صفحة 1
بحث تخرج: اليمين المنعقدة عند الإباضية لمبارك الريامي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
معهد العلوم الشرعية
اليمين المنعقدة عند الإباضية
دراسة مقارنة
إعداد الطالب : إشراف الشيخ :
مبارك بن سعيد الريامِي لؤي الشريف قبيصي
العام الجامعي : 1425 ـ 1426 هـ
الموافق : 2004 ـ 2005 م .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله الذي جعل لعباده من كل ضيق مخرجا ، والصلاة والسلام على محمد نبي الهدى ، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم القيامة . وبعد : فإن الشريعة الإسلامية جاءت لتعايش حياة الناس وتواكب مسيرتهم في الحياة ، فكانت بذلك شريعة ومنهج حياة ، ينظم للناس سلوكهم ويضع لهم الحلول العملية الناجحة لمشاكل الحياة التي تعرض لهم ، وصولا إلى رضا الله سبحانه وتعالى .
ولما كان تداخل الناس وتدافعهم في سبيل تحصيل أهدافهم اليومية ، وما ينتج عنه ـ أحيانا ـ من ضرورة الإقدام على القسم ، توكيدا لحق يطلبه ، أو حثا للآخرين على فعل أمر أو تركه ، أو حث نفسه ، أو غير ذلك من الأمور التي قد تدفع الإنسان نحو الحلف بالله سبحانه وتعالى ، اقتضى ذلك كله أن يشرع للناس الإقسام بالله ، وأن تشرع الأحكام الخاصة بذلك .
ونظرا لأهمية الموضوع وارتباطه الشديد بحياة الناس وأحوال معيشتهم ، ونظرا لعدم وجود دراسات حديثة تناولت هذا الموضوع ـ حسب علمي القاصر ـ ، وخاصة أن هذه الدراسات ـ إن وجدت ـ تغفل الفقه الإباضي من إطار بحثها ؛ نظرا لهذا كله ولأسباب أخرى ، رأيت أن أتقدم بهذا البحث المصغر ، في الحجم والمحتوى ، ليكون مشروع تخرجي في معهد العلوم الشرعية ، الذي طالما نهلنا من معينه الذي لا ينضب ، وقد قمت بتقسيمه إلى مقدمة وأربعة فصول وخاتمة وهي على النحو الآتي : مقدمة البحث :
الفصل الأول : اعتبرت هذا الفصل بمثابة تمهيد للدخول في صلب البحث ، فقد ضمنته ثلاثة مباحث وهي على النحو الآتي :
المبحث الأول : تعريف اليمين : ويحتوي هذا المبحث على مطلبين : (1/1)
صفحة 2
المطلب الأول : وخصصته لتعريف اليمين في اللغة .
المطلب الثاني : حاولت أن أثبت في هذا المطلب تعريف اليمين في اصطلاح الفقهاء من خلال مصنفاتهم ، وقد اقتصرت في ذلك على معناها عند الإباضية بالإضافة إلى المذاهب الأربعة : المالكية ، والحنفية ، والشافعية ، والحنابلة ، وقد أثبت هذه التعريفات من غير شرح أو تدخل .
المبحث الثاني : تحدثت في هذا المبحث عن أدلة مشروعية اليمين ، وقد قمت بتقسيمه إلى مطلبين :
المطلب الأول : وحاولت فيه تتبع أدلة مشروعية اليمين من القرآن الكريم ، مع إيراد أقوال بعض العلماء ، فيما يخص المعاني المستنبطة من هذه الآيات .
المطلب الثاني : تتبعت في هذا المطلب بعض الأحاديث الواردة ، الدالة على مشروعية اليمين ، وذلك من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - القولية ، أو الفعلية .
المبحث الثالث : تعرضت في هذا المبحث إلى حكم اليمين من حيث جوازها أو عدم جوازها ، وكذلك حكم الحلف بغير الله سبحانه وتعالى .
الفصل الثاني : قسمت هذا الفصل إلى أربعة مباحث ، وهي على النحو الآتي :
المبحث الأول : وكان الحديث فيه حول أقسام اليمين وفد قسمته إلى ثلاثة مطالب :
المطلب الأول : أقسام اليمين من حيث انعقادها من عدمه :
أولا : يمين اللغو : تعريفها ودليلها من الكتاب والسنة واختلاف الفقهاء في معناها .
ثانيا : اليمين الغموس : تعريفها ودليلها من الكتاب والسنة ، لكني لم أتعمق في الحديث حول هذين اليمينين ؛ إذ هما ليستا داخلتين ضمن نطاق دراستنا هذه ، ولكن ذلك من باب بيان الشيء بضده .
ثالثا : اليمين المنعقدة : بما أن هذه اليمين هي محل دراستنا في هذا البحث ، فقد جعلت تعريفها متأخرا عن تعريف أختيها ؛ حتى يتواصل بعد ذلك الحديث متتابعا حول مسائلها من خلال الفصول والمباحث اللاحقة . (1/2)
صفحة 3
بدأت أولا في تعريف اليمين المنعقدة في اللغة مشيا على ما جرت عليه عادة الباحثين في مثل هذه البحوث ، ثم عرفتها بحسب اصطلاح الفقهاء ، ويجدر بالذكر هنا أن تعريف الفقهاء لهذه اليمين يكاد أن يكون متحدا .
المطلب الثاني : في هذا المطلب تناولت أقسام اليمين من حيث وجوب الكفارة ، ولا يختلف تقسيم الأيمان هنا عن التقسيم السابق إلا إن الأساس الذي تم التقسيم على أساسه مختلف ، فإني قد قسمتها في المطلب السابق على أساس انعقادها أو عدم انعقادها يمينا تجب الكفارة بالحنث فيها ، أما الأساس الذي تم التقسيم وفقه هنا فكان هو وجوب الكفارة أو عدم وجوبها .
المطلب الثالث : يكون الحديث هنا حول أقسام اليمين ، من حيث ارتباطها بالأحكام التكليفية الخمسة : الوجوب ، والندب ، والإباحة ، والتحريم ، والكراهة .
المبحث الثالث : تعرضت هنا للحديث عن أركان اليمين والشروط الواجب توفرها فيها لانعقاد اليمين موجبة للكفارة في حالة الحنث ، وقمت بتقسيمه إلى ثلاثة مطالب :
المطلب الأول : الحالف ، وما يشترط فيه مثل اشتراط كونه مكلفا ، ومختارا للنطق باليمين ، قاصدا لها وغيرها من الشروط التي اشترطها الفقهاء فيه .
المطلب الثاني : المحلوف عليه ( محل القسم ) ، و فصلت فيه الخلاف في الشروط التي أوجب الفقهاء توفرها ، ثم تعرضت لبعض المسائل التي قد تتفرع من الخلاف بين الفقهاء في هذه الشروط .
المطلب الثالث : يمكن القول بأن هذا الركن هو محل الخلاف الأكبر بين الفقهاء فيما يتعلق بموضوع الدراسة ، لذلك أسهبت بعض الشيء هنا .
المبحث الرابع : الأصل الذي تبنى عليه اليمين وقمت بتقسيمه إلى خمسة مطالب هي :
المطلب الأول : الأصل الذي تبنى عليه اليمين عند الإباضية .
المطلب الثاني : الأصل الذي تبنى عليه اليمين عند المالكية .
المطلب الثالث : الأصل الذي تبنى عليه اليمين عند الحنفية .
المطلب الرابع : الأصل الذي تبنى عليه اليمين عند الشافعية . (1/3)
صفحة 4
المطلب الخامس : الأصل الذي تبنى عليه اليمين عند الحنابلة .
المبحث الخامس : ويكون الكلام فيه عن مسألة الاستثناء في اليمين .
الفصل الثالث : والكلام فيه يتناول الأحوال التي تدور عليها اليمين في حياة الناس ، وقد جعلته في أربعة مباحث :
المبحث الأول : والحديث فيه عن الأيمان التي تدور حول الدخول والخروج .
المبحث الثاني : والحديث فيه عن الأيمان التي تدور حول الحلف على الأكل والشرب .
المبحث الثالث : والحديث فيه عن الأيمان التي تدور حول الحلف الكلام واللبس والكسوة .
الفصل الرابع : تناولت فيه بالحديث كفارة اليمين ، فقسمت الفصل إلى ثلاثة مباحث ، وتسعة مطالب وتحت كل مطلب منها مسائل :
المبحث الأول : في تعريف الكفارة لغة واصطلاحا ، ودليل مشروعيتها ، وقسمته إلى مطلبين :
المطلب الأول : تعريف الكفارة ، وذكرت فيه التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي للكفارة .
المطلب الثاني : دليل مشروعية الكفارة ، وأوردت فيه بعضا من أدلة مشروعية الكفارة من الكتاب العزيز ، ثم سردت بعضا من أدلة مشروعية الكفارة من السنة النبوية .
المبحث الثاني : في صفة التكفير في اليمين ، وقمت بتقسيمه إلى أربعة مطالب :
المطلب الأول : الإطعام وما يتعلق به من مسائل .
المطلب الثاني : الكسوة صفتها وشروطها وما يندرج تحتها من مسائل .
المطلب الثالث : العتق وما يشترط فيه .
المطلب الرابع : الصيام ، وما يشترط فيه وبعض المسائل الداخلة تحته .
المبحث الثالث : بحثت فيه بعض المسائل المتعلقة بالتكفير ، وقد قمت ببحث ثلاث مسائل منها فقط وهي :
المسألة الأولى : كفارة من حلف أيمانا متعددة على الشيء الواحد .
المسألة الثانية : التكفير قبل الحنث .
المسألة الثالثة : دفع القيمة في الكفارة .
خاتمة البحث ، وذكرت فيها أهم النتائج والتوصيات التي توصلت إليه في بحثي . (1/4)
صفحة 5
وأخيرا فإنه لا يسعني إلا أن أعترف بتقصيري ، وعجزي عن الإحاطة بهذا الموضوع المهم ؛ وذلك لارتباطه ارتباطا وثيقا بالحياة اليومية للناس .
كذلك لا يفوتني هنا أن أتوجه بالشكر الجزيل إلى كل من كانت له يد في إنجاز هذا العمل ، وأخص بالشكر أساتذتي الأفاضل في هذا المعهد الميمون ، وخصوصا أستاذي الشيخ / لؤي الشريف قُبيصي ، مدرس مادتي التجويد وعلوم القرآن بالمعهد ، وذلك لتفضله بالموافقة على الإشراف على البحث ، وإبداء الملاحظات التي كان لها الأثر الكبير في إنجاز هذا العمل .
جعل الله هذا العمل في ميزان حسناتنا ، وتقبله منا ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
مبارك بن سعيد بن شحلوب الرِّيامي .
معهد العلوم الشرعية ـ مسقط .
تمهيد :
يلجأ الناس عادة ، وفي كثير من الأحيان ، إلى توكيد حديثهم فيما بينهم بحلف الأيمان ، سعيا منهم إلى إكساب حديثهم نوعا من القطع بصدقه ، ومن الأمور المطردة أن يتم استخدام اليمين ، وسيلة لإثبات الحقائق ، أو حتى الاقتراب من ذلك ، وهذا يتم بصفة تكاد أن تكون مستمرة أمام القضاء ، بغية إثبات الحقوق والالتزامات .
وإذا كان هذا شأن اليمين ، في الأهمية ، فلا غرابة إذن أن نجد الفقهاء المسلمين يخصصون أبوابا لبحث هذه القضية ، بل لقد توسعوا في ذلك حتى إنهم صاروا يفترضون الحلول لمسائل قد يتعرض لها الناس في حياتهم ، وصار الفقهاء بعد ذلك يعقدون المقارنات بين التفريعات الفقهية في كل مذهب من المذاهب ، فوجد ما سمي بعد ذلك بالفقه المقارن .
والحقيقة أننا إذا طفنا بين كثير من المؤلفات الفقهية ، فإننا نلاحظ غياب الفقه الإباضي بشكل واضح وجلي في تلك المؤلفات ، مع ما للفقه الإباضي من مشاركات مؤثرة في حيا ة الناس العامة أو الخاصة . لذلك كان لابد من تناول ، أحد الموضوعات الفقهية ، وبيان الترابط والتمازج بين أصول الفقه في الذهب الإباضي ، وأصوله في المذاهب الإسلامية الأخرى . (1/5)
صفحة 6
وإذا كان لموضوع اليمين تلك الأهمية البالغة في الحياة العامة والخاصة للناس ، فهو بذلك موضوع خصب جدير بالدراسة ، لذلك كله ولأسباب عديدة ، سنحاول معا الغوص في أعماق هذا الموضوع علنا أن ننال بغيتنا . وبغية الباحث دائما ، الكشف عن الحقائق ، ومعرفة الدقائق .
الفصل الأول :
ـ تعريف اليمين.
ـ أدلة مشروعيتها اليمين .
ـ حكم اليمين .
المبحث الأول :
تعريف اليمين
اعتاد الباحثون ـ غالبا ـ على التقديم لأبحاثهم ، بتعريف بعض المصطلحات ، التي سيدور الحديث حولها في البحث ، أو الرسالة المقدمة لنيل شهادة ، أو درجة علمية ما .
ومشيا على هذا النسق ، سنقوم بتعريف مصطلح اليمين عند الفقهاء ، وقبل ذلك نتناول بعض المعاني اللغوية لليمين ، الواردة في معاجم اللغة العربية .
المطلب الأول : اليمين في اللغة : (1/6)
صفحة 7
اليمين في كلام العرب على وجوه : اليمين ، اليد اليمنى : جاء في الصحاح : واليمين : يمين الإنسان وغيره . وتصغير اليمين يميِن بالتشديد بلا هاء (1) . واليَمينُ : ضِدُّ اليَسار جمعها : أيْمُنٌ وأيْمانٌ وأيامِنُ وأيامينُ (2) ، وأما في حديث عمر - رضي الله عنهم - : " زوَدتنا أمُنا بيمينتيها من الهبيد (3) " (4) ، فيقال : إنه أراد بيمينتيها تصغير يمين (5) . وقال أبو عبيد (6) :
__________
(1) الصحاح ( تاج اللغة وصحاح العربيِة ) ، إسماعيل بن حماد الجوهري ، تحقيق / أحمد عبد الغفور عطَار ، دار العلم للملايين ـ بيروت ، الطبعة الثالثة ، 1404 هـ / 1984 م ، الجزء السادس ، ص 2221 .
(2) القاموس المحيط ، مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي ، تحقيق مكتب تحقيق التراث ، في مؤسسة الرسالة ، ( مؤسسة الرسالة ـ بيروت ) ، الطبعة الثانية ، 1407 هـ ، ص 1601 .
(3) الهبْد والهبيد : الحنظل ، وقيل : حَبُه ، واحدته هبيدة ، ومنه قول بعض الأعراب : فخرجتُ لا أتلفع بوصيدة ولا أتقوت بهبيدة . ويقال : هبدته أهبده أي : أطعمته الهبيد . راجع : ابن منظور ، المرجع السابق ، المجلد الثالث ، مادة هبد ، ص 431 .
(4) إسماعيل الجوهري ، المرجع السابق ، 6/221 .
(5) إسماعيل الجوهري ، الرجع السابق ، 6/ 2221.
(6) هو الإمام الحافظ العلامة / أبو عبيد القاسم بن سلاَم الأنصاري البغدادي ولد سنة 151 هـ ، وتوفي سنة 224هـ . برع الإمام أبو عبيد في علوم شتى ، وتصانيفه خير شاهد على ذلك ، فقد ألَف في علم القراءات ، وفي علم الحديث ، وفي الفقه وفي اللغة . أنظر : علم القراءات (نشأته ، أطواره ، أثره في العلوم الشرعية ) ، د . نبيل محمد إبراهيم آل إسماعيل ، ( دارة الملك عبد العزيز ) ، الطبعة الثانية 1423 هـ / 2002 م ، ص 103 . (1/7)
صفحة 8
وكانوا يحلفون باليمين فيقولون : يمين الله لا أفعل (1) ، وأنشد لامرئ القيس (2) :
فقلت يمين الله أبرح قاعدا ولو قطَعوا رأسي لديك وأوصالي (3) .
وتجمع اليمين على أيمان وأيمن (4) ، كما قال زهير (5) : ...
__________
(1) أبو عبيد ، القاسم بن سلام
(2) امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي [130 ـ 80 ق.هـ ] ، وأشهر شعراء العرب على الإطلاق ، يماني الأصل ، ومولده بنجد . كان أبوه ملك أسد وغطفان ، وأمه أخت المهلهل الشاعر . قال امرؤ القيس الشعر وهو غلام وجعل يشبب ويلهو ويعاشر صعاليك العرب، فبلغ ذلك أباه فنهاه عن سيرته فلم ينته، فأبعده إلى حضرموت وهو في نحو العشرين من عمره .
مات امرؤ القيس بأنقرة ، متأثرا بقروح ظهرت عليه بعد قدومه من عند قيصر الروم . أنظر : الشعر والشعراء ، أبو محمد ، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري [ 276 هـ ] ، تحقيق / مفيد قميحة ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الثانية ، 1405 هـ / 1985 م ص 49 .
(3) ديوان امرئ القيس ، ضبط وتصحيح ، مصطفى عبد الشافي ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1403 هـ / 1983 م ، ص 125 .
(4) لسان العرب ، أبو الفضل ، جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور ، دار بيروت للطباعة والنشر ، ودار صادر للطباعة والنشر ، 1388 هـ / 1986 م ، المجلد الثالث عشر، باب النون ، فصل الياء ، ص 463.
(5) زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رباح المزني ، من مضر [ 13 ق.هـ ] ، ولد في بلاد مزينة بنواحي المدينة ، وكان يقيم في الحاجر ( من ديار نجد ) . وكان يوصف بأنه حكيم الشعراء في الجاهلية ، وفي أئمة الأدب من يفضله على شعراء العرب كافة . قيل : كان ينظم القصيدة في شهر ، وينقحها في سنة ؛ فكانت قصائده تسمى ( الحوليات) ، من اشهر شعره معلقته التي مطلعها :
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم بحومانة الدراج فالمتثلم .
أنظر : ابن قتيبة ، المرجع السابق ، ص 69 . (1/8)
صفحة 9
فتجمع أيمُن منا ومنكم بمقسمة تمور بها الدماء (1) .
واليمين : القوة والقدرة (2) ؛ ومنه قول الشاعر :
رأيتُ عرابة الأوسيِ يسمو إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما رايةٌ رفعت لمجد تلقاها عرابةُ باليمين (3) .
أي : بالقوة (4) . وفي التنزيل : { لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ } (5) ؛ أي : منعناه ودفعناه ، فعبر عن ذلك باليمين . وقيل : معناه : لأخذنا بيمينه فمنعناه من التصرف (6) . وقيل معناه : بأشرف جوارحه ، وأشرف أحواله (7) .
__________
(1) شرح ديوان زهير بن أبي سلمى ، سيف الدين الكاتب، وأحمد عصام الكاتب ، ( دار مكتبة الحياة ـ بيروت ) ، 1986 م ، ص 19 .
(2) الجوهري ، مرجع سابق ، ص 2220 ، وابن منظور، المرجع السابق ، ص 461 .
(3) البيتان للشَّماخ بن ضرار بن حرملة المازني الذبياني ، وقيل اسمه : معقل بن ضرار ، والشَّماخ لقبه .
انظر : الأغاني ، أبي الفرج علي بن الحسين الأصفهاني ، تحقيق د/ إحسان عباس ،وآخرين ، ( دار صادر ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1423 هـ / 2002 م ، الجزء التاسع ، ص 125 ، والشَّماخ بن ضرار الذبياني ( حياته وشعره ) ، صلاح الدين الهادي ، ( دار المعارف ـ مصر ) ، ص 239.
(4) تهذيب اللغة ، أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري ، تحقيق أ / إبراهيم الأبياري ، دار الكتاب العربي ، 1967م ، الجزء الخامس عشر ، باب النون ، فصل الياء ، ص 523 .
(5) سورة الحاقَة، 48 .
(6) غريب اللغة ، أبو بكر محمد بن عزيز السجستاني [ 330 هـ ] ، تحقيق / محمد أديب عبد الواحد جمران ، ( دار ابن قتيبة ) ، الطبعة الأولى ، 1416هـ / 1995 م ، ص 526 .
(7) المفردات في غريب القرآن ، أبو القاسم الحسين بن محمد ( الراغب الأصفهاني ) [ 502 هـ ] ، تحقيق / محمد خليل عيتاني ، ( دار المعرفة ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1418 هـ / 1998 م ، ص 554 . (1/9)
صفحة 10
قال الزجَّاج (1) : " أي بالقدرة . لأن اليمين القوة " (2) ، لأن الحالف يقوي الحثَّ على الوجود أو العدم (3) ، وسميت اليدُ اليمنى يمينا لوفور قوتها " (4) ، وفي قوله تعالى : { قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ } (5) ؛ أي : من الناحية التي كان منها الحق فتصرفوننا عنها (6) .
__________
(1) إبراهيم بن السري بن سهل أبو إسحاق [ ت 311 هـ ] ، عالم بالنحو واللغة ، ولد ومات في بغداد. له مصنفات عديدة منها : معاني القرآن وإعرابه . أنظر : وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان ، لأبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان [ت681 هـ ] ، ( دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1417 هـ / 1997 م ، المجلد الأول ، ص 33 ، ومعجم المؤلفين ، عمر رضا كحالة ، ( دار أحياء التراث العربي ، المجلد الأول ، ص 33 .
(2) معاني القرآن وإعرابه ، أبو إسحاق إبراهيم بن السري ، شرح وتحقيق د/ عبد الجليل عبده شلبي ، ( عالم الكتب ـ بيروت ) ، الجزء الخامس ، ص 218 .
(3) ابن منظور، المرجع السابق ، ص 461 .
(4) المجموع شرح المهذب ، أبو زكريا محيي الدين بن شرف النووي [ ت 676هـ ] ، تأليف محمود مَطرجي ، ( دار الفكر ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1417هـ / 1996 ، الجزء التاسع عشر ، ص 107 .
(5) سورة الصافات ، 28 .
(6) 10) الراغب الأصفهاني ، المرجع السابق ، ص 554 . (1/10)
صفحة 11
قال ابن عباس (1) ـ رضي الله عنهما ـ : " أي : تُغووننا عن الدين " (2) ؛ كأنه أراد :
تأتوننا عن المأتى السهل (3) ، أي : تَخْدَعوننا بأقوى الأسباب ، أو من قِبَلِ الشهوةِ (4) .
قال الزجاج : " هذا قول الكفار للذين أضلوهم . أي : كنتم تخدعوننا بأقوى الأسباب ، أي : كنتم تأتوننا من قبل الدين فَتُروننا أن الدين والحق ما يضلوننا به (5) .
واليَمينُ : الحَلف والقَسم ، والجمعُ أيمُنٌ وأيمانٌ (6) . وفي الحديث : (( يمينك على ما يصدقك به صاحبُك )) (7) ، أي : يجب عليك أن تحلف له على ما يصدقك به، إذا حلفت له (8) .
__________
(1) 11) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي [ ت 68 هـ ] . الصحابي الجليل الملقب حبر الأمة ، وترجمان القرآن ، روى عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأحاديث الكثيرة ، وكان عمر - رضي الله عنه - يقدمه على أشياخ بدر لفقهه وسداد رأيه ، وعلو مكانته . أنظر : الإصابة في تمييز الصحابة ، شهاب الدين أبي الفضل ، أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني [ 852 هـ] ، تحقيق / طه محمد الزيني ، ( مكتبة الكليات الأزهرية ) ،1399 هـ / 1976 م ، الجزء السادس ، ص 130 .
(2) 12) تنوير المقباس في تفسير ابن عباس ، مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي ، ( دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1423 هـ / 2002 م ، ص 447 .
(3) الجوهري ، مرجع سابق ، ص 2220.
(4) الفيروز آبادي، المرجع السابق، ص 1601.
(5) أبو إسحاق الزجاج ، مرجع سابق ، 4/ 302 .
(6) ابن منظور، مرجع سابق ، ج 13، ص 462.
(7) رواه الإمام مسلم في باب الحلف على نية المستحلف، 1635، وأبو داود في السنن، باب المعاريض في اليمين ، 3 / 224 ، والبيهقي في الصغرى ، باب اليمين على نية المستحلف في الحكومات ، رقم 4047 .
(8) ابن منظور، المرجع السابق ، ج 13، ص 462. (1/11)
صفحة 12
وأيمُن ، اسم وُضِع للقسم ، هكذا بضم الميم والنون ، وألفه ألف وصل عند أكثر النحويين ، واستيمنت الرجل : استحلفته (1) . و اليمين في الحلف ، مستعار من اليد اعتبارا بما يفعله المعاهد والحالف وغيره (2) ، لأنهم كانوا إذا تحالفوا ، ضرب كلُ امرئ منهم يمينه على يمين صاحبه ، فسمي الحلف باسم مجاوره مجازا مرسلا ، أو لأن اليمين تحفظ الشيء ،كما تحفظه اليد اليمنى ، فهو استعارة تصريحيه (3) .
وقال بعضهم : قيل للحلف يمين باسم يمين اليد ، لأنهم كانوا يبسطون أيمانهم ، إذا حلفوا وتحالفوا وتعاقدوا وتبايعوا (4) ، لذلك قال عمر (5) لأبي بكر (6) ، ـ رضي الله عنهما ـ :
" ابسط يدك أبايعك " (7) .
المطلب الثاني : التعريف الاصطلاحي :
__________
(1) الجوهري ، مرجع سابق ، ج (6) ، ص 2221 .
(2) الراغب الأصفهاني ، مرجع سابق ، ص 554 .
