صفحة 1
الكتاب: القول المعتبر في أحكام صلاة السفر
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] القول المعتبر في أحكام صلاة السفر
====================================
مقدمة
اعلم أنه لا يمكن تحقق قصر الصلاة للسفر إلا بعد تحقق مسافة القصر ــ ولا تتحقق مسافة القصر إلا بعد تحقق الوطن , ولا يتحقق الوطن إلا بعد تعينه من الموطن:
فان الوطن هو الأصل للسفر . والسفر هو الأصل لجواز القصر أو وجوبه. ولا يخفى على أحد أن اتخاذ الأوطان أمر ضروري في الدين . فلا صلاة لمن لا وطن له . ولا وطن إلا بتعيينه بالنية والفعل ــ أما النية فهي أن ينوي أن المكان الفلاني أو البلد الفلاني أو البيت أو الدار هي وطنه ــ فيه يتم الصلاة ــ ومنه يعتبر مسافة قصره للصلاة ــ وهذا أمر مستقر بالإجماع ــ وأما الفعل فهو أن يتم الصلاة في المكان الذي عينه وطنا . ولا صلاة له بدون ذلك . ولا يجوز لأحد أن يمر عليه وقت صلاة إلا وقد اتخذ له وطنا ولا صلاة كما قدمنا لمن لا وطن له لأنه لو جاز أن لا يتخذ الإنسان لنفسه وطنا لجاز له أن يقصر الصلاة طيلة حياته(1) وجاز له أن لا يصوم كما جاز له أن لا يوطن فيكون قاصراً للصلاة مفطراً لرمضان المفترض عليه صومه ولا تبعه عليه في ذلك وعليه فكل الحقوق التي تلزم الوطن تسط عنه لأنه في حكم المسافر دايما وتكون العبيد والصبيان والنساء تبعا لهذا الحكم ولا قايل بذلك كما انه يشمل أيضا البدو وأهل السفن والحيق و السياحين ومن في حكمهم فان يلزم أن يكون لكل هؤلاء أوطان تختص بهم وأحكام تخصهم ولا بد من ذلك وان كان أحوال الأوطان تختلف باختلاف أحوال أهلها كما سوف تراه أن شاء الله وان رأى أحد انه له أن يتخذ له وطنا فعبيده وأزواجه وأولاده كل هؤلاء يتخذون لأنفسهم أوطانا يتمون فيها ويقصرون الصلاة إذا خرجوا منها حتى يعودوا أليها إذ لا يصح لهم أن يتبعوه على ذلك إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق والدين لا يساير به الأمور الدنيوية يا أيها الذين آمنوا إلا يضركم من ضل إذا اهتديتم.
صفة اتخاذ الوطن (1/1)
صفحة 2
لقد أشرنا إلى ذلك آنفا ــ وتحقيقه أن يقصد بقلبه إلى بلدة بعينها أو مكان خاص منها فينوي أنه موضع وطنه . وينبغي أن يختصر لذلك بلدة يرى انه لا يخرج منها إلا لقضاء حوايجه أو لمرض يدعوه للخروج. أو عدو يجبره عليه , أو جبار يكلفه ذلك أو أي أذى يراه لا يزول عنه إلا بانتقاله . كما قال الإمام السالمي رحمه الله في جوهره ـــ
يراه خير منزل لا يخرجه منه سوى أمر عظيم يزعجه
كجاير يخاف من صولته أو ضرر يلحق في عيشته (1/2)
صفحة 3
وليس لأحد أن يوطن الدنيا كلها فيصلي تماما في كل نواحيها إجماعا كما انه ليس له أن يعيش في الدنيا كلها مسافرا فانه لو جاز له ذلك أي أن يتخذ الدنيا كلها وطنا بمعنى حيثما حل صلى تماما لأسقط بذلك أحكام السفر التي شرعها الله عز وجل لعباده وكذلك لو جاز له أن يعيش مسافرا جميع أنحاء الأرض لهدم بذلك أيضا أحكاما شرعية رفعها الله عن الضارب في الأرض لا القاطن فيها فان الموطن يتم الصلاة في وطنه ويقصرها إذا خرج منه وهل له أن يوطن الحوزة كلها كعمان مثلا أو البصرة أو الكوفة أو أي بلد من بلدان الإسلام المشتملة على قرى متباعدة وعواصم نائية فيجعل تلك الحوزة كلها وطنا واحدا يتم فيه الصلاة فالواضح ليس له ذلك لان عمان مثلا قطر متعدد الأرجاء والنواحي بينها السافات التي اقتضاها حكم السفر كما سوف تراه في محله أن شاء الله و إنما له أن يوطن بلدة من الحوزة أو بلدتين أو ثلاثا لكن بتعيين خاص فيصلي في كل واحدة من هذه البلدان وطنا ويقصر إذا خرج منها إلى الأخرى وسيأتي الكلام على تعدد الأوطان وما يجوز منها وما لا يجوز ولا يصح له أن يخص باسم الوطن موضعا لا تصح فيه الصلاة كالمنحرة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق ومواضع القإذورات كالمزبلة ونحوها وكذلك ما كان صغيرا لا يتسع لصلاته أو عد استقراره فيه كالسرير والسقوف الغير مستقرة بل يختاره في موضع تجوز فيه الصلاة ويتسع لها ويصلح لأنه ينزله إذا جاء من سفره كدار أو كبيت خاص أو مصلاة من بيته أو موضع نومه وهكذا فينويه بالقلب واللفظ قائلا اللهم أني اتخذت موضع كذا وطنا لي أتم فيه الصلاة أو تخذ وهكذا وان اقتصر بنية القلب أجزاه لان الأصل في النيات عزيمة القلب كما أشار إلى ذلك قوله عز وعلا ولكن ما تعمدت قلوبكم وأما التلفظ بالنية فهو كالتأكيد لما انطوى عليه القلب.
نزع نية الوطن من مكان (1/3)
صفحة 4
بعدما استقرت نية الوطن وثبت الوطن و أراد نزعه لداع بداله مما سبق في كلامنا أو كان من يقول اللهم أني نزعت وطني من موضع كذا وله أن يكتفي بنية القلب أيضا ولعل بعضهم شدد في النزع فيلتزم نية القلب مع التلفظ وقيل هو أن ينوي بقلبه قائلا بلسانه اللهم أني نزعت أو أنزع الخ لان إعدام حكم من أحكام الدين بعد استقراره وثبوته أي بعد ما صار مستقرا معمولا به كما أن كثيرا من العلماء يشترطون النية اللفظية لما دلهم على ذلك فقد ذكرها من اعتنى بها وظاهر عموم حديث الأعمال بالنيات شامل للكل والتخصيص محتاج للدليل ولا دليل لهم على ذلك والله أعلم.
موجبات الوطن
أي الأحوال التي يعد الرجل بها موطنا فيلزمه معها عدم القصر الرباعية وذلك كاتخاذ الدور والأملاك والزوجات المتعددات سواء اشترطن لهن أوطانهن أم لم يشترطن فانه إذا اشترطن أوطانهن لا يخرجهن منها لزمه ذلك على قبول مثبتي هذا الشرط أو كان ذلك باختياره أي لم يشترط له وإنما نفس التملك لمثل ذلك يوجب على المالك الإتمام لأنه لو لم ير له الأمن في أعماله وأحواله لم يشتر العقارات التي ثابتة غير منقولة فانه لابد أن يحل فيها أو لأجلها وقيم في تلك البلد من شأنها وكاتخاذ الأموال من البساتين والمزارع والعقارات المتنوعة أو كان واليا أو قاضيا حيث يتعين عليه ذلك أو يكون مختارا فيوطن في ذلك المحل الذي تقررت فيه إقامته أو نوى إقامة أيام معينة كأشهر أو أعوام يقضي فيها غرضه ثم يعود إلى وطنه الخاص أو يقعد منتظرا لموسم الحج المقبل من العام القابل أو من نفس العام الذي هو فيه فينوي الوطن حتى يفرغ من ذلك ففي بعض هذه الأحوال قيل يجب عليه حكم الوطن وفي بعضها يجوز له ولابد من البحث في المقام.
