صفحة 1
بحث تخرج: الوسوسة أحكامها وطرق العلاج منها ... عثمان محمود إبراهيم سيسي ... فكر إسلامي ... /2004م
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] سلطنة عمان
معهد العلوم الشرعية
الوسواس في الدين وعلم النفس
عثمان محمود سيسي
1425هـ/2004م.
ملخّص البحث
اسم البحث: الوسواس في الدّين وعلم النّفس، أسبابه وطرق علاجه.
الهدف من البحث: هو استجلاء موضوع الوسوسة من حيث مفهومها لدى علماء الدّين وعلماء النّفس وبيان مظاهر الوسوسة وما تجري من مشكلاتٍ نفسيّةٍ واجتماعيّةٍ وما تحدّثه من أضرارٍ جسيمةٍ على المستوى الشّخصيّ، وعلى المستوى الأسريّ و الاجتماعيّ وبيان أهمّ طرق العلاج الشّرعيّ (عند أهل الشّرع) وما قدّمه علماء النّفس من سبلٍ للعلاج لكي نَخْلُصَ إلى نتيجة شاملةٍ ومتكاملةٍ لهذه القضيّة الّتي عمّ ظهورها واتّسع ضررها.
المنهج: مقارنة بين وجهة نظر كلّ من علماء الدّين وعلماء النّفس في معظم مباحث الفصول من غير إغفالٍ لتحكيم العقل في اختيار النّصوص، ونقد بعضٍ منها وتحليل واتّباع أَنْهَجِ السّبل في المناقشة والتّحليل والاستنباط.
النّتائج:
01_ وردت كلمة الوسوسة ومشتقّاتها في خمسة مواضع من القرآن الكريم، وقد أشرت إليها في موضعها.
02_ اختلاف وجهة نظر علماء الدّين في الوسواس عن علماء النّفس، فعلماء الدّين ينسبون الوسواس إلى الشّيطان، بينما يرى علماء النّفس أنّه ناتجٌ عن أفكارٍ وأوهامٍ تتسلّط على ذهن الإنسان وتلازمه.
03_ العودة إلى الدّين والأخذ بطرق العلاج الواردة فيه للوسواس فيها الخير الكثير والنّفع العميم للموسوس إن شاء الله تعالى.
وهناك نتائج أخرى جنحنا عن ذكرها مخافة التّطويل وهي موجودةٌ في ثنايا هذا البحث.
شكر وتقدير واعتذار
أتقدّم بالشّكر الجزيل لكلّ من أعانني في إتمام هذا البحث وعلى رأسهم إدارة المعهد الّتي سعت سعياً حثيثاً في توفير كلّ ما يحتاج إليه طلاّب العلم الشّرعيّ من مراجع ونحوها. (1/1)
صفحة 2
كما أشكر الشّيخ الفاضل الدّكتور محمّد الزّيني الّذي أشرف على هذا البحث، وأفاض عليّ من توجيهاته وإرشاداته الهامّة الممتازة فأصبح كالأب المشفق على ولده، حيث بذل قصارى جهده لي لكي يرتقي بهذا البحث إلى المستوى الّذي يُرجى له، والّذي اشتهر بمادّته في التّربيّة الإسلاميّة حيث كان هدفه فيها:
محو الأفكار والتّقاليد الّتي تعرقل تقدّم المجتمع الإسلاميّ في كلّ المجالات ونبذ الأفكار الّتي تجاوزها العصر، ومحاولته الشّديدة في أن يرتقي الطلاّب بمستوى عالٍ في الثّقافة الإسلاميّة الّتي تتواكب مع الوقت الحاضر، فجزاه الله كلّ خير.
وكما أخصّ بشكري الجزيل الأستاذ الفاضل الدّكتور جمال عبد العزيز أحمد _ حفظه الله تعالى _ لما بذله لي من وقته الغالي في إصلاح الأخطاء اللّغويّة والنّحويّة خلال العمل، وكذلك أشكر جميع من لديه عليّ أيادٍ بيضاء في هذا البحث، وأتمنّى لهم التّوفيق والعون والسّداد، ولا أنسى شكر القائمين على المكتبة الفضلاء مالك الحضرمي ورضوان كسكاس وكمال السّيابيّ على جهودهم الّتي بذلوها في خدمة العلم.
كما لا أزعم بأنّني وفّيت الموضوع حقّه وأطلب من كلّ من اطّلع عليه ألاّ يبخل عليّ بملاحظاته وأن يفيدني بكلّ ما هو جديد ومفيد، وأعتذر عن كلّ تقصير بدر منّي، فالنّقص سمة البشر وما الكمال إلاّ لله وحده سبحانه.
سورة النّاس
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ
مِنْ شَرِّ الوَسْوَاسِ الخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ
فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ.
صدق الله العظيم.
-
- - - - - - - - - - - -
جج
مقدّمة
الحمد لله أمرنا بالاستعاذة من شرّ الوسواس الخنّاس والصّلاة والسّلام على خير البرايا الّذي سئل عن الوسوسة فقال: «تلك محض الإيمان»، وعلى آله وصحبه أجمعين، أمّا بعد: (1/2)
صفحة 3
فإنّ المؤمن بالله تعالى الغيور على دينه ينبغي أن يكون على اهتمامٍ بالغٍ بمبادئ دينه وتعاليمه لكي يدفع عنه المشاكل الّتي تواجهه في أدائه لعباداته، ويستمدّ كلّ أفكاره من الكتاب والسّنّة لكي يكون على بصيرةٍ من دينه، وحتّى لا يقع في محظورٍ يأثم من ضلاله، أو ينصبه من جرّاء الجهل به، فالوسواس مرضٌ قد يتعرّض له كلّ إنسانٍ في حياته إلاّ أنّ النّاس يختلفون في مواجهته، فمنهم من يتصدّى له ويتغلّب عليه ويكون له عليه سلطان، ومنهم من يقع في أغلال الشّيطان ويكون أسيراً له بسبب استسلامه لوساوسه فيضحى عبداً له.
ومن ثمّ فقد قمت بإعداد بحثٍ خاصٍّ بالوسواس لكي يستفيد منه كلّ قارئٍ ولنقف على المسألة، ونبيّن رأي الدّين وعلماء النّفس فيها لاستجلاء سبل العلاج والانفكاك من قيوده وأغلاله.
هذا ونريد أن نبيّن أن كثيراً من العلماء تكلمّوا عن الوسواس في مؤلّفاتهم كابن الجوزيّ (597هـ) في كتابه: تلبيس إبليس، وابن القيّم (751هـ) في كتابه: إغاثة اللّهفان من مصايد الشّيطان، ومنهم من كتب فيه مؤلّفات خاصّة مثل ابن قدامة الحنبليّ (620هـ) في كتابه: ذمّ الموسوسين والتّحذير من الوسوسة، وغيرهم من العلماء الذّين تكلّموا عن الوسواس، إلاّ أنّ معظم هؤلاء العلماء لم يفردوا مؤلّفات خاصّة تبحث في القضيّة الشّائكة وتوضّح جوانبها وتستجلي جزئيّاتها، إضافةً إلى أنّ جلّ هؤلاء العلماء اقتصروا في هذا الجانب على مجال الفقه فقط أي جانب العبادات، ولذا فقد أردت أن يدور موضوع بحثي حول تلك القضيّة وأدرسها مضيفاً إلى جانبها الشّرعيّ ما قاله علم النّفس.
فأهمّ الأسباب الّتي دفعتني لاختيار هذا الموضوع: (1/3)
صفحة 4
أ _ أنّه كما هو معلوم أنّ الوسواس مرضٌ خطيرٌ على حياة الإنسان سواءً في النّواحي الدّينيّة أو الاجتماعيّة أو غيرها، فوددت الاستعانة في ذلك بالكتاب والسّنة وبكتب التّفاسير والفقه، إضافةً إلى كتب علم النّفس، وأقوال العلماء في ذلك، وكيفيّة علاج هذا المرض من خلالها.
ب _ خلوّ المكاتب_ فيما يبدو لي _ من الكتب الّتي تبحث في القضيّة وتؤصّل لها فقهياًّ وعلمياًّ وتبحثها من جميع زواياها، اللّهم إلا كتيّباتٍ قليلةٍ.
ج _ أنّه موضوع السّاعة نتيجةً للتوتّر الحاصل في الحياة والّذي يضطرّ الإنسان معه إلى التّفكير مرّات ومرّاتٍ، وكثرة الشّكوك والهموم تورث الوسوسة وتستدعي الوسواس.
د _ ووددت أن أجمع أقوال الفقهاء وعلماء النّفس في ذلك ومعرفة علاج كلّ من هذين المستويين لهذا المرض، ثمّ أضعها على المحكّ في المنظار الإسلاميّ بصورةٍ تتناسب مع جلال الإسلام وحلوله النّاجعة.
أمّا بالنّسبة للمشكلات الّتي واجهتني خلال البحث فإنّه من الطبيعيّ جداًّ أن يصعب على الإنسان بداية كلّ أمرٍ من أمور الحياة أراد الخوض فيه، وهذه سنّة الله في كونه، فقد مكثت مدّةً طويلةً باحثاً في كتب التّفاسير وكتب علم النّفس عن هذا الموضوع وفقاً لخطّة البحث، إلاّ أنّني لم أحصل على المقدار الّذي يسدّ حاجاتي إلاّ بنسبةٍ ضئيلة جداًّ إضافةً إلى أنّني تنقّلت في مكتبات عديدةٍ في مسقط وخارجها ومع هذا كلّه لم أحصل على الّذي أريد ممّا دفعني إلى شراء بعض المصادر من خارج السّلطنة وهي الّتي أعانتني على مواصلة البحث، وكذلك قمت بتفريغ عدّة أشرطة سمعيّة من تلك الّتي تتحدّث عن الموضوع نفسه.
أمّا بالنّسبة للمنهج المتّبع في البحث فقد سلكت فيه منهجاً علمياً يقوم على أسس منها: (1/4)
صفحة 5
أ _ يشتمل البحث على الأسلوب العلميّ والدينيّ؛ لأنّ المادّة العلميّة تتكوّن من أقوال علماء الدّين وكذا علماء النّفس المحدثين، كما أنّ لكلّ فرقةٍ من هؤلاء العلماء منهجهم الّذي يسيرون عليه، ولكلٍ أيضاً وجهة نظره، وفيه مباحث عديدة تختلف فيها وجهة نظر الدّين عن علم النّفس، وقد تتّفق في بعض الأحيان وتختلف في أخرى.
ب _ يتميّز البحث أيضاً بإيراد آياتٍ قرآنية وأحاديث نبويّة شريفة، ونريد أن ننبّه إلى المنهج المتّبع في ذلك وهو أنّ كلّ الأحاديث المسندة إلى الإمامين أحمد بن حنبل ومسلم، فإنّنا نعني بذلك النّسخة الحجريّة للكتاب.
ج _ وإتماماً للفائدة فقد قمنا بترجمةٍ لبعض الشّخصيّات الّتي وردت أسماؤها في متن البحث وذلك في مكانها المناسب.
د _ لقد تمّ تقسيم المادّة العلميّة في هذا البحث إلى أربعة فصولٍ:
الأوّل: تعريف الوسوسة وآراء العلماء فيها.
الثّاني: ذكر أسباب الوسوسة عند الفريقين علماء الدّين والنّفس.
الثّالث: مظاهر الوسوسة عند الفريقين.
الرّابع: طرق علاج الوسوسة لكلٍّ منهما.
ثمّ وضعت كمحصّلةٍ للبحث خاتمةً جمعت فيها أهمّ النّتائج الواردة في البحث، ثمّ شفّعتها بقائمةٍ للمصادر والمراجع.
وقد حرصت على أن أضع فهرساً مفصّلاً للآيات القرآنيّة الواردة وكذا الأحاديث النّبويّة الشّريفة، حتّى يتسنّى للدّارسين من بعد سهولة الوصول إلى الأصول الّتي عالجت جانباً من الوسوسة في الكتاب والسّنّة، ونبّهت إلى خطر الموضوع وأهمّيّته فبصرت النّاس به ووصفت الحلول النّافعة والطّرق المتّبعة للتّخلّص منه بما استخلصته من النّصوص.
الطّالب الباحث: عثمان محمود سيسي.
رُوِي، مسقط، سلطنة عمان.
07 ربيع الأوّل 1425هـ/26 أبريل 2004م.
الفصل الأوّل:
تعريف الوسواس ومفهومه عند العلماء:
المبحث الأوّل: الوسوسة في اللّغة والاصطلاح
المطلب الأوّل: معنى الوسوسة في اللّغة
المطلب الثّاني: التّعريف الاصطلاحيّ للوسوسة والوسواس (1/5)
صفحة 6
المطلب الثّالث: المقارنة بين التّعريفين اللّغويّ والاصطلاحيّ
المبحث الثّاني: أقوال العلماء في الوسواس
المطلب الأوّل: الوسواس في منظور علماء الدّين
المطلب الثّاني: الوسوسة في منظور علم النّفس
المبحث الأوّل: الوسوسة في اللّغة والاصطلاح:
المطلب الأوّل: معنى الوسوسة في اللّغة:
وس: الواو والسّين: كلمةٌ تدلّ على صوتٍ غير رفيعٍ، يقال لصوت الحَلْي: وسواس، وهمس الصّائد وسواس، وإغواء الشّيطان لابن آدم وسواس (1) .
والوسوسة: الكلام الخفيّ في اختلاطٍ ، ووُسْوِسَ به: بالضمّ، اختلط كلامه ودُهِشَ.
والمُوَسْوِسُ: الّذي تعتريه الوساوس، ووَسوَسَ: إذا تكلّم بكلامٍ لم يُبيِّنه (2) .
وَسَسَ: الوَسوَسة والوَسواس: الصّوت الخفيّ من الرّيح ، والوسواس صوت الحلي، والوسوسة والوِسواس: حديث النّفس، يقال: وسوسْت إليه نفسه وسوسة ووِسواساً.
والوَسواس بالفتح: الاسم مثل الزّلزال، والوِسواس بالكسر المصدر.
والوَسواس بالفتح: هو الشّيطان، وكلّ ما حدّثك ووسوس إليك فهو اسم، قال الأعشى:
تسمع للحَلي وسواساً، إذا انصرفت *** كما استعان بريح عِشْرِقٌ زجل
ورجل مُوَسوِس: إذا غلبت عليه والوسوسة (3) .
والوسوسة: القول الخفيّ لقصد الإضلال، من وَسْوس إليه ووَسْوس له، أي فعل الوسوسة لأجله، وهي حديث النّفس والشّيطان بما لا نفع فيه ولا خير كالوِسواس بالكسر.
__________
(1) _ أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريّاء (395هـ): معجم مقاييس اللّغة، دار الجيل، الطّبعة الأولى، 1991م، بيروت، 06/76.
(2) _ السّيّد محمّد مرتضى الحسينيّ الزبيديّ: تاج العروس من جوهر القاموس، دار إحياء التّراث العربيّ، بيروت، لبنان، 17/11.
(3) _ الإمام العلاّمة أبي الفضل جمال الدّين بن مكرم ابن منظور الإفريقيّ المصريّ: لسان العرب، الطّبعة الأولى، دار صادر للطّباعة والنّشر، 2000م، 15/207. (1/6)
صفحة 7
والاسم بالفتح: يقال لما يقع في النّفس من عمل الشّرّ، وما لا خير فيه وسواس، ولما يقع من عمل الخير إلهام، ولما يقع من الخوف إيجاسٌ، ولما يقع من تقدير نيل الخير أملٌ، ولما يقع من تقدير لا على إنسان ولا له خاطر (1) .
المطلب الثّاني: التّعريف الاصطلاحيّ للوسوسة والوسواس:
الوسواس: "أي أفكار تتسلّط على الفرد في صورةٍ مزعجةٍ" (2) .
الوسواس: "فكرةٌ أو شعورٌ متسلّط يلازم الفرد ولا يستطيع التّخلّص منه رغم أنّ المريض لديه معرفةٌ بسخف الفكرة المتسلّطة عليه، والّتي قد تكون متعارضةً مع القيم الأخلاقيّة والدّينيّة" (3) .
قال فلاسفة الإسلام: "إنّ الوسواس مرض يحدث من غلبة السّوداء ويختلط معه الذّهن، أو ممّا يخطر بالقلب من شرور، أو ممّا تهجس به النّفس" (4) .
الوسوسة: "هي حديث النّفس، والدّعوة إلي الشّرّ من داخلها، فهي كلامٌ خفيٌّ يدركه القلب ويقع في الفكر" (5) .
المطلب الثّالث: المقارنة بين التّعريفين اللّغويّ والاصطلاحيّ:
من المستحسن عند مقارنتنا بين التّعريفات اللّغوية والاصطلاحيّة أن نقارن بين تعريفات كلٍّ منهما أوّلاً ثمّ نقارن بين التّعريفين جملةً واحدةً، ومن خلال هذه المقارنة يتّضح الآتي:
__________
(1) _ أبو البقاء أيّوب بن موسى الحسينيّ الكوفيّ: الكليّات معجم المصطلحات والفروق اللّغويّة، مؤسّسة الرّسالة، الطّبعة الأولى، 1992م، بيروت، 941.
(2) _ فاروق عبد الفتّاح علي موسى: أُسس السّلوك الإنسانيّ، دار عالم الكتب للنّشر والتّوزيع، 1985م، الرّياض، 457.
(3) _ خليل ميخائيل معوّض: علم النّفس العامّ، مركز الإسكندريّة للكتاب، الطّبعة الأولى، 2001م، 497.
(4) _ معروف رزيق: علم النّفس الإسلاميّ، دار المعرفة، الطّبعة الثّانيّة، 1993م، دمشق، 145.
(5) _ زهير حمويّ: الإنسان بين السّحر والعين والجانّ، دار حوّاء، الطّبعة الثّانية، 1994م، الكويت، 213. (1/7)
صفحة 8
أوّلاً: نجد التّعريفات اللّغويّة تتّفق على معنى الوسوسة في عدة أمورٍ، وتختلف أيضاً في بعضٍ منها، تتّفق على معنى الوسوسة في (الصّوت الخفيّ، الكلام الخفيّ) وهذان يشملان: صوت الحَلي، وهمس الصّائد.
كما أنّ التّعريفين الأخيرين يفترقان عن سابقهما في تفصيل معنى الوَسواس بالفتح، والوِسواس بالكسر، فالأوّل يقصد بالوَسواس بالفتح: الاسم ويريد به: الشّيطان وكلّ ما حدّثك ووسوس إليك، ويقصد بالوِسواس بالكسر: للمصدر كالوسوسة وهو: حديث النّفس.
أمّا الأخير _ لاشّك_ أنّه أشمل من جميع التّعريفات؛ لأنّه فصّل معنى الوَسواس بالفتح تفصيلاً دقيقاً شاملاً كما رأينا.
ثانياً: كذلك التّعريفات الاصطلاحيّة تتّفق جميعها على أنّ الوَسواس مرضٌ إلاّ أنّه يفترق مقصود علم النّفس له عن مقصود علماء الدّين، فنجد التّعريفين الأوّلين _ وهما تعريفا علم النّفس _ أشمل وأعمّ من تعريفات علماء الدّين؛ لأنّ تعريف علماء الدّين يقصدون بالوسواس شيئاً معيناً وهو أنّه فكرة، أو حديث النّفس وفيه دعوة إلى الشّرّ، بخلاف علماء النّفس فإنّهم لا يخصّون الوسواس بشيءٍ معينٍ، بل يقصدون به أنّه فكرةٌ متسلّطةٌ على الإنسان دون أن يقصدوا به أنّ فيه دعوةً إلى الخير أو الشّرّ، وبهذا نستنتج من خلال عرض التّعريفات اللّغويّة والاصطلاحيّة أنّ التّعريفات اللّغويّة أعمّ وأشمل من التّعريفات الاصطلاحيّة؛ إذ تعنيها وتزيد عليها على أنّه ليس ثمّة تعارض بين المعنى اللّغويّ والاصطلاحيّ.
وكما يجب أن نميّز بين الوسوسة والأفكار الخاطئة، فالأفكار الخاطئة يعتقد صاحبها بصحّتها ومن ثمّ فلا يناقشها، أمّا الوسوسة فهي أفكارٌ ترد إلى ذهن الإنسان وتصاحبه، وتظلّ به حتّى تزعجه، ولا يستطيع إبعادها عن نفسه رغم علمه أنّها أفكار غير طبيعيّةٍ (1) .
__________
(1) _ عبد الرّحمن العيسويّ: علم النّفس العامّ، دار النّهضة العربيّة، بيروت، لبنان، 250. (1/8)
صفحة 9
المبحث الثّاني: أقوال العلماء في الوسواس:
المطلب الأوّل: الوسواس في منظور علماء الدّين:
أوّلاً: الوسواس في القرآن الكريم:
وردت كلمة الوسوسة ومشتقّاتها في خمسة مواضع من القرآن الكريم، وهي كالآتي:
01_ قال تعالى: { وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مَنَ الظَّالِمِينَ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخَالِدِينَ } (الأعراف: 19-20).
02_ قال تعالى: { وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تَضْحَى فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَ يَبْلَى } (طه: 119-120).
03_ قال تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ } (ق: 15-16).
04_ قال تعالى: { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الوَسْوِاسِ الخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ } (النّاس: 01-06).
ثانياً: نظرة تفسيريّة في آيات الوسوسة: (1/9)
صفحة 10
بعد ما بينّا معنى الوسوسة فيما سبق يحسن بنا أن نلقي الضّوء على وسوسة إبليس اللّعين لآدم وزوجه في الجنّة، فيقول العلماء: إنّ هذه الوسوسة قضيّة من قضايا الغيب لأنّه لم يرد في النّصوص الإسلاميّة الصّحيحة بيانٌ عنها فلا داعيَ لإيراد الإسرائيليّات الّتي لا يعلم مدى الصّدق في واحدٍ منها، ولا لإيراد أخبارٍ ليست مرويّةً عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، لكنّنا علمنا من دلالات نصوص القرآن الكريم أنّ الله عزّ وجلّ قد مكّن إبليس من وسائل دعوة آدم وزجه لمعصية ربّهما حتّى أكلا من الشّجرة المحرّمة فطردا من الجنّة، يقول أحد الباحثين: "ولا ندري كيف وسوس الشّيطان إلى آدم، وقد يكون قد ظهر له بصورة ملكٍ من الملائكة، أو بصورة جنّي من الصّالحين، أو غيّر من شكله تنكّراً" (1) .