(3) القضاء بالشاهد واليمين ، د / محمود عبد المتجلي خليفة ،هدية مجلة الأزهر ـ شعبان 1412 هـ ، ص 8 .
(4) 10) شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك ، محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني [ ت 1122هـ ] ، ( المكتبة العصرية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1422هـ / 2002م ، الجزء الثالث ، ص 73 .
(5) 11) عمر بن الخطاب بن نُفيل القرشي [ 23 هـ ]، صحابي جليل، وثاني الخلفاء الراشدين، سماه الرسول - صلى الله عليه وسلم - : الفاروق، لقوته وشدته في الحق . أنظر : الطبقات الكبرى ، محمد بن سعيد بن منيع الهاشمي البصري ( ابن سعد ) ، تحقيق / محمد عبد القادر عطا ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت )، الطبعة الأولى، 1410 هـ ـ 1990 م، الجزء الثالث ، ص 125.
(6) 12) عبد الله بن أبي قحافة ، عثمان بن عامر القرشي [ ت 13 هـ ]، أول من أسلم من الرجال ، وأول الخلفاء الراشدين ، سمَاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - الصديق لصدق إيمانه . أنظر : ابن سعد ، المرجع السابق ، 3 / 125.
(7) تاريخ الطبري ، 3 / 175. (1/12)
صفحة 13
تعددت تعريفات الفقهاء لليمين ، ولكنها تدور في أغلبها حول حلف باسم من أسماء الله أو صفة من صفاته لتحقيق أ مر أو توكيده ، قال تعالى : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } (1) .
وفي هذا المطلب سنحاول تتبع معاني اليمين ، عند فقهاء المذاهب الإسلاميِة ، حتى ندرك سبب اختلافهم بعد ذلك في المسائل المتعلقة بموضوع بحثنا .
__________
(1) سورة النحل ، 91 . (1/13)
صفحة 14
اليمين : " توكيد الشيء بذكر اسم أوصفة لله " ، وهو قول الإباضية (1) . وعرَفها الشافعيِة بأنها : " تحقيق أمر محتمل بما يأتي " (2) ، بينما عرَفها بعضهم على أنها ، " تحقيق أمر غير ثابت ماضيا كان ، أو مستقبلا نفيا ، أو إثباتا ممكنا كحلفه ليدخلن الدار ، أو ممتنعا كحلفه ليقتلن الميِِت (3) ، صادقة كانت ، أو كاذبة مع العلم بالحال أو الجهل به " (4) . وهو تعريف أكثر دقة من الأول .
__________
(1) شرح كتاب النيل وشفاء العليل ، محمد بن يوسف أطفيش ، ( مكتبة الإرشاد ـ جدة ـ المملكة العربية السعودية ) ، الطبعة الثالثة ، 1405 هـ / 1985 م ، الجزء الرابع ، ص271 ، وشرح الجامع الصحيح ، مسند الإمام الربيع بن حبيب بن عمر الفراهيدي ، نور الدين أبي محمد عبد الله بن حميد السالمي [ 1332 هـ ] ، صححه وعلق عليه / عز الدين التنوخي ، ( مكتبة الاستقامة ـ سلطنة عمان ) ، الجزء الثالث ، ص 413 ، وغاية المأمول في علم الفروع والأصول ، محمد بن شامس البطاشي ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) ، 1405 هـ / 1985 م الجزء الثالث ، ص 228 .
(2) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ، العلامة شمس الدين محمد بن أبي العباس ( الشافعي الصغير ) ، ( دار الفكر ـ بيروت ) ، 1404 هـ / 1984 م ، الجزء الثامن ، ص 173 .
(3) أسنى المطالب شرح روض الطالب ، أبو يحيى ، زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري الشافعي [ ت 926هـ ] ، تحقيق/ محمد أحمد الشوبري ، ( دار الكتاب الإسلامي ـ القاهرة ) ، الجزء الرابع ، ص 240 .
(4) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج ، شرح الشيخ محمد الخطيب الشربيني على متن منهاج الطالبين ، دراسة وتحقيق / علي محمد معوض ، وعادل أحمد عبد الموجود ، (دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1415هـ/ 1994م ، الجزء السادس ، ص 180 . (1/14)
صفحة 15
واليمين عند المالكيِة : " تحقيق ما لم يجب بذكر الله أو صفته " (1) .
وعرَّفها الحنفيِة بأنها : " عقد قوي به عزم الحالف ، على الفعل أو الترك " (2) . وعلى هذا التعريف عند الحنفية يتبين أن اليمين عندهم قسم من العقود ، وهو غير شامل لتحقيق ، أمر من الأمور أو نفيه كقول : الحالف والله ما فعلت كذا ، أو والله لقد حدث كذا (3) ، كما عرَفها بعضهم بأنها : " تقوية أحد طرفي الخبر ، من الفعل أو الترك بالمقسم به " (4) .
واليمين عند الحنابلة : " توكيد الحكم المحلوف عليه بذكر معظم على وجه مخصوص " (5) .
المبحث الثاني :
أدلة مشروعية اليمين
__________
(1) محمد بن عبد الباقي الزرقاني ، مرجع سابق ، 3/73 .
(2) رد المحتار على الدر المختار ( حاشية ابن عابدين ) ، محمد أمين عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي [ ت 1252هـ ] ، ( دار إحياء التراث العربي ، ودار التاريخ العربي ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ،1419هـ / 1998م ، الجزء الخامس ، ص 374 . ومجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر ، عبد الرحمن بن محمد بن سليمان الكليبولي ، المدعو بشيخي زاده ، ويعرف بداماد أفندي [ ت 1078هـ ] ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1419هـ / 1998م ، المجلد الثاني ، ص259 .
(3) محمود عبد المتجلي خليفة ، مرجع سابق ، ص 9 .
(4) شيخي زاده ، مرجع سابق ، 2/ 259 .
(5) كشَاف القناع عن متن الإقناع ، منصور بن يونس بن إدريس البهوتي [ت 1051 ]، تحقيق/ محمد حسن إسماعيل الشافعي ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1418هـ / 1997م ، الجزء السادس ، ص 228 ، والإقناع لطالب الانتفاع ، شرف الدين موسى بن أبي أحمد بن موسى الحجاوي المقدسي ، تحقيق/ عبدالله بن عبد المحسن التركي ، ( طبعة خاصة بدارة الملك عبد العزيز ـ المملكة العربية السعودية ) ، الطبعة الثالثة ، 1423هـ / 2002م ، الجزء الرابع ، ص 335 . (1/15)
صفحة 16
ثبتت مشروعية اليمين ، من ـ حيث الجملة ـ ، بالكتاب والسنة والإجماع ، من علماء الفقه الإسلامي وهو ما سنعرض له من خلال هذا المبحث إن شاء الله تعالى .
المطلب الأول : أدلة مشروعية اليمين من الكتاب العزيز :
جاءت الكثير من آيات الكتاب العزيز ، دالةً وناطقةً بمشروعية اليمين ، فبعض هذه الآيات جاءت دالة على مشروعيتها ، وناطقة ببعض الأحكام المتعلقة بها ، وبعضها الآخر فُهم منها جواز الحَلف ومشروعيته .
وإليك بعضاً من الآيات التي دلت على مشروعية اليمين :
قال تعالى : { لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } (1) ، وقال عز وجل : { لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ } (2) ، وبيانه سبحانه وتعالى لبعض أحكام اليمين، دليل على مشروعيتها.ومما يدل على مشروعية اليمين ، أن الله عز وجل أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يُقسم مؤكدا المقسم عليه، في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم وهي (3) :
قوله تعالى : { وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ } (4) .
وقوله تعالى : { قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ } (5) .
وقوله تعالى : { قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ } (6) .
__________
(1) سورة البقرة 225 .
(2) سورة المائدة الآية89 .
(3) المغني على مختصر الخرقي ، ج 8 . ص 487
(4) سورة يونس ، 53 .
(5) سورة التغابن ، 7 .
(6) سورة سبأ الآية 3 . (1/16)
صفحة 17
ومما يُستدل به على مشروعية اليمين ، أن الله سبحانه وتعالى أقسم ، وصدَّر كثيرا من سور الكتاب العزيز بالقسم بكثير من مخلوقاته ، فقد قال تعالى : { يس. وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ } (1) . وقال سبحانه : { ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ } (2) . وقال تعالى : { وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً . فَالْحَامِلاتِ وِقْراً . فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً } (3) . إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة ، التي يزخر بها الكتاب العزيز ، والتي تدل بجملتها على مشروعية اليمين .
المطلب الثاني : أدلة مشروعية اليمين من السنة النبوية :
__________
(1) سورة يس (1 ، 2) .
(2) سورة ص ، ( 1 ).
(3) سورة الذاريات ، الآيات 1، 2، 3 . (1/17)
صفحة 18
كما ثبتت مشروعية اليمين من خلال آيات الكتاب العزيز، ثبتت كذلك بالسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم ، فقد روى الإمام الربيع بن حبيب (1) في مسنده عن أبي سعيد الخُدْري (2) ،
__________
(1) هو الإمام المحدث الحجة ، الربيع بن حبيب بن عمر الفراهيدي العماني ، من غضفان بولاية لوى من الباطنة ، خرج في طلب العلم إلى البصرة فأقام بها زمنا طويلا ، فنسب إليها لطول قيامه بها ، وأدرك فيها الإمام جابربن زيد ؛ ومن شيوخه الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي ، وضُمام بن السائب ، وأبو نوح صالح الدهان ، وغيرهم . من آثار الربيع كتاب المسند في الحديث ، والمعروف بالجامع الصحيح . راجع : إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان ، سيف بن حمود بن شامس البطاشي ، ( مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية ـ مسقط ) ، الطبعة الثانية ، 1419هـ / 1998م ، الجزء الأول ، ص 86 .
(2) أبو سعيد الخُدْري ، سعيد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي ، صحابي جليل مشهور بكنيته ، لم يشهد بدرا لصغر سنه وشهد ما بعدها من الغزوات ، مات - رضي الله عنه - سنة 74هـ ، وقيل : 64هـ ، وقيل : 63 هـ ، وقيل : 65 هـ . راجع : الإصابة في تمييز الصحابة ، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني [ ت 852هـ ] ، تحقيق/ عادل أحمد عبد الموجود ، وعلي محمد معوض ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الثانية ، 1423هـ / 2002م ، الجزء الثالث ، ص 65 .. (1/18)
صفحة 19
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أدرك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، في ركب يحلف بأبيه ، فقال : (( إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ، فمن كان منكم حالفا ، فليحلف بالله أو ليصمت )) (1) ، والمعنى : " من شاء منكم أن يحلف فليحلف بالله، و إلا فالخير له أن يصمت ولا يحلف بغير الله " (2) ، وهذا دليل على إباحة الحلف وجوازه من حيث الجملة .
قال الإمام القرطبي (3) : " وفي هذا حصر في عدم الحلف بكل شيء سوى الله تعالى وأسمائه وصفاته " (4) .
__________
(1) رواه الإمام الربيع بن حبيب في المسند ، باب في الأيمان والنذور ، 263/ 655 ، والبخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآبائكم 6646 ، 6647 ، والإمام مسلم في كتاب الأيمان والنذور، باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى ، 1646.
(2) نور الدين السالمي ، مرجع سابق ، 3/ 413.
(3) هو الإمام أبو عبدالله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي ، من كبار المفسرين ، رحل إلى الشرق ، واستقر شمال أسيوط بمصر ، له عدة مؤلفات منها : الجامع لأحكام القرآن ، في التفسير ، وكتاب الأسنى في أسماء الله الحسنى .
(4) توفي القرطبي سنة 671هـ . أنظر : الأعلام ، خير الدين الزركلي ، ( دار العلم للملايين ـ بيروت ) ، الطبعة السابعة ، 1986م ، الجزء الخامس ، ص 322 .
(2) تفسير القرطبي ، 6/ 271 . (1/19)
صفحة 20
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في زيد بن حارثة (1) - رضي الله عنه - : (( وأيم الله إن كان لخليقاً للإمارة )) (2) .
__________
(1) هو أبو أسامة ، زيد بن حارثة بن شَرَاحيل بن كعب بن عبد العزى ، مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، بل هو أشهر مواليه ، وهو حِب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد جعله النبي عليه الصلاة والسلام أميرا على جيش سيره إلى الشام ، وقال عليه الصلاة والسلام : إن قتل فجعفر بن أبي طالب ، فإن قتل فعبدالله بن رواحة ، فقتل زيد في أرض مؤتة من أرض الشام ، في جمادى سنة ثمان من الهجرة النبوية . أنظر : الأعلام ، 3/ 154 .
(2) رواه البخاري في كتاب الأيمان ، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وأيم الله ، 6252 ، و مسلم في كتاب فضائل الصحابة ، باب فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد رضي الله عنهما ، 2426 ، والإمام أحمد في المسند ، من طريق عبدالله بن عمر ، 7401 . (1/20)
صفحة 21
وفي الحديث القدسي ، قال عليه الصلاة والسلام ، على لسان جبريل - عليه السلام - : (( وعزتِك لا يسمع بها أحدٌ إلا دخلها )) (1) ، يعني : الجنة . وعن عائشة أم المؤمنين (2) ـ رضي الله عنها ـ ، قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( والله لو تعلمون ما أعلم ، لضحكتم قليلا ، ولبكيتم كثيرا )) (3) ، وعن ابن عمر - رضي الله عنه - قال : كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - يمين يحلف بها : (( لا ومقلب القلوب )) (4) . قلت : وهذا يدل على جواز الحلف بأفعال الله إذا وصف بها .
__________
(1) أخرجه أبو داود في السنن ، كتاب الإيمان ، باب خلق الجنة والنار ، 4739 ، وأحمد من طريق أبي هريرة ، رقم 8379 ، 8848 ، والحاكم في المستدرك ، كتاب الإيمان ، رقم 71 ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم .
(2) أم المؤمنين عائشة بنت عبدالله بن عثمان ( أبو بكر الصديق ) ، أفقه نساء المسلمين وأعلمهن بالدين والأدب ، وكانت تكنى بأم عبدالله . تزوجها النبي - صلى الله عليه وسلم - في السنة الثانية من الهجرة ، فكانت أحب نسائه إليه ، وأكثرهن رواية عنه ، وكان الصحابة بعد ذلك يسألونها فتجيبهم . توفيت رضي الله عنها بالمدينة سنة 58هـ . أنظر : الزركلي ، المرجع السابق ، 6/ 154 .
(3) رواه الإمام الربيع بن حبيب في المسند ، كتاب الصلاة ، باب صلاة الكسوف ، 195 ، والبخاري ، كتاب الكسوف ، باب الصدقة في الكسوف ، 997 ، كتاب النكاح ، باب الغيرة ، 4922 ، والإمام مسلم ، كتاب الكسوف ، باب صلاة الكسوف ، 910 .
(4) رواه البخاري ،كتاب الأيمان ، باب كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم ، 6254 ، ومالك في الموطأ ، كتاب الأيمان والنذور ، باب جامع الأيمان ، 1021 . (1/21)
صفحة 22
وبالجملة فإن الأحاديث في هذا الباب كثيرة مستفيضة ، وكلها تدل في جملتها على إباحة الحلف بالله تعالى ، وعدم جواز الحلف بغيره سبحانه ، مع ما في هذه المسألة من الخلاف ، أعني حكم النهي ؛ هو على الكراهة أم على التحريم ؟ .
ويستفاد من حديث أبي سعيد الخُدْري ، عند الربيع وغيره ، عدم جواز ، الحلف بغير اسم الله ، أو صفة من صفاته ؛ لأن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه ، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده ، وهذا محل اتفاق الفقهاء (1) ، واختلفوا فيما دون ذلك من الألفاظ ، هل يجوز الحلف بها أو لا يجوز ؟ ، وهو ما سنقوم ببحثه عند الحديث عن صيغ اليمين .
وأجمعت الأمة على مشروعية اليمين وثبوت أحكامها ووضعها في الأصل لتوكيد المحلوف عليه . وقد نقل هذا الإجماع غير واحد من الفقهاء .
قال الشماخي : " والأيمان تنقسم قسمين : لَغَوية ومنعقدة ، والمنعقدة تنقسم قسمين : مباحة وغير مباحة " (2) .
وفي المغني ، والمجموع : " تصح اليمين من كل مكلف حر مختار ، قاصد إلى اليمين " (3) .
__________
(1) عبدالله بن حميد السالمي ، مرجع سابق ، 3/ 396 .
(2) الإيضاح ، عامر بن علي الشماخي ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عُمان ) ، الطبعة الرابعة ، 1420هـ/ 1990م ، الجزء الثاني ، ص 361 .
(3) المغني على مختصر الخرقي ، أبو محمد عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ، ضبط وتصحيح / عبد السلام محمد علي شاهين ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1414هـ / 1994م ، الجزء الثامن ، ص 66 ؛ والمجموع شرح المهذب ، أبو زكريا محي الدين ين شرف النووي ، تأليف محمد مطرجي ، ( دار الفكر ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1417هـ / 1996م ، الجزء التاسع عشر ، ص 111 . (1/22)
صفحة 23
وفي المبسوط " وهذا عقد مشروع أمر الله تعالى به في بيعة نصرة الحق ، وفي المظالم والخصومات " (1) .
المبحث الثالث :
حكم اليمين
الحلف بالله جائز ، كما دلَّت على ذلك النصوص الكثيرة المتضافرة من الكتاب والسنة ، وقد سبق بيان شيء منها في المبحث السابق ، ولكن ما يهمنا هنا هو تفصيل حكمها ، من حيث الجواز وعدمه أو بمعنى ، آخر موقع اليمين من حيث الأحكام الخمسة ، وأقوال الفقهاء في ذلك .
يتفق رأي الفقهاء في أن اليمين بالله أو اسم ، من أسمائه أو صفة من صفاته جائز ، وإن اختلفوا في تفصيل ذلك : هل الحلف بكل اسم من أسمائه تعالى يكون يمينا ؟ ، وهل الحلف بكل صفة من صفاته تعالى يكون يمينا أيضا ؟ ، وهل يجوز الحلف بكل معظم في الدين ، مثل : النبي ، والكعبة ، والقرآن ؟ ، كل هذه الأسئلة سنحاول الإجابة عليها عند الحديث حول صيغ اليمين .
__________
(1) المبسوط ، أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي الحنفي ، تحقيق/ أبو عبدالله محمد حسن محمد الشافعي ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1421هـ / 2001م ، المجلد الرابع ، الجزء الثامن ، ص 133 . (1/23)
صفحة 24
أما فيما يخص حكم اليمين ، فقد قال الإمام / ابن جعفر (1) :" ويجوز للرجل أن يحلف صادقا من غير أن يحلف" (2) ، وتابعه على ذلك من الأصحاب العلامة أحمد بن عبدالله الكندي (3) ، في
__________
(1) هو الشيخ العلامة / أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي ، من مشاهير علماء الإباضية في عمان ، وهو من علماء النصف الأخير من القرن الثالث الهجري ، من أشياخه ، العلامة محمد بن محبوب بن الرحيل ، والعلامة عمر بن محمد القاضي الضبي الأزكوي ، من مؤلفات الشيخ أبي جابر كتاب الجامع ، المسمى ( جامع أبي جعفر ) . لم يعرف تاريخ وفاة الشيخ الأزكوي ولكن العلامة البطاشي يقول : إنها في أواخر القرن الثالث ، إلى أوائل القرن الرابع . راجع : سيف بن حمود البطاشي ، مرجع سابق ، 1/271 .
(2) الجامع ، أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) ، الجزء الثالث ، ص 428 .
(3) هو الشيخ العلامة / أحمد بن عبدالله بن سليمان بن محمد بن عبدالله الكندي النزوي ، من علماء عمان في القرن السادس الهجري ، من مؤلفاته : كتاب المصنف ، في واحد وأربعين جزءا ، وكتاب التخصيص في الولاية والبراءة ، وكتاب التسهيل في الفرائض ، وكتاب التيسير في النحو ، وغيرها من الكتب . كانت وفاة الشيخ الكندي عشية الاثنين للنصف من ربيع الآخر سنة 557 هـ . أنظر : البطاشي ، المرجع السابق ، 1/ 326 . (1/24)
صفحة 25
كتابه المصنف (1) ، والعلامة أبي زكريا الجناوني (2) ، في كتابه الوضع ، حيث قال :" ويجوز للرجل أن يحلف صادقا من غير أن يحلَّف ، وكره أصحابنا الحلف بالله على الصدق ، توقياً وتعظيماً لله " (3) . قال العلامة أبو إسحاق أطفيش (4) :
__________
(1) المصنف ، أبو بكر أحمد بن عبدالله بن سليمان الكندي [ت 557هـ ] ، تحقيق/ عبد المنعم عامر ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) ، الجزء التاسع ، ص 48 .
(2) هو العلامة أبو زكريا يحيى بن الخير بن أبي الخير الجناوني ، من علماء الإباضية في الطبقة التاسعة [ 400 ـ 450 هـ ] ، نشأ في مدينة جناون من جبل نفوسة ، وتولى رعايته جده أبو الخير ، انتقل إلى مدينة ( إبناين ) للتعلم في مدرسة الشيخ/ أبي الربيع سليمان بن أبي هارون الباروني ، ولما رجع إلى بلده جناون جلس للتدريس والفتوى ، وأثرى المكتبة الإسلامية بمصنفات جليلة منها : كتاب الوضع وهو كتاب مختصر في الفقه ، وكتاب الصوم ، وكتاب النكاح . قال الشماخي : " وكان اعتماد نفوسة على كتبه حفظا وفتيا ، لكونه أودع فيها المأخوذ به من الأقوال " . راجع : أعلام الإباضية ( قسم المغرب ) ، 4/ 957 .
(3) كتاب الوضع ( مختصر في الأصول والفقه ) ، أبو زكريا يحيى بن أبي الخير الجناوني ، علَّق عليه/ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش ، ( مكتبة الاستقامة ـ سلطنة عمان ) ، ص 238 .
(4) أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يوسف اطفيش ، عالم من بني يسجن ، بوادي ميزاب ، أخذ العلم في مسقط رأسه ، عن عمه الإمام القطب ، وعن الحاج إبراهيم زرقون ، ثم توجه إلى الجزائر العاصمة ، فتتلمذ هناك على يد الشيخ / عبد القادر المجاري ، ثم سافر إلى تونس ، فأخذ العلم هناك على يد الشيخ / محمد بن يوسف الحنفي ، والعلامة الشيخ / الطاهر بن عاشور ، ثم أصدرت فرنسا بحقه حكما بالنفي إلى القاهرة ، فاستقر فيها حتى توفي سنة 1385هـ . أنظر : معجم أعلام الإباضية ( قسم المغرب ) ، 2/ 44 .. (1/25)
صفحة 26
" والكراهة هنا كراهة تنزيه ، لقوله تعالى : { وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمَانِكُمْ } (1) . (2)
هذا القول بجواز اليمين ، قال به فقهاء المذاهب الأخرى : الحنفية ، والمالكية، والشافعية والحنابلة ، وغيرهم ، فقد قال صاحب المجموع : " يجوزُ أن يحلِفَ على ما هو صادِقٌ فيه " (3) . وقال صاحب المهذب : " وتجوزُ اليمينُ بأسماءِ الله وصفاتِه " (4) . وجاء في الإقناع : ولا تصح إلا من مكلف مختار قاصد لليمين (5) .
وقد استدل من قال بالجواز بأدلة كثيرة منها ما ذكرناه عند الحديث عن مشروعية اليمين
ومنها كذلك :
قوله تعالى على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام : { وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ } (6) . وقوله تعالى : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } (7) .
__________
(1) سورة البقرة ، 224 .
(2) أبو زكريا الجناوني ، المرجع السابق ، ص 238 ( الهامش ) .
(3) المجموع شرح المهذب ، 19/ 111 .
(4) المهذب في فقه الشافعية ، ص 129 .
(5) شرف الدين الحجاوي ، مرجع سابق ، 4/ 335 .
(6) سورة يونس ، 53 .
(7) سورة النحل ، 91 . (1/26)
صفحة 27
ومما يستدل به على جواز اليمين ، إن النبي كان يحلف كثيراً وقد كان يحلف في الحديث الواحد أيماناً كثيرة ، وربما كرر اليمين الواحدة ثلاثاً ، فإنه قال في خطبة الكسوف : (( والله يا أمة محمد ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته ، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً )) (1) ، ولقيته امرأة من الأنصار معها أولادها فقال : (( والذي نفسي بيده إنكم لأحب الناس إليَّ ثلاث مرات )) (2) وقال : (( والله لأغزون قريشاً والله لأغزون قريشاً والله لأغزون قريشاً )) (3) ؛ ولو كان هذا مكروهاً لكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أبعد الناس منه ؛ ولأن الحلف بالله تعظيم له وربما ضم إلى يمينه وصف الله تعالى بتعظيمه وتوحيده فيكون مثاباً على ذلك ، وأما الإفراط في الحلف فإنما كره ؛ لأنه لا يكاد يخلو من الكذب (4) .
ومع أن حكم اليمين هو الجواز ـ باتفاق الفقهاء ـ ألا إنه يكره الإفراط في الحلف بالله تعالى ؛ لقول الله تعالى : { وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مهِين } (5) ، وهذا ذم له يقتضي كراهة فعله ، فإن لم يخرج إلى حد الإفراط فليس بمكروه ، إلا أن يقترن به ما يوجب كراهته .
الفصل الثاني :
ـ أقسام اليمين .
ـ أركان اليمين وشروطها .
ـ الأصل الذي تبنى عليه اليمين .
ـ الاستثناء في اليمين .
المبحث الأول :
أقسام اليمين
__________
(1) سبق تخريجه في ص 15 .
