صفحة 1
بحث تخرج: الغناء والمعازف بين الحل والتحريم لبدر العبري
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بحث تخرج بعنوان:
الغناء والمعازف بين الحل والتحريم
إعداد الطالب:
بدر بن سالم بن حمدان العبري
اهداء
أمي : يا نبع الحنان ، يا أغلى صورة نقشت في قلبي ، يا أبها رمز عرفته روحي 0000
أبي : يا ذا الطول والصبر ، يا ذا الرفق والمجد ، يا ذا العز والسؤدد ، يا من أنت في قلب ابنك المخلص0000
رفيقة الدرب : يا من إليها أسير ، وللقائها أمضي ، صيانة العرض ، رائدة الكل ، بانية المجد0000
طفلي : يا من أنت في قلبي ، وإن لم تشاهدك عيني ، يا من حوتك بصيرتي ، وسيطرت على فكري ولبي 0000
أصدقائي وأخوتي : يا من أثبتوا المروءة والوفاء ، وصبروا معي في السراء والضراء ، وأحسنوا الظن بي يوم جهله الآخرون 0000
أبناء المستقبل : يا من الأمل فيهم معقود ، والخير منهم مأمول ، فهم عمدة المجتمع وأركانه 0000
أمتي : يا من تعشقك الوحدة ، يا من اشتاقت إليك العزة ، يا من جاهد من أجلك المخلصون 0000
إلى هؤلاء الأبطال أهدي بحثي المتواضع
شكر وعرفان
مصلح الوفاء : من اسمك يعرفك الجاهلون ، ويطمئن إليك العارفون 0000 شيخي وإستا ذي أحمد مصلح لك الشكر من أعماق قلبي ، لك الوفاء من كل عضو من أعضاء جسمي ، على صبرك وتواضعك معي 0000
إدارة المعهد : يا إدارة النور والسلام ، يا رمز الخير والإيمان ، بزيادها المعطاء ، وراشدها إلى الخير والوفاء ، وأعضائها إلى المجد والنقاء 0000 لكم الشكر على ما سخرتموه من أجلنا بكل فخر وصفاء 0000
أساتذة المعهد : رشداء الخير ، صناع المجد ، عظماء الفخر 0000 إلى هؤلاء شكري وامتناني على وفائهم الجميل ، وصبرهم الطويل 000 من أجل أبنائهم وتلاميذهم 0000
إدارة المكتبة : حماد يا من غبت عن وطنك ، وذكرك شعبك المخلص في أغلفة الكتب قبل روحها 000 لك الشكر ميتا وحيا ، وأهدي هذا البحث إلى روحك الطيبة0000 يا رضوان الرضا ، ومالك الوفاء ، وسعود السعادة 000 لكم مني الشكر على صبركم في تسهيل الأمر لي في التعامل مع المكتبة 0000 (1/1)
صفحة 2
إلى كل من مد لي يد العون ، وأهدى لي خالص النصيحة ، وعلى رأس هؤلاء إستاذي المخلص محمد الزيني ، ومعلمي الحنون عاشور كسكاس ، وإستاذي الناصح رشدي أبو شبانة 0000
كما أني أخص إخوتي المخلصين سعيد الريامي ، وقاسم المحروقي ، وناصر البادي ، ومحمد الشامسي ، وعمر الوهيبي ، ومحمد المسقري ، وخالد أولاد ثاني ، وعبيد الهنائي ، وأحمد الشعيبي ، وتكر الحاج موسى ، وإسباط الريامي 000 وجميع من مد لي يد العون والمساعدة 0000
ولا أنسى إخوتي في مدينة المجد بهلا 000 خالي صالح ، وإستاذي سليمان ، وجاري حمود ، وإمامي حميد ، ومزارعي خميس ، وجميع إخواني وأصدقائي ومشائخي 0000 لهم مني أعمق شكر ، وأخلص ثناء0000
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
... الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على النبي الأمين ، وعلى آله وصحبه وتابعيه بإحسان إلى يوم الدين .
... أما بعد :
... فإن الأمة اليوم تمر بمحن شداد ، وعقبات صعاب ، وعلى رأسها الغزو الثقافي والفكري الغربي ، خاصة بعد تطور وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية .
... لقد جر هذا الغزو الثقافي الغربي كثيرا من العادات الغربية إلى بلاد المسلمين ، من هنا وقع الخلاف في الأمة في النظر إلى هذا الدخيل في الأمة .
... ولئن كان الغناء والمعازف من الأمور الموروثة في العالم الإسلامي ، إلا أن فلسفته ووسائله قد تطورت ، نتيجة ما يسمى بالتبادل الثقافي ، فلم يعد مقصورا على جلسات المغنين والمولعين بالغناء والمعازف ، بل أصبح يداخل الإنسان معظم أوقاته ، في بيته وسوقه ، في سيارته وغرفته ، بجانب أنه لم يعد مقصورا على المقطوعات الغنائية ، التي يردد فيها بعض الكلمات مع مصاحبة آلة غالبا ، بل أصبح أعم من ذلك ، فهناك المؤثرات الصوتية ، وهناك المسرحيات الغنائية ، وغيرها من الأنواع . (1/2)
صفحة 3
... وإذا كان الناس في الماضي قد اختلفوا في الدخيل الغنائي من بلاد الفرس والروم ؛ فمن باب أولى أن يختلفوا اليوم ، وقد تطور الغناء والمعازف تطورا هائلا ، وإذا تعودنا أن نرى استخدام الغناء والمعازف سابقا في الشر ؛ فقد استخدم الغناء اليوم في الخير والشر .
... من هنا وقع الناس اليوم في حيص بيص من أمرهم ، بين التعامل مع الغناء وبين اختلاف العلماء في الغناء والمعازف ، بل الأمر أكثر من هذا ؛ فقد دخل التكفير والتفسيق بين المسلمين نتيجة الخلاف الواقع بينهم في أمر الغناء والمعازف .
... والدعاة إلى الله الذين هم أمل الأمة ، وفخر المجتمع ، أصبحوا يعيشون في تفرق وخصومة فيما بينهم ، فهناك من ينظر إلى البديل ، وهناك من يتمسك بالنص ، وليت كل واحد منهم عبر عن رأيه ، وصرح بفكرته ، ما دام لم يخرج عن دائرة الدين ، وإنما هي قضايا اجتهادية ، ومسائل فرعية ؛ فلقي الاحترام من أخوته ، وسعة الصدر من إخوانه في الله ، ولكن قل ما يجد هذا ، بل يجد السب والشتام ، فمن قائل أنك متأثر بالغرب ومن شايعهم من المسلمين ، وآخر إنك خالفت أصول الدين وعلماء الأمة ، من هنا يدخل التفرق والتشتت ، والتنابز والتباغض ، والنتيجة تكون في صالح الأعداء ، فبدلا أن يجندوا أوقاتهم في إصلاح المجتمع ، ومحاربة الفساد ، أصبحوا يضيعون أوقاتهم في الردود الهزيلة ، والأعداء من حولهم يفسدون الشباب والمجتمع .
... من هنا أدعو إخواني الدعاة إلى حرية الرأي ما دامت المسألة اجتهادية ، لا تصل إلى درجة القطع ، فكم من من مسألة اختلف فيها العلماء ، وكم من رأي تباينوا فيه ، فإذا لم نتعود على سعة الصدر ، وحرية الرأي ؛ فلن نستطيع تحمل أعباء الدعوة ، ونشر الفضيلة .
... والسلف الصالح كانوا خير قدوة لنا ، فهؤلاء الصحابة قد اختلفوا بينهم ، ولكنهم احترموا بعضهم بعضا ، وليس عنا اجتهادات عمر ، ومخالفته لجمهور الصحابة ببعيد . (1/3)
صفحة 4
... من هنا أردت كتابة هذا البحث المتواضع ، لأبرهن للدعاة والقراء أن مسألة الغناء من المسائل الفقهية التي يسع الخلاف فيها ، لذلك حاولت الجمع بين مذاهب العلماء في الغناء والمعازف ‘ ووضعتها بين يدي القارئ الكريم ؛ ليعمل فيها عقله ، ولينظر بنفسه إلى سعة الدين ، وعظيم مقاصده .
... وقد ركزت في دراستي لهذا الموضوع على جوانب أربعة ، وهي على الترتيب : الجانب التأريخي ،والفقهي ، والروائي ، والدعوي ؛ لكي يظهر الترابط بين هذه الجوانب ، وأستطيع بذلك فهم الغناء والمعازف من معظم جوانبه ، وكنت أتمنى الإسهاب في الجانب الروائي لعلاقته الوطيدة بالبحث ، ولكن طلب المعهد بالاختصار جرني إلى ذكر بعض الأمثلة للاستشهاد ، وبيان الفكرة المقصودة .
... هذا وقد واجهتني بعض الصعوبات في كتابة البحث ، وعلى رأسها ضيق الوقت نتيجة كثرة المواد المقررة في المعهد ، ومع ذلك حاولت تجنب الصعاب ، وتحمل المشاق ، فكان هذا البحث في صورته المتواضعة .
... أما عن الهيكل التشكيلي للبحث فكان كالتالي :
*الفصل الأول : تحدثت فيه عن الجانب اللغوي لبعض الكلمات التي كان لها علاقة بالبحث ، وقسمت هذا الفصل إلى ثلاثة مباحث :
... # المبحث الأول : عرفت فيه الغناء واللهو واللحن والشعر من جهتي اللغة والاصطلاح .
... # المبحث الثاني : عرفت فيه الآلات والمعازف والموسيقى من جهتي اللغة والاصطلاح .
... # المبحث الثالث : بينت فيه العلاقة بين التعاريف المذكورة آنفا .
*الفصل الثاني : تحدثت فيه عن نشأة الغناء والمعازف وفلسفتهما في التأريخ ، حيث قسمت التأريخ إلى خمسة أقسام ( القديم ، والجاهلي ، والنبوي ، والإسلامي ، والحديث ) ، وكان في هذا الفصل مبحثان :
# المبحث الأول : تحدثت فيه نشأة الغناء والمعازف في التأريخ .
# المبحث الثاني : فلسفة الغناء والمعازف في التأريخ . (1/4)
صفحة 5
*الفصل الثالث : وفيه درست نظرة المذاهب الفقهية الستة ( الإباضية ، والجعفرية ، بجانب المذاهب السنية الأربعة ) إلى الغناء والمعازف ، وتطرقت بعدها إلى ذكر بعض أدلة المانعين والمجيزين للغناء والمعازف ، وأخيرا درست بعض الشخصيات من العلماء الذين كانت لهم نظرة مستقلة نحو الغناء والمعازف ، وقد قسمت هذا الفصل إلى ثلاثة مباحث :
# المبحث الأول : تحدثت فيه عن المذاهب الفقهية الستة ونظرتهم نحو الغناء والمعازف .
# المبحث الثاني : ذكرت فيه بعض أدلة المانعين والمجيزين للغناء والمعازف مع مناقشتها .
# المبحث الثالث : ذكرت فيه بعض العلماء وفلسفتهم نحو الغناء والمعازف .
*الفصل الرابع : وفيه تحدثت عن الجانب الدعوي الفقهي ، ومدى ارتباطه بالجانب الفقهي ، من خلال بعض مسائل الغناء .
... هذا - ولله الحمد - لم تواجهني أية صعوبات في المصادر ، فالمصادر متوفرة ، إلا أن المصادر الإباضية قل ما تشير إلى الغناء ، وإذا أشارت إليه فكان من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لا من باب دراسة مسائل الغناء ؛ لذلك كان من الصعب وضع فلسفة خاصة للإباضية نحو الغناء والمعازف .
... وفي الختام أشكر الله – تعالى – على توفيقه وسداده ، واطلب منه العفو والمغفرة إن وقعت في تقصير أو خطأ ، فإني ما قصدت إلا الإصلاح ، وما توفيقي إلا بالله ، والحمد لله رب العالمين .
بدر بن سالم بن حمدان العبري
الفصل الأول
المصطلحات الهامة المتعلقة بالبحث
وفيه ثلاثة مباحث :
? المبحث الأول : تعريف الغناء اللهو واللحن والشعر لغة واصطلاحا
? المبحث الثاني : تعريف الآلات والمعازف والموسيقى لغة واصطلاحا
? المبحث الثالث :علاقة المصطلحات المذكورة آنفا بعضها ببعض
//////////أين الفصل الأول؟؟///////////
الفصل الثاني
الغناء والمعازف وفلسفتهما في التأريخ
وفيه مبحثان :
? المبحث الأول : نشأة الغناء والمعازف .
? المبحث الثاني : فلسفة الغناء في التأريخ . (1/5)
صفحة 6
الفصل الثاني
الغناء والمعازف وفلسفتهما في التأريخ
? تمهيد :
إن الله خلق هذا الكون العظيم ، وجعل فيه من السنن الكونية التي تدعو الإنسان
إلى النظر وأخذ العبر ، حتى يوظف السنن في بناء الحياة البشرية .
... ومع هذا فالإنسان قاصر عن توظيف السنن الكونية توظيفا متكاملا يجمع بين الروح والمادة ، من هنا جاءت الشريعة الغراء ـ منذ بداية الوجود الإنساني على ظهر البسيطة ـ ترشد الناس إلى الطريقة المثلى في التعامل مع هذه السنن .
... ومن هذه السنن سنة الصوت ، فكثير من المخلوقات لها صوت ، فالرعد له صوت ، والماء عندما يجري يحدث صوتا ، والعصفور عندما يغرد يحدث صوتا جميلا، ومن الطبيعي أن يكون لبعض الآلات المصنوعة من الخشب وغيره لها صوت يتغير من آلة إلى آلة ، فمنها ما يصدر صوتا متصلا كالعود ، ومنها يحدث صوتا متقطعا كالطبل .
... والإنسان بفطرته يتأثر بهذه الأصوات تأثرا عجيبا ، وقد يؤدي تأثره بهذه الآلة أن يستخدمها استخداما يفسد حركة الحياة ، ويقودها إلى الفشل والانحطاط ، من هنا لابد من حسن التعامل مع هذه السنة الكونية ، وهذا لا يتم إلا برسالة السماء .
... والسؤال المطروح للإجابة عنه في هذا الفصل هل البشرية استطاعت أن تتعامل مع هذه السنة الكونية تعاملا تبني به حياتها روحا ومادة ؟ ، وما موقف الشريعة الربانية من هذا التعامل ؟ ، هذا ما سأحاول الإجابة عنه في الفصل هذا.
...
- 14 -
المبحث الأول
نشأة الغناء والمعازف
... الناظر إلى حياة الإنسان في العصور القديمة يجده تعرض لكثير من أخطار الطبيعة ومشاكلها التي تحيط به ليل نهار ، لذا لا نرى عجبا أن يحاول الإنسان أن يسلي نفسه ببعض الملهيات ليواصل مسيرته في هذه الحياة . (1/6)
صفحة 7
ومن أعظم هذه الملهيات الغناء ، فالإنسان بطبيعته جسد مكون من روح ومادة ، ومن هنا كان الغناء العامل السحري الذي يؤنسه في وحشته (1) ، وييسر له مسار حياته ، ليسد الفراغ الذي ألمّ به من جراء صراعه مع الحياة ، ولكن كيف استطاع الإنسان التوصل إلى الغناء والمعازف ؟ ومتى كان ذلك ؟ هذا ما سنحاول البحث عنه في هذا المبحث .
وقبل الدخول في الموضوع نلقي نظرة حول آلات الغناء من حيث أنواعها ليسهل علينا دراسة الموضوع ، حيث قسم الإمام أبو منصور محمد بن زيلة ت( 440هـ) (2) آلات الغناء إلى ثمانية أقسام :
*القسم الأول : آلات ذوات أوتار ودساتين مشدودة على مواضع النغم ، لتنتقل الأصابع عليها في اتخاذ النغم كالعود والطنبور .
*القسم الثاني : آلات ذوات أوتار بلا دساتين تدل على مواضع النغم ، حيث الاختلاف بين مواقع النغم المختلفة بطول النغم وتطويله بأشباه الحاملات والأعمدة كالعنقاء .
*القسم الثالث : آلات ذوات أوتار يجر عليها كالرباب .
__________
(1) 1عبد الستار سليم، دندنة على سن القلم وكيف تتذوق الموسيقى، مقال نشر في مجلة السراج العمانية الثقافية الشهرية ،عدد ( 5 )، ذو القعدة { 1412 هـ / 1992 م )، ص ( 92 ) ، ويرى دارون :( أن عادة التصويت الموسيقي نمت عند الإنسان الأول كوسيلة الجاذبية الحبشية، وتتصل بأقوى المشاعر كالحب والمنافسة والانتصار ).
حسين فوزي ، محيط الفنون ، بحث الموسيقى الأوروبية من اليونان حتى القرن التاسع عشر ، ج ( 2 ) ، ط دار المعارف / مصر ، ص ( 92 ) .
(2) الحسين بن محمد بن زيلة أبو منصور ، حكيم عالم بالرياضيات ، ماهر في الموسيقى ، عارف بالأدب ، من تلاميذ ابن سينا ، من كتبه النفس والكافي في الموسيقى وغيرها ، توفي عام ( 440 هـ ) .
خير الدين زركلي ، الأعلام ، ج ( 2 ) ، ط دار العلم للملايين – لبنان / بيروت ، الطبعة السابعة 1986 م ، ص ( 254 ) .
- 15 - (1/7)
صفحة 8
*القسم الرابع : آلات لا أوتار لها، فمن ذلك ما هو منفوخ متلقما كالناي ، ومنها ما هو منفوخ من ثقب كاليراع ، ومنها ما هو منفوخ بآلة صناعية كالمزمار .
*القسم الخامس : آلات تطرق بالمطاريق كالصنج الصيني .
*القسم السادس : آلات أعدت لاتخاذ نقرات النغم ، وعدد نقرات الإيقاع وإظهار المقاطع دون محاكاة مواقع النغم المختلفة كالطبول والدفوف .
... *القسم السابع : آلات تصوّت بقرع تقرع به الآلة ؛ فيأتي الصوت والنغم فيها متقطعا على حسب تقطيع القرعات كالعود .
... *القسم الثامن : آلات تصوّت بقرع تقرع به الآلة ؛ فيأتي الصوت والنغم فيها متصلا كالناي والسرناي (1) .
*المطلب الأول : الغناء والمعازف في العصور القديمة :
... عندما نتحدث في هذا البحث عن العصور القديمة ؛ فإننا نقصد بذلك الفترة الزمنية منذ نزول آدم عليه السلام وحتى قيام الحضارة الإسلامية على يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، ويدخل في هذه الفترة الحضارات التي قامت فيها كالحضارة المصرية والإغريقية وغيرها ، مع استثناء فترة الجاهلية ؛ حيث وضعنا لها فصلا مستقلا لعلاقتها الوطيدة ببحثنا هذا .
... أشرنا آنفا إلى الصراع الذي قام بين الإنسان والطبيعة ، مما أدى إلى محاولة الإنسان أن يسلي عن نفسه ببعض الملهيات التي تعطيه نشاطا في مواصلة حياته من جديد ، ولا توجد إشارات يمكن الاطمئنان بها في بداية استخدام الإنسان قديما للمعازف،
__________
(1) أبو منصور الحسين بن زيلة ، الكافي في الموسيقى ،تحقيق زكريا يوسف ، ط دار العلم – مصر / القاهرة ، الطبعة الأولى 1964 م ، ص ( 72 – 74 ) ، النص منقول بتصرف .
- 16 - (1/8)
صفحة 9
إلا أنه من المؤكد أن حنجرته هي آلته الأولى وضربات يديه ووقع أقدامه ، ثم تطور الأمر شيئا فشيئا (1) ، هذا بالنسبة للمعازف أما الغناء بدون آلة فلا شك أنه أقدم عهدا ، وأسبق تاريخا ؛ لقربه من الفطرة ، ولسهولته على اللسان ، ومع هذا لا يمكن تحديد وقت ظهوره ، يقول غطاس عبد الملك خشبة : (( ليس لنا أن نحدد عهدا معينا يمكن أن يقال إن الغناء ظهر فيه ، ولكن الثابت إن العهد الذي استنبطت فيه الآلات الموسيقية كان لاحقا ، فهذه قد اخترعها الإنسان منذ أمد بعيد في القديم ، ثم توسع في صناعتها ، وهذبها لتكون أطوع في تناول النغم منها ، وأكثر مطابقة للأصوات الطبيعية في الألحان ؛ فتزيدها بهاء ونقاء وتكسوها زينة000 )) (2) .
... وجاء في التوراة إشارات إلى أن آلات الغناء ظهرت قبل الحضارة المصرية القديمة، حيث ذكر فيها أن أول من اتخذ الغناء والإيقاع على المعازف بنو لامك من نسل قابين، وقيل إن يوبال بن لامك هو أول من اخترع العود (3) ، بل بعضهم بالغ أكثر حيث روى أن أول من أظهر العود نوح - عليه السلام - ، وأنه عدم منه عند الطوفان ، ثم أنه في عهد داود عليه السلام استخرج وهذب وضرب به ، وذكر العلماء أن العود الذي كان يضرب به داود - عليه السلام - لم يزل ملقى بعد وفاته في بيت المقدس إلى حين دخول بختنصر وخراب بيت المقدس (4) ، وحكى بعضهم إجماع أهل الصناعة أن أول من أحدث العود داود عليه السلام (5) ،
__________
(1) مجلة السراج ، مجلة ثقافية شهرية عمانية، عدد( 5 )، ذو القعدة( 1412 هـ ) / مايو ( 1992 م) ، ص ( 92 ).
(2) الموسيقى الكبير، ص ( 15 – 17 ) ، الكلام منقول من كلام المحقق غطاس عبد الملك خشبة في مقدمته للكتاب .
(3) المرجع نفسه ، ص (15 - 17 ) .
(4) رسالة في علم الموسيقى ، ص (15 – 16 ) .
(5) المرجع نفسه ( 15 - 16 ) .
- 17 - (1/9)
صفحة 10
إلا أن الصفدي ت ( 764 هـ ) رد هذا الإجماع وبين أنه لم يثبت (1) ، واستدل بعضهم بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي موسى الأشعري (2) :
__________
(1) المرجع نفسه ( 15 – 16 ) .
(2) عامر بن الحارث بن هانئ بن كلثوم وقيل اسمه كعب روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعنه عبد الرحمن بن غنم الأشعري وأبو صالح الأشعري وآخرون مات في خلافة عمر بن الخطاب .
(
ابن حجر العسقلاني ، تهذيب التهذيب ، تحقيق حسن الأسد ج 12 ط دار الفكر – لبنان / بيروت ، الطبعة الأولى 1404 هـ/ 1984م ، ص ( 239 ) ). (1/10)
صفحة 11
إنه أعطي مزمارا من مزامير آل داود (1) .
__________
(1) أخرجه مسلم بلفظ قريب من طريقين: الأول من طريق أبي عبدالله بن بريدة ، والثاني من طريق أبي موسى الأشعري ، كتاب الصلاة ، باب استحباب تحسين الصوت بالقران ، ( أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري ، صحيح مسلم بشرح النووي ، ج ( 5 ) ، ط دار الفكر – لبنان / بيروت ، ط 1401 هـ / 1981 م ، ص ( 80 ) ) ، و النسائي بلفظ قريب ، أخرجه من طريقين الأول من طريق أبي هريرة ، والثاني من طريق عائشة، كتاب الصلاة ، باب تزيين القران بالصوت ، ( سنن النسائي بشرح السيوطي ، ج ( 1 ) ، ص ( 180 – 181 ) ) ، و ابن ماجة بلفظ قريب من طريق أبي هريرة، كتاب ( 5 ) إقامة الصلاة والسنة فيها ، باب ( 176 )، حديث رقم ( 1341 ) ، ( سنن ابن ماجة ، ج ( 1 ) ، ص ( 425 – 426 ) ) ، والدارمي بلفظ قريب من ثلاثة طرق، الأول من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن ، والثاني من طريق أبي بريدة عن أبيه ، والثالث من طريق أبي هريرة، كتاب فضائل القران ، باب ( 34 ) ، أحاديث رقم ( 3364 / 3370 / 3371 ) ، ( أبو محمد عبدالله بن عبد الرحمن الدارمي ، سنن الدارمي، تحقيق مصطفى ديب البغا، ج ( 2) ، ط دار القلم – سورية / دمشق ، الطبعة الثالثة 1417 هـ / 1996 م ، ص ( 928 – 929 ) ) ، وعزاه الشوكاني في إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع ، ط دار الحرمين للطباعة / مصر ، الطبعة الأولى 1419 هـ / 1999 م ، ص ( 45 ) – إلى عبد الرزاق في مصنفه ، حيث رواه بلفظ مختلف، وفيه أن داود عليه السلام كان يأخذ المعزفة فيضرب بها فيقرأ عليها ، وصحح الشوكاني سند الرواية ، ورواه سعيد بن رزي من طريق أنس ، والحديث ضعيف لأن سعيدا ليس بثقة ، ( محمد بن طاهر المقدسي ، ذخيرة الحفاظ المخرج على الحروف و الألفاظ ، تحقيق عبد الرحمن بن عبد الجبار الغريوائي ، ج ( 1 ) ، ط دار السلف – السعودية / الرياض ، الطبعة الأولى 1416 هـ / 1996 م ، ص ( 421 ) ) .
... والحديث على قول عدد من أهل العلم صحيح ، جاء في مسند ابن ماجة ، ج ( 1 ) ، ص ( 426 ) : ( في الزوائد : قلت أصله في الصحيحين من حديث أبي موسى ، وفي مسلم من حديث بريدة ، وفي النسائي من حديث عائشة ، وإسناد حديث أبي هريرة رجاله ثقات ) .
... قال الإمام النووي في تفسيره للحديث : ( 000 قال العلماء المراد بالمزمار هنا الصوت الحسن ، وأصل الزمر الغناء ، وآل داود هو داود نفسه ، وآل فلان قد يطلق على نفسه ، وكان داود حسن الصوت جدا 000 00) ، ( راجع صحيح مسلم بشرح النووي ، ج ( 5 ) ، ص ( 80 ) ) ، واستنتج محمد الغزالي من هذا الحديث أن آلة المزمار ليست رديئة وإلا لما نطق بها النبي صلى الله عليه وسلم ، ( رسالة في علم الموسيقى تقلا عن جريدة أخبار اليوم ( 30 / 4 / 1988 ) ص ( 49- 50 ) ، وكأنه يميل إلى تفسير المزمار المذكور في الحديث بالآلة المعروفة مخالفا بذلك جمهور العلماء الذين فسروه بالصوت الحسن ، ومما يؤيد كلامه ما رواه عبد الرزاق في مصنفه كما تقدم ، إلا أنه يحتمل كون المزمار مباحا في شريعته ، ثم نسخ بعد ذلك إن صحت أحاديث المنع ،كما سيأتي بيانه في الفصل الثالث .