هذا القول نسلّم ببعضه إلاّ أنّني أعتقد قوله: "وقد يكون قد ظهر له بصورة ملكٍ من الملائكة" فيه نظرٌ عندي؛ لأنّ الشّيطان يستحيل أن يظهر لآدم وزوجه بصورة ملكٍ من الملائكة بعد معصيته لله تعالى وطرده من الجنّة !
ثمّ أضاف في قوله تعالى: { فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ } (طه: 120)، يظهر أنّ ما تضمّنه هذا النّصّ هو: بداية الحركة الكيديّة الإغرائيّة الّتي اتّخذت أسلوباً غير مباشرٍ، حتّى يصل إلى مراكز التّأثير في نفس آدم بدليل حرف الجرّ (إلى) الّذي يدلّ على ما بين بدء الحركة والوصول من زمنٍ طويلٍ وإغواءٍ كثيرٍ (2) .
__________
(1) _ عبد الرّحمن حسن حبنّكة الميدانيّ: معارج التّفكير ودقائق التّدبر، دار القلم، الطّبعة الأولى، 2002م، دمشق، 08/349.
(2) _ المصدر السّابق: 08/350، بتصرّف. (1/10)
صفحة 11
ثمّ قال: لكنّ إبليس لمّا رأى أنّه اقترب من نفس آدم وزوجه بدأ يوسوس لهما وقال: دلّ على ذلك قوله تعالى: { فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخَالِدِينَ } (الأعراف: 20)، قال: فدلّت هذه الآية على أنّ إبليس _ لعنه الله _ صار يوسوس لآدم وزوجه بأسلوبٍ مباشرٍ إذ جاء فيها استعمال حرف (اللاّم) في (وَسْوَسَ لَهُمَا) ولم تستعمل هنا (إلى) لأنّه قطع شوطاً حتّى استحقّا إليه وصار قريباً منهما بعد بذل كثير جهدٍ وكثير عناءٍ (1) .
ثالثاً: الوسواس في منظور الدّين:
عندما نتناول الوسواس من منظور الدّين فلا بدّ أن نقف على أقوال علماء الدّين والمفسّرين، لكي يتبيّن لنا قول كلّ واحدٍ منهم، ومن هذا المنطلق فإنّ تعريفاتهم لا تخلوا ممّا قاله أهل اللّغة في الوسواس وكما أنّهم ينسبون تلك التّعريفات إلى اللّغة أيضاً وإن اختلفوا في تعريفاتها لفظاً فإنها ترمي في النهاية إلى معنى واحد منها: (الصوت الخفي، الخطرة، الرديئة، همس الصائد، حديث النفس)، واتفقوا أيضاً على أنّ المراد بها: هو الشيطان.
قال الزّمخشري (528هـ): "الوسواس: اسم بمعنى الوسوسة كالزّلزال بمعنى الزّلزلة، وأمّا المصدر فوِسواس بالكسر كالزِّلزال، والمراد به: الشّيطان، ثمّ قال: سمّي بالمصدر كأنّه وسوسة في نفسه لأنّها صُنعَتُه وشُغْلُه الّذي هو عاكفٌ عليه" (2) .
__________
(1) _ المصدر السّابق: 08/350، بتصرّف.
(2) _ أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزّمخشريّ: الكشّاف عن حقائق التّنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التّأويل، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 04/245. (1/11)
صفحة 12
وقيل: سمّي بفعله مبالغةً؛ لأنّه صنعتُه الّتي هي غاية الضّراوة عليها كما بُولغ في العادل بتسميته العدل (1) .
ومنهم من قال: ويقال: إنّ الوسواس ابنٌ لإبليس (2) .
والتّعريف في "الوسواس" تعريف الجنس وإطلاقه على معنييه المجازيّ والحقيقيّ بحيث يشمل الشّياطين الّتي تلقي في أنفس النّاس الخواطر الشّريرة، كما يشمل كذلك كلّ من يتكلّم كلاماً خفياًّ من النّاس وهم: أصحاب المكائد والمؤامرات المقصودة منها إلحاق الأذى بالآخرين: من اغتيال نفوسٍ، أو سرقة أموالٍ، أو إغراءٍ بالضّلال، والإغراء عن الهدى وغير ذلك (3) .
من خلال ما تقدّم يتبيّن لنا معنى الوسواس ممّا يقصده العلماء به سواءٍ كان ذلك حقيقةً أو مجازاً كما نرى ذلك ممّا سبق.
رابعاً: ذكر آراء العلماء في كيفيّة الوسوسة:
فالوساوس نوعان كما نصّ عليهما القرآن الكريم في سورة النّاس في قوله تعالى: { مِنْ شَرِّ الوَسْوِاسِ الخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ } ، نجد في هذه الآيات ثلاث فوائد جليّة حيث ذكر صفة الوسواس، ومكانه، ومصدره.
صفته: الوسواس الخنّاس، ومكانه في الصّدور، ومصدره من الجنّة والنّاس.
__________
(1) _ برهان الدّين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقائيّ (المتوفّى سنة 885هـ/1480م): نظم الدّرر في تناسب الآيات والسّور، الورشة العربيّة للمجلّد الفنّي، الطّبعة الأولى، 1984م، 22/420.
(2) _ محمّد بن علي بن محمّد الشّوكانيّ: فتح القدير الجامع بين فنّي الرّواية والدّراية من علم التّفسير، عالم الكتب، 05/523.
(3) _ محمّد الطّاهر بن عاشور: تفسير التّحرير والتّنوير، الدّار التّونسيّة للنّشر، 30/633. (1/12)
صفحة 13
قال سيد قطب (1966م) _ رحمه الله _ في هذا الصّدد: "أطلق النّصّ الصّفة أوّلاً: (الوَسْوَاسِ الخَنَّاسِ) وحدّد عمله: (الّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ) ثمّ حدّد ماهيّته: (مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ)، وقال: وهذا التّرتيب يثير في الحسّ اليقظة والتّلف والانتباه لتبيّن حقيقة الوسواس الخنّاس، بعد إطلاق صفته في أوّل الكلام؛ ولإدراك طريقة فعله الّتي يتحقّق بها شرّه تأهّباً لدفعه، أو مراقبته" (1) .
هنا يجب أن يعرف الإنسان أنّ لديه في حياته عدوّين من ألدّ الأعداء وهما:
فئة من الجنّة الفاسقين، وفئةٌ من النّاس أتباع الشّيطان ولكلّ منهما وساوسه الّتي يوسوس بها تختلف في الصّور والأشكال، فوساوس الشّيطان _ كما يقول العلماء _ لا ندري كيف تتمّ وكيف تدخل إلى النّفوس وتؤثّر فيها إلاّ أنّنا نجد آثارها في نفوسنا وفي واقع الحياة، وقد أوضح العلماء كيفيّة وسوسة الشّيطان للبشر فمنهم من قال: وسوسة الشّيطان للبشر هي:
01_ ما يجدونه في أنفسهم من الخواطر الرّديئة التّي تزيّن لهم ما يضرّهم في أبدانهم أو أرواحهم ومعاملاتهم (2) .
02_ أو هي: الدّعاء إلى طاعته بكلامٍ خفيٍّ يصل إلى القلب من غير سماع صوتٍ (3) .
03_ وقيل: الوساوس الّتي تجري من ابن آدم مجرى الدّم تأتي على صورة خواطر تزيّن فعل الشّرّ والإثم لحمل الإرادة على التّنفيذ (4) .
__________
(1) _ سيّد قطب: في ظلال القرآن، دار الشّروق بالقاهرة، 06/4010.
(2) _ السّيّد محمّد رشيد رضا: تفسير القرآن الحكيم الشّهير بتفسير المنار، دار المعرفة، الطّبعة الثّانية، بيروت، لبنان، 08/347.
(3) _ الشّوكانيّ: فتح القدير، 05/523.=
(4) _ عبد الرّحمن حسن حبنّكة الميدانيّ: معارج التّفكير ودقائق التّدبر: 08/349. (1/13)
صفحة 14
فكلّ هذه المصطلحات متقاربة بعضها مع بعضٍ؛ لأنّ هذه الخواطر الرّديئة التّي يجدها البشر في أنفسهم هي التّي يدعوهم بها الشّيطان لطاعتهم له فيزيّنها لهم لحمل الإرادة على التّنفيذ وحين يستجيب الإنسان بإرادته إلى هذه الوساوس فإنّها تنتج سلوكاً منحرفاً يجلب الشّرّ والضّرّ له لأنّه يرتكب الإثم والمعصية.
ووساوس الشّيطان أسهل الوساوس طرداً وأسرعها علاجاً بالنّسبة للمؤمن لأنّه يخنس ويختفي ويزول فور قراءة الإنسان للقرآن أو استعماله للذّكر.
ونحن _كمسلمين _ نعرف من القرآن الكريم وتفسيره أنّ المعركة بين عدوّنا إبليس اللّعين (وهو من الجانّ) وبين أبينا آدم _ عليه السّلام _ وجدت منذ بدءِ الخلق، فقد أعلنها على آدم وحوّاء انطلاقاً من كفران نعمة ربّه ومن كبريائه وحقده على الإنسان، وأنّه استصدر بها من الله الخبير الحكيم إذناً بتلك الحرب، فأذن فيها _ سبحانه _ لحكمةٍ يراها ! إلاّ أنّ ربّنا لم يترك الإنسان في هذه المعركة مجرّداً من العُدّة، فقد جعل له من الإيمان جنّة، ومن ذكر الرّحمن عوناً، ومن الاستعاذة سلاحاً فإذا أغفل الإنسان جنّته وعونه وسلاحه فليس له أيّ عذر إذا وقع في حبائل الشّيطان وأصبح أسيراً له ومن ثَمّ فلا يلومّن إلاّ نفسه !
وأمّا النّاس _ كما هو معلوم _ فنحن نعرف أشياءً كثيرةً عن وساوسهم ولا شكّ أنّ وساوس شياطين الإنس أشدّ خطراً وأعظم ضرراً من شياطين الجنّ وهذا ما لا يخفى على أحد مناّ.
وقد بيّن لنا أحد العلماء ذلك حيث قال: "فشيطان الإنس يوسوس بالأقوال التّي تمرّ عن طريق الفكر حتّى تصل إلى مراكز الانفعالات والعواطف والشّهوات والأهواء في الصّدر" (1) .
وهذه نماذج فاسدةٌ من وسوسة البشر ممّا يدلّنا على عظم خطورة وسوسة البشر.
خامساً: نماذج فاسدةٌ من وسوسة البشر:
__________
(1) _ عبد الرّحمن الميدانيّ: معارج التّفكير، 02/41. (1/14)
صفحة 15
01_ رفيق السّوء الّذي يزيّن الشّرّ لرفيقه حتّى يدخله في عقله وقلبه من حيث لا يحتسب، لأنّه ينظر إليه نظرة الرّفيق المأمون.
02_ حاشية الشّرّ التّي توسوس لكلّ ذي سلطان حتّى تجعله طاغيةً جبّاراً مفسداً في الأرض ومهلكاً أيضاً للحرث والنّسل.
03_ النّمّام الواشي الّذي يزخرف الكلام ويزيّنه حتّى يبدو كأنّه الحقّ الصّراح الّذي لا مرية فيه، ولا شكّ فيما يبديه.
04_ بائع الشّهوات الّذي يتحسّس من منافذ الغريزة في الإغراء (1) .
فهذه النّماذج وغيرها يكون علاجها في يقظة العقل والقلب، وعون الله تعالى ورحمته فمن شاء أن يخلّص نفسه فالله تعالى حاضرٌ أبداً لنصرته، وذكر الله تعالى والاستعاذة به وطاعته خير معينٍ وناصرٍ للنّفوس البشريّة في كلّ شيءٍ.
المطلب الثّاني: الوسوسة في منظور علم النّفس:
تختلف نظرة علم النّفس في (الوسواس) عن نظرة علماء الدّين، وهذا الخلاف واضحٌ بينهما في تعريفاتهم للوسواس، وذلك لأنّ علماء الدّين يقولون: إنّ المراد بالوسواس هو: الشّيطان، بينما يذهب علماء النّفس إلى أنّ الوسواس مرضٌ ناتجٌ عن أفكارٍ وأوهامٍ تتسلّط على ذهن الإنسان وتلازمه ولا يستطيع التّخلّص منها رغم معرفته بسخف تلك الأفكار والأوهام الّتي ترد على ذهنه.
يرى علماء النّفس أنّ الإنسان في نشاطه الإراديّ هو مثلّث الزّوايا:
"الجانب المعرفيّ، ثمّ الجانب الوجدانيّ، وأخيراً الجانب الأدائيّ".
وهذا يعني: أنّ سلوك الإنسان يمكن أن يكون سلوكاً ذهنياًّ، ويمكن أن يكون سلوكاً وجدانياًّ وأيضاً يمكن أن يكون سلوكاً أدائياًّ.
وبعبارةٍ أدقّ يقولون: إنّ هناك ثلاث إراداتٍ لدى الإنسان:
إرادة ذهنيّة، وإرادة وجدانيّة، وإرادة أدائيّة.
__________
(1) _ سيّد قطب: في ظلال القرآن، 06/4010. (1/15)
صفحة 16
فمن الطّبيعيّ جداًّ أن تسير هذه الإرادات الثّلاث في الإنسان وفق إرادته، إلاّ أنّه قد يحدث خلل في إحدى هذه الإرادات الثّلاث بحيث يجد الإنسان نفسه غير قادرٍ على الانتقال من فكرةٍ إلى فكرةٍ جديدةٍ، أو من وجدانٍ إلى وجدان ثانٍ، أو من أداءٍ إلى أداءٍ آخر فيجد نفسه دائراً في حلقةٍ من حلقات هذه الدّائرة لا سبيل له إلى الخروج منها فيظلّ دائراً في حدود تلك الفكرة نفسها، أو الوجدان نفسه، أو الأداء نفسه وعندما يظلّ على تلك الحالة في حلقتي (الذّهنيّة والوجدانيّة) بغير انقطاعٍ، أو بغير تمكّن من الخروج من نطاقها فهذا ما يسمّيه علماء الصّحّة النّفسيّة (بالوسواس).
بينما يسمّون الدّوران في حلقة أدائيّة بغير انقطاع باسم (الأعمال القهريّة) (1) .
وأمّا بالنّسبة للدّائرة الانفعاليّة، أو الحلقة الوجدانيّة: فهي الّتي يكون فيها المصاب بالوسواس الوجدانيّ يحسّ بالخوف، مثلاً كأن يخاف من هجوم اللّصوص عليه لسرقة أمواله، أو كما يحسّ البعض من هؤلاء المصابين بهذا المرض كأنّ أحداً من النّاس كزوجته مثلاً تكيد له مكائد لدسّ السّمّ له في الطّعام، ومن العجب _ مهما حاول أحد من النّاس إقناعه عن خطإ ما يعتقده في نفسه_ فإنّه يظلّ مصراًّ على موقفه هذا !
والنّوع الثّالث وهو الدّوران في حلقة أدائيّةٍ بغير انقطاعٍ: وهو ما يسمّيه علماء الصّحّة النّفسيّة _ كما ذكرنا ذلك سابقاً _ باسم (الأعمال القهريّة).
فإنّ هذا النّوع قد لا ترتبط بحالةٍ من الخوف؛ وإنّما يكون بممارساتٍ سخيفةٍ لا معنى لها ولا تحمل في طيّاتها أيّ خوفٍ؛ كما أنّ المريض يكون متضايقاً منه من عدم قدرته على وقف تلك العمليّات السّخيفة والتّخلّص منها، ومن أمثلة هذه العمليّات:
__________
(1) _ يوسف ميخائيل أسعد: قوّة الإرادة، دار غريب بالقاهرة، 145، بتصرّف. (1/16)
صفحة 17
التزام المصاب بعدّ درجات السّلم الّذي يصعد عليه، أو قراءة كلّ لافتة دكّانٍ يمرّ به، أو أن يحرّك أصبعه على أعمدة كلّ سورٍ من أسوار الحدائق، أو المنازل، أو الالتزام بالسّير على جانب الرّصيف دون الشّارع ودون الرّصيف.
وهناك حالات تدفع الأعمال القهريّة بالمريض إلى أداء نفس العمل مرّاتٍ ومرّاتٍ مثل غسل اليدين عدداً كبيراً من المرّات في اليوم الواحد، أو الموظّف الّذي لا يستطيع أن يؤدّي عملاً إلاّ إذا كانت أوراقه مرتبةً تماماً على مكتبه ويستعدّ بعددٍ كبيرٍ من الأقلام المعدّة للاستخدام (1) .
فالوسواس عند علماء النّفس حالةٌ نفسيّةٌ قهريّةٌ تبدو في صورة فكرةٍ متصلّبةٍ، أو شعورٍ متسلّطٍ، أو اندفاعٍ إجباريٍّ للقيام بعمل معيّنٍ.
ولذا يقولون: إنّ الوسوسة ناتجةٌ عن عدم تمكّن انتقال إرادتي (الذّهنيّ والوجدانيّ) من فكرةٍ إلى فكرةٍ جديدةٍ، أو من وجدانٍ إلى وجدانٍ جديدٍ.
فالإرادات الثّلاثة (الإرادة الذّهنيّة، والوجدانيّة، والأدائيّة) لكلّ واحدةٍ منها حالاتها الخاصّة في الإنسان وهي كالآتي:
ففي الحلقة المفرغة الأولى: (الحلقة المعرفيّة أو الذّهنيّة) (2) يقول علماء النّفس: إنّ هناك مبدأين يخضع لهما المخّ وهما: (مبدأ الكفّ، ومبدأ الدّفع)، فعندما يسود قانون الكفّ ويشكّل دكتاتوراً مستبداًّ على المخّ فإنّ هذا الشّخص يصاب بالأفكار الثّابتة وبالتّالي بالوسواس وعندما يسود قانون الدّفع ويشكّل دكتاتوراً مستبداًّ على المخّ فإنّ هذا الشّخص يصاب بالهوس (3) .
الفصل الثّاني: أسباب الوسوسة:
المبحث الأوّل: وجهة نظر الدّين
المطلب الأوّل: معطيات القرآن
__________
(1) _ المصدر السّابق: 147، بتصرّف.
(2) _ يوسف ميخائيل: قوّة الإرادة، 146، بتصرّف.
(3) _ الهوس: بفتحتين، طرف من الجنون، انظر مختار الصّحاح، لزيد الدّين محمّد بن أبي بكر بن عبد القادر الرّازيّ (666هـ)، مؤسّسة الرّسالة، 2001م، بيروت، لبنان، 602. (1/17)
صفحة 18
المطلب الثّاني: معطيات السّنّة
المطلب الثّالث: آراء علماء الدّين في أسباب الوسوسة
المبحث الثّاني: رأي علم النّفس في أسباب الوسواس
المبحث الأوّل: وجهة نظر الدّين:
المطلب الأوّل: معطيات القرآن:
إذا نظرنا إلى الآيات الواردة في القرآن الكريم عن (الوسوسة) لوجدنا دلالاتها تشير إلى أنّ مصدر الوسواس هو الشّيطان، كما أنّنا لا نجد هناك أيّ آية في القرآن تصرّح بأنّ سبب الوسواس هو الشّيطان، بل نستنتج أنّ الموسوس هو الشّيطان وأنّه أيضاً سبب الوسواس، فنجد في القرآن آياتٍ كثيرة تبيّن ذلك، ومنها ما جاء في قصّة وسوسة الشّيطان لآدم وحوّاء عليهما السّلام، وما يزال يوسوس لبني آدم إلى يومنا هذا.
وهنا وقفةٌ ينبغي الحديث عنها وتوضيحها، وهو: أنّ هناك كثيراً من النّاس لديهم قناعةٌ واعتقادٌ داخليٌّ بأنّ الشّيطان لديه القدرة على التّحكم في الخلق، وهذا الظّنّ لا أساس له من الصّحّة؛ لأنّه مخالف للعقل والنّقل !
فإبليس _ لعنه الله _ يقول يوم القيامة _ كما في الآية القرآنيّة _: { وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِّنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنْفُسَكُمْ } (سورة إبراهيم: 22)، فإذا كان إبليس وهو أقوى الشّياطين ورئيسهم يقول هذا فكيف بمن هو أقلّ منه منزلةً وقدرةً، لا شكّ أنّهم أقلّ قدرةً وأضعف سلطاناً، بل نقول: إنهّم لا يملكون أحداً؛ لأنّنا نوقن نحن المسلمين أنّه ليس لشيءٍ سوى الله في الدّنيا من سلطانٍ على الإنسان إلاّ إذا كان الإنسان نفسه هو الّذي استجاب لهذا الشّيء وأشعر نفسه بسيطرة هذا الشّيء عليه أو امتلاكه جسمه وتغلّبه على فكره. (1/18)
صفحة 19
ويستنبط من هذه الآية الكريمة أنّ كلّ وسواس من مرض أثّر على الإنسان وأصبح متسلّطاً عليه فهو من استجابة الإنسان، وعليه فلا يلوم إلاّ نفسه وهذا مصداق قوله تعالى: { مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ مُّصِيبَةٍ فَمِنْ نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً } (النّساء: 90)، وقال أيضاً: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِّنْ مُّصِيَبةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ } (الشّورى: 29).