(2) رواه البخاري ، كتاب الأيمان ، باب كيف كانت يمين النبي - صلى الله عليه وسلم - ، 6269 ، ومسلم ، كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم ، باب فضائل الأنصار ، 2509 .
(3) أخرجه ابن حبان ، كتاب الأيمان ، ذكر نفي الحنث عن من استثنى في يمينه بعد سكتة يسيرة ، 4343 ، وأبو داود في السنن ، كتاب الأيمان والنذور ، باب الاستثناء في اليمين بعد السكوت ، 3285 .
(4) الماوردي ، الحاوي الكبير ، 15/ 265 .
(5) سورة القلم ، 10 . (1/27)
صفحة 28
المطلب الأول : أقسام اليمين من حيث انعقادها :
اتفق فقهاء المذاهب ، على أن اليمين تنقسم إلى ثلاثة أقسام (1) : فهي إما أن تكون يمين لغو ، أو غموس أو منعقدة على المستقبل ( المؤكدة ) ؛ لقوله تعالى : { لا يؤاخذكم الله بِاللَّغْوِ في أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَان } (2) .
واليمين المنعقدة أو ( المؤكدة ) ، هي مدار حديثنا في هذا البحث ، ولكننا سنتعرض بداية ، إلى تعريف كل من اليمين الغموس ، ويمين اللغو ، حتى تكون الأمور أكثر اتضاحا ، عند مطالعة فصول هذا البحث ، لأنه كما قيل : بضدها تتميز الأشياءُ .
ونبدأ أولا ، بتعريف يمين اللغو ، ثم اليمين الغموس ، دون التعرض لمسائلهما ، ثم نواصل حديثنا بعد ذلك ، حول المسائل المتعلقة باليمين المؤكدة .
أولا : يمين اللغو
1 ـ التعريف اللغوي :
اللغو واللغا ، في اللغة : السقط وما لا يعتد به من الكلام وغيره ، ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع . وكلمةٌ لاغية ، أي : فاحشة (3) .
وفي التهذيب : اللغو واللغا واللغويُ ، ما كان من الكلام غير معقود عليه ، وكل ما أُسقط
__________
(1) الروضة الندية ، شرح الدرر البهية ، السيد الإمام العلامة / أبي الطيب صديق بن حسن بن علي الحسين القنوجي البخاري ، حققه وراجعه /عبدالله بن إبراهيم الأنصاري ، ( الكتب العصرية ـ بيروت ) ، ص 251 ، وكشاف القناع على متن الإقناع ، الشيخ منصور بن يونس البهوتي الحنبلي [ ت 1051 هـ ] ، تحقيق / أبو عبدالله محمد حسن الشافعي ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1418 هـ / 1997 م ، الجزء السادس ، ص 290 ، وأسهل المدارك شرح إرشاد السالك ، في فقه الإمام مالك ، أبو بكر حسن الكشناوي ، ( عيسى البابي الحلبي وشركاه ) ، الجزء الثاني ، ص 19 .
(2) سورة المائدة ، 89 .
(3) ابن منظور ، مرجع سابق ، المجلد الخامس عشر ، باب الياء ، فصل الغين ، ص 250 ، الفيروز أبادي ، ص 1716 . (1/28)
صفحة 29
فلم يُعتد به ، مُلغى (1) ؛ قال الشاعر :
ويهلك وسطها المرئي لغوًا كما ألغت في الدية الحوارُ (2) .
وقيل : معنى اللغو ، الإثم (3) ؛ قال تعالى : { لا يؤاخذكم الله بِاللَّغْوِ في أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقدتُّمُ الأَيْمَانَ } (4) ، والمعنى : " لا يلزمكم الكفارة بلغو اليمين ، الذي لا قصد معه ، ولكن يلزمكم الكفارة بما كسبت قلوبكم ، أي : بما نوت قلوبكم وقصدت من الأيمان " (5) ؛ وقيل معناها : " لا يعاقبكم ولا يلزمكم بما صدر منكم من الأيمان اللاغية وهي التي لا يقصدها الحالف بل تجري على لسانه عادة من غير تعقيد ولا تأكيد " (6) .
يقال : لغوت باليمين ، ولغا في القول يلغو ، ويلغى لغوا ، ولغِي ، بالكسر ، يلغى لغا ، وملغاة : أخطأ وقال باطلا (7) ؛ قال الشاعر :
ورُب أسراب حجيج كُظََّم عن اللغى ورفث التكلم (8) .
قال الشاعر :
__________
(1) ابن منظور ، المرجع السابق ، 15/250 .
(2) الأمالي ، أبو علي إسماعيل بن القاسم بن عبذون [ ت 356هـ ] ، بعناية/ إسماعيل يوسف التونسي ، ( مطبعة بولاق ـ مصر ) ، 1322هـ ، ص 1055 .
(3) الفيروز أبادي ، مرجع سابق ، ص 1716 .
(4) سورة المائدة ، 89 .
(5) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل ، وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، أبو القاسم ، جار الله محمود بن عمر بن محمد الزمخشري [ ت 538 هـ ] ، رتبه وصححه / محمد عبد السلام شاهين ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الثالثة ، 1424 هـ / 2003 م ، المجلد الأول ، ص 265 .
(6) تفسير القرآن العظيم ، أبو الفداء ، إسماعيل بن كثير الدمشقي [ ت 774 هـ ] ، ( المكتب الجامعي الحديث ـ الإسكندرية ) ، المجلد الأول ، ص 310 .
(7) ابن منظور ، المرجع السابق ، ص 15/ 250 ، والجوهري ، مرجع سابق ، 6/ 2483 .
(8) ابن منظور ، المرجع السابق ، ص 15/ 250 . (1/29)
صفحة 30
باكرتُه قبل أن تلغى عصافِرُه مستخفياً صاحبي وغير الحافي (1)
واللغو : النطق . يقال : هذه لغتهم التي يلغون بها أي : ينطقون . ولغو الطير : أصواتها والطير
تلغى بأصواتها ، أي : تنغم . واللغوي : لغة القطا (2) ؛ قال الشاعر :
صُفر المحاجر لغواها مبينة في لجة الليل لمَا راعها الفزع (3) .
ويقال : سمعت لغو الطائر ولحنه ، وقد لغا يلغو (4) ؛ قال الشاعر :
باكرتهم بسباء جون ذارع قبل الصباح وقبل لغو الطائر (5) .
2 ـ التعريف الاصطلاحي للغو :
كما اختلفت وتعددت المعاني اللغوية للغو ، تعددت كذلك معاني يمين اللغو ، عند الأئمة والفقهاء ـ في كافة المذاهب الإسلاميِة ـ إلى مذاهب متعددة نوجزها فيما يلي :
__________
(1) ابن عبذون ، المرجع السابق ، ص 634 .
(2) ابن منظور ، المرجع السابق ، 15/ 251 ، والفيروز أبادي ، المرجع السابق ، ص 1716.
(3) منتهى الطلب من أشعار العرب ، محمد بن المبارك البغدادي ، ( دار صادر ـ بيروت ) ، 1997م ، ص 1368 .
(4) ابن منظور ، المرجع السابق ، 15/ 251 ، الجوهري ، 6/ 2483 .
(5) ابن المبارك ، مرجع سابق ، ص 392 . (1/30)
صفحة 31
المذهب الأول : يمين اللغو : ما سبق إليه اللسان لوصول الكلام بسرعة لا بعمد وعقد نيِة كقوله : لا والله ، وبلى والله ، مرسلا لا قصدا ، رواه الإمام مالك في الموطأ عن أم المؤمنين ، عائشة ـ رضي الله عنها ـ ، وهو وقول ، عمر ابن الخطاب ، وابن عباس ، وابن عمر ، وابن عمرو ، وجابر بن زيد - رضي الله عنهم - ، وعطاء ، وهو مروي عن قتادة ، ومجاهد ، وإبراهيم النخعي ، والشَّعبي ، والقاسم ، وعكرمة (1) ، وإليه ذهب الإمام القطب ، والعلامة ابن جُميِّل (2) ، والعلامة أبي زكريا ، وقال : " وعليه اعتماد أصحابنا " (3) .
__________
(1) مالك بن أنس ، مرجع سابق ، ص 340 ، ومحمد بن إدريس الشافعي ، الأم ، 7 / 69 ، والتحرير والتنوير ، المعروف ( تفسير ابن عاشور ) ، محمد الطاهر بن عاشور ، ( مؤسسة التاريخ ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1420 هـ/ 2000 م ، الجزء الثاني ، ص 363 ، وأحكام القرآن ، أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصَّاص ، تحقيق/ محمد الصادق قمحاوي ، ( دار إحياء التراث العربي ، ومؤسسة التاريخ العربي ـ بيروت ) ، الجزء الثاني ، ص 43 .
(2) الجامع الصغير ، محمد بن يوسف أطفيش ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) ، 1406 هـ/ 1986م ، الجزء الثالث ، ص 232 ، وسلك الدرر الحاوي غرر الأثر ، خلفان بن جميِّل السيابي ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) ، الطبعة الثانية ، 1409 هـ/ 1998م ، الجزء الأول ، ص 333 .
(3) أ كتاب الوضع ، أبو زكريا يحيى ابن أبي الخير الجناوني ، علَّق عليه / أبو إسحاق إبراهيم أطفيش ، ( مكتبة الاستقامة ـ سلطنة عمان ) ، ص 234 . (1/31)
صفحة 32
وهو قول الإمام الشافعي (1) ، ورواية عن
الإمام أحمد (2) .
قال العلامة ابن جميِّل ، عندما تعرض لذكر يمين اللغو :
وهي على قسمين لغو يسبق لسانه إليه حين ينطق
وذاك معفو ولا إثم به إذ لم يكن قد قصد الحلف به
كلا وربي وكحاشا وكلا والله قال دون قصد مرسلا
فذاك لا إثم ولا تكفيرا إذ لم يكن بنية مذكورا (3) .
وقد تمسك هؤلاء بما أخرجه البخاري ، ومالك في الموطأ ، وغيرهما ، عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت : (( أنزلت هذه الآية : { لا يؤاخذكم الله بِاللَّغْوِ في أَيْمَانِكُمْ } (4) ، في قول الرجل : لا والله ، وبلى والله ، وكلا والله )) (5) .
__________
(1) الشافعي ، المرجع السابق ، 7 / 69 ، والعزيز شرح الوجيز ، المعروف ( بالشرح الكبير ) ، أبو القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي القزويني الشافعي [ ت 623 ] ، تحقيق/ الشيخ علي محمد معوض والشيخ عادل أحمد عبد الموجود ، (دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1417 هـ / 1997م ، الجزء الثاني عشر ، ص 229 .
(2) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ، علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان بن أحمد المرداوي السعدي الحنبلي ، تحقيق/ أبي عبدالله محمد حسن محمد الشافعي ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1418 هـ / 1997 م ، الجزء الحادي عشر ، ص
(3) ابن جميِّل ، مرجع سابق ، 1/333 .
(4) سورة المائدة ، 89 .
(5) رواه لبخاري ، كتاب الأيمان والنذور ، باب قوله تعالى : { لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } ، رقم 6663 ، 4/ 233 . (1/32)
صفحة 33
واستدلوا كذلك بما رواه الطبري وغيره ، من طريق عطاء بن أبي رباح ، أنه سئل عن اللغو في اليمين ، فقال : قالت عائشة إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( هو كلام الرجل في بيته كلا والله وبلى والله )) (1) .
وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن عائشة أنها قالت : (( هو اللغو في المزاحة والهزل ، وهو قول الرجل لا والله ، وبلى والله ، فذاك لا كفارة فيه )) (2) .
وكان تمسَّك أصحاب هذا القول ، بالأحاديث السابقة ، لكون السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ ، قد شهدت التنزيل ، فهي أعلم من غيرها بالمراد ، وأنها جزمت بأن الآية : { لاَ يُؤَاخِذُكُمُ
اللَّهُ باللَّغْوِ في أَيْمَانِكُمْ } (3) . نزلت في قول الرجل : لا والله ، وبلى والله ، وكلا والله )) .
__________
(1) أخرجه ابن جرير الطبري من طريق عطاء بن أبي رباح ، 2/405 ، وابن حبان ، في ذكر الأخبار عن وصف اللغو الذي لا يؤاخذ الله العبد في كلامه ، 4333، والبيهقي في السنن الكبرى ، باب اللغو ، 10/ 49 .
(2) أخرجه الطبري ، 2/ 404 ، والبيهقي في السنن الكبرى ، باب اللغو ، 10/ 48، .
(3) سورة المائدة ، 89 . (1/33)
صفحة 34
وقيل : لغو اليمين : أن يحلف على الشيء يظن الرجل أنه على يقين منه ، فيخرج الشيء على خلاف ما حلف عليه ، وهذا القول مروي عن أبي هريرة ، وابن عباس - رضي الله عنهم - ، والأوزاعي ، والليث (1) . وبه قال المالكية (2) ، والحنفية (3) ، والزيدية (4) .
وقد استدل أصحاب هذا القول ، بأدلة ، منها قوله - صلى الله عليه وسلم - : (( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) (5) .
__________
(1) تفسير القرطبي ، 3/ 99 ، وزاد المسير في علم التفسير ، أبو الفرج عبدالرحمن بن الجوزي ، تحقيق/ عبد الرزاق المهدي ، ( دار الكتاب العربي ـ بيروت ) ، المجلد الأول ، ص 194 .
(2) مالك بن أنس ، مرجع سابق ، ص 340 ، وأحكام القرآن ، أبو ببكر محمد بن عبدالله ، المعروف بابن العربي [ ت 543 ] ، تحقيق/ علي محمد البجاوي ، ( دار المعرفة ، ودار الجيل ـ بيروت ) ، القسم الأول ، ص 176 .
(3) البحر الرائق شرح كنز الدقائق ، زين الدين بن إبراهيم بن محمد المعروف بابن نجيم ، ضبط وتخريج/ الشيخ زكريا عميرات ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1418هـ/ 1997م ، الجزء الرابع ، ص 467 .
(4) فتح القدير ، محمد بن علي بن محمد الشوكاني [ ت 1250 ] ، ( دار الفكر ـ بيروت ) ، 1403 هـ / 1983 م ، ص 231 .
(5) أخرجه ابن حبان في الصحيح ، ذكر الأخبار عما وضع الله بفضله عن هذه الأمة ، 7219 ، والحاكم ، في كتاب الطلاق ، 2801 ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . (1/34)
صفحة 35
وذهب العلامة ابن جعفر ، والعلامة أحمد بن عبدالله الكندي (1) ، إلى أن لغو اليمين أن يحلف الرجل ببعض اليمين ، ثم يمسك عن إتمامها خوف الإثم (2) .
وروي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن لغو اليمين : أن يحلف الرجل وهو غضبان ، وبه قال طاووس ، ومكحول ، و إسماعيل القاضي ، من أصحاب مالك (3) .
واستدل هؤلاء بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال : (( لا يمين في غضب )) (4) .
وذهب سعيد بن المسيِّب ، وعبدالله بن الزبير ، وأخوه عروة ، ومسروق ، إلى أن يمين اللغو : الحلف على المعصية ، كالذي يقسم ليشربن الخمر ، أو ليقطعن الرحم ، أو نحو ذلك (5) .
__________
(1) هو الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم بن سليمان بن محمد الكندي السمدي النزوي ، من علماء النصف الثاني من القرن الخامس الهجري ، كان من أشهر علماء عصره ومن كبار المؤلفين أيضا ، ولو لم يكن له إلا بيان الشرع لكفى ، إذ تبلغ أجزاؤه اثنان وسبعون جزءا ، توفي رحمه الله سنة 508 هـ . أنظر : سيف البطاشي ، مرجع سابق ، 1/ 308 .
(2) محمد بن جعفر الأزكوي ، مرجع سابق ، 3/ 427 ، و أحمد بن عبدالله الكندي ، مرجع سابق ، 9/ 50 .
(3) محمد بن علي بن محمد الشوكاني ، المرجع السابق ، ص 231 .
(4) أخرجه الطبري من طريق ابن عباس ، 2/409 .
(5) الشوكاني ، المرجع السابق ، 1/ 231 . (1/35)
صفحة 36
ومما استدل به من قال بهذا المذهب ، ما روي عن أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ ، قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( من حلف في قطيعة رحم أو فيما لا يصلح فبره ألا يتم على ذلك )) (1) ؛ وأخرج أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجة ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( لا نذر ، ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم ، ولا في معصية ، ولا في قطيعة رحم )) (2) .
وقيل لغو اليمين : دعاء الرجل على نفسه ، كأن يقول : أعمى الله بصره ، أذهب الله ماله ، هو يهودي ، هو مشرك . وقال به زيد بن أسلم (3) .
وقال الضحاك : لغو اليمين هي المكَفَّرة ، أي إذا كُفرت سقطت ، وصارت لغوا (4) .
وقيل لغو اليمين : أن يحرم على نفسه ما أحله الله تعالى له ، من قول أو عمل ، كمثل أن يحلف الرجل على أن لا يأكل شيئاً ، مباحاً له في الشرع . وهذا القول منسوب إلى سعيد بن جُبير (5) .
__________
(1) رواه ابن ماجة ، باب من قال كفارتها تركها ، رقم 2110 ، وفيه حارثة بن أبي الرجال ؛ قال الكناني : " هذا إسناد ضعيف لضعف حارثة بن أبي الرجال متفق على تضعيفه " . أنظر : مصباح الزجاجة ، أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل الكناني [ ت 840 هـ ] ،تحقيق/ محمد المنتقى الكشناوي ، ( دار العربية ـ بيروت ) ، الطبعة الثانية ، 1403 هـ ، / .
(2) رواه أبو داود في السنن ، باب اليمين في قطيعة الرحم ، رقم 3272 ، 3273 ، 3274 ، والنسائي في الكبرى باب اليمين فيما لا يملك ، رقم 4715 ، وابن ماجة ، والطبراني في الكبير ، 579 .
(3) الشوكاني ، المرجع السابق ، 1/ 231 .
(4) الشوكاني ، المرجع السابق ، 1/ 231 .
(5) الحاوي الكبير ، أبي الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري ، تحقيق / علي محمد معوض ، وعادل أحمد عبد الجواد ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ،1414هـ / 1994م ، الجزء الخامس عشر ، ص 288 . (1/36)
صفحة 37
وقد استدل من ذهب إلى هذا القول ، بما رواه ابن جرير عن ابن عباس ، قال : " لما نزلت : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } (1) ، في القوم الذين كانوا حرموا النساء واللحم على أنفسهم ، قالوا : يا رسول الله ، كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها ؟ ، فأنزل الله تعالى : { لا يؤاخذكم الله بِاللَّغْوِ في أَيْمَانِكُمْ } (2) " (3) .
قال الطبري : " فهذا يدل على ما قلنا ، من أن القوم كانوا حرموا ما حرموا على أنفسهم ، بأيمان حلفوا بها ، فنزلت هذه الآية بسببهم " (4) .
ثانيا : اليمين الغموس
التعريف اللغوي :
الغمْسُ : إرسابُ الشيء في الشيء السَّيال ، أو الندى ، أو في ماء ، أو صبغ ، حتى اللقمة في الخل ، غَمَسَهُ يَغْمِسُه غَمْساً ، أي : مَقَلهُ فيه . والمُغامسةُ : المماقلةُ ، وكذلك إذا رمى الرجل نفسه في سِِطَةِ الحرب ، أو الخطب (5) .
والأمر الغموس : الشديد (6) . قال الشاعر :
متى تلقنا أو تأتنا في ديارنا تجد أمرنا إمرا أحذَّ غموسا (7) .
واليمينُ الغموس : التي تغمس صاحبها في الإثم ، ثم في النار ، وقيل : هي التي لا استثناء فيها ، وقيل : هي اليمين الكاذبة التي تقتطع بها الحقوق (8) .
التعريف الاصطلاحي :
__________
(1) سورة المائدة ، 87 .
(2) سورة المائدة ، 89 .
(3) ابن جرير الطبري ، مرجع سابق ، 7/ 10 .
(4) ابن جرير الطبري ، المرجع السابق ، 7/ 10 .
(5) لسان العرب ، 6/ 156 ، والصحاح ، 3/ 956 ، والقاموس المحيط 724 .
(6) ابن منظور ، المرجع سابق 6 / 156 ، والفيروز أبادي ، مرجع سابق ، ص 724 .
(7) ابن منظور ، المرجع سابق 6 / 156.
(8) ابن منظور ، المرجع السابق ، 6/ 157 ، والفيروز أبادي ، المرجع السابق ، ص 724 ، والجوهري ، المرجع السابق ، 3/ 956. (1/37)
صفحة 38
اتفق الفقهاء على معنى اليمين الغموس ، فهي عندهم المعقودة على أمر في الماضي أو الحال كاذبة يتعمد صاحبها ذلك ليقتطع بها مال امرئ مسلم أو غيره .
قال ابن جعفر : اليمين المغلظ عند المسلمين : " ... أن يحلف بالله على حق وهو يعلم أنه كاذب ، فيقطع الحق بيمينه ، أو يحلف بعهد الله كاذبا " (1) .
وقال الماوردي في معرض تعداد اليمين على الفعل الماضي : " ...وإن كان كاذبا ؛ لأنه لم يفعل ما أثبته وفَعَل ما نفاه ، فقال : والله لقد أكلت ، لم يأكل ، أو قال : والله ما أكلت وقد أكل ، فهو في هذه اليمين عاص آثم ، وتسمى اليمين الغموس " (2) .
واختلفت آراء فقهاء المذاهب حول وجوب الكفارة في هذه اليمين .
ذهب الإباضية (3) ، والشافعية (4) ، ورواية عن أحمد (5) ، إلى وجوب الكفارة في اليمين الغموس ، وهو قول عطاء ، والحكم ، والأوزاعي ، ومعمر ، والزهري (6) .
__________
(1) ابن جعفر ، مرجع سابق ، 2/ 423 .
(2) الماوردي ، مرجع سابق ، 15/ 267 .
(3) محمد أطفيش ، الجامع الصغير ، 3/ 225، ونتائج الأقوال نثر مدارج الكمال ، الشيخ العلامة / سعيد بن حمد بن سليمان الحارثي ، ( مكتبة الضامري ـ سلطنة عمان ) ، الطبعة الأولى ، 1411 هـ/ 1991 م ، ص11 .
(4) رحمة الأمة في اختلاف الأئمة ، أبو عبدالله محمد بت عبد الرحمن الدمشقي ، طبع على نفقة سمو الشيخ/ خليفة بن حمد آل ثاني ، أمير دولة قطر ، 1401هـ / 1981م ، ص 299 .
(5) ابن قدامة المقدسي ، المغني ، 8/ 473 .
(6) ابن قدامة المقدسي ، المرجع السابق ، 8/ 473 . (1/38)
صفحة 39
قال الإمام أبو الحسن (1) ، عندما سُئل عما تجب فيه الكفارة من الأيمان : " هو كل من حلف بالله على شيء وأقسم به ثم حنث ، أو حلف كاذبا ، فهي التي تلزمه فيها الكفارة " (2) .
وقال العلامة الشقصي (3) : " واليمين على الماضي مثل أن يقول : والله لقد كان كذا ولم يكن ، أو لم يكن كذا وقد كان ، وهو عالم به ، فهذا هو اليمين الغموس ، التي تغمس صاحبها في الإثم ، لأنه تعمد الكذب ، وتلزمه الكفارة " (4) .
__________
(1) هو العلامة أبو الحسن علي بن محمد بن علي البسيوي الأزدي اليحمدي ، من علماء عمان في القرن الرابع الهجري ، له مؤلفات كثيرة منها : كتاب الجامع في ثلاثة أجزاء ، وكتاب مختصر البسيوي . لم يعلم تاريخ وفاة أبي الحسن ، ورجح الشيخ البطاشي أن تكون في الثلث الأخير من القرن الرابع الهجري . راجع ، سيف البطاشي ، المرجع السابق ، 1/ 300 .
(2) جامع أبي الحسن البسيوي ، العلامة الشيخ/ أبي الحسن علي بن محمد بن علي البسيوي ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) ، 1404 هـ / 1984م ، الجزء الرابع ، ص 211 .
(3) خميس بن سعيد بن علي بن مسعود الشقصي الرستاقي ، من مشاهير علماء عمان في الفرن الحادي عشر ، ومن المؤلفين المتصدرين للفتيا ، من مؤلفاته كتاب منهج الطالبين في أربعة وعشرين جزءا، وكتاب منهج المريدين، اختصر فيه منهج الطالبين . راجع : إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان ، سيف بن حمود بن حامد البطاشي [ 1420هـ ] ، رتبه وعلَّق عليه ، د/ سعيد بن محمد بن سعيد الهاشمي ، ( مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية ـ مسقط ) ، الطبعة الأولى ، 1422هـ/ 2001م ، الجزء الثالث ، ص 149 .
(4) منهج الطالبين وبلاغ الراغبين ، خميس بن سعيد بن علي الشقصي الرستاقي ، تحقيق/ سالم بن حمد بن سليمان الحارثي ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) ، الجزء السادس ، ص 233 . (1/39)
صفحة 40
وقال الإمام الشافعي : " وَمَنْ حَلفَ عامداً للكذب ، فقال : والله لقد كان كذا وكذا ، ولم يكن ، أو : والله ما كان كذا ، وقد كان ـ كفَّر ، وقد أثم وأساء حيث عَمَد الحَلِفَ بِاللَّهِ بَاطِلاً " (1) .
وقد استدل أصحاب هذا القول بأدلة عديدة ، منها عموم قوله تعالى : { ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ } (2) ، بعد ذكر صفة الكفارة ، فاقتضى الظاهر لزومها في كل يمين (3) .
