صفحة 1
الكتاب: الوصول إلى معرفة كيف حج الرسول لسعيد الحارثي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) الوصول إلى معرفة كيف حج الرسول - صلى الله عليه وسلم -
تأليف
فضيلة الشيخ
سعيد بن حمد بن سليمان الحارثي
الطبعة الأولى
1411هـ/ 1991م
حقوق الطبع محفوظة
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
ص ب 9518 السيب
سلطنة عمان (1/1)
صفحة 2
بسم الله الرحمن الرحيم
روى جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: مكث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسع سنين لم يحج ثم أذن في الناس باحج في العاشرة (إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاج فقدم المدينة خلق كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ويعمل مثل عمله).
فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر فأرسلت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف أصنع قال: اغتسلي واستثفري (1) بثوب وأحرمي فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك.
ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيئ عملنا به فأهل بالتوحيد (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) وأهل الناس بهذا الذي يهلون به فما رد رسول الله عليهم شيئا منه ولزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلبيته.
__________
(1) ااستثفري: اجعلي هناك ما يمنع من سيلان الدم. (1/2)
صفحة 3
قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة حتى أتينا البيت معه استلم الركن فطاف سبعا. ثم نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ چ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى چ البقرة: 125، فجعل المقام بينه وبين البيت وصلى ركعتين قرأ فيهم ? يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) و: ? هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ چ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ البقرة: 158، أبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا فرقى عليه
فاستقبل البيت فوحد الله وكبره وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيئ قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده قالها ثلاث مرات ودعا بين ذلك.
ثو نزل إلى المروة حتى انصبت قدماه في بطن الوادي رمل (1) فلما صعدنا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة ما فعل على الصفا حتى إذا كان آخر طوافه على المروة قال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة فقام سراقة بن مالك فقال: ألعامنا هذا يارسول الله أم للأبد. فشبك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أصابعه واحدة في الأخرى وقال: دخلتالعمرة في الحج مرتين لا بل لأبد الأبد.
وقدم علي من اليمن ببُدن النبي - صلى الله عليه وسلم - فوجد فاطمة ممن حل ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت فأنكر ذلك عليها فقالت: إن أبي أمرني بذلك قال علي: فذهبت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محرشا (2) على فاطمة للذي صنعت مستفتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما ذكرت عنه فأخبرته أني أنكرت عليها ذلك فقال: صدقت صدقت. ماذا قلت حين فرضت الحج قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك قال: فإن معي الهدي فلا تحل.
__________
(1) رمل: أي هرول دون الخبب.
(2) محرشا: منكرا أو يطلب كفها عن ذلك. (1/3)
صفحة 4
قال: وكان جملة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - مائة ناقة قال: فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي وحده ومن كان معه هدي فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى وأهلوا (1) بالحج وركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر بمنى جمعا وقصرا ثم مكث حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة (2).
فسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا تشك قريش أنه واقف بالمشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية فجاز رسول الله المشعر الحرام حتى أتى عرفة فوجد القبة قد نُصبت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي (3) فخطب الناس وقال:
خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - في عرفة
بعد حمد الله والثناء عليه قال: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا كل شيئ من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وأن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ـ كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل ـ وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله.
__________
(1) الإهلال: رفع الصوت بالتلبية.
(2) نمرة ـبفتح النون وكسر الميم وسكونهاـ موضع بجنب عرفة وليس منها.
(3) قوله بطن الوادي: يعني وادي عُرنة ـبضم العين وفتح الراء والنون ـ وليس عرنة من عرفة ولا يحل الوقوف به فمن وقف به بطل حجه. (1/4)
صفحة 5
فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به (كتاب الله) وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات. ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا ـ لا خلاف في أنه صلاهما جمعا وقصر ـ ثم ركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة (1) بين يديه (الصخرات: صخرات مفترشات أسفل جبل الرحمة)، وجبل المشاة الرمل الكائن شرقي جبل الرحمة.
واستقبل القبلة ولم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حيث غاب القرص، وأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد شنق (2) للقصواء الزمام حتى إن أرسلها ليصيب مورك رحله (3).
ويقول - صلى الله عليه وسلم - بيده اليمنى أيها الناس السكينة السكينة كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد ـ الحبل الرمل المستطيل وأرخاه لها للرفق بها خشية عليها ـ حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا ثم اضطجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة.
