صفحة 1
الكتاب: النية الخالصة لناصر الجهضمي.
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] النية الخالصة
تأليف: أبي جهضم ناصر بن محمد الجهضمي
تقديم سماحة العلامة سراج الدين إمام الحفاظ الشيخ أحمد بن حمد الخليلي – كلأه الله بعنايته - :
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أمر عباده أن يعبدوه مخلصين له الدين ، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى ونبيه المجتبى الذي أرسله الله رحمة للعالمين ، وعلى آله البررة وأصحابه الخيرة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد/ فإن النية الخالصة هي ملاك العمل وروحه التي بها يحيا ، إذ الأعمال وإن راق رونقها للناظرين إن لم تصحبها نوايا صادقة لا زنة لها عند الله ولا ثمرة لها يجنيها صاحبها يوم الحساب ، بل ربما انقلبت عليه وبالا محاقا وخسرانا يؤدي إلى حسرة الأبد ، فإن الله سبحانه ما تعبدهم بالأعمال إلا مقرونة بها قال تعالى: (( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين )) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى )). (1/1)
صفحة 2
هذا وقد عزب عن أفهام كثير من الناس – في زماننا – معنى النية لإنقلاب كثير من المفاهيم عندهم نتيجة تخييم الجهل في نفوسهم وتقاعس هممهم عن طلب إستجلاء الحقائق من مظانها ، فجعلوا النية كلمات يقوم بتردادها العامل قبل شروعه في العمل عن كان حافظا لها وإلا قام بتلقينه إياها من كان أسعد بحفظها ليقوم بترديدها وراءه مع خلو الذهن من معناها كأنما تعبدنا بالقول دون القصد ، ولم تتوصل مدارك أولئك إلى أن النية ما هي إلا عقد العزم وتخليص القصد عن شوائب الأغيار وما ذلك إلا سر مكنون في أعماق النفس يحيط به الذي لا يعلم السر وأخفى، لذلك كان جمهور الناس أحوج ما يكونون إلى تبصيرهم بحقيقة النية التي تعبدوا بها ، فجاء هذا البحث القيم ((النية الخالصة)) الذي سال به يراع الباحث الأديب ولدنا الأستاذ النابه ناصر بن محمد الجهضمي ، حفظه الله ، وسدد خطاه ، شعاعا يمزق سجاف الجهل عن القراء ليبصرهم بالحقيقة التي أضاعوها وليقتادهم إلى الطريقة السواء التي جانبوها ، فقد أصل فيه وفصل ووضع المقصل على المفصل فجاء بحثه ثريا بالأدلة الواضحه التي لم يجمعها كاتب من قبله ، كاشفا لثام الخفاء عن وجه الحق المشرق الذي وارته شبهة الجهل عن أفهام أهله ، فجزاه الله خيرا وأعانه ، ويسر أمره ، وزاده علما وهدى وصلاحا وتقى ، وعلى الله قصد السبيل وهو ولي التوفيق.
أحمد بن حمد الخليلي مسقط 12/ربيع الثاني /1421
المقدمة:
الحمد لله حمدا على نعمائه وآلائه ، وشكرا له على جزيل كرمه وعطائه ، وصلاة وسلاما على أفضل الأنبياء والرسل ، وأفصح الأعراب والحضر ، صلاة دائمة أبدية ، وسلاما صفته سرمدية ، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأنوار المهاجرين منهم والأنصار ، وعلى الدائرين حول أفلاكهم الأقمار ، التابعين لهم بإحسان بالإظهار والإضمار إلى يوم الدين يوم الحق المبين. (1/2)
صفحة 3
أما بعد: فإنني لما رأيت كثيرا من الناس وقد اختلط عليهم أمرهم في النية ، وتيقنت أنهم فيها في أمر مريج ، حز في نفسي ذلك وبادرتني فكرة لإعداد رسالة صغيرة الحجم في محتواها ، كبيرة الشأن في فحواها خفيفة في أوراقها ، ثقيلة في مضمونها. كما وددت لها سهلة الألفاظ جزلة المعاني مع وضوح الغرض من تصنيفها وظهور الهدف من تدوينها ، ولكن ( المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ) ولو تريثت قليلا لكان الجنى أكثر والقطوف أدنى حيث أنني لست من فرسان هذا المضمار وإنما أقحمت نفسي فيه عنوة لذا فإنني وددت لو أستطيع قشع تلك السحابة المتعلية رؤوس بعض الناس سحابة الفهم الخاطئ لمعنى ودلالة كلمة النية عما هو صحيح وحق ، ولكن مع كساد سوقي في العلم وقزم قامتي في المطالعة أسأل الله القدير أن يمكنني من بلوغ المراد من هذه الرسالة وإصابة الهدف منها ليستفيد من مضمونها الغافل ولينتبه إلى مقصودها الطالب ، وليتفهم ذلك الراسخ في العلم كما رجوت لها أن تكون سهلة الفهم بسيطة التركيب وهذه أمنية بقدر ما أرجو من الله تحقيقها أسأله سبحانه أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم نفعا لعباده العابد ، ودفعا لعناد المعاند ، وأن يجعل نهار هذه الرسالة الزاهرة غائما لا ينصب فيه الجاري ، وليلتها قمراء لا يعشو فيها الساري.
فإن ووفقنا في مسعانا فذلك منّ من الله علينا عظيم ، وإن أخفقنا في سعينا فعذرنا قد سبق ورجاؤنا أن يكون هذا الذي سطرته يراعتنا ذنبا في الخير ، وألا يكون رأسا في الشر إنه تعالى هو نعم المسؤول ونعم المعين والموصول ، فعلى الله توكلنا إنه يجب المتوكلين ، وصلى الله على رسوله المصطفى الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
وقد قسمت الرسالة إلى الآتي:-
1. مقدمة
2. فصل لـ ( النية لغة وشرعا ).
3. فصل لـ (رد قول من يقول بتأكيد النية بالتلفظ).
4. فصل في ( تأكيد ما سبق بيانه ).
5. خاتمة الرسالة أو البحث.