وقال تعالى : { لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } (4) ، ولغو اليمين ما سبق لسان الحالف من غير قصد ولا نية ، واليمين الغموس مقصودة ، فكان بها مؤاخذا ، ومؤاخذته بها توجب الكفارة ، ولأنه تعمد الكذب في يمينه فكسب بقلبه إثما ، وهو مؤاخذ به ؛ لأنه عقد قلبه على الكذب في اليمين .
وقالوا : بأنه أحوج إلى الكفارة من غيره ، وبأن الكفارة لا تزيده إلا خيراً ، والذي يجبُ عليه ، الرجوع إلى الحق وردُّ المظلمة .
وحجَّة من أوجب الكفارة عليه قوله عليه الصلاة والسلام : (( فليأتِ الذي هو خير وليكفّرْ عن يمينه )) (5) ، فأمرَ من تعمَّد الحنث أن يكفّر ، فيؤخذ منه مشروعية الكفارة لمن حلف وكان حانثاً " (6) .
__________
(1) محمد بن إدريس الشافعي ، مرجع سابق ، 7/67 .
(2) المائدة ، الآية89 .
(3) الماوردي ، مرجع سابق ، 15/267 ، وابن قدامة المقدسي ، المرجع السابق ، 8/ 473 .
(4) سورة البقرة ، 225 .
(5) رواه مسلم ، كتاب الأيمان والنذور ، باب ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه ،1650 ، والنسائي في الكبرى ، باب الكفارة بعد الحنث ، 4709 ، 4727 .
(6) المجموع شرح المهذب ، يحيى بن شرف الدين النووي ، 19/ 111 . (1/40)
صفحة 41
وذهب أبو حنيفة ، ومالك ، وأحمد بن حنبل ، في المشهور عنه ، إلى عدم وجوب الكفارة في اليمين الغموس (1) ، وهذا القول مروي عن ، عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - ، وسعيد بن المسيِّب ، والحسن ، والأوزاعي ، والثوري ، والليث ، وأبو عبيد ، وأبو ثور ، وإسحاق (2) ، وقالوا : إنها أعظم من أن تكفر ، ولكنها توجب التوبة والاستغفار ، ولأن جزاء الغموس ، الغمس في جهنم (3) . فقد روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - ، أنه قال : " كنَّا نعدّ الذنب الذي لا كفارة له اليمين الغموس ، أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذباً ليقتطعه " (4) . و روي عن سعيد بن المسيِّب أنه قال : " هي من الكبائر وهي أعظم من أن تكفر " (5) .
قال الإمام مالك : " فأما الذي يحلف على الشيء ، وهو يعلم انه آثم ، ويحلف على الكذب ، وهو يعلم ليرضي به أحدا ، أو ليعتذر به إلى معتذر إليه ، أو ليقطع به مالا ، فهذا أعظم من أن تكون فيه كفارة " (6) .
__________
(1) الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل ، أبو محمد موفق الدين عبدالله بن قدامة المقدسي ن تحقيق/ زهير الشاويش ، ( المكتب الإسلامي ـ بيروت ) ، الطبعة الخامسة ، 1408هـ/ 1988م ، الجزء الرابع ، ص 374 ، أبو بكر حسن الكشناوي ، مرجع سابق ، 2/ 19 .
(2) ابن قدامة ، المرجع السابق ، 8/ 473 .
(3) ابن قدامة المقدسي ، المرجع سابق ، 8/ 473 ، والهداية شرح بداية المبتدي ، برهان الدين أبي الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني [ 593 هـ ] ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الجزء الثاني ، ص 355 . وأبو القسم محمد بن أحمد الغرناطي [ت 741هـ ] ، القوانين الفقهية ، الدار العربية للكتاب ـ تونس ) ، 1982م ، ص 164. والملخص الفقهي ، ص 700 .
(4) أخرجه البيهقي في الكبرى ، باب ما جاء في اليمين ، 10/ 38 .
(5) ابن قدامة ، المرجع السابق ، 8/ 473 .
(6) مالك بن أنس ، مرجع سابق ، ص 341 . (1/41)
صفحة 42
واستدل الحنفية ، ومن وافقهم بعموم قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } (1) ، " فقد بين جزاء اليمين الغموس بالوعيد في الآخرة ، فلو كانت الكفارة فيها واجبة لكان الأولى بيانها ؛ ولأن الكفارة لو وجبت إنما تجب لرفع هذا الوعيد المنصوص ، وذلك لا يقول به أحد " (2) .
ومن أدلتهم ما رواه والبيهقي ، والحاكم ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال : (( من حلف على منبري هذا بيمين آثمة ، تبوأ مقعده من النار )) (3) ، ولم يذكر الكفارة . وكذلك ما روي عنه عليه الصلاة والسلام ، أنه قال : (( الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس )) (4) .
__________
(1) سورة آل عمران ، 77 .
(2) المبسوط ، أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي الحنفي [ ت 490هـ ]، تحقيق/ محمد بن حسن الشافعي ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1421هـ/ 2001م ، الجزء السابع ، ص 135 .
(3) رواه البيهقي في الكبرى ، 7/398 ، 10/ 176 ، وابن حبان ، 10/ 210 ، والنسائي في الكبرى ، 3/ 491 ، والحاكم في المستدرك ، كتاب الأيمان والنذور ، 7810 ، وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .
(4) أخرجه البخاري ، كتاب الأيمان ، باب اليمين الغموس ، 6298 ، وابن حبان ، ذكر الزجر عن الكبائر السبع ، 5562 ، وباب ذكر البيان بأن اليمين المغموس الذي وصفناه من الكبائر ، 5563 ، والحاكم في المستدرك ، كتاب الأيمان والنذور ، 7808 ، وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه . (1/42)
صفحة 43
وعلى كل ، فإن كلا الفريقين قد استدل لمذهبه بأدلة كثيرة من القرآن ، والسنة ، والقياس ، ليس هذا مجال بسطها ، ولكلٍ منهم ردود على أدلة الآخر صرفنا النظر عنها ، لأن هذا ليس هو مجال بحثنا هنا .
ثالثا : اليمين المنعقدة (المُؤكِدة )
التعريف اللغوي :
العقد نقيض الحل ؛ وعقده يعقده عقدا وتعاقدا وعقَده (1) ؛ وقال الشاعر :
لا يمنعك من بغا ء الخير تعاقد التمائم (2) .
وقالوا للرجل إِذا لم يكن عنده غناء : فلان لا يَعْقِدُ الحَبْلَ أَي : أَنه يَعْجِزُ عن هذا ، على هَوانِهِ وخِفَّته (3) ؛ قال الشاعر :
فإِنْ تَقُلْ يا ظَبْيُ حَلاًّ حَلاَّ تغضب وتَعْقِدْ حَبْلَها المُنْحَلاَّ (4) .
أَي : تَجِدُّ وتَتَشَمَّرُ لإِغضابه وإِرْغامِهِ ، حتى كأَنها تَعْقِدُ على نفسه الحَبْل (5) .
واعتقده كعقده ؛ قال :
أسيلة معقد السِّمطين منها وربَا حيث تعتقد الحقابا (6) .
__________
(1) ابن منظور ، مرجع سابق ، 3/ 296 .
(2) المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء ، أبو القاسم الحسين بن بشر الآمدي ، تحقيق/ عبد الستار فراج ، ( القاهرة ) ، 1961م ، ص 245 .
(3) ابن منظور ، المرجع السابق ، 3/ 296 .
(4) المعاني الكبير في أبيات المعاني ، ابن قتيبة الدينوري ، ص 672 .
(5) ابن منظور ، المرجع السابق ، 3/ 297 .
(6) ديوان جرير ، شرح / يوسف عيد ، ( دار الجيل ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1413 هـ/ 1992م ، ص 90 . (1/43)
صفحة 44
وعقد الحبل ، فانعقد : شَدَّه . والمعَاقِد ، والعُقْدة بالضم : مواضع العَقْد . وعَقَدَ العَهْدَ واليمين يَعْقِدهما عَقْداً وعَقَّدهما : أَكدهما (1) . وفي قوله تعالى : { وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً } (2) ؛ وقد قرئ عَقَّدت بالتشديد (3) ، معناه : التوكيد والتغليظ ، كقوله تعالى : { وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } (4) ، في الحلف أَيضاً . وفي قوله عز
وجل : ( والذين عاقَدَت أَيمانُكم ) (5) ؛ المُعاقَدَة : المُعاهَدة والميثاقُ (6) . قال الشاعر :
أُولئك قوم، إِن بَنَوْا أَحْسَنُوا البنا وإِن عاهدوا أَوفَوْا، وإِن عاقَدوا شَدُّوا (7)
وتعاقد القوم : تعاهدوا . و في قوله تعالى : { يا أَيها الذين آمنوا أََوْفُوا بالعُقود } (8) ؛ قال الزجاج : " خاطب الله عز وجل المؤمنين بالوفاءِ بالعقود ، التي عقدها الله تعالى عليهم ، والعُقود التي يعقِدها بعضهم على بعض على ما يوجبه الدين" (9) .
وقال بعضهم : أوفوا بالعقود ، أي : بما كان عقد بعضكم على بعض في الجاهلية ، نحو الموالاة (10) .
والعَقِيدُ : الحَلِيفُ (11) ؛ قال الشاعر :
__________
(1) ابن منظور ، المرجع سابق ، والفيروز أبادي ، مرجع سابق ، ص 383 .
(2) سورة النساء ، الآية 33 .
(3) معجم القراءات ، 2/ 334 .
(4) 11) سورة النحل ، الآية91 .
(5) قراءة ابن عامر . أنظر : أبو الفرج ابن الجوزي ، زاد المسير في علم التفسير ، 1/ 578 .
(6) الفيروز أبادي ، ص 383 .
(7) ديوان الحطيئة ، شرح د/ يوسف عيد ، ( دار الجيل ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1413 هـ / 1992 م ، ص 52 .
(8) سورة المائدة ، 1 .
(9) الزجَّاج ، معاني القرآن ، 2/139 .
(10) الزجاج ، المرجع السابق ، 2/ 139 .
(11) الفيروز أبادي ، المرجع السابق ، ص 383 . (1/44)
صفحة 45
كم من عَقِيدٍ وجارٍ حَلَّ عِنْدَهُمُ ومِن مُجارٍ بِعَهْدِ اللهِ قد قَتَلُوا (1)
والعُقْدة : المكان الكثير الشجر ، أو النخيل ، والكلأ الكافي للإبِلِ ، وما فيه بَلاغُ الرَّجُلِ وكِفايَتُه (2) ، وفي الحديث : (( فعدلت عن الطريق فإِذا بعقدةٍ من شجرٍ )) (3) ، وفي المثل : " آلف من غراب عُقدة " (4) ، لأنه لا يطير غرابها لكَثْرَةِ شَجَرِها . وتُصْرَفُ عُقْدَةٌ ، لأَنَّها اسْمُ كُلِّ أرضٍ مُخْصِبَةٍ ، وتُمْنَعُ من الصرف ، لأَنَّها عَلَمُ أرضٍ بعَيْنِها (5) .
وعَقَدَ قَلْبه على الشيء : لَزِمَه ، والعرب تقول : عَقَد فلان ناصيته إِذا غضب وتهيَّأَ للشر (6) ؛ وقال ابن مقبل :
أَثابُوا أَخاهُمْ ، إِذْ أَرادُوا زِيالَه بأَسْواطِ قِدَ، عاقِدِينَ النَّواصِيا (7) .
__________
(1) ابن منظور ، 3/ 297 .
(2) ابن منظور ، المرجع السابق ، والفيروز أبادي ، المرجع السابق ، ص 383 ، الصحاح ، 2/ 510 .
(3) 10) أخرجه ابن أبي شيبة عن قتادة مطولا ، كتاب المغازي ، باب ما حفظت في غزوة مؤتة ، 8/ 545 .
(4) 11) مجمع الأمثال ، لأبي الفضل أحمد بن محمد بن محمد بن إبراهيم الميداني ، تحقيق/ محمد أبو الفضل إبراهيم ، ( دار الجيل ـ بيروت ) ، الطبعة الثانية ، 1407هـ/ 1987م ، الجزء الأول ، ص 150 .
(5) الفيروز أبادي ، مرجع سابق ، ص 383 .
(6) ابن منظور ، المرجع السابق ، 3/ 298 .
(7) المرجع السابق ، 3/ 298. (1/45)
صفحة 46
وفي الحديث : (( الخيلُ مَعقودٌ في نواصيها الخيْرُ )) (1) ، أَي : ملازم لها كأَنه معقود فيها . وفي الحديث أيضا : (( لآمُرَنَّ براحلتي تُرْحَلُ ، ثم لا أَحُلُّ لها عُقْدَةً حتى أَقدَمَ المدينة )) (2) ، أَي : لا أَحُلُّ عزمي حتى أَقدمها ؛ وقيل : أَراد لا أَنزل عنها فأَعقلها حتى أَحتاج إِلى حل عقالها (3) .
التعريف الاصطلاحي :
هذه اليمين تدور حولها أغلب أحكام اليمين ، في كتب الفقه الإسلامي ، وينصرف الذهن ـ غالبا ـ إليها ، عند إطلاق لفظ اليمين . وقد اتحدت أنظار الفقهاء حول مفهوم اليمين المنعقدة ، أو المؤكدة ، فهي : اليمين التي يحلف بها المرء لتأكيد أمر في المستقبل ، نفيا أو إثباتا .
فقد عرفها الحنفية على أنها : " اليمين على أمر في المستقبل نفياً أو إثباتاً ، نحو قوله والله لا أفعل كذا وكذا ، وقوله والله لأفعلن كذا " (4) .
وعرَفها الحنابلة بأنها : " اليمين على المستقبل فما عقد عليه قلبه ، وقصد اليمين عليه " (5) .
__________
(1) رواه البخاري ، كتاب الجهاد والسير ، باب الخيل معقود في نواصيها الخير، 2695 ، ومسلم ، كتاب الإمارة ، باب الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ، 1872 ، وابن حبان ، باب الخيل ، ذكر إثبات الخير في ارتباط الخيل في سبيل الله جل وعلا ، 4668 ، والحاكم في المستدرك ، 2454 ، وقال : حديث صحيح الإسناد .
(2) رواه مسلم ، باب الترغيب في سكنى المدينة ، 1347 ، والبيهقي في الكبرى ، باب جواز الرعي في الحرم ، 9762 .
(3) ابن منظور ، المرجع السابق ، 3/ 398 .
(4) أبو بكر السرخسي ، المبسوط ، مرجع سابق ، 7/ 133 .
(5) كشاف القناع عن متن الإقناع ، منصور بن يونس البهوتي الحنبلي [ ت 1051هـ ] ، تحقيق/ محمد حسن الشافعي ، (دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1418هـ/ 1997م ، الجزء السادس ، ص 290 ، والكافي ، 4/ 373 . (1/46)
صفحة 47
وقال الشوكاني : اليمين المعقدة : " من عقد القلب ليفعلن ، أو لا يفعلن في المستقبل " (1) .
واتفق رأي الفقهاء على وجوب الكفارة بالحنث في هذه اليمين مع خلاف في نوع هذه الكفارة عند البعض ، أهي مرسلة أم مغلظة ؟ ، وهذا الخلاف لا يشمل جميع ألفاظ اليمين ، وإنما في بعض المسائل التي سيأتي التفصيل فيها ، عند الحديث حول الألفاظ التي تنعقد بها اليمين ، وعند الحديث عن أحوال اليمين ، وما تجري فيه ، إن شاء الله تعالى .
المطلب الثاني : أقسام اليمين من حيث وجود الكفارة :
يقسم الفقهاء اليمين على هذا الاعتبار إلى قسمين : أيمان مكَفَّرة ، وأيمان غير مكفرة ( إي لا تجب فيها الكفارة ) ، وهم ـ أي : العلماء ـ ، وإن اتفقوا حول هذا التقسيم ، إلا إنهم مختلفون حول ما يدخل تحت هذين القسمين من الأيمان . وهذه الأيمان سواء المكَفَّرة ، أو الأيمان التي لا تجب فيها الكفارة ، لا تخرج ـ كما ذكرنا سابقا ـ عن كونها واحدة من ثلاثة أيمان : يمين لغو ، أو غموس ، أو يمين منعقدة ( المؤكدة ) ، وهي التي تختص بالمستقبل من الأزمان .
__________
(1) الشوكاني ، فتح القدير ، 1/71 . (1/47)
صفحة 48
ومما هو محل اتفاق بين الفقهاء ، أن الأيمان المعقودة على المستقبل ، تلحقها الكفارة بعد الحنث (1) ، وهي مثل قول القائل : والله ليفعلنَّ كذا وكذا ، أو ليكونن كذا وكذا ، أو قول أحدهم : والله لا يكون كذا وكذا ، أو لا يفعل كذا وكذا ، فهذه الأيمان لا حنث عليه في المستقبل حتى يفعل ما منعه باليمين ، يترك ما أوجب بها (2) ؛ إذا توفرت الشروط المطلوبة فيها لانعقادها .
ومما هو محل اتفاق بين الفقهاء أيضا ، أن يمين اللغو لا كفارة فيها (3) ، ولكن ذلك الاتفاق موقوف على حقيقة معنى اللغو عند كل واحد منهم ؛ فمما هو معلوم أ ن الفقهاء مختلفون حول حقيقة ، معنى اللغو المعفو عنه ، فمن رأى أن اللغو ما سبق إليه اللسان من غير قصد اليمين بالقلب ، كقول القائل : لا والله وبلى والله ، لم يوجب الكفارة هنا ، وأوجبها فيما سواه .
__________
(1) حنِث في يمينه يحنث حنثا إذا لم يف بموجبها فهو حانث ، والحِنث : الذنب ، إذا فعل ما يخرج به من الحنث ، والتحنث : التعبد . راجع : المصباح المنير ، أحمد بن محمد بن علي الفيومي المقريء ، ( مكتبة لبنان ـ بيروت ) ، 1987 ، ص 59 .
(2) الإمام القطب ، شرح النيل ، 4/ 277 ، وشرف الدين المقدسي ، الإقناع لطالب الانتفاع ، 4/ 340 .
(3) أبو زكريا الجناوني ، كتاب الوضع ، ص 232، وأبو الفرج ابن الجوزي ، زاد المسير في علم التفسير ، 1/194، والطاهر بن عاشور ، مرجع سابق ، 2/ 362 . (1/48)
صفحة 49
قال العلامة أحمد بن عبدالله الكندي : " يمين اللغو : أن يحلف الرجل ببعض اليمين ، ثم يمسك عن إتمامها خوف الإثم . وأما من أتمها فقد عقدها ، وقد وجبت الكفارة إن كان كاذبا ، وليس كما قيل : إن العفو قوله : والله ، بلى والله . ولا يتم يمينا " (1) . وفي بيان الشرع : " وقد قيل : إنه إذا قال : لا والله وبلى والله أنه لا يحنث ، والحنث أولى به إذا كذب أو حنث " (2) .
أما اليمين الغموس فقد وقع الخلاف بينهم هل تجب فيها الكفارة أو أنها لا تكفر ؟ .
ذهب الإباضية ، والشافعية ، ورواية عن الإمام أحمد ، إلى وجوب الكفارة في اليمين الغموس (3) .
وذهب المالكية ، والحنفية ، والحنابلة ، والشيعة الإمامية ، إلى عدم وجوب الكفارة فيها ، لأنها أعظم من أن تكفر (4) . وهذا القول مروي كذلك عن ابن مسعود - رضي الله عنه - ؛ فقد روي عنه أنه قال : " كنَّا نعدّ الذنب الذي لا كفارة له اليمين الغموس ، أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذباً ليقتطعه " (5) .
__________
(1) أحمد بن عبدالله الكندي ، المصنف ، 9/ 50 .
(2) محمد بن إبراهيم الكندي ، بيان الشرع ، 26/ 13 .
(3) محمد أطفيش ، المرجع السابق ، 4/ 294 ، والحاوي الكبير ، 15/ 267.
(4) المبسوط ، أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخْسي الحنفي ، تحقيق/ محمد بن حسن الشافعي ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1421 هـ / 2001 م ، الجزء السابع ، ص134 ، الإنصاف في معرفة الراجح من اخلاف ، أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الحنبلي ، ت/ محمد حسن الشافعي ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1418هـ/ 1997م ، الجزء الحادي عشر ، ص 16، الجامع للشرائع ، ص 414 .
(5) رواه البيهقي في السنن الكبرى ، باب ما جاء في اليمين ، 10/38 ، وابن الجعد في المسند ، عن أبي التياح ، 1408 . (1/49)
صفحة 50
وقد استدل كل فريق لما ذهب إليه ، بأدلة عرضنا بعضاً منها في المطلب السابق ، عند الحديث عن اليمين الغموس ، ولا أرى داعياً لتكرار عرض الأدلة هنا ، والله أعلم بالصواب .
المطلب الثالث : أقسام اليمين من حيث حكمها (1) :
تنقسم اليمين من حيث الحكم الشرعي لها ، إلى خمسة أقسام :
القسم الأول : الحلف الواجب : وتكون واجبة في حالة ما إذا كانت تؤدي إلى نجاة إنسان معصوم من الهلاك ، أو ينجي بها الحالف نفسه . مثل أيمان القسامة في دعوى القتل واجبة على المدعى عليه ، إذ بها يعصم نفسه فيجب علبه أن يقسم ، وإلا أثم .
القسم الثاني : الحلف المندوب : ويكون في الحلف الذي تتعلق به مصلحة مشروعة ،كالإصلاح بين الناس وإزالة الشحناء والبغضاء والحقد من قلب المسلم عن غيره . وهذه أمور مندوب إليها ، واليمين تؤدي إليها . فهي مندوبة أيضا .
ويقع ضمن هذا القسم الحلف على فعل طاعة من الطاعات ، والكف عن معصية من المعاصي ، لأن ذلك يدعوه إلى فعل الطاعات وهجران المعاصي ، وكل ما يحض على ذلك فهو مندوب إليه .
__________
(1) محمد أطفيش ، شرح النيل ، 4/ 274 ، والماوردي ، مرجع سابق ، و وشرف الدين المقدسي ، الإقناع لطالب الانتفاع ، 4/ 340 . (1/50)
صفحة 51
القسم الثالث : الحلف المباح : ويكون المحلوف عليه في هذه الحالة مباحا كأن يقسم الحالف على أكل السمك أو يقسم على عدم أكله . ويدخل تحت هذا القسم الأيمان المطلوبة من المدعى عليه في مجلس القضاء للمحافظة على حقوقه ، فقد روى البيهقي في السنن الكبرى ، بإسناده إلى الشعبي ، قال : " كان بين عمر وأبي بن كعب ـ رضي الله عنهما ـ خصومة ، فقال عمر : اجعل بيني وبينك رجلا ، قال : فجعلا بينهما زيد بن ثابت ، قال : فأتوه، قال : فقال عمر - رضي الله عنهم - : أتيناك لتحكم بيننا ، وفي بيته يؤتى الحكم ، قال : فلما دخلوا عليه أجلسه معه على صدر فراشه قال : فقال : هذا أول جور جرت في حكمك ، أجلسني وخصمي مجلسا ، فقصا عليه القصة ، فقال زيد لأبي : اليمين على أمير المؤمنين ، فإن شئت أعفيته .قال : فأقسم عمر - رضي الله عنهم - على ذلك ثم أقسم له : لا تدرك باب القضاء حتى لا يكون لي عندك على أحد فضيلة " (1) .
وفي المحلى : " فقال عمر : تقضي علي اليمين ولا أحلف ، فحلف " (2) .
وروى محمد بن كعب القُرظي ، أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم - قال على المنبر وفي يده عصى : (( يا أيها الناس لا تمنعنكم اليمين من حقوقكم ، فوالذي نفسي بيده إن في يدي عصا )) (3) .
__________
(1) رواه البيهقي في السنن الكبرى ، كتاب آداب القاضي ، باب القاضي لا يحكم ، 10/ 144 ،
(2) ابن حزم الظاهري ، المحلى ، 8/ 50 .
(3) لم أجد لهذا الأثر تخريجا . (1/51)
صفحة 52
القسم الرابع : الحلف المكروه : ويكون كذلك إذا كان المحلوف عليه مكروها ، أو أن يحلف على ترك أمر مندوب ، مثل أن يقسم على ترك صلاة الضحى ، أو أن يقسم على أن يصلي وهو حاقن ، أو أن يقسم على ترك مساعدة أحد الفقراء . فهذه أيمان تحول بينه وبين فعل الخير ، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عنها ، فهي مكروهة . قال تعالى : { وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } (1) . وقال تعالى : { وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيم ٌ } (2) . قال المفسرون : نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق - رضي الله عنهم - ومِسْطح ، بعد حادثة الإفك ، حيث اشترك مِسْطَح - رضي الله عنهم - فيها ، وكان أبو بكر ينفق على مِسْطَح ، فلما علم بموقفه في من حادثة الإفك ، أقسم ألا ينفق عليه ، فنزلت هذه الآية تنهى أبا بكر عن حلفه ذاك ، وعن الامتناع عن النفقة على مسطح ، وتأمره بأن يصفح عنه ويعفو وأن يعيد الإنفاق عليه (3) .
__________
(1) سورة البقرة ، 224 .
(2) سورة النور ، 22 .
(3) تفسير القرطبي ، 12 / 207 . (1/52)
صفحة 53
ويدخل تحت هذا النوع من الأيمان ، الأيمان في البيع والشراء ، والأخذ والعطاء ، لإنفاق السلعة ، وإن كان المقسم صادقا في قسمه ؛ فقد روى ابن ماجة ، وأبو داود في سننه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( الحلف منفقة للسلعة مُمحِقة للبركة )) (1) .