تعدد الأوطان (1/4)
صفحة 5
لقد أشرنا إلى هذا الصدد قريبا في المقام الذي قبله وهنا نوضح المرام أن شاء الله قال الإمام رحمه الله اختلف أصحابنا في ذلك فمنهم من قال له ذلك أي أن يتخذ ما شاء من الأوطان من غير أن يحدوا لذلك حدا لقوله صلى الله عليه وسلم المسافر يقصر الصلاة حتى يعزم على المقام _ قلت ظاهرة العموم لكل مسافر سواء كان مسافرا في مباح أو محجورة . (1/5)
صفحة 6
قال ولم يخص بذلك مكانا عن مكان فحيث ما عزم على المقام فهو مقيم أي إذا عزم على الإقامة في أي مكان في حال سفره جاز له إتمام الصلاة لأنه موطن فإذا أراد الخروج من ذلك المكان إلى مكان أخر جاز له أن يبقيه وطنا له إذا عاد إليه أتم الصلاة فيه كأحوال أهل أفريقيا من العمانيين الذين يخرجون لتلك الأنحاء تجارا أو مستخدمين فيبقون بها فمنهم من يستوطنها ومنهم من يبقى بها مدة ثم يرجع إلى وطنه بعمان قال الإمام فالقايلون بهذا القول عندهم ينبغي له أن ينوي المقام فيهن أي تلك القرى التي تيتردد عليها كلها إلا قرابة يدخلها لحاجة وهو لا ينوي الإقامة فيها ومنهم من قال له أربعة أوطان فقط ذلك أن له أن يتزوج أربع زوجات فيجعل كل واحدة منهن في قرية خاصة أو قريتها التي تزوجها منها فتكون له أربعة أوطان بسبهن حيث هن يتممن الصلاة في بلدانهم وهو الحجة عليهن في الصلاة حيث أن المرأة تتبع زوجها في حكم الصلاة إذا جلبها من وطنها إلى مكان آخر لزمها أن تصلي بصلاته ما لم تشترط عليه الإتمام وليس لها أن تقصر الصلاة في وطنها بسبب قصر الزوج لها ذلك لان الزوج من أصله يجب عليه قصر الصلاة هنا إذا لم تكن تلك القرية أو القرى من أصلها وطنه وليس للزوجة أن تقصر صلاتها بذلك حتى يخرجها منها ثم تعود إليها دافعة لوطنها منها تابعة لزوجها فإذا اشترطت المرأة على زوجها إتمامها في وطنها بقيت على شرطها ويتم هو الصلاة قلت هذا الحال ينقض القاعدة المتقررة التي توجب على المرأة متابعة زوجها في الصلاة فهنا يلزمه هو متابعتها ولعل ذلك أن أصله هو مسافر في هذه البلدان فتبقى زوجاته على أصلهن أيضا الذي هو الإتمام نظرا إلى أن من تزوج في بلد أتم الصلاة على هذا الأصل ولذلك أجاب عثمان بن عفان الإمام لما أتم الصلاة في منى أنكر عليه المسلمون فقال أني تزوجت من هنا وسمعت رسول الله عليه وسلم يقول من تزوج في بلد أتم فيها الصلاة قالوا وان تخذ أكثر من أربعة (1/6)
صفحة 7
أوطان صحت له عندهم الأربعة الأولى ويبطل الخامس كما تبطل الخامسة من النساء إذا تزوج خامسة وهذا إذا لم ينزع عن إحداهن أو كلهن وأن نزع جاز له أن يجدد كما يجوز له أن يستبدل بالنساء غيرهن قال الإمام رحمه الله وهذا القياس فاسد أما ولا فان حصر الأوطان على عدد الزوجات لا سبيل إليه بل له أن يزيد وطنا خامسا يجعله مع أمه وأخته وسادسا مع صديقه وسابعا في بستانه, واما ثانيا فان تحديد الجمع بين الزوجات لا يشابهه الجمع بين الأوطان لان ذلك غير معقول المعنى وان عقل معناه فالعلة غير العلة والله أعلم اه من المعارج قلت أن حصر الزوجات في أربع ثابت بالكتاب والسنة والجماع وإباحة تعدد الأوطان لا علاقة له بالزوجات فيقاس عليهن إلا تراه إذا لم تكن له زوجات أليس له أن يتخذ أوطانا متعددة وهو واضح فتبين أن قياس حصر الأوطان بحصر الزوجات لم يتم لهم ولا يخفي أن اتخاذ الأوطان أمر منوط باختيار المستوطن فله ما شاء من الأوطان ما لم يجعل الدنيا كلها وطنا فيقطع بذلك أحكام السفر المشروعة استقلالا وقد اتخذ الإمام أبو سعيد رحمه الله بنزوى وطنا وسلوت كذلك وبكدم أيضا فقيل له في ذلك فقال وأني على ذلك أي ثابت على ذلك غير رآء غيره ولا استنكار في ذلك إلا عند من لا يرى للإنسان إلا وطنا واحدا فقط فكان ذلك اختياره رحمه الله لأحد للأوطان أي لا تحصر بحد أو عدا ما لم تكن تعم الدنيا كلها كما قلنا قال واختار بعضهم وطنين وبعضهم وطنا واحدا قائلا انه لا يكون الإنسان حاضرا غايبا ولا دليل على هذه التحديدات كلها من السنة وان كانت اختيار فليس لكل أحد ما يختار ولعل القايل بذلك يرى ان الإنسان له حالان فقط هما أما موطن فهو يتم الصلاة حتى يخرج من بيته مسافرا فيقصرها حتى يعود الى وطنه المشار إليه وهذا لا يتم لصاحبه لان صاحب الأوطان المتعددة أيضا كذلك ما لم يكن استوطن الدنيا قال الإمام لان الشرع لم يحضر معنى الوطن في مكان واحد واستدلا لهم (1/7)
صفحة 8
بان النبي صلى الله عليه وسلم استوطن المدينة بعد مكة فلا يدل على تحديد إذ لا يلزم أن يكون المرء حاضرا في وطنه دائما فكما انه يفارق وطنه تالواحد للسفر فيبقى له الوطن فيه وهو عنه غايب فكذلك يفارق بقية الأوطان وإذ كثرت ولا يدرك الفرق بين مفارقة الوطن الواحد والأوطان الكثيرة فلا ميزة هنا وأما المرأة فلها وطن واحد إذ ليس لها إلا زوج واحد وهي تبع له وان تعددت أوطان زوجها فلا يتعدد وطنها بتعدد أوطان الزوج ويدخل عليها التمام إذا صلى تماما ولو غير ذلك الوطن وقيل لها وطنان وطن تبعية الزوج ووطن تشترطه عليه في مكان خاص وقيل لها مثل ماللزوج من تعدد الأوطان إذا لك تكن ذات زوج كما إذا طلقت أو كانت مميت إذ لا يوجد الفارق بين الكتاب و السنة وتلك الأوطان التي يذكرها العلماء محض نظر في المناسبات الحالية ولعلهم راو أن الله أباح بفضله عز وجل الضرب في الأرض للغزو وللأسفار في طلب المعاش وللجهاد فالمناسب من سماحة الشرع أن يسمح لهم بالتسهيل في هذا الصدد وان النساء مأمورات بالقرار في البيوت ولا يتشبهن بالرجال سعيا وكسبا وغير ذلك بل قال الله لهن وقرن في بيوتكن قال وهذا اعتبار لا حول الصنفين أي الرجل والنساء فحال الرجال له التوسع في الأعمال لأنهم القوامون على النساء وكون النساء عورات مغمورات بالضعف فلا يناسبهن التوسع وقد قال وليغضضن من أصواتهن الآية وقال ل تسكنوهن الغرف واستعينوا عليهن بالعرى.
إذا تقاربت مسافة الأوطان (1/8)
صفحة 9
اعلم أنه لما ثبت صحة جواز تعدد الأوطان وجب الاعتبار فيما إذا تقاربت الأوطان فتداخلت الأميال بعضها في بعض فبعضهن يكره اتحاد الوطن في أميال الوطن الآخر فيكونا في حكم وطن واحد فأنه كلما خرج من هذا الوطن دخل في أميال الوطن الثاني فهما بهذا في حكم وطن واحد كما أشار إلى هذا المعنى في الإيضاح وإذا تداخلت أميال الأوطان صلى بينها تماما لأنه لم يخرج منها فهو وطنه ما كان في أمياله وان تباعدت المسافة صلى بين الأوطان سفرا كما هي القاعدة للخارج من وطنه وعليه الجمهور وسوف يأتي فيه مزيد بيان في محله ان شاء الله.
قطع الأوطان
اعلم أن قطع الأوطان مطلقا لا يجوز كما لا يجوز اتخاذ الدنيا كلها وطنا إذا بذلك تسقط أحكام شرعها الله عز وجل ولا يجوز قطع الأوطان لخارج في عبادة ما لا يرى رجوعه عنها كالسياح المتعبدين الذين يقطعون المسافات من عمل عبادة إلى عمل عبادة أخرى كما إذا فرغ من أعمال الحج بقى ملازما للاعتماد ولزيارات الأماكن المقدسة والمكث طلبا للفضل وكذلك من خرج لتجارة مثلا خرج بها من عمان إلى الحجاز ومنها إلى الشام ومن الشام إلى العراق والى مصر والمغرب وهكذا فهؤلاء وأمثالهم ليس لهم أن يقطع حكما من أحكام الله توجه إليه وخاطبه به الشرع ولا سياحة في الإسلام إلا الجهاد في سبيل الله ولا رهبانية فيه إلا الجلوس في المساجد ودراسة الآثار وتلاوة القرآن ومذاكرة الفقه في الدين وإذا فعل أولئك المذكورون فقيل يصلون قصرا حتى يموتوا وقيل يتمون إذا انزلوا ويقصرون إذا مروا وقيل إذا استراحوا أو ثلاثا صلوا تماما وإذا سافروا قصروا واختلف العلماء في القصر والتمام هل هما أصلان مستقلان أم هما أصل واحد فقط.
حكم صلاة الإمام والولاة ومن في معناهم (1/9)
صفحة 10
اعلم أن في الاثر لهؤلاء أحكام لا يشاركهم فيها العامة فالإمام إذا عقدت عليه الامامه في بيضة الإسلام فانه يتم فيها الصلاة وان لم تكن بلدة في الأصل وينوي فيها الإقامة إذ لا مخرج له عنها إلا كمخرج أهل الأوطان من أوطانهم فانهم يخرجون منها ويرجعون اليها وربما أخرجتهم الضرورة فكذلك الإمام في موضع إمامته وان سافر منها في ولايته قصر الصلاة لان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك وهو القدوة في الأمور الاسلامية لا سيما في الأمور الدينية واما الولاة ومن في معناها من القضاة والحكام والشراة فان عقد لهم الإمام ذلك على شي من النواحي من غير أن يحد لهم وقتا خاصا كشهر أو شهرين أو أكثر أو أقل فانهم يتمون في موضع ولا يتهم لان ولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده كانوا يتمون في موضع ولا يتهم وكانوا يلون أمر الصلاة بالناس وان الرجل لا يؤم في سلطانه وكذلك القضاة وان استعملهم وقتا محدود كشهر أو عام ونحو ذلك فانهم يقصرون الصلاة في تلك المدة كذا قيل وان ولى الإمام واليا على ناحية من الأرض وإذن له أن يستعمل ويستعين بغيرة فولى هذا الوالي وزلاة من طرفه على جهات من ناحية ولايته فان حكم ولاته كحكمه يتمون في موضع إقامتهم فان سافروا أكثر من فرسخين قصروا الصلاة لان موضع الولاية صار وطنا لهم ولو لم يخرجوا من حد ولايتهم كالوالي الكبير قال الإمام السالمي رحمه الله في معارجه في الجزء الخامس قال العلامة الصبحي ولا أقول هذا بإجماع أي أن حكمهم حكم الوالي الأكبر لم يكن إجماعا ولعله لاحظ أن الولاة الذين من طرف الوالي الأكبر لا يتحد حكمهم بحكم الوالي الذي ولاة الإمام لان لهم حكما يستقلون به إذ لا يلزمهم أن يكونوا ولاة لهذا الوالي الذي تقتضيه الأصول فكما قال العلامة الصبحي رحمة الله عليه ليس ذلك إجماعا لا يجوز خلافة دينا لأنه لا يكون الإمام بنفس الولاية والقصر بإهمال الوطن أي أن أهمل الولاة الوطن فلا (1/10)
صفحة 11
يسقط بذلك قلت ولم أعرف معنى قوله إهمال الوطن إلا الذي حررته ولم أفهم مقصد العلامة الصبحي ومراده بذلك والضاهر أن في الكلام سقطا أو تحريفا من النساخ(1) قال الإمام وقد رفع الله الإتمام عن المسافر على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا مسافر يعني الوالي الذي هو من طرف الوالي الأكبر فما الذي يسوغ له الإتمام وحكم السفر شامل له إذا لم يتخذ وهنا وليس السفر عندنا رخصة بل عزيمة كما نص عليه الدليل قال الإمام رحمه الله حاكيا عن الشيخ الصبحي المذكور وقد كثرت المطالعة في هذه المسئلة بنزوى بين المشايخ والامعنى انهم اهتموا بها كما هو شأنهم قال فلم يدرك فيها الاختلاف قال ويعجبني التسليم للاثر أي لما لم يجدوا عند أحد من أهل العلم اختلافا فيها فالاولى تقليد القايل بصحة السفر لهؤلاء الولاة قال وهو أولى وانظر أي اظهر في النظر اهما نقله الإمام رحمه الله عن الشيخ الصبحي العالم عفا اله عنه وهو يدل على مزيد الاهتمام من مشايخ المسلمين رحمهم الله بأمر الدين إذ تكثر المطالعة للاثار في مسئلة غير كبيرة الشان لكن لها مساغ هام في مقامها ولم تكن فيها نصوص تقطع النزاع إلا أن الأصول تقتضيها وان لم ترفع الخلاف لذلك كان اهتمامهم بها وعلى ما قاله الصبحي رحمه الله ميل الشيخ إلى نبهان رحمه الله وأجاب الإمام السالمي رحمه الله قائلا أن ما ذكره من اللزوم غير مسلم إذ لا يجب القصر عند اهمال الوطن ولا التمام بنفس الولاية وإنما يجب الوطن بنفس الإقامة في محل الولاية قلت هذا خلاف لفظي فان تولى أقام ومن أقتم توجه إليه حكم التمام إلا تراه يقول وتلك الإقامة نفس الوطن ألاتراهم لم يجعلوا التمام على من كانت ولايته محدودة لمدة معلومة ولا على من خرج عن مقامه مسافرا قلت أن المقيم لمدة محدودة ليس كمن أطلقت ولايته فمقتضى الاطلاق هو الذي يوجب التوطين أما الذي تحدد مدته فسبيله سبيل من خرج لقضاء حاجة خاصة ثم يعود إلى وطنه فهذا لا (1/11)
