صفحة 1
بحث تخرج: الهدايا الترغيبية في البيع وحكمها في الفقه الإسلامي لياسين تمزغين
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
سلطنة عمان.
وزارة الأوقاف والشّؤون الدّينيّة.
معهد العلوم الشّرعيّة.
بحث فصلي بعنوان:
الهدايا الترغيبية في البيع وحكمها في الفقه الإسلامي
بحث في المعاملات المالية
إعداد الطالب : ياسين بن عبد الله بن حمو تمزغين
تحت إشراف: د. سليمان
الموسم الدراسي: 1426هـ / 2005م.
مقدمة:
... الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة وجعلنا خير أمة وبعث فينا رسولا منا يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة.
وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
... أما بعد فقد استحدثت في الواقع المعاصر معاملات، كما ظهرت في الجاهلية معاملات، وكان من واجب العالم أن يوجد إجابة وحلولا للإشكالات المطروحة والمستجدة بين الفينة والأخرى، ومنها موضوع الهدايا المقدمة من التسويقيين، ما حكمها؟ ما مجال استعمالها؟ ما الضابط الشرعي في التعامل بها؟...
وترجع أهمية الكتابة فيه إلى انتشار هذه المعاملة في الأسواق، وإلى احتياج هذه المسألة وأمثالها إلى الضابط الشرعي، وإلى دراسة عصرية شرعية، تجلي غبار ما خفي من هذه المعاملة.
وكانت إشكالات البحث كالآتي:
- ما الهدية؟ وما أنواعها؟
- وهل الهدية عند الفقهاء نفسها عند التسويقيين؟
- وما الأصل في الهدية؟ وما حكم قبولها؟
... أما عن خطتي في هذا البحث فلقد قسمته إلى مقدمة ومبحثين وخاتمة. أما المقدمة: ففيها تحدثت عن أهمية الموضوع وأسباب اختياره وخطة البحث ومنهجه، وأما المبحث الأول: فتعرضت فيه إلى تعريف الهدية وبيان أنواع الهدايا الترغيبية، وبيّنت في المبحث الثاني: الأصل في الهدية، وفى الخاتمة: تحدثت عن أهم نتائج هذا البحث، ومراجع البحث، وفهرس الموضوعات. (1/1)
صفحة 2
... ولقد استعنت بكثير من كتب الفقهاء، وحاولت أن أبرز أقوال الفقهاء، وأعرض آراءهم ووجهات نظرهم، والأدلة التي استندوا عليها، والردود التي ارتأوها، وعرضت وجهة نظر المتخصّصين في ذلك.
وأوردت في خاتمة البحث خلاصته ونتائجه وتوصياته، وفهرساً للموضوعات. والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم وأن يجعله في ميزان حسناتنا يوم القيامة.
المبحث الأول: تعريف الهدية وبيان أنواع الهدايا الترغيبية
المطلب الأول: تعريفها
أولاً: تعريفها لغة
الهدية في اللغة: ((بعثةُ لطفٍ)) (1) ، وما أَتْحَفتَ به غيرك (2) .
وقيل: هي ما بَعَثْتَه لغيرك إكراماً أو تودداً (3) .
ثانياً: تعريفها اصطلاحاً
الهدية في اصطلاح الفقهاء: جرى الفقهاء على ذكر الهدية في باب الهبة (4) ؛ لأن الهدية نوع من الهبة، وقد عرّف الفقهاء الهبة بأنها: تمليك من غير عوض (5) . ثم إنهم قالوا: إن كان هذا التمليك يقصد به وجه الله - تعالى - عبادةً محضةً من غير قصد في شخص معين، ولا طلب غرض من جهته فهذا صدقة (6) .
وإن كان المقصود منه الإكرام، أو التودد أو الصلة، أو التأليف، أو المكافأة، أو طلب حاجة، أو نحو ذلك، فهو هدية (7) ،
__________
(1) معجم المقاييس في اللغة، مادة (هدي)، ص (1067).
(2) ينظر: لسان العرب، مادة (هدي)، (15/357).
(3) ينظر: التوقيف على مهمات التعاريف ص (74).
(4) ينظر: مواهب الجليل (6/49)، الروض المربع ص (328).
(5) ينظر: حاشية ابن عابدين (5/687)، شرح المحلي على منهاج الطالبين (13/110)، المقنع ص (164)، المحلى (9/123).
(6) ينظر: تبيين الحقائق (5/104)، الذخيرة للقرافي (6/223)، مغني المحتاج (2/397)، منتهى الإرادات (2/22)، مجموع الفتاوى (31/269).
(7) ينظر: مغني المحتاج (2/404)، الشرح الكبير لابن قدامة (17/6)، مجموع الفتاوى (31/269)، الإنصاف (7/164).
تنبيه: ذهب الحنفية، والمالكية إلى أن الهبة هي الهدية، فكل مالا يقصد به وجه الله من التمليكات بلا عوض، فإنها هبات.
[ينظر: بدائع الصنائع (6/115)، تكملة شرح فتح القدير (9/56)، مواهب الجليل (6/49)]. (1/2)
صفحة 3
فبناءً على هذا يمكن القول بأن الهدية: تمليك من غير عوض، لغير حاجة المُعْطَى.
الهدية في اصطلاح التسويقيين: هي ما يمنحه التجار والباعة للمستهلكين من سلع أو خدمات دون عوض؛ مكافأة، أو تشجيعاً، أو تذكيراً.
ثالثاً: الفرق بين تعريفي الفقهاء والتسويقيين للهدية
مما سبق يتبين أن الهدية عند أهل التسويق أوسع مدلولاً منها عند الفقهاء؛ فالتسويقيون أدخلوا في الهدية الخدمات، بخلاف الفقهاء؛ فعلى سبيل المثال ما تقدمه بعض محلات تغيير زيوت السيارات، أو غسيلها من بطاقات عند كل غسلة أو تغيير، على أنه إذا اجتمع عدد معين من هذه البطاقات، حَصَلَ الجامع على غسلة مجانيّة أو فحص مجاني أو غير ذلك من الخدمات؛ فهذا الحافز الترغيبي هدية عند التسويقيين.
