان في أعلى درجات الشهداء ، قال الله تعالى : { وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور (2) } . وقد روى عكرمة عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر فقتله" (3) (4) .
ثانيا : وقال ابن خويز منداد (5) : " فأما أن يحمل الرجل على مائة أو على جملة العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج فلذلك حالتان : إن علم وغلب على ظنه أن سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن ، وكذلك لو علم وغلب على ظنه أن يقتل ولكن سينكى نكاية أو سيبلى أو يؤثر أثراً ينتفع به المسلمون فجائز أيضاً . وقد بلغني أن عسكر المسلمين لما لقي الفرس نفرت خيل المسلمين من الفيلة ، فعمد رجل منهم فصنع فيلاً من طين وأنس بن فرسه حتى ألفه ، فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل فحمل على الفيل الذي كان يقدمها فقيل له : إنه قاتلك . فقال : لا ضير أن أقتل ويفتح للمسلمين " (6) .
__________
(1) ... القرطبي : هو محمد بن أحمد بن بكر الخزرجي الأنصاري (ت671هـ -1273م ) من كتبه : الجامع لأحكام القرآن ، انظر الأعلام 5/322
(2) ... لقمان 17
(3) ... سنن النسائي : 7/186 ، ح رقم (3925)
(4) ... انظر تفسير القرطبي 2/ 364-365
(5) ... محمد بن أحمد بن عبدالله ، له كتاب في الخلاف وفي أصول الفقه ، وفي أحكام القرآن ، وهو من فقهاء المالكية ، ومن علماء القرن الثالث الهجري ، انظر الديباج المذهب 268
(6) ... انظر تفسير القرطبي 2/363- 364 (1/22)
صفحة 23
ثالثا : قال العز بن عبد السلام (1) : " التولي يوم الزحف مفسدة كبيرة لكنه واجب إن علم أنه يقتل في غير نكاية في الكفار ، لأن التغرير في النفوس إنما جاز لما فيه من مصلحة إعزاز الدين بالنكاية في المشركين ، فإذا لم تحصل النكاية وجب الانهزام لما في الثبوت من فوات النفوس مع شفاء صدور الكفار ، وإرغام أهل الإسلام وقد صار الثبوت هنا مفسدة محضة ليس في طيها مصلحة " (2)
رابعا : قال ابن العربي (3) عند تفسيره لقوله تعالى { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } (4) في التهلكة خمسة أقوال وهي : 1- لا تتركوا النفقة . 2- لا تخرجوا بغير زاد . 3- لا تتركوا الجهاد
4- لا تدخلوا على العساكر التي لا طاقة لكم بها . 5- لا تيأسوا من المغفرة . ثم قال " قال الطبري هو عام في جميعها لا تناقض فيه ، قال : وقد أصاب إلا في الاقتحام على العساكر فإن العلماء قد اختلفوا في ذلك ، فقال القاسم بن مخيمرة والقاسم بن محمد وعبد الملك من علمائنا : لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة وكان لله بنية خالصة ، فإن لم تكن فيه فذلك من
التهلكة ، وقد قيل إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل لأن مقصده واحد منهم – أي واحد من المشركين – ليقتله ، وذلك بيّنُ قوله تعالى : { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله } (5) ثم قال : والصحيح عندي جواز الاقتحام على العساكر لمن لا طاقة له بهم لأن فيه أربعة وجوه :
1- طلب الشهادة . 2- وجود النكاية . 3- تجرئة المسلمين عليهم .
__________
(1) ... عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم الدمشقي (577 –660هـ ) ( 1181 –1262م ) من كتبه : التفسير الكبير ، انظر الأعلام 4/21
(2) ... قواعد الأحكام 1/111، دار المعرفة ، بيروت لبنان
(3) ... ابن العربي : محمد بن عبدالله بن محمد المعافري الأشبيلي (468- 543هـ ) (1076- 1148 م ) من مؤلفاته : العواصم من القواصم ، انظر الأعلام 6/230
(4) ... البقرة 195
(5) ... البقرة 207 (1/23)
صفحة 24
4- ضعف نفوسهم ليروا أن هذا صنع واحد فما ظنك بالجمع " (1)
خامسا : قال ابن تيمية (2) " ... وقد روى مسلم في صحيحه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قصة أصحاب الأخدود فيها : إن الغلام أمر بقتل نفسه لاجل مصلحة ظهور الدين ؛ ولهذا جوز الأئمة أن ينغمس في صف الكفار , وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين .. فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد , مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره : كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك , ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا الذي لا يندفع إلا بذلك أولى " (3) .
سادسا : قال محمد بن الحسن الشيباني: " لا بأس بالانهزام إذا أتى المسلم من العدو ما لا يطيقه ولا بأس بالصبر أيضا بخلاف ما يقوله بعض الناس أنه إلقاء بالنفس إلى التهلكة , بل في هذا تحقيق بذل النفس في سبيل الله تعالى , فقد فعله غير واحد من الصحابة - رضي الله عنه - منهم عاصم بن ثابت حمي الدبر وأثنى عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك فعلمنا أنه لا بأس به " (4)
__________
(1) ... تفسير احكام القرآن، ابن العربي ،1/ 116، دار المعرفة ، بيروت لبنان ، 1407هـ، 1987م
(2) ... أحمد بن عبد الحليم بن عبدالسلام الخضر النصيري الحراني ، (661- 728هـ) ( 1263- 1328م ) من مؤلفاته : الجوامع انظر الأعلام 1/144
(3) ... مجموع الفتاوى ، ابن تيمية ، دار الريان ، القتهرة ، ط: 1، 1408هـ 1988م ، 28/540
(4) ... شرح السير الكبير ، 1/125 (1/24)
صفحة 25
سابعا : جاء في المغني " ... وإذا كان العدو أكثر من ضعف المسلمين ، فغلب على ظن المسلمين الظفر فالأولى الثبات لما في ذلك من المصلحة , وإن انصرفوا جاز لأنهم لا يأمنون العطب والحكم علق على مظنته , وهو كونهم أقل من نصف عدوهم , ولذلك لزمهم الثبات إذا كانوا أكثر من النصف . وإن غلب على ظنهم الهلاك فيه , ويحتمل أن يلزمهم الثبات أن غلب على ظنهم الظفر لما فيه من المصلحة , وإن غلب على ظنهم الهلاك في الإقامة , والنجاة في الانصراف , وإن ثبتوا جاز لان لهم غرضا في الشهادة , ويجوز أن يغلبوا أيضا وأن غلب على ظنهم الهلاك في الانصراف ولإقامة , فالأولى لهم الثبات لينالوا درجة الشهادة مقبلين على القتال محتسبين فيكونوا أفضل من المولين , ولانه يجوز أن يغلبوا أيضا" (1) .
ثامنا : وفي تكملة المجموع : أشار إلى انه إذا كان عدد الكفار دون مثلي عدد المسلمين ولم يخشوا العطب , وجب الثبات ثم قال : " فإن غلب على ظنهم الهلاك , قال : فيه وجهان : الأول : أن لهم أن يولوا : لقوله تعالى { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } (2) الثاني : انه ليس لهم أن يولوا وهو الصحيح لقوله تعالى { إذا لقيتم فئة فاثبتوا } (3) ولأن المجاهد إنما يجاهد ليقتل أو يقتل ، وإذا زاد عدد الكفار على مثلي عدد المسلمين فلهم أن يولوا ... وإن غلب على ظنهم أنهم يهلكون ففيه وجهان الأول : انه يلزمهم أن ينصرفوا لقوله تعالى { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } والثاني : يستحب أن ينصرفوا ولا يلزمهم , لأنهم إن قتلوا فازوا بالشهادة " (4) .