عموما هذا الحديث فيه إشارة على وجود المزامير قبل الحضارة المصرية ، أما ما جاء في التوراة فذكرها كان من باب الاستئناس ؛ وذلك للتحريف الوارد فيها . (1/11)
صفحة 12
... وذهب جمهور الباحثين والمتكلمين في صناعة فن الغناء أن بداية ظهور آلات الغناء قبل الحضارة المصرية (1) ، وذكر حسين فوزي : أن في مصر القديمة توت رب اليراعة واللحن والرقص يبدأ الخلق بالتصفيق وبضحكات سبع يخرج من كل منهما إله ثم يضحك ست مرات ، تصدر عن كل منهما مخلوقات وظواهر جديدة ، وعندما تسمع الأرض الصيحة تزوم وتهزم ثم تميد فيتفجر منها الماء وهكذا (2) ،
__________
(1) الموسيقى الكبير ، ص ( 15 – 16 ) .
- 18 -
(2) حسين فوزي ، الموسيقى الأوروبية من اليونان حتى القرن التاسع ، بحث للمؤلف مطبوع ضمن كتاب محيط الفنون ، ج ( 2 ) ، ط دار المعارف / مصر ، ص ( 9 ) ، قلت : وكلام حسين فوزي – المذكور آنفا – ذكر من باب الاستئناس حيث فيه إشارة من قبل الأساطير الموروثة عن الحضارة المصرية وجود آلات للغناء فيها ، وإن كان مدلوله من الأساطير الخرافية وإلا فالله تعالى هو وحده الإله الحق الذي لا إله غيره ، الخالق الذي لا خالق غيره ، والله سبحانه أرسل إلى المصريين أنبياء يدعونهم إلى عبادة الله تعالى ، وعلى رأسهم موسى عليه السلام ، إلا أن الكثير منهم ضل واتبع هواه ، وعادوا إلى وثنيتهم التي حسنها في قلوبهم الشيطان حتى تصوروا إلها غير الله ، فدونوا هذا في حيطانهم حتى بقيت مع مرور الأزمان ، وفي عصرنا هذا وبعد الاكتشافات الأثرية وجدت هذه الأساطير مدونة على الصخور وغيرها ، مما استؤنس بها في وجود الآلات في الحضارة المصرية .. (1/12)
صفحة 13
وقد ترك المصريون نقوشا ولوحات يظهر فيها عازفون على مختلف الآلات تدل على المكانة الكبيرة للموسيقى عندهم ، فقد اتخذها المصريون لأغراضهم الدينية فأدوا بها طقوسهم وصلواتهم ، كما كانت الطبول تصحب المحاربين ، وأما عامة الناس فقد كانت الموسيقى والرقص الشعبي تصاحبان الناس في أعيادهم ومواسمهم ، ومن الآلات التي اشتهرت عند المصريين آلة الهارب وهي الآلة التي أصبحت تدعى بالقانون ، والهارب المصري كانت تماثله عند اليونان آلة القيثارة (1) .
... نخلص من هذا إن الآلات كانت موجودة في الحضارة المصرية ، ومن باب أولى أن ينتشر فيها الغناء العادي غير المصحوب بآلة ، ولا توجد إشارات على وجود قواعد نظرية للتعامل مع الغناء وإن كان لا يستبعد وجوده .
... ثم بعد الحضارة المصرية تطور الغناء وآلاته شيئا فشيئا حتى جاءت الحضارة الإغريقية فانتقل الغناء انتقالا كبيرا بعدما كان فنا تطبيقيا أصبح ذو قواعد نظرية ، جعلت من هذا المجال علما له أصوله ومبادؤه ، يقول غطاس عبد الملك خشبة : ( والقدماء من اليونانيين هم أول من وضع قواعد العلم والمعرفة بهذه الصناعة ، وكان علماؤهم يعدون معرفتهم بالموسيقى من مستلزمات التعاليم النظرية والفلسفية لارتباطها بالعلوم الطبيعية وعلوم المنطق ، وإلى هؤلاء يرجع الفضل في تعريف أصول مبادئ هذا العلم ) (2) .
__________
(1) عبد الستار سليم ، مقال بعنوان دندنة على سنّ القلم منشور ضمن مجلة السراج العمانية ، عدد ( 5 ) ، ذو القعدة 1412 هـ / 1992 م ، ص ( 92 ) ، للتصور أكثر على الآلات المذكورة راجع ملحق رقم ( 1 ) آخر البحث .
(2) - 19 - (1/13)
صفحة 14
... عندما انتصرت المسيحية عام ( 313 م ) على الوثنية في الدولة اليونانية أثرت تأثيرا كبيرا حيث أن المسيحية عمقت في الدولة الرومانية الحياة الروحية مما كان له أثر في تقدم الموسيقى ، وقد اتخذت مكانة هامة في الطقوس والشعائر حتى في حياة السيد المسيح (1) ، فالنصرانية أثرت في تقدم الموسيقى لاهتمامها بالجانب العاطفي ، كما أنها تأثرت هي ذاتها حيث دخل عليها الكثير من الشعائر الوثنية نتيجة الموسيقى والغناء ، من ذلك دخول الغناء في الشعائر التعبدية في الكنيسة أدى إلى انتقال بعض المؤثرات الوثنية إلى النصرانية في المجال التعبدي الاعتقادي ، ويضرب حسين فوزي مثالا لتأثر النصرانية بالوثنية : وهو دخول بعض المبادئ الوثنية عن طريق التهليلات المصحوبة أحيانا بالموسيقى وهو ما يعرف (بهللوايا) ، التي أول من ألفها من النصارى رهبان الصحراء في مصر وسوريا (2) .
ويشير بعض الباحثين أن العود تأخر دخوله إلى الدولة الرومانية إلى القرن السادس عشر ، حيث دخل عن طريق العرب (3) ، وفي الحقيقة تشير الروايات أن العود كان موجودا في الدولة الرومانية ، فقد ذكر الصفدي ت ( 764 هـ ) (4)
__________
(1) المصدر نفسه ، ج ( 2 ) ، ص ( 15 ) .
(2) المصدر نفسه ، ج ( 2 ) ، ص ( 15 ) .
(3) المصدر نفسه ، ج ( 2 ) ، ص ( 44 ) .
(4) خليل عز الدين أيبك الصفدي نسبة إلى صفد في فلسطين ، برع في النظم والرسم والنثر والموسيقى وغيرها من الفنون ، من كتبه رسالة في علم الموسيقى ، مات سنة ( 764 هـ ) .
(
راجع مقدمة عبد المجيد دياب لكتاب رسالة في علم الموسيقى ، ص ( 53 54 ) ) . (1/14)
صفحة 15
رواية مفادها أن الأسكندر كان في صحبته عود لما كان يطوف بالبلاد يضرب به تلميذا لأرسطوطاليس مؤدب الإسكندر ، فإذا كان عنده ما يغير مزاجه من انقباض أو حدث له كسل دعا ذلك التلميذ فأحضر له العود فضرب به فيزول ما يجده (1) ، ومما يدل على ضعف قولهم تطور الحضارة الرومانية ، فمن المستبعد عدم علمهم بالعود إلى وقت متأخر والعود أساس الآلات وأقدمها وأسهلها .
والعرب تأثروا تأثرا كبيرا بفلاسفة اليونان، خاصة في العصر العباسي نتيجة ترجمة الكتب اليونانية إلى العربية ، فنشأ عندهم فلاسفة برعوا في الموسيقى كالفارابي ت ( 300 هـ ) وابن سينا ت ( 428 هـ ) (2) والصفدي ت ( 764 هـ ) وغيرهم من العلماء والفلاسفة ، ويمكن أن يقال إن أخذ العرب لآلات الغناء كان من الحضارة الفارسية ، أما أخذهم لأصول ومبادئ الغناء فقد كان من الحضارة الرومانية .
أما الدولة الفارسية فقد كان الغناء فيها وآلاته متقدما لاهتمام المجوسية بالموسيقى كجزء من شعائرهم التعبدية ، ففي بلاد فارس حفل البلاط الفارسي بالقيان يعزفن ويغنين ، وكان ملوك الفرس يرفعون الموسيقيين ، ويقال إنهم هم الذين صنعوا الناي والحنك والمربع والمزهر (3) .
... وقد أثرت الحضارة الفارسية أيضا على العرب ، إذ كان الفرس أساتذة العرب فقد نقلوا معهم الآلات والألحان والمصطلحات الموسيقية التي ما يزال منها موجودا إلى اليوم ، بل حتى النغمات المكونة للمقام لا زالت كلها فارسية النطق مثل الدوكاة (4) .
__________
(1) رسالة في علم الموسيقى ، ص ( 117 – 118 ) .
(2) ابن سينا الملقب بالشيخ الرئيس ، عالم في الطب والفلسفة والموسيقى وغيرها من الفنون ، من كتبه رسالة في الموسيقى ، ت ( 428 هـ ) .
( راجع مقدمة عبد المجيد دياب لكتاب رسالة في علم الموسيقى ، ص ( 26 ) ) .
- 20 -
(3) دندنة على سنّ القلم ( مجلة السراج العمانية ) ، ص ( 91 – 92 ) .
(4) المصدر نفسه ، ص ( 92 ) . (1/15)
صفحة 16
... وبعد ما أشرنا في هذا المطلب إلى أهم الحضارات الثلاث ( المصرية واليونانية والفارسية ) التي حددت مسار التأريخ القديم لا ننسى حضارات أخرى كان للغناء فيها دور ، والذي يدل على هذا الآثار التي كشفت الستار عن تلك الحضارات كالبابلية والآشورية والكلدانية وحضارتي مجان ودلمون ، وهذه الحضارات – بلا شك – كان لها اتصال بالحضارات الأخرى بالوسائل المتوفرة آنذاك كالتجارة والحروب ، مما أدى إلى تبادل حضاري وهو ما يسمى اليوم بالتبادل الثقافي ، ومن هذا التبادل التبادل في المجال الغنائي .
وفي نهاية المطلب نوجز أهم الآلات التي صنعت في العصور القديمة التي من أهمها :
1 – العود : وهو من الآلات الوترية المألوفة منذ القدم عند الأمم الشرقية ، لا تماثلها آلة أخرى في سهولة استعمالها ، وفخامة النغم الخارجة منها ، ومطابقتها لأنواع الأصوات الإنسانية (1) .
2 – الطنبور : من الآلات القريبة من العود ، ويستخرج منها النغم بقسمة الأوتار التي تستعمل فيها (2) ، والطنبور فارسي معرّب (3) .
3 – المزمار : من الآلات التي يحدث فيها النغم بمصاحبة الهواء السالك في المنافذ المعمولة فيها لمقعرات تلك المنافذ (4) .
4 – السرناي : صنف من المزامير غير أنها أحد تمديدا من سائر أصنافها ، وقد جرت عادة مستعمليها أن يجعلوا على محدبها ثمانية معاطف (5) .
__________
(1) الموسيقى الكبير ، ص ( 498 ) ، ( من الهامش ) .
(2) المرجع تفسه ، ص ( 629 ) .
(3) مختار الصحاح ، باب ( الطاء ) ، مصدر ( طنب ) ، ص ( 360 ) .
(4) الموسيقى الكبير ، ص ( 772 ) .
(5) المرجع نفسه ، ص ( 787 – 788 ) .
- 21 - (1/16)
صفحة 17
5 – الرباب : آلة وترية قديمة الشهرة ، قليلة الاستعمال في وقتنا هذا ، وأقدم أصنافها الرباب المصري ، وهي التي يسميها الأوروبيون كمانجة عجوز ، وهي ذات صندوق نصف بيضاوي ، ويشدّ عليها وتران أكثر الأمر ، وقد دخلت آلة الرباب أوروبا عن طريق الأندلس ، وتطورت صناعتها تدريجيا ، وهي تعرف في القرن السابع عشر بآلة الكمان (1) .
6 – الصنج : صنف من أصناف المعازف ، غير أن الصنج قد تسمى به آلة الإيقاع القديمة التي يستعملها الكهنة ، وهو قطعتان من النحاس مستديرتان يضرب بإحداهما فوق الأخرى (2) .
7 – الكوبة : طبل طويل متسع الطرفين ضيق الوسط (3) .
8 – الطبل : شكل اسطواني متسع الأطراف والوسط .
9 – الدف : شكل دائري مفتوح أحد الجانبين .
10 – الكمنجا : هي الرباب ذات القوس بالفارسية (4) .
11 – الكنارة : آلة وترية مصنوعة من الخشب ، مثبتة أوتارها في إطار خشبي غير منتظم الأضلاع أحد ضلعي الجانبين أقصر من الآخر ، ويجري ضبط أوتارها بانزلاق الحلقات المثبتة على الضلع الأمامي للإطار ، وهي المعروفة بالسمسمة (5) .
هذه نبذة عن أشهر الآلات في العصور القديمة ، ولا شك هناك آلات أخرى غير هذه الآلات ، وفي المطلب الثاني نتحدث عن الغناء والمعازف في العصر الجاهلي وبذلك تكتمل العصور القديمة .
*المطلب الثاني : الغناء والمعازف في العصر الجاهلي :
__________
(1) المرجع نفسه ، ص ( 800 ) ، من الهامش .
(2) المرجع نفسه ، ص ( 823 ) .
(3) ياسين محمد حس، الإسلام وقضايا الفن المعاصر ، ط دار الألباب / دمشق – بيروت ، الطبعة الأولى 1410 هـ / 1990 م ، ص ( 219 ) .
(4) رسالة في علم الموسيقى ، ص ( 108 ) .
(5) محمد أحمد الخفي ، الموسيقى المصرية حتى الفتح العربي ، بحث منشور ضمن كتاب محيط الفنون ، ج ( 2 ) ، ط دار المعارف / مصر ، ص ( 54 ) .
- 22 - (1/17)
صفحة 18
... أشرنا سابقا إلى أن الأصل أن يكون العصر الجاهلي داخلا في العصور القديمة ، لذا فهو نتاج من نتاجها ، ومن هنا لا نجد فرقا كبيرا إلا أن العصر الجاهلي اهتمامه بالغناء أقل ، ولعل هذا راجع إلى قسوة البيئة مما جره إلى الانشغال بتوفير لقمة العيش ، ولعله أيضا راجع إلى كثرة الحروب بين القبائل العربية ، إلا أن هذين العاملين ساعدا في وجود الغناء ولو بصورة بسيطة .
... العصر الجاهلي سُمي ضد الطيش والتعصب القبلي لا ضد العلم ، ويمتد تقريبا من ( 150 ) سنة قبل البعثة إلى( 200 ) سنة، ويدخل فيه الجزيرة العربية عموما ، وتعتبر اليمن أكثر مناطق الجزيرة تقدما في المجال الغنائي ، وذلك لكثر الحضارات التي قامت فيها ، إلا أن ما كتب عن الحجاز في المجال الغنائي كان أكثر من غيره ، وذلك راجع إلى اهتمام المسلمين بهذه المنطقة في هذه الفترة ، ليتسنى لهم فهم التأريخ الذي بعث فيه النبي صلى الله عليه وسلم .
... من أهم الآلات التي عرفها العرب في الجاهلية الدف والمزمار والطبل والقضيب والزهر والبربط (1) ، وهو آلة تشبه العود .
... والغناء في العصر الجاهلي تأثر بالدول التي حوله كالرومانية والفارسية ، وتعتبر عمان والبحرين من أكثر المناطق تأثرا بالفارسية ،وهذا عائد إلى استعمار الفرس لهذه المناطق خاصة المناطق الساحلية منها.
__________
(1) دندنة على سنّ القلم ، ( مجلة السراج العمانية ) ، ص ( 92 ) . (1/18)
صفحة 19
... ومن مظاهر تأثر العرب بالفرس انتشار القيان ، حيث كان بعضهم يجلب القيان من بلاد فارس والأغريق (1) ، فقد روى أبو الفرج الأصبهاني (2) ت ( 356 هـ ) في كتابه الأغاني عن حسان بن ثابت (3) ت ( 80 هـ ) يصف ليالي الجاهلية : ( لقد رأيت عشر قيان خمس روميات يغنين الرومية بالبرابط ، وخمس يغنين غناء أهل الحيرة ، وكان حبلة بن الأبهم إذا جلس للشراب فرش تحته الآس والياسمين وأصناف الرياحين ، وضرب له العنبر والمسك في صحائف الذهب والفضة ، وأوتد له العود المندى إن كان شاتيا ، وإن كان صائفا بطن بالثلج ، وأتى هو بكسى صيفية يمتاز هو وأصحابه بها ، 000 – ثم قال : - وما رأيت منه حتى الفحش ولا عربدة ) (4) .
__________
(1) ناصر الدين الأسد ، الغناء والقيان في العصر الجاهلي ،( الطبعة مجهولة ) ، ص ( 59 ) .
(2) عي بن الحسين بن حمد القرشي الأموي المعروف بالأصبهاني ، ولد بأصبهان سنة ( 284 هـ ) ، نشأ ببغداد واستوطن فيها ، من شيوخه أبو بكر بن زيد والفضل بن الحباب الأنباري وجعفر بن قدامة ، من كتبه الأغاني ومقاتل آل أبي طالب وأدب السماع ، مات سنة ( 356 هـ ) .
( أبو الفرج الأصبهاني ، الأغاني ، تحقيق عبد أ . علي مهنا و سمير جابر ، ج ( 1 ) ، ط دار الفكر – لبنان / بيروت ، الطبعة الأولى 1407 هـ / 1986 م ، ص ( ج – م ) ) .
(3) حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام ، من بني النجار الأنصاري ، من شعراء الإسلام ، يكنى أبا الوليد ، وقيل : أبا عبد الرحمن ، وأمه الغيرعة بنت خالد بن قيس ، يقال له شاعر الرسول – صلى الله عليه وسلم – توفي بالشام عام
(80 هـ ) .
أبو عمر يوسف بن عبدالله بن عبد البر ، الاستيعاب في معرفة الأصحاب ، تحقيق : علي محمد اليحاوي ، ج ( 3 ) ، ط دار الجيل – لبنلن / بيروت ، ط 1413 هـ / 1993 م ، ص ( 341 - 342 ) .
- 23 -
(4) الغناء والقيان في العصر الجاهلي ، ص ( 61 ) . (1/19)
صفحة 20
... وكان للجانب الإنشادي انتشار في ا لعصر الجاهلي ، وهو غالبا بدون آلة ، وقد يصحبه بعض الآلات كالدف ، ومن أنواع الإنشاد عندهم الحداء ، وهو عادة ما يستخدم في الترحال ، فقد كان يستعين به في أسفاره ، يؤنس به نفسه ، ويستحث به مطيته ، حتى قال بعضهم :
فغنها وهي لك الفداء * * * * * إن غناء الإبل الحداء (1)
... والحداء ذاته يؤثر على الإبل ؛ فهي تهتز وتطرب فتقوى وتنشط في المسير ، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأنجشة حادي إبله : ( يا أنجشة رفقا بالقوارير ) (2) ، يريد بذلك ألا يسرف في حدائه وغنائه حتى لا تسرع الإبل فتعنف حركتها فتهتز النساء التي فوقها اهتزازا مؤلما ، قد يؤدي إلى سقوطهن من الإبل (3) .
... وقيل إن أول من حدا من العرب مضر بن نزار بن معد ، فقد روي أنه سقط من بعير في بعض أسفاره فانكسرت يداه ، فجعل يقول :
يا يداه *****يا يداه (4)
وكان من أحسن الناس صوتا ؛ فاستوقفت الإبل ، وطاب لها السير ، فاتخذه العرب عادة لهم بعد ذلك ، ثمّ تطور شيئا فشيئا ، حتى أصبح له أنواع وتسميات مختلفة كالتغرود والموال وغيرها ، ومن قولهم في الحداء :
يا هاديا يا هاديا ***** ويا يداه يا يداه (5)
عموما كان الحداء أول الغناء عند العرب ، ثم عمدوا إلى الترنيم وترنموا فيه ، حتى أصبح على ثلاثة أوجه : النصب والسناد والهزج ، أما النصب فغناء الركبان
...
__________
(1) عبد العظيم المطغي ، الفراغ وأزمة التدين عند الشباب الداء والدواء ، ط دار الأنصار / لبنان ، الطبعة الأولى 1398 هـ / 1978 م ، ص ( 106 – 107 ) .
(3) أحمد الشرباصي ، يسألونك في الدين والحياة ، ط دار الجيل – لبنان / بيروت ، الطبعة الأولى ، ص ( 623 – 625 ) .
(4) الموسيقى الأوروبية من اليونان وحتى القرن التاسع عشر ، منشور ضمن كتاب محيط الفنون ، ج ( 2 ) ، ص ( 10 ) .
(5) المصدر نفسه ، ج ( 2 ) ، ص ( 10 ) .
- 24 - (1/20)
صفحة 21
والقينات ، وأما السناد فاللحن القليل ذو الترجيع الكثير النغمات والنبرات ، وأما الهزج فهو الخفيف الذي يرقص فيه ، ويصحبه الدف والمزمار (1) .
... ومن أنواع الغناء أيضا الموجود عند العرب غناء ترقيص الأطفال ، فقد شاع بكثرة عند العرب لكثرة المربيات ، وهذا النوع من الغناء يستخدم فيه غالبا بحر الرجز ، وهو الذي يسميه العرب ( حمار الشعر ) ليسره واستطاعة كثير من الناس أن يركبوه وينظموا عليه (2) ، والغناء كما هو معلوم له تأثير على نفسية الطفل ، وتعتبر دقات قلب الأم أول صوت يسمعه الطفل ويطرب إليه (3) .
... ومن أمثلة الترقيص المصحوب بالغناء عند الطفل ترقيص حليمة السعدية (4) -النبي صلى الله عليه وسلم - ، حيث كانت تغني حين ترقيصه- عليه الصلاة والسلام- ، ومن غنائها :
يا ربّ إذا أعطيته فأبقه *****وأعله إلى العلا ورقه
وادحض أباطيل العدا بحقه (5)
... ولم يتكلف العرب في الغناء علما وما عرفوا صناعة (6) ،
__________
(1) الإسلام وقضايا الفن المعاصر ، ص ( 166 ) .
(2) أحمد عبد التواب عوض ، الترقيص والغناء للأطفال عند العرب، ط دار الفضيلة – مصر / القاهرة ، ص ( 9 ) .
(3) المصدر نفسه ، ص ( 11 ) .
(4) حليمة السعدية ، من بادية بني سعد ، راضعة النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث تشرفت برضاعته بعد ما أبت المرضعات لفقره ويتمه عليه الصلاة والسلام ، فمنّ الله عليها وعلى أهلها وقبيلتها بالخير والبركات .
( راجع محمد سعيد رمضان البوطي ، فقه السيرة النبوية ، ط دار الفكر المعاصر – لبنان / بيروت ، ودار الفكر – سورية / دمشق ، الطبعة الحادية عشرة 1991 م ، ص ( 44 ) ) .
(5) الترقيص والغناء للأطفال عند العرب ، ص ( 23 ) .
(6) الإسلام وقضايا الفن العاصر ، ص ( 166 ) .
- 25 - (1/21)
صفحة 22
وإنما وافقوا في غنائهم بين النغمات والشعر أو ما شابهه ، هذه صور إجمالية عن الغناء وآلاته في العصر الجاهلي ، وفي المطلب الآتي نتحدث عن الغناء والمعازف في - عصر النبي صلى الله عليه وسلم - .
*المطلب الثالث : الغناء والمعازف في عصر النبي صلى الله عليه وسلم :
عندما نتحدث عن الغناء والمعازف في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم- ، فإنا نريد بذلك المجتمع الإسلامي فقط خاصة في المدينة المنورة ، فقد كانوا أكثر ترفا ورفاهية من أهالي مكة ، فلا شك إن الغناء عندهم أكثر اهتماما ، ومما يدل على هذا ما روته عائشة (1) ت ( 57 هـ ) إنها زفت امرأة الى رجل من الأنصار فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( يا عائشة ما كان معكم لهو ؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو( ،وفي رواية : ( إن الأنصار فيهم غزل فلو بعثتم معها من يقول :
أتيناكم أتيناكم *****فحيانا وحياكم ) (2) .
... والنبي - عليه الصلاة والسلام - عندما وصل المدينة ؛ استقبله أهلها وهم يرددون :
طلع البدر علينا ***** من ثنيات الوداع (3)
وعندما قام النبي - صلى الله عليه وسلم - بحفر الخندق قام ينشد مع أصحابه هذه الأبيات :
والله لولا الله ما اهتدينا ***** ولا تصدقنا ولا صلينا
فانزلن سكينة علينا ***** وثبت الأقدام إذ لاقينا (4)
وكانوا يرددون هذا الدعاء العظيم في أسلوب غنائي :
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ***** فارحم الأنصار والمهاجرة (5)
__________
(1) عائشة بنت أبي بكر الصديق ، زوج النبي – صلى الله عليه وسلم – وأمها أم رومان بنت عامر ، تزوجها الرسول – صلى الله عليه وسلم – وهي بكر ، ماتت عام ( 57 هـ ) ، وقيل : ( 58 هـ ) .
الاستيعاب ، ج ( 4 ) ، ص ( 1881 – 1885 ) .
(5)
- 26 - (1/22)
صفحة 23
وكانت القيان تغني في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فعن عائشة قالت: ( دخل عليّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم - وعندي جاريتان تغنيان غناء بعاث (1) ، فاضطجع على الفراش وحول وجهه ، ودخل أبو بكر (2) فانتهرني : مزمارة الشيطان عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأقبل النبي - عليه الصلاة والسلام - فقال: دعهما ، فلما غفل غمزتهما فخرجتا) (3) ، ومن القيان المشهورة آنذاك سيرين (4) مولاة حسان بن ثابت ت ( 80 هـ ) . ...
... أما المعازف فأكثرها وجودا في هذا العصر الدف ، وذلك للترخيص في ضربه من النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة أيام الأعراس ، فعن الرّبيع بنت معوذ (5) قالت : ( جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخل حين بني علي ، فجلس على فراشي مجلسك مني (6) ، فجعلت جويرات لنا يضربن بالدف ، ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر ، إذ قالت إحداهن : وفينا نبي يعلم ما في غد ، فقال : دعي هذا وقولي بالذي تقولين ) (7) ،
__________
(1) يوم من أيام الحرب في الجاهلية .