أما الفقهاء: فلا يدخل ذلك في مسمى الهدية عندهم؛ لأنّ الهدية في اصطلاحهم تمليك عين من غير عوض لغير حاجة المُعْطَى (1) ، والخدمة ليست عيناً، بل هي منفعة. فهدية الخدمة حقيقتها عند المالكية (2) ، والشافعية (3) ، والحنابلة (4) هبة منفعة. وأما عند الحنفية (5) فهي عارية أو إباحة نفع؛ لأن هبة المنافع عندهم، لا تكون إلا عارية.
المطلب الثاني: أنواع الهدايا الترغيبية
الهدايا الترغيبية ثلاثة أنواع في الجملة:
النوع الأول: الهدايا التَذْكَارية:
__________
(1) ينظر: بدائع الصنائع (6/116)، الشرح الصغير للدردير (3/223)، فتح الجواد (1/625)، الإنصاف (7/134)، المحلى (9/124).
(2) ينظر: مواهب الجليل (6/61)، منح الجليل (8/201-202).
(3) ينظر: حاشية قليوبي وعميرة (3/112)، قلائد الخرائد (1/653).
(4) ينظر: الإنصاف (7/164)، الشرح الكبير لابن قدامة (17/344).
(5) ينظر: بدائع الصنائع (6/116-118)، البحر الرائق (7/285)، ملتقى الأبحر (5/150)، تكملة شرح فتح القدير (9/3-4). (1/3)
صفحة 4
وهي ما تمنحه المؤسسات، والشركات، والمحلات التجارية للعملاء المرتقبين ذوي العلاقة بأنشطتهم التجارية من أجل تكوين علاقة طيبة، والتذكير بأنشطتهم وسلعهم وخدماتهم.
وهذه الهدايا التذكارية تكون غالباً بصورة تقاويم سنوية أو فصلية، أو سلسلة مفاتيح، أو مفكرات، أو غير ذلك من الأدوات المكتبية والشخصية (1) .
النوع الثاني: الهدايا الترويجية:
وهي ما يقدمه التجار من مكافآت تشجيعية للمشترين مقابل شرائهم سلعاً أو خدمات معينة، أو اختيارهم تاجراً معيناً (2) .
وهذا النوع من الهدايا الترغيبية قسمان:
القسم الأول: هدية لكل مشترٍ
وهي أن يمنح أصحاب السلع والخدمات، الهدية الترويجية لكل من يشتري منهم شيئاً وهذه الهدية لها صور متعددة؛ فمنها ما تكون فيه الهدية الترويجية ذات صلة بالسلعة بحيث لا تستعمل إلا معها، فتكون الهدية مكمّلة لعمل السلعة المشتراة، ومثال ذلك أن تكون السلعة معجوناً لتنظيف الأسنان، والهدية فرشاة ونحو ذلك. ومنها ما تكون فيه الهدية الترويجية كمية إضافية من السلعة المشتراة، أو تكون سلعة أخرى يراد تصريفها، أو الترويج لها، أو مجرد المكافأة بها (3) .
القسم الثاني: هدية معلّقة بشرط
وهي أن يعلّق أصحاب السلع والخدمات الحصول على الهدية الترويجية بشرط. ولذلك صور عديدة؛ منها أن يكون حصول الهدية الترويجية مشروطاً إما بشراء عدد معين، أو بلوغ ثمن محدد، أو جمع أجزاء مفرّقة في أفراد سلعة معينة، أو غير ذلك من الشروط التي يشترطها التجار؛ للترغيب في سلعهم أو خدماتهم، وجذب المستهلكين إليها.
النوع الثالث: الهدايا الإعلانية (العيّنات)
__________
(1) ينظر: فن البيع ص (117)، الإعلان للدكتور أحمد المصري ص (95).
(2) ينظر: فن البيع ص (116).
(3) ينظر: إدارة التسويق للدكتور الصحن ص (233). (1/4)
صفحة 5
وهي ما تقدمه المؤسسات، والشركات، والمحلات التجارية للعملاء من نماذج تُعَدُّ إعداداً خاصاً؛ للتعريف بسلعة جديدة، أو إعطاء العملاء فرصة تجربة السلعة؛ لمعرفة مدى تلبيتها لحاجاتهم، وإشباعها لرغباتهم، كما أنها قد تستعمل في بعض الأحيان نموذجاً للمواصفات المطلوب وجودها في السلع المعقود عليها (1) .
المبحث الثاني: الأصل في الهدية
المطلب الأول: حكمها
الهدية من حيث الأصل مشروعة مندوب إليها، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب، والسنة، وقد نقل غير واحد من أهل العلم (2) الإجماع على ذلك.
أولاً: من الكتاب
الأول: قول الله - تعالى - : {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَان...} (3) .
وجه الدلالة:
أن في الآية الأمر بالإحسان وهو الإنعام على الغير (4) ، فدلت الآية على أن أصل كل إحسان الندب (5) ، وبذل الهدية نوع من الإحسان داخل في عموم الآية.
الثاني: قول الله - تعالى - : {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ....} (6) .
وجه الدلالة:
__________
(1) ينظر: معجم مصطلحات الاقتصاد والمال وإدارة الأعمال ص (486)، الأنشطة الترويجية للشركات السعودية للدكتور المتولي ص (45، 48)، الإعلان للدكتور أحمد المصري ص (97، 56).
(2) حكاه: الماوردي في الحاوي الكبير (7/534)، وابن قدامة في المغني (8/240)، ونقله غيرهما.
[ينظر: تبيين الحقائق (5/91)، الهداية للمرغيناني (2/247)، بلغة السالك (3/223)].
(3) سورة النحل، جزء آية: (90).
(4) ينظر: مفردات ألفاظ القرآن، مادة (حسن)، ص (236).
(5) ينظر: الذخيرة للقرافي (6/258).