(( وما توفيقي إلا بالله )) (1/3)
صفحة 4
23 صفر الخير سنة 1421 للهجري الموافق 27/5/2000 للميلاد
ناصر بن محمد الجهضمي
الفصل الأول: (( النية لغة وشرعا ))
الحمد لله الذي علم آدم الأسماء كلها فعلم الإنسان ما لم يعلم ، وفصّل له كل شيء تفصيلا. وبعد ، الكثير من العوام تتطرقوا إلى التكلم عن ماهية النية أو تعريفها فأصابوا قالبها لا قلبها ، وإن كان قلة منهم من اقترب إلى دغدغة القلب ربما بوعي أو بغيره ومن هنا وجدنا أنفسنا مائلين إلى توضيح هذا المبهم ما – استطعنا إلى ذلك – وتجميع هذا الشتيت على أذهان البعض ليظهر لنا الأمر جليا ويكون فهمنا له سويا فنقول:
النية لغة: هي القصد والعزم على الشيء، ومحلها القلب لا تعلق لها باللسان أصلا وأن التلفظ بها غير مشروع (1) وهذا تعريف كامل للنية فقد جاء في لسان العرب(2) نوى الشيء نيّة ... وانتواه كلاهما: قصده واعتقده. ويقال: نويت الشيء إذا جددت في طلبه. وفي الحديث: ((نية الرجل خير من عمله)) (3) قال: وليس هذا بمخالف لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من نوى حسنة فلم يعملها كتب له حسنة ، ومن عملها كتب له عشرا ... )) (4) والمعنى في قوله: ((نية المؤمن خير من عمله)) أنه ينوي الإيمان ما بقي، وينوي العمل لله بطاعته ما بقي، وإنما يخلده الله في الجنة (بمشيئته وعفوه (5)) بهذه النية لا بعمله ، ألا ترى أنه إذا آمن ونوى الثبات على الإيمان وأداء الطاعات ما بقي (فهو في الجنة) ولو عاش مائة سنة يعمل الطاعات ولا نية له فيها لأنه يعملها لله فهو في النار؟ فالنية عمل القلب ، وهي تنفع الناوي وإن لم يعمل الأعمال ، وأداؤها لا ينفعه دونها ، فهذا معنى قوله ((نية الرجل خير من عمله)). وفلان نواك ونيتك ونواتك ، قال الشاعر:
صرمت أميمة خلّتي وصلاتي*** ونوت ولما تنتوي كنواتي
أي عزمت. ( والمعنى: أي لم تنو في كما نويت في مودتها). (1/4)
صفحة 5
وكذا عرّف المعجم الوسيط النية حيث جاء فيه: نوى الأمر: قصده وعزم عليه. وكذلك نوى الشيء: جد في طلبه. والنية: توجه النفس نحو العمل ، ولهذا عرف الشيخ سد سابق النية في كتابه المشهور (فقه السنة) في كلامه عن فرائض الوضوء حيث قال هناك: النية، وحقيقتها الإرادة المتوجهة نحو الفعل ابتغاء رضا الله تعالى وامتثال حكمه وهي عمل قلبي محض لا دخل للسان فيه، والتلفظ بها غير مشروع. ودليل فرضيتها حديث عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى)) (6) وفي رواية (بالنية)).
----------------------------
(1) فقه السنة / سيد سابق ص48 ج1.
(2) لسان العرب لابن منظور.
(3) رواه الإمام الربيع في الجامع الصحيح بلفظ (( نية المؤمن خير من عمله )) وكذلك الطبراني في المعجم الكبير. وتمامه: ((نية المؤمن خير من عمله ، وعمل المنافق خير من نيته ، وكل يعمل على نيته، فإذا عمل المؤمن عملا نار في قلبه نور)).
(4) من الحديث القدسي الذي رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي بأسانيد ومتون مختلفة ولكنها بمعنى. وقد ورد (من همّ ... ) وفي رواية ثانية لمسلم ، قال بسنده إلى أبي هريرة: عن أبي هريرة رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم – قال: قال الله عز وجل: ((إذا هم عبدي بحسنة ولم يعملها كتب له حسنة ، فإن عملها كتب له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف..)) وقد ورد هذا في كتاب ( الأحاديث القدسية ) دار الفرقان للنشر والتوزيع – عمّان – الأردن. قال القسطلاني في ارشاده: والحديث أخرجه مسلم في الإيمان والنسائي في القنوت والرقائق.
(5) زيادة من عندنا.
(6) فقه السنة / سيد سابق ج1 ، والحديث رواه البخاري ومسلم وأبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد وغيرهم.
(أ ) قال الحافظ العراقي: متفق عليه من حديث عمر.
( (1/5)
صفحة 6
ب ) قال ابن دقيق العيد: قال الإمام النووي: أجمع المسلمون على عظم موقع هذا الحديث وكثرة فوائده وصحته: قال الشافعي وآخرون: هو ثلث الإسلام. أهـ. وقال الشيخ عز الدين بن عبدالسلام: الجملة الأولى لبيان ما يعتبر من الأعمال والثانية ما يترتب عليها (إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام).
(ج) قال محقق (رياض الصالحين) للنووي: متفق على صحته.
الفصل الثاني: (( رد قول من يقول بتأكيد النية بالتلفظ ))
وفي ضلال هذا الحديث النبوي الشريف الآنف ذكره يقول العلامة النحرير خاتمة الحفاظ فلتة دهره وسرسور زمانه سيدي الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة – حفظه الله تعالى للإسلام والمسلمين – يقول: علينا أن ندرك أن النية المطلوبة هي أن يقصد الإنسان بفعله القربة إلى الله بامتثال أمره والإزدجار عن نهيه ، هذه هي النية المطلوبة وهي إخلاص العمل لله سبحانه وتعالى ، والإخلاص سرّ بين العبد وربه كما جاء في بعض الروايات القدسية لا يطلع عليه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ، على أن لفظة النية تدل على معناها، فالنية هي مصدر نوى الإنسان ينوي، فمن المعلوم أنني إذا قلت لأي أحد من الناس نويت بالأمس أن آتيك فلا يعني ذلك بحال من الأحوال أن يفهم هو أنني كنت أردد بالأمس أنني سأزور فلان ، لا ، ولكن نيتي القصد بالقلب. (1/6)
صفحة 7
فإذن هذه هي النية المطلوبة وهذا هو المراد بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه )) (1) ، فهذا الذي هاجر – مثلا – إلى دنيا يصيبها ما كان يردد بلسانه بأنني مهاجر من أجل أن أصيب من الدنيا، والذي هاجر من أجل أن يتزوج امرأة ما كان يردد بلسانه بأنني هاجرت من أجل أن أتزوج فلانه ، والذي هاجر إلى الله ورسوله أيضا لا يعني ذلك أن يكون يردد بلسانه بأنني مهاجر إلى الله ورسوله وإنما ذلك أمر في قرارة نفسه والله يعلم السرائر من عباده وهو الذي يجزي الناس بحسب ما يعلم من طواياهم التي هي بين حنايا ضمائرهم فلا داعي إذن إلى التعبير عن النية بهذه الألفاظ ، على أن هذه الألفاظ أحدثت عندما كان الناس لا يعرفون ماذا ينوون فلذلك وضع العلماء لهم هذه الألفاظ لتكون ترجمة للنية التي يجب عليهم أن ينووها ، ولكن بدلا من تكون مقاصد تحولت إلى غايات فضاعت الغايات في خضم العناية بالمقاصد وأصبح الناس في أمر مريج من أمرهم (2).