(2) عبدالله بن عثمان بن أبي قحافة العتيق الصديق ، ولد بعد مولد الرسول – صلى الله عليه وسلم – أول من أسلم من الرجال ، وأول خليفة بعد وفاة النبي – عليه الصلاة والسلام – مات عام ( 23 هـ ) .
مصطفى السباعي ، عظماؤنا في التأريخ ، ط المكتب الإسلامي – لبنان / بيروت ، سوريا / دمشق ، ص ( 110- 111 ) .
(4) سيرين إحدى الجاريتين المصريتين اللتين أهداهما المقوقس في التاسع الهجري ( 630 م ) ، إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد وهبها عليه الصلاة والسلام إلى شاعره حسان بن ثابت .
( راجع الغناء والقيان في العصر الجاهلي ، ص ( 63 ) ) .
(5) الربيع بنت معوذ ابن عفراء الأنصارية ، لها صحبة ورواية ، روى عنها من التابعين : سليمان بن يسار ، وعباد بن الوليد وأبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر .
الاستيعاب ، ج ( 4 ) ، ص ( 1837 – 1848 ) .
(6) الكلام موجه إلى الراوي .
(7)
- 27 - (1/23)
صفحة 24
ولا شك كانت هناك آلات أخرى بغض النظر عن موقف الإسلام منها .
... هذه نبذة مختصرة عن الغناء والمعازف في عهد النبي - عليه الصلاة والسلام- ، وفي الفصول القادمة يتضح الأمر أكثر بمشيئة الله- تعالى - .
الغناء والمعازف بين الحل ّوالتحريم0000000000000 الغناء والمعازف في العصر الإسلامي
* المطلب الرابع : الغناء والمعازف في العصر الإسلامي :
عندما نتكلم عن هذه الفترة فإنا نقصد بذلك على وجه التقريب من عام ( 11 هـ ) إلى عام ( 656 م ) وهو عام سقوط بغداد على أيدي التتار ، ويدخل في هذه الفترة ثلاث دول أساسية (الخلافة الراشدة – الدولة الأموية – الدولة العباسية) ، بجانب الدول والإمارات التي قامت في هذه الفترة من الزمان .
*أولا : عصر الخلافة الراشدة ( 11 هـ - 40 هـ ) :
تمتد هذه الفترة منذ تولي أبي بكر ت ( 23 هـ ) الخلافة بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - عام ( 11هـ)، وحتى مقتل علي بن أبي طالب (1) وتولي معاوية (2) الخلافة عام( 40 هـ ) .
... رغم الاستقرار الذي خيم في هذه الدولة إلا أنها مرت بفتن ومحن متعددة ، فمن حروب الردة في عهد أبي بكر الصديق وحتى الفتن التي حدثت في عثمان عفان (3)
__________
(1) علي بن أبي طالب بن هاشم بن قصي الهاشمي ، يكنى أبا الحسين ، أول من أسلم الصبيان ، قيل أسلم وهو ابن
(13 ) سنة ، ولي الخلافة بعد مقتل عثمان بن عفان ، وقعت في خلافته فتن إلى أن قتل عام ( 40 هـ ) .
الاستيعاب ، ج ( 3 ) ، ص ( 1089 ) وما بعدها .
(2) معاوية بن أبي سفيان بن عبد مناف ، وأمه هند بنت عتبة ، يكنى أبا عبد الرحمن ، كان هو وأبوه من المؤلفة قلوبهم ، خرج على علي بن أبي طالب ، وانتصر عليه في صفين عام ( 40 هـ ) .
(3) عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي ، يكنى أبا عبد الله وأبا عمرو ، ولد في السنة السادسة بعد الفيل ، أمه أروى بنت كريز ، تولى الخلافة بعد موت عمر بن الخطاب عام 24 هـ ، مات مقتولا سنة 35هـ 0
(
راجع أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر ، الاستيعاب في معرفة الأصحاب ، ج ( 3 ) ، ط دار الكتاب العربي – لبنان / بيروت ، طبعة 1403 هـ / 1983م ، ص ( 1037 ) فما فوق ) 0 (1/24)
صفحة 25
وعلي بن أبي طالب ، إلا أن هذه الفترة لا تخلو من وجود الغناء مع بعض الآلات ولو كان بسيطا ، خاصة الغناء الحماسي الجهادي ، فقد روى ابن عبد ربه (1) ت ( 372 هـ ) في العقد الفريد رواية من طريق عبد الله بن عمر (2) عن أبيه قال : ( مرّ بنا عمر ابن الخطاب وأنا وعاصم بن عمر نغني غناء النصّب (3) ، فقال : أعيدا عليّ ، فأعدنا عليه ، فقال : أنتما كحماري العبادي ، وقيل : أيّ حماريك شر ؟ قال : هذا ثم هذا ) (4) .
... والحركة الغنائية في هذه الفترة لا تختلف عموما عن العصر النبوي ، إلا أنه حسب روايات أهل التأريخ والأدباء – بغض النظر عن صحتها – وجود تطور بسيط في المجال الغنائي خاصة في جهة المعازف ، وهذا ناتج عن الفتوحات خاصة في بلاد الشام ومصر ، لهيمنة الدولة الرومانية على هذه المناطق .
*ثانيا : الغناء والمعازف في الدولة الأموية :
__________
(1) شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد ربه القرطبي ، مولى هشام بن عبد الرحمن بن معاوية ، ولد عام ( 246هـ ) ، كان مغرما بالموسيقى والصوت الحسن ، وكان أديبا شاعرا ، مات عام (327هـ ) 0
( راجع ابن عبد ربه ، العقد الفريد ، تقديم احمد أمين ، ج ( 1 ) ، ط دار الكتاب العربي – لبنان / بيروت ، طبعة 1403هـ / 1983م ، ص ( هـ - و ) الترجمة منقولة من كلام المقدم ) 0
(2) عبدالله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي ، أبو عبد الرحمن ، أسلم مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم ، وأجمعوا أنه لم يشهد بدرا ، واختلفوا في أحد ، وكان من رواة الأحاديث ، مات بمكة عام ( 73 هـ ) .
الاستيعاب ، ج ( 3 ) ، ص ( 950 – 952 ) .
(3) النصب غناء عند العرب ارق من الحداء 0
( راجع الفيروز آبادي ، القاموس المحيط ، تحقيق مكتب تحقيق التراث بإشراف محمد العرمسوسي ، ط مؤسسة الرسالة – لبنان / بيروت ، طبعة 1413هـ / 1993م ، باب الباء ، مادة نصب ،ص ( ) )
- 28-
(4) العقد الفريد ، ج ( 1 ) ، ص ( 8 ) . (1/25)
صفحة 26
... تمتد هذه الدولة منذ مقتل علي بن أبي طالب وتولية معاوية بن أبي سفيان الخلافة عام ( 40 هـ ) ، وحتى سقوط الدولة الأموية عام (132 هـ ) .
... وهذه الدولة تميزت بميزتين ساعدتا في تطور الغناء في هذه الفترة من الزمان ، والميزتان هما :
1 – الاستقرار الذي عمّ هذه الدولة في معظم أوقاتها لقوتها العسكرية ، إلا أنها تعرضت لثورات مختلفة خاصة في آخر في عهدها .
... 2 – الفتوحات الخارجية التي قامت بها ، وبالتالي الاستفادة من هذه المناطق المفتوحة .
... ومما ساعد على تطور الغناء في هذه الفترة اهتمام بعض ملوك بني أمية بالغناء وولعهم به كيزيد بن عبد الملك (1) ت ( 105 هـ)،بل ذكر الشوكاني (2) ت ( 1250هـ )
إن بعض العلماء في هذه الفترة كانوا على ولع بالغناء كعمر بن عبد العزيز (3) ت
( 101 هـ ) قبل توليه الخلافة (4) .
__________
(1) أحد خلفاء الدولة الأموية ، تولى الخلافة بعد مقتل عمر بن عبد العزيز عام ( 101 هـ ) ، واستمرت خلافته حتى سنة ( 105 هـ ) ألأتي مات فيها .
يوسف العش ، الدولة الأموية والأحداث التي سبقتها ومهدت لها ابتداء من فتنة عثمان ، ط دار الفكر – سوريه / دمشق ، الطبعة الثانية 1406 هـ / 1985 م ، ص ( 278 – 282 ) .
(2) محمد بن علي بن محمد الشوكاني اليمني ، ولد عام ( 1172 هـ) ، من شيوخه : عبد الرحمن المدائني ، والقاسم الخولاني ، من كتبه : نيل الأوطار ، والرسائل السلفية ، توفي سنة ( 1250 هـ ) .
(3) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي ، ولد عام ( 61 هـ ) ، ولي الخلافة في الدولة الأموية بعهد من سليمان
سنة ( 99 هـ ) ، اشتهر العدل في مدة خلافته ، وهو الذي أبطل سنة لعن علي بن أبي طالب على المنابر ، دامت خلافته سنتين ونصف ، مات سنة ( 101 هـ ) .
راجع الإعلام ، ج ( 5 ) ، ص ( 50 ) .
(4) نيل الأوطار ، ج ( 8 ) ، ص ( 101 ) .
- 29 - (1/26)
صفحة 27
وقد اشتهر في هذا العصر انتشار القيان ، وزاد عددهنّ عما قبل ، خاصة في مجالس الخلفاء والولاة، ويعدّ سائب خاثر نواة النهضة الموسيقية في الدولة الأموية ، وأول من نقل الغناء الفارسي وأصبغه بالطابع العربي ، وعرف هذا الأسلوب من الغناء بالغناء المتقن الذي يقابل غناء الركبان في العصر الجاهلي (1) ، وقيل إن سائبا أول عربي استعمل العود ، حيث كان يستعمل الدف أو القضيب حتى رأى نشيطا الفارسي يستعمل في غنائه العود فاستعمله هو أيضا (2) .
... وبدأ في العصر الأموي أول التصنيف في أخبار الموسيقى والغناء ، فقد وضع يونس الكاتب (3) ت ( 135 هـ ) كتاب النغم وكتاب القيان ، وكان نواة لما صنف بعد ذلك في هذا الفن (4) .
... ومن المناطق التي اشتهرت بالغناء في الدولة الأموية المدينة المنورة ، فلما قامت الدولة الأموية وانتقلت عاصمة الخلافة إلى دمشق ؛ اتجه أبناء المهاجرين والأنصار إلى الاهتمام بالأدب والفن ، فظهر منهم من اهتم بالغناء كطويس والغريض وابن محرز وغيرهم (5) .
... هذه نبذه عامة عن الغناء في الدولة الأموية ، حيث يعتبر بداية الانطلاق في هذا الفن ، ليبلغ ذروته في الدولة العباسية .
*ثالثا : الغناء والمعازف في العصر العباسي :
__________
(1) الغناء والقيان في العصر الجاهلي ، ص ( 65 ) .
(2) المصدر نفسه ، ص ( 65 ) .
(3) يونس بن سليمان بن كرد بن شهريار ، من هرمز ، كاتب شاعر بارع في الغناء ، نشأ تحت حضن الخلفاء كالوليد بن يزيد ، أول من دون الغناء من العرب ، حيث صنف كتابا في الأغاني ، ونسبها إلى من غنى بها ، مات سنة
(135 هـ ) . راجع : الأعلام ، ج ( 8 ) ، ص ( 261 ) .
(4) الغناء والقيان في العصر الجاهلي ، ص ( 67 ) .
(5) الإسلام وقضايا الفن المعاصر، ص ( 176 ) . (1/27)
صفحة 28
... يمتد هذا العصر منذ سقوط الدولة الأموية على يدي عبدالله السفاح (1) عام ( 132 هـ ) ، وحتى سقوط بغداد على أيدي التتار عام ( 656 هـ ) ، حيث تميزت هذه الدولة بالاستقرار ، إلا أنها كانت أقل من حيث الفتوحات ، ومع هذا استفادت من الفتوحات التي فتحت سابقا .
... لقد اهتم العباسيون بالجانب العلمي اهتماما كبيرا حيث ترجموا الكتب الفارسية وغيرها إلى اللغة العربية ، وقامت الترجمة في مختلف المجالات التي منها المجال الغنائي ، كذلك من اهتمام العباسيون بالعلوم إنشاء المكتبات وعلى رأسها مكتبة دار الحكمة التي أنشأها المأمون العباسي (2) ت ( 218 هـ ).
... ومما يدل على تقدم المجال الغنائي في الدولة العباسية تقعيد هذا الفن من قبل علماء اهتموا بالأدب والغناء ومن هؤلاء :
... 1 – أبو منصور الحسين بن زبلة تلميذ الفيلسوف ابن سينا ، المتوفى سنة ( 440هـ ) ، له كتاب الكافي في الموسيقى .
__________
(1) أبو العباس عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن عباس ، ولد عام ( 104 هـ ) بالحميمة ، وهي القرية التي كان أبوه وجده نازلين عليها ، وقد عهد جده بالدعوة لابنه إبراهيم ، ولما أحس إبراهيم باقتراب أجله عهد الدعوة لعبدالله السفاح ، ومن هنا انطلق عبدالله إلى الكوفة وبويع بالخلافة عام ( 132 هـ ) ، استمرت خلافته أربع سنوات ، حيث توفي نتيجة إصابته بمرض الجدري عام ( 136 هـ ) .
راجع : محمد الخضري ، محاضرات في تاريخ الأمم الدولة العباسية ، ط دار الكتب العلمية – لبنان / بيروت ، الطبعة الأولى 1419 هـ / 1998 م ، ص ( 45 – 51 ) .
- 30 -
(2) عبدالله بن المأمون بن هارون الرشيد ، ولد عام ( 170 هـ ) ، ولاه أبوه العهد وهو ابن ( 13 ) سنة ، بويع بالخلافة سنة(198هـ ) ، ودامت خلافته ( 20 ) سنة ، حيث قتل غازيا بطرسوس عام ( 218 هـ ) .
راجع : الدولة العباسية ، ص ( 163 ) . (1/28)
صفحة 29
... 2 – أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي ،المتوفى سنة( 339هـ ) ، صاحب كتاب الموسيقى الكبير .
... 3 – إخوان الصفا ( 350 هـ ) (1) .
... 4 – الحسين بن أحمد الكاتب ، المتوفى ( 652 هـ ) ، من كتبه الموسيقى كمال أدب الغناء .
... كذلك الخلفاء اهتموا بالغناء اهتماما كبيرا ، وقربوا إليهم المهتمين بالغناء ، واشترطوا في المغني أن يكون حافظا للأشعار والنوادر ويحسن النحو والإعراب (2) ، والذي يتقن الموسيقى يصبح له مكانا عاليا في الدولة ، وقد يحظى بمصاحبة الخليفة (3) ، ومن هؤلاء الخلفاء إبراهيم ابن المهدي (4)
__________
(1) جماعة سرية دينية سياسية فلسفية باطنية ، عاشوا بالبصرة في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري ، من أشهرهم محمد بن مشير البستي الملقب بالمقدسي ،وزيد بن رفاعة ، وادّعت هذه الجماعة أنها تآلفت واجتمعت على القدس والطهارة،لهم معارف جمعوها في أكثر من خمسين رسالة،وتقع في أربعة أقسام ( الرياضيات – الطبيعيات – النفسانيات – الإلهيات ) .
( راجع مجلة براعم الإيمان ، تصدر مع مجلة الوعي الإسلامي الكويتية ، عدد ( 319 ) – ذو الحجة 1423 هـ / مارس 2003 م ، رئيس التحرير جاسم محمد مطر شهاب ، دولة الكويت ، ص ( 29 ) ) .
(2) الإسلام وقضايا الفن المعاصر ، ص ( 167 ) .
(3) الغناء والقيان في العصر الجاهلي ، ص ( 68 ) .
(4) إبراهيم بن محمد المهدي ، أبو إسحاق ، أخو هارون الرشيد ، ولاه الرشيد أمرة دمشق ثم عزله بعد سنتين ، ثم عاد ودام أربع سنوات ، ولما انتهت الخلافة إلى المأمون ؛ استغل فرصته - في الخلاف بين الأمين والمأمون – للدعوة إلى نفسه ، فبايعه كثيرون ، فطلبه المأمون بعد ما هدر دمه فسجنه ستة أشهر ، ثم عفا عنه ، مات عام ( 224 هـ ) .
راجع الأعلام ، ج ( 1 ) ، ص ( 59 – 60 ) . (1/29)
صفحة 30
وهارون الرشيد (1) وغيرهم (2) .
... هذا الاهتمام من قبل الخلفاء نتج عنه أناس احترفوا هذا الفن كالأميرة علية بنت المهدي وإبراهيم الموصلي (3) (4) ، هذا بجانب القينات اللاتي انتشرن في مجالس الخلفاء ، فقد روي أنه عزفت مائة قينة في مجلس واحد (5) .
... أما المعازف فقد تنوعت المعازف بصورة كبيرة عن السابق ، وذلك نتيجة الاستفادة من الأمم الأخرى ، ولم يكتفوا عند هذا القدر بل قاموا بتطوير المعازف وترقيتها ، ومن المعازف التي أخذوها من الفرس وطوروها الطنبور .
... هذه لمحة بسيطة عن الغناء والمعازف في الدولة العباسية ، ولا ننسى الدول الأخرى التي تشكل جزء من العصر الإسلامي ؛ فقد تتطور الغناء فيها هي الأخرى ، وعلى رأس هذه الدول الأندلس ، التي قامت فيها الحضارة الأموية الثانية على يدي عبد الرحمن الداخل (6) ، واستمرت قرونا من الزمان ، والحضارة الأندلسية طورت الغناء وآلاته كذلك ؛ لاهتمام ملوكها، وظهور علماء ومغنين برعوا في الغناء .
... ومن مظاهر اهتمام الأندلس بالغناء ظهور الموشحات (7) ؛
__________
(1) هارون الرشيد بن محمد المهدي ، بويع بالخلافة في اليوم الذي مات فيه الهادي عام ( 170 هـ ) ، ولم يزل خليفة إلى أن توفي سنة ( 194 هـ ) . راجع : الدولة العباسية ، ص ( 97 ) .
(2) رسالة في علم الموسيقى ، ص ( 117 – 118 ) .
- 31 -
(3) إبراهيم بن ماهان بن بهمن الموصلي التميمي بالولاء ، أبو إسحاق النديم ، أوحد زمانه بالغناء ، واختراع الألحان، شاعر من ندماء الخلفاء ، فارسي الأصل ، كان ينظم الأبيات ، ويلحنها ، ويغنيها ، مات سنة ( 188 هـ ) .
راجع : الأعلام ، ج ( 1 ) ، ص ( 58 – 59 ) .
(4) رسالة في علم الموسيقى ، ص ( 117 – 118 ) .
(5) الغناء والقيان في العصر الجاهلي ، ص ( 68 ) .
(7) الموشحات نوع من أنواع الشعر الأندلسي ، أول ما ظهر كان مع مقدّم بن معافى ، وضع هذا النوع ليلائم الإيقاع الموسيقي .
راجع : شوقي ضيف ، الفن ومذاهبه في الشعر العربي ، ط دار المعارف / مصر ، الطبعة التاسعة ، ص ( 450 – 455 ) . (1/30)
صفحة 31
لتلائم الإيقاع الموسيقي، ومن مظاهر اهتمامهم بالمعازف تطويرهم للآلات وتنويعها .
... وقد استفادت أوروبا من نهضة الأندلس ، حيث استفادوا من أدبها بما فيه الغناء ، فما كان للكاتب الأسباني ثيرفنتس أن يترقى في أدبه ، ولا دانتي الإيطالي في الكوميديا الإلهية ، ولا شكسبير الإنكليزي في مسرحياته – فما كان لهؤلاء أن يتقدموا إلا بعد استفادتهم من حضارة الأندلس (1) .
... ومما يدل على استفادة أوروبا من الأندلس أخذهم العود عن الأندلسيين (2) وغيرها من الآلات .
... أما عن الدولة الإباضية في عمان والمغرب فكان اهتمامها بالغناء ضعيف جدا ، لأسباب أهمها أن هذه الدولة قامت على أكتاف علماء جعلوا الدين فوق رؤوسهم ، فهم ساروا على منهج الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، والخلفاء الراشدين ، بخلاف الدولة الأموية والعباسية والأندلسية فغالب ملوكها من ألهته دنياه عن آخرته ، رغما من إنكار جمهور فقهاء هذه الدول على صنيعهم في الغناء – كما يتضح لنا في الفصول القادمة وفي المبحث الثاني من هذا الفصل – إلا أنهم أبو إلا المكابرة والعناد.
... وفقهاء الإباضية عموما نظروا إلى الغناء نظرة سلبية ، فهم منعوا الغناء وآلاته عموما – كما يتضح لنا في الفصل الثالث من خلال استقراء أقوال فقهاء الإباضية –
ألا أنهم رخصوا الغناء في بعض الأوقات كتشهير النكاح (3) ، ورخص بعضهم في بعض الآلات كالدف والطبل لأغراض معينة كإرهاب العدو لا للهو ، يقول نور الدين السالمي (4) في الجوهر :
__________
(1) عبد الرحمن علي الحجي ، أندلسيات ، ط دار الإنشاد للطباعة والنشر والتوزيع – لبنان / بيروت ، الطبعة الأولى 1388 هـ / 1969 م ، ص ( 165 ) .
(2) الموسيقى الأوروبية من اليونان حتى القرن التاسع عشر ، منشور ضمن كتاب محيط الفنون ، ج ( 2 ) ، ص ( 44 ) .
- 32 -
(3) أحمد بن حمد الخليلي ، فتاوى ( مخطوط ) ، سعيد بن خلف الخروصي ، فتاوى ، ( مخطوط ) 0 (1/31)
صفحة 32
وآلة اللهو التي لا تصلح ***** لغيره تكسر حين تلمح
من كل ما كان من الأنواع ***** لأنه ليس بذي انتفاع
روى ابن محبوب لنا عن صحبه ***** بان ضرب الطبل لا باس به
في قولهم ويحرق الأديم ***** ذاك الذي عليه مستقيم
ولم يرخصوا بضرب الطبل ***** للهو لكن لمعان العدل
وذاك كالإرهاب للأعداء ***** وكإجابة الصريخ النائي
وكدعاء لصلاة العيد ***** أو اجتماع بينهم سديد (1)
... وتعتبر الدولة الإباضية في المغرب أكثر تطورا من عمان ، لأن الثانية عاشت غالبا منعزلة عن العالم الخارجي ، بخلاف الأولى التي انفتحت بحسب موقعها على عدد من الدول وعلى رأسها الأندلس ، لذلك كان الجانب الغنائي فيها أقرب إلى التطور قليلا ، هذا بالنسبة للغناء الخالي من الآلات ، أما عن الآلات فقد وقف فقهاء الإباضية في المشرق والمغرب موقفا واحدا كما أسلفنا الكلام فيه آنفا ، وكما سنذكره في الفصل الثالث .
*المطلب الخامس : الغناء والمعازف في العصر الحديث :
... استمرت حركة التأريخ في العالم الإسلامي تحت راية الدولة الإسلامية بين مدّ وجزر ، حتى كانت النهاية لهذه الراية بسقوط الدولة العثمانية ، وبداية الهيمنة الغربية على العالم الإسلامي .
__________
(1) نور الدين السالمي ، جوهر النظام في علميّ الأديان والأحكام ، تعليق : أبو إسحاق اطفيش وإبراهيم
العبري ، ج ( 3 و4) ، ط الألوان الحديثة ، الطبعة الحادية عشر - 1410هـ / 1989م ، ص ( 194 )0
- 33 - (1/32)
صفحة 33
... بداية استفادت أوروبا من حضارة الأندلس ، فنقلت إليها مختلف العلوم ، وقامت بترجمتها وتطويرها ، ومن هذه العلوم علم الغناء والمعازف ، فقد استطاعوا أن يطوروها تطويرا عجيبا ، حيث أنه لم يقتصر هذا التطوير على الأسلوب فقط ؛ بل استطاعت أوروبا أن تحول الموسيقى من اللحن المفرد العبر بذاته إلى بناء شامخ من التمثيليات الغنائية ( الأوبرا ) ، والتمثيليات الدينية ( الأوراتوريو ) ، والسيمفونيا والكونشرتوات والرباعيات الوترية ، تشارك في أدائها أصوات آدمية في شكل موحد (1) .
... كذلك المعازف تطورت تطورا هائلا بسبب الاكتشافات الحديثة ، بل ظهرت آلات لم تكن معروفة من قبل أو تغيرت بكثير عما كانت عليه كالبيانو.
... وظهر علماء ومغنون احترفوا الغناء واتخذوها مهنة لهم ، ومما شجعهم على هذا قربهم من الجماهير عن طرق وسائل الإعلام كالصحافة والرائي والشريط المسموع وتقدم الطباعة وغيرها من الوسائل .
... وأصبح للغناء وآلاته معاهد وجامعات مختصة لدراسته ، وألفت كتب مختصة لتدريسه وتقريبه بين الطلاب .
... وفي بداية القرن التاسع عشر الميلادي انتقل هذا التطور الغنائي إلى العالم الإسلامي والعربي ، وأصبح ينافس الغرب في تطوره وتقدمه .
... من هنا نكون قد أعطينا صورة واضحة عن الغناء والمعازف في العصور المتلاحقة ، وفي المبحث الثاني نناقش فلسفة الغناء في التأريخ ، ليمهد لنا معرفة موقف الإسلام من الغناء والمعازف .
المبحث الثاني
فلسفة الغناء في التأريخ
__________
(1) الموسيقى الأوروبية من اليونان حتى القرن التاسع عشر ، منشور ضمن كتاب محيط الفنون ، ج ( 2 ) ، ص
( 12 ) .
- 34 - (1/33)
صفحة 34
... الغناء وسيلة من الوسائل ، فهو وسيلة ذات حدين إما أن يستخدم في الخير ونشر الفضيلة ، وإما أن يستخدم في الشر ونشر الفساد ، كما رأينا في المبحث الأول إن كثيرا من الناس استخدموه في الشر ونشر الفساد ، يقول عبد المجيد دياب (1) : ( ولكنه مع ذلك – أي مع تطور الغناء والموسيقى – اشتهر القول به بين المسلمين – أي قول التحريم– بدافع الزهد والورع ، ولأن الغناء والموسيقى كانا مصاحبين غالبا أو دائما لمجالس الإنس وشرب الخمر ، حتى قال كثير من العلماء : كل شيء يصاحب هذه المجالس محاربة لشرب الخمر لا لذاته ، ومنها الغناء والموسيقى وتورعوا عنها ، وشاع ذلك بين الناس وتناقلوه ) (2) .