__________
(1) ... المغني ، ابن قدامة ، دار الفكر ط: 1، 1405هـ -1985م ، 9/309-310
(2) ... البقرة 195
(3) ... الأنفال 45
(4) ... تكملة المجموع 19/291 (1/25)
صفحة 26
تاسعا : قال الشوكاني في تفسيره لقوله تعالى { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } والحق أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فكل ما صدق عليه أنه تهلكة في الدين أو الدنيا فهو داخل في هذا ، وبه قال ابن جرير الطبري ، ومن جملة ما يدخل تحت الآية أن يقتحم الرجل في الحرب فيحمل على
الجيش مع عدم قدرته على التخلص وعدم تأثيره لأثر ينفع المجاهدين .." (1)
عاشرا : جاء في المصنف(2) : " فالذي عرفناه إذا لم تكن الحرب عليه فرضا ، وإنما وسيلة فهو مخير في ذلك ويسعه ذلك وإن خاطر بنفسه وقاتل فقد نال الشرف لأعلى النعيم الذي لا يزول إن كان لذلك أهلا .. ويستحب عند الفقهاء أنه إذا كانت الحرب لا يرجى نفعها فتركها أولى ، وذلك لما يحبون من سلامة ألا يبذل نفسه إلا في موضع يدخل على الإسلام وإلا فهو مباح إن شاء الله ، ولا تكون إرادته إدخال الضرر على أصحابه ، وإنما يريد دفع الظلم عن نفس ، وأن يجود بنفسه لله في ذلك " (2) 3)
أحد عشر : " وللمسلم أن يهجم على صف الكفار وحده ولو أنه يقتل لأنه يكسر قلوب الكفار بجرأته فيعتقدوا في سائر المسلمين عدم المبالاة وحب الشهادة في سبيل الله ... ولكن إذا علم أنه لا فائدةفي هجومه على الكفار كالأعمى يطرح نفسه علىالصف فذلك حرام وداخل تحت آية التهلكة" (3)
وقد وافقه على ذلك أيضا صاحب غاية المأمول (4)
__________
(1) ... تكملة المجموع 19/ 291 ، انظر فتح القدير ، الشوكاني 1/297
(2) ... المصنف للشيخ أحمد بن عبد الله الكندي.
(3) ... المصنف ، احمد بن عبدالله الكندي ، وزارة التراث القومي والثقافة ، سلطنة عمان 1984 م
(3) شرح النيل ، محمد بن يوسف أطفيش ، مكتبة الإرشاد السعودية ، جدة ، ط: 3، 1405هـ-1985م ، 14/488
(4) غاية المأمول ، محمد بن شامس البطاشي ، وزارة التراث القومي والثقافة ،سلطنة عمان ، 9/66 (1/26)
صفحة 27
وقد جاء في إغاثة الملهوف " نعم لا خلاف في جواز بذل النفس لله مع تيقن الهلاك إلا على قول وجدناه للشيخ أبي عبدالله محمد بن بركة (1) (2) متأولا قوله تعالى : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ورده الشيخ أبو سعيد (3) (4) – رحمه الله – محتجا بأحوال الأنبياء والمرسلين وسير المسلمين في بروز العدد اليسير منهم للجمع الكثير .. واتفقا على المنع إذا كان قصده إهلاك نفسه لا لفائدة فالمنع مجتمع عليه " (5)
ويظهر لنا من عرض أقوال الفقهاء ومن جميع ما تقدم ما يلي :
أن الاقتحام على الأعداء اقتحاما لا ترجى معه نجاة نوعان :
1) لا يرجى معه نكاية بالأعداء فهو كالمتهور ويبذل نفسه رخيصة مهدورة مما لا فائدة منه فقد ذهب الجمهور إلى منعه لما فيه إتلاف للنفس دون أي فائدة مرجوة .
2) ما يرجى معه نكاية بالأعداء وهو محمود مشروع على ما اطلعنا وما نقلنا من أقوال الفقهاء إن كانت النية خالصة ويرجو الثواب الجزيل من الله سبحانه وتعالى .
3) وعليه فإن العمليات التي نحن بصدد البحث عنها تحقق أعظم النكاية بالأعداء وقد توقع الكثير من الخسائر بالعدو مادية كانت أو معنوية بطريقة قديمة أو حديثة ، فتدخل من ضمن ما أجازه العلماء من الصنف الثاني من الاقتحام لاسيما إذا علمنا أن إلحاق النكاية بالعدو في هذه العمليات متحقق في أكثر الحالات .
__________
(1) الجامع ، ابن بركة وزارة التراث القومي والثقافة ، سلطنة عمان ، 1/183، 2/489- 490
(2) ابن بركة : هو عبدالله بن محمد بن بركة السليمي ، من مصنفاته : الجامع في الفقه ، انظر : اتحاف الأعيان لسيف بن حمود 1/277
(3) انظر أبي سعيد من المصنف الكندي 12/10
(4) أبو سعيد : هو محمد بن سعيد بن محمد بن سعيد الكدمي ، توفي 361هـ ، من مصنفاته : المعتبر ، الاستقامة ، انظر اتحاف الأعيان 1/282، 382
(5) 10) إغاثة الملهوف ، سعيد بن خلفان الخليلي ، تحقيق بحث ماجستير ص164 (1/27)
صفحة 28
المطلب الثالث : شبهة الانتحار في العمليات الفدائية .
الشخص الذي ينظر إلى هذه العمليات التي نحن بصدد البحث عنها في الوهلة الأولى يخيل إليه أنها من قبيل الانتحار ، لأنها تودي بحياة الشخص المقدم عليها بسلاحه وطوع أمره ، وأيضا هو المتحكم في القتل ، فمتى أحس الفرصة سانحة ومواتية فجر نفسه وسط الأعداء فمات ، لذا أحببنا أن ندخل إلى هذا المطلب لنبين ما هو الانتحار وما الفرق الدقيق بين الانتحار وبين هذه العمليات .
معنى الانتحار :
الانتحار لغة : قتل النفس ومنه انتحر الرجل : أي قتل نفسه (1) .
وفي الاصطلاح : هو أن يقتل الإنسان نفسه بقصدٍ منه للقتل في الحرص على الدنيا وطلب المال ، أو قتل النفس في غضب أو ضجر (2) ، بل وأكثر من ذلك فإن الانتحار هو حمل النفس على أي فعل دنيوي يؤدي إلى هلاكها .
حكم الانتحار :
لا خلاف بين العلماء في أن قتل الإنسان نفسه طلبا للدنيا ، أو جزعا من مصاب ألم به أو فرارا من مرض لحقه سواء رجا منه شفاء أو لم يرجُ وسواء كان هذا المرض أو الألم بآفة سماوية أم بفعل العدو في المعركة أو بوقوعه أسيرا أو لأمر من أمور الدنيا أصابه كخسارة في تجارة أو فقد حبيب أو إخفاق في دراسة .. إلخ لا يجوز وفاعله آثم مرتكب لكبيرة إن لم يستحل ذلك وخارج عن الملة إن استحله (3) .
وحرمة قتل النفس عدوانا كحرمة قتل الغير عدوانا ، لأن النفس البشرية ملك لله تعالى فلا يجوز التصرف بها إلا وفق أمر الله تعالى وإرادته (4) .
وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلم عن تمني الموت بضرٍ أصابه في أكثر من حديث :-
1) عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يتمنين أحدكم الموت من ضر
__________
(1) ... القاموس المحيط ، الفيروز أبادي 2/138 ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، ط: 3، 1398هـ - 1978 م .
(2) ... تفسير القرطبي 5/157، بتصرف
(3) ... المصدر السابق 5/156
(4) ... المصدر السابق 5/157 (1/28)
صفحة 29
أصابه ، فإن كان لا بد فاعلاً ، فليقل : اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي ) (1) .
2) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا يتمنين أحدكم الموت إما محسنا فلعله يزداد ، وإما مسيئا فلعله يستعتب ) (2) .
وما يتعلق بقتل النفس فهناك كثير من الأدلة القطعية تفيد حرمة ذلك وإليك بعضها : أما من الكتاب فقد قال الله تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا } (3) .
قال القرطبي : ( وأجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية النهي أن يقتل بعض الناس بعضاً ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه للقتل في الحرص على الدنيا وطلب المال بأن يحمل نفسه على الغرر المؤدي إلى التلف ويحتمل أن يقال " ولا تقتلوا أنفسكم " في حال ضجر أو غضب فهذا كله يتناوله النهي ) (4) . ومن هذا القول نأخذ أن التسبب في قتل النفس لأجل الدنيا محرم أيضا وليس مباشرة قتل النفس (5) .
ومن السنة النبوية ما يلي :
1) ما روى جندب بن عبدالله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح، فجزع ، فأخذ سكيناً فحز بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله تعالى : بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة ) (6) . وواضح من الحديث أن الرجل تعجل موته والقضاء على نفسه فلم يقبل الله ذلك منه .
__________
(1) ... فتح الباري على صحيح البخاري 11/298 ، كتاب المرض ، باب تمني المريض الموت ، ح رقم (5671)
(2) ... شرح النووي لصحيح مسلم ، 2/167 ، فتح الباري 13/389.
(3) ... النساء 29-30
(4) ... تفسير القرطبي 5/156-157
(5) ... العمليات الاستشهادية ، نواف هايل ، ص66
(6) ... صحيح البخاري مع فتح الباري 3/393 ، كتاب الجنائز باب ما جاء في قتل النفس ، ح رقم (1365) (1/29)
صفحة 30
2) عن أبي هريرة قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( الذي يخنق نفسه يخنقها في النار ، والذي يطعنها يطعنها في النار ) (1) .
3) ما رواه الشيخان عن ثابت بن الضحاك قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( من حلف بغير ملة الإسلام فهو كما قال ، قال : ومن قتل نفسه بشيء عذب به في نار جهنم ، ولعن المؤمن كقتله ، ومن رمى مؤمناً بكفر فهو كقتله ) (2) .
4) عن أبي هريرة - صلى الله عليه وسلم - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من تردى من جبل فقتل نفسه ، فهو في نار جهنم يتردى فيه خالداً مخلداً فيها أبداً ، ومن تحسى سماً فقتل نفسه ، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً فيها أبداً ، ومن قتل نفسه بحديدة ، فحديدته في يده يجأ (3) بها بطنه في نار جهنم خالداً فيها أبدا ) (4) .
إن الناظر للآيات والأحاديث يجدها تدل على حرمة الانتحار تحريما جازما لا مرية فيها ، وكلها بوسائل تؤدي إلى قتل النفس إما لليأس من الحياة أو لسوء حل به لإستعجال التخلص من الحياة ، فهي من قبيل الجزع والفرار من الدنيا والكره ، وليس فيها ما يدل على دخول النكاية بالأعداء في الحرب وقتالهم حتى الموت ، من هنا يتضح الفارق بين الانتحار من هذه الأدلة وبين العمليات الفدائية .
__________
(1) ... صحيح البخاري مع فتح الباري 7/172، كتاب الأنبياء باب ذكر بني إسرائيل ، ح رقم (3463)
(2) ... صحيح البخاري مع فتح الباري 13/387،كتاب الأيمان والنذور باب من حلف على سوى ملة الإسلام ح رقم (6652)
(3) ... يجأ : يطعن ، انظر فتح الباري 11/416
(4) ... صحيح البخاري مع فتح الباري 11/415، كتاب الطب ، ح رقم (5778) (1/30)
صفحة 31
وحرمة الانتحار قال به الفقهاء قديما وحديثا ، فقديما أسلفناه أما حديثا فقد استفتى عدد من العلماء في مصر بقتل المريض الميؤوس من حياته ، فأفتوا جميعا بعدم الجواز وقالوا ( إن المريض مهما كانت حياته لا يستطيع الطبيب أن يجزم بساعة موته لأن قدرة الله تعالى فوق كل تقدير ، وعلمه فوق كل علم ، وذكر العلماء حالات قال فيها الأطباء باليأس من حياة المريض فحكموا بموته ثم حصل الشفاء ) (1) وقال صاحب تفسير المنار ( وإذا كان الله يرشدنا بأنه يجب علينا أن نحترم نفوس الناس بعدها كنفوسنا فإن احترامنا لنفوسنا يجب أن يكون أولى فلا يباح بحال من الأحوال أن يقتل أحد نفسه ،
كأن يجئها ليستريح من الغم وشقاء الحياة ، ومهما اشتدت المصائب على المؤمن فإنه يصبر ويحتسب ولا ينقطع رجاؤه بالفرج الإلهي ..لذلك نرى بخع النفس (الانتحار ) يكثر حيث يقل الإيمان ، ويفشو الكفر والإلحاد ، ومن فوائد الإيمان مدافعة المصائب والأكدار ) (2)
وقال صاحب كتاب الجهاد والقتال معلقا على حديث من أخذ سكينا فقتل نفسه ( مما تقدم يتجلى أن الانتحار الذي سببه الجزع أي عدم الصبر واستعجال الموت للتخلص من الآلام ، وقد ورد في الحديث السابق ما ينص على تحريمه ) (3)
فستخلص مما تقدم عدم جواز قتل النفس لشيء مما ذكرناه من الغم من الحياة أو لشقاء العيش ، أي سبب يدل فيه على قلة الإيمان بالله .
__________
(1) ... العمليات الاستشهادية ، نواف هايل ص 68
(2) ... تفسير المنار ، محمد رشيد رضا 5/44 ، دار المعرفة ، بيروت لبنان ، 1414هـ 1992م ،
(3) ... الجهاد والقتال في السياسة الشرعية ، د. محمد خير هيكل 2/1404 ، دار النفائس ، الأردن ، ط:2 ، 1417هـ 1996م (1/31)
صفحة 32
جميع الأدلة المتقدمة تدل على حرمة الانتحار ، وذلك لأنها سبب في قتل النفس بدون مبرر شرعي وإنما هو لأجل غرض دنيوي لمرض لحقه أو خسارة في مال ..إلخ بخلاف هذه العمليات فإن فاعلها يقصد النكاية بالأعداء ، وتكون أيضا في وسط الحرب ضد الكفار ، وفيها إلحاق خسائر بهم ، وإن لم تكن في الحرب فهي ذات مقصد عظيم لأن صاحبها يرجو من ورائها إعلاء دين الله .
المطلب الرابع : حكم العمليات الفدائية .
في الحقيقة قبل الخوض في حكم هذه العمليات التي نحن بصدد البحث عنها لا بد من تأصيل هذه القضية ومعرفة صورها بالتفصيل .
فمن هذه العمليات ما يتعرض فيها المحارب للقتل بيد أعدائه ، ومنها ما يقتل فيها نفسه مباشرة .