(( التلفظ بالنية ولو مائة مرة لا يجدي إذا لم يكن من القلب)): (1/7)
صفحة 8
وفي موضع أخر يقول الشيخ – حفظه الله تعالى – (وبعد تعريفه لمعنى النية)، قال: لو تلّفظ الإنسان بالألفاظ الدالة على النية مائة مرة ولم يقصد بقلبه فإن هذا التلفظ لا يجدي به شيئا. والقصد بدون التلفظ مجز لأنه إن قصد فقد أتى بالنية. فمن قال: كنت نويت أن أصنع كذا إنما مراده بذلك أنه كان عاقدا عزمه على صنع ذلك ... فمن نوى أداء الصلاة بقلبه وأتى واجبات الصلاة من تكبيرة الإحرام وغير ذلك فقد أتى بالصلاة المشروعة، والنبي صلى الله عليه وسلم ما كان يتلفظ بهذه الألفاظ ، ولا صحابته رضي الله عنهم، ولا التابعون بهم بإحسان وإنما حدثت هذه الألفاظ من بعد ، استحسانا من بعض العلماء ذلك لأنهم رأوا أن كثيرا من الناس لا يعرفون ما ينوون فأرادوا بإحداث هذه الألفاظ أن يبصروا الناس بالشيء الذي ينوونه فهذه الألفاظ اعتبروها وسائل للنية الحقيقية (3) انتهى كلامه. ولكن سوء فهم بعض الناس للمراد وغرض أولئك العلماء المستحسنين لهذه الوسائل قلبها إلى غاية أنهكوا لأجلها قوى ألسنتهم ولم يكلفوا قلوبهم بشيء من ذلك (فبلغ بذلك السيل الربى) وخلطوا بين الحديد والشديد. وللتفصيل أكثر لك أن تنظر إلى الشاكّ ليلة الشك فمهما كان شاكا ليلتها لم ينفعه جزمه النية باللسان، فإن النية محلها القلب ، ولا يتصور فيه جزم القصد مع الشك.
---------------------------------------------------------
(1) متفق عليه – تقدم ذكره.
(2) عن إحدى محاضرات الشيخ إمام الحفاظ أحمد بن حمد الخليلي خلال شريط سمعي.
(3) عن فتاوى الشيخ خلال شريط سمعي.
(( قد لا يدرك كنه المسمى بالقول )): (1/8)
صفحة 9
كما لو قال في وسط رمضان أصوم غدا إن كان من رمضان، فإن ذلك لا يضره لأنه ترديد لفظ، ومحل النية لا يتصور فيه ترداد، بل هو قاطع بأنه من رمضان (1) وعلى التحقيق فهذا هو الحق الجلي إذ بهذا القول يتأكد المسمى بالمعنى الداخلي الشعوري الكامن في قلب بينما نرى أن من ذهب إلى القول – بحسن نيته – بتأكيد النية باللفظ إنما قصد ذات وحقيقة وماهية أو كنه المسمى باللفظ وهيهات هيهات لأنه كنه المسمى هنا لا يمكن إدراكه بالقول! ذلك لأن النية لا يمكنك أن تأتي بها قوليا وإنما يؤتى بها فعليا تطبقيا أو تحضيرا لما في القلب إذ كيف يمكن توكيد شيء بشيء ليس من جنسه لكي ندركه على حقيقته؟ هذا محال. أما درى من يزعم هذا أنه يخرج النية من موضعها اللغوي، وموقعها المعجمي وقلبها المعنوي اللغوي الطبيعي والمنطقي؟ فقد غدا بهذا ما كان يكنّ في القلب كلاما فصيحا وقولا بيّنا ملفوظا فلم يعد منويا بالقلب بل ملفوظا باللسان وكيف يتأتى أن تكون النية كذلك لغويا أو منطقيا؟ فإذا لم يتقرر ذلك لغويا على أقل تقدير فقد وجب ألا تكون للنية علاقة باللسان؟ (1/9)
صفحة 10
ولذلك عرف ابن القيم النية في كتابه (إغاثة اللهفان) فقال: النية هي القصد والعزم على الشيء ومحلها القلب لا تعلق باللسان أصلا، ولذلك لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا عن أصحابه في النية لفظ بحال، ولا سمعنا عنهم ذكر ذلك، وهذه العبارات التي أحدثت عند افتتاح الطهارة والصلاة، قد جعلها الشيطان معتركا لأهل الوسواس، يحبسهم عندها، ويعذبهم فيها، ويوقعهم في طلب تصحيحها فترى أحدهم يكررها ويجهد نفسه في التلفظ بها وليست من الصلاة في شيء. إنما النية قصد فعل الشيء فكل عازم على فعل فهو ناويه ولا يتصور انفكاك ذلك عن النية فإنه حقيقتها فلا يمكن عدمها في حال وجودها ومن قعد ليتوضأ فقد نوى الوضوء ومن قام ليصلي فقد نوى الصلاة، فالنية أمر لازم لأفعال الإنسان المقصودة لا يحتاج إلى تعب ولا تحصيل. ولو أراد إخلاء أفعاله الإختيارية عن نية لعجز عن ذلك. ولو كلفه الله عز وجل الصلاة والوضوء بغير نية لكلفه ما لا يطيق ولا يدخل تحت وسعه. وما كان هكذا فما وجه التعب في تحصيلة؟ وإن شك في حصول نيته فهو نوع جنون فإنّ علم الإنسان بحال نفسه أمر يقيني، فكيف يشك فيه عاقل من نفسه؟ (2). (1/10)
صفحة 11
هذا وفي المصباح المنير (3): ثم خصّت النية في غالب الإستعمال بعزم القلب على أمر من الأمور وكذا قال صاحب القطر المحيط، ثم أردف قائلا: وقيل النية لغة عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضرر حالا أو مآلا. وهنا يجب أن نقف عند نقطة وهي قوله عليه الصلاة والسلام ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ... )) (4) حيث لم يحصر النبي صلى الله عليه وسلم الأقوال بالنيات وإنما حصر الأفعال بها لتعذّر ذلك على الناس وهنا يظهر لنا جليا أن من الأعمال كذلك ما هو غير مقصود بها ظاهرها ويجلو لنا الأمر – مع كونه جليا – إذا قدّرنا وقلنا: (إنما بالنيات الأعمال) وما أكثر الأقوال التي تقال، والثرثرات التي تبث بلا وعي ولا نية! من هنا ندرك حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله المأثور هذا إذ يندر إن لم يتعذر أن يقوم أمرؤ بفعل شيء ما بدون نية ووعي منه وهو عاقل يقظ.