المطلب الثّاني: معطيات السّنّة:
لا تنفصل السّنّة النّبويّة الشّريفة عن القرآن الكريم، إذ هي المصدر الثّاني في التّشريع الإسلاميّ بعد القرآن الكريم، وكما أكّد القرآن على أنّ الوسوسة من الشّيطان، دون أن يكون له سلطانٌ على البشر فكذلك السّنّة تؤكّد ذلك، وقد وردت في السّنّة النّبويّة الشّريفة أحاديث كثيرة جداًّ تبيّن وسوسة الشّيطان للبشر في كثيرٍ من الأمور وبعضها أيضاً توضّح كيفيّة علاج هذه الوسوسة.
وقد تنوّعت أحاديث السّنّة عن وسوسة الشّيطان في كثيرٍ من أمور الدّين الّتي تتعلّق بالعقيدة، وبالعبادات وكذلك في المعاملات، وأهمّ هذه المجالات هي:
أوّلاً: العقيدة:
من أعظم مداخل الشّيطان للإنسان ما يتعلّق بالعقيدة، حيث يأتي الشّيطان إلى الإنسان في هذا الجانب فيوسوس له بأنّ الله غير موجود _ تعالى الله عن ذلك علواًّ كبيراً _ وتبدأ هذه الفكرة تنمو، ثمّ يبدأ هذا الشّخص يفكر ويتساءل مع نفسه: كيف ذلك ؟ هل الله موجود حقيقةً ؟ وهل هو مخلوقٌ ؟ ومن خلقه ؟ إلى غير ذلك من الوساوس والأوهام الّتي تنتاب الإنسان وتسيطر عليه.
ونورد بعض الأحاديث الواردة في هذا الصّدد لكي يتّضح لنا ذلك أكثر. (1/19)
صفحة 20
01_ فعن أبي هريرة _ رضي الله عنه _ قال: «جاء أناس من أصحاب النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - فسألوه: إنّا نجد في أنفسنا ما يتعاظم (1) أحدنا أن يتكّلم به، قال: وقد وجدتموه ؟ قالوا: نعم، قال: ذلك صريح الإيمان» (2) .
قال الخطابي (3) (388هـ): «ذلك صريح الإيمان»، معناه: أنّ صريح الإيمان هو الّذي يمنعكم من قبول ما يلقيه الشّيطان في نفوسكم والتّصدّق به، وليس معناه أنّ الوسوسة نفسها صريح الإيمان، وذلك إنّما تتولّد من فعل الشّيطان وتسويله فكيف يكون إيماناً صريحاً ! (4)
__________
(1) _ (إنّا نجد في أنفسنا ما يتعاظم): أي يجد أحدنا التّكلّم به عظيماً، لاستحالته في حقّه سبحانه وتعالى.
(2) _ (ذلك صريح الإيمان) معناه: استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان، فإنّ استعظام هذا وشدّة الخوف منه ومن النّطق به فضلاً عن اعتقاده إنّما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالاً محقّقاً وانتفت عنه الرّيبة والشّكوك =
= والحديث أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها، رقم 109، 01/119.
وأبو داود في كتاب الأدب، باب ردّ الوسوسة، رقم 5111، ص 897.
(3) _ حمد بن محمّد بن إبراهيم بن الخطّاب البستيّ، أبو سليمان: فقيه محدّث من أهل بست (من بلاد كابل)، من نسل زيد بن الخطّاب (أخي عمر بن الخطّاب)، له مؤلّفات عديدة منها: "معالم السّنن" في شرح سنن أبي داود، و"بيان إعجاز القرآن"، و"إصلاح غلط المحدّثين"، و"غريب الحديث"، وله شعر أورد منه الثّعالبيّ في "اليتيمة" نتفاً جيّدة، وكان صديقاً له، توفّي في بست (رباط على شاطئ هرمند)، (الزّركليّ: الأعلام، 02/273).
(4) _ الخطّابيّ: معالم السّنن شرح أبي داود، دار الكتب العلميّة، 1996م، بيروت، لبنان، 04/13. (1/20)
صفحة 21
02_ عن عبد الله _ رضي الله عنه _ قال: «سئل النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - عن الوسوسة، قال: تلك محض الإيمان» (1) .
03_ وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لا يزال النّاس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق اللهُ الخلقَ، فمن خلق الله ؟ فمن وجد من ذلك شيئاً فليقل: آمنت بالله» (2) .
04_ وروي عن أبي هريرة أنّه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «يأتي الشّيطان أحدَكم فيقول: من خلق كذا وكذا ؟ حتّى يقولَ له: من خلق ربّك ؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته» (3) .
05_ وروي عن يزيد الأصمّ، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «ليسألنّكم النّاس عن كلّ شيءٍ حتّى يقولوا: الله خلق كلّ شيءٍ فمن خلقه ؟» (4) .
__________
(1) _ (محض الإيمان) معناه: سبب الوسوسة محض الإيمان، أو الوسوسة علامة محض الإيمان.
والحديث رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها، رقم 211، 01/119.
(2) _ (آمنت بالله) معناه: الإعراض عن هذا الخاطر الباطل والالتجاء إلى الله تعالى في إذهابه، والحديث أخرجه أحمد، 06/106.
(3) _ (فليستعذ بالله ولينته) معناه: إذا عرض له هذا الوسواس فليلجأ إلى الله في دفع شرّه، وليعرض عن الفكرة في ذلك، وليعلم أنّ هذا الخاطر من وسوسة الشّيطان، وإنّما هو يسعى بالفساد والإغراء فليعرض عن الإصغاء إلى وسوسته، وليبادر إلى قطعها بالاشتغال بغيرها.
رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها، رقم 214، 01/ 160.
(4) _ المصدر السّابق: في كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها، رقم 216، 01/160. (1/21)
صفحة 22
فهذه بعض الأحاديث الواردة من الوسوسة في جانب العقيدة، فقد كانت تعتري بعض الصّحابة منذ عهد النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - فيأتون إليه ويظهرون له ما يجدونه في أنفسهم من الوسوسة والخواطر الرّديئة حتّى يتساءلون في أنفسهم من تلك حيث يتعاظم عليهم ويخشون أن يتكلّموا به رغم أنّهم يعلمون استحالة ذلك في حقّ الله تعالى، فبيّن لهم الرّسول - صلى الله عليه وسلم - أنّ الّذي يجدونه في أنفسهم من استعظام ذلك الأمر، وشدّة الخوف منه والنّطق به _فضلاً عن اعتقاده وعدم الشّكّ والرّيبة فيه _ إنّما هو من الإيمان نفسه وهو المراد في قوله: «ذلك صريح الإيمان».
أي صريح الإيمان هو الّذي يمنعهم من قبول ما يلقيه الشّيطان في أنفسهم، وليس المراد منه أنّ الوسوسة نفسها هي صريح الإيمان؛ لأنّها من فعل الشّيطان فيستحيل أن يكون ذلك إيماناً صريحاً، لأنّه عدوّ الله تعالى، فهو يسعى دائماً إلى الضّلال والشّقاوة ولا يسعى إلى الهداية والسّعادة.
وكما كانوا يسألونه عن الوسوسة نفسها فيعالج لهم القضيّة قائلاً: إنّها علامة محض الإيمان، لذلك فإنّ هذه الوسوسة مظهرٌ من مظاهر عجز الشّيطان؛ لأنّه عندما يعجز عن إبعاد العبد عن الطّاعة وجرّه إلى المعصية يلجأ إلى التّشويش عليه بالخواطر والأفكار التّشكيكيّة عليه في ذات الله تعالى، وقد بلغ من خوف الصّحابة من هذا الوسواس أن شَكَوْا ذلك إلى النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - كما في الحديث: «هذا خلق الله فمن خلق الله ؟ فقال لهم الرّسول - صلى الله عليه وسلم - : من وجد شيئاً من ذلك في نفسه فليقل: آمنت بالله »، يعني: أن يعرض عن هذه الخواطر ويلتجئ إلى الله تعالى في إذهابه.
وهذا الوسواس قد يتعرّض له الإنسان في مرحلةٍ من مراحل حياته، ونتيجة ظروفٍ معيّنةٍ تمرّ به كأن يكون مريضاً، أو يمرّ بتجربةٍ قاسيةٍ فيفشل في أمرٍ من أمور الحياة. (1/22)
صفحة 23
فنقول إنّ الرّسول - صلى الله عليه وسلم - قد عالج هذه المشكلة فلم يبق لنا أيّ حيرةٍ فيما يتعلّق بهذا الأمر.
هذا فيما يتعلّق بالوسوسة في ميدان العقيدة، وقد قدّمناها لأنّها أخطر أنواع الوسوسة بالنّسبة إلى المسلم، إذ تتعلّق بذات الله تعالى وصفاته، أمّا في ما يتعلّق بالوسوسة في جانب العبادات فسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في نهاية هذا المبحث وكذلك المبحث الأوّل في وجهة نظر الدين من الفصل القادم.
المطلب الثّالث: آراء علماء الدّين في أسباب الوسوسة:
قبل أن نخوض في هذا الموضوع يمكن أن نُرجعه إلى عدّة أسبابٍ أو عوامل، منها الجهل في أمور الدّين، وشيوع الخرافات والجري وراء الأساطير، وادّعاء الشّفافيّة التّامة بين العبد وربّه، والأسباب كالآتي:
01_ الجهل بأمور الدين:
لا شكّ أنّ الجهل بأمور الدّين يسبّب للإنسان الوساوس في أمور دينه، فالعلم هو الّذي يجعله قادر التّغلّب على الشّيطان الّذي يسبّب له الوساوس وعارفاً أيضاً كيفيّة الخلاص من مكائده له.
يقول ابن الجوزيّ (1) (597هـ):
"اعلم أنّ الباب الأعظم الّذي يدخل فيه إبليس على النّاس هو الجهل، فهو يدخل منه على الجهّال بأمان، وأمّا العالم فلا يدخل منه إلاّ على مسارقةٍ، وقد لبّس إبليس على كثيرٍ من المتعبّدين بقلّة علمهم لأنّ جمهورهم يشتغل بالتّعبّد ولم يحكم بالعلم" (2) .
__________
(1) _ عبد الرّحمن بن علي بن محمّد الجوزيّ القرشيّ البغداديّ، أبو الفرج: علامة عصره في التّاريخ والحديث، كثير التّصانيف، مولده ووفاته ببغداد، له نحو ثلاثمائة مصنّف، منها: "تلبيس إبليس"، و"زاد المسير في علم التّفسير"، و"صيد الخاطر"، و"النّاسخ والمنسوخ"، و"صولة العقل على الهوى"، (الزّركليّ: الأعلام، 03/316).
(2) _ أبو الفرج عبد الرّحمن المشهور بابن الجوزيّ: تلبيس إبليس، دار التّقوى، شبر الخيمة، 2003م، القاهرة، 175. (1/23)
صفحة 24
ففي هذا النّصّ بيانٌ واضحٌ للفرق الكبير الّذي بين العالم والجاهل المتعبّد؛ لأنّ إبليس يدخل على الجاهل بأمانٍ ويلبّس عليه بقلّة علمه بخلاف العالم فلا يدخل عليه إلاّ مسارقةً.
ويؤيّده هذا قولُ الله تعالى: { هَلْ يَسْتَوِي الّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُواْ الأَلْبَابِ } (سورة الزّمر: 09).
فالعالم يبصر الأمور بنور الله تعالى وببصرٍ من العلم، ويستطيع أن يعالج كلّ ما يعترض له في حياته، بخلاف الجاهل فإنّه يجهل هذه الأمور ومن ثمّ يكون ضحيّة لكلّ ما يتعرّض له في حياته فضلاً عن وساوس الشّيطان الّتي تلازمه طول حياته، ولا يستطيع الانفكاك عنها.
02_ أصحاب النّفوس الطيّبة والشّفافيّة القلبيّة:
ذكر أحد الباحثين أنّ هذا يرجع إلى عوامل اجتماعيّة ونفسيّة، إذ تنتاب أهل الشّفافيّة كثيرٌ من هذه الوساوس والخواطر المفزعة والأوهام الكاذبة فيقول:
"إنّ هناك عوامل نفسيّة واجتماعيّة تسبّب الوساوس وتعتري الوساوس بالأكثر النّاس
ذوي الحساسيّة الشّديدة، فأهل الشّفافيّة والقلوب الصّافية هم الّذين تتطرّق إليهم الوساوس أكثر من غيرهم" (1) .
وأعتبر شخصياً أنّ هذه العوامل _ لا شكّ _ أنّها تسبّب الوساوس لهؤلاء النّاس فادّعاء الشّفافيّة التّامّة بين العبد وربه غير معقول؛ لأنّ الإنسان مهما بلغ من التّقوى والورع لن يبلغ مرتبة الأنبياء والرّسل الكرام _ عليهم الصّلاة والسّلام _ حيث لا يوجد بينه وبين الله رسولٌ ولا وحيٌ يوحى إليه، ولذا ينتج عن هذا الادّعاء الوساوس والخواطر المفزعة والأوهام الكاذبة.
__________
(1) _ من سلسلة دروس الشّيخ ناصر السّابعيّ: الرّقية الشّرعيّة_ الاستشفاء بالصّدقة والعلاج من الوسواس، إنتاج مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلاميّة، سلطنة عمان، الرّستاق، 36/2003م. (1/24)
صفحة 25
وقد يؤدّي هذا الادّعاء من هذا الشّخص إلى إضلال النّاس في المجتمع الّذي يعيش فيه فيُعجب به بعض العوامّ أو الجهّال فيصدّقونه في كلّ ما يقوله لهم ولو كان ذلك من علم الغيب الّذي لا يعلمه إلاّ الله تعالى.
ولهذا نقول: إنّ هذه العوامل نفسيّة كانت أم اجتماعية تسبّب الوساوس لأصحابها.
03_ سيطرة الأوهام على الإنسان في العبادات:
فعندما تسيطر الأوهام والشّكوك على أيّ شخص أثناء أداء العبادات فإنّ ذلك يسبّب الوسواس سواءٌ كان ذلك في الوضوء أو الصّلاة أو غيرها.
فمن أساليب الشّيطان في الوسوسة: التّشكيك في الطّهارة والإيهام بأنّ الطّهارة غير كاملةٍ، ومن ذلك: غسل الأعضاء في الوضوء أكثر من ثلاث مرّاتٍ، أو إعادة الوضوء مرّاتٍ عديدة، وقد تؤدّي هذه الإعادة إلى تفويت صلاة الجماعة عنه، وقد أخبرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف نتوقّى هذا الوسواس حيث ورد في الحديث: «أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يبول الرّجل في مستحمّه، وقال: إنّ عامّة الوسواس منه» (1) .
__________
(1) _ الوَسواس: يجوز في الواو الأولى الفتح والكسر، وهو بالكسر المصدر وبالفتح الاسم.
والحديث أخرجه التّرمذيّ، أبواب الطّهارات، باب ما جاء في كراهيّة البول في المغتسل برقم 21، 01/33، وقال: الإسناد صحيح.
وأخرجه أحمد في المسند، 05/56.
وابن ماجه في كتاب الطّهارات وسننها، باب كراهيّة البول في المغتسل، 01/111. (1/25)
صفحة 26
والشّيطان الّذي يوسوس في الطّهارة اسمه (الوَلْهَانُ) (1) ، كما ورد في الحديث: «إنّ للوضوء شيطاناً يقال له: الولهان فاتّقوا وَِسواس الماء» (2) .
وقد يوسوس الشّيطان للإنسان في صلاته، ويوهمه بأنّ وضوءه قد انتقض، فعلى الإنسان في هذه الحالة عدم الالتفات إلى ذلك، بل يطرد الشّكّ باليقين.
وقد ورد في الحديث أنّه: «شُكي إلى النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - الرّجل يجد في الصّلاة شيئاً أيقطع الصّلاة؟ قال: لا حتّى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» (3) .
__________
(1) _ الولهان: مصدر: وَلَهَ، إذا تحيّر الشّيطان لإلقاء النّاس في التّحيّر، وسمّي بهذا الاسم (وسواس الماء) أي وسواس يفضي إلى كثرة إراقة الماء حالة الوضوء والاستنجاء، أو المراد بالوسواس التّردّد في طهارة الماء ونجاسته بلا ظهور علامات النّجاسة.
(2) _ أخرجه التّرمذيّ: أبواب الطّهارات، ما جاء في كراهية الإسراف في الماء، 01/85، وقال حديثٌ غريبٌ ليس إسناده بالقويّ عند أهل الحديث لأنّنا لا نعلم أحداً أسنده غير خارجة، وليس بقويّ عند أصحابنا، ثمّ قال: ضعّفه ابن المبارك.
_ أخرجه ابن ماجه في كتاب الطّهارة وسننها، باب ما جاء في القصد في الوضوء وكراهية التّعدي فيه، 01/146.
_ والطّيالسيّ (204هـ): 02/24، رقم 547 بلفظٍ مختصرٍ.
_ وأخرجه أحمد في المسند: 05/136، بلفظٍ قريبٍ.
_ ورواه الإمام الرّبيع بن حبيب في كتاب الطّهارة، باب جامع الوضوء من حديث جابر بن زيد، حيث قال: بلغني عن أبيّ بن كعب، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إنّ لبدإ الوضوء شيطاناً يقال له: الولهان فاحذروه»، قال الرّبيع: وإنّما قيل له الولهان؛ لأنّه يلهي النّفوس، ص 63.
(3) _ رواه البخاريّ في كتاب البيوع، باب من لم ير الوسواس ونحوها من الشّبهات، رقم 2056، الفتح 02/06.
وقال ابن أبي حفصة عن الزّهريّ: لا وضوء إلا فيما وجدت الرّيح أو سمعت الصّوت. (1/26)
صفحة 27
كما أنّ الشّيطان قد يوسوس على الإنسان في أثناء صلاته وذلك بالتّشويش عليه بإعادة بعض الحروف وتكرارها، وإعادة النّيّة إضافةً إلى كثرة الشّرود في الصّلاة والسّهو فيها.
والشّيطان الّذي يوسوس في الصّلاة اسمه (خِنْزَب)، وذلك لما روي أنّ عثمان بن أبي العاصّ أتى النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «يا رسول الله إنّ الشّيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها (1) عليّ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ذاك شيطانٌ يقال له خِنزَب، فإذا أحسسته فتعوّذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثاً، فقال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عنّي» (2) .
هذا بعضٌ ممّا يتعلّق بوسواس الشّيطان للإنسان في العبادات وقد يوسوس أيضاً للإنسان في المعاملات، وسوف نذكر بعضاً منها في علاج الوسواس إن شاء الله تعالى ونذكر أقوال العلماء فيها.
المبحث الثّاني: رأي علم النّفس في أسباب الوسواس:
عندما يفقد الإنسان السّيطرة على نفسه وتبدأ الهموم والقلاقل تتحكّم في حياته فإنّ أمراضاً شتّى سوف تزحف إليه من كلّ الاتّجاهات ليصبح بعد ذلك صريعاً لا يقدر على شيءٍ فيسقط بعد ذلك في مستنقع الوسواس، وكما هو معلومٌ أنّ لكلّ أثرٍ من مؤثرٍ، ولكلّ سببٍ من مسببٍ، ولكلّ مرضٍ أسبابٌ ولا شكّ أنّ لمرض الوسواس أسباباً وقد ذكر أحد المعاصرين المهتمّين بهذا الأمر خمسة عوامل رئيسيّة هي بإيجاز (3) :
__________
(1) _ يلبسها: أي يخلطها ويشكّكني فيها.
(2) _ أخرجه مسلم في كتاب الصّلاة، باب التّعوّذ من شيطان الوسوسة في الصّلاة، رقم 2203، 02/1728.
_ وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 04/216.
(3) _ صلاح الرّاشد: شريط سمعيّ بعنوان: كيف تريح بالك وتطرد الوساوس، أُحُد للإنتاج الإعلاميّ والتّوزيع، المملكة العربيّة السّعوديّة، الرّياض، مؤسّسة الخالدين للإنتاج الإعلاميّ، الكويت. (1/27)
صفحة 28
01_ العوامل البيولوجيّة: إذ يرى الأطباء أنّ هناك خللاً في عمليّة (السّيروتوينوم) في العقل يسبّب في الوسواس والأفعال القهريّة.
02_ العوامل البيئيّة: فللبيئة أثرٌ كبيرٌ في تعليم الإنسان كيف يتصرّف مع الأفكار والأحداث والحياة بشكلٍ عامّ، فالطّفل يرى عناد أبيه أو استمراريّة طلب الكمال فينتقل هذا السّلوك له فينتج عنه الوسواس.
وأضيف إلى هذا أنّ المشاكل والهموم والتّفكير والضّيق والاشتغال الذّهنيّ الكثير كلّ هذه الأمور تسبّب الوساوس، وكذلك ضعف التّغذية يسبّب الوسواس.
03_ العوامل النّفسيّة: وهي مجموعة الانفعالات الّتي تجتاح الإنسان وتسيطر على باطنه وأهمّها: القلق، والكبت، والإحباط، والخوف، وهي من معوّقات السّعادة بشكلٍ عامٍّ.
04_ العوامل (الباراسيكولوجيّة):
وهذا يحتمل أمرين: الأوّل: التّأثيرات الشّيطانيّة، والثّاني: التّأثيرات الإنسانيّة.
أمّا التّأثيرات الشّيطانيّة فنحن المسلمين نعتقد أنّ الله تعالى قد خلق مخلوقاتٍ كثيرة غيرنا، منها ما نعرفه ومنها ما لا نعرفه، وبعضها أخبرنا الله عنها، وبعضها لا نعرف عنها شيئاً، ومن ذلك الشّياطين.
فالشّياطين توسوس للإنسان عن طريق إرسال موجاتٍ متكرّرة من الأقوال أو الأفكار أو الصّور إلى الشّخص المقصود فإذا استجاب الشّخص دخلت وإلاّ خنست (1) .
وأمّا التّأثير الإنسيّ فهو أشدّ من التّأثير الشّيطانيّ لأنّ التّأثير الشّيطانيّ يخنس عند الذّكر أمّا الإنسيّ فلا يخنس بالذّكر، بل بالإعراض عنه والدّفع بالّتي هي أحسن.