... والسؤال يتكرر مرة أخرى !!! هل استطاعت البشرية على مجرى التأريخ استخدام الغناء وآلاته استخداما مستقيما ؟! أم إن طريق الشر كان الغالب عليه ؟!! وما موقف الشرائع السماوية الغناء ؟!!! هذا ما سنحاول الإجابة عنه في هذا الفصل ، ليتسنى لنا دراسة موقف الإسلام من الغناء في الفصل الثالث ، وقد قسمنا هذا المبحث إلى خمسة مطالب :
? المطلب الأول : فلسفة الغناء في العصور القديمة .
? المطلب الثاني : فلسفة الغناء في العصر الجاهلي .
? المطلب الثالث : فلسفة الغناء في العصر النبوي .
? المطلب الرابع : فلسفة الغناء في العصر الإسلامي .
? المطلب الخامس : فلسفة الغناء في العصر الحديث .
*المطلب الأول : فلسفة الغناء في العصور القديمة :
__________
(1) كاتب عربي معاصر .
(2) رسالة في علم الموسيقى ، ص ( 46 ) ، الكلام منقول من مقدمة الكتاب .
- 35 - (1/34)
صفحة 35
العصور القديمة مرت بمراحل متعددة وفق التطور الإنساني الذي أراده الله - تعالى -، والله – تعالى - لم يخلق الإنسان إلا لعبادته لذلك كانت الرحمة الربانية أن جعل أول مخلوق نبيا ، وفي هذا إعلان بالغاية من الخلق وهي العبادة ، ومع هذا فالبشرية طالما انحرفت عن منهج الله فأرسل إليها سبحانه رسلا ينقذونها من الضلال الى الهدى ، ومن الغي إلى الرشاد ، وبهذا يتضح لنا تياران في الحياة :
... 1ـ تيار الفطرة : وهذا التيار الذي كان على منهج الله - تعالى -.
... 2ـ تيار الانحراف : وهذا التيار الذي كان على منهج الشيطان .
العصور القديمة متقلبة بين هذين التيارين بلا شك ، والسؤال هنا في أي التيارين كان الغناء والمعازف ؟وما موقف تيار الفطرة منهما ؟
نحن نؤمن إن الإنسان لم يتعرف على الآلة منذ بداية وجوده ، لكن في نفس الوقت نؤمن إن الإنسان كان يردد بعض الكلمات على شكل غناء ، فهل يا ترى الشريعة الربانية أباحت الغناء والمعازف ؟ أم حرمت الغناء والمعازف مطلقا ؟ أم قامت بتنظيمهما ؟.
تعرضنا في المبحث السابق إن هناك روايات من التوراة تشير إلى بعض أنبياء بنى إسرائيل استخدموا بعض الآلات بجانب الغناء ، إن صح هذا فلا شك إن الآلات مباحة عند الشرائع السابقة ، ولكن التوراة لا يمكن الاستناد إليها خاصة في هذه المسائل التي تحتاج الى دليل شبه قطعي ، نعم وردت رواية – كما ذكرنا سابقا – ومفادها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي موسى الأشعري : ( لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود ) (1) ولكن ما المقصود بالمزمار في هذا الحديث ؟ هل هو الآلة المعروفة أم حسن الصوت ؟ .
__________
(1) تقدم تخريجه ، ص ( ) .
- 36 - (1/35)
صفحة 36
الغناء كما هو معلوم فطرة فطر الناس إليها،وغريزة كامنة في النفس البشرية ،فلا شك أن الإسلام نظم هذه الفطرة ، ولكن لو نظرنا وتتبعنا الآثار والروايات الواردة عن الغناء في العصور القديمة نجدها وسيلة للفساد والشرك ، فهي تحكي عن وجود آلهة من دون الله تعالى ، كذلك نجدها مقترنة بالنساء العاريات والخمور غالبا ، فمما لا شك فيه إن دينا معتدلا لا يرضى هذا لأمة من الأمم ، فضلا أن يكون الدين هو الإسلام ، اللهم إلا إن قيل هذا من باب التدرج .
عموما لا يمكن وضع فلسفة عامة عن الغناء في العصور القديمة ، وما ورد كان أقرب إلى الفساد منه إلى الصلاح .
* المطلب الثاني : فلسفة الغناء في العصر الجاهلي :
لقد طغى الضلال والانحراف العصر الجاهلي حتى أصبح ميزة من مميزاته ، ومع هذا فالصفات النبيلة كالكرم والجود كانت تسود المجتمع الجاهلي .
... الغناء في العصر الجاهلي في غالبه ارتبط بالخمور والفجور ، والفواحش والسفور ، مما جعل العربي المتمسك بالقيم النبيلة معتدا بأصله ، لا يحترف من المهن ، ولا يزاول من الأعمال إلا ما عده موضع الاحترام والنبل ، ولما كانت صناعة الغناء والعزف من الفنون التي لم تبلغ حينئذ في أنظار العرب هذا المرتهن ؛ زهدوا في احترافها ، فتركوها لقيانهم ومواليهم ، لذلك كان احتراف الغناء في العصر الجاهلي مقصورا على طبقة القيان من المطربات ، وظل الأمر كذلك حتى صدر الإسلام حيث أخذ الغلمان يتعاطون الغناء ويحترفونه ، وكان من الطبيعي وقد عرفت الموسيقى والغناء وقتئذ بأنها حرفة النساء أن يتشبه المغنون من الرجال بالنساء في كثير من عاداتهن ، وأشهر من عرف من مغني هذه الطبقة من المغنين باسم المخنثين طويس والدلال وهيت ، وكان غنائهم محدود الصناعة ، ينقرون بالدف أو القضيب مع الأداء (1) .
__________
(1) الغناء والقيان في العصر الجاهلي ، ص ( 64 ) .
- 37 - (1/36)
صفحة 37
... ومع هذا فهناك من الجاهلين من استحسن الغناء ، كما ذكرنا سابقا عن حيلة بن الأدهم أنه لا يرى في مجلسه فجور مع وجود القيان والمغنيات ، هذا وهناك من الغناء المحمود الذي استحسنه العرب وكرروه كالحداء وغناء ترقيص الأطفال .
... عموما نخلص من هذا أن الغناء في العصر الجاهلي غالبه كان في الطريق السلبي، وقلّ استغلاله في طريق الخير، وهذا عائد إلى عدم وجود شريعة تنظم حياتهم .
*المطلب الثالث : فلسفة الغناء في العصر النبوي :
... بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين ، فجاء بشريعة الإسلام الخالدة التي نظمت الحياة ، وأصلحت الوجود ، والنبي - عليه الصلاة والسلام - أول ما بعث كان في مكة المكرمة فدام فيها ثلاثة عشر عاما ، ثم هاجر إلى المدينة المنورة التي مكث فيها عشر سنين حتى توفاه الله - تعالى - ، حيث أسس في المدينة أسس الدولة الإسلامية لتكون منارة للبشرية جمعاء على مر العصور .
... النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما كان في مكة مكرمة لم يؤثر عنه أنه تكلم في الغناء ، ولعله راجع إلى عاملين اثنين :
... 1 – إن الدعوة الأولى في مكة المكرمة ركزت على التوحيد والعقيدة ، وذلك محاربة للشرك والوثنية ، مما جعل الدعوة تهتم أكثر بعامل التطهير العقدي أولا .
... 2 – المكي الجاهلي كان أقل اهتماما بالغناء ؛ لانشغاله بالتجارة وطلب المعاش .
... بينما نرى إن النبي عليه الصلاة والسلام عندما هاجر إلى المدينة المنورة وجدها أكثر تطورا ورفاهية من جهة ، ومن جهة أخرى وجد اليهود قد تلاعبوا بالبلاد ، وعاثوا فيها الفساد ، واستغلوا الغناء كوسيلة من وسائلهم الخبيثة ، من هنا كان لزاما للنبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد صياغة المجتمع ، ويعطي صورة واضحة للمؤمنين نحو الحياة . (1/37)
صفحة 38
... من خلال الروايات الواردة من النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو الغناء – كما سيأتي في الفصل الثالث – نجده لم يحرم الغناء ، وإنما قام بتنظيمه بما يتفق مع الغريزة البشرية ومقاصد الشريعة ، فهو - عليه الصلاة والسلام - قام بنفسه بالغناء مع أصحابه، كما ظهر لنا من خلال بنائه لمسجد قباء ، وحفره للخندق (1) ، وأقر أصحابه على بعض الغناء فلم ينكر على أهل المدينة عندما استقبلوه وهم يرددون النشيد المشهور :
طلع البدر علينا ******من ثنيات الوداع (2)
ولم ينكر على أنجشة وهو يحدو مع إبله وإنما أمره بتهذيب إنشاده للرفق بالقوارير (3) من طرب الإبل وبالتالي اضطرابها .
والنبي - عليه الصلاة والسلام - راعى أعراف الناس في المدينة ؛ فلم ينكر عليهم ، بل هذب لهم الأمر ، فعندما سمع إحدى النساء تغني في يوم عرس وكانت تردد بعض الأشعار ، لم ينكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما حبب لها أن نقول :
أتيناكم أتيناكم ****** فحيانا وحياكم
ولولا الذهب الأحمر ***** ما حلت بواديكم
ولولا الحنطة السمراء ***** ما سمنت عذاريكم (4)
بل عليه الصلاة والسلام أنكر على من عارض من يقوم بالغناء في يوم عيد ، فقد أنكر على أبي بكر الذي أنكر على جارية كانت تغني مع عائشة مع مصاحبة دف ، حيث قال أمزمار الشيطان في بيت رسول الله ؟!!! ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا بكر لكل قوم عيدا وهذا عيد ) (5) .
... نخلص من هذا أن النبي صلى اله عليه وسلم هذب الغناء ، فمنهجه الوسط بين الإفراط والتفريط ، ولكن كيف كان تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع آلات الغناء ؟ نلجئ الجواب عن هذا السؤال في الفصل الثالث .
*المطلب الرابع : فلسفة الغناء في العصر الإسلامي :
... بداية عندما نأتي إلى الخلافة الراشدة لا نجد تطورا بينها وبين العهد النبوي، ولكن عندما نأتي إلى العهد الأموي نجد الناس قد انقسموا إلى تيارين :
__________
(3)
- 38 -
(5)
- 39 - (1/38)
صفحة 39
... 1 – تيار ديني إصلاحي نظر إلى الغناء من خلال النصوص الشرعية ، وهؤلاء من خلال نظرتهم على النصوص انقسموا إلى ثلاثة أقسام :
... ... ... أ ) فريق يرى إن الغناء حرام عموما بآلة كان أو بغير آلة .
... ... ... ب ) فريق يرى إن الغناء مباح أصلا بآلة كان أو بغير آلة .
... ... ... ج ) فريق يرى إن الغناء مباح إن كان بغير آلة ، وهؤلاء اختلفت نظرتهم إلى الدف ، فمنهم من أجازه عموما ، ومنهم من أجازه في أوقات معينة للرجال والنساء ، ومنهم من أجازه وقت إشهار النكاح للنساء فقط ، ومنهم من تساهل في بعض الآلات (1) .
... 2 – تيار انطبع عليه الانحلال والفساد ، مثل هذا التيار غالب الخلفاء والمخنثون، حيث وجهوا الغناء الوجهة السيئة ، وسخروه في الفساد والانحلال ، وساعد هذا التيار انفتاح الدولة على الممالك الأخرى ، ودخول ألحان وأدوات إلى بلاد المسلمين ، وساعدهم كذلك الترف الذي عاشوا بين جنباته .
... هؤلاء قادوا الغناء إلى الانحطاط والفساد ، فأصبح الغناء قرينا للخمور والفجور ، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد ؛ بل قلد العوام هؤلاء ، فانتشر الفساد بين الناس ، والخلفاء أنفسهم إذا أرادوا إفساد قوم نشروا بينهم الغناء والمعازف ، كما وقع في حادثة الحرة في عهد يزيد بن معاوية (2) ، عندما أفسدوا المدينة المنورة ؛ لإبعاد شبابها عن المطالبة بمجدهم القديم .
... من هنا ذهب أكثر العلماء إلى تحريم الأغاني ، والنظر إليها نظرة سلبية ، إلا ما استثني كما مر ، بل بعض الزهاد ذهبوا إلى وضع أحاديث الغناء ، رغبة منهم في تجنيب الناس عن هذا الداء ، لهذا كثرت الأحاديث الموضوعة في ذم الغناء .
... وبعض العلماء حاول أن يصلح الفكرة والغاية لا الوسيلة ، فبين إن الغناء في أصله مباح بغض النظر عن الآلة أو الشعر أو ما شابه ذلك .
__________
(1) سيأتي تفصيل الأقوال وأصحابها وأدلتهم في الفصل الثالث بمشيئة الله تعالى . (1/39)
صفحة 40
... أما عن الدولة العباسية فهي لم تختلف عن سابقتها ، خاصة وقد زاد انفتاحها على المعارف الأخرى عن طريق الترجمة وغيرها ، والذي يميز هذه الفترة وجود علماء وفلاسفة حاولوا أن يضعوا فلسفة خاصة للغناء ، كالغزالي (1) الذي فلسف الغناء فلسفة روحية ينطلق الإنسان به إلى الدار الآخرة ، فقد وضع كتابا مستقلا في موسوعته إحياء علوم الدين ، وسمه بكتاب السماع (2) ، وأصبحت نظريته أساس الاتجاه الصوفي ونظرتهم إلى الغناء ، وهي التي تأثر بها ابن العربي (3) فيما بعد .
ومن الفلاسفة الذين أباحوا الغناء والمعازف في هذا العهد الفارابي وابن سينا والصفدي .
كذلك الدولة الأندلسية لم تكن أحسن من الدولتين الأموية والعباسية ، فقد انحرف بها الغناء عن الجادة ، وانتشر بسببه الفساد والانحطاط ، وممن أباح الغناء في هذه الفترة ابن حزم الأندلسي (4) (5) ، أما الدولة الإباضية فقد سبق الإشارة عنها في المبحث الأول ، فهي وقفت من الغناء موقفا سلبيا ، لذلك لا يمكن وضع فلسفة معينة عن الغناء في الدولة الإباضية سواء كان في المشرق أو المغرب .
الغناء بين الحلّ والتحريم 0000000000000000000000000فلسفة الغناء في العصر الحديث
تعرضت الأمة الإسلامية اليوم لغزو فكري وثقافي ، ومن أخطر جوانب الغزو الفكري والثقافي الجانب الغنائي ، فكما سبق الإشارة إليه إن الغرب تطوروا في الجانب الغنائي سواء كان هذا التطور في الأسلوب أم الآلة ، فهو بين منزلتين : منزلة الوثنية التي خلفتها اليهودية الصهيونية والمسيحية الصليبية ، ومنزلة التحرير ومحاربة الدين والدعوة إلى الانحلال والإلحاد التي دعا إليها رواد النهضة الأوروبية المعاصرة .
__________
(1)
- 40 -
(5)
- 41 - (1/40)
صفحة 41
هذا الفن الغنائي الغربي الذي حمل في طياته السموم ؛ استطاع أن يصل الى الجماهير بسهولة عن طريق وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمشاهدة ، ومن هنا انتشر هذا الفن في العالم الإسلامي والعربي عن طريق الاستعمار ، وعن طريق النصارى في لبنان ومصر ، بجانب المنظمات الصهيونية في إسرائيل ، والمتأثرين بالغرب من المسلمين كعبد الحليم حافظ (1) وأم كلثوم (2) وفريد الأطرش (3) وغيرهم 0
هذا بدوره أدى الى انتشار الغناء الماجن في بلاد المسلمين ، مما خلف فنا متخلفا بعيدا عن الفن السليم ، الذي يدعو إلى مكارم الأخلاق 0
ومع انتشار الصحوة الإسلامية في القرن العشرين على أيدي مخلصين أجلاء؛أصبح الفن الغنائي المنحل عقبة أمامهم فأرادوا أن يضعوا بديلا لهذه الأمة فاتجهوا إلى تيارين :
1 – تيار قصر البديل في النشيد الإسلامي الخالي من الآلات ، ومنهم من رخص في الدف ، وإلى هذا ذهب معظم رواد النهضة المعاصرة كبيوض (4) من الجزائر، والندوي (5) من الهند ، وأحمد الخليلي (6) من عمان ، وابن باز (7) من السعودية ، والألباني (8) من بلاد الشام ، ومحمد باقر الصدر من العراق (9) وغيرهم كثير 0
2 ـ تيار نظر إلى الزحف الغربي ، واقترح أن يكون البديل في الهدف والغاية لا الوسيلة ، فرخصوا في الآلات الموسيقية ، وبينوا أن حلالها حلال وحرامها حرام، وأجازوا استعمالها في المسرحيات والتمثيليات الفنية ( الأوبرا ) ، وعلى رأس هؤلاء محمود شلتوت (10) ونجيب الكيلاني (11) ومحمد الغزالي (12) ويوسف القرضاوي (13) وعبد الصبور شاهين (14) وأحمد الشرباصي (15) ومحمد حسين فضل الله (16) وغيرهم0
وبهذا نكون قد أعطينا للقارئ الكريم صورة بسيطة عن الغناء وفلسفته في التأريخ، ومن ثمّ نتقل معا إلى الفصل الثالث ؛ لنتعرف إلى رأي الإسلام في الغناء من الكتاب والسنة وأقوال الفقهاء .
الفصل الثالث
__________
(9)
- 42 -
(16)
- 43 - (1/41)
صفحة 42
المذاهب الفقهية في الغناء والمعازف مع ذكر بعض أدلة المذاهب ومناقشتها
وفيه ثلاثة مباحث:
? المبحث الأول : المذاهب الفقهية في الغناء والمعازف.
? المبحث الثاني : ذكر بعض أدلة المانعين والمجيزين للغناء والمعازف ومناقشتها.
? المبحث الثالث : وقفة مع بعض العلماء وفلسفتهم في الغناء والمعازف .
?
الفصل الأول
المذاهب الفقهية في الغناء والمعازف
? تمهيد :
الغناء والمعازف – كما مرّ ذكره – من الأمور المنتشرة في العهد النبوي، لهذا وردت العديد من الروايات التي تتكلم عن الغناء والمعازف المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي تظهر الصورة الصحيحة لموقف الإسلام من الغناء والمعازف ، وعندما تقدم الزمان ، وانفتح المسلمون على العالم الخارجي ؛ دخلت آلات جديدة إلى العالم الإسلامي ، وفنون مختلفة من الغناء وألحانه ، فاختلف الناس في هذا الجديد إلى آراء متعددة ، ومذاهب متنوعة ، بعضهم من نظر إلى ظاهر النصوص فتوقف عند ظاهرها ، وبعضهم من أعمل عقله في تفسير النصوص فجمع بين النص والواقع .
هذا من جهة ، ومن جهة أخرى استغل الغناء من قبل كثير من المسلمين، من الخلفاء والعامة من أجل إشباع الشهوات ، فاقترن بالخمور والفجور ، والتعري والسفور ، من هنا ذهب كثير من أهل العلم إلى تحريمه ، سدا للذريعة ، وغلقا لباب الفتنة ، فاشتهر هذا القول بين العيان ، وعمّ صيته في البلدان ، فلم يستطع بعد ذلك المسلمون أن يتعاملوا مع النصوص ؛ لأنهم جعلوا مفرزات النص هي النص ، فقدسوا أقوال الفقهاء ، فبدّعوا وفسقوا بل منهم من كفّر كل من خالف هذا الطريق ، ولو ذكر ألف دليل لأن كلامه خالف الإمام الفلاني!!! ، بل خالف كلام السلف فضل وأضل !!! ، وأصبح ممن اتبع هواه ، وأغراه الشيطان ، فهو أضر على الأمة من إبليس !!! ، ولو كان هذا العالم ممن خدموا الأمة ، ولكن هذا الرأي نسف ما بناه نسفا ، فسبحان ممن قسّم العقول بين عباده . (1/42)
صفحة 43
... وهناك ثمة فريق من الناس ، ممن انتسب إلى الزهد والوعظ ، آلمه ما حلّ للأمة من دمار أخلاقي من أثر الغناء ، فأراد تغيير المنكر بوضع أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تنفر من الغناء والمعازف (1) ، وترهب من سماعها، فكثرت أحاديث الترهيب من سماع الغناء والمعازف ، فرددها الفقهاء ، بل وارتضاها كثير من المحدثين بدعوى كثرة الشواهد ، مثال ذلك حديث : ( إن الله بعثني لأسحق المعازف والمزامير ، وأمر الجاهلية والأوثان ، وحلف ربي بعزته لا يشرب الخمر أحد في الدنيا إلا سقاه مثلها من الحميم يوم القيامة 000 ) (2) .
وكما أسلفنا هناك أحاديث صحيحة تتحدث عن الغناء والمعازف ، والعلماء اختلفوا في التعامل معها ، ومن هنا كان هذا الفصل الذي نورد فيه مذاهب العلماء، وبعض أدلتهم مع مناقشتها ، ومن ثم الخروج برأي يمهد لنا التعامل مع بعض القضايا المعاصرة التي نتعرض لها في الفصل الرابع بعون الله وتوفيقه 0
المبحث الأول
الغناء والمعازف في المذاهب الفقهية
__________
(1) بقول عبد القادر أحمد عطا : ( والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعظم الكبائر لأنه يضل المسلمين ، ويفسد عقائدهم ، وقد أجمع الأمة على تحريم الكذب على الرسول في الأحكام ، أو الترغيب والترهيب والمواعظ 000 وقد خالف الكرامية فقالوا : يجوز وضع الحديث في الترهيب والترغيب ، وتابعهم على ذلك كثير من جلة الزهاد والمتصوفة والوعاظ000 ) . أنظر عبد القادر أحمد عطا ، هذا حلال وهذا حرام ، ط دار الفضيلة – مصر / القاهرة ، ص ( 13 ) .
- 45 -
(2) يقول مجدي فتحي السيد : ( حديث ضعيف ، قال الهيثمي : فيه علي بن يزيد وهو ضعيف ) .
أنظر محمد بن طولون الصالحي ، تشييد الاختيار لتحريم الطبل والمزمار ، تحقيق : مجدي فتحي السيد ، ط دار الصحابة للتراث – مصر / طنطا ، الطبعة الأولى 1413 هـ / 1993 م ، ص ( 32 – 33 ) .
- 46 - (1/43)
صفحة 44
... لابد من معرفة آراء المذاهب الإسلامية في الغناء والمعازف ، حتى يتسنى لنا إدراك مذاهب المسلمين في الغناء والمعازف من حيث الجواز والمنع ، والتشديد والترخيص ونحو ذلك .
... والناظر في الكتب الفقهية في كافة المذاهب الستة ( الإباضية والجعفرية والحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة ) يجد إن المذهبين الإباضي والجعفري أكثر وضوحا في ذكر آراء أئمتهم في الغناء والمعازف ، بخلاف المذاهب الأربعة السنية نجد الخلاف واضحا في الروايات المنسوبة إلى أئمتهم في نظرتهم إلى الغناء والمعازف كما يتضح لنا لاحقا ، وقد قمت بترتيب المذاهب الفقهية حسب النشأة التأريخية0
... هذا وقد قسمت المبحث إلى مطلبين :
... ... *المطلب الأول : الغناء والمعازف في المذاهب الفقهية .
... ... *المطلب الثاني : استقراء المذاهب الفقهية ، ومعرفة محل الوفاق والخلاف بينهما .
- 47 -
الغناء والمعازف بين الحل ّ والتحريم 00000000000000 الغناء والمعازف في المذاهب الفقهية
*المطب الأول : الغناء والمعازف في المذاهب الفقهية :
* أولا : المذهب الإباضي :
... يعتبر المذهب الإباضي من أكثر المذاهب تشددا في الغناء والمعازف ، فالغناء والمعازف عند الإباضية أقرب إلى التحريم منه إلى الحل ، مع وجود بعض الخلاف في بعض وجوه الغناء كما سيأتي بيانه .
الإباضية يجيزون الشعر بالاتفاق بينهم (1) ،
__________
(1) جميل بن خميس السعدي ، قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة ، ج ( 1 ) ، ط وزارة التراث القومي والثقافة / سلطنة عمان ، الطبعة الأولى 1403 هـ / 1983 م ، ص ( 251 ) فما فوق .
نور الدين السالمي ، جوابات الإمام السالمي ، تنسيق ومراجعة عبد الستار أبو غدة ، إشراف عبدالله السالمي ، الطبعة الأولى 1417 هـ / 1996 م ، ص ( 512 ) . (1/44)
صفحة 45
لكنهم اختلفوا في إنشاده (1) وتلحينه فذهب جمهورهم إلى جوازه ، وذهب بعضهم إلى الكراهة (2) ، أما ما ورد عن خلفان بن جميل السيابي (3) من منعه للغناء فهو محمول على الغناء المحرم الذي تصاحبه آلة (4) لكنهم اتفقوا على المنع إذا قصد منه اللهو ، أو تضيع الواجب ، أو الصد عن ذكر الله ، كذلك إذا اشتمل النشيد على معاني محرمة ، أو كلمات تدعو إلى المجون والسفور (5) ، كذلك اتفقوا على عدم الإنكار إذا لم يعرف قصده (6) .
أما المعازف فيمكن معرفة الأصل فيها عند الإباضية من خلال كلام السالمي ت
( 1332 هـ ) في جوهره :
وآلة اللهو التي لا تصلح ****************** لغيره تكسر حين تلمح
من كل ما كان من الأنواع ************** لأنه ليس بذي انتفاع
روى ابن محبوب لنا عن صحبه *** *** بأن ضرب الطبل لا بأس به
في قولهم ويحرق الأديم ************** ذاك الذي عليه مستقيم
ولم يرخصوا بضرب الطبل *************** للهو لكن لمعان العدل
وذاك كالإرهاب الأعداء *************** وكإجابة الصريخ النائي
وكدعاء لصلاة العيد ******************** أو اجتماع بينهم سديد (7)
... ويلاحظ من كلام السالمي إن آلة اللهو عموما تكسر ولا يصح بقائها فضلا عن ضربها والاستماع إليها ، ومن رخص فيها – كمحمد بن محبوب (8) - كان لأغراض ومعان أخرى غير اللهو ، وذكر السالمي أربعة معان :
... ... 1 – إرهاب العدو.