القسم الخامس : الحلف المحرم : وله صورتان أساسيتان هما :
__________
(1) أخرجه البخاري ، باب يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم ، 5478 ، 3/401 ، وأبو داود في السنن ، باب كراهية اليمين في البيع ، 3335 ، وأبو عوانة في المسند ، باب حظر كثرة الحلف في البيع ووجوب اجتنابه فيه ، 5478 . (1/53)
صفحة 54
الصورة الأولى : الحلف الكاذب ، كأن يقسم الرجل كاذبا أن له حقا على أحد من الناس ، أو يقسم أنه ما سرق مال أحد من الناس كذبا . لأن الكذب حرام ، وتتأكد حرمته إذا أقسم عليه . قال تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } (1) ، وقال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } (2) . روى أبو داود في سننه عن الأشعث ، قال : فيَّ والله كان ذلك ، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض ، فجحدني ، فقدمته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم - : ألك بينة ؟ ، قلت :لا ، فقال لليهودي : احلف ، قلت : يارسول الله ، إذا يحلف ويذهب بمالي ، فأنزل الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً } (3) .
__________
(1) سورة المجادلة ، 14 .
(2) سورة آل عمران ، 77 .
(3) رواه البخاري ، باب كلام الخصوم بعضهم في بعض ، 2285 ، وباب سؤال الحاكم المدعي هل لك بينة قبل اليمين ، 2523 ، وأبو داود في السنن ، كتاب الأيمان والنذور ، باب التغليظ في الأيمان الفاجرة ، 3243 . (1/54)
صفحة 55
وروى الإمام الربيع بن حبيب في الجامع ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس ـ رضي الله عن الجميع ـ قال : قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : (( من حلف يمينا على مال امرئ مسلم ليقطعه لقي الله وهو عليه غضبان )) (1) . وبنفس السند عن أنس بن مالك - رضي الله عنهم - ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( من اقتطع حق مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار . فقال له رجل : وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : وإن كان قضيبا من أراك )) (2) .
الصورة الثانية : الحلف على اقتراف معصية أو ترك فرض فرضه الله عليه ، كالحلف على شرب الخمر ، أو لعب القمار ، أو الإفطار في نهار رمضان من غير عذر شرعي ، وكالحلف على قتل نفس معصومة ، فاقْتِراف الحرامِ حرام ، وترك الفرض حرام قطعا ، وبالتالي القسم على الحرام حرام ، لأن الدافع المفضي إلى ارتكاب المحرم محرم .
المبحث الثاني :
أركان اليمين وشروطها
__________
(1) رواه الإمام الربيع بن حبيب ، كتاب الأيمان والنذور ، 657 ، والبخاري ، باب الخصومة في البئر والقضاء فيها ، 2229 ، ومسلم ، باب من اقتطع حق مسلم بيمينه فاجرة بالنار ، 138 ،139 ، والحاكم في المستدرك ، كتاب الأيمان والنذور ، 7801 ، وقال : هذا حديث صحيح الإسناد .
(2) رواه الإمام الربيع بن حبيب ، باب الأيمان والنذور ، 660 ، والبيهقي في شعب الإيمان ، باب من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان ، 4838 ، وابن حبان ، ذكر تحريم الله جل وعلا الجنة مع إيجاب النار للفاعل الفعل الذي ذكرناه وإن كان القصد فيه الشيء اليسير من الأموال ، 5087 ، وأبي يعلى في المسند ، باب بيان المعاصي التي إذا قالها العبد أو عملها لم يدخل الجنة بمعصيته ، رقم 88 . (1/55)
صفحة 56
لليمين عند الفقهاء أركان لا بد من توفرها ، حتى نستطيع الحكم على العبارة التي ينطق بها الإنسان ، وبالتالي ترتب الحكم عليه من حيث وجوب الكفارة ، أو عدم وجوبها ، أو إلزامه بما ألزم نفسه ، في اليمين الخارجة مخرج الشرط والإلزام ، عند من يرى ذلك .
وقد جعل الفقهاء لليمين ثلاثة أركان ، هي : الحالف ، والمحلوف عليه أو محل القسم ، واللفظ المستخدم في القسم ؛ ولكل ركن من هذه الأركان ، شروط لابد من توفرها فيه لصحته ، واعتباره مؤثرا في الحكم الشرعي.
وسوف نتناول في هذا المبحث ـ إن شاء الله ـ كل ركن من هذه الأركان على حدة ، ثم الحديث بعد ذلك عن الشروط التي اشترطها الفقهاء ، في كل ركن من هذه الأركان ، والمسائل التي قد تتفرع عنها ، مع بيان خلاف المذاهب فيها .
الركن الأول
الحالف
الحالف في اللغة :
الحِلْفُ والحَلِفُ : القَسَمُ ، لغتان ، وحَلَفَ ، أَي : أَقْسَم يَحْلِفُ حَلْفاً ، وحِلْفاً، وحَلِفاً ، ومَحْلُوفاً ، وهو أَحد ما جاء من المصادر على مَفْعُولٍ مثل : المَجْلُودِ ، والمَعْقُولِ ، والمَعْسُور ، والمَيْسُورِ ، والواحدة حَلْفةٌ (1) ؛ قال امْرؤُ القيس :
حَلَفْتُ لَها باللَّهِ حَلْفَةَ فاجِرٍ لَنامُوا فما إِنْ مِنْ حَدِيثٍ ولا صالي (2) .
الحَلِفُ : اليمين ، وأَصلُها العَقْدُ بالعَزْمِ والنية . ورجل حالِفٌ وحَلاَّفٌ وحَلاَّفةٌ : كثير الحَلِفِ . وأَحْلَفْتُ الرجُلَ ، وحَلَّفْتُه ، واسْتَحْلفته ، بمعنىً واحد ، ومثله أَرْهَبْتُه واسْتَرْهَبْتُه ، وقد اسْتَحْلَفَه باللَّه ما فَعَلَ ذلك ، وحَلَّفَه وَحْلَفَه (3) ، قال الشاعر :
قامَتْ إِليَّ ، فأَحْلَفْتُها بِهَدْيٍ قَلائِدُه تَخْتَنِقْ (4) .
__________
(1) ابن منظور ، مرجع سابق ، 9/ 52 .
(2) ابن قتيبة ، الشعر والشعراء ، ص 105 .
(3) ابن منظور ، مرجع سابق ، 9/53 .
(4) أبو الفرج الأصفهاني ، الأغاني ، 22/ 191 . (1/56)
صفحة 57
والحِلْفُ بالكسر ، العَهْد يكون بين القوم . وقد حالَفَه ، أَي : عاهَدَه ، وتحالفُوا ، أَي : تعاهَدُوا (1) . وفي حديث أَنس : (( حالَفَ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ، بين المهاجرين والأَنصار في دارنا مرَّتين )) (2) ، أَي : آخَى بينهم .
والحَلِيفُ : المُحالِفُ . يقال : حالَف فلان فلانا ً، فهو حَليفه ، وبينهما حِلْف لأَنهما تَحالَفا الأَيْمان أَن يكون أَمرهُما واحداً بالوَفاء ، فلما لزم ذلك عندهم في الأَحْلافِ التي في العشائر ، والقبائل ، صار كلّ شيء لزم شيئاً فلم يُفارِقْه ، فهو حَلِيفُه حتى يقال : فلان حَلِيفُ الجُودِ ، وفلان حَلِيفُ الإِكْثارِ ، وفلان حَلِيفُ الإِقْلالِ (3) ؛ قال الشاعر :
وشَرِيكَيْنِ في كثِيرٍ من المالِ وكانا مُحالِفَيْ إِقْلالِ (4) .
وحالف فلان بثَّه ، وحُزْنَه ، أَي : لازَمَه . وقيل : الحِلْفُ العَهْدُ ؛ لأَنه لا يُعْقَدُ إِلا بالحَلِفِ ، والجمع أَحلاف . وقد حالَفَه مُحالَفَة ، وحِلافاً ، وهو حِلْفُه و حَليفة (5) ؛ وقال الشاعر :
فَسَوْفَ تَقُولُ، إِنْ هِيَ لم تَجِدْنِي أَخانَ العَهْدَ أَم أَثِمَ الحَلِيفُ؟ (6) .
أولا : التكليف ( العقل والبلوغ ) :
__________
(1) ابن منظور ، مرجع سابق ، 9/ 54 .
(2) رواه أبو داود في السنن ، باب في الحلف ، 2926 .
(3) ابن منظور ، مرجع سابق ، 9/ 54 .
(4) ابن قتيبة ، المرجع السابق ، 141 .
(5) ابن منظور ، مرجع سابق ، 9/ 54 .
(6) ابن قتيبة ، الشعر والشعراء ، 87 . (1/57)
صفحة 58
اشترط الفقهاء في الحالف أن يكون مكلفا، وذلك بأن يكون بالغا عاقلا، لأن العقل والبلوغ مناط التكليف في العبادات وسائر التكليفات الشرعية ؛ فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: (( رفع القلم عن ثلاثة : الصبي حتى يحتلم ، وعن المعتوه حتى يفيق ، وعن النائم حتى يستيقظ )) (1) .
جاء في شرح النيل : " لا يمين على طفل ومجنون ، ولو حنثا بعد بلوغ وإفاقة " (2) .
وفي الإنصاف : " ولا تنعقد يمين الصبي قبل البلوغ ، على الصحيح من المذهب " (3) .
وجاء عند الإمامية : " لا تنعقد اليمين من الصبي ، والمعتوه ، والنائم " (4) .
وفي البحر الرائق : " وشرطها العقل والبلوغ والإسلام " (5) .
ثانيا : الاختيار( عدم الإكراه ) :
__________
(1) أخرجه أبي داود ، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدا ، 4398 ، 4401 ، والنسائي في الكبرى ، باب من لا يقع طلاقه من الأزواج ، 5625 ، والحاكم قي المستدرك ، 949 ، 2350 ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم .
(2) محمد أطفيش ، شرح النيل ، 4/ 364 .
(3) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ، 11/ 15 .
(4) الجامع للشرائع ، ص 414 .
(5) ابن نجيم الحنفي ،البحر الرائق شرح كنز الدقائق ، 4/ 465 . (1/58)
صفحة 59
يلزم لثبوت الحكم الشرعي ، اختيار المكلف للفعل ، وعدم الإكراه عليه ، فإذا تم الفعل بمطلق إرادة المكلف ، ثبت في حقه الحكم الشرعي ، والإسلام إنما جاء لرفع الحرج عن الناس ، قال تعالى : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } (1) ، وقال تعالى : { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } (2) ، وواضح أن إثبات الحكم عند عدم الاختيار فيه من الحرج ما لا يخفى ، وهذا مناف لقوله عليه الصلاة والسلام : (( إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )) (3) . ولكنَّ بعضا من فقهاء المذاهب الإسلامية ، لم يأخذ بظاهر هذا الحديث، مما يستدعي ذلك البحث في حكم يمين المكره، عند كل مذهب من هذه المذاهب .
ومما هو معلوم أن الأئمة ، والفقهاء في كافة المذاهب الإسلامية ، قد بحثوا تأثير الإكراه على يمين المكلف هل تنعقد يمين المكره ، ومن ثم تجب عليه كفارتها إن حنث ، أو لا تنعقد ؟.
ذهب جمهور الفقهاء : الإباضية ، والشافعية ، والحنابلة ، والشيعة الإمامية (4) ،
__________
(1) سورة الحج ، 78 .
(2) سورة الأعراف ، 157.
(3) رواه ابن حبان ، كتاب النكاح ، باب طلاق المكره ، 2045 ، والكناني ، في مصباح الزجاجة ، باب الرجل يجحد الطلاق وقال : هذا إسناد صحيح إن سلم من الانقطاع ، والظاهر أنه منقطع . قال المزي في الأطراف : (( رواه بشر بن بكر التنيسي =
(4) = عن الأوزاعي عن عطاء عبيد بن عمير عن ابن عباس )) . قلت : وليس ببعيد أن يكون السقط من صنعة الوليد بن مسلم فإنه كان يدلس تدليس التسوية . أنظر : الكناني ، مصباح الزجاجة ، 2/ 126 .
(
1) المبسوط في فقه الإمامية ، أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي [ ت 460 ] ، تصحيح/ محمد الباقر البهيودي ، ( الشرق الأوسط للطباعة والنشر ـ بيروت ) ، ص 194، ابن قدامة المقدسي ، المغني ، 8/ 166، القطب ، شرح النيل ، 4/ 360 . (1/59)
صفحة 60
إلى أنه لا يعتبر للحالف يمين إلا إذا أقسم بملء إرادته وحريته ، ولم يقع تحت ضغط الإكراه ، ولو أكره أحد على حلف يمين، فإنها لا تصح، ولا تنعقد .
وقد استدل الجمهور بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال : (( إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )) (1) ، وبما روى أبو أمامة ، وواثلة بن الأسقع ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( ليس على مقهور يمين )) (2) ، ولأنه قول حمل عليه بغير حق فلم يصح ككلمة الكفر .
وقال الحنفية ، والمالكية : يمين المكره منعقدة ، وتجب فيها الكفارة إذا حنث (3) .
قال الحنفية : " القاصد في اليمين ، والمكره ، والناسي سواء ، حتى تجب الكفارة ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : (( ثلاث جدهن جد ، وهزلهن جد : النكاح ، والطلاق ، واليمين )) (4) ؛ ولأنها يمين مكلف ، فانعقدت كيمين المختار " (5) .
وتمسك الحنفية بما روي عن حُذيفة بن اليمان ، قال : (( ما منعني أن أشهد بدرا ، إلا أني خرجت أنا ، وأبي الحسيل ، قال : فأخذنا كفار قريش ، فقالوا : إنكم تريدون محمدا ، فقلنا : ما نريده ، وما نريد إلا المدينة ، قال : فأخذوا منا عهد الله ، وميثاقه ، لننطلق إلى المدينة ، ولا
__________
(1) أخرجه البيهقي في الكبرى ، كتاب الإقرار، باب من لا يجوز إقراره ، 11235 ، 6/ 84 ، وابن ماجه ، كتاب النكاح ، باب طلاق المكره والناسي ، رقم 3045 ، 1/ 659 .
(2) أخرجه الدار قطني ، كتاب النذور ، 4/ 171 .
(3) أسهل المدارك ، ص 19 ، والإمام السرخْسي ، مرجع سابق ، 8/ 136 .
(4) لم أجده بهذا المتن ، وإنما وجدته بغير لفظة اليمين .
(5) الهداية شرح بداية المبتدي ، 2/ 355 . (1/60)
صفحة 61
نقاتل معه ، فأتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبرناه الخبر ، فقال : انصرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم )) (1) .
وإذا أمعنا النظر في كل من قولي ، الجمهور ، والحنفية ، نجد أن ما ذهب إليه الجمهور هنا ، سائر وفق مقاصد الشريعة ، التي جاءت لرفع الحرج عن الناس ، ومن غير المعقول أن يُحمَّل الإنسان ، تبعة ما حُمِل على فعله ، من غير إرادة منه ، ولا اختيار ، فكيف وقد قال الله سبحانه وتعالى ، في شأن من تلفظ بكلمة الكفر مكرها : { إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ } (2) . هذا في شأن من تلفظ بكلمة الكفر مكرها ، فلم يؤاخذ عليها ، لانتفاء عنصر القصد والاختيار ؛ والكفر كما هو معلوم من أكبر الكبائر ، فكان من باب أولى أن لا يؤاخذ المتلفظ باليمين في حالة الإكراه ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( ليس على مقهور يمين )) (3) .
ثالثا : القصد إلى اليمين ( النية ) .
__________
(1) رواه مسلم ، كتاب الجهاد والسير ، باب الوفاء بالعهد ، 1787 ، 3/1414، وأحمد ، عن حذيفة بن اليمان ، 23402 ، والبيهقي في السنن ، باب الأسير يؤخذ عليه أن يبعث إليهم بفداء ويعود في إسارهم ، 9/145 .
(2) سورة النحل ، 106 .
(3) سبق تخريجه في ص 43 . (1/61)
صفحة 62
النية من أهم الشروط التي يجب توفرها ، في تصرفات المكلف وأعماله ، حتى يوصف فعله بالطاعة ، أو المعصية إذ إن الأمور بمقاصدها ، وهذه قاعدة شرعية من أهم قواعد الشريعة الإسلامية ، وتتفق على الأخذ بها جميع اتجاهات الفكر الإسلامي ، وهي قاعدة تدخل في كثير من الفروع الفقهية في الإسلام ؛ لقوله تعالى : { لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } (1) ؛ ولقوله عليه الصلاة والسلام : (( الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى )) (2) .
فالنصوص الشرعية تقضي بأن النية ، والقصد لهما أثر كبير في توجيه أعمال الإنسان ، وأن أحكام هذه الأعمال منوطة بهما ؛ من ذلك قوله تعالى : { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيما ً } (3) .
__________
(1) سورة البقرة ، 225 .
(2) أخرجه الإمام الربيع بن حبيب ، باب النية ، رقم 1 ، والبخاري ، كتاب بدء الوحي ، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول الله جل ذكره إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ، رقم 1 ، وابن حبان ، باب الإخلاص وأعمال السر ، 388 ، وأبو داود في السنن ، باب فيما عني به الطلاق والنيات ، 2201 .
(3) سورة الأحزاب ، 5 . (1/62)
صفحة 63
والنية في عرف الشرع : " انبعاث في القلب نحو ما يراه موافقا ، من جلب نفع ، أو دفع ضر، حالا ، أو مآلا " (1) . وهذا معنى عام للنية يشمل الأعمال الأخروية والدنيوية ، وعليه تكون القاعدة شاملة أيضا لكل عمل للمكلف ، سواء كان من أعمال الدنيا ، أو الآخرة (2) .
وهناك معنى خاص للنية ، هو : " قصد الطاعة ، والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى ، بإيجاد الفعل ، أو تركه " (3) .
ولكن القصد له أثره ، ليس فقط في المجال الذي يأتي التوجه فيه إلى الله تعالى بهذا العمل ، بل أيضا فيما لو لم يقصد ذلك ، بل قصد مجرد الفعل ، أو العمل ؛ ولعل هذا هو مناط المعنى العام للنية وأثرها (4) .
ويقصد بالنية أمران (5) :
1ـ تمييز العبادات عن العادات ، إذا كانت مما لها مثيلا من العبادات ؛ مثل الوُضوء ، والغسل ، ومثلهما الصوم ، فإن هذه الأعمال تحتاج إلى النية لالتباسها بغيرها من الأعمال المعتادة .
2ـ تمييز رتب العبادات بعضها عن بعض ، حيث إن العبادات من صلاة وحج وصيام وصدقة ، قد تكون فرضا كما قد تكون نفلا أو نذرا ، فلما اختلفت شرعت النية لتمييزها .
هل النية تخصص العام ، أو تعمم الخاص ؟ .
هذه قاعدة من القواعد الفقهية المهمة التي تدخل في الكثير من الأبواب الفقهية ، ومن ضمنها باب الأيمان ؛ وتنبني عليها كثير من التفريعات ، والأحكام الفقهية .
أولا : تخصيص العام بالنية :
__________
(1) ابن رجب الحنبلي ، جامع العلوم والحكم ، خرج أحاديثه / عصام الدين الصبابطي ، ( دار الحديث ـ القاهرة ) ، 1424هـ/ 2004م ، ص 15 .
(2) الموجز في قواعد الفقه الكلية [ مرقون ] ، د/ شوقي إبراهيم علام ، ص 20 .
(3) ابن رجب الحنبلي ، المرجع السابق ، ص 16 .
(4) شوقي علام ، المرجع السابق ، ص 20 .
(5) ابن رجب الحنبلي ، المرجع السابق ، ص 14 . (1/63)
صفحة 64
ذهب الإباضية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، والحنفية ، إلى أن النية تخصص العام (1) . إلا أنها تخصصه ديانة لا قضاء عند الحنفية . فلو قال الحالف : والله لا أكلم أحدا ، وقال : نويت زيدا .
فهنا عموم وهو لفظ ( أحد ) ، وهو نكرة جاءت في سياق النفي ، وكما هو معلوم من كتب أصول الفقه ، أن النكرة إن جاءت في سياق النفي ، فإنها تفيد العموم ، فلفظ ( أحد ) لفظ عام يشمل كل احد ، فهل قوله بعد ذلك : نويت زيدا ، يخصص هذا العموم ، ومن ثم فإنه لا يحنث إن كلم غير زيد ، أم أن اللفظ يبقى على عمومه ولا عبرة بنيته ؟ .
قال جمهور الفقهاء : الإباضية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة : لا يحنث لو أنه كلم غير زيد (2) ؛ لأن نيته معتبرة ، وهي تخصص العموم عندهم .
وقال الحنفية : يحنث على كل حال ، لأن نيته معتبرة ديانة لا قضاء (3) ، أي : فيما بينه وبين ربه .
ثانيا : تعمم الخاص بالنية :
ذهب الشافعية وجمهور الحنفية إلى أن النية لا تعمم اللفظ الخاص (4) .
وذهب الإباضية ، والمالكية ، والحنابلة ، إلى أن النية تعمم اللفظ الخاص (5) .
وتظهر ثمرة هذا الخلاف ، فيما لو حلف لا يشرب من فلان ماء من عطش ، وقال : نويت أن لا انتفع منه بشيء ، ثم بعد ذلك أكل طعامه ، ولبس ثيابه ، فهل قوله ذلك يؤدي الحنث ، بأكله طعامه ، ولبسه ثيابه ؟ .
__________
(1) شرح طلعة الشمس على الألفية ، أبو محمد ، عبدالله بن حميد السالمي ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) ، 1401هـ/ 1981م ، الجزء الأول ، ص 145 .
(2) شرح النيل ، 4/ 339 ، وأسهل المدارك ، ص 24 .
(3) الهداية شرح بداية المبتدي ، 8/ 368 .
(4) السالمي ، مرجع سابق ، 2/ 147 .
(5) المرجع السابق ، 2/ 147 . (1/64)
صفحة 65
قال الشافعية وجمهور الحنفية : لا يحنث ؛ لأنه لا عبرة بنيته هنا ، لأن النية لا تعمم الخاص ، وهو هنا حلف على شرب الماء خاصة ، فلا يتعدى ذلك إلى الأكل وللباس وغيره (1) .
وذهب الإباضية ، والمالكية ، والحنابلة ، إلى أنه يحنث بتناوله أي شيء يملكه المحلوف عليه مما يمكن الانتفاع به ، لأن النية تعمم الفظ الخاص ، فيلحق بالماء كل شيء يملكه المحلف عليه مما يمكن الانتفاع به (2) ، والله أعلم .
هل اليمين على نية الحالف ، أو على نية المُستحلِف ؟
__________
(1) السرخسي ، مرجع سابق ، 9/ 8 .
(2) الإمام القطب ، شرح النيل وشفاء العليل ، 4/ 277 ، القوانين الفقهية ، ص 167، ابن قدامة ، 8/ 548 . (1/65)
صفحة 66
ذهب الإباضية كما صرح بذلك العلامة أبو سفيان الراشدي ، إلى أن " مقاصد اللفظ على نية اللافظ في اليمين إلا إن حلفه الحاكم " (1) ، فلا عبرة بنيته حينئذ ، بل تكون اليمين على نية القاضي ، وذلك حفاظا على أموال الناس . وإلى هذا القول ذهب الشافعية ، والمالكية (2) . واستدلوا بما رواه مسلم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( اليمين على نية المُستَحلِف )) (3) ( بضم الميم وفتح المثناة الفوقية وكسر اللام ) . قال العلماء : معناه أن من وجبت عليه يمين في حق وجب عليه فحلف وهو ينوي غيره لم تنفعه نيته ولا يخرج بها عن إثم تلك اليمين وهو معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الآخر : (( يمينك على ما يصدقك به صاحبك )) (4) .
قال مالك : " من حلف لطالبه في حق له عليه واستثنى في يمينه أو حرك لسانه أو شفتيه أو تكلم به لم ينفعه استثناؤه ذلك ؛ لأن النية ، نية المحلوف له ؛ لأن اليمين حق له ، وإنما تقع على حسيب ما يستوفيه له الحاكم لا على اختيار الحالف ؛ لأنها مستوفاة منه " (5) .
__________
(1) جواهر القواعد من بحر الفرائد ، سفيان بن محمد بن عبدالله الراشدي ، تحقيق/ محمد بن يحيى بن سفيان الراشدي ، ( مكتبة الاستقامة ـ سلطنة عمان ) ، الطبعة الأولى ، 1425هـ / 2005 م ، ص 68 .
(2) برهان الدين المرغياني ، مرجع سابق ، 2/ 356 ، والماوردي ، مرجع سابق ، 15/ 270.
(3) أخرجه الإمام مسلم ، كتاب الأيمان والنذور ، باب يمين الحالف على نية المستحلف ، 1635 ، وابن ماجة ، باب من ورى في يمينه ، 2120 ، وابن أبي شيبة ، باب في الرجل يستحلف فينوي بالشيء ، 12591 .
(4) سبق تخريجه ص 10 .
(5) القرطبي ، مرجع سابق ، 6/ 273 . (1/66)
صفحة 67
وذهب الحنفية والحنابلة ، إلى أن مقاصد اللفظ على نية اللافظ في اليمين إلا عند القاضي ، فهي على نية الحالف إن كان مظلوما ، وعلى نية المستحلف ، إن كان الحالف ظالما (1) . وهذا القول مروي عن إبراهيم النخعي (2) .
رابعا : الإسلام .
تصح اليمين من الكافر ، وتلزمه الكفارة بالحنث ، سواء حنث في كفره أو بعد إسلامه ، وهو قول جمهور الفقهاء : الإباضية ، والشافعية ، وأحمد ، وأبو ثور (3) .