05_ العوامل الرّوحيّة:
__________
(1) _ المصدر السّابق: رقم الشّريط، 01، سنة 1999م، بتصرّف. (1/28)
صفحة 29
ينبغي أن نعلم أنّ كلّ من لديه في حياته رسالة واضحة ومهمّة سامية ينشغل بتلك الرّسالة فسيحافظ على روحانيّةٍ عاليةٍ، فنادراً ما يعاني من المشاكل النّفسيّة بشكلٍ عامٍّ والوسواس بشكلٍ خاصٍّ، لأنّ الشّخص المشغول في تحقيق أهدافٍ واضحةٍ وطموحاتٍ علميّة لا وقت لديه للقلق والوساوس، فالعقل إن لم يشغله بالإيجاب شغله بالسّلب؛ لأنّه لا يتوقّف نشاطه، فإن لم يشغله صاحبه بأهدافٍ محدّدة أشغله بتوافه الأمور فينتج عن ذلك ارتكاب الجرائم والعياذ بالله من ذلك.
ونضيف إلى هذه العوامل والأسباب الكبت النّفسيّ، وهذا معروفٌ لدى النّاس جميعاً، فعندما يكون لشخصٍ ما مشاكل وهموم وضيق فضلاً عن عدم الارتياح النّفسيّ، ثمّ لا يجد من يصرّح له بهذه الأمور، أو هو بنفسه يكبتها ولا يتحدّث بها إلى أحدٍ فإنّه سوف ينتج عن ذلك وساوس.
ويقول بعض الباحثين: إنّ العشق والحبّ أيضاً يؤدّيان بالإنسان إلى مرض الوسواس.
هكذا تبدو القضيّة معقّدةً تتداخل فيها عوامل جمّة، نفسيّة واجتماعيّة، وعقليّة وروحيّة، وتتشابك فيها الأفكار، وسوف نرى في الفصل الخاصّ بطرق العلاج وسبل النّجاة ما يدفع هذا كلّه، ويعيد للإنسان آدميّته وكرامته تلك الّتي يقصد إليها القرآن الكريم والسّنّة المطهّرة، لكنّنا نأتي إلى بيان مظاهر الوسوسة ووجهة نظر الدّين لها في الفصل القادم إن شاء الله تعالى.
الفصل الثّالث: مظاهر الوسوسة:
المبحث الأوّل: تصوير علماء الدّين
المبحث الثّاني: تصوير علم النّفس
المبحث الثّالث: أنواع الوساوس
المبحث الرّابع: المواصفات الّتي يتّصف بها الشّخص الوسواسيّ
المبحث الخامس: آثار الوساوس السّلبيّة ومضارّها على الإنسان
المبحث الأوّل: تصويرعلماء الدّين: (1/29)
صفحة 30
نظر العلماء إلى مظاهر الوسوسة على أنّها حقيقةٌ وهي مرتبطةٌ بما تدلّ عليه النّصوص الشّرعيّة من الكتاب والسّنّة وتؤكّد عليه، وقد علمنا ثبوت وجود الوسواس في كثيرٍ من هذه النّصوص ذات الأدلّة القطعيّة المتواترة فضلاً عمّا نراه في كتب أهل العلم قديماً وحديثاً تلك الّتي تتحدّث عن الوسواس إضافةً إلى ما نراه في حياتنا اليوميّة من أولائك النّاس الّذين يعانون من هذا المرض ويقاسون من آثاره.
فهذه النّصوص الّتي تتحدّث عن الوسواس في العبادات أو المعاملات كالطّلاق مثلاً وغيره فكلّ ذلك عند العلماء من الشّيطان؛ لأنّه مصدر هذا الوسواس.
فالشّيطان إنّما يستحوذ على النّفوس وينفث وساوسه في القلوب بواسطة النّفس الأمّارة بالسّوء وكما ينظر أئمّة الإسلام إلى الوساوس على أنّها نتاج حديث النّفس وأمانيها في الشّهوات واللّذات فإذا انحرف الشّخص فعلاً نحو هذه الشّهوات أعتاد الغفلة فتصبح الوسوسة طبعه الغالب وفي هذا الصّدد يقول أحد العلماء:
"إنّ الوسوسة من مبادئ الإرادة، فإنّ القلب يكون فارغاً من الشّرور والمعصيّة فيوسوس إليه، ويخطر الذّنب فتصير بعد ذلك إرادةً".
ثمّ ذكر مراحل الوسوسة وموضعها حيث قال: "فالخطرة ثمّ الشّهوة ثمّ الإرادة، ثمّ العزيمة الجازمة، ثمّ الذّنب، والصّدر موضع الوسوسة" (1) .
نستنتج من هذه النّصوص أنّ البعد عن منهج الله تعالى والغفلة عن ذكره هما السّببان الرئيسيّان في تمكّن الشّيطان في إدخال هذه الظّواهر السّيّئة في قلب الإنسان حتّى يقترف المعاصي.
وسوف نورد بعض الظّواهر الّتي ذكرها العلماء في حالات الموسوسين الّذي ابتلوا بالوسواس وإلى أيّ درجةٍ وصل تأثير الوسواس عليهم وأكثرها في جانب العبادات:
أ_ المكث في الخلاء:
__________
(1) _ رفاعي سرور: عندما ترعى الذئاب، دار الفرقان، الطّبعة الرّابعة، 01/77، بتصرّف. (1/30)
صفحة 31
يقول ابن الجوزيّ (597هـ): "إنّه أي إبليس يأمرهم بطول المكث في الخلاء، وذلك يُؤذي الكبد، وإنّما ينبغي أن يكون بمقدارٍ".
ب_ في النّيّة:
قال: "منهم من يلبّس عليه في النّيّة فتراه يقول: أرفع الحدث ثمّ يقول: أستبيح الصّلاة ثمّ يعود فيقول: أرفع الحدث، وسبب هذا الجهل بالشّرع؛ لأنّ النّيّة بالقلب لا باللّفظ فتَكَلُّفُ اللّفظ أمرٌ لا يحتاج إليه، ثمّ لا معنى لتكرار اللّفظ، ومنهم من يأمره بكثرة استعمال الماء" (1) .
ومن هذا المرض يتبيّن لنا أنّ المصاب بالوسواس يكلّف نفسه أشياء لم يأمر بها الشّرع سواءً أكان ذلك بطول المكث في الخلاء أو النّيّة في الصّلاة إضافةً إلى كثرة استعمال الماء سواءً أكان ذلك في الغسل أو الوضوء وغيرهما، وقد ورد النّهي عن الإسراف في استعمال الماء.
ج_ في الصّلاة:
وقد صوّر ابن القيم (2) (751هـ) _ رحمه الله _ أشياء غريبةً عن أحوال بعض النّاس، ووصف تصرّفاتهم في الصّلاة، وقال:
__________
(1) _ تلبيس إبليس: 176، بتصرّف.
(2) _ محمّد بن أبي بكر بن أيّوب بن سعد الزُّرعيّ الدّمشقيّ، أبو عبد الله شمس الدّين: من أركان الإصلاح الإسلاميّ، وأحد كبار العلماء، مولده ووفاته في دمشق، تتلمذ لشيخ الإسلام ابن تيميّة، حتّى لا يخرج عن شيءٍ من أقواله، بل ينتصر له في جميع ما يصدر عنه، وهو الّذي هذّب كتبه ونشر علمه وسُجن معه في قلعة دمشق، وأُهين وعذّب بسببه، وكان حسن الخلق، محبوباً عند النّاس، وقد ألّف تصانيف كثيرةً منها: "إغاثة اللّهفان"، "زاد المعاد"، "الجواب الكافي"، "الطّرق الحكيمة في السّياسة الشّرعيّة"، "طبّ القلوب"، "تفسير المعوّذتين"، وغيرها، (الزّركليّ: الأعلام، 06/56). (1/31)
صفحة 32
"ومن هؤلاء من يأتي بعشر بدعٍ لم يفعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحدٌ من أصحابه وواحدةٌ منها حيث يقول: أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم، نويت أصلّي صلاة الظّهر فريضة الوقت أداء الله تعالى إماماً أو مأموماً، أربع ركعاتٍ ، مستقبل القبلة، ثمّ يزعج أعضاءه ويحني جبهته، ويقيم عروق عنقه، ويصرخ بالتّكبير، كأنّه يكبّر على العدوّ، ولو مكث عمر نوح عليه السّلام يفتّش: هل فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو أحدٌ من أصحابه شيئاً من ذلك لما ظفر به إلاّ أن يجاهر بالكذب البحت، فإن كان هذا هدياً فقد ضلّوا عنه، وإن كان الّذي كانوا عليه هو الهدى والحقّ فما بعد الحق إلاّ الضلال.
ومن أصناف الوسواس: ما يفسد الصّلاة، مثل تكرير بعض الكلمة، كقوله في التّحيات: التّـ التّـ ، التّحيـ التّحيـ ، وفي السّلام: السّـ السّـ ، وقوله في التّكبير: أكككبر ونحو ذلك، فهذا الظّاهر بطلان الصّلاة، وربّما كان إماماً فأفسد صلاة المأمومين، وصارت الصّلاة الّتي هي أكبر الطّاعات أعظم إبعاداً به عن الله من الكبائر" (1) .
ونكتفي بهذا القدر المفصّل تفصيلاً واضحاً بالنّسبة لحال الموسوسين.
ممّا سبق يتبيّن لنا أنّ العلماء في الحقيقة يهتمّون بتصوير مظاهر الوسواس على جانب العبادات كثيراً ويتحدّثون عنه في كثيرٍ من كتبهم ناظرين إلى أهمّية الصّلاة إضافةً إلى أنّهم ينظرون إلى الوسواس بصفةٍ عامّةٍ ولا يتطرّقون إلى تصنيفه مثل ما يصنّفه العلماء النّفسيّون وسوف يظهر لنا ذلك في مبحث رأي علم النّفس في مظاهر الوسوسة قريباً إن شاء الله.
__________
(1) _ ابن القيم الجوزيّة: إغاثة اللّهفان، دار ابن زيدون، بيروت، لبنان، 146، بتصرّف. (1/32)
صفحة 33
وهذا هو الفرق الجوهريّ الأساسيّ بينهما كما رأينا ذلك في النّصوص الّتي تتحدّث عن الوسواس سواءً أكان ذلك من الكتاب أو السّنّة النّبويّة الشّريفة أو ما قاله العلماء في كتبهم قديماً وحديثاً، والأصل في الوسواس عند علماء الدّين أنّه شيطانٌ رجيمٌ يوسوس في صدر الإنسان، فإذا ذكر العبد ربّه خنس وخرج من صدره وكذلك شياطين الإنس توسوس له أيضاً.
المبحث الثّاني: تصويرعلم النّفس:
في علم النّفس هناك مرضٌ يطلق عليه الوساوس القهريّة، فهذه الكلمة تتكوّن من كلمتين: وساوس، وقهريّة، فالوساوس: يقصد بها المخاوف أو الخواطر المتسلّطة على ذهن الإنسان، وقهريّة: يقصد بها الأعمال الّتي يقوم بها الإنسان بطريقةٍ لا إراديّةٍ وهو ما يسمّيه بعض علماء النّفس: الإرغام (1) وهي حالةٌ تدفع الفرد إلى أداء نفس العمل مرّاتٍ ومرّاتٍ كما يسمّيه علماء الصّحّة النّفسيّون بالاندفاع القسريّ (2) (compulsion).
ولذلك ينبغي التّفرقة بين هذا النّوع وسابقه؛ لأنّ الشّخص قد يعاني من وساوس متسلّطة ولا يعاني من أفعالٍ قهريّة، فالوساوس تتعلّق بذهن الإنسان، أمّا الأفعال القهريّة تتعلّق بفعل شيءٍ من أجل إيقاف هذه الفكرة فيجد الفرد نفسه منساقاً لفعلها كأن يغسل يديه مرّاتٍ عديدة، بالماء والصّابون كلّما لامس كتاباً أو باباً أو صافح شخصاً، حيث يعتقد أنّ جميع الأشياء الّتي لامسها كانت ملوّثةً بالجراثيم القاتلة، أو أنّ جميع الأيدي الّتي صافحها كانت ملوّثةً وهكذا.
وقد ذكر أحد علماء النّفس المحدثين هذين النّوعين في التّفرقة بينهما، حيث قال:
__________
(1) _ فاروق عبد الفتّاح: أسس السّلوك الإنسانيّ، 457.
(2) _ أحمد عزّت راجع: أصول علم النّفس، دار المعارف، 1979م، القاهرة، 530. (1/33)
صفحة 34
"والوسوسة قد تكون ذهنيّة كما هو الحال إزاء الفكرة الثّابتة، كما أنّها قد تكون أداءً حركياًّ مثلما يحدث في الأعمال العصابيّة القهريّة" (1) .
كما يميل علماء النّفس إلى اعتبار هذا المرض حيلةً دفاعيّةً لا شعوريّة للتّخفيف ممّا يعانيه المريض من شعورٍ نفسيٍّ (2) .
من خلال ما تقدّم نلاحظ أنّ هناك علاقةً متينةً بين الوساوس المتسلّطة والأفعال القهريّة؛ لأنّ الشّخص الّذي يجد نفسه منساقاً لأداء حركاتٍ متكرّرةٍ بطريقةٍ لا إراديّةٍ هو الّذي يعاني من الوساوس المتسلّطة، وبالتّالي يجد الوسواسيّ راحةً في القيام بهذه الأعمال، ولو منع من أدائها لاشتدّ به التّوتّر والقلق.
ذكر أحد الباحثين في مجال علم النّفس مظاهر عديدةً للشّخص الوسواسيّ إلاّ أنّنا نسلّط الضّوء على بعضها لكي نعرف حقيقة الوسواس في عدّة مجالاتٍ يتحدّث عنها علم النّفس.
أوّلاً: سيطرة الوسواس على المفكّر:
يقول هذا الباحث (3) : إنّه قد تسيطر فكرةٌ معيّنةٌ على عقل المفكّر بحيث يلبسها كلّ دراسةٍ يقوم بها ويفرضها على كلّ فكرةٍ أو حقيقةٍ يقابلها، بل يفرضها على كلّ من يتّصلون به أو يخضعون له في دراستهم.
ثانياً: سيطرة الوسواس على الطّبيب:
وقد يسيطر الوسواس على أحد الأطبّاء فيُسقِط وساوسه على كلّ حالةٍ مرضيّةٍ تعرض عليه، فإذا كان وسواسه المسيطر عليه هو الإصابة بالسّرطان مثلاً، فكلّ ورمٍ يشكو منه أحد مرضاه يرى فيه ذلك المرض الخبيث.
ثالثاً: في مجال التّعليم:
__________
(1) _ يوسف ميخائيل أسعد: عاداتك عنوان شخصيّتك، دار غريب، الطّبعة الحادية عشر، 1998م، القاهرة، 120.
(2) _ موسوعة علم النّفس الشّاملة: 1998م، بيروت، 10/137.
(3) _ يوسف ميخائيل أسعد: قوّة الإرادة، 150، بتصرّف. (1/34)
صفحة 35
قال: نجد كثيراً من المدرّسين والتّلاميذ قد وقعوا تحت وطأة الوسواس والأعمال القهريّة، ومن ذلك: اعتقاد أحد المدّرسين أنّ قيامه بضرب جميع تلاميذ الفصل قبل بداية الشّرح ضروريّ لانضباطهم، فكلّما دخل الفصل يبدأ عمله بضرب جميع الطّلاّب ممّا اضطرّ إدارة المدرسة إلى التّدخّل لحماية التّلاميذ من وحشيّة ذلك المدرّس الموسوس.
وذكر أيضاً حالة التّلميذ الّذي اعتقد أنّ المدرسّين يضطهدونه فسيطرت عليه فكرة الاضطهاد حتّى شكّلت لديه وسواساً لا انفكاك منه فاعتقد أنّ هناك بعض المراقبين في الامتحانات العامّة يقفون له بالمرصاد فكلّما دخل اللّجنة ركّز انتباهه على المراقب متوقعاً منه الشّرّ.
بهذه المظاهر يتبيّن لنا سيطرة الوسواس على الموسوس في مجال علم النّفس وهذا هو الفرق الأساسيّ بين نظرة الدّين وعلم النّفس، فالدّين يركّز أكثر في مجال العبادات كما رأينا ذلك سابقاً، بينما علم النّفس لا يركّز على جانب الدّين، بل يركّز على ما هو واقعيّ في الحياة وقابل للتّجربة، ولا يتطرّق للغيبيّات.
وإذا نظرنا إلى الأمثلة السّابقة نجد الوسواس في كلّها يسيطر على ذهن الإنسان ويؤدّي به إلى القيام بأداء بعض الأعمال التّي ترسّخت في ذهن صاحبه:
فنجد المفكّر يفرض الفكرة التّي تسيطر عليه على كلّ من يتّصلون به أو يخضعون له في دراستهم، كما رأينا الطّبيب المصاب بالوسواس يسقط وسواسه على كلّ حالةٍ مرضيّةٍ تعرض عليه، فإذا سيطر عليه أيّ مرضٍ من أنواع الأمراض الوسواسيّة فإنّه يرى ذلك المرض في شخصِ المريض الّذي يشكو إليه مرضه ولو كان مرضه ليس هو. (1/35)
صفحة 36
وفي مجال التّعليم أيضاً رأينا أنّ المدرّس الّذي وقع تحت وطأة الوسواس يقوم بضرب جميع الطّلاّب كلّما دخل الفصل ونفس الشّبه في اعتقاد التّلميذ الّذي سيطرت عليه فكرة الاضطهاد حتّى شكّلت لديه وسواساً فاعتقد أنّ المراقبين يقفون له بالمرصاد فكلّما دخل لجنة الاختبارات ركّز انتباهه على المراقب متوقّعاً منه الشّرّ.
وبهذا نعلم خطورة الوسواس وما يؤدّي إليه من اعتقاداتٍ باطلةٍ لا أساس لها من الصّحّة فيرتكب أعمالاً لا يليق أن يتّصف بها أصحاب العقول السّليمة.
ونصل إلى النّتيجة بأنّ الوسواس أياًّ كانت مجالاته سواءً أكان في مجال العبادات أو المعاملات وكلّ ما هو في واقع حياتنا فإنّه يؤدّي بصاحبه إلى تصرّفاتٍ غير محمودةٍ، وكما يرى علماء النّفس أنّ الشّخص الوسواسيّ يبدو أحياناً هادئاً مسالماً وخجولاً، لكنّه بركان يغلي من الدّاخل، كما يرجعون بعض أمراض الوسوسة إلى الوراثة (1) .
وإتماماً للفائدة يعتبر علماء الصّحّة النّفسيّون الوسواس سرطان الأمراض النّفسيّة حيث يقولون: "والوسواس أكثر استعصاءً على العلاج وهو سرطان الأمراض النّفسيّة" (2) .
المبحث الثّالث: أنواع الوساوس:
ينقسم الوسواس عند علماء الدّين من حيث مصدره _ كما ورد في النّصّ القرآنيّ _ إلى قسمين:
وهو المقصود في قوله تعالى: { مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ } (سورة النّاس: 06).
كذلك يقسّمونه من حيث طبيعته إلى قسمين: ضروريّة واختياريّة:
أ_ فالضّروريّة: ما يجري في الصّدر من الخواطر ابتداءً ولا يقدر الإنسان على دفعه، فهو معفوٌّ عنه في جميع الأمم مصداقاً لقوله تعالى: { لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } (البقرة: 286).
__________
(1) _ حسن محمّد الشّرقاويّ: نحو علم نفس إسلاميّ، مؤسّسة شباب الجامعة، 2002م، الإسكندريّة، مصر، 130.
(2) _ أحمد عزّت: أصول علم النّفس، 532. (1/36)
صفحة 37
ب_ والاختياريّة: هي الّتي تجري في القلب وتستمرّ ويقصد صاحبه أن يعمل به ويتلذّذ منه كما يجري في قلبه حبّ امرأةٍ ويدوم عليه، ويقصد الوصول إليها وما أشبه ذلك من المعاصي (1) .
فهذا النّوع قد عفا الله تعالى عنه لهذه الأمّة خاصّةً، تشريفاً وتكريماً لنبيّنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - وأمّته، وهو المقصود في قوله تعالى: { رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا } (البقرة: 286).
وقد ذكرنا تقسيم علماء النّفس الوسواس إلى قسمين: وساوس تسلّطيّة، ووساوس قهريّة:
فالوساوس القهريّة هي الّتي تنقسم عند علماء النّفس إلى عدّة أنواعٍ وأشهرها كالآتي:
01_ الوساوس القهريّة تجاه النّجاسة والأوساخ:
وهذا النّوع يهتمّ صاحبه بالنّظافة أكثر وتتّضح صورته بالأمثلة الآتية:
الشّخص الّذي يحمل في جيبه مطهّراً كلّما لامس شخصاً طهّر يده، أو السّيّدة الّتي تغسل الملابس أكثر من مرّة للتّأكيد من نظافتها، أو الشّخص الّذي يتوضّأ مراراً حتّى يضمن أنّه فعلاً أحسن الوضوء، يقول أحد الباحثين: هذا النّوع منتشرٌ في بلادنا لأهمّية الصّلاة (2) .
02_ وساوس العنف:
مثل أن يتسلّط على الشّخص فكرة أنّه يستخدم الآلات الحادّة ويجرح فيها أحد أقاربه أو قد يجرح نفسه، أو قد يرمي بنفسه من الشّبّاك، أو قد يرمي بولده من الشّرفة، أو قد يتكرّر عنده شتم الذّات الإلاهيّة، أو سبّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، أو شتم والديه بألفاظٍ بذيئةٍ فهذا النّوع من الوساوس عنفيّة.
__________
(1) _ شرف الدّين الحسين بن محمّد بن عبد الله الطّيبيّ (743هـ): شرح الطّيبيّ على مشكاة المصابيح، دار الكتب العلميّة، الطّبعة الأولى، 2001م، بيروت، 01/214، بتصرّف.