---------------------------------------------------------
(1) إحياء علوم الدين/ لأبي حامد الغزالي ص425 ج1.
(2) إغاثة اللهفان ص144/ لإبن القيم الجوزية
(3) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي.
(4) سبق ذكره.
(( إحضار النية لا المخافتة بها )): (1/11)
صفحة 12
بينما الأقوال قد تنحدر من فيه انحدار بلا نية أو وعي مما قد يؤدي به إلى هلاكه أحيانا أو توريطه تارة أخرى وهو ما يعبر عنه باللغو. فكم من عاقل يقظ قد قتل بلسانه؟ ومن هنا قالت العرب (لسانك حصانك إن صنته صانك وإن خنته خانك) وأيضا: (مقتل الرجل بين فكيّه) و (المكثار كحاطب الليل) بينما أحيانا يقاد اللسان بتدبير من العقل والفؤاد إلى الشر والمذمة ، بالتفتن والقذف مثلا. فما أقرب هذا الذي تأتي به فئة من الناس على أنها هي النية فما أقربه إلى الإسرار منه إلى الانتواء بل إن هذه الكيفية هي عين المخافتة. ونحن مطالبون بإحضار النية في القلب لا المخافتة بها ثم إن الله ورسوله أعلم منا معشر العباد بألفاظ اللغة ومع كون لفظ النية ليس بغريب على كلام العرب خصوصا على أولئك الأوائل الفصحاء المصاقع الأقحاح الذين فهموها بمعناها الصحيح دونما خلطه، لمعرفتهم التامة بمعاني ودلالات الألفاظ العربية وذلك المعنى – أي الذي فهموا به النية – ما زال مفهوما لدى العرب إلى ساعتنا إلا أن ثمة من هو مخلط جحود أو كفور عنود أو جاهل متخبط أو متجاهل معاند، أو ممار مكابر، أم هل يعقل أن تكون النية وماهيتها بحال لفظا منطوقا؟ كيف هذا بالله عليك – يا أخي العزيز العاقل؟ (1/12)
صفحة 13
هذا ونحن نعلم يقينا أننا مطالبون بالإيمان بكل صغيرة وكبيرة وردت في كتاب الله الطاهر: ((لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)) (1) وبنفس القدر يجب أن يكون إيماننا بالسنة النبوية الشريفة مع الاعتقاد الكامل المطلق أن النبي صلوات الله وسلامه عليه لا ينطق إلا بوحي من الله عز وجل كما أخبرنا بذلك علام الغيوب في كتابه العزيز فقال: ((وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)) (2) وعلى هذا الاعتقاد يجب أن ينسحب تفكيرنا إلى أن اللفظ الذي ينطقه رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام هو اللفظ الأقوى والأنسب للمقام ولأداء المعنى المقصود وأنه هو اللفظ الجامع الشامل للغرض المبتغى. وما دام لم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلفظه بكلمة أثناء الوضوء مثلا إلا التسمية لكون أمرها حسنا وهي مشروعة عموما وذلك لما يروى عنه صلوات الله وسلامه عليه قوله ((كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر)) وفي رواية أقطع وفي رواية أجذم (3). وهذا لكون الوضوء عبادة فهو إذن حقيق بها، وهو – أي الوضوء – المدخل الرئيسي إلى الصلاة لما يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: ((مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)) (4) فكان لزاما علينا أن نقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم لأنه المشرع بأمر من الله تعالى. وهو المطبق التطبيق العملي للشرع الصحيح فهو الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة للمسلمين المؤمنين به.
ولذا لم يرو شيء من هذا الذي يتلفظ به الناس عن الصحابة ولا عن التابعين وذلك لفهمهم العميق وإدراكهم الصحيح لمعنى كلمة النية ولاستيعابهم للمراد استحضاره لمقام الوضوء.