__________
(1) قلت حبل المشاة هذا هو الكثيب الذي يقف عليه العمانيون من قديم الزمان وهو مقابل لحبل الرحمة من الشرق وتحته الصخرات.
(2) شنق: زمّ وضيق.
(3) مورك رحله: هو المسمى عند العمانيين الشداد. (1/5)
صفحة 6
ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام (1) فاستقبل القبلة فدعا الله وكبره وهلله ووحده ولم يزل واقفا حتى أسفر الصبح جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن عباس وكان غلاما حسن الشعر أبيض وسيما ولما دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرت به ظعن (2) يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن فوضع رسول الله يده على وجه الفضل فحول الفضل وجهه إفى الشق الآخر ينظر فحول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده من الشق الآخر على وجه الفضل فصرف وجهه إلى الشق الآخر ينظر.
وفي رواية أنه لوى عنق الفضل فقال العباس: يا رسول الله لويت عنق ابن عمك فقال: رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما.
حتى أتى بطن محسر (3) فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى فلما أتى الجمرة رماها في بطن الوادي بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها وهي مثل حصى الخذف، ثم انصرف إلى النحر فنحر بيده الشريفة ثلاثا وستين بدنة ثم أعطى عليا فنحر ما غبر _بقي_ وأشركه في هديه. ثم أمر من كل بدنة ببضعة _قطعة_ فجعلت في قدر فطبخت فأكلا لحمها وشربا من المرق.
في هذا سنة بأن يأكل المرء من ضحيته وبحيث أنه لا يستطيع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأكل من الجميع لأنها مائة، فخلط لحم الجميع وشرب من المرق الذي طبخ به جميع اللحم ثم ركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر.
__________
(1) المشعر الحرام قبل مزدلفة كلها.
(2) ظعن جمع ظعينة وهي المرأة.
(3) محسر: واد آخر مزدلفة من الجانب الغربي بينها ومنى، وسمي محسرا لأن الفيل حسر فيه، أي عيي فيل أبرهة لما جاء لهدم الكعبة. (1/6)
صفحة 7
قلت لم يذكر في رواية مسلم أنه حلق وقد ذكره غيره وقد طاف طواف الإفاضة بعدما حلق فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلوا فشرب - صلى الله عليه وسلم - وأثر عنه - صلى الله عليه وسلم - قوله في عرفة (وقفت هنا وعرفات كلها موقف) وفي مزدلفة (وقفت هنا ومزدلفة كلها موقف) وفي منى (نحرت هنا ومنى كلها منحر).
فائدة:
كانت العرب لا تطوف بالبيت إلا بثياب من الحمس (1) (فإن لم تلبس تلك الثياب طافوا بالبيت عراة والثياب هذه تستأجر من الحمس حتى أتت امرأة وليس عندها ما تستأجر به فطافت عريانة قابضة على فرجها وهي تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدى منه فلا أحله.
وكان الحمس يقفون بمزدلفة والناس يقفون بعرفات فأمر الله نبيه أن يقف حيث وقف الناس وأن يفيض من حيث أفاضوا مخالفة لقريش.
فائدة:
كانت العرب في الجاهلية يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرم صغرا ويقولون: إذا برأ الدَبَر وعفا الأثر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر.
فقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه صبيحة الرابع من ذي الحجة مهلين بالحج فأمر أصحابه أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عليهم فقالوا: يا رسول الله أي الحل، قال: الحل كله فمن لم يكن عنده الهدي فليحل كله فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة.
فائدة:
__________
(1) الحمس هم قريشوما ولدت، وسموا الحمس لأنهم تحمسوا لدينهم أي تشددوا. (1/7)
صفحة 8
عن ابن عباس قال: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها (1) في صفحة سنامها الأيمن وسال الدم وقلدها نعلين ثم ركب راحلته فلما استوت به على البيداء أهل بالحج.
فائدة:
عن أنس قال: اعتمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته. واحدة من الحديبية أو زمن الحديبية في ذي القعدة والثانية في العام المقبل في ذي القعدة والثالثة من الجعرانة منصرفة من الطائف في ذي القعدة أيضا، وإنما خص ذا القعدة لكونه من أشهر الحج مخالفة للجاهلية حيث لا يجيزون العمرة في أشهر الحج.
فائدة:
يستحب لداخل مكة من جهة أن يخرج من جهة أخرى لفعله - صلى الله عليه وسلم - دخل من الثنية العليا وخرج من الثنية السفلى هذا حين دخل حاجا، والثنية العليا بالبطحاء وأما حين دخل فاتحا فإنه دخل في كداء وخرج من كدى، كذلك يستحب أن يدخل مكة نهارا لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين وصل ليلا بات بذي طوى ودخلها صباحا.