(2) _ صلاح الرّاشد: رقم الشّريط 01، سنة 1999م. (1/37)
صفحة 38
03_ الوساوس الشّكوكيّة (1) :
هذا النّوع من الوساوس متعلّق بالشّكوك والتّردّد في القيام بعملٍ ما أو عدم القيام به، مثاله: الشّخص الّذي يوسوس تجاه الغاز ويتردّد مراراً للتّأكّد من أنّه مغلقٌ، أو يتأكّد من أنّه أغلق الباب، أو يطلب من خادمه أن يتأكّد من إغلاق باب السّيّارة، أو الشّكّ في التّلفّظ بكلمة الطّلاق، أو تلفّظ الحمد وما إلى ذلك !
04_ الوساوس العدّيّة:
بحيث يَعُدّ الشّخص فيه خطواته أو أعمدة الكهرباء في الطّريق، أو سلالم العمارة الّتي يسكن فيها أو أعداد السّيّارات أو أرقامها، أو عدّ الأحجار وما شابهه.
05_ وساوس المرض:
ويسمّيه الأطبّاء (hybocondrisis) وهو الّذي يشكّ فيه الشّخص من أنّه مصاب بمرضٍ فلا يرتاح حتّى يذهب إلى الطّبيب الّذي يُطمئنه من أنّه معافى وبعد أيامٍ يفعل الأمر نفسه وهكذا يتكرّر على الأطبّاء حتّى يملّوه، ومثل هذا النّوع يعالجه الأطبّاء النّفسيّون.
06_ الوساوس الصّوريّة:
وهو الّذي يتخيّل فيه الشّخص أينما يذهب صورة جثّةٍ ملقاةٍ أمامه، أو صورة حادثٍ متكرّرٍ.
وهناك أنواعٌ أخرى من الوساوس تتمثّل في الصّور والأشكال الآتيّة:
أ _ أن يرى الموسوس النّاس في الشّارع عراةً في خياله.
ب_ أن تتملّكه فكرة السّرقة فما يقع نظره على لمعان الذّهب إلاّ ودار في ذهنه سرقته والهرب به بالرّغم من أنّه لا يرغب في ذلك بتاتاً.
ج_ أن يصيبه الوسواس في خيانة زوجته له مع علمه التّام ببراءتها وأمانتها (2) .
المبحث الرّابع: المواصفات الّتي يتّصف بها الشّخص الوسواسيّ:
__________
(1) _ لندال دافيدوف: مدخل علم النّفس، دار ماكجروهيل، الولايات المتّحدة الأمريكيّة، الطّبعة العربيّة، 1982م، تصدر بالتّعاون مع المكتبة الأكاديميّة بالقاهرة، ودار المرّيخ للنّشر بالرّياض، 670.
(2) _ أحمد القبّانجيّ: الإسلام والصّحّة النّفسيّة ، مؤسّسة دار الكتاب الإسلاميّ، الطّبعة الأولى، 2002م، 111، بتصرّف. (1/38)
صفحة 39
على حسب ما اطّلعنا عليه في كتب علم النّفس إضافةً إلى الجرائد والصّحف الّتي تتحدّث عن الصّفات الّتي يتّصف بها الشّخص المصاب بالوسواس فإنّها تذكر هذه المواصفات مجملةً، وهنا سنحاول قدر الامكان أن نشرح بعضاً منها فالصّفة الأولى الّتي يتّصف بها الشّخص الوسواسيّ هي:
أوّلاً: الكماليّة والمثاليّة: هذه أهمّ صفات الشّخص الوسواسيّ "كماليّ مثاليّ" (perfectionist)، فالأمور عنده لا بدّ أن تكون 100%، أمّا 90% تعني كارثة،
و80% تعني مصيبة، لا بدّ أن يكون كلّ شيءٍ عنده متناسقاً ومن نوع الممتاز، واللّباس لا بدّ أن يكون من الصّوف الجيّد، والعمل عنده لا بدّ أن يكون مُتقناً وشعاره في ذلك الحديث الّذي رواه أبو يعلى عن عائشة _ أمّ المؤمنين _ رضي الله تعالى عنها أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنّ الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» (1) .
__________
(1) _ أخرجه الحافظ ابن حجر العسقلانيّ (852هـ) في المطالب، باب الصّنّاع وكسبهم، رقم 1275، 01/379، وقال: قال الهيثميّ: فيه مصعب بن ثابت وثّقه ابن حبّان وضعّفه جماعة.
وأخرجه السّيوطيّ (911هـ) في الجوامع، برقم 5561، 02/269.
وأخرجه المفسّر المحدّث الشّيخ إسماعيل العجلونيّ (1162هـ) في كشف الخفا، برقم 747، 01/280، وقال: رواه أبو يعلى والعسكريّ عن عائشة ترفعه، ورواه العسكريّ أيضاً بلفظ: "أن يُحكمه"، ورواه البيهقيّ بلفظ: "إنّ الله يحبّ من العامل إذا عمل أن يحسن".
وأخرجه الشّيخ الألبانيّ في السّلسلة، برقم 1112، 02/ 106، وقال: والحديث عزاه السّيوطيّ للبيهقيّ فقط في (الشّعب) وإن لم يكن في سند البيهقيّ من ينظر في حاله غير بشر هذا فالإسناد عندي قويّ لأنّ الكلام الّذي أشار إليه المناويّ في بشر لا يقدح فيه؛ لأنّه ثقة في نفسه، بل هو فوق ذلك، وقال: ففي التّقريب "ثقةٌ متقنٌ" وللحديث شاهدٌ يقوّيه بعض القوّة وهو بلفظ: "إنّ الله يحبّ من العامل إذا عمل أن يحسن"، كما أخرجه البيهقي في (الشُّعب). (1/39)
صفحة 40
طبعاً نحن متفقون على معنى هذا الحديث لكنّنا مختلفون في تفسير معنى الاتقان الّذي يدّعيه الموسوسون لأنّهم يريدون به الاتقان الّذي يفوق طاقة البشر بحيث لا يوجد أيّ خللٍ في أيّ عملٍ !
فهذا مستحيلٌ في حقّ البشر، بل هو لله تعالى وحده يتّصف بهذه الصّفة وهو الكامل الخالي من كلّ عيبٍ ونقصٍ.
ثانياً: الشّخص الوسواسيّ _كما تشير إليه الصّحف والجرائد_ روتينيّ وتقليديّ، أي: يمارس الأشياء نفسها كلّ يومٍ في تصرّفاته لما فيها من تنظيم أثاث بيته أو أدواته ويكرّر العمليّات نفسها.
ثالثاً: الدّقّة: الشّخص الموسوس دقيقٌ بشكلٍ زائدٍ ولافتٍ للنّظر ويهتمّ جداًّ بالتّفاصيل، ومن أقواله تكشف دقّته لأنّه يرتاح لبعض الأقوال مثل: الخروق الصّغيرة تغرق السّفينة ونحوها.
رابعاً: العناد: الشّخص الّذي يعاني من الوساوس عنيدٌ في داخله لا يستجيب بسرعةٍ إذا كان الرّأي مخالفاً لقناعته، ولا يعفو بسهولةٍ، ومن الطّبيعيّ أن يكون الوسواسيّ عنيداً بطبيعته.
خامساً: الجمود: الشّخص الموسوس جامدٌ ليس سهلاً في التّغيير؛ ولذا نجد الوساوس جامدةً ليست ليّنة في التّغيير (1) .
هذه بعض الصّفات أو الّتي يتّصف بها الشّخص الوسواسيّ، وهناك صفةٌ أخرى حيث يقال: إنّه يتّصف بها وهي: الذّكاء، حيث إنّ أغلب الّذين يعانون من هذا المرض أذكياء إلاّ أنّني لم أقتنع بذلك؛ لأنّ الأذكياء المعروفين لدى جميع النّاس يعيشون مع النّاس في المجتمع لا يتصرّفون بمثل التّصرّفات الّتي تصدر عن هؤلاء الموسوسين، وهذه التّصرّفات ليس من المعقول أن يقال إنّها تصرّفات الأذكياء، بل هذه تصرّفات الأغبياء أو المرضى ومن ثمّ فإذا كان الشّخص الموسوس ذكياًّ كان عليه أن يتغلّب على هذا الوسواس الّذي صار أسيراً له ولا يستطيع أن ينفكّ عنه فيبقى إذاً عدم اتّصاف الموسوس بالذّكاء هو الرّأي الصّحيح.
__________
(1) _ صلاح الرّاشد: كيف تريح بالك وتطرد الوساوس، رقم الشّريط 01، بتصرّف. (1/40)
صفحة 41
المبحث الخامس: آثار الوساوس السّلبيّة (1) ومضارّها على الإنسان:
لا شكّ أنّ الوسواس له آثار سلبيّة عديدةٌ نذكر منها ما تيسّر لنا في ذلك:
أولاً: الوسواس طريق إلى الشّكّ والشّكّ في الله كفرٌ، كما أنّه يأخذ وقتاً طويلاً من الإنسان فتضيّع عليه الكثير من الأوقات سدًى دون فائدةٍ.
ثانياً: الوسواس يُفقد الإنسان ثقته بنفسه وبغيره وبالتّالي فإنّه يُعلّم التّردّد الّذي ينتج عنه ضعف في اتّخاذ القرار.
ثالثاً: النّاس ينفرون من صاحب الوسواس ويبتعدون عنه.
رابعاً: الموسوس لا تكتمل له عبادة ولا تستقرّ له فكرةٌ، وأيضاً فإنّه يزيد من الضّغوط النّفسيّة والقلق.
خامساً: الموسوس يشدّد على نفسه حتّى يدخل في دائرة المحظور لأنّه دائماً في حيرةٍ.
سادساً: الوسواس يؤثّر على سعادة الإنسان ونجاحاته وإنجازاته ثمّ إنّه قد يعزله عن المشاركات الاجتماعيّة، وقد يصل الأمر بالموسوس إلى الهلوسة ثمّ إلى الجنون (2) .
هذه مجموعة من الآثار السّلبيّة التّي يمكن أن يسبّبها الوسواس للإنسان وهناك آثارٌ أكثر إلاّ أنّ المقام لا يتّسع لذكر كلّ منها، فما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه.
الفصل الرّابع: طرق علاج الوسوسة:
المبحث الأوّل: وجهة نظر الدّين
المبحث الثّاني: دور العلماء في معالجة الوسواس
المطلب الأوّل: أنواع العلاجات
المطلب الثّاني: كيفيّة دفع الوسوسة شرعاً
__________
(1) _ المقصود بالآثار السّلبية المشكلات الّتي تعود على الموسوس وتضيّع عليه كثيراً من الأمور الإيجابيّة الّتي كان من الممكن أن تجرّ له كثيراً من المنافع إلاّ أنّها تحرمه من هذه المنافع، وتحجب عنه كثيراً من المصالح ومن ثمّ وصفناها بالآثار السّلبيّة.
(2) _ موسوعة نظرة النّعيم في مكارم أخلاق الرّسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - ، دار الوسيلة، الطّبعة الأولى، 1998م، جدّة، المملكة العربيّة السّعوديّة، 11/5701، بتصرف. (1/41)
صفحة 42
المبحث الثّالث: وجهة نظر علم النّفس في علاج الوسوسة
المطلب الأوّل: العلاج العمليّ (التّطبيقيّ) لأنواع الوساوس
المطلب الثّاني: دور الأسرة والمجتمع في معالجة الوسوسة
المبحث الأوّل: وجهة نظر الدّين:
قلنا: إنّ الشّيطان مصدر الوساوس وسببها، وهو أكبر عدوّ للإنسان، وقد أخبرنا الله عنه في آياتٍ كثيرةٍ، قال تعالى: { إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُواًّ } (فاطر: 06)، ومعنى ذلك أن نعاديه بطاعة الله تعالى، ولا نطيعه في معاصي الله تعالى.
وكذلك أخبرنا الرّسول - صلى الله عليه وسلم - عن مبلغ عداوته وحجم خصومته، فعلى المرء المسلم أن يجنّد كلّ ما يمكنه من عتادٍ وعدّةٍ حتّى يدفع عنه وساوس الشّيطان ومكايده، لأنّه يحاول أن يهدم حياته ويحرمه من السّعادة.
فالشّخص المصاب بالوسواس ضعيفٌ في نفسه، وفي القيام بجميع الأعمال المنوطة به؛ إذ لا يقوى على أداء أيّ عملٍ على يقينٍ؛ فطبيعته التّردّد والحيرة، وشأنه الشّكّ وعدم الثّبات في الأمور.
وإذا نظرنا إلى حال الموسوس أدركنا حقيقةً أنّه مريضٌ بالفعل؛ فكان أحوج النّاس إلى العلاج، والتّخلّص من هذا المرض.
فالقرآن الكريم هو الشّفاء الأوّل لكلّ الأمراض سواء كانت أمراضاً نفسيّةً، أم جسميّةً، أم عقليّةً، وغيرها، قال تعالى: { وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } (الإسراء: 82). (1/42)
صفحة 43
وأمّا السّنّة فقد كان الرّسول - صلى الله عليه وسلم - الطّبيب الأوّل الّذي بيّن لنا كيفيّة معالجة الوسواس، وقد رأينا ذلك في أحاديث كثيرةً تشمل العقيدة (1) ، مثل الوسواس الّذي كان يعتري بعض الصّحابة في عهد النّبي - صلى الله عليه وسلم - ، حيث أنّها كانت تتعلّق بذات الله تعالى، وكذلك الوساوس في العبادات (2) ، مثل الوسوسة في الطّهارة والإيهام بأنّها غير كاملةٍ، كغسل الأعضاء في الوضوء أكثر من ثلاث مرّاتٍ، أو إعادتها مرّات عديدة، أو التّشكيك في أثناء الصّلاة بأنّ الوضوء قد انتقض وغيرها، فقد بيّن لنا النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - كيف نتوقّى هذه الوساوس كلّها، حيث إنّها حلول عمليّة واقعيّة، لا تدع مجالاً لتخييل، أو سبيل للشّكّ.
وأيضاً في مجال المعاملات فقد عالج لنا رسولنا الكريم عليه الصّلاة والسّلام قضيّة مهمةً في حياتنا الاجتماعيّة، وهي: الوسواس في أمر الطّلاق، فقد روي عن أبي هريرة _ رضي الله عنه _ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إنّ الله تجاوز عن أمّتي ما وسوست به صدورها، ما لم تعمل أو تكلّم» (3) ، ففي الحديث دليلٌ صريحٌ على أنّ الرّجل إذا حدّث نفسه بالطّلاق، ولم يتلفّظ به، لا يقع الطّلاق، فالله تجاوز لأمّة محمّد - صلى الله عليه وسلم - ذلك، فلا يؤاخذهم بتلك الوسوسة.
__________
(1) _ انظر: المطلب الثّاني حول معطيات السّنّة من الفصل الثّاني في أسباب الوسوسة من البحث.
(2) _ انظر: سيطرة الأوهام على الإنسان في العبادات من الفصل الثّاني من البحث.
(3) _ أخرجه البخاريّ، في كتاب العتق، باب الخطأ والنّسيان في العتاقة والطّلاق ونحوه، 02/124، رقم 2528.
وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النّفس والخواطر بالقلب مالم تستقرّ، 01/116، رقم 127، بلفظٍ قريبٍ.
وأخرجه أبو داود في كتاب الطّلاق، باب في الوسوسة بالطّلاق، ص 352، رقم 2209، بلفظٍ قريبٍ. (1/43)
صفحة 44
هنا يتبيّن لنا طريقة الرّسول - صلى الله عليه وسلم - في معالجته لهذه القضايا، وغيرها من الأمور ذات الأهمّية البالغة في حياتنا.
وكذلك سلك الصّحابة ـ رضوان الله عليهم ـ منهجه، ولم يخالفوه في أيّ أمرٍ من الأمور، وهكذا التّابعون، وتابعوا التّابعين؛ إذ لم يكن الرّسول - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه من بعده يوسوسون في أيّ أمرٍ من أمورهم، إذ الوسواس ما هي إلاّ مخالفةٌ لمنهجه وسنّته - صلى الله عليه وسلم - وما كان عليه السّلف الصّالح.
المبحث الثّاني: دور العلماء في معالجة الوسواس:
لم يغفل العلماء متابعة السّلف الصّالح في معالجة قضيّة الوسواس، بل قاموا بدورٍ كبيرٍ في هذا المجال، وغيره، وتركوا مؤلّفاتٍ عديدة فيما يخصّ هذا الموضوع إضافةً إلى موضوعاتٍ أخرى.
لذلك فقد وضع العلماء قواعد عامّة في معالجة الوسواس في مجال العبادات، وكلّ هذه القواعد تنصب حول أمرٍ واحدٍ هو: "أن يعرض الإنسان عن الوسواس قدر الإمكان، وأن يبني الموسوس الأمور دائماً على اليقين، ولا يلتفت إلى الشّكّ".
وهذه القاعدة ينبغي أن تطبّق في جميع العبادات، سواءً أكان ذلك في شأن الطّهارة، كالوضوء، والغسل، والتّيممّ، أو كان ذلك في أمور الصّلاة، أو في غيرها، وهذا ما ذهب إليه كثيرٌ من العلماء قديماً وحديثاً، وأفتى منهم من أفتى بذلك.
وسوف نورد بعض ما ذكره العلماء في معالجتهم للوسواس:
المطلب الأوّل: أنواع العلاجات:
أوّلاً: في الطّهارة: (1/44)
صفحة 45
يقول ابن قدامة الحنبليّ (1) : "وهذا إن شكّ في غسل عضوٍ أو في مسح رأسه، كان حكمه حكم من لم يأت به؛ لأنّ الأصل عدمه، إلاّ أن يكون ذلك وهماً، كالوسواس، فلا يلتفت إليه، وإن شكّ في شيءٍ من ذلك بعد فراغه من الطّهارة لم يلتفت إلى شكّه؛ لأنّه شكّ في العبادة بعد فراغه منها. (2) .
بيّن لنا الإمام الحنبليّ في هذا النّصّ: ضرورة الرّجوع إلى غسل العضو، أو مسح الرّأس في الوضوء عند حصول الشّكّ فيهما، لأنّ الأصل عدم حصول ذلك إلاّ إذا كان الشّكّ، وهما كالوسواس، فحينئذٍ لا يلتفت إليه، وأيضاً لا يلتفت إلى أيّ شكّ بعد فراغه من الطّهارة، لأنّ ذلك شكٌّ في العبادة بعد الانتهاء منها.
وهذا مطابقٌ مع ما ذكرنا قبل قليلٍ، على أنّ العلماء يبنون دائماً على اليقين، ولا يلتفتون إلى الشّكّ.
ثانياً: في الصّلاة:
ويقول في الصّلاة: "وإن شكّ في ترك ركنٍ من أركان الصّلاة وهو فيها، هل أخلّ به أم لا ؟ فحكمه حكم من لم يأت به إماماً أومنفرداً؛ لأنّ الأصل عدمه، وإن شكّ في زيادةٍ توجب السّجود فلا سجود عليه؛ لأنّ الأصل عدمها، فلا يوجب السّجود فيها" (3) .
__________
(1) _ هو عبد الله بن أحمد بن محمّد بن قدامة الجماعيليّ المقدسيّ الدّمشقيّ الحنبليّ، أبو محمّد موفّق الدّين، فقيه من أكابر الحنابلة، ولد في جماعيل (من قرى نابلس بفلسطين)، وتعلم في دمشق ورحل إلى بغداد سنة 561هـ، فأقام نحو أربع سنين وعاد إلى دمشق وفيها وفاته، له تصانيف منها: المغني، شرح مختصر الخرقيّ في الفقه، وروضة النّاظر في أصول الفقه، وذمّ ما عليه مدعوّ التّصوّف، (الزّركليّ: الأعلام، 04/67).
(2) _ المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل: 01/80.
(3) _ المصدر السّابق: 01/377. (1/45)
صفحة 46
إلى نحو هذا ذهب الإمام الخليليّ (1) ـ رحمه الله ـ حيث قال: "وأمّا أمور الشّكّ فميلنا فيها إلى التّرخّص للمبتلى بالشّكوك، قال: ولعلّ ذلك هو اختيار أكثر المسلمين، ويعجبنا الأخذ به لمن اضطرّ إليه، فإن احتجّ عليك خاطر البال بأنّ وجوب الصّلاة من اليقين؛ فلا تخرج منها إلاّ على يقينٍ، لأنّ اليقين لا يزيله إلاّ يقينٌ مثله؛ فاحتجّ عليه إن شئت" (2) .
ثالثاً: علاج الموسوس نفسه:
وهذا يحتاج إلى جهدٍ كبيرٍ من المريض ذاته؛ لأنّ ذلك يتطلّب قوّة في النّفس، وعزيمة في الرّوح، ولابدّ أن يكون واثقاً من نصر الله تعالى على هذا العدوّ الّذي يوسوس إليه.
رابعاً: التّقوية بالعلاج الإيمانيّ:
__________
(1) _ هو سعيد بن خلفان بن أحمد بن صالح الخروصيّ، وهو من أسرة علمٍ وفضلٍ، كان شأنها في التّاريخ الإسلاميّ يكنّى بأبي محمّد، ولقبه (المحقّق)، ولد في بلدة بوشر، التّابعة حالياً لمحافظة مسقط، عاصمة سلطنة عمان، ونشأ بها، وتوفّي عام 1287هـ، عن عمر يناهز 57 سنة، استطاع أن يلعب دوراً رائداً في إحياء الأدب العمانيّ، وبعثه من ضعفه الّذي كان مسيطراً عليه، ومن تستّره وراء ألوان البديع، وبُعدِه عن روح الأصالة، وكان روحاً عظيمةً فانتصر على كلّ ألوان الخمول والبدعة، وأعاد الشّعر إلى منابعه الأولى الصّافية، وله عدّة مؤلّفاتٍ، منها: إغاثة الملهوف، وتمهيد قواعد الإيمان، ولطائف الحكم في صدقات النّعم، وغيرها كثير.
(عادل بن راشد بن علي المطاعنيّ: ديوان الشّيخ سعيد بن خلفان الخليليّ، مكتبة الضّامريّ، 2003م، الطّبعة الأولى، 09).