ولا تلفظ بكلام يذكر *** به عن النية قوم عبروا
لأنما النية بالفؤاد *** لا بالتلفّظات والتعداد (5) (1/13)
صفحة 14
وإنما لنمر بالألفاظ القريبة من معنى النية ولكنها لا يمكن بحال أن تحل محلها ، وإلا فهل كلمة الخفت أو المخافتة قد نجعلها في محل النية؟ كلا. ثم هل كلمة السر يجوز بحال أن تعني النية؟ كلا. فإنك تعلم أن سرك ليس بنيتك فبمقدورك أن تبوح بسرك لأحد بينما النية إذا بحت بها انقلبت إلى سر أو خبر لأن حقيقتها كامنة في القلب كما قدّمنا فإن بحت بها لواحد فقط فقد قلّبتها إلى سر بينك وبينه، وإن بحت بها لفئة من الناس فقد خبّرت بها، فهي لم تعد نية ولا سرا بل جهرا وخبر وليست النية كالجهر، ومن معاني السر الكتم بل هما متداخلان فقد يتكاتم الاثنان الحديث أو السر مكاتمة ومع يفترق معنى هذا عن ذلك، وكلاهما لا يعنيان النية. أنظر يا أخ الإسلام والعروبة حينما آتي لأنوي الصلاة أو الصيام – مثلا – لافظا بالنية لهما ولو همسا فإنني أجدني معرضا لإسماع أي امرئ يكون قريبا مني بلا ريب ولو الشيء القليل من تلك الهمسات فهل ثمة لبيب يزعم أن ما أقوم به هو عين النية وقد همست؟ – لا أخال ذلك – ولذا أراني إذا لم أنطق على هذا الواقع همسا نكون مجانبين لوح العربية وحقيقتها ومن هنا يقول نور الدين السالمي – رحمه الله عليه - :
ونية الصلاة بالجنان *** فقط دون اللفظ باللسان
وكيف يكون اللفظ يلزمنا *** ولم يكن في القصد يدخلنّا
والواجب النية دون القول *** فلا أرى صحته من قول(6)
بل ليس ببعيد قوله – رحمه الله – من هذا المعنى كذلك وإن كان لموضع أخر ، حين يقول:
ولا دليل عندنا لهذا *** إني أرى قائله قد هاذى
يظن أن الاحتياط فيه *** وهو فساد حيث لا يدريه
فكان منه سبب انصراف *** من بعده عن سنة الأسلاف (1/14)
صفحة 15
بل لو كان النية لا تدرك أو لا تستحضر إلا بالتلفظ لهلك الناس لما قد يصيبهم من الهوس من فرط حرصهم على الإتيان بها في كل حركة وسكنة وذلك لأنهم سيجدون أنفسهم قد تحركوا بلا نية أو سكنوا بلاها، وهذا لا ريب يشكل على الإنسان أيما إشكال وبهذا نعلم ونرى رحمة الله تعالى لنا في تشريعنا – أي النية – علينا لفترات وجيزة لدى أدائنا للعبادات المعنية المشروعة لأن الله أدرى وأعلم بتقلبات قلوب البشر فهل من مدّكر؟ أولم تر أننا نسمي بعض الصلوات صلوات جهرية وبعضها نسميها سرية وإنك لتعلم تماما كيف تؤدى كل منها وتلاحظ كذلك أن النية أسرّ وأكتم من تلك الكيفية أو الطريقة التي يؤدى بها ذلك النوع من الصلوات السرية منها، ولا ريب أن من ينطق بالنية على قصد التأكيد لها لا يفرق بين تمتمته بالنية وتمتمته بالصلاة السرية بل يجعلهما سواء حين أدائه لها. ثم كيف يزعم أحد أن التلفظ بالنية تأكيد لها مع أنه غير مشروع أصلا، مع ما في هذا الزعم من تناقض لغوي أو خلط كما سبق لأن النية إنما تتأكد بالإغراق في توجيه القلب أو النفس إلى ما ينوي فعله.
ولعلك على علم بأنك إذا توضأت لصلاة الظهر مثلا جاز لك أن تصلي به صلاة العصر حين يأتي وقتها إن لم ينتقض، فإذا كنت تعتقد هذا، فإنني سائلك سؤالا: هل عندما كنت تتوضأ استحضرت هذه النية؟ أو على رأي من يقول بالتلفظ بها هل نطقت بها على أنها لصلاة الظهر والعصر معا؟ أظن أن جوابك هنا بالنفي. وإذا كان كذلك فانتبه، ذلك لأن الحاصل على التحقيق أن وضوءك لصلاة العصر إنما يتأكد أو تنعقد نيته بوجهين وقد يصاحبهما وجه ثالث أما الوجهان فهما:
- الوجه الأول: استحضار النية وقت التوضؤ بكون هذا الوضوء لصلاة الظهر ، وإذا لم ينتقض فهو لصلاة العصر كذلك. (1/15)
صفحة 16
- الوجه الثاني: استحضار النية عند الوضوء على أن الوضوء للظهر فقط، ولكن مع استمرار هذا المتوضئ على طهارته، أو بقائه على وضوئه في ما بعد إلى وقت صلاة العصر نوى عنده من قلبه فصلى به.
- الوجه الثالث: الذي قد يتبادر إلى ذهننا هو اعتياد الرجل على أداء صلاتين أو أكثر بوضوء واحد لاسيما إن كان كثير الأسفار.
---------------------------------------------------------
(1) سورة فصلت الآية رقم 42.
(2) سورة النجم الآية رقم 3.
(3) مشارق أنوار العقول ط دار الحكمة ص13 لنور الدين السالمي.
(4) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة.
(5) جوهر النظام/ لنور الدين السالمي ط11/1410 هـ-1989م.
(6) جوهر النظام ط11/1410-1989م نور الدين السالمي..
الفصل الثالث: ((تأكيد ما سبق بيانه))
وإذا تبين ما سبق ذكره في الفصل السابق تيقّنا أن النية محلها القلب لا غير، ويستحيل أن ننوي باللسان وإنما قد نشهده عليها فإن ذلك الذي يرى أنه ينوي باللسان أو يؤكدها به لا ريب أنه يكون قد نوى ما في قرارة نفسه بذلك الذي يترجمه اللسان ألفاظا، إذن فما اللسان في هذه الحالة إلا أداة لترجمة المكنون في القلب والطوية وهنا يتبين النهار لذي عينين عند سماعه قول الإمام نور الدين السالمي:
واللفظ تأكيد لمن يشاه *** وقيل لازم ولا نراه
كيف يكون اللفظ يلزمنا *** ولم يكن في القصد يدخلنّا
والواجب النيّة دون القول *** فلا أرى صحته من قول (1)
فإنما الأعمال بالمقاصد وإنما المقاصد هي نيات القلوب وظاهر حديث (إنما الأعمال بالنّيات) يدل على هذا أي على أن النيّة شرط في الثواب وفي الصحة أي صحة الأعمال (2). (1/16)
صفحة 17
ولك أن تنظر إلى المصلي فإنه قد دخل في صلاته بنية خالصة لله تعالى المفروضة عليه ومع ذلك قد ينفلت عنه زمام تلك النية بوسوسة من الشيطان اللعين فإذا هو بعيد عن الصلاة روحيا لكنه يتمتم بالقرآن ولذلك جعل الإمام الغزالي في إحياءه حظور القلب في الصلاة أو المعاني الباطنة التي بها تتم حياة الصلاة حيث قال: ونعني به أن يفرغ القلب عن ما هو ملابس له متكلم به، فيكون العلم بالفعل والقول مقرونا بهما، ولا يكون الفكر جائلا في غيرهما، ومهما انصرف الفكر عن غير ما هو فيه وكان في قلبه ذكر لما هو فيه ولم يكن فيه غفلة عن كل شيء فقد حصل حضور القلب (3).