... ... 2 – إجابة الصريخ0
__________
(1) عندما أطلق لفظة إنشاده أقصد بها المصطلح المعاصر وهو التلحين والترديد ، لا حفظ الشعر وترديده كما يفهم سابقا .
(2) قاموس الشريعة ، ج ( 1 ) ، ص ( 256 ) .
(4) خلفان بن جميل السيابي ، فصل الخطاب في المسألة والجواب ، ج ( 2 ) ، ط وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عمان – مسقط ، الطبعة الأولى – 1404 هـ / 1984 م ، ص ( 269 ) .
(5) فتاوى أحمد الخليلي ، مخطوط .
(6) قاموس الشريعة ، ج ( 1 ) ، ص ( 256 ) .
- 48 -
(7)
جوهر النظام ، ص ( 194 ) . (1/45)
صفحة 46
... ... 3 – الدعوة إلى صلاة العيد0
... ... 4 - ... الدعوة إلى الاجتماع0
... هذه أمثلة ذكرها السالمي و إلا هناك معان أخرى غير هذه المعان منها : إشهار النكاح مثلا ، وكأن آلة الغناء عند الإباضية كالجرس المنبه الذي ينبه على الأمور الهامة، ومع هذا بعض الإباضية أجازوا استخدام الآلة إذا قارنت لهوا مباحا ، ولم تقترن بمعصية ، ولم تضيع واجبا ، ومن هؤلاء :
... 1 – يقول أبو زكريا يحيى بن سعيد (1) في إيضاح الأحكام : ( وأما القصبة الكبيرة فلا – أي لا إنكار- ، إلا على الجماعة على اللهو والغناء ، فإن المسلمين قد أجازوا استماعها لمزيد كربها من الآخرة ، أخبرني زياد بن الوضاح أنه رأى أباه يستمعها وهو يبكي ) (2) .
__________
(2) أبو زكريا يحيى بن سعيد ، الإيضاح في الأحكام ، ج ( 4 ) ، ط وزارة التراث القومي والثقافة / سلطنة عمان ، الطبعة الأولى 1404 هـ / 1984 م ، ص ( 74 ) .
- 49 - (1/46)
صفحة 47
... 2 – إبراهيم بن عمر بيوض ت (1981 م ) : قال في جواب له عن سؤال وجه إليه عن حكم الموسيقى وآلات الطرب الحديثة – حيث تكلم أولا عن الغناء الخالي من الآلة ، وبين أن حلاله حلال وحرامه حرام ، وبين أن حكمه منوط بالغرض منه وما يتصل به ، فإن كان الغرض منه الفساد كان حراما ، وإن كان الغرض من الدعوة إلى الله كان مباحا ، وإن اتصل به شيء محرم كخمر كان حراما - قال في جوابه عن آلات الطرب : ( وأما آلات الطرب الصماء التي لا كلام فيها كالطبول والمزامير والعيدان وما أشبههما من ذوات النفخ والطرق ؛ فإنها إذا انفردت كانت من قبيل اللهو الباطل المكروه الشديد الكراهة لصده عن ذكر الله ، وإذا كانت مع غناء الكلام فحكمها حكم الغناء ، لكنه يكره كراهة شديدة أن يصحب الغناء بذكر الله وشكره 000 وإذا صحب الآلة خمر أو تبرج أو اختلاط بين الجنسين اختلاطا فاضحا00كان محرما ) (1) 0
... 3 – أحمد بن حمد الخليلي : قاس الأغاني الحربية والعسكرية التي تتضمن بعض الآلات الموسيقية التي تستعمل في الحرب على الطبل فالحكم واحد لا يختلف (2) ، وقال في سماع الدف : ( الدف أجيز من أجل الإشهار لا من أجل إمتاع الأسماع ، ومن أجل ذلك سنّ في إشهار الزواج ، وأجيز في الحرب من أجل إثارة الحماس ، فعليه ينبغي النظر في دواعي استماع هذه الأناشيد – أي الأناشيد المصحوبة بالدف – فإن كان- ذلك من أجل التحمس للجهاد ؛ فأرجو أن لا يضيق ، وإن كان من أجل الطرب فأولى به المنع ) (3) 0
__________
(1) إبراهيم بن عمر بيوض ، فتاوى الإمام الشيخ بيوض ، ترتيب وتقديم وتخريج بكير محمد الشيخ بالحاج ، ط مكتبة أبي الشعثاء - سلطنة عمان / السيب ، الطبعة الثانية 1411 هـ / 1990 م ، ص ( 713 – 714 ) ، بتصرف0
(2) مجلة جبرين ، من اعداد سنة 1984 م ( لم استطع الحصول على رقم العدد ولا المحرر لكوني وجدت هذا الكلام مصورا من الجريدة دون توثيق ) ص ( 29 ) 0
(3) فتاوى ، مخطوط . (1/47)
صفحة 48
... 4 – سعيد بن مبروك القنوبي (1) : ( لا يجوز الاستماع إلى الأناشيد المصحوبة بضرب الدف إلا في حالة إشهار الزواج ، وألحق به بعض العلماء العيد ، على أن بعض العلماء ذهب إلى أن ذلك خاص بالنساء دون الرجال ؛ لأن الأحاديث وردت في ذلك خاصة ، ويشترط في ذلك عدم حضور الرجال أو استماعهم لهن ) (2)
... نلاحظ إن الإباضية المعاصرين أقرب إلى التيسير في استماع الغناء مع خلاف بينهم في الآلات ، واتفاق بينهم في جواز ضرب الدف ، ولكنهم اختلفوا في دواعي استماعه ، وهل هو عام للرجال والنساء أم للنساء فقط ؟، كما أنهم اختلفوا في الآلات الأخرى ، أشد أقوالهم التحريم ، وأيسرها الكراهة الشديدة ، أما القدامى - فكما ذكرنا سابقا – فيشددون أيما تشديد في الغناء وآلاته مع خلاف بينهم كما مر بيانه .
*ثانيا : المذهب الجعفري :
... الشيعة الإمامية اتفقوا على حرمة الغناء في الجملة (3) ، يقول علي حسن العاملي (4) : ( من هنا كانت فتاوى القدماء مجتمعة – أي على حرمة الغناء – سيما من قارب الغيبة الكبرى ، من معالم الدين ، وأساس اليقين ، كفتاوى الصدوق ت ( 381هـ) والمفيد ت ( 413هـ ) والمرتضى ت ( 436 هـ ) 000 والحلي ت
(
__________
(1) سعيد بن مبروك القنوبي ، عالم عماني معاصر ، اشتهر بعلم الحديث ، وفاق أقرانه من الإباضية المعاصرين في هذا الفن من العلوم .
(2) سعيد بن مبروك القنوبي ، فتاوى ، مخطوط .
- 50 -
(3) جاء في مصباح الفقاهة ( 1 / 398 ) : ( لا خلاف في حرمة الغناء في الجملة بين الشيعة ، وأما العامة فقد التزموا بحرمته لجهات خارجية ، و إلا فهو بنفسه أمر باح عندهم ) ، راجع أبو القاسم الموسوي الخوئي ، مصباح الفقاهة في المعاملات،ج ( 1 )، ط دار الهادي ، لبنان / بيروت، الطبعة الأولى 1412 هـ / 1992 م ،ص( 398 )0
(4) عالم شيعي إمامي معاصر ، من كتبه الغناء في الموقف الفقهي . (1/48)
صفحة 49
726هـ ) وغيرهم من المتأخرين أو المتوسطين ) (1) ، ثم العاملي فصل أقوال الفقهاء الجعفرية في ثلاثة أقوال :
... 1 – الغناء غير محرم في نفسه ، وإنما يحرم لأجل ما يقارنه من ضرب الأوتار، ودخول النساء على الرجال ، وشرب الخمور 0
... 2 – الغناء محرم في نفسه مطلقاً ، ولو في زفاف العرائس ، أو غير ذلك0
... 3 – الغناء محرم في نفسه ، مع استثناء جملة من الموارد ؛ إما لأنها من الغناء ، وقد قام الدليل على جوازها ، وإما لخروجها عن معنى الغناء المحقق ، مع اختلاف بين أصحاب هذا الاتجاه في السعة والتضييق ؛ فمنهم استثنى الغناء في الأعراس ، ومنهم استثنى الغناء في القرآن والمراثي (2) وما ناظرهما مما يذكر الآخرة ، ومنهم استثنى من حرمة الغناء ما لا يكون لهوياً ومناسباً لأهل الفسوق ، كما أن منهم جعل الاستثناء موضوعيا ؛ بمعنى أن بعض أفراد ما ذكر كالمراثي مثلاً ليس من الغناء أساساً (3) .
... يقول أبوالقاسم الموسوي (4) : ( اتفق الأصحاب على حرمته ، وقال بها أكثر أهل السنة ، والكتاب العزيز ، وإن لم يكن فيه صراحة على حرمته ، إلا أنه بضميمه ما ورد في تفسيره تام الدلالة عليها 000 ) (5) .
__________
(1) علي حسن محمد العاملي ، الغناء في الموقف الفقهي ، ط دار الأمير – لبنان / بيروت ، الطبعة الأولى 1415 هـ / 1994 م ، ص ( 53 ) ، بتصرف .
(2) مثل مراثي الحسين ، التي يحتفي بها الشيعة في العاشر من محرم من كل عام ، حيث ينشدون فيها بعض الأناشيد التي تذكرهم بالحسين وآل البيت .
(3) الغناء في الموقف الفقهي ، ص ( 55 – 57 ) ، بتصرف .
(4) عالم شيعي إمامي معاصر ، من كتبه المكاسب المحرمة .
(5) أبو القاسم الموسوي الخوئي ، محاضرات في الفقه الجعفري المكاسب المحرمة ، كتبها علي الحسيني الشاهرودي ، ج ( 1 ) ، ط دار الكتاب الإسلامي – قم ، الطبعة الأولى 1408 هـ ، ص ( 340 – 341 ) .
- 51 - (1/49)
صفحة 50
... ويقول عباس النابلسي (1) : ( اتفقت آراء الفقهاء على حرمة الغناء بالجملة ، لكنهم اختلفوا في نوعية هذه الحرمة : هل هي ذاتية بمعنى أن الغناء حرام لذاته مع غض النظر عن العوامل الأخرى التي تدخل فيحرم من أجلها ، أم أن الحرمة عرضية ؛ أي أنه حلال بالأصل لكن بدخول عناصر أخرى حرم من أجلها ، ذهب إلى القول الأول مشهور فقهائنا بشهرة تكاد تكون إجماعا ، وذهب إلى القول الثاني ثلة قليلة أبرزهم الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء 000 ) (2) .
... والظاهر أن محمد حسين فضل الله يوافق الغطاء ، فقد تكلم في فتاواه عن حكم الغناء ، فبين أن المحرم من الغناء ما كان مشتملا على الكلام الباطل الذي يؤدي إلى الضلال الفكري والروحي والأخلاقي ، مع كون اللحن متناسبا مع أجواء الإثارة غير الأخلاقية ، بحيث يكون من ألحان أهل الفسوق ، وبن أن الأساس في الحرمة أن مثل هذا النوع من الغناء يترك تأثيره السلبي على أفكار الإنسان وتصوراته ومشاعره (3) ، وظاهر كلامه أن ماعدا هذا العارض فهو مباح .
__________
(1) كاتب شيعي إمامي معاصر ، من كتبه الموسيقى والغناء .
(2) عباس النابلسي ، الموسيقى والغناء صوت المرأة ، ط دار الرسول الأكرم ودار المحجة البيضاء – لبنان / بيروت، الطبعة الأولى 1421 هـ / 2000 م ، ص ( 82 ) .
(3) محمد حسين فضل الله ، المسائل الفقهية ، ج ( 2 ) ، ط دار الملاك – لبنان / بيروت ، الطبعة الثامنة 1419 هـ / 1998 م ، ص ( 343 ) . (1/50)
صفحة 51
... وإذا كان الجعفرية شددوا في الغناء بصورة عامة ؛ فيدخل في هذا الآلات المصاحبة له ، فقد نقل عباس النابلسي عن الخميني (1) ت ( 1409هـ ) قوله : ( الغناء حرام فعله وسماعه والكسب به ، وليس هو مجرد تحسين الصوت ، بل هو مده وترجيعه بكيفية خاصة مطربة تناسب مجالس اللهو ومحافل الطرب وآلات اللهو والملاهي ) (2) ، وكلام الخميني يجسد رأي جمهور علماء الجعفرية ، إلا أن بعض المعاصرين خالف هذا الخط ، وعلى رأس هؤلاء محمد حسين آل كاشف الغطاء ، فقد بين أن الغناء سواء رافقه الطرب ( الموسيقى ) أم لا ، مباح ما لم يستخف السامع إلى حد يخرج معه عن الكمال ، فهو إذ ذاك غير مشروع (3) ، وتابعه محمد حسين فضل الله حيث بين أن الموسيقى جائزة إلا إذا كانت متناسبة مع ألحان أهل الفسوق (4) .
... خلاصة رأي الجعفرية في الغناء وآلاته أن الغناء وآلاته الأصل عند جمهور فقهائهم الحرمة ، إلا ما استثني على خلاف بينهم في توسعة الاستثناء من تضييقه كما مر بيانه .
*ثالثا : المذهب الحنفي :
... اختلفت الروايات الواردة عن أبي حنيفة (5)
__________
(2) الموسيقى والغناء ، ص ( 58 ) .
(3) المصدر نفسه ، ص ( 56 ) .
(4) المسائل الفقهية ، ج ( 1 ) ، ص ( 198 ) .
- 52 -
(5) أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي التميمي بالولاء ، عاش ما بين سنتي ( 80 ) و ( 150 هـ ) ، نشأ في الكوفة وإليها ينسب ، أخذ العلم من علمائها التابعين الميالين إلى الرأي ، المقلين من الرواية ، والذين كانوا يستعملون عقولهم ، ويتحرون فيما ينقل إليهم من آثار ، ترك أبوا حنيفة تلاميذ مشاهير أصلوا منهجه ، مثل : أبو يوسف يعقوب الأنصاري ت ( 182 هـ ) ، وزفر الكوفي ت ( 185 هـ ) ، ومحمد بن الحسن الشيباني ت ( 189 هـ ) .
راجع مهني عمر التيواجني ، أشعة من الفقه الإسلامي ، ج ( 3 ) الفقه والتشريع مدخلا وتاريخا ، ط وزارة الأوقاف والشؤون الدينية – سلطنة عمان / مسقط ، ط 1422 هـ / 2001 م ، ص ( 46 ) . (1/51)
صفحة 52
ت ( 150 هـ ) في الغناء والمعازف ، وهي تدور بين المنع والإباحة، وفي بداية الأمر نسوق بعض الروايات الواردة عن أبي حنيفة ، أو ما ذكره العلماء عن رأي أبي حنيفة في الغناء ، لنستخلص بعدها ما قيل عنه في هذا الأمر .
... تكلم ابن القيم الجوزية (1) ت ( 751 هـ ) في إغاثة اللهفان عن رأي أبي حنيفة حيث قال : ( قال : وأما أبو حنيفة : فإنه يكره الغناء ويجعله من الذنوب ، وكذلك مذهب أهل الكوفة 000 ، ولا نعلم خلافا أيضا بين أهل البصرة في المنع منه ، قلت – أي ابن القيم - : مذهب أبي حنيفة في ذلك من أشد المذاهب ، وقوله فيه أغلظ الأقوال ، وقد صرح أصحابه بتحريم سماع الملاهي كلها ، كالمزمار والدف حتى الضرب بالقضيب ، وصرحوا بأنه معصية يوجب الفسق ، وتردّ به الشهادة ، وأبلغ من ذلك أنهم قالوا : إن السماع فسق ، والتلذذ به كفر000 ) (2) .
__________
(1) محمد بن أبي بكر الدمشقي الملقب بشمس الدين ، والمكنى بأبي عبدالله ، والمعروف بابن القيم الجوزية ، عالما من علماء الحنابلة ، ومن تلاميذ بن تيمية ، من كتبه زاد المعاد ، ومفتاح دار السعادة ، توفي عام ( 751 هـ ) .
راجع ابن القيم الجوزية ، مفتاح دار السعادة ، تحقيق : علي بن حسن الأثري ، ج ( 1 ) ، ط دار بن عفان / السعودية، الطبعة الأولى 1416 هـ / 1969 م ، ص ( 9 – 13 ) ، الكلام منقول من مقدمة المحقق بتصرف .
(2) ابن القيم الجوزية ، إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ، تحقيق : خالد عبد اللطيف السبع العلمي ، ج ( 1 ) ، ط دار الكتاب العربي – لبنان / بيروت ، الطبعة الخامسة 1422 هـ / 2002 م ، ص ( 344 – 345 ) . (1/52)
صفحة 53
... هذا مجمل كلام ابن القيم وهو يعتبر تأصيل منه لرأي أبي حنيفة ، والذين جاءوا بعده إنما هم عالة عليه ، مثل : بن باز ت ( 1419 هـ ) (1) ، وأحمد الحمدان (2) في كتابه أحكام الموسيقى والغناء (3) .
... أما الشوكاني ت (1255هـ ) فذكر من المجوزين الأئمة الأربعة الذين منهم أبو حنيفة (4) ، وحاول الشريف الحسني (5) ت ( 1341 هـ ) التوفيق بين روايات الجواز وروايات المنع ، حيث ذكر أولا روايات الجواز ، وذكر منها : أن أبا حنيفة كان يحضر مجلس الرشيد ت( 194هـ ) (6) ، (7) وذكر أيضا أن أبا حنيفة سئل هو وسفيان الثوري (8) عن الغناء فقالا : ليس من الكبائر ولا من أسوأ الصغائر (9) .
... ونقل بعد ذلك كلام ابن القيم المتقدم ذكره – وإن لم يشر إليه كعادة الكتب التي تسير على الخط التقليدي القديم – مريدا أن هناك قولا آخر لأبي حنيفة , وهو التحريم (10) .
__________
(1) أدلة تحريم الأغاني والملاهي ، ص ( 46 – 47 ) ، مصدر سابق .
(2) كاتب سلفي حنبلي معاصر .
(3) أحمد بن عبد العزيز الحمدان ، أحكام الموسيقى والغناء ، ص ( 75 – 76 ) ، مصدر سابق .
(4) نيل الأوطار ، ج ( 8 ) ، ص ( 102 ) ، مصدر سابق .
(5) عبد الحي فخر الدين الحسيني ، من علماء الهند في الحديث ، توفي عام ( 1341 هـ ) .
- 53 -
(6) تقدمت ترجمته ، ص ( ) .
(7) الشريف عبد الحي الحسني ، الغناء في الإسلام ، قدم له : أبو الحسن علي الندوي ، ط مجمع الإمام أحمد بن عرفان الشهيد لإحياء المعارف الإسلامية / الهند ، ط 1417 هـ / 1996 م ، ص ( 63 - 64 ) .
(9) المصدر نفسه ، ص ( 63 ) .
(10) المصدر نفسه ، ص ( 82 ) . (1/53)
صفحة 54
... والحسيني حاول التوفيق بين الروايات نقلا عن بعض العلماء ، وهو أن الروايات التي تشير إلى سماع أبي حنيفة الغناء مفادها جواز سماع الغناء عند أبي حنيفة ، أما ما نقل عنه من روايات التحريم فهو محمول على الغناء المقترن بشيء من الفحش ونحوه (1) .
... وإذا رجعنا إلى كتب الحنفية في الفقه نجدهم يشددون كثيرا على الغناء ، ولنضرب مثلا ثلاثة أمثلة لهذا حسب ما ذكره زين الدين الرازي (2) ت ( 666 هـ ) في تحفة الملوك :
... ا – جاء في كلامه عن المنكرات في الحفلات قوله : ( ومن دعي إلى ضيافة ، فوجد لعبا وغناء ؛ يقعد إن كان غير قدوة ، ويمنع إن قدر ، وإن كان قدوة كالقاضي والمفتي ونحوهما يمنع ويقعد ، فإن عجز خرج ) (3) .
... 2 – وجاء في كلامه في استماع الملاهي قوله : ( وسماع الملاهي كلها حرام ، فإن سمع بغتة فهو معذور ، ثم يجتهد أن لا يسمع مهما أمكنه ) (4) .
... 3 – وجا أيضا في كلامه عن ضرب الدف قوله : ( ويحل ضرب الدف في العرس ؛ لإعلان النكاح ، وضرب الطبل في الحج والغزاة للإعلام لا للهو ) (5) .
ويلاحظ من خلال هذه الأمثلة تشديد أبي حنيفة في الغناء والملاهي ، ولعل ترخيصه في السماع عائد إلى الغناء الخالي من الآلة والفجور ، إذ أنه - كما هو واضح في المثال الثاني والثالث – يشدد في الملاهي ولا يرخص لها إلا لمعاني معينة.
__________
(1) المصدر نفسه ، ص ( 65 ) ، والكلام نقله الحسيني عن الكمال الأذفوي في الإمتاع .
(3) زين الدين محمد بن أبي بكر الرازي ، تحفة الملوك في فقه مذهب الإمام أبي حنيفة ، تحقيق : عبدالله نذير أحمد ، ط دار البشائر الإسلامية – لبنان / بيروت ، الطبعة الأولى 1417 هـ / 1997 م ، ص ( 224 – 225 ) .
(4) المرجع نفسه ، ص ( 283 ) .
(5) المرجع نفسه ، ص ( 238 ) .
- 54 - (1/54)
صفحة 55
... هذا بالنسبة لأبي حنيفة ، والسؤال المطروح هنا هل أتباع أبي حنيفة التزموا هذا الخط أم لا ؟ ، نترك الجواب لوهبة الزحيلي (1) حيث بين أن الحنفية اختلفوا في حكم الغناء بدون آلة ، ذهب بعضهم إلى تحريم سماعه ، بينما ذهب الآخرون إلى جواز سماعه من غير كراهة (2) ، أما المعازف فالمشهور عندهم الحرمة (3) .
... هذا وقد ذهب بعض المعاصرين من الحنفية إلى جواز الغناء ولو مع الآلة ، وعلى رأس هؤلاء عبد الغني النابلسي (4) ، حيث ألف رسالة في هذا سماها ( إيضاح الدلالات في سماع الآلات ) قرر فيها أن سماع الأصوات و الآلات في الأصل مباح ، إلا إذا اقترن بها محرم ، أو اتخذ وسيلة إلى المحرم ، فيصبح حراما بهذا ، وإذا خلا من هذا كان مباحا في حضوره وسماعه وتعلمه (5) .
... هذا مجمل رأي أبي حنيفة ، وبهذا يتضح للقارئ الكريم رأي الحنفية في الغناء وآلاته قديم وحديثا .
*رابعا : المذهب المالكي :
... لكي يتبين لنا رأي مالك (6)
__________
(1) عالم وفقيه سوري أشعري ، لا يزال على قيد الحياة ، ألف الكثير من الكتب ، وعلى رأسها موسوعته الضخمة الفقه الإسلامي وأدلته .
(2) وهبه الزحيلي ، الفقه الإسلامي وأدلته ، ج ( 5 ) ، ط دار الفكر – لبنان / بيروت ، الطبعة الثالثة 1405 هـ / 1985 م ، ص ( 573 ) .
(3) المصدر نفسه ، ج ( 5 ) ، ص ( 574 ) .
(5) محمود شلتوت ، الفتاوى دراسة لمشكلات المسلم المعاصر في حياته اليومية ، ط دار الشروق – مصر / القاهرة، الطبعة السابعة عشر ، ص ( 413 ) .
(6) مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي ، عاش ما بين ( 93 - 191 هـ ) ، وهو من أهل المدينة ، تلقى العلم عن التابعين الذين استقروا بها ، يطغى على منهجه الفقهي طابع الرواية ، اشتهر عنه الأخذ بعمل أهل المدينة الذي يتميز عن غيره من الفقهاء ، من تلاميذه : عبد الرحمن بن القاسم ت ( 191 هـ ) ، وأشهب بن عبد العزيز العامري ت
( 204 هـ ) ، وعبد السلام التنوخي الملقب بسحنون ت ( 240 هـ ) .
راجع : أشعة من الفقه الإسلامي ، ص ( 46 ) ، مصدر سابق .
- 55 - (1/55)
صفحة 56
ت ( 179 هـ ) في الغناء وآلاته ؛ علينا بداية ذكر بعض الروايات المروية عنه في هذا الجانب أو ما يتعلق عليه ، ثم بعدها نورد كلام أهل العلم ، وما اختلفوا فيه .
... جاء في المدونة الكبرى في إجارة دفاتر الشعر أو الغناء قوله : ( قلت : أرأيت أن استأجرت دفاتري فيها نوح أو شعر أو غناء يقرأ فيها ؟ ، قال مالك : لا يصلح هذا 000 قلت : أكان مالك يكره الغناء ؟ ، قال : كره مالك قراءة القرآن بالألحان فكيف لا يكره الغناء ؟!!! ، وكره مالك أن يبيع الرجل الجارية ويشترط أنها مغنية فهذا مما يدلك أنه يكره الغناء 000 ) (1) ، وجاء أيضا في المدونة : باب في إجارة الدفاف في الأعراس قوله : ( قلت : هل كان مالك يكره الدفاف في العرس أو يجيزه ؟ وهل كان مالك يجيز الإجارة فيه ؟ قال : كان مالك يكره الدفاف والمعازف كلها في العرس ، وذلك أني سألته عنه فضعفه ولم يعجبه ذلك ) (2) .
... ذكر الماوردي (3)
__________
(1) مالك بن أنس الأصبحي ، المدونة الكبرى ، رواية سحنون بن سعيد التنوخي عن عبد الرحمن بن قاسم ، ومعها مقدمات ابن رشد أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد ت ( 520 هـ ) ، ج ( 3 ) ، ط دار الفكر – لبنان / بيروت ، ص ( 397 ) .
(2) مرجع سابق ، ج ( 3 ) ص 0 ( 398 ) .
(3) الحسن بن علي بن حسين الماوردي البصري الشافعي ، ولد عام ( 364 هـ ) ، من شيوخه : أبو القاسم الصيمري، وعبدالله البخاري ، من كتبه : الحاوي الكبير ونصيحة الملوك ، توفي عام ( 450 هـ ) .