(المنتدى الأدبيّ: قراءات في فكر الخليليّ، وزارة التّراث القوميّ والثّقافة، 1994م، الطّبعة الأولى، 90).
(2) _ الشّيخ سعيد بن خلفان الخليليّ: كتاب تمهيد قواعد الإيمان، 03/197، بدون طبع. (1/46)
صفحة 47
هذا النّوع من العلاج يعتبر أقوى العلاجات على الإطلاق من وجهة نظر الدّين لعلاج الوسوسة؛ لأنّ الإيمان يعمل على المستوى الرّوحانيّ، ولذا نجد أنّ المؤمنين الكُمَّل أكثر النّاس سعادةً وطمأنينةً؛ لأنّ المؤمن أمره كلّه خيرٌ، إن أصابه خيرٌ حمد الله وشكره، وإن أصابته أيّ مصيبةٍ أو أيّ ابتلاءٍ صبر على ذلك، وعرف أنّ ذلك من عند الله تعالى.
خامساً: التّوكّل واليقين:
الوساوس تردّدٌ وشكوكٌ، والتّوكّل واليقين ثباتٌ في الدّاخل واستقرارٌ، فالشّخص المتوكّل المتيقّن لا يصيبه يأسٌ أبداً مهما اشتدّت الظّروف لديه، ولا يخشى المستقبل، ولا يوسوس في تفاصيل مستقبله، فهو يوكل الأمور كلّها إلى الله تعالى، وفي الآية: { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } (الطّلاق: 03) أي كافيه، لكن من الضّروريّ أخذ الأسباب، وبذل الجهد، والعمل بنشاطٍ، مع التّوكّل على الله.
سادساً: حسن الظّنّ بالله تعالى:
إحسان الظّنّ بالله تعالى مطلوبٌ من قبلنا كمسلمين جميعاً، فعندما يوقن المرء المسلم بربّه ينبغي كذلك أن يحسن ظنّه به، ويطمع في الحصول على كلّ الخيرات منه، وعليه إذا أنزِلت عليه مصيبة الوسواس، أو غيره من الأمراض ألاّ يتشاءم، ولا يُسيء ظنّه بربّه، وليعلم أنّ هذا الابتلاء كفّارة له لذنوبه، ويصبر، ويصمد حتّى يأتي الفرج من الله تعالى، فليس شيءٌ أنجى وأنفع في الحصول على المطلوب، ودفع المكروه من حسن الظّنّ بالله تعالى.
سابعاً: الاستعاذة بالله من الشّيطان الرّجيم:
وقد أمرنا الله سبحانه بالاستعاذة منه في مواضع كثيرة، إلاّ أنّنا نكتفي بذكر موضعين فقط:
أ_ عند الإحساس بنزعات الشيطان ووساوسه: (1/47)
صفحة 48
يقول الله تعالى: { وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، إِنَّ الّذِينَ اتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُمْ مُّبْصِرُونَ } (الأعراف: 200- 20)، فعلى المرء أن يستعيذ بالله من الشّيطان الرّجيم عندما يحسّ بنزعاته ووساوسه له، لأنّه مصدرهما.
إضافةً إلى ذلك تعتبر هاتين الآيتين علاجاً للوسوسة أيضاً، وهو ما ذهب إليه كثيرٌ من العلماء، فعندما يصاب الشّخص بالوساوس؛ فعليه تلاوتهما، وتكرار قراءتهما؛ فإنّ ذلك يدفع الوسوسة، بإذن الله سبحانه.
ب_ عند تلاوة القرآن الكريم:
قال تعالى: { فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } (الأعراف: 98).
ذكر ابن القيّم ـ رحمه الله ـ حِكماً كثيرةً في الاستعاذة بالله من الشّيطان عند تلاوة القرآن، منها:
أنّ القرآن شفاءٌ لما في الصّدور، يذهب ما يلقيه الشّيطان من الوساوس والشّهوات والإرادات الفاسدة (1) .
ثامناً: الذّكر:
لا يخفى على كلّ مسلمٍ ومسلمةٍ ما للذّكر من فضائل، وفوائد عظيمةً، الّتي يسبّب حصوله له في حياته وبعد مماته، إذ يكفي بفوائد الذّكر أنّه يطمئن قلوب الّذين آمنوا، كما قال تعالى: { الّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ } (الرّعد: 28).
__________
(1) _ وحيد عبد السّلام بالي: التّحصينات الإيمانيّة من المداخل الشّيطانيّة، (مكتبة الصّحابة، الإمارات، الشّارقة، مكتبة التّابعين: القاهرة، عين شمس،2001م، الطّبعة الأولى، 20. (1/48)
صفحة 49
وكما هو معلومٌ أنّ الرّسول - صلى الله عليه وسلم - اهتمّ بهذا الجانب اهتماماً بالغاً، وأرشدنا إلى الدّعاء والذّكر في كلّ أمرٍ من أمور حياة الإنسان، في حركاته وسكناته، فهو يذكر الله تعالى في بداية كلّ أمرٍ وفي نهايته، عند دخوله وخروجه، ونومه ويقظته، وأكله وشربه...إلخ
وقد وردت أحاديث كثيرةٌ تدلّ على أنّ العبد عند ذكره لله تعالى يخنس الشّيطان ويختفي، ويهرب، وذكر الله هو الذّي يؤمِّن جانبه، ويعلم أنّه ليس للشّيطان فيه مجال، ولا يعالج الشّيء إلا بضدّه، وضدّ جميع وساوس الشّيطان ذكر الله تعالى بالاستعاذة، والتّبرّي عن الحول والقوّة، وهو معنى قولك: أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم (1) .
فالذّكر الدّائم يحصّن الذّاكر من شرّ كلّ شيءٍ، ما يعلمه، وما لا يعلمه، من شياطين الإنس والجنّ، وكلّ الأمراض العقليّة والبدنيّة والنّفسيّة، ظاهرةًٍ وباطنةً، إضافةً إلى كلّ المصائب والشّرور، وجميع الحوادث الطّارئة وغيرها، ويكفّر عنه سيّئاته، ويقضي له الحاجات، ويسهّل عليه الصّعب، ويزيده قوّةً وثقةً بالله تعالى، ونورد هنا بعض الأذكار المشهورة، الّتي ينبغي أن يعرفها كلّ مسلمٍ ومسلمةٍ، ونجملها في النّقاط الآتية:
أ_ أذكار تقال عقب كلّ صلاةٍ مفروضةٍ، وهو ما يسمّى بالباقيات الصّالحات، من تسبيحٍ وتكبيرٍ وتحميدٍ.
ب_ وليكثر من قراءة سورة الفاتحة، وآية الكرسيّ: { اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ ... } (البقرة: 255).
وقد وردت أحاديث كثيرة تدلّ على فضليّتها، منها: «أنّه من قرأها حينما يأوي إلى فراشه لن يزال الله عليه حافظ، ولا يقربه شيطان حتّى يصبح».
__________
(1) _ أبو حامد الغزاليّ: مكاشفة القلوب، دار المحبة: دمشق، دار آية، الطّبعة الأولى، 2004م، بيروت،460، بتصرّف. (1/49)
صفحة 50
ج_ قراءة الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة: { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ ... ِ } (البقرة: 285).
د_ قراءة سورة الإخلاص: { قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ... } ، والمعوّذتين: { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ ... } ، { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ... } ، من كلّ يومٍ بعد صلاة الفجر ثلاث مرّات، وبعد صلاة المغرب ثلاث مرّاتٍ، فإنّها تكفي صاحبه من كلّ شيءٍ.
هـ_ وليكثر من قول: "لا إله إلاّ الله"، فإنّها كلمة الإخلاص، وكلمة الإخلاص كما يقول العلماء تدفع الوسوسة، وأيضاً قوله تعالى: { هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } (الحديد: 03) علاج للوسواس.
تاسعاً: كثرة تلاوة القرآن:
يقول النّوويّ (652هـ) (1) : في فضل تلاوة القرآن بأنّه أفضل الأذكار، ويعني بقوله هذا: القراءة بالتّدبّر (2) .
__________
(1) _ هو يحي بن شرف بن مرّيّ بن حسن الحزاميّ، النّوويّ، الشّافعيّ، أبوزكريّا، محي الدّين، علاّمة بالفقه والحديث، مولده ووفاته في نوا (من قرى حوران بسوريّة)، وإليها نسبته، تعلّم في دمشق، وأقام بها زمناً طويلاً، من كتبه: "حلية الأبرار" يعرف بالأذكار النّوويّة، و"منهاج الطّالبين"، و"المنهاج في شرح صحيح مسلم"، و"التّقريب والتّيسير" في مصطلح الحديث، ورياض الصّالحين من كلام سيّد المرسلين، وغيرها الكثير، ( الزّركليّ: الأعلام، 08/149).
(2) _ النّوويّ: الأذكار،(دار الشّروق العربيّ، بيروت)، 99، بتصرّف. (1/50)
صفحة 51
ولا شكّ أنّ الّذي يتلو القرآن، ويتدبّر معانيه قد جمع الحسنيين؛ لأنّه يحصل على الثّواب بسبب تدبّره لمعانيه، وأيضاً يحصل ثواب قراءته، وللمتدبّر عند تلاوة القرآن فضلٌ عظيمٌ على الّذي يقرؤه فقط، بدون أيّ تدبّر، إلاّ أنّ الأوّل أعظم منه درجةً بكثيرٍ، فالقرآن شفاءٌ للقلوب ورحمةٌ لها، قال تعالى: { وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً } (الإسراء: 82)، هنا شرطٌ لا بدّ من ذكره، فهذه الآية حدّدت أنّ الشّفاء والرّحمة من القرآن لفئة أهل القرآن، والمؤمنين به العاملين بشرعه، أمّا الّذين لا يؤمنون به فلا شكّ في أنّه لا يفيدهم في شيءٍ، فالمتدبّر للآية يدرك حقيقةً أنّ القرآن شفاءٌ من كلّ داءٍ، فهو كلام الله تعالى الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو الّذي إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، ولا شكّ أنّ من يقرأ القرآن على مريضٍ بأيّ مرضٍ، وهو موقنٌ غير شاكٍّ سيشفى ببركة الله، وكلامه من شتّى أنواع الأمراض عامّة، وبالوسواس خاصّة، بإذن الله تعالى.
عاشراً: الدّعاء:
يلجأ المريض بالوسواس إلى الله تعالى بكثرة الدّعاء، والتّضرّع إليه بإخلاصٍ، وباليقين بالإجابة، والدّعاء سلاح المؤمن إذ أمرنا الله تعالى به في محكم تنزيله حيث قال عزّ من قائلٍ: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } (البقرة: 186).
وقال في آية أخرى: { وَقَالَ رَبُّكُمْ أُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } (غافر: 60). (1/51)
صفحة 52
فهذه الآيات تدلّ على أنّ الله تعالى ضَمِنَ لعباده قبول دعواتهم له بشرط أن يدعوه، وهم على منهجه تعالى؛ لأنّ من شرط استجابة الدّعاء الاستقامة على منهج الله تعالى، بل هو فرضٌ واجبٌ على المؤمنين والمؤمنات؛ لأنّه تعالى توعّد في الآية الأخيرة المتكبّرين الّذين أعرضوا وامتنعوا عن دعوته دخول النّار والعياذ بالله تعالى منها، فلا يعرض عن دعوة الله إلاّ المتكبّرون؛ لأنّ دعوته عبادة، فالدّعاء مخّ العبادة، وعند عدمه تنعدم العبوديّة له.
وينبغي على العبد أن يحرص على أن يكون دائماً على طهارةٍ، وألاّ يبقى على نجاسةٍ؛ لأنّ الشّيطان يحبّ الإنسان إذا كان على نجاسة، ومن ثمّ يتّسع له مجال الوسوسة.
وأختم قولي في علاج الوسوسة بالدّعاء على أنّه قد يأتي الوسواس للإنسان في أمورٍ كثيرةٍ؛ فعليه في ذلك أن يجعل سلاحه الأقوى في كلّ ذلك الدّعاء، وبه ينجو من الوساوس على الإطلاق.
المطلب الثّاني: كيفيّة دفع الوسوسة شرعاً:
وجدير بالذّكر أن ننبّه هنا إلى أنّ الشّيطان الّذي يوسوس إلى النّاس على ضربين:
ضرب يرى عياناً، وهو شيطان الإنس، وآخر لا يرى وهو شيطان الجنّ، فقد أمر سبحانه وتعالى نبيّه - صلى الله عليه وسلم - أن يكتفي من شرّ شيطان الإنس بالإعراض عنه والعفو، والدّفع بالتّي هي أحسن، ومن شرّ شيطان الجنّ بالاستعاذة بالله تعالى، فقد جمع النّوعين في ثلاث سورٍ من القرآن الكريم، وهي كالآتي:
01_ قال الله تعالى : { وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، إِنَّ الّذِينَ اتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُمْ مُّبْصِرُونَ } (الأعراف: 198-201). (1/52)
صفحة 53
02_ قال تعالى: { وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُّرِيّكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَّحْضُرُونِ } (المؤمنون: 95-98).
03_ قال الله تعالى: { وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ } (فصّلت: 36).
فالاستعاذة في القراءة والذّكر أبلغ في دفع شرّ شياطين الجنّ، والعفو والإعراض والدّفع بالإحسان أبلغُ في دفع شرّ شياطين الإنس (1) ، يقول ابن القيّم الجوزيّة في كيفيّة دفع هذين النّوعين:
فما هو إلاّ الاستعاذة ضارعاً *** أو الدّفع بالحسنى هما خير مطلوب
فهذا دواء الدّاء من شرّ ما يرى *** وذاك دواء الدّاء من شرّ محجوب
هذا ما استطعنا أن نحصده من الطّرق لعلاج الوسواس في وجهة نظر علماء الدّين، ويبقى الآن مبحث طرق علاجات الوسواس في مجال علم النّفس، وسيأتي ذكر ذلك في المبحث الأخير من هذا البحث، إن شاء الله تعالى.
المبحث الثّالث: وجهة نظر علم النّفس في علاج الوسوسة:
__________
(1) _ ابن القيّم الجوزيّة: زاد المعاد، مؤسّسة الرّسالة، الطبعة الثالثة عشرة، 1986م، 02/463، بيروت، بتصرّف. (1/53)
صفحة 54
قبل الخوض في الموضوع يستحسن أن نذكر بأنّ هناك فرقاً كبيراً في وجهة نظر الدّين في علاج الوسوسة، ووجهة نظر علم النّفس؛ لأنّ مصدر الوسواس في الدّين هو الشّيطان، وقد ذكرنا ذلك، أمّا علم النّفس فمصدر الوسواس عندهم هو: الأمراض النّفسيّة كالقلق أو الاكتئاب، وغيرها، وقد اكتشف الطّبّ الحديث أنواعاً عديدةً من العلاجات في الوسواس، إلاّ أنّ ذلك كلّه يرجع إلى المختصّين بها عند الحاجة إليها.
وقبل أن نذكر بعض هذه العلاجات الموجودة نورد ما ذكره أحد الباحثين المعاصرين (1) ، حيث قال: "ينبغي طلب العلاجات من أهل الاختصاص، لا من غيرهم، وأهل الاختصاص في هذا ثلاثة:
01_ المعالج النّفسانيّ:
وهو الّذي يعالج بإحدى الطّرق الفعّالة، مثل: العلاج السّلوكيّ البيئيّ، أو العلاج الإدراكيّ الّذي يسمّيه بعضهم بالمعرفيّ.
02_ الطبيب النّفسانيّ:
وهو الّذي يحمل اختصاصاً في الطّبّ النّفسيّ، والّذي يعالج بالأدوية والعقاقير،والصّدمات الكهربائيّة.
03_ المرشد النّفسانيّ:
وهو الّذي يحمل اختصاصاً في الإرشاد، ويعالج بطريقة الإرشاد، وحسن الاستماع، والتّوجيه اللّطيف.
أمّا أنواع العلاجات الموجودة؛ فكثيرةٌ، نذكر منها الآتي:
01_ العلاج بالأدوية والعقاقير (Porma cotherapy).
02_ العلاج بالجلسات النّفسيّة: وهذا النّوع يتفاوت نجاحه بحسب المعالج، وتمكنّه، وسعة اطّلاعه، وطرق علاجه، وهناك من يرى أنّ الجلسات النّفسيّة قد تصرف أحياناً، ولا تفيد، خاصّة إذا كان الشّخص غير متمكّن من طرق العلاجات الصّحيحة والفعّالة.
03_ العلاج بالقرآن الكريم: وقد ذهب إلى هذا علماء النّفس من المسلمين.
04_ العلاج بالأعشاب الطّبيعيّة، وغيرها من العلاجات الّتي ترجع إلى أهل الاختصاص".
المطلب الأوّل: العلاج العملي (التّطبيقيّ) لأنواع الوساوس:
__________
(1) _ الدّكتور صلاح الرّاشد: شريط سمعيّ: كيف تريح بالك، وتطرد الوساوس، رقم 01، 1999م. (1/54)
صفحة 55
أمّا العلاج العمليّ التّطبيقيّ لأنواع الوساوس الّتي قد تصيب الإنسان في حياته فجديرةٌ أيضاً بالذّكر، لأنّ هناك شرطين قبل ذكر تلك الأنواع.
أوّلها: اعتراف الموسوس بوجود المشكلة؛ لأنّ الاعتراف أولى مراحل العلاج والتّغيير، فالّذي لا يقرّ أنّ لديه مشكلةً لن تزول تلك المشكلة أبداً؛ فكيف يزول شيءٌ غير موجودٍ أصلاً، فمن القوّة الاعتراف.
وثانيها: تحديد مدى المعاناة ومساحة الصّبر، فالمصاب بالوسواس يحتاج إلى وقتٍ، كأيّ مريضٍ كي يعالج، فلا بدّ من الصّبر في تلك الفترة؛ لأنّ المرض يزول تدريجياًّ، أمّا عن هذه العلاجات:
فأوّلها: العلاجات التّطبيقيّة أوالعمليّة:
فأرى شخصياًّ أنّ أهمّ علاج لهذا النّوع: أن يواجه الشّخص المصاب بالوسواس الفكرة الوسواسيّة، بحيث إذا جاءه شيء يشكّكه في أمرٍ فعله؛ فليواجه ذلك بما يضادّه سواءٌ أكان ذلك في العبادات، كالصّلاة والوضوء، وغيرها، أو في المعاملات اليوميّة، أو في أيّ أمرٍ، وما إلى ذلك، فإذا جاءته مثلاً: وسوسة البخل؛ فليتذكّر الإنسان أنّ كلّ ما في الحياة زائلٌ، وإن جاءته وسوسة التّكبّر يتذكّر أنّه مخلوقٌ، وأنّ الله أكبر من الجميع (1) ، وهكذا.
ثانيها: علاج مصدر الوسواس:
سواءٌ أكان ذلك من الشّيطان، كما يراه علماء الدّين، أو الأمراض النّفسيّة كما يذهب إليه علماء النّفس كالقلق والاكتئاب.
ثالثها: عدم الاسترسال:
سواءٌ الاسترسال بالأفكار والأعمال، ويتوقّف فوراً عند بداية الفكرة، وينبغي على الإنسان ألاّ يفخّم المواقف؛ لأنّ ذلك يسبّب الوساوس أيضاً، ويزيد من تفاقمها.
رابعها: تجنّب المواقف المثيرة:
__________
(1) _ موسوعة علم النّفس الشّاملة: 10/138، بتصرّف. (1/55)
صفحة 56
يوصى المريض بالوسواس تجنّب المواقف المثيرة للوسواس، والابتعاد عن الأماكن والظّروف المساعدة على بروز الأفكار الشّيطانيّة، عسى ولعلّها تزول تلقائياًّ، قد ينفع في إيقاف المرض عند حدّه، أو التّخفيف منه، ولكن إذا عُلم أنّ العلّة الأساسيّة هي: ضعف الإرادة، فينبغي مكافحة ذلك المرض بالخصوص، والعمل على مستوى تقوية الإرادة في المريض، ويقتصر ذلك على دور الطّبيب النّفسانيّ بالإيحاء إلى المريض بما يقوّيه في هذا الجانب (1) .
هذه بعض العلاجات الّتي يمكن أن تُسهم في انتشال الموسوس ممّا هو فيه من آلامٍ وأوجاعٍ، وهمومٍ وأسقامٍ، على المستويين: الدّين وعند علماء النّفس، وكما أنّنا نريد أن نبيّن في معالجة علم النّفس للوسواس موقف كلٍّ من مدرستي التّحليل النّفسيّ (فرويد) والمدرسة السّلوكيّة (واطسون)، حيث تؤكّد المصادر المتحدّثة عن مدرسة التّحليل أنّه لا أحد من العلماء والباحثين في مجال علم النّفس والطّبّ النّفسيّ ينكر فوائد الجلسات النّفسيّة التّحليليّة؛ لأنّها تعتمد في علاجاتها استكشاف مكوّنات المشاكل النّفسيّة العميقة والدّفينة في نفس المريض واستكشاف المكوّنات الّتي تعمل داخل اللاّشعور، وتعمل جاهدةً على محاولة التّعبير عن نفسها، والعمليّات العقليّة الدّفاعيّة الّتي سيستخدمها المرء لمحاولة السّيطرة على هذه الدّوافع اللاّشعوريّة والمملوءة بالعدوان والرّغبات الجنسيّة، إلاّ أنّ هذه الطّريقة (الجلسات النّفسيّة التّحليليّة) لا تؤتي أُكلها بسهولةٍ وسرعةٍ، وكما أنّها لا تهاجم موطن الدّاء هكذا مباشرةً، بل إنّها تحاول السّيطرة عليه بطريقٍ غير مباشرٍ.