أقول: وهل يحصل هذا إلا بنية خالصة؟ وظاهر أن محل القصد هو القلب، فمتى قصد المرء الوضوء – مثلا – بكيفية من الكيفيات (المعروفة) فقد نوى، ولا يشترط أن يتلفظ بلسانه، كما لا يشترط استحضار النية إلى آخر الوضوء، فلو ذهل عنها في أثنائه فإنها لا تبطل، وأما زمن نية الوضوء فهو في أوله، فلو غسل بعض الأعضاء بدون نية فإن وضوءه باطل (4) ونحو هذا الكلام قال معرفا النية: هي الإرادة الجازمة بحيث يريد المصلي أن يؤدي الصلاة لله وحده، فلو نطق بلسانه بدون أن يقصد الصلاة بقلبه فإن لا يكون مصليا ... ... (5) ولو نوى بقلبه صلاة الظهر، ولكن سبق لسانه فقال: نويت أصلي العصر فإن لا يضر لأنك قد عرفت أن المعتبر في النية إنما هو القلب ، والنطق ليس بنية (6). ومن هنا يقول الشيخ سالم بن حمود السيابي:
وحيث أن الأمر بالمقاصد *** نعرفه في مذهب الأماجد
وكل شيء حسبما به قصد *** فاسمع وماله الفتى قد اعتمد
" فإنما الأعمال بالنيات " *** صحتها لا بالتلفظات
ثم لكل ما نوى من قصد *** خيرا يلقّأه بتوفيق الصمد
فالنية العزيمة القلبيه *** لا اللفظ في ملتنا المرضيه (7) (1/17)
صفحة 18
ويقول شيخنا العلامة سيعد بن حمد الحارثي: فقال الشيخ نور الدين السالمي في المعارج: النية شرك لصحة الأعمال فلا عمل لمن لا نية له. وإنما شرعت النية لتمييز العبادة عن العادة ... فالنية في العبادات باللسان مع غفلة الجنان غير معتبرة لما ورد ((إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)) (8) فالعمل بغير نية عناء والنية بغير إخلاص رياء وهو نفاق سواء، والإخلاص بغير صدق وتحقيق هباء، وليت شعري كيف تصح نية من لا يعرف حقيقة النية أو كيف يصح له عمل صحيح إذا لم يعرف حقيقة الإخلاص أو كيف يطالب المخلص نفسه بالصدق إذا لم يعرف معناه؟ فالواجب على كل عبد أراد طاعة الله أن يتعلم النية لتخلص له المعرفة وإذا لم يمكنه أداء الواجب على وجهه المطلوب شرعا ألا يتعلم كيفية النية؟ فإنه يجب عليه أن يتعلمها لتوقف الواجب على ذلك وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) (9).
---------------------------------------------------------
(1) جوهر النظام لنور الدين السالمي ج1+2 ص78 ط11 (1410هـ – 1989م).
(2) الفقه على المذاهب الأربعة ص209 ج1.
(3) إحياء علوم الدين/لأبي حامد الغزالي ص289 ج1.
(4) الفقه على المذاهب الأربعة ص57ج1.
(5) الفقه على المذاهب الأربعة ص209 ج1.
(6) الفقه على المذاهب الأربعة ص214 ج1.
(7) إرشاد الأنام في الأديان والأحكام/ للشيخ الفقيه سالم بن حمود السيابي.
(8) رواه مسلم { بنفس الألفاظ ولكن مع تقديم ((أجسامكم))}.
(9) الثبات رسالة في الأدعية والنيات للشيخ سعيد بن حمد الحارثي
(( هذه فرية بلا مرية )): (1/18)
صفحة 19
ولكن هناك في المجتمع من يقطع بالظن أن النية لا تتم أو تكتمل أو تنعقد إلا بالتلفظ وهذه فرية بلا مرية، والوضع يزداد سوءا إذا تفشى هذا الظن الخاطئ في أوساط المثقفين الذين كثيرا ما يواجهون من يخالفهم في رأيهم أو ظنهم هذا حيث يرى وللأسف أحدهم نفسه أسد هصورا أو رجلا طريرا ولا يعلم أن ليس إلا من بغاث الطير، وخشاها أولم يرى هذا أن:
بغاث الطير أطولها رقابا *** ولم تطل البزاة ولا الصقور؟
أم لم يعلم أن:
خشاش الطير أكثرها فراخا *** وأم الصقر مقلات نزور؟
بل خفي عليه أن:
ضعاف الأسد أكثرها زئيرا *** وأصرمها اللواتي لا تزير !!
فالنية مع كونها قصدا لغة، فإن القصد كامن في القلب، إذن فالنية قصد مصحوب بالصمت، وعليه فمثل الذي يزعم أن النية تتأكد باللفظ كمثل الذي يزعم أن الكلام يتأكد بالصمت، وهيهات هيهات! (1/19)
صفحة 20
ولكنك لا تزال تطلع على شراذم من الناس في جميع المجتمعات الإسلامية ومن جميع طبقاتها ومستوياتها إذا قلت لهم أن النية هي ما تعتزمه وتقصده بقلبك وحسب، قالوا: أرأيتك لو نويت الصلاة أتكون قد صليت بنيتك تلك، أو لو نويت التصدق أو الاعتمار أو الحج أتغدو بنياتك هذه متصدقا أو معتمرا أو حاجا فعلا؟ وللإجابة على أسئلة أو تساؤلات هؤلاء – الغافلين عما يقولونه ويتلفظونه من حيث لا يدرون – فإننا نمسك بإحدى كلماتهم وهي كلمة (فعلا) والتي هي مفتاح الجواب وأساس الرد عليهم فنقول لهم: كلا. لن أكون مصليا ولا متصدقا ولا معتمرا ولا حاجا بمجرد عقد نيتي لفعل ما، وإنما أوجر على صدقي وإخلاصي في نيتي لا على أنني قد فعلت العبادة أو الطاعة فعلا، فإن الله يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهو سبحانه جلا وعلا أقرب إلى العبد من حبل الوريد فهذا هو الأساس الذي عليه يكافئ الله تعالى العيد، إذ يكافئه على خلوص نيته لوجه الله، وكذلك على فعله الخالص لوجهه تعالى على أن هذا أيضا مرتبط وحائر إلى صدق ما في قلبه من عدمه فإن بقي الناوي على نيته الخالصة لأداء ما فرضه ربه عليه أو شرع له فهو في خير ونعمة وأمن عند الله تعالى بل هو على هدى ورشاد إذ ((الذين أمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون)) (1) حتى إذا ما فعل وأدى ما هو مأمور به أو مشروع له آجره الله تعالى على فعله هذا إذ هو القائل: ((إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا)) (2) وقال: ((إن الله لا يضيع أجر المحسنين)) (3). (1/20)
صفحة 21
وبعد هذا نقول: لا يستوي الفعل والنية قطعا على أن الفعل – عند العقلاء اليقظين – تلازمه النية دائما ولا ينعكس هذا القول على النية إذ أنها لا يلازمها الفعل دائما. ولكم أن تقيسوا هذا بميزان العقل هل تستوي نية الناوي للقتل ونية الناوي للتصدق؟ أم هل تستوي نية الناوي للزنا ونية الناوي للزواج؟ كلا، ولا يستويان مثلا، بل إن نية الزواج نفسها قد تداخلها أغراض شتى وكذا القول عن فعل الصلاة – وسائر العبادات – فقد يؤدي المرء الصلاة لأغراض عديدة وقد تكون دنيوية وقد خاب صاحبها والعياذ بالله.