(6) سورة البقرة، جزء آية: (177). (1/5)
صفحة 6
أن الله - جلَّ وعلا - جعل إيتاء المال من خصال البر، وهذا الإيتاء الذي ذكره الله في هذه الآية شيء سوى الزكاة (1) ، فيشمل الصدقة، والهدية (2) .
الثالث: قول الله - تعالى-: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} (3) .
وجه الدلالة:
أن بعض أهل العلم فسّر التحية في الآية بالهدية، وأنه إذا أهدي إلى المرء هدية، فإن المشروع في حقه أن يرد نظيرها أو أحسن منها، فدل ذلك على مشروعية الهدية والثواب عليها (4) .
المناقشة:
نوقش هذا الاستدلال: بأن المفسرين متفقون على أن المراد بالتحية في هذه الآية السلام، فتأويلها بالهدية نزع بما لا دليل عليه. فوجب حمل الآية على ظاهرها (5) .
الإجابة:
أجيب عن ذلك: بأن الآية تشمل الهبة والهدية؛ ((لأنها يتحيا بها، وورودها في السلام لا يمنع دلالتها)) (6) على مشروعية الهدية؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (7) .
الرابع: قول الله - تعالى - : {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى....} (8) .
وجه الدلالة:
أن الله - تعالى - أمر بالتعاون على البر والإحسان إلى الغير، والهدية من البر، فدلت الآية بعمومها على مشروعية الهدية (9) .
__________
(1) ينظر: المحرر الوجيز لابن عطية (2/56).
(2) ينظر: الحاوي الكبير (7/534)، مغني المحتاج (2/396).
(3) سورة النساء، جزء آية: (86).
(4) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (1/465)، بدائع الصنائع (6/128)، مغني المحتاج (3/396).
(5) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (1/466-467).
(6) ينظر: الذخيرة للقرافي (6/272).
(7) تنظر هذه القاعدة: في فواتح الرحموت (1/291)، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (2/275)، شرح الكوكب المنير (3/177)، القواعد والفوائد الأصولية ص (240)، فتح الغفار لابن نجيم (2/59).
(8) سورة المائدة، جزء آية: (2).
(9) ينظر: الحاوي الكبير (7/534). (1/6)
صفحة 7
الخامس: قول الله تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (1) .
وجه الدلالة:
أن الآية فيها الحث على ترك الشح، وأن تركه سبب للفلاح الذي هو حصول المطلوب والأمن من المرهوب، وبذل الهدية للغير لا يكون، إلا بترك شح النفس، فدلت الآية بعمومها على مشروعية الهدية.
ثانياً: من السنة:
الأول: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((تهادوا تحابوا)) (2) .
وجه الدلالة:
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالهدية، وحثّ عليها، وبين الغاية منها، وهي حصول المحبة بين المتهادين.
الثاني: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها، ولو فِرْسِن شاةٍ (3) )) (4) .
وجه الدلالة:
__________
(1) سورة الحشر، جزء آية: (9).
تنبيه: ذكر هذه الآية في أدلة مشروعية الهدية الزيلعي من الحنفية في تبيين الحقائق (5/91).
(2) رواه البخاري في الأدب المفرد - باب قبول الهدية -، رقم (594)، ص (208)، والدولابي في كتاب الكنى والأسماء (1/150)، وتمام في كتاب الفوائد، رقم (1577)، (2/220) ؛ كلهم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - .
وقد حسّنه الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (3/69-70).
وقد رواه مالك في الموطأ مرسلاً، في كتاب حسن الخلق - باب ما جاء في المهاجرة -، رقم (16)، (2/908)، وقال عنه ابنعبد البر في التمهيد (21/12): ((هذا يتصل من وجوه شتى، حسان كلها)).
(3) قوله: فِرْسِنَ شاةٍ: عظم قليل اللحم، وهو ظلف الشاة.
[النهاية في غريب الحديث والأثر، مادة (فرسن)، (3/429)].
(4) رواه البخاري في كتاب الهبة - باب الهبة وفضلها والتحريض عليها -، رقم (2566)، (2/227)، ومسلم في كتاب الزكاة - باب الحث على الصدقة ولو بالقليل -، رقم (130)، (2/714) ؛ من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - . (1/7)
صفحة 8
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ندب المسلمات إلى أن تهدي المسلمة إلى جارتها، ولو أن تهدي لها الشيء اليسير، أو ما لا ينتفع به في الغالب (1) ، كظلف الشاة القليل اللحم.
الثالث: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((تهادوا، فإن الهدية تُذْهِب وَحَرَ الصدر)) (2) .
وجه الدلالة:
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالهدية؛ لما فيها من إذهاب وَحَرَ الصدر - وهو الحقد والغيظ (3) - فدلّ ذلك على مشروعية الهدية.
فهذه الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع تدل على مشروعية الهدية واستحبابها، إلا أنه قد يعرض للهدية أسباب تخرجها عن ذلك إلى الكراهة أو التحريم، كالهدية لأرباب الولايات، والعمال ممن لم تجر له عادة بمهاداتهم قبل ولايتهم وعملهم. وكالهدية لمن يستعين بها على معصية، ونحو ذلك من الأسباب.
المطلب الثاني: حكم قبولها
اتفق أهل العلم على مشروعية قبول الهدايا، إذا لم يقم مانع شرعي، إلا أنهم انقسموا في وجوب قبول الهدية إلى قولين:
__________
(1) ينظر: فتح الباري (5/198)، (10/445).
(2) رواه أحمد (2/405)، والترمذي في كتاب الولاء والهبة - باب في حث النبي - صلى الله عليه وسلم - على التهادي -، رقم (2130)، (4/441)، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - . وفي سنديهما أبو معشر نجيح مولى بني هاشم، قال الترمذي (4/441): "هذا حديث غريب من هذا الوجه جداً، وأبو معشر اسمه نجيح مولى بني هاشم، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قِبل حفظه".
ورواه القضاعي في مسند الشهاب، رقم (660) بلفظ: "تهادوا فإن الهدية تذهب بالضغائن".