ويمكن تقسيم البحث على هذا الأساس كالآتي :-
القسم الأول : الدخول بين الأعداء ومقاتلتهم رغم كثرتهم واستشهاده بأيديهم وقد سبق بيانه .
القسم الثاني : أن قتاله للأعداء قتله لنفسه وهذا القسم يتنوع إلى عدة صور :-
1) أن يضرب الكفار فيصيبه سلاحه دون قصد منه ، وذلك مثل ما روى أبو داود عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أغرنا على حي من جهينة ، فطلب رجل من المسلمين رجلاً منهم فضربه فأخطأه ، و أصاب نفسه بالسيف ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أخوكم يا معشر المسلمين فابتدره الناس فوجدوه قد مات ، فلفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بثيابه و دمائه و صلى عليه و دفنه فقالوا : يا رسول الله ، أشهيد هو ؟ قال : نعم ، و أنا له شهيد " (1)
وعامر بن الأكوع بارز مرحبا يوم خيبر فذهب يسفل له فرجع سيفه على نفسه فكانت فيها نفسه (2) وهو شهيد كما هو منصوص فيما تقدم من الحديث السابق .
__________
(1) ... سنن أبي داود ، كتاب الجهاد ، باب الرجل يموت بسلاحه ، ح رقم (2539)
(2) ... الإصابة في تمييز الصحابة ، ابن حجر 5/380-381 ، مكتبة الكليات الأزهرية القاهرة ، مصر ، ط 1، 1396هـ -1976م . (1/32)
صفحة 33
2) أن يضرب العدو فيخاف أن يؤسر أو يعذب إن عرف فيقتل نفسه ، وذلك مثل أن يفجر نفسه بحجة أنه يخاف أن يمسك به العدو ويعذبه ولا يستطيع أن يصبر وهذا غير جائز ، لحديث جندب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " كان فيمن كان قبلكم رجل به قرحة فلما آذته انتزع سهما
من كنانته ، فلم يرقأ الدم حتى مات، قال ربكم ، حرمت عليه الجنة " (1)
3) أن يؤسر أو يراد أسره ويكون ممن يعرف أسرار المسلمين فيخشى أن يفضح المسلمين .
4) أن يضطر إلى قتل نفسه ليحقق من خلال ذلك مصلحة المسلمين ، مثل أن يفتح طريقا ملغما بجسده ليتمكن المسلمون من العبور من خلاله ومقاتلة العدو .
5) أن يقصد النكاية في الكفار بما لا يمكن إلا بقتل نفسه .
وهذه الصورة هي أساس في هذا البحث وهي ما قصدته أصلا في اختياري للموضوع .
وقد اختلف أهل العلم المعاصرين في هذه المسألة ويمكن إجمال أقوالهم في قولين :-
القول الأول (2) : عدم جواز الإقدام عليها .
القول الثاني (3) : جواز الإقدام عليها ، إذا كان فيها مصلحة ومنفعة .
أدلة المانعين :-
1) قوله تعالى : { ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة } (4)
وجه الدلالة : أن هذه العمليات إنما هي إلقاء بالنفس إلى التهلكة وقد نهى الله تعالى عن ذلك .
2) في الجهاد يكون القاتل كافرا والمقتول مسلما .
3) شرع من قبلنا لا يحتج به ، وبالتالي لا يمكن الاحتجاج بقصة الغلام والملك ، أو قصة أصحاب الأخدود والمرأة التي ألقت نفسها في النار .
__________
(1) ... صحيح البخاري ، كتاب القدر ، باب العمل بالخواتيم ، ح رقم (6606)
(2) ... وقد أخذ بهذا القول كل من الألباني ، ابن باز ، ابن عثيمين ، عبد العزيز عبدالله آل الشيخ ، وغيرهم،انظر الملاحق .
(3) ... وقد أخذ بهذا القول كل من القرضاوي ، حمود الشعيبي ، الطنطاوي ، سماحة الشيخ أحمد الخليلي ، والبوطي ، ونواف هايل وجمهور الأمة،انظر الملاحق .
(4) ... البقرة 195 (1/33)
صفحة 34
4) لا قياس مع الفارق ففي هذه الأحاديث يقتل بيد الأعداء وفي هذه العمليات يقتل بيد نفسه .
5) جميع الأحاديث التي تذكر حادثة ليس فيها محل الشاهد .
6) المباشرة ليس حكم التسبب ، أي أن الذي يقتل نفسه لا يساوي الشخص الذي دخل مع الأعداء فقتل لأنه تسبب في قتل نفسه .
ويمكن أن يجاب عن هذه الأدلة بالآتي:
أما الدليل الأول فيمكن أن يجاب عن ذلك بقصة أبي أيوب الأنصاري عندما حمل رجل على صف الروم فصاح الناس أنه ألقى بنفسه في التهلكة قال أبو أيوب : إنكم تتأولون هذه الآية بغير تأويلها وأقر عمله (1) .
وبحديث البراء - رضي الله عنه - قال له رجل : يا أبا عمارة " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " أهو الرجل يلقى العدو فيقاتل حتى يقتل ؟ قال : لا ، و لكن هو الرجل يذنب الذنب فيقول لا يغفر الله لي . (2) والدليل الثاني أن دين القاتل لا يؤثر في الحكم "وقد أفتى المسلمون بجواز قتل المسلمين إذا تترس بهم الكفار للضرورة" (3) ، وفي هذه الصورة القاتل مسلم والمقتول مسلم كذلك.
وبالنسبة للدليل الثالث فإن ما أثبت من شرع من قبلنا فهو من شرعنا ويحتج به وذكرها في الحديث خير دليل على ذلك وهو ما قرره جمهور العلماء (4) .
وأما الدليل الرابع فإن العلة في تحريم قتل النفس هي إهلاك النفس وليس مباشرة القتل وسيأتي تفصيل ذلك لاحقا ، وهكذا يقال للدليل الخامس .
وبالنسبة للدليل السادس فهو غير مقبول ، فلو تسبب شخص وقال لآخر ضع لي هذا السم في الطعام وأكله فمات فلا شك أنه منتحر لأنه تسبب في قتل نفسه ولم يقم هو بالفعل نفسه فإذن التسبب يأخذ حكم المباشرة .
__________
(1) ... سنن الترمذي 7/396 ، ح رقم (2972)
(2) ... المستدرك ، 2/669، باب شرح معنى { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ح رقم (3143) ، قال الحاكم : " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .
(3) ... الجهاد والقتال في السياسة الشرعية 2/1337 .
(4) ... الجهاد والقتال في السياسة الشرعية 2/1337 (1/34)
صفحة 35
أدلة المجيزين :-
أولا : القرآن الكريم :-
1) { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله و الله رؤوف بالعباد } (1) فإن الصحابة رضي الله عنهم أنزلوها على من حمل على العدو الكثير لوحده وغرر بنفسه في ذلك ، كما قال عمر بن الخطاب وأبو أيوب الأنصاري وأبو هريرة رضي الله عنهم (2) (3) .
2) قوله تعالى { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ... } (4) قال ابن كثير حمله الأكثرون على أنها في كل مجاهد في سبيل الله (5) .
3) قال الله تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم } (6) والعمليات الفدائية من القوة التي ترهب .