راجع أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي ، النكت والعيون ، ج ( 1 ) ، ط مؤسسة الكتب الثقافية – لبنان / بيروت ، الطبعة الأولى 1412 هـ / 1992 م ، ص ( 6 – 13 ) ، الكلام منقول من مقدمة الناشر. (1/56)
صفحة 57
ت ( 450 هـ ) في المعيار المعرب أن مالك سئل عن الغناء ؟ فقال : لا يجوز ، فقيل له عن أهل المدينة الذين يسمعونه فقال : إنما يسمعه عندنا الفساق (1) ، ونقل أبو بكر الطرطوشي (2) عن مالك أنه نهى عن الغناء ، وعن الاستماع إليه (3) .
وسئل الرشيد ت ( 194 هـ ) إبراهيم بن سعد (4) ت ( 185 هـ ) حيث قال له: من كان من فقهائكم يكره السماع ؟ قال : من ربطه الله ،فقال: هل بلغك عن مالك بن أنس في ذلك شيء ؟ قال لا والله إلا أني أخبرني أنهم اجتمعوا في مدعات كانت في بني يربوع ، وهم يومئذ جلة ، ومالك أقلهم من فقهه وقدره ، ومعهم دفوف ومعازف وعيدان يغنون ويلعبون ، ومع مالك دف وهو يغنيهم :
سليمى أزمعت بينا ***** فأين تظنها أينا
وقد قالت لأتراب ******* لها زهر تلاقينا
تعالين فقد طاب ****** لنا العيش تعالينا
فضحك الرشيد ووصله بمال عظيم (5) .
__________
(1) المعيار المعرب ، ج ( 11 ) ، ص ( 76 ) .
(3) عبد الرحمن زعيمة ، تفنيد أخطاء الشيخ الغزالي في كتابه حول السنة النبوية ، ط دار المنطلق – الإمارات العربية المتحدة / دبي ، الطبعة الأولى 1410 هـ / 1990 م ، ص ( 99 ) .
(4) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري ، أبو إسحاق المدني ، نزيل بغداد ، روى عن الزهري ، قال أحمد : ثقة ، وقال ابن معين : ثقة حجة ، وقال العجلي : مدني ثقة ، مات سنة ( 185 هـ ) .
محمد بن محمد الحسيني الزبيدي ، إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين ، ج ( 7 ) ، ط دار الكتب العلمية – لبنان / بيروت ، ص ( 563 ) .
- 56 -
(5) المعيار المعرب ، ص ( 75 ) . (1/57)
صفحة 58
... نلاحظ من خلال هذه الروايات أن لمالك ثلاثة أقوال : ( الحرمة والكراهة والحلّ)، وعلى هذا اختلف العلماء ، حيث ذهب ابن رجب الحنبلي (1) (2) ، وتابعه ابن تيمية (3) (4) ، وانتصر له ابن القيم ت ( 751 هـ ) وشنع على الذين رووا عنه الإباحة، واعتبره من أقبح الغلط وأفحشه (5) ، ونافح عنه الألباني ت (1999 م ) وبين أن الإمام مالك أنكر على أهل المدينة هو وعلمائها (6) وعليه ابن باز ت ( 1419 هـ)، وعلى التحريم ذهب بعض المالكية (7) ، مثل علوي المالكي الحسني (8) ت ( 1391 هـ) (9) .
... بينما ذهب الماوردي ت ( 450 هـ ) إلى أن الصحيح عند مالك الكراهة (10) وعليه جمهور المالكية (11) .
أما الجواز فقاله الشوكاني ت ( 1255 هـ ) (12) ،وعليه بعض المالكية (13) ،وعلى
رأسهم ابن العربي ت ( 543 هـ ) حيث بين أنه لم يصح في أحاديث المنع شيء (14) .
__________
(2) أخمد مصطفى علي القضاة ، الشريعة الإسلامية والفنون ، ط دار الجيل – لبنان / بيروت ، ودار عمار – الأردن / عمّان ، الطبعة الأولى 1408 هـ / 1988 م ، ص ( 270 ) .
(4) المصدر نفسه ، ص ( 270 ) .
(5) ابن القيم الجوزية ، كشف الغطاء عن حكم سماع الغناء ، تحقيق : ربيع بن أحمد خلف ، ط دار الجيل – لبنان / بيروت ، الطبعة الأولى 1412 هـ / 1992 م ، ص ( 189 ) .
(6) تحريم آلات الطرب ، ص ( 99 ) .
(7) الشريعة الإسلامية والفنون ، ص ( 270 ) .
(9) علوي المالكي الحسني ، مجموع فتاوى ورسائل علوي الحسني ، جمع وترتيب : محمد بن علوي المالكي الحسني ، ط 1413 هـ ، ص ( 181 – 182 ) .
(10) المعيار المعرب ، ص ( 79 ) .
(11) الشريعة الإسلامية والفنون ، ص ( 270 ) .
- 57 -
(12) نيل الأوطار ، ج ( 8 ) ، ص ( 102 ) ، مصدر سابق .
(13) الشريعة الإسلامية والفنون ، ص ( 270 ) مصدر سابق .
(14) أحكام القرآن ، ص ( 1494 ) ، مصدر سابق . (1/58)
صفحة 59
... ذكر الحسني ت ( 1341 هـ ) – نقلا عن أحد العلماء – أن روايات مالك في تحريم الغناء محتملة على الغناء الذي يقترن به منكر ، وقوله : إنما يسمعه الفساق منا محتمل أن الذين للهوهم أو لغرمهم يسمعونه عندنا ، وصفهم كذا ، فلا يدل على إرادة التحريم ، وقد قال ابن العربي : إنما علمائنا بجملتهم قالوا : إذا وقع البيع فسخ،
قال : ولو كان حراما لم يقولوا فسخ (1) ، وعلق الندوي ت ( 2001 هـ ) في الفهرس على هذا الكلام بقوله : وجميع أقوال الإمام مالك وعمله كما ذكر الزبيدي (2) ت ( 1205 هـ ) في الإتحاف أنه لا يطلق التحريم على الغناء ، وإنما هو حرم غناء يقترن بمنكر ونحوه ، وكذا كره تلاوة القرآن بألحان الغير مرضية لأن حسن الصوت فيها محمود مستحب (3) .
... هذه إشارة عامة عن الغناء وآلاته في المذهب المالكي ، أما عن المعازف خاصة فالمشهور في المذهب المالكي كما حكاه علوي المالكي الحسني ت ( 1391 هـ ) الحرمة ، ويجب الإنكار على ذلك ونصيحته ، وأما الضرب بالطار والدف فلا بأس به في النكاح ، ولا يجوز ضربها في غير النكاح على المشهور ، ومقابل المشهور جواز ذلك في فرح للمسلمين (4) ، وقال ابن رشد (5) ت ( 520 هـ ) في مقدمته للمدونة الكبرى أنه يجوز ضرب الدف وشبهه في إشهار النكاح (6) ، بهذا يتضح للقارئ الكريم رأي المذهب المالكي في الغناء وآلاته .
*خامسا : المذهب الشافعي :
__________
(1) الغناء في الإسلام ، ص ( 69 – 70 ) ، مصدر سابق .
(3) الغناء في الإسلام ، ص ( 70 ) ، مصدر سابق .
(4) مجموع فتاوى ورسائل ، ص ( 181 – 182 ) .
(6) المدونة الكبرى ، ج ( 2 ) ، ص ( 58 ) .
- 58 - (1/59)
صفحة 60
... ذهب كثير من الفقهاء – ومنهم فقهاء المذهب الشافعي – إلى أن الشافعي (1) ت ( 204 هـ ) كره الغناء ، ومن هؤلاء ابن حجر الهيتمي الشافعي (2) ت ( ) (3) ، والماوردي الشافعي ت ( 450 هـ ) (4) ، والنووي (5) ت ( 676 هـ ) في المهذب ، وبين شارحه أن الغناء الذي كرهه الشافعي هو الغناء من غير آلة مطربة ، والذي يقع بمجرد الصوت (6) .
... وإذا جئنا إلى الروايات المروية عن الشافعي نجدها متباينة ؛ فعندما نأتي إلى الغزالي ت ( 505 هـ ) نجده يذكر عن الشافعي في كتاب آداب القضاء : إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل ، ومن استكثر منهم فهو سفيه ترد شهادته (7) ، بينما نجد الطبري (8) ت ( 540 هـ ) قد حكى تحريم الشافعي للغناء (9) ،
__________
(1) أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي ، ولد في غزة عام ( 150 هـ ) ، ونشأ في مكة وتعلم بها ، ثم انتقل إلى المدينة فأخذ العلم عن مالك ، ومنها انتقل إلى العراق ، حيث أخذ العلم عن محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة ، ومن العراق سافر إلى مصر فدّرس بها ، واشتهر مذهبه فيها ، من تلاميذه : أبو يعقوب يوسف بن يحيى البوطي ت ( 231 هـ ) ، والربيع بن سليمان المرادي ت ( 270 هـ ) ، مات عام ( 204 هـ ) .
أنظر : أشعة من الفقه الإسلامي ، ص ( 47 ) .
(3) الشريعة الإسلامية والفنون ، ص ( 274 ) .
(4) المصدر نفسه ، ص ( 274 ) ، والمعيار المعرب ،ج ( 11 ) ، ص ( 74 ) .
(6) محمود مطرجي ، المجموع شرح المهذب للنووي ، ج ( 22 ) ، ط دار الفكر –لبنان / بيروت ، الطبعة الأولى 1417 هـ / 1996 م ، ص ( 220 ) .
(7) إتحاف السادة المتقين ، ج ( 7 ) ، ص ( 562 ) .
(8) أبو الطيب طاهر بن عبدالله بن طاهر بن عمر الطبري ، ولد بآمل بطبرستان عام ( 348 هـ ) ، من شيوخه : أبو أحمد الغطريفي ، وأبو الحسن الماسرجسي ، توفي سنة ( 450 هـ ) .
أنظر إتحاف السادة المتقين ، ج ( 7 ) ، ص ( 561 – 562 ) .
(9) إتحاف السادة المتقين ، ج ( 7 ) ، ص ( 562 ) .
- 59 - (1/60)
صفحة 61
ولعله يقصد الغناء الذي اقترن به منكر لا الغناء الذي قصده الجمهور من نقلهم الكراهة عن الشافعي كما تقدم بيانه عن النووي .
وذكر الشريف الحسني ت ( 1341 هـ ) أن الشافعي قد روي عنه أنه سمع الغناء عن الفتية ، وقال عند فراغه لصاحبه يونس بن اعبد لأعلى (1) ت ( ) هل استنبطت ؟ قال : لا ، فقال له : إن صدقت فمالك حس صحيح (2) ، وذكر أن يونس بن عبد الأعلى سأل الشافعي عن إباحة أهل المدينة السماع ؛ فقال : لا أعلم أحدا من أهل الحجاز كره السماع ، إلا ما كان منه في الأوصاف ، فأما الحداء ، وذكر الأطلال والمرابع ، وتحسين الصوت بألحان الأشعار فمباح (3) .
نخلص من هذا أن الروايات المروية عن الشافعي تدور بين الإباحة والكراهة والتحريم ، وعلى هذا اختلف أتباعه ؛ فذهب جمهورهم كما حكاه الشوكاني ت ( 1255 هـ ) (4) وتابعه أحمد مصطفى علي القضاة (5) (6) إلى الكراهة ، وممن ذهب من الشافعية إلى هذا النووي ت ( 676 هـ ) (7) ، والماوردي ت ( 450 هـ ) (8) وغيرهم .
وذهب بعضهم إلى التحريم مثل الطبري ت ( 540 هـ ) (9) وابن حجر الهيتمي ت ( ) (10) ، بينما ذهب بعضهم الآخر إلى الإباحة وعلى رأس هؤلاء الغزالي ت ( 505 هـ ) (11) ، ومن المتأخرين الذين ذهبوا إلى الإباحة محمود شلتوت ت ( 1383 هـ) (12) .
__________
(2) الغناء في الإسلام ،ص ( 70 – 71 ) .
(3) المصدر نفسه ، ص ( 71 ) .
(4) نيل الأوطار ، ص ( 102 ) .
(5) كاتب إسلامي معاصر ، من كتبه الشريعة الإسلامية والفنون .
(6) الشريعة الإسلامية والفنون ، ص ( 272 ) .
(7) المجموع ، ج ( 22 ) ، ص ( 216 ) .
(8) المعيار المعرب ، ج ( 11 ) ، ص ( 79 ) وما بعدها .
(9) إتحاف السادة المتقين ، ج ( 7 ) ، ص ( 560 – 561 ) .
(10) الشريعة الإسلامية والفنون ، ص ( 272 ) .
(11) إحياء علوم الدين ، ج ( 5 ) ، ص ( 103 ) وما بعدها .
(12) الفتاوى ، ص ( 409 – 414 ) . (1/61)
صفحة 62
هذا بالنسبة للغناء أما المعازف فالمشهور عند الشافعية المنع (1) ، يقول النووي ت ( 676 هـ ) : ( ويحرم استعمال الآلات التي تطرب من غير غناء : كالعود ، والطنبور ، والمعزفة 000 ) (2) ورخصوا في الدف (3) .
أما محمود المطرجي (4) فقد قسم آلات الغناء إلى ثلاثة أقسام حسب المذهب الشافعي :
1 – القسم الأول : الآلة المحرمة : كالعود والمزمار والطبل ، فهذه يحرم استماعها و استعمالها ، لأنها تلهي عن ذكر الله و الصلاة ، وتؤدي إلى إتلاف المال .
... 2 – القسم الثاني : الآلة المكروه استعمالها ؛ فما زاد به الغناء طربا ، ولم يكن بانفراده مطربا كالقضيب .
... 3 – القسم الثالث : الآلة المباح استعمالها ؛ فما خرج عن آلة الإطراب ، كالبوق الذي يستعمل للإنذار ، و الطبل الذي يدعو إلى الحرب ، و الدف في النكاح
و الختان (5) .
... وإذا أتينا إلى الغزالي ت ( 505 هـ ) نجده يعلل استثناء الشارع للأوتار والمزامير من القضيب والطبل والدف لم يكن لذاتها ، بل لما اقترن بها من بعض المنكرات عادة كشرب الخمور ، وعادة اجتماع أهل الفسق عليها ، ومن هنا إذا وجدت هذه الآلات مع قوم غير مقترنة بالمنكرات ، ولم تكن مختصة لأهل الفسق ؛ في هذه الحالة يتغير الحكم ، وتنتقل من المنع إلى الإباحة (6) .
... أما محمود شلتوت ت ( 1383 هـ ) فيرى أن الآلات و المعازف ليست محرمة بذاتها ، و إنما تكون تابعة للغاية التي استعملت فيها ، فهو لا يفرق بين آلة و أخرى، فحلالها حلال و حرامها حرام. (7)
__________
(1) الفقه الإسلامي وأدلته ، ج ( 5 ) ، ص ( 574 ) .
(2) المجموع ، ج ( 22 ) ، ص ( 217 ) .
(3) المصدر نفسه ، ج ( 22 ) ، ص ( 217 ) .
- 60 -
(4) كاتب شافعي معاصر ، شرح المهذب للنووي ، وسماه بالمجموع شرح المهذب .
(5) المجموع ، ج ( 22 ) ، ص (221 – 222 ) .
(6) إتحاف السادة المتقين ، ج ( 7 ) ، ص ( 584 ) وما بعدها .
(7) الفتاوى ، ص ( 409 – 419 ) .
- 61- (1/62)
صفحة 63
... بهذا أكون قد أعطيت صورة واضحة وسريعة عن رأي المذهب الشافعي في الغناء والمعازف .
? سادسا : المذهب الحنبلي :
عندما نأتي إلى المذهب الحنبلي ؛ نجد أيضا اختلاف الروايات التي تتحدث عن رأي أحمد بن حنبل (1) في الغناء ، وهي تدور بين الحل والكراهة والتحريم ، وعلى هذا اختلف أتباعه ، يقول ابن قدامة (2) ت ( ) : ( واختلف أصحابنا في الغناء ، فذهب أبو بكر وصاحبه أبو بكر بن عبد العزيز إلى إباحته ، وكان الخلال يحمل الكراهة على أحمد على الأفعال المذمومة لا على القول بعينه 000 ) (3) .
وذكر الشريف الحسني ت ( 1341 هـ ) أن أحمد بن حنبل قد صحت الرواية عنه أنه سمع الغناء عند ابنه صالح ، فقال له ابنه : كنت تكرهه !!! ، فقال : إني بلغني أنه يستصحب معه المنكر ، فإذا كان مثل هذا فنعم (4) ، وممن حكى الجواز الشوكاني ت ( 1255 هـ ) في نيل الأوطار (5) .
وإذا أتينا إلى متأخري الحنابلة نجدهم أقرب إلى التشديد في الغناء ، خاصة إذا صاحبته آلة ، وممن ذهب إلى تحريمه ابن تيمية ت ( ) (6) ، وابن القيم ت ( 751 هـ ) (7) ، والألباني ت( 1999 م ) (8) ، وابن باز ت( 1419 هـ) (9) ،
__________
(1) أحمد بن حنبل بن هلال الشيباني ، ولد عام ( 164 هـ ) ، من أهل بغداد ، تعلم على رجال عصره ، كسفيان الثوري ، والشافعي ، اهتم بالحديث الشريف ، وكانت قضية خلق القرآن دعاية كبيرة له ، من تلاميذه : أبو يعقوب إسحاق التميمي ت ( 251 هـ ) ، وأبو بكر أحمد الأثرم ت( 273 هـ ) ، توفي سنة ( 241 هـ ) .
أنظر : أسعة من الفقه الإسلامي ، ص ( 47 ) .
(3) الشريعة الإسلامية والفنون ، ص ( 276 ) .
(4) الغناء في الإسلام ، ص ( 76 ) .
(5) نيل الأوطار ، ج ( 8 ) ص ( 102 ) .
(6) الشريعة الإسلامية والفنون ، ص ( 276 ) .
(7) راجع كتابه كشف الغطاء عن حكم سماع الغناء .
(8) راجع كتابه تحريم آلات الطرب .
(9) راجع كتابه أدلة تحريم الأغاني والرد على من أباحها .
- 62 - (1/63)
صفحة 64
وابن عثيمين (1) ت ( 2001 م ) (2) ، والجبرين (3) (4) ، والحمدان (5) ، وغيرهم كثير .
__________
(1) أبو عبد الله محمد بن صالح بن عثيمين الوهيبي التميمي، و لد بعنيزة ، عام ( 1347 هـ ) ، من شيوخه : عبد الرحمن السعدي ، وعبد العزيز بن باز ، من كتبه عقيدة أهل السنة والجماعة ، والدماء الطبيعية للنساء ، وأصول في التفسير ، مات عام ( 2001 م ) .
أنظر : محمد الصالح العثيمين ، فتاوى الشيخ محمد الصالح العثيمين ، إعداد وترتيب : أشرف بن عبد المقصود بن عبد الرحيم ، ج ( 1 ) ، ط دار عالم الكتب – السعودية / الرياض ، الطبعة الرابعة 1414 هـ / 1994م ، ص ( 9 – 13 ) .
(2) فتاوى ابن عثيمين ، ج ( 2 ) ، ص ( 929 – 930 ) .
(3) عبدالله بن عبد الرحمن الجبرين ، عالم سلفي حنبلي معاصر ، من المملكة العربية السعودية .
(4) عبدالله الجبرين ، اللؤلؤ المكين من فتاوى الجبرين ، تجميع : عبدالله بن سعد الحوطي ، ط دار الفرقان – السعودية / الرياض ، الطبعة الأولى 1417 هـ / 1997 م ، ص ( 256 – 257 ) .
(5) راجع كتابه أحكام الموسيقى والغناء في الكتاب والسنة وأقوال الفقهاء . (1/64)
صفحة 65
... هذا بالنسبة للغناء ، أما الآلات فالمشهور في المذهب الحنبلي المنع (1) إلا ما استثني كالدف في العرس ، واختلفوا هل الدف خاص للنساء فقط أم هو عام للرجال والنساء ، يقول إبراهيم بن محمد بن ضويان (2) : ( ويسن إعلان النكاح ، والضرب عليه بدف ، لا حلق فيه ولا صنوج 000 وهو للنساء فقط ، ويكره للرجال مطلقا 000 ، وكلام الأصحاب التسوية 000، وهو ظاهر النصوص ) (3) ، أما المتأخرون من الحنابلة فشددوا في الآلات عموما وأباحوا الدف للنساء فقط وذلك في المناسبات كإشهار النكاح (4) .
... بهذا أكون قد أعطيت صورة ولو بسيطة رأي المذاهب الستة في الغناء والمعازف ، وفي المطلب الثاني أحاول استقراء المذاهب الفقهية ؛ لكي نتصور وجه الاتفاق والخلاف بين هذه المذاهب .
...
الفصل الرابع
الغناء والمعازف
بين التطبيق الفقهي والنظر الدعوي الفكري
الفصل الرابع
الغناء والمعازف بين التطبيق الفقهي والنظر الدعوي الفكري
*تمهيد :
... يتعرض الناس في حياتهم لكثير من القضايا المختلفة ، ويحتاجون فيها إلى دواء شافي ، وعلاج كافي ، يواصلون به حياتهم على بصيرة من أمرهم ، وثقة من أنفسهم ، واطمئنانا يخالج أرواحهم وأجسامهم .
... من القضايا التي طالما أرقت فكر الناس قضية الغناء ، خاصة في هذا العصر الذي نعيش تحت زواياه ، وندور بين أركانه وأبوابه ، فمن سائل عن الأغاني الوطنية ، وآخر عن الأناشيد المصحوبة بالدف ، وثالث عن موسيقى الأخبار ، وهكذا دواليك .
... من هنا كانت قضية الغناء هي الجديرة بالاهتمام ، وهي الأولى بالعلاج ، لذلك كان هذا الفصل المتواضع .
__________
(1) الفقه الإسلامي وأدلته ، ج ( 5 ) ، ص ( 574 ) .
(3) إبراهيم بن محمد بن ضويان ، منار السبيل في شرخ الدليل على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، تحقبق : زهير الشاويش ، ج ( 2 ) ، ط المكتب الإسلامي - ابنان / بيروت ، سورية / دمشق ، الطبعة الرابعة 1399 هـ / 1997 م ، ص ( 213 – 214 ) .
(4) اللؤلؤ المكين ، ص ( 250 ) . (1/65)
صفحة 66
... إذا فتحت الرائي سمعت إعلانا عن مهرجان غنائي يحييه كاظم الساهر ومن شايعه ، وإذا دخلت حانوتا رأيت زهرة الخليج في ثوب قشيب ، وقد جملت بالفنانات العاريات !!! ، والفنانين الماجنين !!! ، وإذا فتحت الإذاعة فتجد العجب العجاب من الفن الهابط ، والدعارة الواضحة ، فيا الله أين الغيرة على حرمات الإسلام ؟، أين العزة من أبناء الإسلام ؟!!! .
... وليت الأمر يقف عند هذا الحد ، ولكن ما أن يأتي غيور من أبناء الإسلام ؛ يحاول أن يعطي للأمة البديل ؛ يقف له الألمعي الجهبذ غضبا وغيرة ، تعنفا وقسوة!!! .
... كل هذا الغضب والعنف لم يأت إلا أن صاحبه ابتدع في الدين ، واتى بأمر لم يكن على عهد السلف الصالح ، فكم من كتاب حذر من المهرجانات الإنشادية ، لا لشيء إلا أنها مضيعة للوقت ، ولم يفعلها - النبي صلى الله عليه وسلم – ولا أصحابه الكرام !!!، فيا سبحان الله أصبح الدين محصورا على روايات تحفظ ، وكتب أثرية تقدس ، ونسوا غايات الإسلام ومقاصده العظمى ، من هنا يجب أن نقف وقفة مع هؤلاء ، ونتحاور معهم الحديث ، فالكل همه مصلحة الأمة وتقدمها .
*أخي الداعية : وقفة من فضلك قبل الحديث عن الغناء :
... يقول محمد قطب (1) : ( الفن في إشكاله المختلفة هو محاولة البشر لتصوير الإيقاع الذي يتلقونه في حسّهم من حقائق الوجود ، في صورة مؤثرة جميلة ، والفنان شخص موهوب ، ذو حساسية خاصة ، تستطيع أن تلتقط الإيقاعات الخفية اللطيفة ، التي لا تدركها الأجهزة الأخرى في الناس العاديين ، وذو قدرة تعبيرية خاصة تستطيع أن تحول هذه الإيقاعات – التي يتلقاها حسه مكبرة ضخمة – إلى لون من الأداء الجميل ، يثير في النفس الانفعال ، ويحرك فيها حاسة الجمال ) (2) .
__________
(1) محمد قطب مفكر إسلامي كبير ، له نشاطاته الكبيرة في المجال الدعوي ، مصري الجنسية ، أخو المفكر العظيم سيد قطب ، من كتبه : منهج الفن الإسلامي .
(2) الشريعة الإسلامية والفنون ، ص ( 19 ) . (1/66)
صفحة 67
... الفن جزء من الحياة ، لا يمكن كبته ، من حارب إلغاؤه فكأنما يضحك على نفسه، ويسخر من عقله ، والفن أساس كل جميل في الحياة ، من شعر وغناء وابتكار ، لذلك أخي الداعية إذا كنت تريد بحق أن تعيش وسطي الفكر ، معتدل النظر ؛ انظر بداية إلى مضمون الفن قبل ظاهره ، انظر إلى لبه قبل قشوره ، وقف عند غاياته قبل وسائله .
... الفن أصله الإباحة ، ولا يحجر ، ولا يحرم إلا إذا تضمن سبعة أغراض ، وهي:
... ... 1 – بلبلة التصور الديني .
... ... 2 – نشر الفساد في الأرض.
... ... 3 – تزيين الرذيلة .
... ... 4 – إتباع الهوى .
... ... 5 – وثنية التصور.
... ... 6 – الاستدعاء السلبي للأنبياء والرموز المقدسة .
... ... 7 – فساد الرؤية والصورة (1) .
... هذه الأغراض – أخي الداعية – اجعلها نصب عينيك ، إن رأيت غناء قد خالجه الفساد ، وشاعت فيه وثنية التصور ؛ افعل الآتي 0000
* البديل قبل الإنكار :
... من العجب أن تشاهد أناسا يدعون إتباع السنة ولا يعرفون مقاصدها ، حفظوا روايات وأتو إلى الناس منفرين لا مبشرين ، وكأن سنة النبي – صلى الله عليه وسلم – لا تقود في النهاية إلا إلى التنفير ، مع أنه هو الذي نهى عن التنفير ، وأمر بالتبشير ، وهؤلاء لم يعوا كيف كان النبي – عليه الصلاة والسلام يبلغ دعوته ، وينشر دينه .