من حديث عائشة - رضي الله عنها -. وقال عنه - أي عن رواية عائشة - ابن الملقن في خلاصة البدر المنير (2/118): "قال ابن طاهر: لا أصل له، وقال ابن الجوزي: لا يصح، وروي من طرق أخرى كلها ضعيفة".
(3) وقيل: العداوة، وقيل: أشد الغضب.
[ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، مادة (وحر)، (5/160)]. (1/8)
صفحة 9
القول الأول: أن قبول الهدية غير واجب، بل قبولها مستحب مندوب إليه.
وهذا مذهب الحنفية (1) ، والمالكية (2) ، والشافعية (3) ، ورواية في مذهب أحمد هي مقتضى قول أصحابه (4) .
القول الثاني: أن قبول الهدية واجب إذا كانت من غير مسألة، ولا إشراف نفس.
وهذا القول رواية عن أحمد (5) ، وهو قول ابن حزم من الظاهرية (6) .
أدلة القول الأول:
استدل أصحاب هذا القول بأدلة من الكتاب والسنة.
أولاً: من الكتاب
قول الله - تعالى - : {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً} (7) .
وجه الدلالة:
أن الله - تبارك وتعالى - أباح أكل ما تهبه المرأة زوجها من صداقها، فأمره بالأكل الذي هو غالب ما يقصد من المال، فدل على مشروعية قبول الهدية والهبة، وأن الشارع قد رغب في ذلك (8) .
ثانياً: من السنة
الأول: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((لو دُعيت إلى ذراعٍ أو كراعٍ لأجبت، ولو أهدي إليَّ ذراع أو كراع، لقبلت)) (9) .
وجه الدلالة:
إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه يقبل الهدية، سواء عظمت أو حقرت، وفي ذلك حض على قبول الهدايا، فدلّ ذلك على مشروعيته واستحبابه (10) .
__________
(1) ينظر: بدائع الصنائع (6/117)، الدر المختار (8/422).
(2) ينظر: التمهيد لابن عبد البر (21/18).
(3) ينظر: روضة الطالبين (5/365).
(4) ينظر: الفروع (4/638)، الإنصاف (7/165)، مطالب أولي النهى (4/397).
(5) ينظر: الإنصاف (7/165).
(6) ينظر: المحلى (9/152).
(7) سورة النساء، آية: (4).
(8) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (1/318)، فتح القدير للشوكاني (1/506)، بدائع الصنائع (6/117).
(9) رواه البخاري في كتاب الهبة - باب القليل من الهبة -، رقم (2568)، (2/227-228) ؛ من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - .
(10) ينظر: فتح الباري (4/199-200). (1/9)
صفحة 10
الثاني: الأحاديث التي فيها قبول النبي - صلى الله عليه وسلم - للهدية.
ومنها ما روى أنس - رضي الله عنه - أنه صاد أرنباً، فأتى أبا طلحة فذبحها، وبعث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوركها فقبله (1) .
ومنها ما روى ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: أهدت أم حفيد - خالة ابن عباس - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أقطاً، وسمناً، وأضبّاً (2) ، فأكل النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأقط والسمن، وترك الأضب تقذراً (3) .
ومنها ما روى أنس - رضي الله عنه - قال: أُتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بلحم، فقيل : تُصُدِّقَ به على بريرة، قال : ((هو لها صدقة، ولنا هدية)) (4) .
وجه الدلالة:
في هذه الأحاديث قبول النبي - صلى الله عليه وسلم - للهدية، فدلّ ذلك على أن قبولها سنة نبوية.
__________
(1) رواه البخاري في كتاب الهبة - باب قبول الهدية الصيد -، رقم (2572)، (2/229)، ومسلم في كتاب الصيد والذبائح - باب إباحة الأرنب - رقم (1953)، (3/1547).
(2) أضباً: جمع ضب، وهو دابة معروفة.
[الفائق مادة (ضبب)، (2/329)، النهاية في غريب الحديث، والأثر، مادة (ضبب)، (3/70) ].
(3) رواه البخاري في كتاب الهبة - باب قبول الهدية -، رقم (2575)، (2/230)، ومسلم في كتاب الصيد والذبائح - باب إباحة الضب - رقم (1946-1947)، (3/1543-1545).
(4) رواه البخاري في كتاب الهبة - باب قبول الهدية -، رقم (2577)، (2/230)، ومسلم في كتاب الزكاة - باب إباحة الهدية للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولبني هاشم... -، رقم (1074)، (2/755). (1/10)
صفحة 11
الثالث: ما روى الصعب بن جثامة - رضي الله عنه - ، ((أنه أهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حماراً وحشياً، فردّ عليه، فلما رأى ما في وجهه، قال : ((أمَا إنّا لم نرده عليك، إلا أنّا حُرُم)) (1) .
وجه الدلالة:
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتذر عن رده للهدية التي صيدت له، وهو محرم، بمانع شرعي، وهو الإحرام، فدلّ ذلك على أن هَدْيه - صلى الله عليه وسلم - قبول الهدية مالم يقم مانع شرعي (2) .
الرابع: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((تهادوا تحابوا)) (3) .
وجه الدلالة:
أن أمره - صلى الله عليه وسلم - بالهدية ندب إلى قبولها؛ لأن المقصود الذي من أجله شرعت الهدية لا يتحقق إلا بقبولها، فدل ذلك على مشروعيته.
الخامس: ما روت عائشة - رضي الله عنها - قالت: ((كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبل الهدية، ويُثِيبُ عليها)) (4) .
وجه الدلالة:
إخبار عائشة - رضي الله عنها - بهديه - صلى الله عليه وسلم - وأنه كان يقبل الهدية، فدلّ ذلك على مشروعية قبولها.
أدلة القول الثاني:
__________
(1) رواه البخاري في كتاب الهبة - باب قبول الهدية -، رقم (2577)، (2/229)، ومسلم في كتاب الحج - باب تحريم الصيد للمحرم -، رقم (1193)، (2/850).
(2) ينظر: فتح الباري (5/203).
(3) تقدم تخريجه، ص (65).