جاء في القواعد: أما النية فهي شرط في جميع العبادات لقوله تعالى: ((وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين)) (4) ولقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) (5) فحصر الأعمال إلى النية. ومعناها القصد إلى الفعل بالاعتقاد من القلب والعزيمة عليه بالجوارح. والنية مستدامة، والعمل منقطع، فكل عمل خلا من النية فهو باطل، ولا تنازع بين أهل العلم في وقوع الحكم إذا اجتمع القول والنية (6). وهذا القول يؤكد أن النية المشروعة إنما تستحضر بالقلب أما إذا اقترن حضورها بالقول أو اللفظ فلا بأس في ذلك.
---------------------------------------------------------
(1) سورة الأنعام الآية 82.
(2) سورة الكهف الجزء الأخير من الآية 30.
(3) سورة التوبة الجزء الأخير من الآية 120.
(4) سورة البينّة الآية 5.
(5) سبق ذكره.
(6) قواعد الإسلام/ للشيخ إسماعيل الجيطالي.
خاتمة الرسالة: (1/21)
صفحة 22
من المعلوم أن السر هو ما تكتمه وتخفيه بحيث تستأثر به في علمك وتحتفظ به في قرارة قلبك وطوايا صدرك، أو تطلعه أحدا من خلق الله تعالى. وكذلك من المعلوم أن الكتم معناه الستر والإخفاء ، ويعلم أن اختفاء الشيء يعني تستره وتواريه، حتى أن الخفاء بمعنى الكساء والغطاء وكذلك بمعنى الرداء الذي تلبسه المرأة فوق ثيابها فيخفي ما تحته من الثياب، ثم إنه مما لا يخفى على من له أدنى ذوق في المعاني أن كلمة النجوى لا تعني سوى إسرار الحديث.
هذا، وإنك لا تفهم من قول عمرو إذا قال: خفت زيد يخفت بصوته خفتا وخفوتا وخفاتا إلا بمعنى خفضه وأسرّه وأخفاه (1) وكذا خافت بصوته (مخافتة) أي خفّضه (2) قال تعالى: (( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها )) (3) أي: لا تجهر يا محمد بقراءتك في الصلاة فيسمعك المشركون فيسبّوا القرآن ومن أنزله، ولا تسرّ بقراءتك بحيث لا تسمع من خلفك (4) وكذلك كلمة همس فإنك إن قلت همس زيد إلى عمرو همسا فإننا نفهم منه أنه تكلم معه كلاما خفيا لا يكاد يفهم، فهذه طائفة من كلمات متقاربة المعنى وهي أقرب إلى بعضها بعضا ترادفا، بيد أن كلها مجتمعة أو متفرقة لا تعني النية وهي تدور في دائرة السر والإخفاء.
ولئن كانت النية تعني استحضار ما تقصده في قلبك أو إلى قلبك دون إشعار اللسان بذلك فإن هذه الكلمات السالف ذكرها لا تكتمل صور معانيها إلا بإذن من اللسان. وإذا كان عماد هذه الكلمات أو عمودها الفقري هو الإغراق في سترها وإخفاءها حين التلفظ بها فإن غمد النية هو القلب ووتدها هو شحذ القلب وتشميره لما ينوي له. (1/22)
صفحة 23
هذا وإن العرب على قوة بلاغتهم وشدة فصاحتهم وعظمة شأن تعبيرهم وجزالة معاني كلماتهم وانسجام ألفاظها بعضها إلى بعض وحسن تركيبهم للجمل والكلمات لم يجرؤا أو لم يتطرق أحد منهم إلى القول بأن النية تلفظ باللسان أو حتى القول بأنها قد تلفظ به، ولو قال أحد الأعراب السابقين الذين كانوا يعبأ بكلامهم إذا نطقوا فلو قال أحدهم ذلك لكفاه هزءا به، وتوبيخا له، ولسار وسرى به الركبان والرجال نثرا وشعرا، ولغدا موضع استشهاد على ضعف لغته، ووهن ((أعرابية)) قائله.
وبالجملة فإن أشكال وصور التمثيل بالنية أكثر من أتحصى وما رغبت بهذا المثل البسيط الذي ضربته إلا إيقاظ الوسنان وتنبه الحيران وتذكير الغفلان للأخذ بالقول الثابت الأركان ، القوي البنيان ، الصحيح المعنى الذي ما له عنه مغنى، لا سيّما أن في مجتمعنا جماهير غفيرة تعتقد عكس الذي نحن بصدد تفنيده، ولذا يكثر في مجتمعاتنا التلفظ بالنية على عكس أو ضد معنى مسمّاها! ورغبتنا الخالصة أن نحظى بإنصاف ولو من فرد واحد يقتنع بهذا الحق الجليّ والقول المرضيّ كي يقوم من ثم هو بالتبليغ به قد استطاعته لكي نهدم سويا الأوكار التي أوكرها وعشّشها إبليس اللعين وجنوده في رؤوس الأميّين والجهّال بل حتى رؤوس بعض طلبة العلم وأهل العلم والنهى والبصائر الذين درس عندهم معنى النية وعفا حتى تلاشى واضمحلّ عن قلوبهم وعقولهم ثم ربا في غريب قولهم وفعلهم، فإذا هو نام في هشيم البدعة، ومعشوشب في حضيض الترعة. (1/23)
صفحة 24
وأراهم داخلين في زمرة من عناهم ابن القيّم حين قال: قلت: قال شيخنا: ومن هؤلاء من يأتي بعشر بدع لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه واحدة منها فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نويت أصلي صلاة الظهر فريضة الوقت، أداء لله تعالى، إماما أو مأموما، أربع ركعات مستقبل القبلة، ثم يزعج أعضاءه ويحني جبهته ويقيم عروق عنقيه، ويصرخ بالتكبير كأنه يكبّر على العدو. ولو مكث أحدهم عمر نوح عليه السلام يفتّش: هل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحد أصحابه شيئا من ذلك لما ظفر به إلا أن يجاهر بالكذب البحت، فلو كان في هذا خير لسبقونا إليه، ولدلّونا عليه (فلو كان في هذا هدى فقد ضلّوا عنه، وإن كان الذي كانوا عليه هو الهدى والحق فماذا بعد الحقّ إلا الضلال) (5) أهـ. بل ((وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم)) (6).