4) قال الله تعالى في الناقضين للعهود { فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم في البلاد لعلهم يذكرون } (7)
ثانيا من السنة :
__________
(1) ... البقرة 207
(2) ... رواه أبوداود ، والترمذي ، وصححه ابن حبان والحاكم
(3) ... تفسير القرطبي 2/361
(4) ... التوبة 111
(5) ... انظر تفسير ابن كثير 2/374، دار الجيل بيروت
(6) ... الأنفال 60
(7) ... الأنفال 57 (1/35)
صفحة 36
1) حديث الغلام الذي كان في أمة يحكمها رجل مشرك كافر فأراد هذا الحاكم المشرك الكافر أن يقتل هذا الغلام المؤمن فحاول عدة مرات ، مرة القاه من أعلى جبل ، ومرة ألقاه في البحر ، ولكنه كلما حاول ذلك ينجي الله ذلك الغلام ، فتعجب ذلك الملك ، فقال له الغلام يوما من الأيام : أتريد أن تقتلني ، قال : نعم ، وما فعلت ذلك إلا لقتلك ، قال : اجمع الناس في صعيد واحد ، ثم خذ سهما من كنانتي واجعله في القوس ثم ارمني به ، وقل باسم رب الغلام ، وكانوا إذا أرادوا أن يسموا ، قالوا باسم الملك ، لكن قال له قل باسم الله رب هذا الغلام ، فجمع الناس في صعيد واحد ثم أخذ سهما من كنانته ووضعه في القوس ، وقال باسم رب الغلام ، وأطلق القوس فضربه فهلك ، فصاح الناس كلهم : الرب رب الغلام ، الرب رب الغلام ، وأنكروا ربوبية هذا الحاكم المشرك ، لأنهم قالوا فعل هذا الرجل الحاكم كل ما يمكن أن يهلك به هذا الغلام ولم يستطع إهلاكه ولما جاءت كلمة واحدة بسم الله رب هذا الغلام هلك ، إذن مدبر الكون هو الله فآمن الناس (1) .
2) فعل البراء بن مالك في معركة اليمامة فإنه احتمل في ترس فقاتل حتى فتح الباب ولم ينكر عليه أحد من الصحابة (2) .
__________
(1) ... رواه مسلم في كتاب الزهد ح رقم (3005/ 73 )
(2) ... تفسير القرطبي 2/364 ، وإتمام الوفاء 21 (1/36)
صفحة 37
3) حمل سلمة بن الأكوع والأخرم والأسدي وأبي قتادة لوحدهم على عيينة بن حصن ومن معه ، وقد أثنى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال : " خير رجالتنا سلمة " متفق عليه (1) ، قال ابن النحاس : وفي الحديث الصحيح الثابت : أدل دليل على جواز حمل الواحد على الجمع الكثير من العدو إن غلب على ظنه أنه يقتل إذا كان مخلصا في طلب الشهادة كما فعل سلمة والأخرم والأسدي ، ولم يعب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولم ينه الصحابة عن مثل فعله ، بل مدح النبي أبا قتادة وسلمة على فعلهما مع أن كلا منهما قد حمل على العدو وحده ولم يتأن إلى أن يلحق به المسلمون (2) .
4) ما فعله هشام الأنصاري لما حمل بنفسه بين الصفين على العدو الكثير فأنكر عليه بعض الناس وقالوا : ألقى بنفسه إلى التهلكة ، فرد عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة رضي الله عنهما وتليا قوله تعالى { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله } الآية (3) (4) .
5) حمل أبي حدرد الأسلمي وصاحبيه على عسكر عظيم ليس معهم رابع فنصرهم الله على المشركين (5) .
6) فعل عبدالله بن حنظلة الغسيل حيث قاتل في إحدى الغزوات وقد طرح الدرع عنه حتى قتلوه (6) .
7) الرجل الذي سمع من أبي موسى يذكر الحديث المرفوع : الجنة تحت ظلال السيوف ، فقام الرجل وكسر جفن سيفه وشد على العدو ثم قاتل حتى قتل (7) .
__________
(1) ... رواه البخاري ، ح رقم 7257، ومسلم ح رقم 1840
(2) ... فتوى الشيخ الشعيبي ، إسلام أون لاين ، مشارع الأشواق ، أحمد بن إبراهيم الدمشقي 1/540 ، دار البشائر ، 1423هـ -2002م
(3) ... البقرة 207
(4) ... مصنف ابن أبي شيبة 5/322-303 دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان ، ط: 1 ، 1416هـ 1995م
(5) ... مشارع الأشواق ، ابن النحاس 1/555 ، فتوى الشيخ حمود الشعيبي .
(6) ... سنن البيهقي 9/44 ، دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان ، ط: 1، 1414هـ 1994م
(7) ... صحيح مسلم بشرح النووي 13/69-70 (1/37)
صفحة 38
8) قصة أنس بن النضر في وقعة أحد قال : واهاً لريح الجنة ، ثم انغمس في المشركين حتى قتل ، متفق عليه (1) .
ثالثا : الإجماع :
ذكر ذلك الشيخ حمود الشعيبي (2) ما نصه :
نقل ابن النحاس في مشارع الأشواق عن المهلب قوله : " قد أجمعوا (3) على جواز تقحم المهالك في الجهاد ، ونقل عن الغزالي (4) في الإحياء قوله ولا خلاف في أن المسلم الواحد له أن يهجم على صف الكفار ويقاتل وإن علم أنه يقتل ، ونقل النووي في شرح مسلم الإتفاق على التغرير بالنفس في الجهاد ذكره في غزوة ذي قرد " (5)
رأي الباحث في المسألة :
قبل أن أبدي رأيي فيها أود أن أذكر بعض المقدمات وهي :
1) هذه المسألة علمية نظرية ، يتكلم فيها العلماء بعامة على وفق ما بان لهم .
2) أنه تعارض فيها شيئان مصلحة وهي قتل الأعداء والنيل منهم ومفسدة وهي قتل النفس ، فلمعرفة ذلك يحتاج إلى تصور دقيق وضبط وتحرير وتدقيق ، لا بد من الاستعانة بذوي الخبرة في هذا الباب ، والعلماء المتخصصون في العلوم العسكرية يقررون أن هذه العمليات بمثابة ( وخز الدبوس ) فهي لا تهزم عدوا ، بل تثير أعصابه وتغير مسار تخطيطاته ، وتجعل عنده ردود فعل سريعة غير مضبوطة ولا مخطط لها ، فضلا عن الروح المعنوية التي تكون عند الجنود .
3) المجاهد والقائم بهذه العملية مقصده يدور على تغيير ما هو واقع في أمته ، ويأمل أن ينال الشهادة ولا يدور في خلده الانتحار أو يودي بنفسه وما شاكله فلذلك طرق أخرى أسهل منها .
__________
(1) ... سبق تخريج الحديث ص 14.
(2) ... موقع صيد الفوائد بتأريخ 2/2/1422 ، فتوى الشيخ حمود الشعيبي .
(3) الذي يظهر ان هذا الإجماع غير ثابت لوجود من خالف كما بيناه سابقا .
(4) الغزالي : هو محمد بن محمد الغزالي ، من مؤلفاته : إحياء علوم الدين ، تهافت الفلاسفة (450- 505هـ ) ، شافعي المذهب ، انظر الأعلام 7/22
(5) شرح صحيح مسلم 12/187 (1/38)
صفحة 39
4) فتاوى العلماء المعاصرين في هذه المسالة موجزة كلٌ يتكلم بحسب ما بان له ربما في واقعة معينة لذا يجب مراعاة ذلك فقد تختلف الفتاوى باختلاف الحالات أو بتعدد البلدان واختلاف الأزمان فهي تدور على المصلحة المتوخاة المضبوطة بقواعد الشرع (1) .