صفحة 12
يزال مسافرا لان حاله ينافي حال الوالي الذي لم تقيد مدة ولايته ومن حددت ولايته بمدة وان سافر في نواحي الولاية فحكم ما سافر إليه حكم ما أقام فيه قال فبهذا تعرف انهم لم يعللوا التمام بنفس الولاية ولكن علته عندهم الإقامة فيها والسنة ناطقة بأن على المقيم التمام والامة على ذلك مجتمعة قال أمر هذا الوالي إلى الإمام أن شاء أقره وان شاء عزله فإقامته في ولايته كإقامة أحدنا في وطنه وكما أنه ينتظر العزل كذلك ينتظر الموت وكل واحد من الأمرين غيب فلا يقدح شيئا في الإقامة فلا ينبغي أن يخالف الاثر فانه موافق للسنة بل هو عينها قال و اما الشراة الذين عقدوا على أنفسهم الشراء وبايعوا على أن يكونوا مع الإمام حيث ما كان فان صلاة هؤلاء صلاة إمامهم فهم يتمون حيث يتم ويقصرون حيث يقصر وان ولي أحدهم على ناحية أتم أيضا تبعا للإمام أي يتم حيث يتم الإمام تبعا له لأنه بايع الإمام أن لا يرجع عنه فهو تبع في صلاته للإمام كالمرأة ذات الزوج تتبع زوجها فتقصر حيث يقصر زوجها وتتم حيث يتم هو إذ لا يجوز له الخلاف كما لا يجوز لها ذلك و امرأته تبع له وكذلك أولاده الصغار وأما أولاده الكبار فامرهم إلى أنفسهم وقيل في الشراة والمدافعين لا يلزمهم التمام مع الإمام وان جرت نفقته عليهم إلا أن يتخذوا بلدة وطنا لهم ولعل هؤلاء الشراة لم يبايعوا على الوصف الأول وقيل من لم يستعمله الإمام بجرس أو غيره من الأعمال فانه يقصر الصلاة زمن استعملة بشيء من ذلك يتم لان الإمام قد شاء إمامته ولولا ذلك ما استعمله وحكم الشراة مع الولاة كحكهم مع الإمام وأما الشراة الذين خرجوا على أن لا يرجعوا إلى أوطانهم ووطنوا أنفسهم لذلك فان أوطانهم سيوفهم أي حيث ما وضعوا سيوفهم أتموا الصلاة فانهم خرجوا متجردين لقتال الأعداء لا يرجعون للأوطان بل كل ما فرغوا من ميدان دخلوا آخر فهم دايما على ذلك فاني لهم الأيطان والاستقرار وهذا معنى أوطانهم سوفهم وذلك كناية عن (1/12)
صفحة 13
تأخرهم عن القتال لاي داع كان لمرض أو تقية عند ظهور عجز أو نحوه وأنت خبير أن الوطن للمستقر في بلاده لا للخارج في جهاده فهؤلاء يقصرون الصلاة في منازلهم ويتمون إذا جاوزوا أميال منازلهم(1) هكذا نص الاثر عند أهل العلم والبصر أما الذين خرجوا على أن يرجعوا فهم كساير المسافرين من غير فرق.
وطن البدو
لما كان وطن أهل الحضر البلدان والقرى كان وطن البدو المفاوز والفلا التي يسكنونها لان الوطن حيث الاطمئنان والاستقرار واستقرار البدو الفلا التي يسكنونها خلفا عن سلف فهم مواطنون في السيوح والمفاوز لا يبارحونها إلا لداع ضروري وعلم كل أحد .. أن للوطن في النفوس تأثيرا مهما لا تكاد النفوس تسمح به لغيرها حبا تمكن من قلب كل مواطن وأيد هذه الظاهرة المتجلية قوله صلى الله عليه وسلم حب الوطن من الإيمان وكم جاء عن العرب في شعارها وكم للخطباء في منثور أثارها
شرف الأوطان لا نتركه الخ وطن غدا ميدان واطنه فلا
عاثث به الارزاء وهي تنكد أن للأوطان حقا وجبا (1/13)
صفحة 14
وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام جعل حب الوطن من الإيمان فكيف لا يجب على المكلفين رعاية هذا الحب والقيام بحقوقه لك لان الوطن فيه نشأة المواطن حيث ارتوى بسمائه وانتعش بأفيائه وفد ورث ذلك من سالف آبائه فلذلك أوجب الشرع الشريف إتمام الصلاة في الوطن حيث اطمئن به وسكن ونال فيه الراحة والأمن من مولى المنن ولا غروى إذا كان البدو في القرى مسافرين وفي الفلا مواطنين لما قررنا من معنى الوطن فإذا جاوز البدوي حدوده لزمه حكم السفر إذ قد فارق بذلك الأوطان وانتفى عنه حكمها ولكن البدو أنواع منهم من هو حال في البادية لا يظعن منها ومنهم من هو حال فيها مرتحل منها يتبع بذلك الغيث ومواقع المطر كلما علم عن غيث في مكان نجع إليه وهكذا أما الاولون فان وطنهم هو ذلك المكان الذي ارتكز فيه ساكنين مطمئنين فحكم هؤلاء حكم الحضر القارين في بلدانهم إذا خرجوا منها وجب عليهم قصر الصلاة عندما يجاوزون الحدود وأما الاخرون فوطنهم حيث نصبوا عمودهم وإذا ارتحلوا فهم مسافرون حتى ينصبوا عمودهم مرة أخرى وهكذا فان اقامتهم تعتبر ذلك وإذا خرجوا لقضاء أوطارهم وبقيت عوايلهم وما شيبتهم تحت أعمدتهم مكانها لى أن يعودوا عليها فهم بذلك مسافرون إذا جاوزوا حد السفر بقياس صحيح من حيث نصبوا عمودهم أي من ذلك المكان الذي ضربوا فيه مخيمهم هذا أما إذا ضربوا مخيمهم لمبيت ليلة أو لمقيل يوم أو يومي فهم مسافرون أي يجب عليهم قصر الصلاة لان تلك الإقامة تعتبر استراحة فقط فلا تعطي حكم الإقامة لان نيتهم الانتقال فهو أشبه بتالحضري المسافر إذا استراح في بلد فانهم يقصرون الصلة ما لم يضربوا أطنابهم للقرار في ذلك المكان وهذا معنى قولهم وطن البادي عموده ووطن الشاري سيفه ووطن السايح عصاه ووطن الملاح سفينة والله أعلم.
الأصل في الصلاة (1/14)
صفحة 15
اختلف العلماء في أصل الصلاة هل هو السفر أم الحضر أم كل واحد أصل بنفسه قال بعضهم أم أصل الصلاة السفر إذ شرعت ركعتين ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر وقيل شرعت أربعا فهي إذا حضرية الأصل ونقصت في السفر وقيل أن صلاة السفر شرعت ركعتين استقلالا وشرعت صلاة الحضر أربعا كذلك إلا الفجر فأنها شرعت ركعتين في الحضر والسفر فلا تزداد عليهما ولا تنقض منهما ولعلها لطول القراءة إذ يشرع فيها تطويل القراءة كما أشار إلى ذلك القران الكريم أن قرآن الفجر كان مشهود أي تشهده ملايكة النهار فلذلك صح التطويل فيه كما أورد ذلك العلماء وقيل لكونها في وقت لذة النوم فان أكثر الناس ينامون غالبا قريب الفجر للعناء الذي يتأثرون به في الأعمال فيقومون لها متأخرين فناسب تخفيفها للجميع وصلاة المغرب أيضا كذلك تبقى على حالها في سفر أو حضر لأنها على ما قيل وتر النهار أي وتر الصلوات النهارية قال في المعارج قيل أول ما شرعت الصلاة قصرا ركعتين ركعتين ثم زيد في السنة الأولى من الهجرة في صلاة الحضر ركعتين ركعتين وتركت صلاة الفجر لطول القراءة فيها قلت أشار إلى ذلك القرآن كما سبق الكلام عليه قال وصلاة المغرب أي أقرت كما هي ثلاث ركعات قال لأنها وتر النهار قلت يصح هذا أنم لو كانت المغرب صلاة نهارية أما إذ هي صلاة ليلية فلا يسوغ ذلك ما لم يكن منقولا عن الشارع واما المناسبات التي يذكرها العلماء فليست حجة مستقلة ول دليلا ثابتا قال في المعارج وأقرت صلاة السفر وتركت على الفريضة الأولى وقيل الزيادة كانت بعد الهجرة بعام أو نحوه قال ودليل هذا القول ما روى عن عائشة رضي الله عنها قالت أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر والحضر وأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر قال وروي عن عمر رضي الله عنه قال صلاة السفر ركعتان تماما غير قصر على لسان نبيكم عليه الصلاة والسلام قلت فهذا الحديث يدل على صلاة السفر أصل ثابت من أول افتراضها (1/15)
صفحة 16
فهي أصل كالحضرية لم تتفرع على صلاة الحضر إلا ترى النص يقول (تماما غير قصر) أي شرعت هكذا من أصلها فهي في الأسفار باقية على أصلها كما أن الحضرية اصل بنفسها فهي لا تزال في الحضر تماما أيضا قال وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن صلاة السفر أقصر هي فقال ركعتان في السفر ليستا قصرا إنما القصر واحدة عند الخوف وهذا يدل أيضا على أنها أصل بنفسها قال وقال آخرون إنما فرضت أربعا ثم خففت عن المسافر قال ويدل عليه حديث أن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة قلت وهذا يدل أن أصل فرضها أربعا وإنما خففت عن المسافر بوضع الشطر عنه قال ويدل عليه قوله تعالى ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة قال وذلك معنى القصر تخفيف الركعات فهذا يدل على أنها كانت أكثر فقصرت بالضرب في الأرض وهو السفر قال وسأل يعلن بن أمية عمر بن الخطاب فقال يا أمير المؤمنين لم كان قصر الصلاة في الأمن والله يقول أن خفتم فقال له عمر رضي الله عنه لقد عجبت مما عجبت منه فسئلت النبي عليه الصلاة والسلام فقال صدقة من الله تصدق بها عليكم فاقبلوا صدقته قال وقال آخرون إنما فرضت في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وهو قول ابن عباس قال فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين قال واختار أبو محمد قال ووجدت قولا لأبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب رحمهم الله تعالى افترض الصلاة والزكاة جملة وفسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ابتداء القصر وأحكامه (1/16)
صفحة 17
اعلم أن قصر الصلاة كان في السنة الرابعة من الهجرة وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال أول صلاة قصرت صلاة العصر قصرها صلى الله عليه وسلم بعسفان في غزوة ذي أنمار قال الإمام والظاهر أن القصر المشار إليه إنما هو القصر في صلاة الخوف وأما القصر في حال الأمن للسفر لم أجد من ذكره مع اتفاقهم انه صلى الله عليه وسلم فعله قال ويمكن أن يقال أن القصر في الخوف هو عين القصر في السفر وإنما ذكر الخوف في الآية لكونه الغالب في أسفارهم في ذلك الوقت لان العرب رمتهم عن قوس واحدة فلا مفهوم لوصف الخوف قال ويجاب أن قصر الخوف غير قصر الأمن لان لكل واحد منهما هيئة مخصوصة من الصلاة وحيث لم يحفظ للقصر في الأمن ترجح أول قول من قال أن الصلاة شرعت في أول الآمر ركعتين ركعتين ثم زيدت في الوطن وأقرت في السفر على الحال الأول فيكون أول مشروعية القصر في السنة التي كان فيها الصلاة وقد تقدم ذلك أي في مباحث الصلاة في أول كتاب الصلاة لان أكثر أبواب الصلاة تقدمت مع أدلتها وأنتهت مهام مباحثها هناك قال وأول مشروعية التمام في السنة الأولى من الهجرة أو بعدها كما تقدم قريبا و الله اعلم.