وقال الثوري وأصحاب الرأي : " لا يصح يمين الكافر ، حتى لو حلف الكافر على يمين ثم أسلم فحنث فلا كفارة عليه عندنا " (4) .
وقد استدل الجمهور لما ذهبوا إليه بعدة أدلة منها ، قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ } (5) ، فالآية تفيد أن الكافر من أهل القسم ، وهذا مفهوم من قوله تعالى : (( أو آخران من غيركم )) .
__________
(1) المغني على مختصر الخرقي ، 8/ 492 .
(2) المرجع السابق ، 8/ 492 .
(3) الجامع المفيد ، أبو سعيد محمد بن سعيد بن محمد بن سعيد الكُدمي ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) ، 1409هـ/ 1985م ، الجزء الثالث ، ص 86 ، ومغني المحتاج ، 4/ 320 ، والمبدع شرح المقنع ، 8/ 58 ، والحاوي الكبير ، 15/ 269.
(4) البحر الرائق شرح كنز الدقائق ، أبو البركات عبدالله بن أحمد بن محمود المعروف بحافظ الدين النسفي ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1418هـ/ 1997م ، الجزء الرابع ، ص 465 .
(5) سورة المائدة ، 106 . (1/67)
صفحة 68
وقالوا : تلزمه الكفارة ، لأنه من أهل اليمين ، فإن المقصود من اليمين الحظر ، أو الإيجاب ، والكافر من أهله ، فقد قال الله تعالى : { أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ } (1) ، فجعل للكافرين يميناً ، والدليل عليه ، أنه يستحلف في المظالم والخصومات بالله ، وأنه من أهل الطلاق والعتاق ، ومن أهل اليمين بالطلاق والعتاق، فيكون من أهل اليمين بالله تعالى (2) .
فقد روى البخاري ، والدارقطني ، وغيرهما من طريق ابن عباس رضي الله عنهما ، أنه قال : (( خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَني سَهْمٍ مَعَ تَمِيمِ الدَّاريِّ وَعَدِيِّ بنِ بَدَّاءَ فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ فِيهَا مُسْلِمٌ ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامَ فِضَّةٍ مُخَوَّصَا بِالذَّهَبِ ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ وُجِدَ الْجَامُ بِمَكَّةَ فَقَالُوا اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيَ فَقامَ رَجُلاَنِ مِنْ أوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ فَحَلَفَا لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِمَا وَإنَّ الْجَامَ لِصَاحِبنَا قالَ فَنَزَلَتْ فِيِهِمْ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ } (3) ) (4) ، ففي الحديث ، ترى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قد طلب اليمين من تميم الداري ، وعدي بن بداء يوم أن كانا نصرانيين ، ولو أن اليمين من الكافر غير منعقدة لما استحلفهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
__________
(1) التوبة ، 13 .
(2) الماوردي ، مرجع سابق ، 15/ 270 .
(3) سورة المائدة ، 106 .
(4) رواه أبو داود في السنن ، باب شهادة أهل الذمة وفي الوصية في السفر ، 3606 ، وابن جرير الطبري ، من طريق ابن عباس ، 7/ 115 . (1/68)
صفحة 69
وأجاب الحنفية : بأن هذه يمين صورة لا حقيقة ، رجاء نكوله ، فيحكم عليه (1) ؛ وكما ترى فإن هذا تأويل بعيد وتكلف ظاهر في تأويل النص .
واستدلوا كذلك بما روي إن عمر - رضي الله عنه - نذر في الجاهلية ، أن يعتكف في المسجد الحرام ، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بالوفاء بنذره (2) ؛ ولأنه من أهل القسم بدليل قوله تعالى : { فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ } (3) .
وقال الثوري وأصحاب الرأي ، والنووي من الشافعية : " لا يصح يمين الكافر ، حتى لو حلف الكافر على يمين ثم أسلم فحنث ، فلا كفارة عليه عندنا " (4) .
واحتجوا بأن الكافر ليس من أهل التكليف ، إذ المخاطب في الآيات هم المؤمنون (5) . ورد الجمهور : لا نسلم بأنه غير مكلف ، وإنما تسقط عنه العبادات بإسلامه ، لأن الإسلام يجب ما قبله ، فأما ما يلزمه بنذره ، أو يمينه فينبغي أن يبقى حكمه في حقه لأنه من جهته (6) .
__________
(1) المبسوط ، أبو بكر محمد بن أحمد بن سهل السرخسي الحنفي [ ت 490 ] ، تحقيق/ محمد حسن الشافعي ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1421هـ/ 2001م ، الجزء السابع ، ص 134 .
(2) أخرجه البخاري ، باب إذا نذر في الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم ، 1938 ، ومسلم ، باب النهي عن الحلف بغير الله ، 4246، 4248 ، وأبو داود ، باب من نذر في الجاهلية ثم أدرك الإسلام ، 3325 ، والنسائي في المجتبى ، باب إذا نذر ثم أسلم قبل أن يفي ، 3820 ، 3821 .
(3) الماوردي ، المرجع السابق ، 15/ 269 ، والسرخسي ، المبسوط ، 8/ 185 .
(4) السرخسي ، المرجع السابق ، 8/ 185 .
(5) المبسوط ، 8/ 135 ، والمجموع ، 19/ 116 .
(6) الماوردي ، مرجع سابق ، ص 129 . (1/69)
صفحة 70
قالوا : اليمين تعظيم لحرمة اسم الله تعال ، والكافر ليس معظما له سبحانه وتعالى ، ولو كان معظما له لما أشرك به ؛ إذ لا تعظيم مع الكفر ، وهو كذلك ليس من أهل اليمين (1) ؛ لقوله تعالى : { فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ } (2) .
وقالوا : الكفارة عبادة ، والكافر ليس من أهلها ، والدليل على أن الكفارة عبادة ، أنها لا تؤدى بدون النية ، وكذا لا تسقط بأداء الغير عنه ، وهما حكمان مختصان بالعبادات ، إذ غير العبادة لا تشترط فيه النية ولا يختص سقوطه بأداء من عليه كالديون ورد المغصوب ونحوها ، والدليل عليه أن للصوم فيها مدخلاً على وجه البدل وبدل العبادة يكون عبادة والكافر ليس من أهل العبادات فلا تجب بيمينه الكفارة فلا تنعقد يمينه كيمين الصبي والمجنون وإنما يستحلف في الدعاوى لأن المقصود من الاستحلاف التحرج عن الكذب (3) .
واستدلوا أيضا بحديث قيس بن عاصم المنقري حيث سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إني حلفت في الجاهلية ، أو قال نذرت ، فقال عليه الصلاة والسلام : (( يهدم الإسلام ما كان في الشرك )) (4) .
الركن الثاني
المحلوف عليه ( محل القسم )
أولا : أن يكون متصور الوجود عند الحلف :
__________
(1) المبسوط ، 8/ 135 ، والمجموع ، 19/ 116 .
(2) سورة التوبة ، 12 .
(3) حافظ الدين النسفي ، مرجع سابق ، 4/ 491 .
(4) كتاب الآثار ، أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري [ ت 182هـ ] ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، 1355هـ ، رقم 741 ، ص 162 . (1/70)
صفحة 71
ويقصد به أن يكون المحلوف عليه متصور الوجود حقيقة أو عادة ، عند الحلف ، وهما شرطان لانعقاد اليمين على أمر في المستقبل . وبقاؤه ، أي : المحلوف عليه ، متصور الوجود بعد اليمين شرطا لبقاء اليمين ؛ حتى لا تنعقد اليمين على ما هو مستحيل الوجود في الحقيقة ، ولا يبقى إذا صار بحال يستحيل وجوده ، ومثال ذلك أن يحلف ليصعدن السماء أو ليشربن البحر ، أو ليمشين على الماء (1) .
وأما إذا عقد اليمين على فعل لا يتصور وجوده أصلاً : بأن قال : والله لأشربن الماء الذي في هذا الكوز ، وليس في الكوز ماء ، فقد اختلف الفقهاء في انعقاد اليمين :
ذهب جمهور الفقهاء : الإباضية ، المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، وجمهور الحنفية ، إلى عدم انعقاد اليمين على هذه الصفة ؛ لأن اليمين يعقد للبر، ثم تجب الكفارة ، لرفع حكم الحنث ، وهو الإثم ، فإذا لم يكن البر متصوراً ، فلا يتصور الحنث ، فلا فائدة في انعقاد اليمين (2) .
وقال أبو يوسف : تنعقد ، ويحنث للحال ؛ لأن هذا ليس بشرط لانعقاد اليمين ولا لبقائها عنده ، وإنما الشرط أن تكون اليمين على أمر في المستقبل (3) .
تغير المحلوف عليه (4) :
__________
(1) القطب ، شرح النيل ، 4/ 304 .
(2) تحفة الفقهاء ، 2/ 303 ، وشرح منتهى الإرادات ، 3/441 ، ورحمة الأمة في اختلاف الأئمة ، أبو عبدالله محمد بن عبد الرحمن الدمشقي العثماني الشافعي ، طبع على نفقة صاحب السمو الشيخ / خليفة بن حمد آل ثاني ، أمير دولة قطر ، 1401هـ / 1981م ، ص 304 .
(3) أبو عبد الرحمن الدمشقي ، المرجع السابق ، 304 .
(4) كتاب الأيمان والنذور ، محمد عبد القادر أبو فارس ، ( دار الأرقم للنشر والتوزيع ـ الأردن ) ، الطبعة الرابعة ، 1419هـ / 1998م ، ص 82 ـ 84 . (1/71)
صفحة 72
وصورته أن يحلف على شيء يعينه بالإشارة كما لو قال : والله لا آكل حبة رطب من هذه النخلة ، فصار الرطب تمرا ، أو لا أكلم زوجة زيد ، وأصبحت بعد ذلك زوجة لعمرو ، فما حكم فعل المحلوف عليه بعد أن تغيرت صفته ؟ .
أولا يجب علينا أن نعرف أن التغيير ينقسم إلى خمسة أقسام ، ولكل قسم منها حكم خاص :
القسم الأول : تغير أقسام المقسم عليه ، وتغير اسمه ووصفه ، مثل أن يقسم على ترك شرب الخمر في إناء حدده ، ثم أصبح بعد ذلك خلا فشربه ، ومثل أن يقسم على عدم أكل بيضة لدجاجة فصارت فرخا ، فأكله ، أو أقسم على عدم أكل حبات من القمح فزرعت ، وأكل من ثمرها .
قال الشافعي ، وأحمد ، ومالك ، وأبو حنيفة : لا يحنث ؛ لتغير صفة المحلوف عليه (1) .
القسم الثاني : أن تتغير صفة المحلوف عليه مع بقاء أجزائه ، ومثله أن يحلف على عدم أكل رطب نخلة فيصبح هذا الرطب تمرا ، أو أن يقسم على أن لا يكلم صبيا فصار شيخا ، أو أن لا يأكل الحَمَل فصار كبشا ، أو لا يأكل حبات قمح فصارت خبزا .
فهل يحنث إن أكل التمر ، أو كلم الشيخ ، أو أكل الكبش ، أو الخبز الذي كان قمحا ، مخالفا ما أقسم عليه ؟ .
اتفق الفقهاء على أنه يحنث في هذه الحال لتعيينه المحلوف عليه (2) .
القسم الثالث : تبدل المحلوف عليه بالإضافة ، كأن يقسم على عدم أكل تمر لزيد ، فانتقلت ملكية التمر إلى عمرو ، فأكل الحالف منه ، أو يحلف لا يكلم زوجة فلان ، فصارت بعد موته ، أو طلاقها منه زوجة رجل آخر ، فهل يحنث بأكل التمر ، أو بتكليمه المرأة ؟ .
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يحنث (3) .
__________
(1) النووي ، المجموع ، 8/ 143 .
(2) القطب ، شرح النيل ، 4/ 299 ، وابن قدامة ، المغني ، 8/ 555 .
(3) ابن قدامة ، المغني ، 8/ 554 . (1/72)
صفحة 73
القسم الرابع : أن تتغير صفة المحلوف عليه بما يزيل اسمه ثم عادت إليه صفته من جديد ، كأن يحلف على عدم دخول دار فتهدمت ، ثم أعيد بناؤها ، فالحالف إذا فعل المحلوف عليه حنث ؛ لأن أجزاء الدار موجودة ، فكأنها لم تتغير .
القسم الخامس : أن تتغير صفة المحلوف عليه بما لم يزل اسمه ، كأن يحلف على عدم أكل لحم شاة معينة ، فشوي لحمها ، أو طبخ ، أو قلي ، فإن الحالف يحنث في هذه إن خالف ما حلف عليه ، وأكل منها .
الركن الثالث :
اللفظ المستعمل في القسم وشروطه
تتعدد الألفاظ التي اعتاد الناس على استخدامها في أيمانهم وتختلف ، وبالتالي اختلف الحكم الشرعي ـ عند الفقهاء ـ من حيث جواز الحلف بهذا اللفظ ، أو ذاك ، أو عدم جوازه ، وهذا الخلاف تظهر ثمرته في وجوب الكفارة أو عدم وجوبها ؛ كما سنرى ، لأن بعض الألفاظ لا تنعقد به اليمين عند بعض المذاهب وتنعقد به عند آخرين .
وعلى ذلك نستطيع أن نقسم ألفاظ ، وصيغ اليمين ، إلى قسمين ، فهي إما أن تكون : ألفاظا تنعقد بها اليمين ، أو ألفاظا لا تنعقد بها اليمين .
والآن نشرع في بيان الألفاظ التي تدخل تحت كل قسم من هذين القسمين .
أولاً : أن يحلف بالله أو باسم من أسمائه ، أو بصفة من صفاته ، سبحانه وتعالى ، كقول الحالف : والله ، أو بالله ، أو تالله ، أو وأيم الله ، أو لعمر الله ، أو وقدرة الله ، أو وعلم الله ، أو وحياة الله ، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى .
قال الإمام السالمي :
عقدٌ به يمتنع المكلفُ عن فعل ما يقصدُ هو الحلفُ
يكونُ حقاً وهو اليمينُ باللهِ أو صِفاتِهِِ تكونُ (1) .
__________
(1) الإمام نور الدين السالمي ، جوهر النظام ، ص 157 . (1/73)
صفحة 74
قال القطب (1) ـ رحمه الله ـ : " من حلف بالله أو صفاته ، لزمته مرسلة إذا حنث " (2) .
قال الإمام الشّافعي : " ومن حلف بِاللَّهِ ، أَوِ بِاسْمِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ ، فَحَنث ، فَعَلَيْهِ الكُفَّارَةُ " (3) .
وفي المغني : " أجمع أهل العلم على أن من حلف بالله عز وجل ، فقال : والله ، أو بالله ، أو تالله ، فحنث أن عليه الكفارة " (4) ، وفي الهداية : " واليمين بالله تعالى ، أو باسم آخر من أسماء الله تعالى ، كالرحمن ، والرحيم ، أو بصفة من صفاته التي يحلف بها عرفا ، كعزة الله ، وجلاله ، وكبريائه " (5) . وفي المبدِع : " اليمين التي تجب فيها الكفارة بشرط الحنث هي : اليمين بالله تعالى أو صفة من صفاته " (6) .
__________
(1) العلامة الشيخ / أمحمد بن يوسف أطفيش اليسجني الحفصي [ 1237ـ 1332 هـ ] ، ولد بمدينة غرادية شمال صحراء الجزائر ، وتوفي بها . ظهرت على الشيخ معالم النبوغ منذ صغره فجلس للتدريس وعمره لم يتجاوز السادسة عشرة ، وقد كَّون الشيخ مدرسة علميِة واسعة ، امتدت ما يقرب من قرن من الزمان ، داخل حدود المغرب العربي وخارجه ، وتخرج على يديه عدد من الدعاة والعلماء . وللشيخ العديد من المؤلفات منها : تفسير هيميان الزاد إلى دار المعاد ، وتيسير التفسير ، وكتاب شرح النيل وشفاء العليل . أنظر : معجم أعلام الإباضية ( قسم المغرب ) ، الأستاذ / محمد بن موسى بابا عمي وآخرون ، مراجعة ، د/ محمد صالح ناصر ، (جمعية التراث ـ القرارة ـ الجزائر ) ، الطبعة الثانية ، 1420 هـ / 1999 م ، 2/ 399 .
(2) الإمام القطب ، الجامع الصغير ، 3/ 236 .
(3) الشافعي ، الأم ، 7/ 67 .
(4) ابن قدامة ، المغني ، 9/394 .
(5) برهان الدين المرغياني ، مرجع سابق ، 2/ 356 .
(6) المبدع شرح المقنع ، 8/ 59 . (1/74)
صفحة 75
والحقيقة أن بعض هذه الألفاظ مختلف في انعقاد اليمين بها ـ كما أشرنا سابقا ـ ، بل لا يعتبرها البعض من ألفاظ اليمين ، فعند الشيعة الإمامية ـ مثلا ـ ، لا تنعقد اليمين إلا بالله ، أو اسم من أسمائه التي لا يشاركه فيها غيره . أو مع إمكان المشاركة ينصرف إطلاقها إليه (1) ؛ إذ يقسم الفقهاء أسماء الله وصفاته ، إلى ثلاثة أقسام ، وكل قسم من هذه الأقسام يرتبط به حكم خاص .
أول هذه الأقسام : ما لا يسمى بها غيره سبحانه ، نحو قوله : والله ، أو والرحمن ، أو والأول الذي ليس قبله شيء ، أو والآخر الذي ليس بعده شيء ، أو ورب العالمين ، أو ومالك يوم الدين ، أو والحي الذي لا يموت ، ونحو هذا .
وقد اتفق فقهاء المذاهب الإسلامية على انعقاد اليمين بهذه الألفاظ ، وعلى من حنث الكفارة ، قال الإمام نور الدين السالمي :
يكونُ حقاً وهو اليمينُ باللهِ أو صِفاتِهِِ تكونُ (2) .
__________
(1) شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام ، أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسين( المحقق الحلي ) [ ت 676 هـ ] ، تحقيق/ عبد الحسين محمد علي ، ( دار الأضواء ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1389 هـ/ 1969 ،الجزء الثالث ، ص 169 .
(2) السالمي ، جوهر النظام ، 157 . (1/75)
صفحة 76
والثاني : ما يسمى الله تعالى به مجازا ، وإطلاقه ينصرف إليه سبحانه وتعالى ، مثل : الخالق ، والرازق ، والرب ، والرحيم ، والقادر ، والقاهر ، والملك ، والجبار ، ونحوه ، فهذا يسمى الله به مجازاً ، بدليل قول الله تعالى : { وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً } (1) ، وقوله تعالى : { قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ } (2) ، وقوله عز وجل : { فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفا } (3) ، وقوله سبحانه وتعالى : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ } (4) .
وكل هذه الألفاظ تنعقد بها اليمين مطلقا ، وقيل : إن أطلق ولم يقيد كانت يمينا .الثالث : ما يسمى به الله تعالى وغيره ولا ينصرف إليه بإطلاقه ، كالحي ، والعالم ، والموجود ، والمؤمن ، والكريم ، والشاكر . وقالت الشيعة الإمامية : " لا تنعقد اليمين بهذا القسم من الأسماء ولو نوى بها اليمين ، لأنها مشتركة فلم يكن لها حرمة القسم " (5) .
واستثنى الحنفية ( علم الله ) ، فإنه لا يكون يمينا عندهم ؛ قالوا : لأنه غير متعارف ، ولأنه يُذكر ويراد به المعلوم ، بقال : اللهم اغفر علمك فينا ، أي : معلوماتك " (6) .
في قول الحالف : لعمر الله ، أو وأيم الله :
قال جمهور الإباضية : لعمر الله ، وأيم الله يمينان (7) ، وبه قال أبو حنيفة ، ومالك ، وأحمد بن حنبل (8) .
__________
(1) العنكبوت ، الآية 17 .
(2) يوسف ، الآية 50 .
(3) النساء ، الآية 8 .
(4) التوبة ، 128 .
(5) جعفر بن الحسين ، مرجع سابق ، 3/169 .
(6) المرغيناني ، مرجع سابق ،2/ 356 .
(7) الجناوني ، الوضع ، ص 236 .
(8) مجمع الأنهر ، 2/ 268 ، والكافي ، أبو محمد موفق الدين عبدالله بن قدامة المقدسي ، تحقيق/ زهير الشاويش ، ( المكتب الإسلامي ـ بيروت ) ، الطبعة الخامسة ، 1408هـ/ 1988م ، الجزء الرابع ، ص 378 . (1/76)
صفحة 77
وقال الشافعي ، والثميني ، والقطب ، وابن بركة ، والشقصي : أيم الله بمعنى لعمر الله ، إن لم يرد بها يمينا ، فليست بيمين (1) ، وهي رواية عن الإمام أحمد (2) .
وإن قال : لعَمْري ، أو لعَمْرك ، أو عَمْرِك ، فليس بيمين في قول أكثرهم ، لأنه أقسم بحياة مخلوق ، فلم تلزمه كفارة كما لو قال وحياتي ؛ لأن هذا اللفظ يكون قسما بحياة ، الذي أضيف إليه العمر ، فإن التقدير لعمرك قسمي (3) .
في قول الحالف : أقسم أو أشهد أو أعزم أو أحلف :
ذهب جمهور الإباضية (4) ، وأبو حنيفة ، وأحمد ، والثوري ، والأوزاعي ، وإبراهيم النخعي ، إلى أن أقسم وأشهد وأعزم وأحلف كلها أيمان (5) . وقد روي عن البراء بن عازب أنه قال : أمرنا رسول الله بإبرار القسم . وهذا يدل على إباحة القسم ، وأنه يمين (6) .
وقال زفر : إذا قال : أقسم لأفعلن فهو يمين ، ولو قال : أشهد لأفعلن لم يكن يمينا (7) .
__________
(1) الشافعي ، الأم ، 7/ 67 ، والثميني ، التاج ، 3/ 109 ، والقطب ، الجامع ، 3/ 234 ، والشقصي ، المنهج ، 6/ 234.
(2) 10) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ، 11/ 5 .
(3) الكندي ، المصنف ، 9/ 57 .
(4) أبو الحسن البسيوي ، المختصر ، ص 131 والقطب ، المرجع السابق 4/ 286 ، والشقصي ، المنهج ، 6/ 234.
(5) أبو جعفر، أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي [ ت 321 ] ، شرح معاني الآثار ، تحقيق/ محمد زهري النجار ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1399هـ ، الجزء الرابع ، ص271 .
(6) الطحاوي ، المرجع السابق ، 4/ 271 .
(7) السرخسي ، المبسوط ، 8/ 133. (1/77)
صفحة 78
وقال مالك ، والثميني في التاج ، والشقصي : إن أراد بقوله أقسم ، أي : أقسم بالله فهو يمين ، و إلا فلا شيء عليه ، وكذلك القول في أحلف ، ولو قال : أعزم ، لم يكن يمينا ، إلا أن يقول أعزم بالله (1) .
وذهب الشافعي إلى القول ، بأن أقسم ليس بيمين ، وأقسم بالله يمين إن أرادها ، وكذلك القول في أشهد بالله ، وأحلف بالله (2) .
وذهب ابن حزم ، إلى أن هذه الألفاظ ليست أيمانا ؛ لأن الأيمان عنده ما ورد فيها نص من قرآن
أو سنة . حيث قال : " وأما اليمين بعظمة الله وإرادته وكرمه وحلمه وحكمته وسائر ما لم يأت به نص فليس شيء من ذلك يمينا لأنه لم يأت بها نص فلا يجوز القول بها " (3) .
__________
(1) أبو بكر الكشناوي ، أسهل المدارك ، ص 20 ، وعبد العزيز الثميني ، مرجع سابق ، 3/ 109 ، وخميس الشقصي ، المرجع السابق ، 6/ 282 .
(2) الشافعي ، الأم ، 7/ 68 .
(3) ابن حزم ، مرجع سابق ، 8/ 31 . (1/78)
صفحة 79
وقال أبو نوح صالح الدهان (1) : حلفت : يمين ، وقال أبو عبيدة (2) : ليست بيمين (3) .
وورد أن قول الحالف : أقسمت عليك : يمين عند الإمام جابر (4) ، في حين أنها ليست يمينا عند البسيوي ، وقال الشماخي في الإيضاح : إن أراد به اليمين فهو يمين (5) .
القسم الثاني : أن يحلف بما يخرج مخرج الإلزام الواقع بشرط ، كأن يحلف : بالحج أو المشي إلى بيت الله الحرام ، أو حلف بالصدقة ، أو العتق ، أو الصلاة ، أو الصيام ، أو الاعتكاف ، أو العهد ، أو الميثاق .
في الحلف بالحج أو الصيام أو نحو ذلك :
وأما اليمين بالمشي إلى مكة ونحو ذلك فقد اختلف الفقهاء في حكمها .
__________
(1) هو أبو نوح صالح بن نوح الدهان ، أحد علماء القرن الأول الهجري ، أخذ العلم عن الإمام جابر بن زيد وغيره ، ويعتبر من أكابر شيوخ الإمام أبي عبدة مسلم بن أبي كريمة ، ويروى أنه عاصر فتنة الصحابة . أنظر : معجم أعلام الإباضية ( قسم المشرق ) ، رقم الترجمة 472 .
(2) هو الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، مولى بني تميم ، ويقال أنه كان مولى لعروة بن أدية التميمي ، ولد بالبصرة وعاش بها ، ويقال إنه كان زنجيا أسود اللون ، أعور ، وقد عمي آخر عمره ، عاش فقيرا يقتات على صنع القفاف ؛ لذلك سُمي القفاف . أحذ أبو عبيدة العلم على الصحابي صحار العبدي ، والإمام جابر بن زيد ، وجعفر بن السُماك ، وضُمام بن السائب ، ثم أصبح بعد ذلك إمام الإباضية ومفتيهم ، بل هو أشهر أئمتهم في مرحلة الكتمان ، وتوفي رحمه الله حوالي سنة 145هـ . راجع : منهج الدعوة عند الإباضية ، محمد صالح ناصر ، ( جمعية التراث ـ القرارة ، الجزائر ) ، 1422هـ / 2001 ، ص 117 .