طوى يجوز فيها الحركات الثلاث وأشهرها الفتح وهي القريب من مكة المشرفة على طريق التنعيم التي هي على طريق المدينة المنورة.
فائدة:
__________
(1) الأشعار لغة الأعلام وشعار الحج معالمه وأما في العرف فهو أن يفعل في الهدي علامة يعرف بها أنها هدي وتلك العلامة هو أن يشق في سنام الناقة شقا يسيل منه الدم وهو سنة عمل بها المسلمون خلافا لمن قال أنها مثلة لأن الرسول فعلها فهي كالفصد والختان والحجامة وكالوسم للناقة لتعرف وكان هذا من عادة الجاهلية فأقره الإسلام للمصلحة. (1/8)
صفحة 9
عن أبي الطفيل قال: قلت: لابن عباس أرأيت هذا الرمل في ثلاثة أطواف والمشي أربعة أطواف هوسنّة. فإن قومك يزعمون أنه سنة، قال: فقال: صدقوا وكذبوا قلت: ما قولك صدقوا وكذبوا، قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدم مكة فقال المشركون: إن محمدا وأصحابه لا يستطيعون أن يطوفوا بالبيت من الهزال وكانوا يحسدونه قال: فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرملوا ثلاثا ويمشوا أربعا، قلت: أخبرني عن السعي بين الصفا والمروة راكبا أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة، قال: صدقوا وكذبوا قلت: وما ذاك؟ قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثر عليه الناس يقولون هذا محمد هذا محمد حتى خرج العواتق من البيوت وكان رسول الله لا يُضرب الناس بين يديه فلما كثروا عليه ركب والمشي والسعي أفضل.
فائدة:
للموعظة أوردها الإمام مسلم في شرحه على الحديث المتقدم في قوله وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يضرب بين يديه الناس.
قال: حج الرشيد سنة فمر بظهر الكوفة فإذا ببهلول _المجنون_ راكبا على قصبة وخلفه الصبيان فأمر الرشيد أن يؤتى به إليه فقال للرسول: لا تروعه فأتاه الرسول فقال: يابهلول أجب أمير المؤمنين فجاءه فقال الرشيد: السلام عليك يابهلول، فقال: وعليك السلام يا أمير المؤمنين، فقال الرشيد: مشتاقون إليك يابهلول، قال بهلول: لكني لم أشتق إليك، فقال الرشيد: عظني، قال: لم أعظك هذه قصوركم وهذه قبوركم، قال: زدني فقد أحسنت، قال: من رزقه الله مالا وجمالا فواسى من ماله وعف في جماله كتب في دوان الأبرار، فظن الرشيد أنه يريد شيئا فقال: قد أمرنا بقضاء دينك، قال: كلا لم تقض دينا بدين، اردد الحق إلى أهله واقض دين نفسك من نفسك. (1/9)
صفحة 10
قال الرشيد: قد أمرنا أن يجري عليك، قال: إن الله لا يعطيك فينساني، كيف بك يا أمير المؤمنين إذا أوقفك الله بين يديه وسألك النقير والقطمير، فاختنقت الرشيد العبرة فقال الحاجب: كف يابهلول فقد أوجعت أمير المؤمنين، فقال بهلول: إنما يفسد عليه أنت وأضرابك، فقال الرشيد: دعه ثم قال الرشيد: أحاجة يابهلول، قال: أن لا تراني ولا أراك، ثم قال: حدثني فلان عن فلان قال رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جمرة العقبة على ناقة صهباء وليس ثم ضرب ولا طرد ولا إليك ولا تنح.
قلت وحفظت قصة عن بهلول هذا يقول راويها: إن بهلولا مر على حلقة وفيها شيخ يحدث ويقول: إن كل موجود مرئي وبحيث أن الله عزوجل موجود فهو مرئي، وأن الواحد لا يعذب بجنسه فالجن لا يعذبون بالنار لأنهم خلقوا منها وأن الإنسان لا يملك من أمره شيئا فهو مجبور على فعله، قال: فتناول بهلول قطعة طين يابسة فرمى بها الشيخ فأوجعته، فاشتكاه إلى الأمير فلما حضر قال زعم هذا الشيخ أن كل موجود مرئي فقل له يريك الألم الذي يوجعه، وقال: إن الاحد لا يعذب بجنسه فأنا رميته بطين وهو مخلوق من الطين، وقال: إن الإنسان مجبور على فعله فأنا لا ذنب لي لأني مجبور على ذلك الفعل فانقطع الشيخ وانسحب عن الدعوى.