(4) رواه البخاري في كتاب الهبة - باب المكافأة على الهبة -، رقم (2585)، (2/232). (1/11)
صفحة 12
الأول: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((لا تردوا الهدية)) (1) .
وجه الدلالة:
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن رد الهدية، فدلّ ذلك على وجوب قبولها (2) .
المناقشة:
نوقش هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه:
1. أن النهي في هذا الحديث ليس للتحريم، بل هو للكراهة؛ لأن مقصوده حصول الألفة والمحبة، والهدية لا تتعين لذلك، بل يحصل ذلك بغيرها، فدل ذلك على أن النهي ليس للتحريم، كما هو قول جمهور أهل العلم (3) .
__________
(1) رواه أحمد (1/404)، والبخاري في الأدب المفرد - باب حسن الملكة -، رقم (157)، ص (67)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار - باب بيان مشكل ماروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الطعام الذي يجب على من دعي إليه إتيانه -، رقم (3031)، (8/29)، والبزار (كشف أستار) في أبواب الصيد - باب إجابة الدعوة -، رقم (1243)، (2/76)، وابن حبان (الإحسان) في كتاب الحظر والإباحة - باب ذكر الزجر عن ضرب المسلمين كافة إلا ما يبيحه الكتاب والسنة -، رقم (5603)، (12/418)، والطبراني في الكبير، رقم (10444)، (10/242).
كلهم من حديث عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - .
وقال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد (4/146): "رجال أحمد رجال الصحيح"، وقال عنه أحمد شاكر في تحقيق المسند (5/322)، رقم (3838): "إسناده صحيح"، وصححه الألباني في إرواء الغليل (6/59)، رقم (1616)، وشعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند (6/389)، رقم (3838).
(2) ينظر: شرح مشكل الآثار (8/29)، روضة العقلاء لابن حبان ص (242).
(3) ينظر: التمهيد لابن عبد البر (1/273). (1/12)
صفحة 13
2. أن قبول الهدية يترتب عليه استحباب أو وجوب المكافأة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقبل الهدية، ويثيب عليها وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه)) (1) . ففي إيجاب القبول مع هذا نظر.
3. أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرّ حكيم بن حزام على أن لا يقبل من أحد شيئاً، فعن حكيم - رضي الله عنه - قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال : ((يا حكيم، إن هذا المال خَضِرةٌ حلوة، من أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى))، قال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أَرْزأُ (2)
__________
(1) رواه أحمد (2/68)، وأبو داود بهذا اللفظ في كتاب الزكاة - باب عطية من سأل الله -، رقم (1672)، (2/310)، والنسائي في كتاب الزكاة - باب من سأل الله -، رقم (2567)، (5/82)، ولفظ أحمد والنسائي: "من أتى إليكم..."؛ كلهم من حديث عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما -.وقال عنه الحاكم في مستدركه (1/412-413: ("حديث صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في التلخيص، وقال عنه النووي في رياض الصالحين ص (548): "حديث صحيح رواه أبو داود، والنسائي بأسانيد الصحيحين".
(2) أَرْزَأ: أصله النقص، فقوله: (لا أرزأ أحداً) أي: لا أنقص أحداً بالأخذ منه.
[
ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، مادة (رزأ)، (2/82) ]. (1/13)
صفحة 14
أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر - رضي الله عنه - يدعو حكيماً إلى العطاء فيأْبى أن يقبله منه، ثم إن عمر - رضي الله عنه - دعاه ليعطيه، فأبى أن يقبل منه شيئاً (1) .
ففي هذا الحديث ((حجة في جواز الرد، وإن كان من غير مسألة، ولا إشراف)) (2) .
الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن رد بعض أنواع الهدايا، من ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : ((ثلاث لا ترد: الوسائد، والدُهن، واللبن)) (3) ، وما روى أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يرد الطيب (4) .
وجه الدلالة:
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن رد هذه الهدايا، فدل ذلك على جواز رد ما سواها، وإلا لم يكن لتخصيصها بالذكر وجه (5) .
المناقشة:
__________
(1) رواه البخاري في كتاب الزكاة - باب الاستعفاف عن المسألة -، رقم (1472)، (1/456)، ومسلم في كتاب الزكاة - باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى -، رقم (1035)، (2/717).
(2) مجموع الفتاوى (31/97).
(3) رواه الترمذي في كتاب الأدب - باب ما جاء في كراهية رد الطيب -، رقم (2790)، (5/108). من حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -. وقال عنه الترمذي: "هذا حديث غريب"، وقال عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (5/209)، (إسناده حسن).
(4) رواه البخاري في كتاب الهبة - باب ما لا يرد من الهدية -، رقم (2582)، (2/232).
(5) ينظر: عارضة الأحوذي (10/236)، فتح الباري (5/209). (1/14)
صفحة 15
يناقش هذا: بأن نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن رد الوسائد، والطيب، واللبن، لا يفيد في تخصيص النهي العام في قوله - صلى الله عليه وسلم - : ((لا تردوا الهدية)) (1) ؛ لأن ذكر بعض أفراد العام بحكم لا يخالف العام لا يُعَد تخصيصاً على الصحيح (2) .
الثالث: ما روى عمر - رضي الله عنه - قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطيني العطاء، فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني، فقال: ((خذه، إذا جاءك من هذا المال شيء، وأنت غير مُشْرِف (3) ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك)) (4) .
وجه الدلالة:
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر عمر - رضي الله عنه - أن يأخذ ما أتاه من غير إشراف نفس،ولا مسألة، وهذا يفيد وجوب القبول (5) .
المناقشة:
نوقش هذا الاستدلال من أوجه:
1. أن هذا الأمر أمر ندب لا أمر إيجاب، فقد نقل الحافظ ابن حجر عن الطبري أن أهل العلم أجمعوا على أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر: ((خذه)) أمر ندب (6) ، فلا يكون فيه دليل على الوجوب.
2. أن هذا الحكم إنما هو في العطايا التي من بيت المال، والتي يقسمها الإمام (7) .