(3) أحمد الكندي ، المصنف ، 9/ 54 .
(4) الكندي ، المرجع السابق ، 9/ 57 .
(5) أبو الحسن البسيوي ، الجامع ، 4/ 213 ، والشماخي ، مرجع سابق ، 4/ 49 . (1/79)
صفحة 80
قال فريق من الفقهاء : عليه أن يفي بما حلف عليه . قال بذلك جابر بن زيد - رضي الله عنه - ، والإباضية ، ومالك ، وأبو حنيفة (1) ، وروى مالك مثله عن سعيد بن المسيِّب . فقد روي عن جابر بن زيد
أنه كان يقول : " من ألزم لنفسه شيئا ألزمناه له " (2) .
وذكر عن عطاء ، أنه قال : " من حلف بالمشي ، أو الهدي ، أو هو محرم بحجة ، أو عليه بَدَنَة ، ثم حنث ، فلكل واحدة من هذه كفارة يمين (3) .
وتجزئه كفارة يمين عند الشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وأبي ثور (4) ، وقال ابن المسيِّب والقاسم ابن محمد ، وأبو يوسف ، ومحمد بن الحسن : لا شيء عليه (5) .
ثالثاً : أن يحلف بما يخرجه من الإسلام ، كأن يقول : هو مشرك ، أو يهودي أو نصراني أو هو من المشركين أو من المنافقين ، أو هو يعبد الشمس أو الجمجمة أو يعبد النار أو الشيطان أو نحو ذلك .
ومنه الحلف باللعن والتقبيح كقوله : لعنه الله أو أخزاه الله أو قبح الله وجهه أو مقته أو أدخله الله النار في الآخرة . قال مالك في الرجل يقول كفر بالله أو أشرك بالله ثم يحنث : انه ليس عليه كفارة وليس بكافر ولا مشرك حتى يكون قلبه مضمرا على الشرك والكفر وليستغفر الله (6) .
أولا : في قول الحالف : هو يهودي أو نصراني أو نحو ذلك :
__________
(1) مالك بن أنس ، الموطأ ، ص 339 ، وأبو بكر الجصاص ، مختصر اختلاف العلماء ، 3/ 252، ومحمد أطفيش ، شرح النيل ، 4/ 278 .
(2) الشماخي ، الإيضاح ، 2/ 363 .
(3) القرطبي ، 6/ 272 .
(4) القرطبي ، 6/ 272 .
(5) القرطبي ، 6/ 272 ، والسرخسي ، المبسوط ، 8/ 232 .
(6) مالك بن أنس ، الموطأ ، 341 . (1/80)
صفحة 81
قال الإباضية ، وأبو حنيفة ، والثوري ، وأحمد : هو يمين وإن حنث فعليه الكفارة (1) . وأوجب جمهور الإباضية فيها كفارة مغلظة* ؛ وقال ابن بركة ، وعزان بن الصقر ، وأبو الحواري : تلزمه كفارة مرسلة (2) .
وقال مالك ، والشافعي : ليس بيمين ، وهو مذهب الظاهرية (3) .
قال مالك في الرجل يقول كفر بالله أو أشرك بالله ثم يحنث : إنه ليس عليه كفارة وليس
بكافر ولا مشرك حتى يكون قلبه مضمرا على الشرك والكفر وليستغفر الله ولا يعد إلى شيء من ذلك (4) .
ثانيا : في قول الحالف : هو ملعون أو قبح الله وجهه أو نحو ذلك :
اختلف في كفارة اللعن والقبح إذا أريد بهما اليمين ، قيل : كفارة مغلظة على التخيير وقال به الثميني في التاج (5) ، والقطب في الجامع ، وموسى بن علي ، والجناوني (6) ، وابن محبوب ، وأبو المؤثر في التاج (7) . قال الإمام الثميني : " ومن رأي أهل عمان في اللعنة التغليظ " (8) .
__________
(1) تحفة الفقهاء ، علاء الدين السمرقندي ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1405هـ/ 1984م ، الجزء الأول ، ص 300 .
(2) * الكفارة المغلظة : عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا . وهي تجب في : قتل النفس والظهار والإفطار في نهار رمضان متعمدا .
(7) ابن بركة ، الجامع ، 2/85 ، والقطب، الجامع ، 3/239 ، والجناوني ، الوضع ، ص237، والبسيوي ، الجامع ، 4/212 .
(3) أبو بكر الكشناوي ، مرجع سابق ، ص 21 ، وأبو بكر الجصاص ، مختصر اختلاف العلماء ، 3/ 239 ، وابن حزم الظاهري ، المحلى 8/ 30 .
(4) مالك بن أنس ، مرجع سابق ، 341 .
(5) قال الثميني في التاج 3/ 112 : ولا يلزمه ما حلف عليه إن حنث وهو قول الأكثر .
(6) الجناوني ، الوضع ، 237 .
(7) الثميني ، المرجع السابق ، 3/ 112 ، والجناوني ، المرجع السابق ، والقطب ، الجامع الصغير ، ص 239 .
(8) الثميني ، المرجع السابق ، 3/ 112 . (1/81)
صفحة 82
وقيل : مرسلة ، وهو قول أبي سعيد الكُدمي ، وابن بركة ، ومروان بن راشد في ، وعزان بن الصقر ، وأبي الحواري ، والبسيوي ، والشماخي (1) .
الحلف بالأمانة :
قال الإباضية: الحلف بالأمانة يمين (2) . واختلف الأصحاب في كفارتها ، فقال بعضهم : كفارة مغلظة وهو قول الأكثر ، وقال الإمام ابن بركة ـ كما هو معرف عنه ـ إلى أنها مرسلة (3) ؛ إذ هو لا يقول بالتغليظ في كفارة اليمين ، عملا بظاهر النصوص .
وذهب الشافعي ، والحنفية ، وابن حزم ، إلى أنها ليست يمينا (4) .
الحلف بحق الله :
قال الإباضية ، والمالكية ، الشافعية ، والحنابلة ، وأبو يوسف من الحنفية : هو يمين ، وفيه الكفارة (5) . واختلف الإباضية في كفارتها :
قال الإمام الربيع : يمينان مرسلتان (6) . وقيل : هي مرسلة وهو مذهب ابن بركة (7) ، وقيل : هي مغلظة (8) .
وقال أبو حنيفة ، ومحمد بن الحسن ، وابن حزم : ليست بيمين ولا كفارة عليه فيها (9) .
الحلف بتحريم الحلال :
الحالف بتحريم الحلال إما أن يخص به سوى الزوجة ، أو إنه يرسل فيُدخل الزوجة وملك اليمين في ذلك ولكل حكمه عند الفقهاء .
__________
(1) الثميني ، المرجع السابق ، 3/ 112 ، وأبي سعيد الكُدمي ، الجامع المفيد ، 2/ 63 ، وابن بركة ، الجامع ، 2/ 85 ، والشماخي ، الإيضاح ، 4/ 48 ، والبسيوي ، الجامع ، 4/ 212 .
(2) القطب ، الجامع ، 3/ 239 .
(3) ابن بركة البهلوي ، المرجع السابق ن 2/ 85 .
(4) الشافعي ، الأم ، 7/ 67 ، وأبو بكر الجصاص ، مرجع سابق ، 3/ 240 ، وابن حزم ، المحلى 8/ 30 .
(5) منهج الطالبين ، الشقصي ، 6/ 234 ، والقطب ،شرح النيل ، 4/ 279 ، وأسهل المدارك ، ص 21، والحاوي الكبير ، 15/ 275 ، والإنصاف ، 11/ 5 ، وتحفة الفقهاء ، 2/ 298.
(6) القطب ، المرجع السابق ، 4/ 279 .
(7) ابن بركة ، الجامع ، 2/85 .
(8) القطب ، المرجع السابق ، 4/ 280 .
(9) أبو بكر الجصاص ، المرجع السابق ، 3/ 240 . (1/82)
صفحة 83
فإن كان التحريم يتناول ما سوى الزوجة ، فقد اختلفوا في اعتباره يمينا :
قال الإباضية ، والثوري ، والحنفية ، والأوزاعي : هو يمين ، وإن حنث فعليه الكفارة (1) .
واختلفوا في كفارتها ، فقال جمهور الفقهاء : يمين مرسلة ، وبه أخذ ابن بركة ، والثميني وأبو الحسن البسيوي ، من الأصحاب (2) .
وقال جمهور الأصحاب : هي كفارة مغلظة (3) .
وقال مالك : لا يكون الحرام يمينا في طعام ، ولا في شيء إلا في المرأة (4) .
وقال الشافعي : إذا قال : كل ما أملك عليّ حرام وهو يعني : امرأته وجواريه ، كفَّر عن المرأة
والجواري كفارة واحدة ، ولم يكفر عن ماله (5) . أي : إن تحريم الحلال يجري على المرأة وملك اليمين ولا يجري على بقية المال .
وقال ابن حزم : الحلف بتحريم الحلال لا يعد يمينا (6) .
أما إذا أراد به بتحريم زوجته فقد اختلف الفقهاء في حكمه على أقوال :
قال الإباضية : وجبت عليه مرسلة إن مس ، وإن لم يمس حتى مضت أربعة أشهر خرجت بالإيلاء . قال القطب : " وعلى هذا اعتماد أصحابنا " (7) .
وقيل : تقوم مقام ثلاث تطليقات ، وهو ظاهر مذهب مالك (8) .
وقيل : تقوم مقام تطليقة واحدة (9) .
__________
(1) الشماخي ، مرجع سابق ، 4/ 49 ، والدلائل في اللوازم والوسائل ، درويش بن جمعة بن عمر المحروقي [ ت 1086هـ ]، ( مكتبة الضامري ـ سلطنة عمان ) ، الطبعة الخامسة ، 1416هـ/ 1996م ، ص 137 ، الجصاص ، المرجع السابق ، 3/ 241 .
(2) ابن جعفر ، الجامع ، 3/ 434 ، والكُدمي ، الجامع ، 2/ 63 ، وابن بركة ، 2/ 85 ، والبسيوي ، الجامع ، 4/ 213 .
(3) الشقصي ، مرجع سابق ، 6/ 243 ، والقطب ، شرح النيل ، 4/ 287 .
(4) القوانين الفقهية ، ص 165 .
(5) الشافعي ، الأم 7/ 70 .
(6) ابن حزم ، مرجع سابق ، 8/ 30 .
(7) القطب ، الجامع الصغير ، 3/ 242 .
(8) مالك بن أنس ، مرجع سابق ، 340 .
(9) الجامع الصغير ، 3/ 242 . (1/83)
صفحة 84
وقيل : هذا ظهار ، وإن نوى بتحريمها الطلاق ، ومس قبل المراجعة حرمت عليه (1) .
وقيل : كفارة مرسلة مس أو لم يمس ، ولا تخرج بالإيلاء (2) .
المبحث الرابع
الأصل الذي تبنى عليه اليمين
الأصل الذي تبنى عليه اليمين عند الإباضية (3) :
مرجع اليمين ـ عند الإباضية ـ مبني على ثلاثة أصول : المقاصد والعادة واللفظ . لكن بعضهم يقدم بعض الأصول على البعض الآخر ، فالبعض يقدم المقاصد على غيرها من الأصول ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : (( إنما الأعمال بالنيات )) (4) ، ثم العادة إن لم يكن له مقصد وتقدم عليها المقاصد فيما لم يتعلق به الحق ، وصحح هذا القول الإمام القطب في الشرح ، حيث قال : " واليمين على المقاصد وهي المعتبر على الأصح " (5) .
والبعض الآخر يقدم اللفظ مطلقا . قال الإمام أبو سعيد : " أصحابنا يقولون : الأيمان تجري على معنيين : المعنى ، والتسمية " (6) .
ويمكن أن نلحظ ثمرة هذا الخلاف من خلال المسائل والأحوال التي تجري عليها اليمين ، فمن حلف لا يدخل بيتا ، حنث إن دخل مسجدا ، أو بيتا من قصب ، بناء على اللفظ ؛ لأن المسجد في أصل اللغة بيت ، وفي بيت الشعر ، أو الصوف ، أو الجلد ونحو ذلك ، قولان ، ورجح القطب الحنث به (7) .
__________
(1) الجامع الصغير ، 3/ 242 .
(2) الجامع الصغير ، 3/ 242 .
(3) عبد العزيز الثميني ، التاج ، 3/ 128 ، وابن بركة ، الجامع ، 2/ 90 ، والشماخي ، الإيضاح ، 3/ 57 .
(4) سبق تخريجه في ص 44 .
(5) القطب ، شرح النيل ، 4/ 304 .
(6) بيان الشرع ، 26/ 7 .
(7) شرح النيل ، 4/ 305 . (1/84)
صفحة 85
وإن حلف لا يأكل اللحم ، لم يحنث إن أكل سمكا بالعرف والعادة ، وقد يكون السمك في عرف قوم وعادتهم لحما فيعترف كل أحد عرف نفسه ، ولزمه بمقتضى اللفظ عند من قال : اليمين على اللفظ . وإن حلف لا يأكل السمك حنث بالقاشع (1) ، وقيل : لا , وقال محمد بن محبوب : من حلف على اللحم لا يأكل الطري من السمك ، كأنه أعمل حقيقة اللفظ ، وقال في محل آخر : إن السمك ليس من اللحم إلا إن نواه (2) ، كأنه أخذ بالعرف وعادة الناس ، وقال القطب : " والحق أنه منه لنص القرآن ، إلا إن نوى الحالف خروجه ، أو اعتاد أنه لا يسمى لحما " (3) .
وعلى مقتضى اللفظ ، من حلف أن يضرب غلامه لم يحنث إن ضربه بعد موته ، أو في حال لا يحس فيها بالضرب ولا يتألم به ، كالسكران الذي لا يتألم باعتبار الأخذ باللفظ ؛ إذ لا يشترط في مفهوم الضرب التألم ، وقد قال الله جل وعلا : { أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ } (4) ، والحجر والبحر لا يتألمان ، ويحنث على اعتبار العرف والعادة وهو مختار صاحب " التاج " (5) . والله أعلم بالصواب .
الأصل الذي تبنى عليه اليمين عند المالكية (6) :
الأصول المعتبرة في الأيمان ـ عند المالكية ـ خمسة وهي: النية ، ثم الباعث ، ثم العرف ، ثم الوضع ، هكذا بالترتيب كما جاءت في كتاب أسهل المدارك ، ويقصد بالوضع : الوضع الشرعي ، ثم الوضع اللغوي .
__________
(1) هو سمك السردين المجفف في عرف أهل عُمان .
(2) الثميني ، التاج المنظوم ، 3/ 138 .
(3) القطب ، شرح النيل ، 4/ 306 .
(4) سورة الأعراف ، 160 .
(5) القطب ، شرح النيل ، 4/ 306 ، والشماخي ، مرجع سابق ، 4/ 57 .
(6) القوانين الفقهية ، ص 166 ، وأسهل المدارك ، ص 23 ، والروضة الندية ، ص 248 . (1/85)
صفحة 86
الأصل الأول : النية وتقدم في الاعتبار على جميع الأصول ، وهي تخصص لفظ العام وتقيد لفظ المطلق وتبين المجمل . فمثال العام ـ وهو اللفظ الذي يستغرق الصالح له من غير حصر (1) ، مثل أن يقول : والله لا آكل سمناً ، فلفظ السمن عام يتناول جميع أفراده كسمن الضأن وسمن البقر وسمن الجمال ونحو ذلك ، فإن نوي بيمينه هذا تخصيص ذلك العام فلا يخلو :
إما أن ينوي منع نفسه من أكل سمن الضأن فقط وإباحة أكل غيره من سمن البقر والجمال ونحوها ، أو ينوى منع نفسه من أكل سمن الضأن ولم يلاحظ إباحة غيره ، والنية تنفعه في الحالتين عندهم .
فأما في الحالة الأولى فإن النية تنفع فيها بلا خلاف ، لأنها قد خالفت ما يقتضيه لفظ العام حقيقة لأن لفظ العام يقتضي أنه حظر على نفسه أكل السمن بجميع أفراده ، والنية تقتضي أنه أباح لنفسه أكل ما عدا سمن الضأن وبينهما منافاة حقيقية .
وأما في الحالة الثانية فإن النية تنفع فيها على المعتمد ، وذلك لأنها خصت لفظ العام بالمعنى الخاص ، فعبر بالعام وهو لفظ السمن عن معنى الخاص وهو سمن الضأن ، ولا منافاة بين العام وأفراده ، لأن سمن الضأن وهو الخاص فرد من أفراد السمن وهو العام ، ولا منافاة بين العام وأفراده ، ولكن بينهما مغايرة وهي كافية ، فلا تشترط المنافاة الحقيقية على المعتمد .
ومثال المطلق كقوله : والله لا أكلم رجلاً ونوى رجلاً جاهلاً أو في المسجد ، فإنه لا يحنث إذا كلم رجلاً عالماً أو في غير المسجد . وكذا من حلف لأُكرمنَّ رجلاً ونوى به زيداً لا يبر بإكرام غيره ؛ لأن رجلاً مطلق وقيده بخصوص زيد فصار معنى اليمين لأُكرمنَّ زيداً ، ومثال المجمل أن يقول : زينب طالق وله زوجتان اسم كل منهما زينب ، فلفظه مجمل فإذا قال : أردت زينب بنت فلان فإنها هي التي تطلق .
__________
(1) المأمول في علم الأصول ، يوسف حسن الشراح ، ( مجلس النشر العلمي ـ جامعة الكويت ) ، 2003م ، ص 108 . (1/86)
صفحة 87
الأصل الثاني: بساط اليمين : وهو السبب الحامل على اليمين . فإذا عدمت النية الصريحة ، أو لم تنضبط يعتبر سبب اليمين ، لأنه في حكم النية فيخصص العام ويقيد المطلق كالنية ، ويمثلون له : بمن وجد الزحام على الجزار ـ مثلا ـ فحلف أن لا يشترى لحماً في ليلته ثم اشترى بعد أن انفض الزحام أو من جزار آخر لا زحام عنده فإنه لا يحنث ، لأن سبب اليمين يخصصه بالزحام . وكذا إذا سمع طبيباً يقول : أكل لحم الحيوان المريض ضار فحلف أن لا يأكل اللحم فلا يحنث بأكل لحم السليم ، لأن سبب اليمين خاص بالمريض ، وكذا إذا كان شخص يأخذ من الناس زكاة مالهم لينفقها على الفقراء فقيل له : أنت تفعل ذلك لتأخذ منه لنفسك ، فحلف أنه لا يزكى ولم ينو شيئاً فإنه لا يحنث إذا أخرج زكاة ماله ، وإنما يحنث بتزكيته للناس .
الأصل الثالث : العرف ، وهو قسمان : عرف قولي ، وعرف فعلي ؛ فالعرف القولي هو الذي ينصرف إليه القول عند الإطلاق في العرف ، كلفظ الدابة المختصة في العرف بالحمار ، والثوب المختص بالقميص ، فمن حلف لا يشتري دابة لا يحنث بشراء الفرس ، وإنما يحنث بشراء الحمار ، أو حلف لا يشتري ثوباً فاشترى عمامة فإنه لا يحنث .
وأما العرف الفعلي فهو ما تعارف الناس على استعماله ، فإذا حلف لا يأكل خبزاً ، وكان المتعارف عند أهل البلد أنهم لا يأكلون إلا الشعير ، ولفظ الخبز يتناول الشعير والقمح ، فإنه لا يحنث بأكل القمح ؛ لأن العرف الفعلي يخصه بالشعير ، وقيل : إن العرف الفعلي لا يخصص فيحنث بأكل القمح : والظاهر الأول ، وإنما يعتبر العرف إذا عدمت النية والبساط ، وهو مقدم على المدلول الشرعي و المدلول اللغوي . قال في الروضة : " فلو فرض أن عرفه فيما حلف عليه مخالف لاسمه اللغوي أو الشرعي ، كان العرف مقدما " (1) .
__________
(1) أبو الطيب القنوجي ، مرجع سابق ، ص 248 . (1/87)
صفحة 88
الأصل الرابع : المدلول الشرعي ، فمن حلف لا يصلى ، أو لا يتطهر ، أو لا يزكي حملت على الأركان الشرعية لا على اللغوية ، فيحنث إذا صلى الظهر أو العصر وهكذا ، ويقدم المدلول الشرعي على اللغوي على الراجح عندهم .
الأصل الخامس : المدلول اللغوي ، فمن حلف لا يركب دابة حنث بركوب أي حيوان يدب على وجه الأرض ، ولو التمساح ، وكذا من حلف لا يلبس ثوباً ، فإنه يحنث بلبس العمامة ، وإنما يعتبر المعنى اللغوي عند عدم وجود أصل من الأصول المتقدمة .
الأصل الذي تبنى عليه اليمين عند الحنفية (1) :
الأصل الأول : العرف ، وهو الأصل العام الذي تبنى عليه الأيمان عندهم فيقدم على جميع الأصول المذكورة، وتوضيح ذلك أن اللفظ المذكور في اليمين ينظر إلى معناه المتعارف عند الناس ، سواء كان عرفاً خاصاً أو عاماً بقطع النظر عن معناه اللغوي أو الشرعي ، مثال ذلك أن يقول : والله لا آكل رأساً فيحنث إذا أكل رأساً من الرؤوس التي جرت العادة بيعها في الأسواق كرؤوس الغنم والبقر وهكذا ، وهو المعنى الذي يقصده الناس من لفظ الرؤوس التي تؤكل . فلا يحنث بأكل رأس الطير كالبط والإوز ولا بأكل رأس العصافير ولا بأكل رأس السمك إلا إذا اصطلح الناس على بيعها في الأسواق وحدها ، مع أن لفظ الرأس في اللغة يطلق عليها ويعمها ولكن هذا المعنى اللغوي لا يعتبر، بل المعتبر هو المعنى العرفي .
الأصل الثاني : النية ، وهي تعمل في الملفوظ لتعين بعض ما يحتمله اللفظ ولو لم يكن متعارفاً، كما إذا حلف لا يهدم بيتاً ونوى بيت العنكبوت فإنه يحنث إذا هدمه ، وإن لم يكن بيتاً في العرف ولكن الحالف نوى ما يحتمله اللفظ فيعمل بنيته .
الأصل الثالث : المعنى اللغوي ، وهو لا يعتبر مع العرف إلا إذا وقع مشتركاً بين اللغة والعرف ، فيعتبر المعنى اللغوي على أنه من العرف ، ومثله المعنى الشرعي كما تقدم بيانه .
__________
(1) حافظ الدين النسفي ، البحر الرائق ، 4/ 474 .3 (1/88)
صفحة 89
الأصل الرابع : السبب الباعث على الحلف ، فإذا حلف بسبب صفة في المحلوف عليه ثم زالت هذه الصفة فإنه لا يحنث بفعله ومثاله أن يحلف أن لا يأكل هذا العنب وهو رطب فإذا زالت رطوبته وأكله زبيباً فإنه لا يحنث أما إذا لم تزل منه صفة الرطوبة فإنه يحنث بأكله وهو ظاهر . أما إذا لم تزل هذه الصفة أو لم تكن موجودة وقت الحلف أصلاً فإنه يحنث ومثاله أن يقول: والله لا أكلم هذا الصبي فإنه يحنث إذا كلمه وهو شيخ ، أو قال : لا آكل من هذا الحمل (1) ، فإنه يحنث إذا أكله وهو كبش ، وذلك لأن صفة الصغر الموجودة في الصبي وفي الحمل لا تعتبر مع الإشارة ، ولا تعتبر إلا الذات المشار إليها وهي باقية في الصغر والكبر، فلم تكن موجودة وقت الحلف بهذا الاعتبار فلا ينظر إليها في اليمين فإذا كان الباعث له على اليمين سبباً آخر سوى الصغر فإن يمينه ينصرف إليه. وهذا يشبه بساط اليمين عند المالكية .
الأصل الذي تبنى عليه اليمين عند الشافعية (2) :
الأيمان ـ عند الشافعية ـ إن كانت بالله تعالى فإنها تبنى على العرف فيحمل اللفظ فيها على معناه المتعارف ولو كان مجازاً، سواء كان مجازاً متعارفاً أو لا. أما إذا كان اليمين بالطلاق فإنه يبنى اللفظ فيه على معناه اللغوي ، ولا ينظر فيه للعرف ، فإذا قال : والله لا آكل من هذه الشجرة فإنه يحنث إذا أكل من ثمرها ، مع أن مدلول لفظ الشجرة الحقيقي هو الشجرة والورق ولكن هذه العبارة استعملت عرفاً في ثمر الشجرة فصارت مدلولاً لها في العرف . وكذلك إذا حلف أمير لا يبني داره يحنث إذا بناها له الغير، وكذلك إذا حلف لا يحلق رأسه فحلق له غيره بأمره ، فإنه يحنث على المعتمد نظراً للعرف ما لم ينو شيئاً آخر فيعمل بنيته .
__________
(1) الحَمَلُ بفتحتين الخروف ، والجمع حُمْلان . أنظر : مختار الصحاح ، مادة حَمَل .
(2) العزيز شرح الوجيز ، 12/ 235 ـ 243 ، السراج الوهاج على متن المنهاج ، 550 ـ 552 . (1/89)
صفحة 90
وكذا إذا حلف بالله لا يأكل هذه البيضة فبلعها بدون مضغ حنث، لأن البلع أكل في العرف أما إذا حلف بالطلاق لا يأكلها فبلعها بدون مضغ لا يحنث ؛ لأن البلع بدون مضغ لا يسمى أكلاً في اللغة . واليمين بالطلاق يبنى على اللغة لا على العرف عندهم .