... أخي الداعية : لا بد من البديل في الغناء ، فوالله لو أعطيت للناس البديل لما احتجت إلى الإنكار ، ولوفرت لنفسك الوقت والجهد ، انظر إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – وقد رأى تلك الجارية التي تغني في بيت عائشة هل أنكر عليها ، أم أمرها بتنظيم غنائها ؟ !!! .
... ارجع مثلا – في عمان – قبل عشرين سنة من الزمان ، ماذا تجد الناس يسمعون؟ ، ألم تجدهم يسمعون ميحد حمد وعلي بالروغة !!! ، ألم ينكر الناكرون عليهم، فهل كان لهذا الإنكار جدوى ؟ ، وهل كانت منه فائدة ؟ .
__________
(1) للمزيد راجع : حسين علي محمد ، القرآن ونظرية الفن ، ط الشركة العربية للنشر والتوزيع ، الطبعة الثانية ، ص ( 339 ) . (1/67)
صفحة 68
... ولكن انظر بعد ما وجد البديل ، ألا ترى أناسا لم يصلهم شيخا ولا داعية لا يسمعون إلا الأناشيد الإسلامية ، إذا أليس توفير البديل أولى من الإنكار ؟!!! .
* الغناء سلاح ذو حدين :
... الغناء - أخي الداعية - سلاح ذو حدين ، إما أن يستخدم في الخير ، ونشر الفضيلة ، وإما أن يستخدم في الشر ، ونشر الفساد ، فكما أن الغناء قد يفسد أمة ، فإنه كذلك قد يقيم أمة ، لما يحتويه من كلمات طيبة ، ومعاني سامية ، يقول أحمد الخليلي :
( 00 ولا ريب أن الكل يدرك ما للكلمة من أثر في النفوس ، فالكلمة تناجي الوجدان ، وتحرك المشاعر ، وتحي الضمير ، وتقود الإنسان إلى الخير ، ولربما حولت كلمة مجرى التأريخ من شأن إلى شأن آخر ، وهذا معهود في الكلمات العربية شعرها ونثرها) (1) .
... من هنا يجب أن تستثمر القافلة الغنائية ، وأن لا تكبت فتعطل قافلة الدعوة إلى الله، نعم نحن تعودنا في المناطق الشرقية أن نرى الغناء متجها الاتجاه السيئ ، منحرفا عن الجادة والمنهج القويم ، فانطبع في أذهاننا أن الغناء لا يكون إلا سقيما ، فيجب سدا للذريعة غلقه ، وإراحة الناس منه ، ونسينا أن هناك مجتمعات عرفت كيف تسخر الغناء، وتوجهه الوجهة السليمة ، فلم نحن عاجزون أن نوجه الغناء وجهته السليمة ، ونقف دائما في ذيل القافلة ، وبعدها ننسب هذا إلى الإسلام ، والإسلام منه بريء .
__________
(1) من كلمة لأحمد الخليلي في المهرجان الإنشادي الرابع بجامعة السلطان قابوس ، صدرت ضمن كتيب بعنوان : المهرجان الإنشادي الخامس ، إصدار : جامعة السلطان قابوس بعمان ، ص ( 4 ) . (1/68)
صفحة 69
... ومع هذا حاول بعض المسلمون أن يعيدوا صياغة الغناء ويوجهوه الوجهة السليمة، مثال ذلك قناة اقرأ الفضائية استطاعت أن توجه الغناء وجهته ، فبعد ما كنا نسمع أغاني الأعياد وقد حملت في طياتها التعري والسفور ؛ أصبحنا نسمع أغاني الأعياد ، وهي تدعو إلى شكر نعمة الله ، واستغلال هذه البهجة في سبيل الخير ، والإنفاق على الفقراء والمساكين .
*لماذا نحرم المرأة من الغناء ؟ :
... المرأة كائن بشري يسمع ويعقل ، له مشاعر وأحاسيس ، لماذا نتصور المرأة دائما أداة هدم وسفور ، هل كان الرسول - صلى الله عليه وسلم – ينظر إلى المرأة كنظرتنا لها ، ألم يأمر بتكريمها ؟ ألم يكن المثل الأعلى في إعطاء المرأة حقوقها ؟. ... الغناء نعمة من نعم الله علينا ، منه على عباده ليسكنوا إليه من تعب أصابهم ، أومن مشقة واجهتهم ، فلماذا يخصص للرجال ؟، ألم تكن الجواري في عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يغنين ؟ ، لماذا لم ينكر عليهن ؟ . ...
... وإذا قال قائل : يجوز للمرأة أن تغني ؛ إذا بالقنابل النووية توجه ضده لأنه ابتدع في الدين ، وأراد أن يفسد ما بناه السلف الصالح ، وإذا قيل لهم : لماذا تمنعون المرأة من الغناء ؟ فما لهم إلا أن يرددوا أربعة أجوبة طالما رددوها :
1- قوله تعالى : { 000 فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا } (1) .
2- صوت المرأة عورة .
3- الأمر بسد الذريعة .
4- لم يرد عن السلف الصالح .
وقبل الوقوف مع هذه الأدلة أريد أن أبين للقارئ الكريم أن هؤلاء دائما ينظرون إلى الجانب السلبي من القضية ، والأصل على الداعية أن ينظر إلى جميع الجوانب ، ويربطها مع جوانبها الزمانية والمكانية ، هذا من جهة ومن جهة ثانية علينا أن نعرف أن المقصود بغناء المرأة لا بد وأن يدور تحت دائرة الشرع الحنيف ، إذ لا بد من ظوابط وعلى رأسها :
... ... ... 1 – عدم الاختلاط .
__________
(1) سورة الأحزاب ، آية ( 32 ) . (1/69)
صفحة 70
... ... ... 2 – أن يكون الكلام سليما ، لا فاحشا ولا فاجرا .
... هذا وكأن هؤلاء عندما يتكلمون عن غناء المرأة يتصورون أنفسهم أنهم يعيشون في العصور الحجرية ، التي لا وسائل للإعلام فيها ، وقبل أن أبين الفلسفة الصحيحة لغناء المرأة كما يريدها الإسلام ؛ أقف مع الأدلة التي ذكروها :
... 1 – أما عن الآية فلا حجة لهم فيها ؛ لأنها خاصة بأمهات المؤمنين كما ذكر بعض أهل العلم (1) ، ولو سلمت بأنها ليست خاصة بأمهات المؤمنين فهي خارجة عن محل الخلاف ، إذ لا يقول قائل بجواز غناء المرأة مع الرجال ، لأن هذا ولا شك وسيلة واضحة إلى الفتنة .
... 2 – أما كون صوت المرأة عورة ؛ هذا قول مرجوح يخالفه العقل السليم ، والنصوص الصريحة ، وفعل الصحابة والتابعين ، ألم يكن النبي – عليه الصلاة والسلام – يكلم النساء ، كما روي أنه كان يكلم أم الفضل ؟ ، ألم تكن عائشة تقيم حلقات للرجال ؟ أما عن العقل فأترك الكلام لعباس النابلسي إذ يقول : ( 000 إلا أنه من الصحيح أيضا أن لا نغفل 000 عن أن كلا من المرأة والرجل كائن اجتماعي ، ليس بمقدوره أن ينعزل عن الآخر مهما كانت الظروف ، وأن المطلوب هو تنظيم هذه الإفرازات والمنبهات الجنسية ، حتى ولو كان في أعماق كل منهما شعور جنسي حيال الآخر ، إذ لا يعني ذلك أن حركة الجنس الداخلية التي لم تظهر بعد مما يجب إلغاؤها ، أو القضاء عليها بشكل تام ، فالشريعة المقدسة تتجه إلى تنظيم هذه الحالة ، محاولة منها للحد من إظهارها ، إذ بإظهارها تنشأ المفاسد ، وتترتب عليه الآثار السلبية ، لا من خلال تفاعلاتها الداخلية فحسب 000 ) (2) .
__________
(1) راجع : يوسف القرضاوي ، فتاوى معاصرة للمرأة المسلمة ، ط دار الضيلء – الأردن / عمّان ، ودار الإسراء – مصر / القاهرة ، ص ( 18 ) .
(2) الموسيقى والغناء ، ص ( 114 ) . (1/70)
صفحة 71
... هذا ودليلهم هذا أيضا خارج عن محل الخلاف ؛ لأننا لا نقصد من غناء المرأة أن تجلس تحت الرجال ، لتتكسر لهم بصوتها ، فهذا ممنوع شرعا .
3 – أما عن الثالث فأنا أومن بسد الذريعة ، ولكن لا يعني هذا إلغاء فطرة فطرها الله في المرأة بدعوى سد الذريعة ، بل يجب تنظيمها لا قمعها .
... 4 – أما كونه لم يرد عن السلف فلا يعني منعه ما دام أصله مباحا ، إلا إذا كان هناك دليل على المنع فيجب التعويل عليه ، ولا دليل لهم ، بل الأدلة تخالفهم كما ذكرنا في الفصل الثالث .
... وللداعية وسائل تمكنه أن يفتح المجال للمرأة منها :
... 1 – إقامة مسارح ومنتديات خاصة للمرأة ، حيث تستطيع المرأة فيه أن تكشف عن مواهبها .
... 2 – إصدار أشرطة إنشادية خاصة للمرأة ، كما فعلت ذلك بعض تسجيلات المملكة العربية السعودية ، تحت مسمى أفراح بنت الجزيرة ، وأفراح بنت الخليج ، وقد استفادت المرأة من هذه الأشرطة كثيرا .
... 3 – إصدار مجلات خاصة للمرأة ، تكتب فيه المرأة ما تشاء ، وتظهر فيه صورة الفنانة المسلمة .
*لماذا هذه الضجة أمام الدف ؟ : (1/71)
صفحة 72
داعية هجروه الشباب ، ووصفوه بالانحلال ، لا لشيء إلا أنه سمع أشرطة مصحوبة بدف، فهل سماع الدف يوجب القطيعة والبراءة ؟، أنا لا أريد أن أبين حكم الآلات التي منها الدف فقد سبق الحديث عنها في الفصل الثالث ، ولكني أريد أن أشر إلى أن الدف على قول الجمهور جائز ضربه ، وعلى قول طائفة من أهل العلم هو عام للذّكور والإناث ، يقول عبدالله الهرري (1) : ( 000 وأما من قال جوازه خاص بالنساء فقوله مردود ؛ لأن إباحته عامة للرجال والنساء ، والتخصيص بالنساء لا يشهد له العرف ولا الشرع ، لأن أهل اليمن مشهور عندهم أن الرجال يضربون به ، وكذلك أهل بر الشام الصوفية ، وأهل الذكر ذلك دأبهم 0000 وأما ضرب الرجال فالأصل اشتراك الذكور والإناث في الأحكام ، إلا ما ورد الشرع فيه بالفرق ، ولم يرد هنا في ذلك شيء ، وليس ذلك مما يختص بالنساء حتى يقال إنه يحرم على الرجال التشبيه بهن، فبقي على العموم ) (2) .
__________
(1) عبدالله الهرري ، محدث حبشي ، يقطن لبنان ، أشعري العقيدة ، يقول بجواز التوسل بالأموات ، يسمى أتباعه بالأحباش نسبة إلى الحبشة ، من كتبه : الصراط المستقيم ، وصريح البيان في الرد على من خالف القرآن ، لا يزال على قيد الحياة .
(2) عبدالله الهرري ، صريح البيان في الرد على من خالف القرآن ، ط دار المشاريع – لبنان / بيروت ، الطبعة الثالثة 1418 هـ / 1997 م ، ص ( 263 – 264 ) . (1/72)
صفحة 73
على أن الدف قضية فرعية ، لا تستحق أن تنال هذه الضجة الكبيرة ، ولكل متبع حريته ما دام يقلد عالما من علماء المسلمين ، وما دامت المسألة فرعية ، كما أن الدف يمكن أن يستعمل كوسيلة دعوية ، لأن الناس قد انغمسوا في سماع الأغاني الماجنة ، والألحان الخليعة ، فعلى اعتبار الدف ضرر فاتباعه أولى من ترك الناس ينحرفون بسبب الأغاني الفاسدة المصحوبة بالآلات الموسيقية ، وهي أعظم ضررا ، وأشد بلاء ، خاص وأن الكثير من الناس لا يسمعها إلا لتلذذ بطرب الآلات ، فتلذذه بصوت الدف مع الكلمات الطيبة أولى ، فلعله تصادفه كلمة طيبة تغير مجرى حياته ، يقول عبد الحميد البلالي (1) : ( إن معرفة هذه القاعدة – أي قاعدة أخف الضررين – أصبح ضروريا أكثر من كل وقت مضى لشباب الحركة الإسلامية ، نظرا لشراسة الباطل ، وحتى يكسبوا القاعدة الأكبر إلى جانبهم ؛ ليكونوا لهم الحماة والقواعد في الغد المشرق ) (2) .
... هذا وكم رأيت من محلات بيع الأشرطة الغنائية المنحرفة قد أغلقت بسبب هجر الناس لها ، وإقبالهم على الأشرطة المصحوبة بدف ، وكم عرس لا ترى فيه فجورا ولا فسقا ؛ لأن الناس لم يعودوا يعتمدون على الأشرطة الغنائية الماجنة ، ولا الفرق الموسيقية ، والفرق الشعبية التي يجتمع الفسقة والمنحرفون حولها ، فيأتوا بالمنكرات ، ويفسدوا الشباب والناشئة ، فيا دعاة الإسلام تعاملوا مع أقوال الفقهاء بكل مرونة ، ولا تسبقكم العاطفة ؛ فتقعوا في ما لا يحمد عقباه .
*الأطفال والغناء :
__________
(1) كاتب إسلامي معاصر ، من كتبه : فقه الدعوة في إنكار المنكر .
(2) عبد الحميد البلالي ، فقه الدعوة في إنكار المنكر ، ط دار الحكمة – مصر – المنصورة ، الطبعة الأولى 1417 هـ / 1997 م ، ص ( 112 ) . (1/73)
صفحة 74
الأطفال جبلوا على حب الصوت الجميل ، وهذا ما أدركته الإنسانية منذ القديم ، فغناء ترقيص الأطفال له جذوره التأريخية ، والذي يدور في أذهان الدعاة أمران : أولاهما : هل يجوز للرجال سماع البنات الصغار وهن يغنين ؟ ، وثانيا : هل يجوز للأطفال شراء دمى تحتوي على أصوات موسيقية ؟ .
أما الجواب عن الإشكال الأول هو جواز سماع الرجل لغناء البنات الصغار ، بدليل أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سمع غناء جويريات يغنين مع عائشة ، ولم ينكر عليهن فسماعه – عليه الصلاة والسلام – دليل على الجواز ، وإن اختلف العلماء في المقصود بالجويريات ؛ هل هنّ البنات الصغار من الإماء ، أم عموم النساء ، إلا أن حمله على الأول أولى ، ومنع المرأة من أن تغني مع الرجال بحضرتهم أفضل من أن تترك تفعل ذلك ؛ لأنه لا يؤدي إلا إلى فتنة ، فيجب تنظيمه ، وقد تقدم في الكلام عن غناء المرأة ، هذا بالنسبة لغناء المرأة مع غير محارمها ، أما غنائها مع محارمها كزوجها وابنها فهو جائز بلا شك .
... أما عن الثاني فليست المشكلة في الدمية ، ولكن المشكلة في البديل ، فكم من دمية تنقل إلينا الموروثات الوثنية ؛ لتغرسها في نفوس الأطفال ، تارة ترى دمية ترفع يديها إلى السماء ، ممثلة النصراني الذي يرفع يديه طالبا الاستعانة من اليسوع .
... ومرة زرت إحدى الكنائس الكاثوليكية فوجدت صورا تمثل حياة السيد المسيح ، وأخرى عن السيدة مريم ، بجانب شخصيات أخرى ، وعنده بدأت أعرف لماذا الدمى المعروضة في محلاتنا ترفع يديها في صورة عجيبة ، فضلا عن الأشكال الأخرى ، والتي تجسد أكثر في المسلسلات الكرتونية .
... إذا نحن بحاجة إلى البديل قبل أن نمنع أطفالنا من شراء دمية لا تعي ماهيتها ، ولا تعرف حقيقتها ، ولكنها براءة الطفولة ، وصفاء الفطرة . (1/74)
صفحة 75
... الأطفال يجب أن يعودوا أولا على حب سماع كتاب الله - تعالى - ، والأناشيد الدينية الهادفة كالطفل والبحر ، وطائر النورس ، وأن يشاهدوا المسلسلات الكرتونية النبيلة كالبطل نور ، وعلي بابا ، وينبغي على الأسرة أن تقيم مسرحا مبسطا في بيتها يعلمون في أطفالهم النشيد الجميل ، والكلمات الهادفة ، لتكون منارا لهم في حياتهم المستقبلية ، وكذلك على هيئة المسجد أن تنشئ مسرحا يلحق بالمسجد ، ليعود أبناء الحي على النشيد الهادف ، ويربطون بالكلمة الطيبة ، خاصة أبناء الفقراء واليتامى ، الذين لا يجدون لهم عونا في حياتهم ، فيا للدعاة إنها فرصتكم في تنشئة جيل إسلامي هادف ، ليعود للأمة ذخرها ، وللإسلام راياته وأمجاده .
*الغناء والرقص :
الرقص عادة من العادات ، يعود استحبابها أو استهجانها إلى الأعراف والتقاليد ، ولم يرد نص بالمنع منه ، فهو يدور في دائرة الإباحة .
وقد اعتاد العرب غالبا إلى استهجان الرقص ، وانطبعت عاداتهم على هذا ، بينما تجد أمما – كالأفارقة – لا ترى للرقص عارا ، ولا تنظر إليه نظرة استهجان واشمئزاز، فلا يحق للعرب أن يمنعوا الرقص باسم الدين ، ويلصقوا الإسلام به ، نعم هناك معايير يتفق عليها ، ويجب على جميع المسلمين التمسك بها ، مثل عدم الاختلاط، وعدم كشف العورة ، وأن لا يكون مختصا للفساق ، بحيث لا يذكر الرقص إلا ويتصور الفسق معه .
... وما نراه اليوم من رقص البنات الصغار في يوم عرس تعبيرا بالفرحة ، وابتهاجا بالمناسبة ؛ هو فعل مباح ، وعمل لا حرمة فيه ، ولكن لا بد أن يقيد بضوابط منها :
... ... 1 – عدم الاختلاط بين الذكور والإناث .
... ... 2 – أن لا يصاحبه منكر كالأغاني الماجنة .
... ... 3 – أن يكون اللباس الذي ترقص به المرأة محتشما ، لا يظهر مفاتنها .
... ... 4 – أن يكون الرقص معتدلا ، لا ما اعتادت عليه الفاسقات في المسلسلات وغيرها ، فلا يجوز تقليدهن . (1/75)
صفحة 76
... ... 5 – ينبغي على الداعيات الفاضلات ربط الرقص بالدعوة إلى الله ، وهو ما يعبر عنه بالأوبرا ، مثال ذلك : أن يؤتى بنشيد يجسد بعض القيم الإسلامية الفاضلة، ثم يجسد في حركات فعلية تربط بين المعاني والحركات .
... هذا ويجوز للمرأة مطلقا أن ترقص أمام زوجها بلا استثناء ، لأن ذلك مما يباح لها .
... كذلك الرقص للرجال مباح بشروط :
... 1 – أن لا يكون المجتمع مستهجنا له ، فحفظ الكرامة مقدم على فعل شيء مباح.
... 2 – أن لا يكون من عادات أهل الفسق ، فهذا إقرار لهم .
... 3 – أن لا يصاحبه منكر .
... 4 – أن لا يظهر فيه التعري والفجور .
*الصفير والتصفيق هل يجوز أن يصاحب الغناء ؟ :
لا أريد أن أدخل في متاهات فقهية في الصفير والتصفيق ، الكل يعلم أن الفقهاء على خلاف في المسألة ، منهم من يربطها بالأعراف والتقاليد ، ويجعل قوله – تعالى – { وما كانت صلا تهم عند البيت إلا مكاء وتصدية 000 } (1) – على اعتبار أن المقصود بالمكاء والتصدية الصفير والتصفيق – خاصة بالمشركين الذين كانوا يصفقون ويصفرون في صلاتهم وعباداتهم ، وهذه أمور تعبدية ولا يصح فيها مثل هذا ، ومنهم من يشدد فيه .
... وإذا وقفت على أدلة الفريق الثاني لطال المقام ، وكثر الكلام ، ولكني أحب أن أشير إلى أن الإسلام دائما يريد أن يربي في المسلمين الشخصية المستقلة ، التي تنبع من دينها ، وثقافاتها الربانية ، ولا شك إن الإسلام عندما أنكر على المشركين صنيعهم، أبدلهم بأدب إسلامي رفيع وهو التكبير والتهليل ، ففيه إعلاء كلمة التوحيد ، وإشارة إلى الاستقلالية ، التي تنبئ عن قيم ومثل رفيعة .
... وإذا جئنا إلى عصرنا هذا نجد غالبا قد انطبع على تجمعات الكفرة والمفسدين التصفير والتصفيق ، فأجدر بالأمة أن تتميز بعاداتها وقيمها ، كما أن إعلان التكبير والتهليل في المجالس والمنتديات والاحتفالات تربية للناشئة على كلمة التوحيد ، وهذا جانب دعوي رفيع .
__________
(1) سورة الأنفال ، آية ( 35 ) . (1/76)
صفحة 77
... على أنه لا يجوز الإنكار على قوم اتبعوا علمائهم في جواز التصفير والتصفيق مع الغناء ، ولكن النكير من يفعل ذلك تقليدا للمشركين والمفسدين ، وقبل النكير لا بد من تعويد الناس على التكبير والتهليل .
*الموسيقى واستخدامها كعلاج :
... الموسيقى لها أنواع متعددة ، منها ما هو ضار بالصحة كموسيقى الديسكو (1) ، تقول الأبحاث المعاصرة : ( عقد في مؤتمر كوبنهاغن عن أحدث مؤتمر عن الصمم ، وقد أعلن الأطباء أن الموسيقى الصاخبة التي اعتاد عليها فتيان وفتيات القرن العشرين، سواء أو ضمن غرفهم الخاصة ؛ هي السبب الأول والأخير في إصابة نسبة كبيرة بضعف في السمع ، يزداد شيئا فشيئا ، ولقد انتهى المؤتمر بتوصيات تشير إلى الابتعاد عن الموسيقى الصاخبة000 ) (2) .
... ومنها ما هو أخف ضررا ،وهو الذي يعبر عنه بالموسيقى الكلاسيكية الهادئة ، وقد أشار الباحثون إلى أن الموسيقى الكلاسيكية يمكن استخدامها كعلاج فعال في الأمراض النفسية والعصبية ، فهل يجوز شرعا استخدام مثل هذه الموسيقى كعلاج ؟ .
... بداية لا بد أن نشير إلى أن الإسلام ضمن لأتباعه الراحة النفسية إن هم اتبعوا أوامره ، واجتنبوا نواهيه ، فإن دين الإسلام غذاء للقلوب ، وراحة للنفوس ، والله -تعالى - منّ على عباده بكتاب عظيم ، يشفي الصدور من الهم والكدر ، ويحي القلوب من الحزن والضيق .
... والسؤال المطروح تختلف إجابته باعتبار الخلاف بين علماء الإسلام في الموسيقى، وعلى اعتبار أنها محرمة فهؤلاء أيضا اختلفوا هل يجوز الدواء بمحرم أم لا؟ ، أما أنا فأرى النظر إلى دواعي الحال ، فإذا اضطر المريض إلى ذلك فالضرورات تبيح المحظورات .
__________
(1) الديسكو أطلقت بداية على الموسيقى الصاخبة ، ثم أطلقت على الأندية التي تستعمل هذا النوع من الموسيقى .
راجع : رياض مصطفى العبد الله ، فضائح القرن العشرين ، ط دار الكتاب العربي – سورية / دمشق ، ص ( 79 ).
(2) فضائح القرن العشرين ، ص ( 77 ) . (1/77)
صفحة 78
* هل يجوز التغني بالقرآن ؟ : ...
... لقد شنّ محمد زهرة (1) في كتابه المعجزة الكبرى هجوما عنيفا على الذين يتغنون بالقرآن ، مستدلا بأدلة منها :
... 1 – مخالف لنهج الصحابة ، وهم الذين تلقون القرآن من فيه النبي – صلى الله عليه وسلم - .
... 2 – مخالف لوصف الله للقرآن في كتابه المبين ، مثل قوله - تعالى - : { إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا } (2) ، وهذا لا يتفق مع قراءة هؤلاء المصاحبة الضجات المتوالية .
ورد على الروايات التي تفيد في مدلولها جواز التغني بالقرآن ، مثل حديث : (زينوا أصواتكم بالقرآن ) (3) لمخالفتها المتواتر عما جاء عن النبي – صلى الله عليه وسلم- (4) .
... وحقيقة الأمر أن هذه الروايات لا تخالف ما جاء عن تلاوة النبي – عليه الصلاة والسلام – ولكن الناس أفرطوا في التغني بالقرآن ، فأوصلوه إلى حدّ التطريب ، بينما يريد النبي – صلى الله عليه وسلم – من تحسين الصوت بالقرآن هو القراءة بصوت جميل ، تقشعر منه القلوب ، وتخشع له النفوس ، وهذا ما يدل عليه قوله – تعالى –: {ورتل القرآن ترتيلا } (5) ، وما يدل عليه حديث النبي – عليه الصلاة والسلام – لأبي موسى الأشعري : ( لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود ) (6) .
... أما ما عهد اليوم من التطريب في قراءة القرآن فهذا مخالف للمنهج الذي يجب أن يتعامل به المسلمون في ترتيل كتاب ربهم ، فالإسلام دين وسط لا إفراط ولا تفريط .
* موسيقى ( الأخبار – الهاتف النقال – المؤثرات الصوتية – سيارات الإسعاف وغيرها – الموسيقى الحربية – موسيقى الساعات ) وحكمها في الشرع :
__________
(1) عالم أزهري كبير ، من كبار علماء مصرفي العصر الحديث ، من كتبه : المعجزة الكبرى القرآن ، والسياسة في الإسلام .
(2) سورة مريم ، آية ( 58 ) .
(3) رواه مسلم في صحيحه .