فائدة:-
حول قوله تعالى: چ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ ژژ فَمَنْ حَجَّ ک ک ک ... ک گ گ گ گ بِهِمَا چ. (1/10)
صفحة 11
عن عروة قال: قلت لعائشة: إني لا أظن لو أن رجلا لو لم يطف بين الصفا والمروة ماضره، قالت لم قلت؟ لأن الله يقول: فلا جناح عليه أن يطوف بهما فقالت: ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة ولو كان كما تقول لكان (فلا جناح عليه أن لا يطوف عليهما) وهل تدري فيما كان ذلك إنما كان أن الأنصار كانوا يهلون في الجاهلية لصنمين على شط البحر يقال لهما أساف ونائلة، ثم يجيئون بين الصفا والمروة ثم يحلقون، فلما جاء الأإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهلية، قالت فأنزل الله عز وجل إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ ژ .. إلى آخرها. قالت: فطافوا.
فائدة:_
لم تذكر في حديث جابر الطويل –عن أسامة بن زيد قال: دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء، فقلت: له الصلاة فقال: الصلاة أمامك فركب فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصلي بينهما شيئا.
ولم يذكر في الحديث جابر الطويل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حلق بعدما نحر وإنما رواه جملة من رواة الحديث جاء في وفاء الضمانة ما نصه: عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رمى جمرة العقبة يوم النحر ثم رجع إلى منزله في منى فدعا بذبح فذبح، ثم دعا بالحلاق فأخذ يشق رأسه الأيمن فحلقه فجعل يقسم بين من يليه الشعرة والشعرتين ثم أخذ بشق رأسه الأيسر فحلقه ثم قال: أهاهنا أبو طلحة فدفعه إليه.
وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (اللهم اغفر للمحلقين) قالوا: يا رسول الله والمقصرين قال: (اللهم اغفر للمحلقين) ثلاثا. قالوا: يارسول الله والمقصرين قال: (والمقصرين). (1/11)
صفحة 12
وعن ابن عباس كان رسول الله يسأل يوم منى فيقول: (لا حرج لا حرج) فأتاه رجل فقال حلقت قبل أن أذبح قال: لا حرج قال: رميت بعدما أن أمسيت قال: لا حرج. وروى الحديث الربيع في مسنده الرفيع. وقال شارحه رحمة الله عليه وفي الحديث فوائد منها:
أن التقصير يجزي عن الحلق وهو مجمع عليه.
ومنها أن الحلق أفضل لأنه أبلغ في العبادة وأبين في الخضوع والذلة وأدل على قصد النية والمقصر يبقى على نفسه شيئا مما يتزين به بخلاف الحالق فيشعر بأنه ترك ذلك لله وإشارة إلى التجرد.
ومنها: الدعاء لمن فعل ذلك لأنه فعل ما شرع له وطلب الدعاء لمن فعل الجائز وإن كان مرجوحا جائز.
تنبيهان:_
الأول: الناس بالنظر إلى الحلق والتقصير ثلاثة أصناف، صنف يتعين في حقه الحلق وهو الذي يتعذر عليه التقصير. وصنف يتعين في حقه التقصير وهي النساء فإن الحلق في حقهن مثلة فلا يجوز. وصنف يجوز له الأمران وهم غير من ذكرنا.
الثاني: اختلف الناس في الحلق والتقصير والمشهور عند الموافق والمختلف أنه نسك من مناسك الحج والمعمرة وركن من أركانهما لا يحصل واحد منهما إلا به. وقيل: إنه استباحة محظورة كاللباس والطيب وليس بنسك.
وقال: (والمشروع) في حق النساء التقصير بإجماع، فعن ابن عباس مرفوعا ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير، وعن علي نهى أن تحلق المرأة رأسها.
حديث فرض الحج: عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل: أفي كل عام يارسول الله، فسكت حتى قالها ثلاثا فقال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيىء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيىء فدعوه. رواه مسلم.
فائدة:_ (1/12)
صفحة 13
عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبر ثلاثا ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل والولد قال: وإذا رجع قالهن وزاد فيهن آئبون تائبون عابدون لربنا حامدون.
وصلى الله على رسوله سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وتليها رسالة سميتها الفتح فيما وقع في الحديبية من صلح. (1/13)