النية لصلاة السفر (1/17)
صفحة 18
اعلم كما أن النية تتعلق بها صحة الصلاة على قول وهو الشهير أو كما لها على القول الاخر وكلا الأمرين منوط بالنية فلا صحة ولا كمال بدونها لقوله صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنيات وفي رواية باداة الحصر وكلاهما صحيح فيلزم المؤمن في جميع أحواله أن لا يهمل النية لما قدمنا لا سيما في الطاعات بل في العبادات فانها أخص فيلزمه القصد على الخصوص إلى اداء أي فرض وجب عليه بتوجبه الخطاب إليه به فما كان في حضرة مقيما فنية الإقامة مجزية له فهو يصلي أربعا صلاة السفر المقيم وإذا تغير حاله بالسفر وجب عليه القصد إلى صلاة السفر لانها أق من صلاة االحضر فمن عقد السفر لمدة عمره ورجع من سفره إلى وطنه فقيل على نيته أي يجزيه ذلك لكل سفر يسافره ولا يهدمه دخول الوطن لان المؤمن على نيته وقيل لا يجزيه إلا لسفره ذلك لان كل واحد من أسفاره عمل براسه ومحل العقد للنية حين يخرج من عمران بلده وله أن يعقد النية إذا جاوز الفرسخين بناء على النية تقع أول الشروع في العمل والشروع في السفر يتحقق عند الحد وهو حد انتهاء أميال الوطن كما عند غيرنا له حدود أيضا بحسب الأصول التي لهم وعندما يروم أحدنا مجاوزة الفرسخين تتعين عليه نية السفر قال الإمام رحمه الله وله أن يعقد النية إذا جاوز الفرسخين فان أراد الجمع بتأخير الأولى إلى الثانية قصد إلى ذلك من وقت الأولى لا يخرج وقتها وهو مهمل للقصد فيكون كمن ضيعها بلا نية ومن لم يقصد بل أهمل النية حتى خرج الوقت أي وقت الأولى فقيل عليها الكفارة أي لأنه أبطل صلاته حيث أخرها عن وقتها إهمالا لها وليس له ذلك فطعا وقيل لا كفارة عليه لاشتراك الوقتيين وقيل أن سعيد بن عبدالله رحمه الله نسي على هذا أي نسي النية في أول الوقت فكفر ولعله هو الإمام الزاهد العابد الرحيلي الرضي رحمه الله ورحم إباءه الميامين وقال أبو عبدالله وهو جده محمد بن محبوب أحد أقطاب العلم إذا نوى أن يفرد الصلاة وتوانى حتى دخل وقت (1/18)
صفحة 19
الآخرة فجايز قلت وجهه ما قدمته من اشتراك ومعنى نوى أراد أن ينوي فتوانى فانه لو كان نوى كما هو نص الأثر المنقول لكان الأمر قد تم وهو قد جاء بما كان عليه من أمر النية المشار إليها ولعل المشددين يجعلون كل كل صلاة مختصة بوقتها في السفر كالحضر وان التأخير لأجل الجمع رخصة فان لم يقصده في وقت الأولى كان كمن تركها بلا معنى قال الإمام ولعل أبا عبدالله جعل الوقت في السفر مشتركا بين الصلاتين بخلاف الحضر قلت هو تحريته آنفا قال ودليله على ذلك جواز المنع وانه وانه مخير في تأخيره الأولى وتقديم الثانية فدل هذا على أن وقتهما واحد قلت نعم إذا صح انه يرى أما إذا كان الكلام على سبيل الاحتمال فلا ينبني عليه إثبات حكم إلا على معنى الفرض والتقدير قال وعليه يخرج قول من قال انهما في الجمع صلاة واحدة والله اعلم وان قام المسافر إلى صلاته في السفر فنواها أربعا يضن أنها صلاة الحضر نسيانا ثم ذكر وهو في التحيات الأولى سلم وقد تمت صلاته عند بعض قال العامة ابن المسبح يرجع يبدل صلاته وكذلك عن أبي الحواري وأبي الحسن وان ذكر بعدما اتمها اربعا أبدلها وقيل صلاته تامة أما القول بتمامها فان العذر للناسي متقرر وقد جاء بصفة صلاة الحضر نسيانا فلا شي عليه لأنه جاء بما عليه من نفس الصلاة وزاد والله عزوجل أكرم من أن يعذب عبدا أدى ما عليه ونسي فقط النية للسفرية وأما راي ابن المسبح ومن معه مبني على أن الوقت لادراك ما عليه باق وفي امكانه أن يصليها كما لزمت من النية اللازمة لها لبقاء وقتها فلا شيء عليه والقول بالتفكير تشديد على الامة والله أكرم من أن يعذب عبدا بشيء لم يكن متعمدا فيه غير الحق ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطا والنسيان وهذا من جهة خطأ ومن جهة نسيان وهو المناسب بسماحة الشريعة الغراء وقد قال لنا عز وعلا وما جعل عليكم في الدين من حرج وقال الرسول عليه الصلاة والسلام يسروا ولا تعسروا (1/19)
صفحة 20
الحديث وان نسي المقيم فصلى ركعتين على أنه يقصر نسيانا ثم ذكر في التحيات أن عليه التمام فقيل له أن يبني على تلك الصلاة فيصليها اربعا صلاة المقيم لأنه جاء بنية الصلاة وقبل الفراغ منها تنبه فأتمم عليه وقيل إذا أحزم بنية تخالف ما شرع أعاد صلاته وجاء بها كما شرعت ولا شيء عليه وهذا أيضا من اليسر في الإسلام وقيل أن الإعادة تشرع في حق من أتم الصلاة على خلاف المشروع وأما من ذكر ذلك في الصلاة ثم استدرك الواجب قبل التمام فلا شيء عليه وأما من زلت لسانه فتلفظ بما ليس في قلبه فلا شيء عليه قال عز وعلا ولكن ما تعمدت قلوبكم كان في صلاة الحضر فتلفظ بصلاة السفر أو العكس وهكذا أيضا في نفس الصلاة كان حضريا أو سفريا فتلفظ بصلاة العصر وهو في صلاة الظهر أو العكس أو تلفظ بالصلاة الليلية وهو في الصلاة النهارية أو العكس إذا ما تعمد فالصلاة فاسدة وعليه الإعادة في الوقت مع التوبة لمخالفته المشروع عامدا والكفارة إذا خرج الوقت مع التوبة وقيل أيضا بالكفارة إذا خرج فانه في حكم من ترك الصلاة لأنه لم يصلها حين صلاها على كا شرعت عليه فالقصد العيني محتوم على المكلف ليس له أن يخالف أوامر الشارع والنية الإجمالية كافية عند زلة اللسان أو النسيان والمجتزون بالتمام عن الركعتين زيادة بعد الأداء غير داخلة فيه قال الإمام رحمه الله والحق في خلافه لان المؤدي أربع ركعات لا ركعتين والله أعلم.