__________
(1) _ أحمد القبّانجيّ: الإسلام والصّحة النّفسيّة، ص:123، بتصرّف. (1/56)
صفحة 57
فقد قال أحد الباحثين: وفي أيّامنا هذه أصبحت الطّريقة مكلّفةً سواءً من ناحية الجهد أو الوقت، أو المال؛ لذا فإنّ هذه الطّريقة استُبدِلت بطريقةٍ أسرع، وأوفر من ناحية الجهد والمال، ولا تستغرق أكثر من شهورٍ ستةٍ، يجب التّوصّل خلالها إلى سبب الدّاء، ومحاولة التّغلّب عليه، وذلك بأن يتّخذ الطّبيب دوراً أكثر فعاليّة، وإيجابيّة ونشاطاً.
وكذلك العلاج السّلوكيّ استخدمت أساليبها المختلفة في علاج الأمراض العصبيّة في السّبعينات من هذا القرن، وقد حقّق نجاحاً كبيراً في علاج عصاب الخوف، ولكنّها في علاج الوسواس والأفعال القهريّة لم يكن على نفس الدّرجة من النّجاح، وأضاف قائلاً وعلى كلّ، فإنّ الأساليب السّلوكيّة نجحت كما تشير الأبحاث في تحسين حالة حوالي 66% (الثّلثين) من المرضى المصابين بالأفعال القهريّة (1) .
خامسها: التّخلّص من عقدة الكماليّة:
فالشّخص الموسوس يرى الكماليّة في كلّ الأمور؛ فخير الأمور أوسطها، فنحن نعرف أنّ ما من عملٍ يعمله الإنسان إلاّ وفيه نقصٌ أو خللٌ مهما كان ذلك الأمر، فالّذي ننصح به الموسوس أن يعرف أنّ الكماليّة الّتي يصمّم عليها لا توجد في الإنسان أصلاً، بل هي صفة لله تعالى وهو الكامل الأوحد الّذي لا يوجد فيه نقصٌ ولا عيبٌ طول الزّمان.
سادسها: اللّين:
يقول المثل: (الأكثر ليناً هو الأكثر تحكّماً)، فالإنسان الجامد العنيد كعصا الزّجاج الطّويلة لا تلتوي لكنّها تنكسر بسرعةٍ، وجمودها هو سبب قصر عمرها وتعرّضها للمشاكل الكثيرة، بينما نرى عصا الخيزران تُلوى وتتحمّل ثمّ تعود كما كانت.
__________
(1) _ سيّد الرّيس: الوسواس له علاج، دار أخبار اليوم، 2002م، القاهرة، 101، بتصرّف. (1/57)
صفحة 58
وهكذا ينبغي أن يكون الإنسان مع النّاس في أسرته ومجتمعه الّذي يعيش فيه ومع النّاس جميعاً، وأن يكون سهلاً في التّعامل معهم، ويقبل الاعتذار ويتسامح مع النّاس، ويتكيّف مع بيئته، كما أنّ البيئة الحاليّة في كثيرٍ من المجتمعات تزيد من المشاكل النّفسيّة؛ لذا فالتّكيّف واللّيونة ينبغي أن يتحلّى بهما كلّ امرئٍ مسلمٍ، وقد رُوي عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: «يا عائشة ارفقي، فإنّ الرّفق لم يكن في شيءٍ قطّ إلاّ زانه، ولا نُزع من شيءٍ إلاّ شانه» (1) ، وقال: «ليّنوا في أيدي إخوانكم»، وقال العرب: (إذا عَزّ أخوك فهُنْ)، وعن جرير عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «من يُحرم الرّفق يُحرم الخير كلّه» (2) .
فهذا الحديث يبيّن حقيقة فضل الرّفق؛ لأنّه يقول من حُرِم الرّفق فقد حُرم الخير كلّه، فلم يبق الآن إلاّ أن نتحلّى بالرّفق واللّين والصّبر.
ومن هذه الأحاديث وغيرها من كلام العرب تتبيّن لنا فضيلة الرّفق حيث تؤكّد الأحاديث الشّريفة على أنّ عدم الرّفق أمرٌ مستهجنٌ فجعله مشيناً مستقذراً مستقبحاً.
المطلب الثّاني: دور الأسرة والمجتمع في معالجة الوسوسة:
__________
(1) _ رواه أبو داود: كتاب الأدب، باب في الرّفق، ص 756، رقم 4808.
_ ورواه مسلم: كتاب البرّ والصّلة والآداب، باب فضل الرّفق، 04/2004، رقم 6024، بلفظٍ قريبٍ.
وأخرجه البخاريّ: كتاب الأدب، باب الرّفق في الأمر كلّه، 04/88، رقم 6024، بلفظٍ مخالفٍ.
(2) _ رواه أبو داود، كتاب البرّ، باب في الرّفق، ص 756، رقم 4809. (1/58)
صفحة 59
وقبل ختم هذا المبحث نريد أن ننبّه إلى شيءٍ وهو: أنّ للأسرة والمجتمع أثرٌ كبيرٌ في علاج الوسوسة، وهذا أمرٌ لا شكّ فيه، وتأكيداً لهذا نذكر قصّةً ذكرها سماحة الشّيخ أحمد الخليليّ _ المفتي العامّ لسلطنة عمان _ في محاضرةٍ (1) حينما سُئل عن واجب الأسرة والمجتمع في مساعدة المريض بالوسواس ؟
__________
(1) _ حلقة سؤال أهل الذّكر: موضوع الحلقة (الوسواس)، ليلة الأحد 23 ربيع الأوّل 1423هـ الموافق 24 مايو 2003م، تلفزيون سلطنة عمان. (1/59)
صفحة 60
فأجاب قائلاً: على أيّ حالٍ فالأسرة والمجتمع لهما أثرٌ كبيرٌ في إعطاء المريض دفعةً إيمانيّةً من حيث إنّه يقال له بأنّ شخصيّته قويّةٌ، ولا ينبغي أن يضعف أمام هذه العاصفة من هذه الوسوسة، ويجب أن يصمد، ويجب أن يقوى، وأضاف قائلاً: وقد يقوى الإنسان على مقاومة هذه الوساوس، وعندما يكون هناك علاجٌ نفسيٌّ، ثمّ ذكر قصّةً لرجلٍ مصابٍ بالوسواس، وكيف نرى أثر العلاج النّفسيّ بالنّسبة للشّخص الوسواسيّ، قال: أنا سمعت بأن رجلاً من النّاس كان دائما يُخيّل إليه أنّ في رأسه مسماراً من حديدٍ، وكان دائم الصّراخ والعويل، يقول بأنّه يحسّ بوجعٍ شديدٍ بسبب وجود هذا المسمار الحديديّ في رأسه، ويذهب إلى الأطبّاء فيقولون له: لا يوجد فيك شيءٌ، وينتظر منهم أن يدخلوه في الأشعّة حتّى يكتشفوا هذا المسمار، ويردّون عليه بأنّ الأشعّة دلّت على أنّ رأسه خالٍ من كلّ شيءٍ، ولكنّه مع ذلك كانت الوسوسة ملازمةً له، فما كان يصدّق أبداً مقالة الطّبيب، ويقول بأنّ هؤلاء لا يعرفون شيئاً إلى أن جاء إلى طبيبٍ وعرف حقيقة أمره، فقال له: نعم، المسمار موجودٌ، وإن شاء الله سوف أخرجه فأعطاه مخدّراً، فأخذ المخدّر ونام قليلاً، وضمّده، ثمّ قال: انتزعنا المسمار، وأتى بمسمارٍ وذبح ديكاً وطلاه بالدّم، وقال: هذا هو المسمار، فاطمأنّت نفس الإنسان، وسكنت،ولكنّه بعد حينٍ، قال له أحد بأنّ هذا الطّبيب هذا الّذي فعله ليس بحقيقةٍ، ولا أساس له، ثمّ أخذ يصرخ مرّة أخرى ويردّد ما كان يقوله من قبل، فإذاً فالمجتمع عليه أن يكون حكيماً في معالجة مثل هذه الأمراض، وكذلك الأسرة ، والله تعالى الموفّق، (انتهى كلام الشّيخ). (1/60)
صفحة 61
بقي أن نشير في نهاية المبحث إلى أنّ العلم في تطوّر، وأنّ كلّ يومٍ تتجدّد العلاجات المستحدثة، ولا نستطيع أن نحصر جميع العلاجات، ومالا يدرك كلّه لا يترك جلّه، ونسأل الله تعالى العافية والصّحّة، وزوال البأساء عن كلّ من ابتلي بهذا المرض، وغيره، إنّه على كلّ شيءٍ قديرٌ، وبالإجابة جديرٌ، وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
الملاحق
فتاوى الوسواس في الصّلاة لسماحة المفتي العامّ لسلطنة عمان الشّيخ أحمد بن حمد الخليليّ _ حفظه الله _ :
السّؤال الأوّل:
امرأة مصابةٌ بالوسواس تقول: إنّها تعيد الصّلاة أكثر من مرّةٍ، وحاولت التّخلّص من ذلك، وكذلك إنّما تقرأ الفاتحة، تقرأها أكثر من مرّةٍ، وإنّما تسمع صوتاً وهي في الصّلاة توسوس وتعيد الصّلاة مرّةً أخرى، فما علاجها ؟
الجواب: (1/61)
صفحة 62
أولاً قبل كلّ شيءٍ عليها أن تتفقّه في الدّين، بحيث تعرف أنّ العمل إذا دخله الإنسان ليس له أن يبطله، لأنّ إبطال العمل منهيٌّ عنه بنصّ القرآن الكريم، فالله تبارك وتعالى يقول: { وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَالَكُمْ } (محمّد: 33)، ولذلك كان الخروج من الصّلاة بعد الدّخول فيها من غير موجبٍ للخروج أمراً محرّماً، فلا يجوز للإنسان أن يقدم عليه، لما في ذلك من التّشديد في حكم الله سبحانه وتعالى، ثمّ من ناحيةٍ ثانيةٍ تكرار الفاتحة الشّريفة أمرٌ غير جائزٍ، بل تكرار الفاتحة في الرّكعة الواحدة مبطلٌ لها، مبطلٌ للصّلاة؛ لأنّ الفاتحة ركنٌ والرّكن إنّما يقتصر الإنسان في حال تأديته على التّأدية المشروعة من غير أن يزيد شيئاً عليها فلا يجوز للإنسان أن يزيد شيئاً من الحكم فكما لا يجوز له أن يكرّر الرّكوع في الرّكعة الواحدة بجيث يركع مرّتين أو ثلاث مرّاتٍ وإنّما يقتصر على القدر المشروع وهو مرّةً واحدةً، فكذلك الفاتحة لا يجوز له أن يكرّرها، حيث يقرأها المرة تلو المرّة بل الرّكعة الواحدة هذا أمرٌ مؤدّ إلى بطلان الصّلاة. (1/62)
صفحة 63
فهي عليها أن تتغلّب أن تستعين بالله وأن تكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى وقبل قيامها إلى الصّلاة فلتقرأ آية الكرسيّ وسورة الإخلاص والمعوّذتين، ولتستعذ بالله من الشّيطان الرّجيم ولتقرأ هاتين الآيتين من آخر سورة الأعراف: { وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، إِنَّ الّذِينَ اتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُمْ مُّبْصِرُونَ } ، ولتقبل على الصّلاة بإرادةٍ وبصمودٍ بحيث لا تزعزعها وحدها، ثمّ بجانب هذا عليها ألاّ تبالي بالأصوات الّتي تسمعها فإنّها لا يَعْنيها من تلك الأصوات شيئاً، فلو أنّها سمعت صوت طفلٍ صغيرٍ أو كبيرٍ وهي في حال الصّلاة فلا يشغلها ذلك عن الصّلاة ولو حصل أن انشغلت فعليها أن تتجاوز ذلك حتّى تعتاد عدم الاشتغال بذلك لأنّها لو أبطلت الصّلاة كلّ ما سمعت صوتاً فإنّ ذلك يتسارع في صلاتها حتّى لا تستطيع أن تقرأ شيئاً من الصّلاة قبل أن تبتلي وإنّما عليها أن تستمرّ مهما كانت هذه الأصوات، وبهذا تتغلّب إن شاء الله على هذه العادة الخطرة والله تعالى الموفّق.
السّؤال الثّاني:
امرأةٌ مصابةٌ بالوسواس القهريّ، وهذا الوسواس يجعلها تشكّ في الصّلاة وتوسوس ولا تدري هل صلّت أم لم تصلّ، وقال لها من قال: بأنّ لها أن تجمع الصّلاة لأنّها لا تستطيع حتّى الخروج من البيت لأنّها تخشى أن تفوتها الصّلاة، فهل لها أن تجمع الصّلاتين ؟
الجواب: (1/63)
صفحة 64
كلّ ما كان محرجاً للإنسان يسوغ له أن يجمع بسببه الصّلاتين، والمرض من جملة الإحراج، فالنّبي - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في الحديث الصّحيح صلّى الظّهر والعصر معاً، والمغرب والعشاء الآخرة معاً من غير خوفٍ ولا سفرٍ ولا سحابٍ ولا مطرٍ، وقد جاء في رواية الشّيخين وغيرهما لهذا الحديث أنّ راويه ابن عبّاس _ رضي الله عنهما _ سئل: ماذا أراد بذلك ؟ قال: أراد أن لا يحرج أمّته، ومعنى ذلك أنّ أوقات الحرج يسوغ فيها للإنسان أن يجمع بين الصّلاتين دفعاً لهذا الحرج، ولا ريب أنّ مثل هذا المرض، مرض الوسوسة حرجٌ كبيرٌ فما على هذه المرأة أن تصلّي بمشيئة الله الظّهر والعصر معاً وأن تجمع أيضاً بين المغرب والعشاء معاً جمعاً من غير قصرٍ، إلاّ إذا كانت في حال السّفر فلتقصر، والله تعالى يتقبّل منها.
السّؤال الثّالث:
إذا شكّ المصلّي في تكبيرة الإحرام، ماذا يفعل ؟
الجواب:
كثيرٌ من العلماء قالوا نظراً إلى أنّ تكبيرة الإحرام يكون بها الدّخول في الصّلاة فمن شكّ فيها ليبدأ الصّلاة من جديدٍ، ونحن نقول بأنّ تكبيرة الإحرام هي ركنٌ من أركان الصّلاة، ولو كان الدّخول لا يكون إلاّ بها إلاّ أنّ الإنسان إذا تجاوز الرّكن إلى ركنٍ آخرٍ فلا يرجع إليه، فإذا كان في حالة القراءة وهو من عادته أن يكبّر تكبيرة الإحرام فلا يلتفت إلى هذا الشّكّ حتّى يتيقّن أنّه لم يكبّر، هذا الّذي نختاره، وفي هذا درءٌ للوسوسة، وفي هذا أيضاً استصحابٌ للأصل لأنّ الأصل أن لا يَشرع في القراءة إلاّ وقد كبّر تكبيرة الإحرام، فما له ولهذه الوسوسة ولهذه الشّكوك.
السّؤال الرّابع:
امرأة تشكّ في الصّلاة بالكلّيّة هل صلّت أم لم تصلّ، وفي بعض الأحيان تعالج أبناءها وتشكّ إذا كانوا يحملون النّجاسة كالبول وغيره فتعيد الصّلاة بمجرد التباسها بأبنائها وهكذا ؟
الجواب: (1/64)
صفحة 65
أوّلاًّ قبل كلّ شيءٍ هذه المرأة عليها أن تدفع هذه الوسوسة بأن تستحضر أنّها قامت، إذا استحضرت أنّها قامت إلى الصّلاة ففي هذه الحالة لا تعود إلى الصّلاة مرّةً أخرى، عليها أن لا تلتفت إلى ما يعتريها من الشّكّ، وإن كانت لا تستطيع أن تستحضر بأنّها قامت إلى الصّلاة أو أنّها لم تقم، إذا كانت لا تتمكّن من هذا الاستحضار فإنّها في هذه الحالة عليها أن تستعين بشيءٍ بحيث تعقد عقدةً مثلاً عندما تقوم إلى الصّلاة، ثمّ بعد ذلك عندما تشكّ هل قامت إلى الصّلاة أو لا، تنظر إلى هذه العقدة هل عقدتها أو لم تعقدها، فما عليها إن كانت عقدت هذه العقدة فلا تلتفت إلى هذا الشّكّ رأساً، وهكذا كلّ ما كان من هذا النّوع، إنّما عليها أن تدفعه بأيّ وسيلةٍ كانت، وبهذا تتغلّب بمشيئة الله على هذه الوساوس.
خاتمة البحث
في نهاية هذه الجولة يجدر بنا أن نبيّن النّتائج المستخلصة من صفحات هذا البحث في النّقاط التّالية:
01_ عند مقارنتنا لتعريفات كلّ من علماء الدّين وعلماء النّفس نجدهما يتّفقان على أنّ الوسواس مرضٌ، إلاّ أنّهما يفترقان في مقصودهما بالوسواس، ومن ثَمَّ يكون تعريف علماء النّفس أعمّ، غير أنّ تعريف علماء الدّين أدقّ؛ لأنّ علماء الدّين يخصّون الوسواس بشيءٍ معيّنٍ وهو الدّعوة إلى الشّرّ، بينما علماء النّفس لا يخصّونه بشيءٍ معيّن.
02_ بيان ورود كلمة الوسواس ومشتقّاتها في خمسة مواضع من القرآن الكريم، أشرت إليها في موضعها.
03_ اختلاف وجهة نظر علماء الدّين في الوسواس عن علماء النّفس، فعلماء الدّين ينسبون الوسواس إلى الشّيطان، بينما يرى علماء النّفس أنّه ناتجٌ عن أفكارٍ وأوهامٍ تتسلّط على ذهن الإنسان وتلازمه ولا يستطيع التّخلّص منها رغم معرفته بسخافة تلك الأفكار والأوهام .
04_ ترجع أسباب الوسواس عند علماء الدين إلى عدة أمور منها: (1/65)
صفحة 66
_ الجهل بأمور الدّين وشيوع الخرافات، وادّعاء الشّفافيّة التّامّة وغيرها، بينما يرى علماء النّفس أنّ سبب مرض الواسواس يرجع إلى خمسة عوامل رئيسيّة وهي:
العوامل البيولوجيّة، والبيئيّة، والنّفسيّة، والباراسيكولوجيّة، والرّوحيّة.
05_ تتجلى مظاهر الوسواس عند علماء الدّين في العبادات كالطّهارة مثل تكرار غسل الأعضاء مرّاتٍ عديدة في الوضوء، أو ترديد بعض الحروف والكلمات أثناء الصّلاة وهكذا، بينما تتجلّى مظاهر الوسواس عند علماء النّفس في مجالاتٍ أخرى غير الدّين كما يغسل الموسوس يده بالماء والصّابون كلّما لامس شخصاً، وكذلك من بين المظاهر عَدُّه لأعمدة الكهرباء، أو تأكّده من إغلاق الباب مرّاتٍ عديدةٍ، أو تأكّده من إغلاق الغاز وهكذا.
06_ يقتصر تقسيم علماء الدّين لأنواع الوسواس إلى نوعين: إنسيّ وجنّيّ، كما ورد في النّصّ القرآنيّ، بينما يقسّم علماء النّفس الوساوس إلى أنواع عديدةٍ وقد ذكرناها في مبحث أنواع الوساوس.
07_ للوسواس آثارٌ سلبيّة كثيرةٌ منها:
_ أنّ الوسواس يجعل طبيعة الإنسان في تردّدٍ وحيرةٍ، وبالتّالي يكون ضعيفاً في اتّخاذ القرار وإن تجاوز اتّخاذه فإنّما يأتي متأخراً بحيث يضيّع الموسوس على نفسه منافع جمّةً ومصالح كثيرةً.
_ النّاس ينفرون من صاحب الوسواس ويبتعدون عنه.
_ لا تكتمل له عبادةٌ ولا تستقرّ له فكرةٌ، ويظلّ أسيراً لوسوسته ورهيناً لها.
08_ أكبر العلاجات في الوسواس عند علماء الدّين في مجال العبادات أن يعرض المريض عن الوسواس ويبني دائماً على اليقين؛ بمعنى أن لا يترك الموسوس اليقين لأجل الشّكّ، وفي ذلك درءٌ للوسوسة وأيضاً باستصحاب الأصل، إضافةً إلى علاجاتٍ عديدةٍ كما فصلناها في موضعها.
09_ في العودة إلى الدّين والأخذ بطرق العلاج الواردة فيه خيرٌ كثيرٌ ونفعٌ عميمٌ يعود على الموسوس بالنّفع إن شاء الله. (1/66)
صفحة 67
10_ أوضح البحث كيفيّة دفع وسوسة شياطين الإنس والجنّ كما في الآيات الواردة في هذا الصّدد وأَبرَزَ كيفيّة علاج وسوسة شيطان الإنس فيه إذ يكتفي بالإعراض عنه والعفو والدّفع بالّتي هي أحسن، والاستعاذة من شرّ شيطان الجنّ والالتجاء إلى الله تعالى.
11_ يوجد نوعان في علم النّفس لمعالجة الوسواس:
_ علاجٌ طبّيّ حديث لما فيها من الأدوية والأعشاب والعقاقير وغيرها كما أنّ هناك أهل الاختصاص في معالجة هذا المرض يُرجع إليهم عند الحاجة.
_ كما أنّ هناك علاجاً عملياًّ لهذا المرض، لكن يَشترِط علماء النّفس فيه شرطين قبل الشّروع فيها:
الشّرط الأوّل: اعتراف الموسوس بوجود المشكلة عنده، بمعنى اعترافه بأنّه مصابٌ بالوسواس.
الشّرط الثّاني: تحديد مدى المعاناة ومساحة الصّبر، ثمّ تليه العلاجات التّطبيقيّة وفي مقدّمتها: أن يواجه الفكرة الوسواسيّة بما يضادّها بحيث إذا جاءه شيءٌ يشكّكه في أمرٍ فعله فليواجه ذلك بما يضادّه سواءً أكان ذلك في العبادات كالصّلاة والوضوء وغيرها أم في مجالاتٍ أخرى.
هذا آخر ما أمكن الوقوف عليه من نتائج، وأسأل الله تعالى أن يتقبّل عملي ويجعله في ميزان حسناتي، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه وصلّى الله وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم.