__________
(1) تقدم تخريجه ص (69).
(2) ينظر بحث هذه القاعدة: في المحصول في علم الأصول (3/129-131)، شرح الكوكب المنير (3/386-387).
(3) مُشْرِف: أي متطلع بتحقيق النظر والتعرض له.
[ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، مادة (شرف)، (2/462) ].
(4) رواه البخاري في كتاب الزكاة - باب من أعطاه الله شيئاً من غير مسألة ولا إشراف نفس -، رقم (1473)، (1/56)، ومسلم في كتاب الزكاة - باب إباحة الأخذ لمن أعطي من غير مسألة ولا إشراف -، رقم (1045)، (2/173).
(5) ينظر: التمهيد لابن عبد البر (5/84)، المحلى (9/152-153).
(6) ينظر: فتح الباري (3/338).
(7) ينظر: مجموع الفتاوى (31/95)، فتح الباري (3/338). (1/15)
صفحة 16
3. أن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عمر - رضي الله عنه - بأخذ المال في هذا الحديث؛ لكونه عمل له عملاً فأعطاه عَمَالته، فيكون قد أعطاه بذلك حقه (1) .
ونوقش - أيضاً - بالوجهين الثاني والثالث اللذين نوقش بهما الدليل الأول من أدلتهم.
الرابع: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((من بلغه معروف عن أخيه من غير مسألة، ولا إشراف نفس فليقبله، ولا يرده، فإنما هو رزق ساقه الله -عز وجل-)) (2) .
وجه الدلالة:
أفاد الحديث أن الواجب قبول كل معروف يبلغ المؤمن من أخيه إذا كان من غير إشراف ولا مسألة، سواء كان هدية، أو صدقة، أو غير ذلك، ما لم يمنع من ذلك مانع.
المناقشة:
نوقش هذا الاستدلال بما نوقشت به الأدلة السابقة.
الترجيح:
الراجح أن قبول الهدية مستحب استحباباً مؤكداً جمعاً بين الأدلة، ولما في الرد غير المسوَّغ من الإساءة للمهدي، وقد قال الله - تعالى -: {هَلْ جَزَاءُ الإحسان إِلاّ الإحسان} (3) .
ولولا ما ورد على أدلة الوجوب من مناقشات؛ لكان القول به وجيهاً جداً.
الخاتمة:
__________
(1) ينظر: مجموع الفتاوى (31/95).
(2) رواه أحمد (4/220-221)، وابن حبان في كتاب الزكاة - ذكر البيان بأن لا حرج على المرء في أخذ ما أعطي من غير مسألة ولا إشراف نفس -، رقم (3404)، (8/195)، والطبراني في المعجم الكبير، رقم (4124)، (4/196)، والحاكم في كتاب البيوع - حكم قبول الهدايا-، (2/62)، كلهم من حديث خالد بن عدي الجهني - رضي الله عنه - . وقال عنه الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في التلخيص، وقال عنه الحافظ ابن حجر في الإصابة (2/244): "إسناده صحيح".
(3) سورة الرحمن، آية: (60). (1/16)
صفحة 17
... الحمد لله الذي وفّقني لإنهاء هذا البحث، والذي لا أدّعي أنّي أوفيته حقّه، فهو يحتاج إلى جهود مضاعفة، لاستخراج ما ينبغي الاستفادة منه، فقد تناولت الهدايا الترغيبية في البيع وحكمها في الفقه الإسلامي، فتوصلت إلى نتائج عدة، منها:
1 - أن الأصل في هذه الحوافز وغيرها من المعاملات الحل والإباحة، ما لم يقم دليل التحريم والمنع.
2 - أن أسباب التحريم في المعاملات أن يكون فيها ظلم، أو غرر، أو ربا، أو ميسر، أو كذب وخيانة، أو كانت المعاملة تفضي إلى محرم.
3 - جواز الهدايا التذكارية، واستحباب قبولها ما لم يمنع من ذلك مانع، وعدم جواز الرجوع فيها بعد قبض المهدي إليه.
4 - أن الهدية الترويجية إذا كانت سلعة فلها ثلاثة أحوال:
الحال الأولى: أن تكون الهدية موعوداً بها المشتري فأقرب ما تخرَّج عليه حينئذٍ وعد بالهبة، يجب الوفاء به، ويثبت لها ما يثبت للهبة من أحكام.
الحال الثانية: أن تكون الهدية غير موعود بها فأقرب ما تُخرَّج عليه حينئذٍ أنها هبة محضة، يثبت لها جميع ما يثبت للهبة من أحكام.
الحال الثالثة: أن يكون تحصيل الهدية مشروطا بجمع أجزاء مفرقة في أفراد سلعة معينة، وما أشبه ذلك حينئذٍ على أنها هبة محرمة؛ لما تفضي إليه من الإسراف والتبذير وكونها من الميسر المحرم.
5- أن الهدية الترويجية إذا كانت منفعة فلها حالان:
الحال الأولى: أن تكون المنفعة موعوداً بها المشتري فأقرب ما تُخرَّج عليه أنها وعد بهبة المنفعة، وهي جائزة.
الحال الثانية: أن تكون المنفعة مبذولة دون وعد سابق، فتُخرَّج حينئذٍ على أنها هبة محضة. (1/17)
صفحة 18
7- أن الهدايا الإعلانية (العينات) يختلف حكمها باختلاف المقصود منها؛ فإن كان مقصودها التعريف بالسلعة وخصائصها وما إلى ذلك فإنها تكون هبة جائزة يثبت لها ما يثبت للهبة من أحكام، أما إن كان مقصودها أن تكون نموذجاً لما يطلب في السلعة من مواصفات فإنها تكون حينئذٍ هبة جائزة يثبت لها ما يثبت للهبة من أحكام، إلا أنه يجب أن تكون مطابقة للواقع في بيان حقيقة السلعة، وقد اختلف أهل العلم في جواز اعتماد هذه العينات عند إجراء العقود، والراجح جواز ذلك.