صفة القصر للصلاة في السفر (1/20)
صفحة 21
وصفة القصر أن يصلي الرباعية ركعتين فقط سواء جمعهما أو أفردهما وذلك عندما يتعدى الفرسخين أو خرج بنية المجاوزة لهما بأن لا يبيت إذا كان الخروج ليلا أو لا يقيل إذا كان السفر نهارا دون الفرسخين كما سبقت الإشارة إلى ذلك أما إذا خرج للسفر ونيته أن يبيت أو يقيل دون حد السفر فلا يقصر الصلاة حتى يجاوزهما لأنه في أميال وكنه فهة كمن نوى السفر وهو بعد في وطنه إذ قد يبدو له التأخير لداع اقتضاه الحال فإذا صلى قصرا في أميال سفره والحال هذا فكمن صلى سفرا وهو في بيته أما من خرج قاصدا سفرا ونيته لا يبيت ولا يقبل دون الفرسخين فقصر الصلاة على ذلك ثم بداله الرجوع إلى الوطن فما عليه عند المسلمين خرج حيث فعل ما أجازه له الشرع والعارض الذي عرض له بعد ذلك لا يقدح في فعله لان الإنسان تبدو له البدوا وتعرض له عوارض تصده عن قصده لعجزه غالبا ومن تعدى الفرسخين وجب عليه قصر الصلاة سواء كان قاصدا سفرا أو لم يكن ليس ذلك مخصوصا بالقاصد للسفر لان الله شرع الدين محدودا ومشروطا وتجب على المكلف مراعاة الحدود والشروط إجماعا ولم يكن الدين جاريا على رغبة المكلفين فانه لو كان كذلك لم يكن تكليف وعندهم أن الموجب لقصر الصلاة شيئان هما تعدى الفرسخين أو نية تعديهما وشرطان أيضا هما أن لا يصلي خلف مقيم فان صلى خلف مقيم صلاها تماما لوجوب متابعة الإمام وأن لا يكون الموضع الذي يصلي فيه تلك الصلاة من أوطانه وهل الفرسخان للتحديد أو للتقريب فاكثر أهل العلم يرونهما للتحديد والقايلون للتقريب فاكثر أهل العلم يرونهما للتحديد والقايلون للتقريب يقولون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى قصرا في ذي الحليفة وليست تستكمل الفرسخين والقايلون بالتحديد يقولون أن ذا الحليفة من المدينة ذلك العهد فرسخان ولا عبرة باقتراب العمارة بعد ذلك من بعضها بعضا فالصحيح عند أصحابنا رحمهم الله أن الفرسخين هما حد السفر لقوله صلى الله عليه وسلم أردت أن (1/21)
صفحة 22
أعلمكم حد السفر فسماه أيضا حدا وهو فرسخان كما سوف يأتي ذلك في محله أن شاء الله.
حكم القصر في حال السفر
اعلم أن العلماء اختلفوا في قصر الصلاة في السفر هل هو واجب أم غير واجب و أصحابنا أحزم الناس وأكثرهم تمسكا بمقاصد الشرع وهم والأحناف أيضا على وجوب القصر وعليه أكثر السلف وقال الشافعي هو رخصة لأجل مشقة السفر فالمشقة تجلب التيسير وهذه رخصة عن الشارع وعليه فمن شاء قصر لأجل تخفيف المشقة ومن شاء أتم ولداود الظاهري ومن تبعه أن القصر مخصوص بحال الخوف لقوله عز وجل أن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا الآية وذلك معهم للجواز أيضا لا للوجب أما أصحابنا ومن وافقهم حجتهم حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة فالحديث دليل على فريضة الصلاة في الحالات الثلاث وعن عباس أيضا وابن عمر قالا سن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة السفر ركعتين وهما تمام غير قصر وتمامه والوتر في السفر سنة وعن عائشة أم المؤمنين زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فرضت الصلاة ركعتين ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرضت أربعا وتركت صلاة السفر على الفريضة الأولى وعن حفص بن عاصم قال صحبت ابن عم لي في طريق مكة فصلى لنا الظهر ركعتين ثم جاء رحله وجلس فرأي ناسا قياما فقال ما يصنع هؤلاء قلت يسبحون أي ينتقلون قال لو كنت مسبحا أتممت صلاتي صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان لا يزيد في السفر على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك وعن عمران بن حصين قال غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين يقول يا أهل البلد صلوا أربعا فانا سفر أي لا نصلي إلا ركعتين فكانت مكة وطنه كما هو معروف قال ولما صلى عثمان بمنى أربعا بعد ست سنين من خلافته أنكر عليه الناس أي في جملة ما أنكروه عليه لأن السنة (1/22)
صفحة 23
في منى معروفة فقال معتذرا عن ذلك أيها الناس أي تأهلت بمكة أي تزوجت منذ قدمت وأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من تأهل في بلد فليصل صلاة المقيم وفي إنكار الناس له دليل على استقرار الصلاة في السفر ركعتين ولولا ذلك لما كان الإنكار عليه معنى واحتج بالحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك اقتنع المنكرون عليه بذلك حيث هو الإمام وله عند النبي صلى الله عليه وسلم مقام وليس في وسعهم رد ما يرويه وهو الخليفة وكل الصحابة رواة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كل واحد روى ما حفظ عن الرسول عليه الصلاة والسلام وهو يدل أيضا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يتم في السفر وان القصر عزيمة وإلا فلا وجه للإنكار عليه معنى واحتج بالحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك اقتنع المنكرون عليه بذلك حيث هو الإمام وله عند النبي صلى الله عليه وسلم مقام وليس في وسعهم رد ما يرويه وهو الخليفة وكل ما حفظ عن الرسول عليه الصلاة والسلام وهو يدل أيضا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يتم في السفر وان القصر عزيمة والا فلا وجه للإنكار بل لو كان رخصة كما يقول الشافعية لما ساغ الإنكار فان له أن يترخص فيقصر وله أن يتم ثم أن اعتذاره بالتأهل في مكة يدفع ما رفعوه عنه من أنه يرى القصر غير واجب فأنه لو كان رأيه ذلك لما اعتذر بالتأهيل بل يبين لهم الجواز ويحتج عليهم بما عنده من العلم ولما لم يكن منه شيء من ذلك علمنا أن القصر عند الصحابة واجب اتفاقا احتج الشافعي على دعواه الرخصة بوجوه نوردها للوقوف عليها وللعلم بها أحدها ظاهر قوله تعالى لا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة أن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا الآية ووجه الاستدلال أن نفي الجناح مشعر بعدم الوجوب فانه لا يقال لا جناح عليكم في إذاء الصلاة الواجبة بل هذا اللفظ إنما يأتي في رفع التكليف بذلك الشيء المكلف به فاما أيجابه على التعيين فهذا اللفظ غير مستعمل فيه وكم (1/23)
صفحة 24
ورد في القرآن بذلك المعنى وكذلك في السنة فهو دال على العفو عن الشيء ومن السنة ما روى عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت اعتمرت مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فلما قدمت مكة قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت وصمت وافطرت فقال أحسنت يا عائشة وما عاب علي وان النبي صلى الله عليه وسلم كان يتم ويقصر وان عثمان كان كذلك ومما احتج به أيضا أن جميع رخص السفر شرعت على سبيل التجاوز لا على سبيل التعيين جزما وكذلك هاهنا ورد عليه مخالفوه استدلاله أما أولا فان المراد بالقصر في الآية التي استدل بها في رفع الجناح المراد به تخفيف الجناح لتسهيل الأعمال لقصر الركعات والمراد به تخفيف الجناح التسهيل الأعمال لقصر الركعات والمراد بتخفيف الأعمال أن يكتفي في الصلاة بالإيماء والإشارة بدل الركوع والسجود لمن لم يستطعهما وجواز المشي في الصلاة للدفع عن النفس وجوار المشي في الصلاة للدفع عن النفس وجواز الصلاة بالدم عند نشوب القتال بين المسلمين والأعداء وهذا كله من قبيل الجايز لا الواجب كما في التفسير فانظر الهيمان ورد هذا الجواب عند الخصيم بأن حمل القصر في الآية على هذا المعنى ضعيف جدا لما فيه من مخالفة النقول كما في حديث لعلي بن أمية وغيره مع أن القصر في عرفهم كان مخصوصا بنقص عدد الركعات ولهذا قال ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت حين سلم صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر من ركعتين وثانيا أنهم لما ألغوا الإتمام فربما كان يخطر ببالهم أن عليهم نقصانا في القصر فنفى عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر على حد قوله عز وجل في أية الصفا والمروة فلا جناح عليه أن يطوف بهما واعترض هذا الاحتمال بأنه ربما يخطر ببالهم إذا قال الشارع لهم رخصت لكم في هذا القصر أما إذا قال أوجبت عليكم هذا القصر وحرمت عليكم الإتمام وجعلته مفسدا لصلاتكم فهذا الاحتمال مما لا يخطر ببال عاقل أصلا وأجيب بأن هذه القواعد لم (1/24)
صفحة 25
تقرر دفعة ومن أول الامر وإنما ثبتت بالتدريج شيئا فشيئا ولم تنزل شريعتنا جملة واحدة بخلاف التوراة وناهيك بالسباب الواقعة في تحريم الخمر والايات المثبتة للمواريث وغير ذلك من الأحكام واعترض على استدلاله بما روي عن عائشة رضي الله عنها بأنه غير صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن عائشة أيضا ولوصح لارتفع النزاع وقامت الحجة كيف لا وعائشة ي القائلة فرضت الصلاة ركعتين ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرضت أربعا وتركت صلاة السفر على الفريضة الأولى وهذا واضح ثابت عنها عند رواة الحديث فأين الرخصة وأين الجواز المدعي أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. (1/25)
صفحة 26
وأما القياس المحتج به فان العبادات لا يقاس بعضها ببعض لا سيما الصلاة والصوم لانهما غير معقولي المعنى والقياس لا يتم إلا حيث تعقل العلة ولا هل الظاهر قوله تعالى وإذا ضربتم في الأرض فلا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة أن خفتم الآية وذلك أنه تعالى اثبت هذا الحكم مشروطا بالخوف والمشروط بالشيء ينعدم عند انعدام الشرط فوجب أن لا يحصل جوازو السفر إلا عند الأمن قالوا ولا يجوز رفع الشرط بخبر من أخبار الاحاد لأنه يقتضي نسخ القرآن بخبر الاحاد وذلك لا يجوز إجماعا ورد ذلك بأن أن وإذا يفيدان حصول المشروط عند حصول الشرط ولا يفيدان عدم المشروط عند عدم الشرط إلا بالمفهوم من اللفظ وإذا تقرر ذلك عرفت أن الآية لم تتعرض لنفي القصر عند الأمن ولا لثبوته لانها إنما اثبتته عند الخوف وسكتت عما عداه فتكون الاخبار بالقصر غير ناسخة للاية بل مثبته لحكم مبتدأ وثبوت الأحكام يكون مرة بالكتاب وأخرى بالسنة فان قيل فما الفايدة في ذكر الشرط في الآية إذا كان القصر غير معلق به أجيب بان الآية نزلت في غالب اسفاره صلى الله عليه وسلم وأكثرها لم يخل من خوف العدو فذكر الشرط من حيث أنه الاغلب في الوقوع فلا مفهوم له عند أهل العلم لأن للاعلبية حكم مستقل لا يخفى على أهل الفقه في الدين والله أعلم.