(4) محمد أبو زهرة ، المعجزة الكبرى القرآن ، ط دار الفكر العربي ، ص ( 592 ) وما بعدها .
(5) سورة المزمل ، ص ( 574 ) .
(6) تقدم تخريج ص( ) . (1/78)
صفحة 79
... الموسيقى تطورت مع مرور الزمن ، فبعد ما كانت مزمارا وعودا أصبحت أمرا عجيبا ، بعد ما كانت منحصرة في جلسة من الجلسات ، أو سهرة من السهرات ؛ أصبحت تصاحب الإنسان معظم أوقاته ، فهي تصاحبه في ساعة يديه ، وفي بيته ، وسيارته وسائر أوقاته .
... إذا كان المسلم سابقا يتصور الموسيقى هي بعض الآلات ؛ سهل عليه أن يوجد لها حكما ، سواء كان بالمنع أو الإيجاب ، أما اليوم وقد تعقدت الموسيقى ؛ كان لزاما أن تعاد النظرة إليها ، ولابد من إيجاد فلسفة شرعية للموسيقى تريح المسلمين من البلبلة التي يعيشونها ، من جراء خلاف العلماء في نظرتهم إلى الموسيقى ، وهذا لا يشبعه بحث واحد ، بل لابد من بحوث ومؤتمرات .
... إذا أتينا إلى أدلة تحريم المعازف نجدها غالبا تشير إلى الطرب الذي يلهي الإنسان، وقد يقوده إلى المحرمات ، ولكن إذا أتينا إلى الأنواع من الموسيقى المذكورة في العنوان نجدها خارجة عن دائرة الطرب ، والعلماء سابقا أجازوا الطبل إذا كان لأغراض خارجة عن حد الطرب كتخويف العدو ، وعلى هذا فلا أرى مانعا – حسب رأيي – من استخدام هذه الأنواع من الموسيقى .
... وأريد التنبيه على الذين ينكرون على الأخوة الذين يستعملون المؤثرات الصوتية في الأناشيد الإسلامية ، ونسو هؤلاء أن هذه المؤثرات – وإن كان لها علاقة بالموسيقى – إلا أنها بعيدة كلّ البعد عن الطرب الذي يؤدي إلى ارتكاب المحرم .
... والداعية بحاجة إلى هذه المؤثرات في المسرحيات الكوميدية والتأريخية وغيرها، لما لها من تأثير في نجاح عمل المسرحية ، ولتكون بديلا عن الفن الكوميدي الهابط ، كما أن القنوات الإسلامية بحاجة إلى هذه المؤثرات ، التي تربط بين برامجها ، وتقرب معاني مقدمات البرامج إلى الجمهور .
*هل يجوز إتلاف الأشرطة الغنائية الماجنة : (1/79)
صفحة 80
... ذهب جمهور العلماء إلى جواز إتلاف آلات اللهو على تفصيل بينهم (1) ، باعتبارها عندهم محرمة فهي بذلك غير مقومة ، وعلى هذا يجوز إتلاف أشرطة الأغاني الماجنة ، ولو بدون إذن صاحبها .
... والصحيح أن الكل متفق على جواز إتلاف أشرطة الأغاني الماجنة ، لأن الكل ذهب إلى عدم جواز شراء وسماع هذه الأشرطة .
... هذا من ناحية فقهية ، ومن ناحية دعوية هناك أساليب تساعد على تخليص المجتمع من هذه القاذورات بدون حدوث أي مشاكل في الجانب الدعوي ؛ لأن الإنسان بطبيعته متمسك بما يملك ، فلو علم أن فلانا من الناس قد كسّر شريطه الغنائي ، لدخل الحقد إلى قلبه ، وتنفر عن دينه ، وكانت العاقبة سيئة ، والنهاية وخيمة ، من هنا لابد للداعية أن يكون حكيما ، ويتخذ الأساليب النافعة في العلاج .
... من هذه الأساليب التي يمكن مراعاتها في إزالة هذه الأشرطة هو إعطاء البديل ، وفكرة المشروع عبارة عن إبدال شريط غنائي ماجن ، بشريط إسلامي هادف ، بحيث يتخلص من الأشرطة الفاسدة بدون مشاكل ، وإعطاء البديل بكل سهولة ، هذا وينبغي إيصال النشيد الإسلامي إلى كل البيوت ، ليرى الناس البديل ، ويجتنبوا بذلك عما يضرهم .
* هل يجوز اتخاذ الغناء مهنة يتكسب بها الداعية ؟ :
... الغناء الإسلامي كما مرّ بيانه وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله – تعالى – من هنا قد ينشغل الموهوبون بالصوت الجميل من الدعاة بالغناء الإسلامي ، وعلى هذا يحق لهم أن يتكسبوا من خلال هذا الطريق ، ولا تكون نيتهم أن الأجر الدنيوي يكون مقابل الدعوة عن طريق النشيد ، بل لما سخروا من أوقات شغلتهم عن طلب الرزق بشكل طبيعي ، وليحذر الدعاة أن يهمهم المال من إنشادهم ، فتفشل دعوتهم ، لأن نجاح الدعوة مقرون بالإخلاص لله تعالى .
* هل يجوز قراءة كتب الغناء ؟ :
__________
(1) للمزيد راجع : سليمان محمد أحمد ضمان المتلفات في الفقه الإسلامي ، الطبعة الأولى 1405 هـ / 1985 م ، ص ( 281 ) وما بعدها . (1/80)
صفحة 81
... الداعية كيّس فطن ، والشر لا يحارب إلا إذا علم ، ومن هنا ينبغي قراءة كتب الغناء لمعرفة قواعد الألحان وتسخيرها في الجانب الدعوي ، ومن الملاحظ اليوم من الفرق الإنشادية الغنائية الإسلامية عدم وجود تقعيد للألحان ، مما تجد تكريرا في الأسلوب الأدائي للنشيد ، مما يؤدي مستقبلا إلى نفرة الناس عن النشيد الإسلامي ، فينبغي الاستفادة من الكتب التي تقعد الألحان .
... كذلك على الدعاة أن يتابعوا المجلات الني تهتم بالفنانين المفسدين في الأرض ، كزهرة الخليج وغيرها ، وذلك حتى يعرف الشر ، وبالتالي يحارب بالبديل ، فمن لا يعرف الشر يقع فيه .
* وأخيرا أخي الداعية :
... إياك والتكاسل عن دعوتك ، استعمل جميع الوسائل لنجاح الدعوة ،التي منها الجانب الغنائي ، واختم لقاءي معك ببعض الوسائل المقترحة :
... 1 – أنشئ مسرحا في من منطقتك ، تنشر فيه دعوتك عن طريق الغناء الإسلامي.
2 – فعل الجانب الغنائي إلى مسرحيات غنائية ، وفلكلور غنائي هادف .
... 3 – أنشئ مجلة هادفة تهتم بالموهوبين في منطقتك بالإنشاد والمسرح وغيرها من الجوانب الدعوية .
... 4 – خصص مكانا خاصا للنساء تباشر فيه مواهبها .
... 5 – استغل الفلكلورات الشعبية الغنائية في سبيل الدعوة .
... 6 – أنشئ فرقا غنائية خاصة للأعراس والأعياد وغيرها من المناسبات ؛ لتكون بديلا عن الوافد الفاسد .
... 7 – وفر مكتبة خاصة للأشرطة الغنائية الإسلامية في منطقتك ؛ ليجد الناس البديل أمام أعينهم .
الخاتمة
بعد ما حلقت معك أخي القارئ في هذا البحث المتواضع، أصل بك إلى أهم نتائج البحث :
1 - الغناء مصطلح عام ، يدخل فيه الغناء بآلة ، والغناء بغير آلة .
2 - المعازف مصطلح يرادف مصطلح الآلات ، ويدخل فيه الموسيقى وغيرها .
3 - الغناء يعود تاريخه إلى بداية خلق الله للإنسان ، ولا يوجد دليل يدل على بداية نشأة الغناء ، إلا أنه تطور مع مرور الزمن ، حتى بلغ أوجه في العصر الحديث ، وكذلك المعازف . (1/81)
صفحة 82
4 - فلسفة الغناء تتقلب بين الخير والشر ، ولا يمكن القطع بفلسفة معينة للعصر القديم ؛ لعدم وجود أدلة واضحة تكشف عن فلسفة الغناء فيه بخلاف العصور الأخرى .
... 5 - المذاهب الفقهية الإسلامية اختلفت في نظرتها للغناء والمعازف ، ذهب جمهورهم إلى جواز الغناء بدون آلة بشروط معينة ، وذهب بعضهم إلى المنع ، أما المعازف فذهب جمهورهم إلى المنع ،وذهب بعضهم إلى الجواز ، وبعضهم إلى الكراهة الشديدة .
6- أدلة القائلين بجواز الغناء أقوى من أدلة المانعين ، ولكنها لا تعتبر حجة لجواز المعازف ؛ لأنه أشارت إلى الدف فقط .
7 - هناك من العلماء الذين كانت لهم نظرتهم المستقلة نحو الغناء والمعازف .
8 - لا بد من وجود بديل للغناء الهابط ، ولا بد من فلسفة الغناء فلسفة إسلامية .
9- لا بد من وجود أماكن خاصة للمرأة ، تمارس فيها فنونها الدعوية ، التي منها الفنون الغنائية .
10- الخلاف بين العلماء والمعازف يعتبر خلافا لفظيا ، لا يصل إلى درجة التفسيق والتبديع .
11 - لا بد من حرية الرأي بين الدعاة ؛ لتواصل الدعوة طريقها الإصلاحي .
هذا بعض ما توصلت إليه في هذا البحث ، فإن كان صائبا فمن الله ، وإن كان خطئا فمني ، ومن الشيطان ، واسأل الله العفو والعافية ، في الدين والدنيا والآخرة ، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
المصادر والمراجع
إبطال دعوى الإجماع في تحريم مطلق السماع ، محمد بن خلي الشوكاني،ط1/1419ـ 1999، دارالحرمين ،مصر .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين ، محمد بمحمد الحسيني الزبيدي ، دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان .
أحكام الموسيقى والغناء في الكتاب والسنة وأقوال العلماء، عبد العزيز الحمدان ط2/ هـ1413 ـ1993م ،دار المجتمع للنشر والتوزيع ، السعودية /جدة .
أحكام سجود السهو ، ابن تيمية ، ط1/ 1416ـ1996، دار ابن حزم –لبنان/ بيروت.
إحياء علوم الدين، محمد الغزالي . (1/82)
صفحة 83
أدلة تحريم الأغاني والرد على من أباحها ، عبد العزيز بن باز
الاستذكار أبوعمر يوسف السنمري ،ط1/ 1414ـ 1993، دار قتيبة لبنان بيروت.
الإسلام وقضايا الفن المعاصر ، يس محمد حسن ،ط1/ 1410ـ1990، دار الألباب لبنان بيروت ، سوريا دمشق .
أشعة من الفقه الإسلامي / مهني التويجاني وآخرون 1422ـ2001، وز ارة الأوقاف والشؤن الدينية ، سلطنة عمان .
الاعلام خير الدين الزركلي ط7/ 1986، دار العلم للملاين لبنان بيروت.
إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ، ابن القيم الجوزية ، ط5/ 1422ـ2002دارالكتاب العربي لبنان بيروت.
الأغاني ، أبو الفرج الأصبهاني ، ط1/ 1413ـ 1993، دار الجيل لبنان بيروت.
أندلسيات ، عبد الرحمن علي الحجي ، ط1/ 1388ـ 1969، دار الإنشاد لبنان بيروت.
الإيضاح في الأحكام ، أبو زكريا يحيى بن سعيد ،ط1/ 1403ـ1984وزارة التراث القومي والثقافة ، سلطنة عمان .
تاريخ ابن خلدون ، عبد الرحمن بن حلدون ط1/ 1413ـ1993، دار الكتب العلمية بيروت لبنان .
التحرير واتنوير ، محمد الطاهر ابن عاشور .
تحريم آلات الطرب ، محمد ناصر الدين الألباني .
تحفة الملوك في فقه مذهب الإمام أبي حنيفة ، زين الدين محمد الرازي ،ط1/ 1417ت1997، دار البشائر الإسلامية ، لبنان بيروت.
الترقيص والغناء للأطقال عتد العرب أحمد عبد التواب عوض ، دار الفضيلة ، مصر القاهرة .
تشييد الاختيار لتحريمالطبل والمزمار، محمد بن طولون الصاحي ط1/ 1431ـ 1993، دار الصحابة للتراث القاهرة مصر .
تفسير القرآن العظيم ، ابن كثير .
تفسيركتاب الله العزيز ، هود بن محكم الهواري ط1/ 1990 دار الغرب الإسلامي.
تفنيد أخطاء محمد الغزالي ، عبد الرحمن زعيمة ، ط1/ 1410ـ1990، دار المنطق الإمارات دبي .
تهذيب التهذيب ، ابن حجر الغسقلاني ط1/ 1404ـ 1484.دار الفكر لبنان بيروت
تيسير الكريم الرحمن من كلام المنان ، عبد الرحمن السعدي ،ط1/ 1408ـ1988، عالم الكتب لبنان بيروت. (1/83)
صفحة 84
جامع أحكام القرآن ، ابو عبد الله محمد القرطبي ، دار الفكر لبنان بيروت
جامع الأصول ، مبارك الجزري ، ط2/ 1403ـ1983، دار الفكر لبنان بيروت.
جامع البيان
الجامع الصحيح ، الربيع بن حبيب ، ط1/ 1415ـ 1994مكتبة سقط ، سلطنة عمان مسقط .
جمال الدين الأفغاني ، محمد عبد الرحيم الزيني ، مخطوط .
جوابات الإمام السالمي ، نور الدين السالمي ، ط1/ 1417ـ 1996.
جوهر النظام ، عبد الله بن حميد السالمي ، ط11/ 1410ـ 1989، مطبعة الألوان الحديثة .
دار الملاك ، لبنان بيروت.
الدر المنثور في التفسير بالماثور ، السيوطي ، ط3 دار الفكر لبنان بيروت.
الدولة الأموية ، يوسف الفش ، ط2/ 1406ـ 1985، دار الفكر سوريا دمشق .
ذخيرة الحفاظ المخرج على الحروف والألقاظ ، محمد بن طاهر المقدسي ،ط1/ 1416ـ 1996، دار السلف ، السعودية الرياض .
رسالة في غلم الموسيقى ، صلاح الدين الصفدي ، ط1/ 1411ـ 1991، الهيئة المصرية للكتاب .
روح المعاني
الستة بين أهل الفقه واهل الحديث ، محمد الغزالي .
سن ابن ماجة .
سنن أبي داود.
سنن الدارمي ، عبد الله الدارمي ، ط1/ 1407ـ1987، دار الكتاب العربي لبنان بيروت.
سنن الدارمي ، أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ،ط3/ 1417ـ1996. دار العلم لبنان بيروت ، سوريا دمشق .
السنن الكبرى ، البيهقي ، ط1/ 1414ـ 1994،دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان .
سنن النسائي بشرح السيوطي .
سيرأعلام النبلاء ، الذهبي ، مؤسسة الرسالة لبنان بيروت.
الشريعة الإسلامية والفنون ، احمدمصطفى علي القضاة ط1/ 1408ـ1988، دا رالجيل لبنان بيروت، ودار عمار الأردن عمان .
صباح الفقاخة ، أبو القاسم الموسوي ، ط1/ 1412ـ 1992، دار الهادي لبنان بيروت.
صحيح البخاري .
صريح البيان ، عبد الله الهرري ، ط3/ 1418ـ 1997، دار المشاريع لبنان بيروت.
صفوة التفاسير ، محمد الصابوني .
ضمان المتلفات في الفقه الإسلامي ، سليمان محمد أحمد ط1/ 1405ـ 1985. (1/84)
صفحة 85
عارضة الأحوذي شرح الترمذي ، ابن العربي دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان .
عظماؤنا في التاريخ ، مصطفى السباغي ، المكتب الإسلامي ،لبنان بيروت، وسوريا دمشق .
العقد الفريد ، ابن عبد ربه ، 1403ـ 1983، دارالكتاب العربي لبنان بيروت.
عمدة القاري .
الغناء في الإسلام ، الشريف عبد الحي الحسني ، ط1417ـ 1996، مجمع الإمام أحمد بن عرفان الشهيد .
الغناء والقيان قي العصر الجاهلي ، محمد ناصر الديت الأسد .
الفتاوى ، اشيخ سهعيد بن خلف الخروصي ، مخطوط
الفتاوى ، الشيخ أحمد بن حمد الخليلي . مخطوط .
الفتاوى ، الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي، مخطوط .
الفتاوى ، ممحمود شلتوت ، ط17دار الشروق مصر القاهرة .
فتاوى الشيخ العثيمين / محمد صالح العثيمين ،ط4/ 1414ـ 1994، دار عالم الكتب السعودية الرياض.
فتاوى الشيخ بيوض ،ط2/ 1411ـ 1990، مكتبة أبي الشعثاء ، عمان السيب .
فتاوى معاصرة للمرأة المسلمة ، يوسف القرضاوي ، دار الضياء الأردن عمان.
فتح الباري ، ابن حجر .
فتح القدير ، الشوكاني .
الفراغ وأزمة التدين عند الشباب الداء والدواء ، عبد العظبم المطغي ،ط1/ 1398ـ 1978، دار الأنصار لبنان .
فضائح القرن لعشرين ، رياض مصطفى ، دار الكتاب العربي ، سوريا دمشق .
فقه الدعوة في إنكار المنكر ، عبد الحميد البلالي ، ط1/ 1417ـ 1997، دار الحكمة ، المنصورة مصر .
فقه السيرة النبوية ، محمد سغيد البوطي ، 11/ 1991، دار الفكر المعاصر ،لبنان بيروت ، ودتر الفكر سوريا دمشق .
الفن ومذاهبه في الشعر العربي ،شوقي ضيف دار المعارف مصر .
في ظلال القرآن سيد قطب ،ط12/ 1406ـ 1986،دار العلم السعودية جدة .
قاموس الشريعة ، جميل بن خمميس السعدي ، ط1/ 1403ـ 1983، وزارة التراث لبقومي والثقافة ، سلطنة عمان .
القاموس المحيط ، الفيروز أبادي ، ط3/ 1413ـ1993، مؤسسة الرسالة ،لبنان بيروت .
القثخ الإسلامي وأدلته ، وهبة الزحيلي ط3/ 1405ـ1985،دار الفكر لبنان بيروت. (1/85)
صفحة 86
القرآن الكريم .
القرآن ونظرية الفن ، حسين علي محمد ، ط2/ الشركة العربية للنشر والتوزيع .
قصل الخطاب في المسألة والجواب ، خلفان بن جميل السيابي ، ط1/ 1404ـ 1984وزارة التراث القومي والثقافة ، سلطنة عمان .
الكافي في الموسيقى ، ابو منصور الحسين بن زبلة ، ط1/ 1964، دار العلم / مصر القاهرة ،
الكشاف ، الزمخشري .
كشف الغطاء عن حكم سماع الغناء ، ابن القيم الجوزية ، ط1/ 1412ـ 1992، دار الجيل لبنان بيروت.
لاموسوعة الموسيقية الشاملة ، القسم التطبيقي العملي 2، يوسف عيد وانطوان عكاري ط1/ 1994، دارالفكر اللبناني ، لبنان بيروت .
مؤسسة التاريخ العربي لبنان بيروت.
مجلة السراج العمانية .
مجلة براعم الإيمان .
مجلة جبيرن
المجموع شرح المهذب ، محمود مطرجي ، ط1/ 1417ـ1996، دار الفكر لبنان بيروت .
مجموع فتاوى ورسائل علوي المالكي الحسني .
المجموعة الكاملة للعقاد ، عباس محمود العقاد قسم الأدب والنقد .
محاضرات في الفقه الجعفري ،أبو القاسم الخوئي، ط1/ 1408، دار الكتاب الإسلامي.
محاضرت في تاريخ الأمم العباسية ، ط1/ 1419ـ 1992دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان .
المحلى ، ابن حزم ،
محيط الفنون ، دار المعارف مصر
مختار الصحاح ، محمد بن أبي بكر الرازي ، ط1/1414هـ ـ 1994م، دار الكتب العلمية، لبنان بيروت.
مختصر علوم الحديث محمد الخطيب ،ط3/ 1407ـ 1987، مؤسسة الرسالة .
مدارج التنزيل .
المدونة الكبرى ، مالك بن أنس .
المسائل الفقهية ، محمدج حسين فضل الله ، ط8/ 1419ـ 1998.
مسائل كثر حولها النقاش والجدل ، زين آل سميط ، دار غار حراء .
مسند احمد ، أحمد بن حنبل ، ط2/ 1414ـ 1994.
المعجزة الكبرى القرآن ، محمد أبوزعرة ، دار الفكر العربي .
المعجم المفهرس لألقاظ الحديث،
المعجم الوسيط ،إبراهيم مصطقى وآخرون ، دار الدعوة لبنان بيروت .
المعيار النعرب . (1/86)
صفحة 87
مفتاح دار السعادة ، ابن القيم الجوزية ، ط1، 1416ـ1996، دار ابن عفان ، السعودية .
المفصل في أحكام المرأة ، عبد الكريم زيدان ،ط1/ 1413ـ 1993، دار الكتب العلمية ، لبنان بيروت
من وحي القرآن محمد حسين فضل الله ، ط1/ 1419ـ 1988دار المكلاك .
منار السبيل ، إبراهيم بن ضويان ،ط4/1399ـ1997، المكتب الإسلامي لبنان بيروت،
المنجد في اللغة والأعلام ، دار المعرفة ، لبنان بيروت .
المهرجان الإنشادي الخامس ، جامعة السلطان قابوس ، سلطنة عمان .
الموسيقى الشرقية ، سليم الحلو ، دار مكتبة الحياة ، لبنان بيروت .
الموسيقى الكبير ، أبو نصر محمد الفارابي ، دار الكتب العربي للطباعة ولالنشر ، مصر القاهرة .
الموسيقى في العصر الرومانتيكي ، ألفرد داتيشينتي ، 1392ـ 1973، الهيئة تالمصرية العامة للكتاب .
الموسيقى وال غناء ، عباس التابلسي ، ط1/ 1421ـ 2000، دار الرسول الأكرم، والمحجة البيضاء بيروت لبنان .
نفسير أبو السعود
النكت والعيون علي بن محمد الماوردي ط1/ 1412ـ1992مؤسسة الكتب الثقافية لبنان بيروت.
نيل الأاوطار ، محمد الشوكاني .
هذا حلال وهذا حرام ، عبد القادر أحمد عطا ، دار الفضيلة ، مصر القاهرة .
هيميان الزاد ، محمد بن يوسف اطفيش ، ط1 وزارة التراث ، سلطنة عمان .
يسالونك في الدين والحياة ، أحمد الشرباصي ، لبنان بيروت.
الفهرس
إهداء ................................................. 1
شكر وعرفان ......................................... 2
مقدمة ................................................. 4
الفصل الأول : المصطلحات الهامة المتعلقة بالبحث ... 10
المبحث الأول : تعريف الغناء واللهو واللحن والشعر.. 11
المطلب الأول : تعريف الغناء لغة واصطلاحا......... 11
المطلب الثاني : تعريف اللحن لغة واصطلاحا......... 13
المطلب الثالث : تعريف الشعر لغة واصطلاحا........ 14 (1/87)
صفحة 88
المطلب الرابع : تعريف اللهو لغة واصطلاحا......... 15
المبحث الثاني : تعريف الآلات والمعازف والموسيقى.. 16
المطلب الأول : تعريف الآلات لغة واصطلاحا....... 16
المطلب الثاني : تعريف المعازف لغة واصطلاحا..... 17
المطلب الثالث : تعريف الموسيقى.................... 18
المبحث الثالث : التعاريف السابقة وعلاقتها بالغناء والمعازف ........................................... 20
المطلب الأول : علاقة الغناء بالشعر واللحن واللهو والمعازف ........................................... 20
المطلب الثاني : علاقة المعازف بالآلات والموسيقى واللحن واللهو والشعر ....................................... 21
الفصل الثاني : الغناء والمعازف وفلسفتهما في التاريخ..22
المبحث الأول : نشأة الغناء والمعازف .................24
المطلب الأول : الغناء والمعازف في العصور القديمة.. 27
المطلب الثاني : الغناء والمعازف في العصر الجاهلي.. 32
المطلب الثالث : الغناء والمعازف في العصر النبوي ..35
المطلب الرابع : الغناء والمعازف في العصر الإسلامي.37
المطلب الخامس : الغناء والمعازف في العصر الحديث.43
المبحث الثاني : فلسفة الغناء في التاريخ.............. 44
المطلب الأول : فلسفة الغناء في العصور القديمة ..... 45
المطلب الثاني : فلسفة الغناء في العصر الجاهلي ..... 46
المطلب الثالث : فلسفة الغناء في العصر النبوي ...... 47
المطلب الرابع : فلسفة الغناء في العصر الإسلامي ... 49
المطلب الخامس : فلسفة الغناء في العصر الحديث ... 52
الفصل الثالث : المذاهب الفقهية في الغناء والمعازف.. 53
المبحث الأول : الغناء والمعازف في المذاهب الفقهية.. 56
المبحث الثاني : أدلة المانعين والمجيزين للغناء والمعازف ............................................75
المطلب الأول : أدلة المانعين للغناء والمعازف ....... 76 (1/88)
صفحة 89
المطلب الثاني : أدلة المجيزين للغناء والمعازف ...... 88
المبحث الثالث : وقفة مع بعض العلماء وفلسفتهم في الغناء والمعازف .......................................... 98
الفصل الرابع : الغناء والمعازف بين التطبيق الفقهي والنظر الدعوي الفكري ............................. 111
? الغناء سلاح ذو حدين .........................0114
? لماذا نحرم المرأة من الغناء .................... 116
? لماذا هذه الضجة أمام الدف .................... 117
? الأطفال والغناء ................................ 118
? الغناء والرقص ................................ 120
? الغناء والصفير والتصفيق ..................... 121
? الموسيقى واستخدامها كعلاج ................... 121
? هل يجوز التغني بالقرآن ؟ .................... 122
? موسيقى الأخبار والهاتف النقال والمؤثرات الصوتية وغيرها ....................................... 123
? هل يجوز إتلاف الأشرطة الغنائية الماجنة ؟ ... 124
الخاتمة ............................................ 127
المصادر والمراجع .................................129
الفهرس ............................................137 (1/89)