... ... ثم بعد هذا أحمد الله الولي الحميد على نعمه الظاهرة والباطنة، فله الحمد كله أوله وآخره، ظاهره وباطنه، ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
فهرس المصادر والمراجع
(1) أحكام القرآن . تأليف: محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي، تحقيق: على محمد البحاوي، دار المعرقة- بيروت- لبنان، ( 1407هـ-1987م).
(2) إرواء الغليل. للشيخ: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي- بيروت – دمشق، الطبعة الأولى ( 1399هـ - 1979م).
(3) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان. للإمام علاء الدين الفارسي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة- بيروت، الطبعة الأولى (1412-1991م).
(4) الأدب المفرد. للإمام أبي عبد الله البخاري، خرج أحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، دار البشائر الإسلامية- بيروت- لبنان، الطبعة الثالثة (1409هـ-1988م).
(5) الإصابة في تمييز الصحابة. لابن حجر العسقلاني، إعداد: محمد السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية- بيروت- لبنان.
(6) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجلَّ أحمد بن حنبل. تأليف: علاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المرداوي، تحقيق الشيخ: محمد حامد الفقي، مكتبة السنة المحمدية، الطبعة الأولى (1375هـ-1956م).
( (1/18)
صفحة 19
7) البحر الرائق شرح كنز الدقائق. لزين الدين إبراهيم بن محمد بن نجيم، دار الكتاب الإسلامي، الطبعة الثانية.
(8) التلخيص. للحافظ الذهبي، إشراف الدكتور: يوسف عبد الرحمن المرعشلي، دار المعرفة –بيروت – لبنان.
(9) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد. تأليف الإمام: أبي عمر يوسف بن عبد البر، تحقيق: محمد الفلاح.
(10) التوقيف على مهمات التعاريف. تأليف: محمد عبد الرؤوف المناوي، تحقيق الدكتور: محمد رضوان الداية. دار الفكر – دمشق، الطبعة الأولى (1410هـ1990م).
(11) الحاوي الكبير. لعلي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري، تحقيق الشيخ: على محمد معوض ، وعادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان، الطبعة الأولى (1414هـ 1994م).
(12) الدر المختار شرح تنوير الأبصار. لعلاء الدين محمد الحصكفي، مطبوع مع حاشية ابن عابدين، دار الفكر، الطبعة الثانية 1386هـ - 1966م.
(13) الذخيرة. لأحمد بن إدريس القرافي، تحقي الأستاذ: محمد بوخبزة، دار الغرب الإسلامي – بيروت – لبنان الطبعة الأولى (1994م).
(14) الشرح الصغير على أقرب المسالك. لأحمد بن محمد الدردير، دار البخاري–السعودية – بريدة.
(15) الشرح الكبير. لابن أبي عمر ابن قدامة المقدسي، تحقيق الدكتور: عبد الله بن عبد المحسن التركي، هجر للطباعة والنشر، الطبعة الأولى (1415هـ- 1995/).
(16) الفروع. لأبي عبد الله محمد بن مفلح، مكتبة ابن تيمية – القاهرة.
(17) الفوائد. لتمام بن محمد الرازي، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة الرشد – الرياض، الطبعة الأولى (1412هـ - 1992م).
(18) الكنى والأسماء. للشيخ: أبي بشر الدولابي، المكتبة الأثرية – باكستان، الطبعة الأولى.
(19) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز. لابن عطية الأندلسي، تحقيق: المجلَّس العلمي بفاس، (1413هـ - 1992م).
( (1/19)
صفحة 20
20) المحصول في علم أصول الفقه. لمحمد بن عمر بن الحسين الرازي، تحقيق الدكتور: طه جابر فياض العلواني، مؤسسة الرسالة – بيروت – لبنان، الطبعة الثانية (1412هـ- 1922م).
(21) المَحلّى. لعلي بن أحمد بن سعيد بن حزم، تحقيق: أحمد بن شاكر، دار التراث – القاهرة.
(22) المعجم الكبير للطبراني لسليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، الطبعة الثانية (1405هـ 1985م).
(23) المقنع في فقه الإمام أحمد. لموفق الدين ابن قدامة المقدسي، دار الكتب العلمية–بيروت- لبنان.
(24) الموطّأ. لإمام الأئمة وعالم الأمة مالك بن أنس – صححه، وخرّج أحاديثه، وعلق عليه، محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت.
(25) النهاية في غريب الحديث والأثر. لابن الأثير المبارك محمد بن الجزري، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي، ومحمود محمد الطناحي، المكتبة الإسلامية.
(26) النهاية شرح بداية البتدي. لبرهان الدين المرغيناني، دار الفكر–بيروت– لبنان،الطبعة الثانية.
(27) بدائع كتاب الصنائع في ترتيب الشرائع. أبي بكر بن مسعود الكسائي الحنفي. دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان، الطبعة الثانية 1406هـ 1986م.
(28) بلغة السالك لأقرب المسالك. للشيخ/ أحمد بن محمد الصاوي، دار البخاري – السعودية – بريدة.
(29) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق. لفخر الدين عثمان بن علي الزيلعي الحنفي، المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر المحمية، الطبعة الأولى (1314هـ).
(30) حاشية ابن عابدين، المسماة ]حاشية رد المحتار على الدر المختار: شرح تنوير الأبصار[. لمحمد أمين الشهير بابن عابدين، دار الفكر، الطبعة الثانية (1386هـ- 1966م).
(31) حاشية قليوبي وعميرة على شرح المحلي للمنهاج. للشيخ: شهاب الدين القليوبي، والشيخ عميرة، دار إحياء الكتب العربية – مصر.
( (1/20)
صفحة 21
32) خلاصة البدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير للرافعي. للحافظ سراج الدين عمر ابن علي بن الملقن، حققه: حمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة الرشد – الرياض، الطبعة الأولى (1410هـ).
(33) روضة الطالبين وعمدة المفتين. للإمام شرف الدين يحيي بن زكريا النووي، المكتب الإسلامي – بيروت – دمشق، الطبعة الثانية (1405هـ -1985م).