من يجوز له قصر الصلاة ومن لا يجوز له (1/26)
صفحة 27
لعلم أن العماء اختلفوا فيمن يجوز له قصر الصلاة الرباعية ومن لا يجوز له راى أكثر أهل أن القصر لا يصح إلا إذا كان السفر في طاعة كالسفر في طلب العلم أو للغزو والجهاد أو للحج أو للإصلاح بين الناس أو لعيادة مريض أو لنصرة مظلوم أو نحو ذلك مما يشمله اسم الطاعة أما القصر في السفر في المعاصي فلا يصح أن يترك المسلم جانبا من دينه لأجل الفساد الذي نهاه الله ورسوله عنه ووجهه أنه في الأصل ممنوع عن السفر لذلك إجماعا فلذلك لا يباح له قصر الصلاة وفطر رمضان وانه لو أبيح له ذلك لكان تقوية له على فساده وبغية وكأنه أغراءا له بذلك فانه إذا هل عله رمضان خرج لفساده فقصر الصلاة وأفطر رمضان أما الخروج لمباح كالخروج لتجارة أو استيفاء حقوق أو نحو ذلك فهو كالأول لا حرج عليه في ذلك عند أصحابنا وعند أكثر علماء الأمصار كما نصت على ذلك كتبهم المعتبرة وعليه أيضا الأحناف وأوجبه عليه بعضهم لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصر الصلاة كقوله عليه الصلاة والسلام صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته والامر للوجوب وقوله صلى الله عليه وسلم في الصيام ليس من البر الصوم في لاسفر وهذا عام كما تراه وهو المروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر ولا قصر إلا في سبيل من سبل الخير وقيل أن القصر ثابت للكل لا يختص به مسافر دون آخر بقطع النظر عن كون السفر في طاعة أو غيرها لا قصر الصلاة فريضة عامة من فرايض الدين قلا يصح تقييدها بغير دليل شرعي ينص على ذلك وقد تقدمت الأدلة الدالة علىالقصر ولا تقييد فيها ومن ادعا التقييد فعليه الدليل على دعواه وظاهرها العموم فلا يعدل عن الظاهر إلا بحجة صحيحة وأما التخصيص بالمعلوم من أجوال النبي عليه الصلاة والسلام من أنه لم يسافر سفرا يقصر في ه الصلاة إلا سفر طاعة إجماعا كجهاد أو حج أو عورة أو نحو ذلك فهذا لا يكفي دليلا لذلك المدعي إذ من المعلوم بديهة وعقيدة أن الأنبياء عليهم الصلاة (1/27)
صفحة 28
والسلام كلهم لا يسافرون إلا في الطاعات ولا يصح غير ذلك حاشاهم فقصر الصلاة على هذا ويجعل دليلا على أنه لا قصر إلا بذلك فليس بسديد لما علمت من الأحاديث السابقة وليس فيها لا تقصروا الصالة إلا في سفر طاعة ولو كان ذلك فيها لتمت القضية وارتفع النزاع ولكن الأحوال لا تخصص عموم الأدلة الناصة على الأحكام ولا تقيدها أبدا فإنها وقايع فلو سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مباح لقصر فيما يشهد به ظاهر الحال ولولا ذلك بين للناس أن القصر مخصوص بحال دون حال ولم ينقل عنه ذلك فهو على عمومه وإذ سافر أحد في معصية الله عز وجل كما إذا خرج باغيا على الإمام العدل أو باغيا على قوم من المسلمين أو خرج مناصرا لجاير على أهل الحق أو خرج قاطعا للطريق أو نحو ذلك من الأمور المحجورة عليه متعديا على العباد راكبا للفساد أو ناشزة عن زوجها أو هاربا عن سيدة أو هاربا عن طاعة الإمام العادل فهؤلاء ونحوهم هم الذين تقدم الكلام عليهم بأنهم الممنوعون من قصر الصلاة وفطر رمضان لأجل الفساد الذي ركبوه كما بيناه والقصد من ذلك سد الذرايع وقيل لهم وعليهم حكم ما دخلوا فيه من حق أو باطل فان أحكام الشريعة تجري على الكل وللكل إلا ما قام الدليل بأنه مخصوص فان حكم المسافر خلاف حكم غير المسافر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حكمي على الواحد حكمي على الجميع وكذلك الحكم في الطايع والعاصي والذي صححه الإمام الكدمي رحمه الله عموم القصر للمسافر كان في سفر صلاح أو فساد من غير فرق لان أهل المعاصي داخل عليهم ولهم حكم الشريعة من حيث العموم فهو باق على عمومه فكما تلزمهم واجباتها كذلك تباح لهم رخصها استقلالا والمخصص محجوج بما عليهم تخصيصا أو تقييدا واما المقيدون كما يرومون سد الذرايع ولا تنسد بهذا لأنه من الممكن لهم أن يسافروا بلا قصر وهنا يزداد الفساد إذ يتركون قسما من الشريعة مع ما قصدوا له والشرع جاء لدرء الفساد وجلب الصلاح ولكل مقام مقال (1/28)
صفحة 29
والله أعلم.
الحد الذي يجب معه قصر الصلاة
اعلم أن العلماء المذاهب المعتبرة في الإسلام اختلفوا كثيرا في حد السفر الذي يجب معه قصر الصلاة وها أنا إذكر من ذلك ما أمكن لإفادة الطالب وقياما بالواجب نقلا عن أهل العلم الذين هم الحجة في مذاهبهم أن شاء الله فأقول حد السفر عند الملكية والشافعية والحنابلة أربعة برد فمن سافر معهم أربعة برد له أن يقصر ويدل ذلك على أن القصر للصلاة في السفر من قبيل الجايز لا من قبيل الواجب وعند الحسن البصري وأشياعه والزهري واتباعه له أن يقصر الصلاة يومين ولم يذكر الأميال وعند الثوري وأبي حنيفة وابن الحسين من سافر ثلاثة أيام قصر الصلاة ولا أبي حنيفة ثلاثة أيام بلياليها بسير الإبل ومشي الأقدام وعند الاوزاعي يقصر ما بين خمسة فراسخ وهي عبارة عن خمسة عشر ميلا كذا قيل وقيل عنه أيضا غير ذلك أي يقصر مسيرة يوم تام وحكاه ابن المنذر عنه وعن عامة العلماء أي غير الأباضية وعند أهل الظاهر يقصر المسافر في كل سفر مخوف قصر السفر أو بعد اعتبارا للخوف ومفهومه عند عدم الخوف فلا قصر وجرى الخلاف بين هؤلاء العلماء في قصر الصلاة بمنى عند الإقامة بها لرمى الجمار في الثلاثة الأيام فقال المالكيون تقصر الصلاة فيها حتى لأهل مكة وعرفة والمزدلفة لان النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيها قصرا وسنذكر لك حجج هؤلاء العلماء والرد لها عند مخاليفهم احتج القايلون بأن حد السفر أربعة برد بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان وعند مالك أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يقصر الصلاة في مثل ما يكون بين مكة و عسفان وفي مثل ما بين مكة وجدة في ذلك العهد لا في عهدنا هذا إذ زحفت مكة إلى جدة واقتربت جدة من مكة بالعمران الحالي قال مالك وذلك أربعة برد أي المسافة المذكورة وكذلك نقل عن ابن عباس أيضا انه سئل عن قصر (1/29)
صفحة 30
الصلاة إلى عرفة أي من مكة فقال لا ولكن إلى عسفان والى جدة والى الطايف ورووا عنه وعن ابن عمر انهما كانا يقصران الصلاة ويفطران الصيام في أربعة برد وان مثل ذلك لا يكون إلا بتوقيف ورد بان الحديث ضعيف لضعف رواية عبد الوهاب بن مجاهد وأماما نقل عن ابن عباس معارض بما رفعه عنه أبو سعيد انه كان مذهبه في حد السفر الفرسخان وكذلك ابن عمر أيضا زما خالفه ابن عباس حاشاه وهو حبر الامه ولا ابن عمر كما في الرواية الاخرى عنه وأما القايلون بأن حد السفر ثلاثة أيام قد احتجوا بما رووه عن النبي عليه الصلاة والسلام انه قال يمسح(1) المسافر ثلاثة أيام فعم بالرخصة وهي مسح ثلاثة أيام جنس المسافرين لان الالف واللام للجنس أي جنس المسافر يفعل ذلك إذا لم يكن عهد أي أن لم تكن الالف واللام للعهد فاستدلوا بذلك على أن السفر الشرعي لا يكون في أقل من ثلاثة أيام وقالوا أيضا أن الرخصة كانت منتفية بيقين فلا تثبت إلا بيقين وقالوا أيضا لم يقل أحد بأكثر من ثلاثة أيام فذلك هو الثابت معهم بيقين وما دونه فلا دليل عليه ورده عليهم مخالفوهم قايلين بأن خبر المسح لم يصح عند مخالفهم فلا ينقض عليه حجته وقد اثبت مخالفوهم أن خبر المسح على الخفين لم يثبت من طريق صحيح ولم تقم حجته عند أهل الحق لان القرآن يرده وعندهم أيضا ضده خبرا وأثرا فلم يكن حجة يعول عليها فسقط الاحتجاج به والأثر الصحيح لا يتناقض ولا يتعارض فإذا تناقض أو تعارض سقط ويرى بعضهم أيضا أن خبر المسح منسوخ بالادلة التي عارضته ولبعضهم إذا قدرت صحته فالواجب أن العبادات لا يصح فيها القياس لأنها أمور تعبدية والتعبد لا يثبت بالاجتهاد وسبيل القياس النظر والاجتهاد لان الأمور الدينية توقيفية كما عرفت وإذا ثبت اسم السفر في الشرع لما هو أقل من ذلك كما جاء في سفر المرأة المنقول عندهم لا تسافر يومين وفي رواية لا تسافر المرأة يوما وليلة إلا مع ذي محرم وفي رواية أيضا يوما وفي أخرى (1/30)
صفحة 31
بريدا فدل ذلك على أن الكل يسمى سفرا وهو أقوى في الدلالة على ذلك من خبر المسح المتقدم مع ما فيه من علل تعارضه وأما احتجاجهم بان الرخصة كانت منتفية بيقين فالواجب على ذلك أن خب الواحد يكفي في ثبوتها إذا صح لأنه يوجب العمل عند أهل العلم وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم ذلك كما سوف تراه عند الكلام على حد السفر عند الأباضية ن شاء الله كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر قصر ما دون الفرسخين وذلك إذا برز من المدينة فتخصيص القصر بمسافة ثلاثة أيام بعد ثبوته فيما دونها محتاج إلى دليل كما عرفت ذلك وأما حجة أهل الظاهر بقوله عز وجل إذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة الآية قالوا فهذا الكلام مركب من شرط وجزاء أما الشرط فهو الضرب في الأرض وأما الجزاء فهو قصر الصلاة فإذا حصل الشرط حصل المشروط سواء كان الضرب طويلا أو قصيرا لان الآية أطلقت الضرب ولم تقيده فشمل البعيد والقريب ومدعي التقييد و المدعي إليه الحجة ومن أدلتهم أيضا أن اضطراب أقوال الفقهاء في تقدير السفر يدل على أنهم لم يجدوا في القضية دليلا قويا في تقديرا المدة إذ لو وجدوا ذلك لما كان لديهم اضطراب واختلاف حسبما ذكرنا ورد عليهم بأن الضرب في الأرض كناية عن السفر لا عن نفس الانتقال والحركة ولولا ذلك لصح القصر لمن انتقل من محله لأخرى أو من البيت للسوق أو للجامع أو لمركز الحكم وهكذا فان هذا من ضمن ما قرروه حسب تأصيلتهم وذلك باطل إجماعا إذ لم يقل به أحد من أهل العلم وذلك دليل على أن الأخذ بظاهر الآية لا يصح بل الصحيح أن ذلك كناية عن السفر فإذا صح السفر بشروطه حصل القصر عند حدوده إجماعا وحد السفر عندنا معروف مضبوط بشروطه وحدوده.