وردت آيات كريمة تحرم قتل النفس مثل " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق " (2) وهي شاملة لجميع انواع القتل قتل الآخر أو قتل النفس وقد استثني من ذلك القتل بالحق مثل القتل في سبيل الله أو التضحية في سبيل إعلاء كلمة الدين .
والعلة في تحريم القتل هي إهلاك النفس لأن من مقاصد الشريعة الحفاظ على النفس ولا يجوز قتلها أو إهلاكها إلا بحق مثل أسباب القتل المباحة أو الواجبة ، إذن علة قتل النفس هي إهلاك النفس وعلة الجواز التضحية في سبيل الله .
وعليه فلا أرى أن علة قتل النفس هي مباشرة القتل إذ لو اعتبرت هي العلة لجاز أن يقول المنتحر لصاحبه ضع السم في الطعام وأنا آكله ولا يعتبر منتحرا لأنه لم يباشر قتل النفس وهذا الاستدلال مبني على دوران العلة مع الحكم وجودا وعدما فابنتفاء علة الحكم المفترضة
وهي مباشرة القتل وجب انتفاء حكم تحريم النفس ، إذن يجب رد الفرضية والعلة هي إهلاك النفس ولا تعتبر مباشرة القتل من مكونان العلة لأنه إن كان فعله محرما فهو محرم على جميع الناس إلا م استثنته النصوص ولا يتوقف على تحريمه شخص بعينه .
ومباشرة القتل لا تؤثر في الحكم لأن العلة في تحريم قتل النفس هي إهلاك النفس وهي تشمل جميع الأوصاف مثل الوأد والانتحار ..إلخ
__________
(1) ... موسوعة الأسئلة الفلسطينية ، مركز بيت المقدس ص140 ، ط: الأولى ، فلسطين نابلس ، 1423هـ -2002م
(2) ... الأنعام 151 (1/39)
صفحة 40
وكذلك التسبب في القتل لا يؤثر في الحكم فالمجاهد قد تسبب في قتل نفسه ، وحكم عمله الجواز للأدلة الناصة على ذلك ، وفي النهاية المناط في ذلك كله هو "لم القتل " وليس " من القاتل " والمباشرة لها حكم التسبب لأن كليهما يعود إلى نفس المناط ، وهو التضحية في سبيل الله وبوجود هذه الأدلة يصح القياس .
(( والنفس هي ملك لله لا يجوز قتلها أو إهلاكها إلا وفق شرع الله والتضحية في سبيل الله هي أفضل ما تهلك فيه النفس لو جاز أن يسمى ذلك هلاكا ، ومناط الجواز هو القتل بالحق ويشمل جميع الأسباب المبيحة له ومناط تحريم قتل النفس هو إهلاك النفس )) (1) ، والمانع من اعتبار مباشرة القتل علة في قتل النفس أن هناك أشكالا من قتل النفس ممنوعة بدون مباشرة كما بيناه سابقا ، ولهذا يمكن قياس هذه العمليات على وقائع الجهاد أو بذل النفس لأنها جميعا تشترك في نفس العلة وليس فيها إهلاك للنفس الذي هو سبب التحريم أو علة له .
وأخيرا الذي أراه صوابا في هذه المسالة : الجواز مع شروط وقيود ، وأما شروط هذه العمليات فيمكن تلخيصها فيما يلي : -
1) لا بد من مراعاة أمر القائد وأن تكون ضمن خطة معروفة مدروسة تحت مؤسسة عسكرية منظمة إذ هي من جهاد الطلب وليست من جهاد الدفع .
2) أن يقصد النكاية بالكفار وأن تكون نيته الجهاد لإعلاء كلمة الله .
3) أن تكون هذه العملية مخطط لها ، مدروسة بإحكام من قبل القائمين عليها إذ بعض هذه العمليات يمكن أن يتورط أصحابها بأعمال تفوق إمكاناتهم وتعرض أصحابها لبلاء لا يطيقونه .
4) أن لا يترتب عليها محاذير شرعية من قتل الأبرياء إلا إذا أعانوا على القتال بنفس أو رأي أو لم يمكن التمييز حال اختلاطهم بالأعداء .
5) أن لا يترتب عليها أضرار أكبر منها إذ لذلك تأثير على الحكم الشرعي ، و الله الموفق .
__________
(1) موقع شبكة الفوائد الإسلامية ، بتاريخ صفر 1423هـ ، مقال بقلم أبي عمر الجزائري بتصرف . (1/40)
صفحة 41
وأقول : لعل المانعين إنما صرحوا بذلك تخوفا على المسلمين من إلحاق الأذية بهم على وجه أبشع وأشنع ، فتأتي الثمار عكس ما أريد الهدف لها .
ولعل المجيزين رأوا أن هذه تدفع عن المسلمين ذلا عظيما ، وتعيد لهذه الأمة بعض معنوياتها وترجع إليها صوابها وعدلها ، وتلقي الرعب أيضا في قلوب أعدائها .
المطلب الخامس : حكم مشاركة المرأة في العمليات الفدائية .
لقد اختلف العلماء أيضا في هذه المسألة ، وهي أيضا من المسائل المستجدة حيث لم أجد من العلماء من تكلم فيها إلا القليل .
وذلك أن المرأة إذا أرادت أن تقوم بهذه العملية تخلع الحجاب وتكون وكأنها من ضمن نساء الأعداء حتى لا يكشف أمرها وأحيانا تذهب بدون محرم ، لذلك اختلف العلماء فيها إلى قولين :
القول الأول : جواز قيام المرأة بذلك (1) .
القول الثاني : منع قيام المرأة بهذه العمليات (2) .
أدلة المجيزين :
1) أن الجهاد فرض عين فإذا دخل العدو في أرض المسلمين وجب على الجميع الجهاد سواء كان رجلا أو امرأة .
2) أن في ذلك ضرورة لقوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } (3) وقوله : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } (4) والقاعدة تقول : الضرورات تبيح المحظورات ، فلذلك يجوز لها أن تتخفف من حجابها حتى تجاهد في سبيل الله .
ويمكن أن يجاب على هذه الأدلة بالآتي :
أما الدليل ففي نظري أن الجهاد لم يصبح بعد فرض عين على النساء ، لأن ذلك يؤدي بها إلى تركها بعض الواجبات التي قد تكون من لوازم المرأة ، وهناك من يقوم عنها من الرجال فلا داعي للقيام بهذه العملية وتعرض نفسها للشبهات والوقوع في المسائل .
وأما الدليل الثاني فيجاب عنه بأن الغاية لا تبرر الوسيلة فمهما كانت الغاية سامية والوسيلة محرمة فإن ذلك غير جائز .
__________
(1) ... وذهب إلى ذلك القرضاوي ، ومولوي وآخرون، انظر الملاحق .
(2) ... وذهب إلى ذلك أحمد سعيد حوى، انظر الملاحق .
(3) ... البقرة 185
(4) ... الحج 78 (1/41)
صفحة 42
أدلة المانعين :
1) إن في ذلك محاذير شرعية منها نزع الحجاب وخروج المرأة بدون محرم وهو مما حرمه الشرع ، فذلك العمل يخرج المرأة عما أراد لها الشرع من الاحتشام والعفة .
2) أن الغاية لا تبرر الوسيلة .