(34) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء. للحافظ أبي حاتم البستي، تحقيق: محمد حامد الفقي، مكتبة السنة المحمدية.
(35) رياض الصالحين . للشيخ: شرف الدين يحيي بن زكريا النووي. تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي. بيروت – دمشق، الطبعة الثانية(1404هـ-1984م).
(36) سنن أبي داود. لسليمان بن الأشعث السجستاني، دار الحديث – بيروت – لبنان، الطبعة الأولى (1389هـ- 1969م).
(37) سنن الترمذي. لمحمد بن عيسى بن سورة، تحقيق: إبراهيم عطوة عوض، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة الثانية – (1395هـ 1975م).
(38) سنن النسائي. لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، اعتنى به: عبد الفتاح أبو غدة، دار البشائر الإسلامية – بيروت – لبنان، الطبعة الأولى المفهرسة – بيروت 1406هـ- 1986م.
(39) شرح الكوكب المنير. لمحمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي الحنبلي، تحقيق الدكتور: محمد الزحيلي، والدكتور: نزيه حماد، جامعة أم القرى، الطبعة الأولى (1408هـ- 1987م).
(40) شرح المحلي على منهاج الطالبين. للشيخ: جلَّال الدين المحلي، وهو مطبوع مع حاشية قليوبي وعميرة، دار إحياء التراث العربية- مصر.
(41) شرح فتح القدير. للإمام كمال الدين محمد بن عبد الواحد المعروف بابن الهمام الحنفي، دار الفكر، الطبعة الثانية.
(42) شرح مشكل الآثار. لأبي جعفر الطحاوي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط. مؤسسة الرسالة – بيروت، الطبعة الأولى (1415هـ- 1979م).
( (1/21)
صفحة 22
43) صحيح البخاري. لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: محب الدين الخطيب، ترقيم: محمد قؤاد عبد الباقي، المطبعة السّلفية ومكتبتها القاهرة، الطبعة الأولى (1403هـ).
(44) صحيح مسلم بشرح النووي. لمسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري، دار الفكر (1401هـ 1981م).
(45) عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي. للإمام ابن العربي المالكي، دار أم القرى للطباعة والنشر.
(46) فتح الباري بشرح صحيح البخاري. لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، عبد العزيز بن عبد الله بن باز، محمد فؤاد عبد الباقي، مكتبة الرياض الحديثة.
(47) فتح الجواد بشرح الإرشاد. لأبي العباس أحمد بن حجر، شركة مكتبة ومطبعة البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة الثانية (1391هـ- 1971م).
(48) قلائد الخلائد وفرائد الفوائد. للفقيه عبد الله الحضرمي، دار القبلة للثقافة الإسلامية – جدة، الطبعة الأولى (1410هـ- 1990م).
(49) كشف الأستار عن زوائد البزار. للحافظ نور الدين الهيثمي، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، مؤسسة الرسالة – بيروت، الطبعة الثانية (1404هـ- 1984م).
(50) لسان العرب. للإمام أبي الفضل محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري. دار صادر – بيروت.
(51) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد. لعلي بن أبي بكر الهيثمي، دار الكتاب العربي – بيروت – لبنان، الطبعة الثالثة (1402هـ- 1982م).
(52) مجموع الفتاوى. لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية، دار عالم الكتب – الرياض.
(53) مسند الشهاب. للقاضي أبي عبد الله محمد بن سلامة القضاعي، تحقيق: حمدي عبد الحميد السلفي، مؤسسة الرسالة – بيروت، الطبعة الأولى (1405هـ- 1985م).
(54) مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهي. لمصطفى السيوطي الرحيباني، الطبعة الثانية (1415هـ- 1994م).
(55) معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء. للدكتور: نزيه حماد، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الطبعة الثالثة (1415هـ،- 1995م).
( (1/22)
صفحة 23
56) معجم المقاييس في اللغة. لأحمد بن فارس بن زكريا، تحقيق: شهاب الدين أبو عمرو، دار الفكر – بيروت – لبنان، الطبعة الأولى (1415،- 1995م).
(57) مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج. لمحمد الخطيب، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، (1377هـ- 1958م).
(58) مفردات ألفاظ القرآن. للأصفهاني، تحقيق: صفوان عدنان داوودي، دار القلم بدمشق – الدار الشامية – بيروت.
(59) منتهى الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات. لتقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي الشهير بابن النجار، تحقيق: عبد الغني عبد الخالق، عالم الكتب.
(60) منح الجليل. للشيخ: محمد عليش، دار الفكر – بيروت – لبنان (1409هـ 1989م).
(61) مواهب الجلَّيل لشرح مختصر خليل. لمحمد بن محمد المغربي. دار الفكر، الطبعة الثالثة (1412هـ 1992م).
كتب التسويق
1. إدارة التسويق، للدكتور: محمد صادق بازرعة، دار النهضة العربية، الطبعة الثامنة (1988م).
2. الإعلان عن المنتجات والخدمات من الوجهة القانونية. للدكتور: عبد الفضيل محمد أحمد، مكتبة الجلاء الجديدة – المنصورة.
3. الأنشطة الترويجية للشركات السعودية. للدكتور: السيد المتولي حسن، جامعة الملك سعود، كلية العلوم الإدارية (1403هـ).
4. فن البيع، للأستاذ: محمود عساف، الغرفة التجارية الصناعية بجدة (141ه).
فهرس الموضوعات
مقدمة ..................................................... أ
المبحث الأول تعريف الهدية وبيان أنواع الهدايا الترغيبية ........................ 01
المطلب الأول: تعريف الهدية ........................................ 01
المطلب الثاني: أنواع الهدايا الترغيبية ................................... 02
المبحث الثاني: الأصل في الهدية ..................................... 04
المطلب الأول: حكم الهدية ........................................ 04 (1/23)
صفحة 24
المطلب الثاني: حكم قبولها .........................................07
خاتمة ..................................................... 14
فهرس المصادر والمراجع .......................................... 15
فهرس الموضوعات ............................................. 20 (1/24)