حد السفر عند الأباضية عامة (1/31)
صفحة 32
اعلم أن الأباضية عامة من مشرقيين و مغربيين وغيرهم قديما وحديثا لم يختلف معهم أن حد السفر الفرسخان وان الخارج من وطنه قاصدا سفرا ناويا لا يبيت ولا يقبل دون الفرسخين له أن يقصر الصلاة عندما يخرج من عمران الوطن وان الفرسخين هما حد السفر عندهم وقد ثبت ذلك عندهم وقد ثبت ذلك عندهم عن ابن عباس وابن عمر وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم من المدينة إلى ذي الحليفة بأصحابه فصلى فيها العصر قصرا اهتماما بأمر الدين ثم نكص راجعا للمدينة فقال له أصحابه رضي الله عنهم لما ذا خرجت يا رسول الله قال له أصحابه رضي الله عنهم لما ذا خرجت يا رسول الله قال أردت أن أعلمكم حد السفر ذلك لأنه عليه الصلاة والسلام بعث معلما وذو الحليفة إذ ذاك على فرسخين من المدينة أو قريبا منهما(1) وقوله أردت أن أعلمكم حد السفر فسماه حدا وهو واضح من قوله عليه الصلاة والسلام وفعله كما عرفت ولذلك اختلف أصحابنا هل إذا جاوز الفرسخين ثم عاد هل يلزمه القصر مطلقا صلى خلف الفرسخين أم لم يصل فقال المشارقة بالإطلاق لظاهر اللفظ وقال المغاربة بالتقييد إذ صلى النبي صلى الله عليه وسلم هنالك ولم يكتف بالوصول ثم يرجع منهما وكلا الوجهين صحيح ومن أخذ بواحد منهما أصاب بقى البحث في الأفضل والواضح أن فعله عليه الصلاة والسلام أفضل وان كان الوقت وقت تشريع وتعليم وقد صلى النبي عليه الصلاة والسلام لأجل بيان الجمع والقصر أما أنا فلا أقدر على التفضيل وقد أجمعت الأباضية على ذلك منذ العهد الأول حتى أنهم ذرعوا المسافات من جميع الجهات فهذه عمان وكلها محدودة الجهات حتى القرى والرساتيق و المسافي وهي البليدات الصغار معروفة الحدود من الجهات الأربع وضعت للحدود علايم معروفة يتناقلها الجيل بعد الجيل ذلك للحفاظ على حقوق الإسلام اللازمة ولا شك أن أصحابنا أشد محافظة على دينهم وأثبت في النقل وأطول نظرا في الحقايق فلا يأخذون الأشياء جزافا ولا يرتضون (1/32)
صفحة 33
العمل بغير صحة وقد عرفوا بذلك قديما و حديثا قال الإمام أبو سعيد الكدمي رحمه الله بعدما ذكر حجج الأصحاب في القضية قال ولا يعجبني أن يتخذ ذلك دينا يخطأ به من خالفه أي لأنه لم يبلغ الحجة القطعية التي يقطع فيها عذر المخالف ذلك لان هذا المروي عند الأصحاب لم يرد عند غيرهم وان كان أهل العلم منا صححوه فلا يدل ذلك على جواز قطع العذر به وقد عرفت حجة أصحابنا من الحديث المتقدم وهو خروجه صلى الله عليه وسلم بأصحابه إلى ذي الحليفة وصلى بهم ركعتين ثم رجع فسئل عن ذلك فقال أعرفكم حد السفر وعن أنس بن مالك قال صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعا وبذي الحليفة ركعتين وذو الحليفة ميقات أهل المدينة قال الإمام رحمه الله في المعارج وتسمى اليوم أبيار علي وهي من المدينة على ستة أميال وذلك فرسخان قال ولعل الحديث الأول لم يثبت عند قومنا فإني لم أجده في شيء من كتبهم قال وقد ذكره أصحابنا في كتبهم وأنهم لأشد تحرجا وأقوى تثبتا وأعلا احتياطا وأبعد من أن يتكلموا بما لم يعلموا فكيف بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال واما الحديث الثاني أي حديث أنس فهو صحيح عند قومنا أيضا قلت فان الثاني يؤيد الأول وهو بمعناه فإذا صح الثاني تحققت صحة الأول قال الإمام وأجابوا عنه أي عن حديث أنس بأن ذا الحليفة لم يكن غاية سفره صلى الله عليه وسلم وإنما خرج قاصدا مكة فنزل باه أي بذي الحليفة فحضرت صلاة العصر فصلاها قلنا ليس في الحديث أنه خرج قاصدا مكة في هذه المرة فزيادة التقييد من عندكم لا من الحديث أي لا من جهة الراوي قلت ولعل أبا سعيد الكدمي رضي الله عنه لاحظ هذا المعنى فقال لا يعجبني أن يتخذ دينا الخ قلت أن أصحابنا عندهم انه قال أردت أعرفكم حد السفر وقد انطبقوا على هذه الرواية وجرى عملهم عليها ولم يعترض عليهم معترض في ذلك والله أعلم.
بيان حقيقة الفرسخ والبريد والميل (1/33)
صفحة 34
اعلم أن الفرسخ فهو ثلاثة أميال ويجب القصر للصلاة بعد الفرسخين وهما ستة أميال حسب اعتبار أصحابنا والميل من مسافة الأرض منتهى مد البصر لان البصر يميل عنه نحو الأرض حتى يفنى إدراكه وقيل الميل أن ينظر الرجل إلى شخص في أرض مكشوفة متزنة ولا يدري أهو رجل أو امرأة أو ذاهب أو آت وهو بالذرع أربعة آلاف خطوة بمشي الرجل على الوجه الأوسط في المشي لا وثبا ولا متوانيا فيحسب من موضع قدمه الأولى إلى موضع قدمه الأخرى وهو بالذرع أربعة آلاف ذراع باعتبار كل خطوة ذراعا فيكون الفرسخ أثنى عشرا ألف ذراع والفرسخان أربعة وعشرون ألف ذراع ثم اختلفوا أيضا في نفس الذراع فقال بعضهم بالذراع العمري وهو الذراع الهاشمي عند قومنا نسبة له إلى بني هاشم لتقديرهم به وقت خلافتهم بعد تقدير بني أمية لا إلى هاشم نفسه كما وقع لبعضهم كذا قال الإمام رحمه الله وهو يخالف ما قاله في الجوهر حيث يقول وهو ذراع هاشم جد النبي لأنه قدر أرض العرب وقال بعضهم بذراع الناس اليوم ذراعا عادلا أي لا قصيرا ولا طويلا وبه يقول معاوية قال الإمام والذراع العمري ذراع ونصف وقيل ذاع وإصبعان وقيل ذراع وثلاثة أصابع وكون الأصابع وتكون الأصابع معترضات في هذا التقدير كله والإصبع ست شعيرات والشعيرة ست شعرات من شعر البرذون ثم اختلفوا أيضا من أين يكون ابتداء الذرع فقيل من جامع البلد لأنه موضع العبادة والاجتماع وقيل من المنزل لأنه مستقر المتدين ومحل المكلف ومنه يخرج للسفر لا من المسجد وان كان المسجد محل عادتهم فان محل السكون أولى بهذا الحال وقيل من حد العمران لان البلد كله وطن أهله فلا يحسبوا شيئا من وطنهم في أميال سفرهم فان ذلك لا يحسن أي جعل جانب من عمران الوطن في أميال السفر قال الإمام وهذا القول أظهر أي لان المسافر إذا رجع إلى وطنه فبدخوله العمران يرتفع عنه حكم السفر ويتوجه إليه الإتمام ويدل له أيضا قولهم أن ذا الحليفة على ستة أميال من المدينة ولم (1/34)
صفحة 35
يقولوا من الجامع ولا من المنازل والله أعلم.
حكم القصر دون الفرسخين
اعلم أن العلماء اختلفوا في قصر المسافر للصلاة قبل الحد فقد حكي ابن المنذر الإجماع على أن كل من أراد السفر يقصر الصلاة إذا خرج من جميع بيوت القرية التي منها يخرج وقد حكي الخلاف فيما دون ذلك وأما الأباضية فقد اختلفوا في الطرفين والذي عليه عامة العلماء أنه يقصر منذ يخرج من عمران بلده إذا لم ينو المقام دون الفرسخين وقيل إذا خرج من منزله قصر الصلاة وقال أبو عبدالله قال المهلب بن سليمان قال بعض الفقهاء لا يقصر ولو خرج من العمران حتى يصير حيث لا يسمع الأصوات قال الإمام رحمه واختار أبو محمد القول الأول أي القول بالقصر ندما يخرج من عمران بلده قال لأنه الموافق لمعنى اللغة إذ لا يقال سافر مادام داخل العمران فإذا خرج فقد سفر أي انكشف شخصه لناظرين من بعيد قال ومنه قولهم أسفرت المرأة عن وجهها إذا كشفت عنه النقاب وقيل لا يقصر حتى يجاوز الفرسخين وقيل حتى يصلهما ولو لم يجاوزهما قلت لكل وجه من هذه الأوجه دليل يؤيده ثم اختلف هؤلاء في صلاته على رأس الفرسخين فعن الفضل انه يصلي تماما لان رأس الشيء منه ولا يكون خارجا عنه إلا بعد مجاوزته قلت الذي يظهر لي أن هذا من باب هل الغاية حكمها حكم المغيا أم لا فكما هناك الخلاف فهنا كذلك أيضا وقيل يقصر لوصوله إلى حد السفر قال الإمام والصحيح عندي ما عليه العامة وهو القصر من حين ما يخرج من العمران لان رسول الله صلى الله عله وسلم قصر من حين ما برز من المدينة وخرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه من الكوفة فقصر الصالة وهو يرى البيوت أي قريبا من العمران ولما رجع من سفره هذا قيل له هذه الكوفة فهل نتم الصلاة أو نقصر قال لا نتم الصلاة حتى ندخلها لانا في حكم المسافرين قال الإمام ولعل حجة الآخرين حديث ذي الحليفة المتقدم لأنه لو كان القصر جايزا قبل الفرسخين لصلى بهم دون ذي الحليفة أو لقال لهم هذا حد سفرا (1/35)
صفحة 36
ولكم أن تقصروها قبل هذا الحد إذا خرجتم تريدون سفرا قال الإمام ورد هذا بأنه إذا كان خروجه لذلك فلا يصح أن يصلي دون ذي الحليفة إذ هي الحد والوقت وقت تشريع فانه ربما تعلق به من يرى صلاته هناك فيجعله حدا لقصر الصلاة وقيل يحتمل انه لم تحضر صلاة إذ ذاك قبل ذي الحليفة وهو ظاهر رواية أنس بن مالك رحمه الله فان نصه هذا صلى الظهر بالمدينة أربعها وصلى العصر في ذي الحليفة ركعتين والله أعلم.