فمن يك ذا فم مرّ مريض *** يجد مرّا به الماء الزلالا (7)
فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ((سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين)) (8) وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
---------------------------------------------------------
(1) المعجم الوسيط ج1 (بتصرف).
(2) المعجم الوسيط ج1 (بتصرف).
(3) سورة الإسراء الآية110.
(4) صفوة التفاسير / للشيخ محمد علي الصابوني ج1 ص752.
(5) إغاثة اللهفان / لابن القيم الجوزية ص145.
(6) سورة الأحقاف الجزء الأخير من الآية 110.
(7) من ديوان أبي الطيب المتنبي.
(8) سورة الصافات الآيات180، 181 ،182.
فهرس المراجع*:
1- القرآن الكريم.
2- إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (للإمام تقي الدين أبن دقيق العيد المتوفى 702هـ).
3- إحياء علوم الدين (لأبي حامد الغزالي محمد بن محمد بن محمد الطوسي المتوفى سنة 505 هـ).
4- إرشاد الأنام في الأديان والأحكام (للشيخ الفقيه سالم بن حمود السيابي رحمه الله). (1/24)
صفحة 25
5- إغاثة اللهفان (للإمام ابن القيم الجوزية أبي عبدالله محمد بن أبي بكر الدمشقي المتوفى سنة 751 هـ).
6- الأحاديث القدسية (دار الفرقان للنشر والتوزيع. عمّان، الأردن).
7- الأمالي(لأبي علي القالي المتوفى سنة 356هـ).
8- الإمام الربيع بن حبيب مكانته ومسنده (للشيخ العلامة سعيد بن مبروك القنوبي حفظه الله).
9- الثبات رسالة في الأدعية والنيات (للشيخ سعيد بن حمد الحارثي حفظه الله).
10- الجامع الصحيح (مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي المتوفى سنة 175-180 هـ).
11- الفقه على المذاهب الأربعة (عبدالرحمن الجزيري).
12- القطر المحيط (للمعلم بطرس البستاني).
13- المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي (تأليف العلامة أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي المتوفى سنة 770هـ).
14- المعجم الكبير (للحافظ أبي قاسم سليمان بن أحمد الطبراني المتوفى 360 هـ).
15- المعجم الوسيط (طبعة الكتبة الإسلامية).
16- بعض فتاوى ومحاضرات الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة حفظه الله.
17- جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام (للإمام نور الدين السالمي المتوفى سنة 1332هـ).
18- ديوان أبي الطيب المتنبي (شرح أبي البقاء العكبري. طبعة دار المعرفة. بيروت ، لبنان).
19- رياض الصالحين (للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي الدمشقي المتوفى سنة 676هـ).
20- سنن ابن ماجة (للحافظ أبي عبدالله محمد بن زيد القزويني المتوفى سنة 275هـ).
21- سنن أبي داود (للإمام أبي داود سلميان بن الأشعث السجستاني المتوفى سنة 275 هـ).
22- سنن الترمذي (للإمام أي عيسى محمد بن عيسى الترمذي المتوفى سنة 279هـ).
23- سنن النسائي (للإمام أبي عبدالرحمن أحمد بن شعيب الخرساني المتوفى سنة 303 هـ).
24- صحيح البخاري (للإمام أبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي المتوفى سنة 256 هـ). (1/25)
صفحة 26
25- صحيح مسلم (للإمام أبي الحسن مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري المتوفى سنة 261هـ).
26- صفوة التفاسير (للشيخ محمد علي الصابوني حفظه الله).
27- فقه السنة (للشيخ سيد سابق رحمه الله المتوفى سنة 1421 هـ).
28- قواعد الإسلام (للشيخ أبي طاهر إسماعيل الجيطالي المتوفى سنة 750هـ).
29- لسان العرب (لابن منظور أبي الفضل محمد بن مكرم الأنصاري الأفريقي المصري المتوفى سنة 711 هـ).
30- مسند الإمام أحمد بن حنبل (للإمام أبي عبدالله أحمد بن حنبل الشيباني المتوفى سنة 241 هـ).
31- مشارق أنوار العقول (للإمام نور الدين السالمي المتوفى سنة 1322 هـ).
---------------------------------------------------------
* ترتيب المراجع أبجديا عدا المرجع الأعظم القرآن الكريم ، فقد تصدر.
فهرس الموضوعات:
تسلسل ... الموضوع ... ... ... ... ... ... ... ... الصفحة
1- ... ... تقديم الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي-المفتي العام للسلطنة-: ... 3
2- ... ... مقدمة: ... ... ... ... ... ... ... ... ... 3
3- ... ... الفصل الأول / النية لغة وشرعا: ... ... ... ... ... ... 5
4- ... ... الفصل الثاني / رد قول من يقول بتأكيد النية بالتلفظ: ... ... 7
5- ... ... التلفظ بالنية ولو مائة مرة لا يجدي إذا لم يكن من القلب: ... ... 8
6- ... ... قد لا يدرك كنه المسمى بالقول: ... ... ... ... ... ... 9
7- ... ... إحضار النية لا المخافتة بها: ... ... ... ... ... ... 11
8- ... ... الفصل الثالث / تأكيد ما سبق بيانه: ... ... ... ... ... 15
9- ... ... هذه فرية بلا مرية: ... ... ... ... ... ... ... ... 18
10- ... ... خاتمة الرسالة/البحث: ... ... ... ... ... ... 20
11- ... ... فهرس المراجع: ... ... ... ... ... ... ... 23 (1/26)