تمت
الملاحق
الخاتمة
فهرس الآيات القرآنيّة
فهرس الأحاديث النّبويّة
قائمة المصادر والمراجع
فهرس المحتويات
فهرس الآيات الكريمة
سورة البقرة
الآية ... رقمها ... ص
{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي ... } ... 186 ... 53
{ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ ... ُ } ... 255 ... 52
{ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ ... ْ } ... 285 ... 52
{ لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } ... 286 ... 38
{ رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا } ... 286 ... 38 (1/67)
صفحة 68
سورة النّساء
الآية ... رقمها ... ص
{ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ مُّصِيبَةٍ فَمِنْ نَّفْسِكَ ... َ } ... 90 ... 20
سورة الأعراف
الآية ... رقمها ... ص
{ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا ... ْ } ... 19 ... 11
{ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا ... } ... 20 ... 12
{ فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } ... 98 ... 50
{ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ ... فَإِذَا هُمْ مُّبْصِرُونَ } ... 198 ... 54
{ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ... ْ } ... 200 ... 50
سورة الرّعد
الآية ... رقمها ... ص
{ الّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ } ... 28 ... 51
سورة إبراهيم
الآية ... رقمها ... ص
{ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِّنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ... ْ } ... 22
سورة الإسراء
الآية ... رقمها ... ص
{ وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ... ْ } ... 82 ... 45
سورة طه
الآية ... رقمها ... ص
{ وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تَضْحَى فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ ... ْ } ... 119 ... 11
{ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ } ... 12 ... 12
سورة المؤمنون
الآية ... رقمها ... ص
{ وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُّرِيّكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ..وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَّحْضُرُونِ } ... 95 ... 54
سورة فاطر
الآية ... رقمها ... ص
{ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُواًّ } ... 06 ... 45
سورة الزّمر
الآية ... رقمها ... ص
{ هَلْ يَسْتَوِي الّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُواْ الأَلْبَابِ } ... 09 ... 25
سورة غافر
الآية ... رقمها ... ص
{ (1/68)
صفحة 69
وَقَالَ رَبُّكُمْ أُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ... ْ } ... 60 ... 53
سورة فصّلت
الآية ... رقمها ... ص
{ وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... ْ } ... 36 ... 54
سورة الشّورى
الآية ... رقمها ... ص
{ وَمَا أَصَابَكُمْ مِّنْ مُّصِيَبةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ } ... 29 ... 20
سورة محمّد
الآية ... رقمها ... ص
{ وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَالَكُمْ } ... 33 ... 63
سورة ق
الآية ... رقمها ... ص
{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ... ْ } ... 15 ... 11
سورة الحديد
الآية ... رقمها ... ص
{ هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ... 03 ... 52
سورة الطّلاق
الآية ... رقمها ... ص
{ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } ... 03 ... 49
سورة الإخلاص
الآية ... رقمها ... ص
{ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ... ْ } ... 01 ... 52
سورة الفلق
الآية ... رقمها ... ص
{ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ ... ْ } ... 01 ... 52
سورة النّاس
الآية ... رقمها ... ص
{ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ... ْ } ... 01 ... 11
فهرس الأحاديث
الحديث ... الصّفحة
_ «إنّ الشّيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسه عليّ ... » ... 28
_ «إنّ الله تجاوز عن أمّتي ما وَسْوَسَتْ به صدورها». ... 46
_ «إنّ الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه». ... 41
_ «إنّ للوضوء شيطاناً يقال له: الولهان ... » ... 27
_ «جاء أُناس من أصحاب النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - فسألوه: ... » ... 21
_ «سئل النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - عن الوسوسة، قال: ... » ... 22
_ «شكي إلى النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - الرّجل يجد في الصّلاة شيئاً ... » ... 27
_ «لا يزال النّاس يتساءلون حتّى يقال: هذا خلق الله ... » ... 22
_ «ليسألنّكم النّاس عن كلّ شيءٍ حتّى يقولوا: ... » ... 23
_ «من يحرم الرّفق يحرم الخير كلّه». ... 59
_ «نهى أن يبول الرّجل في مستحمّه، وقال: ... » ... 26
_ «يأتي الشّيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا وكذا ؟ ... » ... 23 (1/69)
صفحة 70
_ «يا عائشة: ارفقي فإنّ الرّفق لم يكن في شيءٍ إلاّ زانه ... » ... 59
قائمة المصادر والمراجع:
01_ القرآن الكريم.
02_ كتب العقيدة.
1. _ الإنسان بين السّحر والعين والجانّ: زهير حموي، دار حوّاء، الطّبعة الثّانية، 1994م، الكويت.
2. _ التّحصينات الإيمانيّة من مداخل الشّيطان: وحيد عبد السّلام بالي، مكتبة الصّحابة، الإمارات، الشّارقة، الطّبعة الأولى، 2001م، مكتبة التّابعين، القاهرة، عين شمس.
3. _ حقيقة السّنّة والبدعة: الإمام جلال الدّين السّيوطيّ، دار الفكر اللّبنانيّ، الطّبعة الأولى، 1992م، لبنان.
4. _ عندما ترعى الذّئاب الغنم: رفاعي سرور، دار الفرقان، الطّبعة الرّابعة.
5. _ كتاب تمهيد قواعد الإيمان: الشّيخ العلاّمة أبي محمّد بن خلفان الخليليّ.
03_ كتب التّفسير:
1. _ تفسير التّحرير والتّنوير: الشّيخ محمّد الطّاهر بن عاشور، الدّار التّونسيّة للنّشر.
2. _ تفسير القرآن الحكيم: السّيّد محمّد رشيد رضا، دار المعرفة، الطّبعة الثّانية، بيروت، لبنان.
3. _ فتح القدير الجامع بين فنّي الرّواية والدّراية من علم التّفسير: محمّد بن علي بن محمّد الشّوكانيّ، عالم الكتب.
4. _ في ظلال القرآن: سيّد قطب، دار الشّروق، القاهرة.
5. _ الكشّاف عن حقائق التّنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التّأويل: أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزّمخشريّ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
6. _ معارج التّفكير ودقائق التّدبّر: عبد الرّحمن حسن حبنّكة الميدانيّ، دار القلم، الطّبعة الأولى، 2002م، دمشق.
7. _ نظم الدّرر في تناسب الآيات والسّور: برهان الدّين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقائيّ، الورشة العربيّة للتّجليد الفنّي، الطّبعة الأولى، 1984م.
04_ كتب الحديث: (1/70)
صفحة 71
1. _ الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار - صلى الله عليه وسلم - : الإمام الحافظ شيخ الإسلام محي الدّين أبي زكريّا يحيى بن شرف النّوويّ الدّمشقيّ الشّافعيّ (631هـ-676هـ)، دار الشّروق العربيّ، بيروت، لبنان.
2. _ الجامع الصّحيح: مسند الإمام الرّبيع بن حبيب، دار الحكمة، بيروت، دمشق، مكتبة الإستقامة، الطّبعة الأولى، 1415هـ/1995م، سلطنة عمان.
3. _ الجامع الصّحيح وهو سنن التّرمذيّ: أبو عيسى محمّد بن عيسى بن سَوْرَة التّرمذيّ (209هـ-297هـ)، دار الكتب العلميّة، 1408هـ/1987م، بيروت، لبنان.
4. _ جمع الجوامع الجامع الكبير في الحديث والجامع الصّغير وزوائده: الإمام الحافظ جلال الدّين عبد الرّحمن بن أبي بكر السّيوطيّ (المتوفّى سنة 911هـ)، دار الكتب العلميّة، الطّبعة الأولى، 1421هـ/2000م، بيروت، لبنان.
5. _ صحيح البخاريّ وهو الجامع المسند الصّحيح المختصر من أمور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأيّامه: أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بردزبه البخاريّ (المتوفّى سنة 256هـ)، دار الفكر للطّباعة والنّشر والتّوزيع، الطّبعة الأولى، 1420هـ/2000م.
6. _ زاد المعاد في هدي خير العباد: الإمام المحدّث المفسّر الفقيه شمس الدّين أبي عبد الله محمّد بن أبي بكر الزّرعي الدّمشقيّ (691هـ-751هـ)، مؤسّسة الرّسالة، الطّبعة الثّالثة عشر، 1406هـ/1986م، بيروت.
7. _ سلسلة الأحاديث الصّحيحة وشيءٍ من فقهها وفوائدها: محمّد ناصر الدّين الألبانيّ، الدّار السّلفيّة للنّشر والتّوزيع، الطّبعة الأولى، 1399هـ/1979م، الكويت.
8. _ سنن ابن ماجه: الحافظ أبو عبد الله محمّد بن يزيد القزوينيّ (207هـ-275هـ)، مطبعة دار إحياء الكتب العربيّة، بدون دار نشر وبدون تاريخ.
9. _ سنن أبي داود: الإمام الحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث السّجستانيّ (المتوفّى سنة 275هـ)، دار الكتب العلميّة، الطّبعة الأولى، 1422هـ/2001م، بيروت، لبنان. (1/71)
صفحة 72
10. _ شرح الطّيبيّ على مشكاة المصابيح المسمّى الكاشف عن حقائق السّنن: الإمام شرف الدّين الحسين بن محمّد بن عبد الله الطّيبيّ (المتوفّى سنة 743هـ)، دار الكتب العلميّة، الطّبعة الأولى، 1422هـ/2001م، بيروت، لبنان.
11. _ صحيح مسلم: الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجّاج القشيريّ النّيسابوريّ (206هـ-261هـ)، دار الفكر، الطّبعة الثّانية، 1398هـ/1978م، بيروت.
12. _ كشف الخفا ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة النّاس: المفسّر المحدّث إسماعيل بن محمّد العجلونيّ الجراحيّ (المتوفّى سنة 1162هـ)، مكتبة العلم الحديث، الطّبعة الأولى، 1422هـ/2001م، دمشق، سوريا.
13. _ المسند: الإمام أحمد بن حنبل (164هـ-241هـ)، وبهامشه منتخب كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال: للشّيخ العلاّمة علي المتّقيّ الهنديّ (888هـ-975هـ)، وفي أوّله فهرس روّاة المسند من الصّحابة، وضعه محمّد ناصر الألبانيّ، المكتب الإسلاميّ، الطّبعة الرّابعة، 1403هـ/1983م، بيروت.
14. _ مسند أبي داود الطّيالسيّ: الحافظ الكبير سليمان بن داود الجاروديّ الفارسيّ البصريّ الشّهير بأبي داود الطّيالسيّ (204هـ)، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
15. _ المطالب العالية بزوائد المسانيد الثّمانيّة: الحافظ أبو سليمان محمّد بن محمّد الخطّابيّ البستيّ (388هـ)، دار الكتب العلميّة، 1416هـ/1996م، بيروت، لبنان.
05_ كتب الفقه:
1. _ إغاثة اللّهفان من مصايد الشّيطان: الإمام أبي عبد الله محمّد بن بكر بن القيّم الجوزيّة، دار ابن زيدون، بيروت، لبنان.
2. _ تلبيس إبليس: العلاّمة أبي الفرج عبد الرّحمن المشهور بابن الجوزيّ، دار التّقوى، 2003م، شبر الخيمة، القاهرة.
3. _ المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشّيبانيّ: موفّق الدّين أبي محمّد عبد الله بن أحمد بن قدامة، دار الفكر للطّباعة والنّشر والتّوزيع، الطّبعة الأولى، 1985م. (1/72)
صفحة 73
4. _ مكاشفة القلوب: أبو حامد الغزاليّ، دار المحبة، دمشق، الطّبعة الأولى، 2004م، دار آية، بيروت.
5. _ موسوعة نظرة النّعيم في مكارم وأخلاق الرّسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - : دار الوسيلة، الطّبعة الأولى، 1998م، جدّة، المملكة العربيّة السّعوديّة.
06_ كتب علم النّفس:
1. _ أسس السّلوك الإنسانيّ: الدّكتور فاروق عبد الفتّاح علي موسى، دار عالم الكتب للنّشر والتّوزيع، الرّياض، 1985م.
2. _ الإسلام والصّحّة النّفسيّة: أحمد القبّانجيّ، مؤسّسة دار الكتاب الإسلاميّ، الطّبعة الأولى، 2002م.
3. _ أصول علم النّفس: الدّكتور أحمد عزّت راجع، دار المعارف، الطّبعة الحادي عشر، 1979م، القاهرة.
4. _ عاداتك عنوان شخصيّتك: يوسف ميخائيل أسعد، دار غريب، 1998م، القاهرة.
5. _ علم النّفس الإسلاميّ: معروف رزيق، دار المعرفة، الطّبعة الأولى، 1993م، دمشق.
6. _ علم النّفس العامّ: الدّكتور خليل ميخائيل معوّض، مركز الإسكندريّة للكتاب، الطّبعة الأولى، 2001م.
7. _ علم النّفس العامّ: الدّكتور عبد الرّحمن العيسويّ، دار النّهضة العربيّة، بيروت، لبنان.
8. قوّة الإرادة: يوسف ميخائيل أسعد، دار غريب، القاهرة.
9. _ مدخل علم النّفس: لندال دافيدوف، دار ماكروهيل بالولايات المتّحدة الأمريكيّة، الطّبعة العربيّة 1983م، تصدر بالتّعاون مع المكتبة الأكاديميّة، بالقاهرة، ودار المرّيخ للنّشر بالرّياض.
10. _ معرفة النّفس الإنسانيّة في الكتاب والسّنّة: سميع عاطف الزّين، دار الكتاب اللّبنانيّ، بيروت، 1991م، دار الكتاب المصريّ، القاهرة.
11. _ موسوعة علم النّفس الشّاملة: 1998م، بيروت.
12. _ نحو علم النّفس الإسلاميّ: الدّكتور حسن محمّد الشّرقاويّ، مؤسّسة شباب الجامعة، الإسكندريّة، 2002م، مصر.
13. _ الوسواس له علاج: الدّكتور سيّد الرّيس، دار أخبار اليوم، 2002م، القاهرة، مصر.
07_ كتب اللّغة: (1/73)
صفحة 74
01 _ تاج العروس من جوهر القاموس: السّيّد مرتضى الحسنيّ الزّبيديّ، دار إحياء التّراث العربيّ، بيروت، لبنان.
02 _ لسان العرب: الإمام العلاّمة أبي الفضل جمال الدّين محمّد بن مكرم ابن منظور الإفريقيّ المصريّ، دار صادر للطّباعة والنّشر، الطّبعة الأولى، 2000م.
03 _ مختار الصّحاح: زين الدّين محمّد بن أبي بكر بن عبد القادر الرّازيّ، مؤسّسة الرّسالة، 2001م، بيروت، لبنان.
04 _ الكلّيّات معجم في المصطلحات والفروق اللّغويّة: أبو البقاء أيّوب بن موسى الحسنيّ الكوفيّ، مؤسّسة الرّسالة، الطّبعة الأولى، 1992م، بيروت.
05 _ معجم مقاييس اللّغة: أبو الحسين بن فارس بن زكريّا، دار الجيل، الطّبعة الأولى، 1991م، بيروت.
08_ كتب التّراجم:
1. _ الأعلام قاموس تراجم لأشهر الرّجال والنّساء من العرب والمستعربين والمستشرقين: خير الدّين الزّركليّ، دار العلم للملايين، الطّبعة السّابعة، 1986م، بيروت، لبنان.
2. _ ديوان الشّيخ سعيد بن خلفان الخليليّ: عادل بن راشد بن علي المطاعنيّ، مكتبة الضّامريّ، الطّبعة الأولى، 2003م.
3. _ قراءات في فكر الخليليّ: المنتدى الأدبيّ، وزارة التّراث القوميّ والثّقافة، الطّبعة الأولى، 1993م، سلطنة عمان.
09_ الأشرطة السّمعيّة المفرّغة:
1. _ حلقة سؤال أهل الذّكر: سماحة الشّيخ أحمد الخليليّ _ حفظه الله _ الأحد 23 ربيع الأوّل 1424هـ/23 مايو 2003م، تلفزيون سلطنة عمان.
2. _ الرّقية الشّرعيّة: من سلسلة دروس الشّيخ ناصر السّابعيّ، إنتاج مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلاميّة، 36/2003م، الرّستاق، سلطنة عمان.
3. _ كيف تريح بالك وتطرد الوساوس: الدّكتور صلاح بن صالح الرّاشد، أُحُد للإنتاج الإعلاميّ والتّوزيع، 1991م، الرّياض، المملكة العربيّة السّعوديّة، مؤسّسة الخالديّة، الكويت. (1/74)
صفحة 75
4. _ الوسواس الدّاء والدّواء: الشّيخ محمّد بن سعيد المعمريّ، إنتاج مكتبة وتسجيلات الهلال الإسلاميّة، ص. ب 94، الرّمز 318، الرّستاق، سلطنة عمان، هاتف وفاكس 875222، الحقوق محفوظة.
المحتويات فهرس
العنوان ... الصّفحة
ملخّص البحث ... 01
شكر وتقدير واعتذار ... 02
سورة النّاس ... 03
مقدّمة ... 04
الفصل الأوّل: تعريف الوسواس ومفهومه عند العلماء ... 07- 18
المبحث الأوّل: الوسوسة في اللّغة والاصطلاح ... 08
المطلب الأوّل: معنى الوسوسة في اللّغة ... 08
المطلب الثّاني: التّعريف الاصطلاحيّ للوسوسة والوسواس ... 09
المطلب الثّالث: المقارنة بين التّعريفين اللّغويّ والاصطلاحيّ ... 10
المبحث الثّاني: أقوال العلماء في الوسواس ... 11
المطلب الأوّل: الوسواس في منظور علماء الدّين ... 11
أوّلاً: الوسواس في القرآن الكريم ... 11
ثانياً: نظرة تفسيريّة في آيات الوسوسة ... 11
ثالثاً: الوسواس في منظور الدّين ... 13
رابعاً: ذكر آراء العلماء في كيفيّة الوسوسة ... 14
خامساً: نماذج فاسدةٌ من وسوسة البشر ... 16
المطلب الثّاني: الوسوسة في منظور علم النّفس ... 16
الفصل الثّاني: أسباب الوسوسة ... 19- 30
المبحث الأوّل: وجهة نظر الدّين ... 20
المطلب الأوّل: معطيات القرآن ... 20
المطلب الثّاني: معطيات السّنّة ... 21
أوّلاً: العقيدة ... 21
المطلب الثّالث: آراء علماء الدّين في أسباب الوسوسة ... 24
01_ الجهل بأمور الدين ... 24
02_ أصحاب النّفوس الطيّبة والشّفافيّة القلبيّة ... 25
03_ سيطرة الأوهام على الإنسان في العبادات ... 26
المبحث الثّاني: رأي علم النّفس في أسباب الوسواس ... 28
الفصل الثّالث: مظاهر الوسوسة ... 31- 43
المبحث الأوّل: تصوير علماء الدّين ... 32
أ_ المكث في الخلاء ... 33
ب_ في النّيّة ... 33
ج_ في الصّلاة ... 33
المبحث الثّاني: تصوير علم النّفس ... 35
أوّلاً: سيطرة الوسواس على المفكر ... 36
ثانياً: سيطرة الوسواس على الطّبيب ... 36
ثالثاً: في مجال التّعليم ... 36
المبحث الثّالث: أنواع الوساوس ... 38
أ_ فالضّروريّة ... 38
ب_ والاختياريّة ... 38 (1/75)
صفحة 76
01_ الوساوس القهريّة تجاه النّجاسة والأوساخ ... 39
02_ وساوس العنف ... 39
03_ الوساوس الشّكوكيّة ... 39
04_ الوساوس العدّيّة ... 40
05_ وساوس المرض ... 40
06_ الوساوس الصّوريّة ... 40
المبحث الرّابع: المواصفات الّتي يتّصف بها الشّخص الوسواسيّ ... 40
أوّلاً: الكماليّة والمثاليّة ... 41
ثانياً: روتينيّ وتقليديّ ... 42
ثالثاً: الدّقّة ... 42
رابعاً: العناد ... 42
خامساً: الجمود ... 42
المبحث الخامس: آثار الوساوس السّلبيّة ومضارّها على الإنسان ... 43
الفصل الرّابع: طرق علاج الوسوسة ... 44- 62
المبحث الأوّل: وجهة نظر الدّين ... 45
المبحث الثّاني: دور العلماء في معالجة الوسواس ... 47
المطلب الأوّل: أنواع العلاجات ... 47
أوّلاً: في الطّهارة ... 47
ثانياً: في الصّلاة ... 48
ثالثاً: علاج الموسوس نفسه ... 49
رابعاً: التّقوية بالعلاج الإيمانيّ ... 49
خامساً: التّوكّل واليقين ... 49
سادساً: حسن الظّنّ بالله تعالى ... 50
سابعاّ: الاستعاذة بالله من الشّيطان الرّجيم ... 50
ثامناً: الذّكر ... 51
تاسعاً: كثرة تلاوة القرآن ... 52
عاشراً: الدّعاء ... 53
المطلب الثّاني: كيفيّة دفع الوسوسة شرعاً ... 54
المبحث الثّالث: وجهة نظر علم النّفس في علاج الوسوسة ... 55
المطلب الأوّل: العلاج العملي (التّطبيقيّ) لأنواع الوساوس ... 56
فأوّلها: العلاجات التّطبيقيّة والعمليّة ... 57
ثانيها: علاج مصدر الوسواس ... 57
ثالثها: عدم الاسترسال ... 57
رابعها: تجنّب المواقف المثيرة ... 57
خامسها: التّخلّص من عقدة الكماليّة ... 59
سادسها: اللّين ... 59
المطلب الثّاني: دور الأسرة والمجتمع في معالجة الوسوسة ... 60
الملاحق ... 63
السّؤال الأوّل ... 63
السّؤال الثّاني ... 64
السّؤال الثّالث ... 65
السّؤال الرّابع ... 65
خاتمة البحث ... 67
فهرس الآيات الكريمة ... 70
فهرس الأحاديث ... 74
قائمة المصادر والمراجع ... 75
فهرس المحتويات ... 81 (1/76)