صفة العمران الذي تقصر الصلاة بعد مفارقته (1/36)
صفحة 37
اعم أن العمران الذي يكون لقصر الصلاة عند الخروج منه والبقاء على حكم السفر عند الرجوع منه والدخول فيه والواجب للإتمام هو البيوت المصطكة والنخل المتواصلة وأما البيوت المتباعدة والنخل المتبعثرة هنا وهناك فليست من العمران المشار إليه إذا كان بينها خراب وأما المزارع فليست من العمران المعتد به لأنها عمارة غير ثابتة فإنها توجد في وقت وكذلك قيل البلد إذا أحاط بها سور ومن خارجه مزارع وفي بعضها نخل فليست تلك المزارع من عمران البلد المذكور لان السور فاصل لها قاطع لاتصالها بالبلد فلا تعطي حكمها قال العلامة الصبحي رجمه الله ولعل بعض المسلمين ألحقها بحكم العمران وذلك على قول من لم ير الجدر قواطع قال وهو قول حسن قال الإمام وفيه قول ثالث وهو أن أخرجوه من التسمية ثبت عليه اسم الخروج أي لا يشمله اسمها قال وأن أدخلوه في البلد لحقه اسم البلد وقيل أن الزراعة المتصلة بالعمران تحسب منه لأنها غير خراب فلا تخرج من حكم العمران قال وان كان في البلد عاضد نخل ممتد إلى بلد أخر متصل بذلك البلد كالذي بين إبرا والمعترض قال فانه يحسب من عمرانها ولو امتد واتصل بالمضيبي أو إلى أبعد منها فإذا لم يخرج منه الخارج للسفر فهو في وطنه بذلك لان . (1/37)
صفحة 38
حكم المتصل بالشيء غير منفصل عنه حكمه وهل له القصر فبل الخروج منه قيل لا أي على أنه من البلد لاتصاله به فالحكم شامل له فلا يصح قصره لأنه في وطنه قالوا ولو اتصل ذلك بخراسان مبالغة فيه ولعله لو اتصل بخراسين محلة بنزوى لان خراسان بيننا وبينها البحر قال وقيل إذا تعدى مسافة تبلغ الفرسخين وقيل إذا تعدى منزله قصر وهذا كله إذا كان سفره في نفس العاضد أما إذا خرج من البلد ومشي محاذيا للعاضد غير داخل فيه فقيل له أن يقصر أي لأنه يعد خارجا ولا تضره محاذاته لذلك العاضد غير داخل فيه فقيل له أن يقصر أي لأنه يعد خارجا ولا تضره محاذاته لذلك العاضد إذا لم يكن أمامه عمران وإذا كانا عاضدين بينهما خراب أو واد فالحكم واحد هنا صحة وفسادا فان الأودية هي مجاري السيول مثال ذلك أودية نزوى كلبوه والبيض ووادي سمايل أيضا ووادي الرستاق فالعمران الذي يحاذي الطريق كما وصفنا فيه الخلاف الذي ذكرنا فان بعضهم يقول ليس له أن يقصر الصلاة ما لم يجاوزهما أو يجاوز العاضد المستطيل لأنه في حكم عمران بلده لسكون نفسه حوله واطمئنانها به فيرى انه لم يخرج من وطنه ووجه القول بالقصر جعل الخراب بينهما كالصحراء لان طرفه متصل بها ومن لم ير ذلك جعله تابعا للعمران المحيط به من الجانبين وأما أن كان الموضع الخراب غرس نخلا متصلا بالعمارة فان أخذت النخل مفاسلها ألحق بالعمارة اتفاقا وما دون ذلك فهو أشبه بالزراعة وفيها الخلاف المتقدم وان كان بين المفلسين أكثر من سبعة عشرا ذراعا فلم يحفظ الصبحي رحمه الله فيه شيئا غير أنه قال فيه برأيه أن ثبت عمرانا فلا يزال حكمه تباعده قال ولا أعلم في التباعد حدا إلا النظر فما كان في النظر من العمارة فهو منها وما خرج واتسع خرج إلى معنى الانقطاع قال وسئل الشيخ الزاملي عن عمران البلد إذا خرب أيبطل حده أم لا قال لم أحفظ فيه شيئا إلا ما جاء في بلدنا انهم يقصرون من مكان بعيد من عمرانها في وقتنا هذا ويحتجون (1/38)
صفحة 39
انه كان في الزمن الماضي إلى هناك فعلى هذا لا يبطل حده قلت ليته بين ذلك المكان الذي أشار إليه حتى نعلم عنه شيئا ولكن لم يكن من ذلك شيء وهو في الحقيقة من شئون التاريخ وهو عند العمانيين غير كبير الأهمية بل ج همتهم أن لم نقل كلها في الفقه لكن للفقه تعلق بالتاريخ وليس للتاريخ بالفقه تعلق قال وان كان كوره مشتملة على قرى كثيرة فان اتصلت عمارتها كالرستاق فهي في حكم القرية وان انفصلت من بعضها كالقابل والدريز وعز والمضيرب قلت وأصدق مثال لذلك قرى الرستاق فان كل واحدة قرية برأسها وكذلك بلدان بدية أيضا لتقاربها من بعضها بعضا قال الفضل بن الحواري رحمه الله إذا كانت قرية في وسطها واد قاطع والقرية على الحاجزين أي كسمايل يشقها الوادي من أعلاها إلى أسفلها ومثل نزوى أيضا فخرج رجل من أحد الحاجرين فقطع الوادي فدخل الحاجز الأخر مسافرا فلا يقصر الصلاة لأنها قرية واحدة أي يشملها الاسم وقالوا من خرج من نزوى مسافرا فدخل سمد أنه لا يقصر الصلاة إلا من حيث يقصر أهل سمد وكذلك أهل سمد والوادي قاطع بينهما وقال موسى بن مخلد خرج أبو سعيد رحمه الله إلى سلوت حتى صرنا في الشرجة التي عند ثقاب عين شجب وكان ذلك وقت صلاة العصر فصلى بنا العصر وقصر هو ومن كان معه يريد الخروج إلى سلوت وأتممنا نحن ركعتين بقية الصلاة فقلت له أنا إلى هاهنا يكون حد القصر قال ومن خرج من نزوى يريد سفرا فان أتى من طريق فرق فانه يقصر إذا خلف المجازة وقطع الوادي وان أتى من الطريق الأخرى قصر إذا خلف المسجد وصعد إلى الجناة ومن خرج يريد بهلى قصر إذا خلف اللجمتين قال أبو عبدالله من كان بلده الباطنة قص إذا خلف المنازل أو النخل مسافرا فان لم يكن نخل فإذا خلف منازل الحي الجامع لهم قصر ولا عبرة بالبيوت الشاذة التي في الطويان ولا عبرة بالزراعة وقيل منتهى عمران الباطنة مجاري الأودية التي تقطع بين القرى إلا أن يكون العمران قال أبو عبدالله أي محمد بن (1/39)
صفحة 40
محبوب رحمه الله ورحم آباءه حد صحار من الجانب وادي صلان وحدها من الجانب الشرقي مجز قال وإذ امتد العمران حتى زاد على الفرسخين فقال في الضياء يصلي تماما ولو امتد إلى خرسان وخرج الإمام أبو سعيد الكدمي رحمه الله جواز القصر في الخرب لاتحاد المعنى وهذا الشيخ هو المشهود له بقوة التحقي وصدق التدقيق والواضح من مقاله هذا خلاف المعروف في الآثار وحكى العلامة الصبحي القولين فيتقوى تخريج الإمام أبي سعيد والحمد لله الذي يهب من شاء ما شاء وقد تقدم القول بالقصر من منزله فتلك إذا ثلاثة أقوال وذكر في الضيا أن الأودية والأشجار الملتفة مثل الغاف وغيره قاطع للعمران قلت وإذا لم تقطع الأودية فماذا يقطع إلا ترى أنها إذا سالت وأنت خارجها لا تقدر على الوصول إلى منزلك ولو بقيت شهرا ذا استمرت الأمطار وأما الغاف المتكاثف على بعضه بعضا كغاف صحار فهو قاطع لأنه من شجر الفلا وفي صحار ونواحيها من الباطنة كثير وكلا الشيخين أعني ابن محبوب وصاحب الضيا هما من صحار وقال العلامة الصبحي في فتاويه ليست الأودية التي في هذه القرى قاطعة للاتصال وذلك مثل وادي الأبيض ووادي كلبوه يعني واديي نزوى قال ويقطع أن كان معه شيء من خراب ومن ركب البحر مسافرا فانه يقصر الصلاة من حين ما ركب ولو بقي في المرسى محاذيا لوطنه ومحاذيا للقرية التي يتم الصلاة فيها ولو أقام في المكلا ما أقام وهو على نية السفر لان البحر قاطع للوطن ولا اتصال به والوطن لان البحر شيء غير البر فلا يفيد قربه إلا قطع الوطن وتقرير القصر باتفاق أللهم إلا أن رجع عن نية السفر ليس له أن يقصر بهذه الحال والله أعلم.
(1) أويتمها ايضا اين حل واين رحل وقد ثبت الإجماع بوجوب اتخإذ الوطن وثبوت قصر الصلاة في الاسفار اه سالم بيده
(1) ولعله ان الوالي إذا أهمل نية الوطن في ولايته ينقض عنه حكم الوطن أي الاتمام والله اعلم.
(1) أي لان وطن امامهم وطن لهم
( (1/40)
صفحة 41
1) قوله يمسح المسافر ثلاثة ايام أي على الخفين وذلك عندهم في السفر خاصه
(1) وعن أحمد بن عبدا لغفور في كتابه حجة النبي وأحكام الحج والعمرة في الإسلام قال صلى النبي عليه الصلاة والسلام بالمدينة أربعا وبذي الحليفة ركعتين وذلك في حجة الوداع اهـ. (1/41)