رأي الباحث في المسألة :
في الحقيقة يظهر من مناقشة الأدلة أن أدلة المانعين أقوى ، ذلك أن فيها التزام بقواعد الشرع وفيها بعد بالمرأة من الوقوع في المحاذير الشرعية وأيضا المرأة ليست مطالبة بمثل هذه العمليات مادامت لا تستطيع ، لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ، فالرجال يقومون بمثل هذا العمل وهم ليسوا قلة حتى يحتاجوا إلى النساء ، فما الداعي للمرأة لأن تقوم بمثل هذه العمليات ، وأن تخلع حجابها وتخرج بدون محرم بدون ضرورة شرعية تقتضي كل ذلك .
ولو فشلت هذه المرأة في تنفيذ هذه العملية فإنها تتعرض للأذى من العذاب أو العري ، فلماذا توقع المرأة نفسها في المأزق الحرج وهي في غنى عنه ، والقاعدة تقول درء المفسدة مقدمة على جلب المصلحة .
الخاتمة
نستخلص مما تقدم ما يلي :
- أن العمليات الفدائية كانت لها صور قديمة في الشرع تمثلت في عصر النبوة والخلافة الراشدة .
- هذه العمليات ليست من قبيل الانتحار وإنما هي من باب الاستشهاد في سبيل الله .
- اختلف العلماء في حكم هذه العمليات وذهب الأكثرون على جوازها بشرط ان يقصد فاعلها النكاية بالأعداء .
- يجوز للمرأة أن تقوم بمثل هذه العمليات في حالة الضرورة وهناك من العلماء من منع ذلك مطلقا .
- هذا النوع من السلاح له فاعلية كبرى في التأثير على الأعداء ، وجعله يسير بخطى غير منتظمة .
هذا وأتمنى في النهاية أن أكون قد أصبت الصواب وأرجو من العلي القدير التوفيق إلى ما فيه الخير والصلاح .
الملاحق
ملخص مقابلة أجريتها مع سماحة الشيخ / أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عمان في موضوع العمليات الفدائية . (1)
__________
(1) مقابلة مع سماحة الشيخ ، بتاريخ 10 محرم 1423هـ تقريبا . (1/42)
صفحة 43
السؤال الأول : ما حكم العمليات الفدائية ؟
الجواب / الجواز بشرط أن يكون قصده النكاية بالعدو .
السؤال الثاني : ما حكم قيام المرأة بالعمليات الفدائية علما أنها تقوم بخلع حجابها حتى تقوم بهذه العمليات ؟
الجواب / ذلك جائز في حالة الضرورة . ...
السؤال الثالث : ما حكم قتل المدنيين في هذه العمليات ؟
الجواب / المؤيدون منهم يعتبرون محاربين ، ولو كانوا نساء أو شيوخا بأي نوع من التأييد .
الفهارس العامة
? فهرس الآيات
? فرس الأحاديث
? فهرس الأعلام
? قائمة المصادر والمراجع
? فهرس الموضوعات
فهرس الآيات
الآية ... السورة ... الصفحة
إذا لقيتم فئة فاثبتوا ... الأنفال 45 ... 28
إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ... التوبة 111 ... 25 ، 38
فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم ... الأنفال 57 ... 39
وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ... الأنفال 60 ... 38
والذين آمنوا بالله ورسله ... الحديد 19 ... 9
ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ... آل عمران 169-171 ... 9
ولا تقتلوا أنفسكم ... النساء 29-30 ... 32
ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ... البقرة 195 ... 23،26،28،29،37
وأمر بالمعروف وانه عن المنكر ... لقمان 17 ... 25
وما جعل عليكم في الدين من حرج ... الحج78 ... 45
ومن الناس من يشري نفسه ... البقرة207 ... 27،38
يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ... البقرة 185 ... 45
فهرس الأحاديث
الحديث ... راويه ... الصفحة
أخوكم معشر المسلمين ... أبو داود ... 38
أرواحهم في جوف الطير ... مسلم ... 9
الذي يخنق نفسه يخنقها ... البخاري ... 32
الشهداء خمسة ... البخاري ... 11
إن رجلا ممن كان قبلكم خرجت ... البخاري ... 31
إن لنا طلبة فمن كان حاضرا ... مسلم ... 13
حديث الغلام ... مسلم ... 39
في الجنة فألقى تمرات ... مسلم ... 14
كان فيمن كان قبلكم ... البخاري ... 32
كنا بمدينة الروم فأخرجوا ... الترمذي ... 23
لا ولكن الرجل يذنب الذنب ... الحاكم ... 30
لا يتمنين أحدكم الموت إما محسنا ... مسلم ... 32
لا يتمنين أحدكم الموت لضر ... البخاري ... 31
من تردى من جبل فقتل نفسه ... البخاري ... 33
من حلف بغير ملة الإسلام فهو ... البخاري ... 31 (1/43)
صفحة 44
من يردهم عنا وله الجنة ... مسلم ... 14
والذي نفسي بيده لوددت ... الربيع ... 10
فهرس الأعلام
العلم ... الصفحة
ابن العربي ... 26
ابن النحاس ... 41،39
ابن بركة ... 29
ابن تيمية ... 27
ابن حبان ... 38
ابن حجر ... 10،11
ابن خويز منداد ... 26
ابن عباس ... 25
أبو أيوب الأنصاري ... 38،23،37
أبو حدرد الأسلمي ... 40
أبو داود ... 38
ابو سعيد ... 29
أبو موسى ... 40
أبو هريرة ... 10،23،32،33
أطفيش ... 24
الأخرم ... 39
الأسدي ... 39
البراء بن عازب ... 23
البراء بن مالك ... 14،39
الترمذي ... 38
الجلندى بن مسعود ... 16
الحاكم ... 38
الرازي ... 23
الربيع ... 10
السالمي ... 10،11
السيوطي ... 27
الشوكاني ... 24،28
الطبري ... 28
العز بن عبد السلام ... 26
الغزالي ... 41
القرطبي ... 32، 25
النووي ... 10
أنس بن النظر ... 40
أنس بن مالك ... 13،14
بلج بن عقبة ... 16
ثابت البناني ... 14
ثابت الضحاك ... 33
جابر ... 14
جندب بن عبد الله ... 32
حمزة بن عبد المطلب ... 25
حمود الشعيبي ... 41
خازم بن خزيمة ... 16
سعد بن معاذ ... 14
سعيد بن عمرو ... 14
سفيان ... 14
سلمة بن الأكوع ... 39
سويد بن سعيد ... 14
شيبان ... 16
عامر بن الأكوع ... 35
عبدالله بن حنظلة ... 40
عبدالله بن قيس ... 15
عبدالله بن مسعود ... 9
عكرمة ... 25
عمر بن الخطاب ... 38
عمير بن الحمام ... 13
محمد بن الحسن الشيباني ... 25
مسروق ... 9
مسلم ... 9،13
مسيلمة ... 14
هشام بن عامر الأنصاري ... 40
هلال بن عطية ... 16
يزيد بن أسلم ... 23
المصادر والمراجع
1. إتمام الوفاء في سيرة الخلفاء ، محمد الخضري .
2. أحكام القرآن ، ابن العربي ، بيروت لبنان ، 1407هـ -1987م
3. الأعلام ، خير الدين الزركلي ، دار العلم للملايين ، بيروت لبنان ، ط: الأولى ، 1986م .
4. تحفة الأعيان ، عبدالله السالمي ، مكتبة الإمام السالمي ، السيب .
5. تحقيق ( إغاثة الملهوف ، لسعيد بن خلفان الخليلي ) ، بحث ماجستير ، صالح الربخي .
6. الجامع لاحكام القرآن، محمد الأنصاري ، دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان .
7. التفسير الكبير ، الفخر الرازي ، دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان ، ط: الأولى ، 1411هـ 1990م (1/44)
صفحة 45
8. تفسير المنار ، محمد رشيد رضا ، دار المعرفة بيروت لبنان ، 1414هـ -1993م .
9. تيسير التفسير ، محمد بن يوسف أطفيش ، وزارة التراث القومي والثقافة ، سلطنة عمان ، 1406هـ-1986م .
10. الجامع ، ابن بركة ، وزارة التراث القومي والثقافة ، سلطنة عمان .
11. الجهاد والقتال في السياسة الشرعية ، د. محمد خير هيكل ، دار النفائس ، الأردن ، ط: الثانية ، 1417هـ -1996م .
12. جوابات الإمام السالمي ، عبدالله السالمي ، مطابع النهضة ، ط: الثانية ، 1419هـ 1999م .
13. حاشية ابن عابدين ، محمد أمين عابدين ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، ط: الأولى ، 1419هـ -1998م .
14. حركة الخوارج ونشأتها وأسبابها ، يوسف الشيخ عبد المحسن ، ط: الثانية ، 1409هـ-1988م
15. الديباج المذهب ، إبراهيم بن علي اليعمري ، مطبعة عباس بن عبد السلام ، ط: الأولى 1351هـ
16. زاد المعاد ، ابن القيم ، مكتبة عباس أحمد الباز ، مكة المكرمة ، بيروت لبنان .
17. سنن أبي داود ، المكتبة العصرية ، صيدا بيروت ،
18. سنن البيهقي ، دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان ، ط: الأولى ، 1414هـ -1994م
19. شبكة الإتصالات العالمية ( الإنترنت )
20. شرح السير الكبير ، محمد بن الحسن الشيباني ، مطبعة شركة الإعلانات الشرقية ، 1972م.
21. الشرح الكبير ، عبد الرحمن بن قدامة ، دار الفكر .
22. شرح النيل ، محمد بن يوسف أطفيش ، مكتبة الإرشاد ، السعودية جدة ، ط: الثالثة ، 1405هـ -1985م .
23. شرح صحيح مسلم ، النووي ، دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان ، ط: الأولى ، 1415هـ -1995م .
24. شرح مسند الإمام الربيع ، عبدالله السالمي ، مكتبة مسقط ، بيروت لبنان ، ط: الأولى ، 1415هـ -1995م .
25. صحيح البخاري ، دار الفكر بيروت لبنان ، ط: الأولى ، 1420هـ 2000م
26. صحيح الترمذي ، دار الكتاب العربي ، بيروت لبنان .
27. صحيح مسلم ، دار الفكر بيروت لبنان ، ط: الثانية ، 1398هـ -1978م (1/45)
صفحة 46
28. العمليات الاستشهادية ، هاني عبدالله ، دار الفضيلة ، ط: الأولى ، 1423هـ -2002م .
29. العمليات الاستشهادية في الميزان الفقهي ، نواف هايل ، دمشق سوريا ، ط: الثانية ، 1418هـ 1997م .
30. غاية المأمول ، محمد بن شامس االبطاشي ، وزارة التراث القومي والثقافة ، سلطنة عمان ، 1415هـ -1995م .
31. فتاوى ابن تيمية ، أحمد بن تيمية ، دار الريان القاهرة ، ط: الأولى ، 1408هـ -1988م .
32. فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، ابن حجر ، دار الريان للتراث ، طك الأولى 1407هـ -1986م
33. فتح القدير ، محمد بن علي الشوكاني ، دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان ، 1415هـ 1994م
34. القاموس الفقهي ، سعدي أبو حبيب ، دار الفكر دمشق سوريه ، ط: الأولى ، 1402هـ -1982م .
35. القاموس المحيط ، الفيروز أبادي ، الهيئة المصرية للكتاب ، ط: الثالثة ، 1398هـ -1978م
36. قواعد الأحكام ، عز الدين عبد السلام ، دار المعرفة ، بيروت لبنان .
37. القوانين الفقهية ، محمد بن أحمد الكلبي ، دار الكتاب العربي ، ط: الثانية ، 1409هـ -1989م .
38. الكامل في اللغة والأدب ، محمد بن يزيد المبرد ، مؤسسة المعارف ، بيروت
39. كشاف القناع ، منصور البهوتي ، دار الفكر ، 1402هـ -1982م .
40. المجموع ، محي الدين النووي ، دار الفكر ، ط: الأولى ، 1417هـ -1996م .
41. المستدرك ، الحاكم ، دار المعرفة ، بيروت لبنان ،
42. مشارع الأشواق ، أحمد الدمشقي ، دار البشائر ، ط: الثالثة ، 1423ه_ 2002م
43. المصنف ، أحمد بن عبدالله الكندي ، وزارة التراث القومي والثقافة ، سلطنة عمان ، 1984م
44. مصنف ابن أبي شيبة ، دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان ، ط: الأولى ، 1416هـ 1995م .
45. المغني ، ابن قدامة ، دار الفكر ، 1405هـ -1985م
46. مغني المحتاج ، محمد الشريني ، دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان ، ط: الأولى 1415هـ -1994م (1/46)
صفحة 47
47. الموافقات ، الشاطبي ، دار ابن عفان ، السعودية ، ط: الأولى ، 1417هـ -1997م
48. موسوعة الأسئلة الفلسطينية ، تصدر عن مركز بيت المقدس ، فلسطين نابلس ، ط: الأولى ، 1423هـ 2002م
49. الموسوعة الفقهية ، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت ، ط: الأولى 1413هـ -1993م .
فهرس الموضوعات
إهداء .....................................................................2
شكر وعرفان ................................................................ 3
المقدمة .................................................................. 4
الفصل الأول : بيان مشروعية الشهادة ودرجة الشهيد ................. 8
المبحث الأول : التعريف بالعمليات الفدائية ............................................... 8
المبحث الثاني : مشروعية الشهادة وفضلها ............................................... 9
المطلب الاول :- تعريف الشهيد ........................................................ 11
المبحث الثالث : أمثلة على بعض العمليات الفدائية في عصر النبوة وما بعدها ............... 13
الفصل الثاني : حكم العمليات الفدائية وتأثيرها ..................... 18
المبحث الأول : طبيعتها وجدواها ...................................................... 18
المطلب الأول : طبيعتها ................................................................ 18
المطلب الثاني : تأثيرها وجدواها ...................................................... 20
المبحث الثاني : حكم هذه العمليات .................................................. 23
المطلب الأول : تفسير آية { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ............................. 23
المطلب الثاني : أقوال العلماء في الاقتحام على الأعداء اقتحاما لا ترجى معه نجاة .......... 25 (1/47)
صفحة 48
المطلب الثالث : شبهة الانتحار في العمليات الفدائية .................................... 31
المطلب الرابع : حكم العمليات الفدائية ............................................... 34
- ادلة المانعين ..................................................................... 37
- ادلة المجيزين ..................................................................... 38
رأي الباحث في المسألة ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . 42
المطلب الخامس : حكم مشاركة المرأة في العمليات الفدائية ......................... 45
- ادلة المجيزين ......................................................... 45
- ادلة المانعين ......................................................... 45
رأي الباحث في المسألة ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .... 46
الخاتمة ........................................................... 47
الملاحق ............................................................. 48
الفهارس العامة .................................................... 69
فهرس الآيات ....................................................... 70
فهرس الأحاديث .................................................... 71
فهرس الأعلام ...................................................... 72
المصادر والمراجع .................................................... 75
فهرس الموضوعات .................................................. 78
تم بحمد الله (1/48)