أما النية فإنها معتبرة في الأيمان ما لم ينو ما لا يحتمله اللفظ، فإذا قال: بالله فعلت كذا ونوى الاستعانة بالله في فعله فإنه يقبل قوله ديانة لا قضاء، لأن التورية تصح في اليمين ما لم تكن بحضرة قاض، وإذا نوى مستحيلاً فإن النية لا تنفع كما إذا قال: والجناب الرفيع ونوى به اليمين بالله فإنه لا ينعقد ؛ لأن معنى الجناب فناء دار الإنسان (1) ، وهو مستحيل في حقه تعالى ، والنية لا تعمل في المستحيل .
وإذا حلف لا يصلي فإنه لا يحنث بصلاة الجنازة ، لأنها لا تسمى صلاة في العرف وإن كانت صلاة في الشرع ، لكن العرف مقدم في اليمين ، فلا يحنث إلا إذا صلى صلاة صحيحة ذات ركوع وسجود ، ولا يحنث بالفاسدة ، ومثلها سائر العقود ، فإذا حلف لا يفعلها ، فلا يحنث إلا بالصحيح منها ما عدا الحج ، فإنه إذا حلف لا يحج ،ثم حج حجاً فاسداً ، فإنه يحنث به .
الأصل الذي تبنى عليه اليمين عند الحنابلة (2) :
الأصل الأول : النية : ويُرجع فيها إلى نية الحالف بشرطين :
الأول : أن يكون غير ظالم وإلا فلا تعتبر نيته إن كان ظالماً بل تعتبر نية المحلف .
__________
(1) جاء في مختار الصحاح : " الجَنَابُ بالفتح الفناء وما قَرُب من محلة القوم " . أنظر : مختار الصحاح ، مادة جَنَبَ .
(2) مرعي بن يوسف الحنبلي ، دليل الطالب لنيل المطالب ، ص 270 ـ 272 ، والكافي 4/ 390 ـ 401 . (1/90)
صفحة 91
الثاني : أن يحتمل لفظه ما نواه ، فإن احتمله احتمالاً قريباً أو متوسطاً يقبل قوله ديانة وقضاء وأما إذا احتمله احتمالاً بعيداً فإنه يقبل ديانة أي فيما بينه وبين الله، أما إذا لم يحتمل لفظه ما نواه كأن حلف أن لا يأكل خبزاً ونوى بذلك أن لا يدخل بيتاً فإن نيته لا تعتبر، وما تعتبر فيه النية أنواع : منها أن ينوي بالعام الخاص، كأن يحلف لا يأكل لحماً واللحم تحته أفراد كثيرة : لحم الشاة ولحم البقر ولحم الجمل ولحم الدجاج وهكذا ، فإذا نوى باللفظ العام فرداً من هذه الأفراد تصح نيته ويقبل منه قوله، ومنها أن يحلف على فعل شيء أو تركه وينوى في وقت معين مثل أن يقول: والله لا أتغدى وينوي اليوم، أو يقول: والله ما أكلت ويريد الساعة وهكذا، فإن نيته تعتبر ويخص يمينه بذلك الوقت الذي نواه .
ومنها أن يريد بالخاص العام كما إذا قال : والله لا شربت لفلان ماء من العطش ونوى بذلك أنه لا يتناول منه شيئاً فيه منة من أكل ولبس ونقود ونحوها، فاستعمال الخاص في العام صحيح ونيته في اليمين معتبرة ، أما إذا جلس في ظل داره أو ضوء ناره لا يحنث لأن اللفظ لا يتناول مثل هذا ، وكذا إذا حلف لا يسكن مع زوجته في الدار الفلانية ولكنه نوى بذلك جفاءها وعدم معاشرتها فله نيته، لأنه أراد بالخاص العام .
الأصل الثاني : سبب اليمين ، وهذا الأصل إن لم ينو بلفظه شيئاً لا ظاهرا ولا احتمالا ، فيرجع في يمينه إلى السب الذي حمله على الحلف ، فإذا كان لشخص دين على آخر وطلبه منه بشدة فحلف له المدين أن يقضيه حقه غداً ثم قضاه قبل ذلك فإنه لا يحنث، لأن سبب اليمين يقتضي تعجيل الوفاء، والسبب يدل على النية. أما إذا لم تكن له نية وليس ليمينه سبب فإنه يحنث إذا قضاه قبل الموعد المضروب فإن قضاه حقه قبل الغد حنث كما لو أخره. (1/91)
صفحة 92
الأصل الثالث : أن تتغير صفة المحلوف عليه بما يزيل اسمه ثم تعود له تلك الصفة ثانياً كغصن انكسر ثم أعيد ، وقلم كسر ثم برى ، ودار هدمت ثم بنيت ، فلو حلف لا يستظل تحت هذا الغصن ثم انكسر وأعيد فإنه يحنث إذا استظل تحته ، وإذا حلف لا يكتب بهذا القلم ثم كسره وبراه فإنه يحنث بالكتابة به، وإذا حلف لا يدخل هذه الدار فهدمت وبنيت فإنه يحنث بدخولها.
الأصل الرابع : أن تتغير الصفة بما لا يزيل الاسم كما إذا حلف لا يأكل لحماً مشوياً فأكله مطبوخاً فإنه يحنث . أما إذا حلف لا يلبس هذا الثوب وهو رداء ثم غيره عن كونه رداء ولبسه فإنه لا يحنث لأن الحال قيد في عاملها.
الأصل الخامس : مدلول الاسم وهو ثلاثة أقسام : عرفي، وشرعي ، ولغوي ، وهو الحقيقي فيقدم في الاعتبار المعنى الشرعي، فإذا حلف لا يصلي ولم ينو شيئاً انصرف يمينه إلى الصلاة الشرعية لا إلى اللغوية وهي الدعاء . ويحنث بصلاة الجنازة لأنها صلاة شرعاً، ويحنث بتكبيرة الإحرام لأنه يكون بها مصلياً، أما إذا قال: والله لا أصلى صلاة فإنه لا يحنث إلا إذا صلى ركعة لأنها هي التي يقع عليها اسم الصلاة، ولا يحنث إلا إذا صلى صلاة صحيحة، فلو صلى بدون طهارة أو بدون تكبيرة الإحرام فإنه لا يحنث، ومثلها سائر العقود فإنه لا يحنث بالفاسد منها ، ثم يقدم المعنى العرفي على المعنى اللغوي.
وإذا حلف ليقضينه حقه غداً ونوى به مطْله ثم قضاه قبل ذلك يحنث أيضاً، لأن اليمين انعقد على ما نواه وقد خالفه. (1/92)
صفحة 93
وإذا حلف ليبيعن هذه السلعة بمائة فباعها بالمائة أو أكثر منها لا يحنث، أما إذا باعها بأقل فإنه يحنث لأن قرينة الحال تدل على أنه يريد الكثرة. وإذا حلف لا يشتريه بمائة فاشتراه بها أو بأقل لا يحنث، وبأكثر يحنث عكس الأول لدلالة قرينة الحال على أنه يريد القلة. وإذا حلف لا يلبس هذا الثوب بسبب منة عليه فباعه واشترى بثمنه ثوباً آخر يحنث بلبسه، وإذا اشتراه على وجه لا منة فيه أو اشتراه وكساه به لا يحنث، لأن السبب قد زال وهو المنة.
الأصل السادس : التعيين بالإشارة ، لم يكن للحالف نية ولم يكن لليمين سبب فإنه يرجع إلى الإشارة لأنها تعين المقصود وتدل على غرض الحالف أكثر من دلالة اللفظ على معناه فإذا حلف على معين كما إذا قال: والله لا آكل هذه البيضة فإنه يحنث بأكلها إذا لم ينو شيئاً يحتمله اللفظ، أو يكون ليمينه سبب يرجع إليه، فإذا انعدمت صفة المحلوف عليه المعين كما إذا حلف لا يأكل هذه البيضة فصارت فرخا ، فإن ذلك على ثلاثة أقسام :
الأول : أن تنعدم الصفة وتستحيل الأجزاء بتغير الاسم كما في البيضة إذا صارت فرخاً. والحنطة إذا صارت زرعاً ، والخمر إذا صارت خلا . وفي هذه الحالة يحنث بالأكل من الفرخ والزرع والشرب من الخل.
والثاني : أن تنعدم صفته ويزول اسمه مع بقاء أجزائه كالرطب إذا صار تمراً أو دبساً أو عمل حلوى فإن أجزاءه لم تنعدم بذلك وإن تغيرت صفته وزال اسمه، فإنه إذا حلف لا يأكل من هذا الرطب فإنه يحنث إذا أكل منه وهو تمر أو وهو« مربة » ، وكذا إذا حلف لا يكلم هذا الصبي فإنه يحنث إذا كلمه وهو شيخ، لأن الصفة انعدمت وزال الاسم مع بقاء الأجزاء ، ومثله إذا حلف لا يأكل من هذا الحمل ، فأكل منه وهو كبش . وكذا إذا حلف لا يأكل هذه الحنطة فصارت دقيقاً أو هريسة يحنث بالأكل منها. (1/93)
صفحة 94
الثالث : أن تتبدل الإضافة كما إذا قال: والله لا أدخل دار فلان فباعها لغيره أو قال: والله لا أكلم امرأة عليّ فطلقها فإنه يحنث إذا كلم المرأة بعد طلاقها أو دخل الدار بعد بيعها.
المبحث الخامس
الاستثناء في اليمين
الاستثناء في اليمين مشروع ، دل على ذلك الكثير من نصوص السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام فقد روى البخاري وغيره ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني ، وأتيت الذي هو خير )) (1) ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : (( من حلف على يمين ثم قال إن شاء الله فإن له ثنياه )) (2) ، وقال عليه الصلاة والسلام : (( والله لأغزون قريشا ، والله لأغزون قريشا ، والله لأغزون قريشا ثم سكت ثم قال : إن شاء الله ، ثم لم يغزوهم )) (3) ، وقال عليه الصلاة والسلام : ((من حلف فاستثنى فإن شاء رجع وإن شاء حنث )) (4) .
وفي الموطأ من طريق عمر بن الخطاب ، أنه كان يقول : " من قال والله ثم قال : أن شاء الله ، ثم لم يفعل الذي حلف عليه لم يحنث " (5) .
__________
(1) رواه البخاري ، كتاب الأيمان والنذور ، باب لا تحلفوا بآبائكم ، 6273 ، ومسلم ، كتاب الأيمان والنذور ، باب ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه ، 1649، والحاكم ، كتاب الأيمان والنذور ، 7826 ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .
(2) أخرجه الحاكم في المستدرك عل الصحيحين ، كتاب الأيمان ، رقم 7832 ، 4/ 336 ، وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .
(3) سبق تخريجه في ص 19 .
(4) رواه أبو داود ، كتاب الأيمان والنذور ، باب في الاستثناء ، 3261 ، 3/ 225 .
(5) أخرجه مالك في الموطأ ، كتاب النذور والأيمان ، باب ما لا تجب فيه الكفارة من اليمين ، 1008 . (1/94)
صفحة 95
وعلى هذا الذي دلت عليه الأحاديث والآثار ، اتفاق الفقهاء في كافة المذاهب الإسلامية ، فقد قال الشافعي : " فإنا نقول في الذي يقول : والله لا أفعل كذا وكذا إن شاء الله ، أنه إن كان أراد بذلك الثُّنيا فلا يمين ولا كفارة إن فعل " (1) . وقال العلامة ابن جعفر : " من استثنى في يمين متصلا فليس عليه حنث " (2) ، وقال العلامة أبو زكريا : " الاستثناء يهدم الأيمان إذا كان متصلا ، سواء كان بعده ، أو قبله أو خلاله ، إذا أراد به هدم اليمين " (3) ، وقال العلامة ابن جميل :
فإنه إن ذكر الاستثناء متصلا ينهدم المستثنى (4) .
هذا فيما يخص اليمين بالله تعالى ، أما فيما يخص اليمين بغيره سبحانه فقد اختلف فيها ؛ فقال الشافعي ، وأبو حنيفة : الاستثناء يقع في كل يمين ، كاليمين بالطلاق والعتاق وغير ذلك (5) .
وقد اشترط الفقهاء عدة شروط في الاستثناء حتى يمكن أن يعتد به وهي (6) :
1ـ أن يكون الاستثناء متصلا ، ومعناه أن لا يكون هناك فاصل زمني بين القسم والاستثناء ، فإن الانقطاع بين اليمين والاستثناء يحول دون ترتب أثره على اليمين ، لكنهم أجازوا الفاصل اليسير الطاريء ، كالعُطاس والتثاؤب وما في حكمه .
وأجاز بعض الفقهاء الاستثناء ولو كان ذلك بعد مدة ، واختلفوا في المدة التي يجوز أن تكون فاصلا بين اليمين والاستثناء على سبعة أقوال (7) :
__________
(1) الشافعي ، الأم ، 7/ 68 .
(2) ابن جعفر ، مرجع سابق ، 3/ 427 .
(3) الجناوني ، مرجع سابق ، 240 .
(4) خلفان بن جميِّل ، مرجع سابق ، 1/ 336 .
(5) الشافعي ، الأم ، 7/ 68 والزرقاني ، مرجع سابق ، 3/ 84 .
(6) محمد أبو فارس ، مرجع سابق ، ص 37 .
(7) القرطبي ، مرجع سابق ، 6/ 273 . (1/95)
صفحة 96
قال ابن عباس : يدرك الاستثناءُ اليمينَ ولو بعد سنة ؛ وتابعه على ذلك أبو العالية ، والحسن (1) . ومستندهم في ذلك قوله تعالى : { وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً } (2) ، فلما كان بعد عام نزل قوله تعالى : { إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً } (3) . واحتج ابن عباس كذلك بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : (( والله لأغزون قريشا ، والله لأغزون قريشا ، والله لأغزون قريشا ، ثم سكت ، ثم قال : إن شاء الله ، ثم لم يغزوهم )) (4) .
وقال مجاهد : من قال بعد سنتين إن شاء الله أجزأه .
وقال سعيد بن جُبير : إن استثنى بع أربعة أشهر أجزأه .
وقال طاووس : له أن يستثني مادام في مجلسه .
وقال قتادة : إن استثنى قبل أن يقوم أو يتكلم فله ثنياه .
وقال أحمد بن حنبل ، وإسحق : يستثني مادام في ذلك الأمر .
وقال عطاء : له ذلك قدر حلب الناقة الغزيرة (5) .
2 ـ أن يكون كلاما مصرحا به يجري على اللسان ، ولا يجزي الاستثناء بالقلب ، وهو قول جمهور الفقهاء : مالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة ، وأحمد ، وهو قول النخعي ، والحسن ، والثوري ، والأوزاعي ، والليث ، وإسحق ، وأبي ثور ، وابن حزم الظاهري (6) .
__________
(1) ابن العربي ، أحكام القرآن ، 2/ 641 ، والقرطبي ، المرجع السابق ، 6/ 263 .
(2) سورة الفرقان ، 68 .
(3) سورة مريم ، 60
(4) 10) سبق تخريجه في ص 19.
(5) القرطبي ، المرجع السابق ، 6/ 273 .
(6) القرطبي ، 6/ 273 وابن حزم ، المحلى 8/ 44 . (1/96)
صفحة 97
3 ـ أن يكون قاصد للاستثناء ، فلو جرى الاستثناء على لسان الحالف من غير أن يكون قاصدا الاستثناء فلا يعد هذا استثناء يترتب عليه أثره ، ويحنث إن فعل المحلوف عليه ، " ولا فرق بين أن يكون قبل الحلف أو في أثنائه أو بعد تمامه ، فإنه ينفعه " (1) .
وقد شدد بعضهم في هذا فقال : " لا يصح الاستثناء حتى يقصده مع ابتدائه باليمين ، فلو حلف غير قاصد الاستثناء ، ثم عرض له بعد فراغه من اليمين فاستثنى لم ينفعه" (2) .
قال ابن قدامة : " هذا القول يخالف عموم الخبر ، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - : (( من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث )) (3) ... ؛ ولأن لفظ الاستثناء يكون عقيب يمينه فكذلك نيته " (4) .
4 ـ ألا يستحلف في حق إذ لا يعد الاستثناء صحيحا إذا كانت اليمين المطلوبة منه يتعلق بها حق للغير ، كحلفه في مجلس القضاء .
وهذا الشرط محل اتفاق الفقهاء ؛ لأن اليمين تكون حينئذ على نية المحلِف لا على نية الحالف ، عملا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( يمينك على ما يصدقك به صاحبك )) (5) .
الفصل الثالث : أحوال اليمين :
الحلف على الدخول والخروج .
الحلف على الأكل والشرب .
الحلف على الكلام اللبس والكسوة .
أحوال اليمين
يحلف الناس عادة على الأحوال المحيطة بهم من أكل وشرب ودخول وخروج وجلوس وركوب وسكنى ولبس ، ونحو ذلك من الأحوال التي يمارسها الإنسان في هذه الحياة ، يقصد بذلك حث نفسه أو غيره على فعل الشيء ، أو منعها منه ، فإن خالف مقتضى يمينه حنث ، ووجبت في حقه الكفارة .
لذلك كان من المناسب أن يُبحث هذا الموضوع في مبحث مستقل لبيان آراء الفقهاء في الأحوال التي قد تصدر فيها اليمين .
المبحث الأول :
__________
(1) محمد أبو فارس ، مرجع سابق ، ص 37 .
(2) المرجع السابق ، 38 .
(3) أخرجه عبد الرزاق ، باب الاستثناء في اليمين ، 8/ 517 .
(4) ابن قدامة ، المرجع السابق ، 8/ 494 .
(5) سبق تخريجه في ص 10 . (1/97)
صفحة 98
الحلف على الدخول والخروج والمشي
أولا : الحلف على الدخول :
لو حلف أن لا يدخل بيتاً ، فدخل مسجداً ، أو الكعبة ، أو بيعة ، أو حماماً ، أو دهليزاً ، يحنث عند القطب (1) ، وصاحب الإيضاح (2) ، وأحمد (3) ، بناء على حقيقة اللفظ ؛ لأن المسجد بيت في أصل اللغة ، وفي بيت الشعر أو الصوف أو الجلد ونحو ذلك قولان عند الأصحاب ، والراجح الحنث به (4) .
وقال مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعية (5) : لا يحنث ؛ لأن هذه الأشياء لا تسمى بيتاً في العرف ، ولم تعد للبيتوتة ، وما بنيت له .
لو حلف لا يدخل دارا فقام على سطحها أو حائطها ، حنث عند أبي حنيفة ، ومالك ، وأحمد ، وأبي ثور (6) . وقال الأصحاب (7) ، والشافعي (8) : لا يحنث إلا بأن يدخل شيئا من عَرَصِها ، فإن رقى على سطحها من غيرها ولم ينزل إليها لم يحنث .
ولو حلف لا يدخل دار زيد هذه ، فإن دخلها وهي في ملك زيد حنث بالإجماع ، وإذا دخلها بعد أن باعها زيد ، أو صارت مزرعة ، فقد اختلف الفقهاء في ذلك :
__________
(1) القطب ، الجامع الصغير ، 3/ 249 .
(2) عامر الشماخي ، مرجع سابق ، 2/ 347 .
(3) ابن قدامة ، الكافي ، 4/ 396 .
(4) محمد أطفيش ، شرح النيل ، 4/ 305 .
(5) المدونة الكبرى ، مالك بن أنس ، 3/ 133، والنووي ، المجموع ، 19/ 141.
(6) النووي ، مرجع سابق ، 19/ 138 .
(7) محمد أطفيش ، المرجع السابق ، 4/ 305 .
(8) المهذب في فقه الشافعية ، أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروز أبادي ، ( دار الفكر ـ بيروت ) ، الجزء الثاني ، ص 132 . (1/98)
صفحة 99
قال مالك ، والشافعية ، وأحمد ، ومحمد بن الحسن من الحنفية (1) ، والإباضية (2) : يحنث ، لأن اليمين على عين مضافة إلى مالك فلم يسقط الحنث فيه بزوال الملك . وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف : لا يحنث بزوال ملك زيد عنها ، إذ إنه أضاف الدار إلى زيد (3) .
أما إذا لم يعين الدار فلا حنث عليه ؛ لأنه إنما حلف على البيت ، والمزرعة غير البيت (4) .
لو حلف لا يدخل على فلان بيتا فأدخِل عليه فاستدام المقام معه ، قال أبو حنيفة ، والشافعي في رواية : لا يحنث (5) . وقال مالك ، وأحمد ، وقول عند الشافعي : يحنث (6) .
لو حلف لا يدخل دار زيد فدخل دارا يسكنها زيد بإعارة أو إجارة أو غصب ، قال الشافعية : إن أراد مسكنه حنث ؛ لأنه يحتمل ما نوى ، وإن لم يكن له نية لم يحنث (7) ، وقال
__________
(1) المجموع ، 19/ 135 .
(2) الشماخي ، مرجع سابق ، 2/ 380 .
(3) تحفة الفقهاء ، 2/ 312 .
(4) الشماخي ، مرجع سابق ، 2/ 380 .
(5) تحفة الفقهاء ، 2/ 312 ، والشافعي ، الأم ، 7/ 80 .
(6) اأبو إسحاق الفيروز أبادي ، مرجع سابق ، 2/ 132 ، وابن قدامة ، الكافي ، 4/ 394 وحاشية الخرشي على مختصر سيدي خليل ، محمد بن عبدالله بن علي الخرشي المالكي [ ت 1101 ] ، ضبطه وخرج أحاديثه / زكريا عميرات ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1417هـ/ 1997م ، الجزء الثالث ، ص .
(7) 10) المجموع شرح المهذب ، 19/ 140 . (1/99)
صفحة 100
مالك ، وأبو حنيفة ، وأبو ثور : يحنث (1) ؛ لأن الدار تضاف إلى الساكن ، استدلالا بقوله تعالى : { لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ } (2) ، فأضاف بيوت أزواجهن إليهن بسبب السكنى (3) . وقال تعالى : { كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ } (4) ، وقد أخرجه من بيت خديجة ، فأضاف البيت إليه ، لأنه ساكنه وإن لم يملكه (5) .
وأن حلف لا يذهب لدار فلان أو بلده ، فانقلب إليها حنث بثلاث خطوات ؛ لأنها أقل الجمع (6) ، وقيل : بخطوتين بناء على أن أقله خطوتين وقيل : بخطوة ؛ لأنها ذهاب وإن بلا خروج إليها من باب الدار ، ومثله إن حلف لا يمضي لفلان فخطا ثلاث خطوات ماضيا إليه يقصده ، وقيل : يحنث بانتقاله من موضعه (7) ، وقيل : إذا خرج أو مضى ولو لم يصله (8) .
__________
(1) تحفة الفقهاء ، 2/ 313 .
(2) سورة الطلاق ، ( 1 ) .
(3) تحفة الفقهاء ، 2/ 313 .
(4) سورة الأنفال ، ( 5 ).
(5) تحفة الفقهاء ، 2/ 313 .
(6) عبد العزيز الثميني ، التاج ، 3/ 152 ، والبسيوي ، المختصر ، ص 135 ، والشماخي ، مرجع سابق ، 2/ 282 .
(7) الشماخي ، 2/ 382 .
(8) البسيوي ، المرجع السابق ، ص 135 . (1/100)
صفحة 101
ومن حلف ليخرجن إلى البلد الفلاني فخرج قاصدا إليه فقد بر ، وهو قول الإمام أبي سعيد الكُدمي (1) ، والإمام القطب (2) ، والشيخ الصبحي (3) ، وهناك أقوال غير ما ذكرت هنا .
المبحث الثاني :
الحلف على الأكل والشرب
الأكل إيصال ما يتأتى فيه المضغ بفمه إلى جوفه ، مضغه أو لم يمضغه . والشرب إيصال ما لا يتأتى فيه المضغ إلى جوفه حال وصوله ، مثل الماء ، واللبن، والعسل الممزوج . والذوق هو معرفة طعم الشيء المذوق ، بفمه ، بإيصال الشيء إليه ، سواء ابتلعه أو مجه من فمه ، فكل أكل فيه ذوق ، لكن الذوق ليس بأكل (4) .
__________
(1) أبو سعيد محمد بن سعيد الكُدمي ، من علماء عمان في القرن الرابع الهجري ، كان من الفقهاء المتبحرين ، ومن المؤلفين المجيدين ، أخذ العلم عن الشيخ / محمد بن روح بن عربي ، والشيخ / أبو الحسن محمد بن الحسن . وللكدمي مؤلفات عديد منها : كتاب الجامع المفيد ، والمعتبر ، وغيرها . أنظر : سيف البطاشي ، مرجع سابق ، 1/ 282 .
(2) 10) لباب الآثار الواردة على الأولين والمتأخرين الأخيار ، مهنا بن خلفان بن محمد البوسعيدي ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) ، 1405هـ / 1985م ، الجزء الخامس ، ص 120 .
(3) 11) الجامع الكبير ، سعيد بن بشير الصبحي ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) ، 1407هـ / 1986م ، الجزء الأول ، ص 200 . وهو سعيد بن بشير بن محمد بن ثاني الصبحي النزوي ، من علماء عمان في القرن الثاني عشر الهجري ، كان الشيخ السالمي يسميه العلامة ويصفه في جوهر النظام بقوله : وإنه الدَّرك للمعاني .
توفي رحمه الله سنة 1150هـ . أنظر : سيف البطاشي ، مرجع سابق ، 3/ 249 .
(4) تحفة الفقهاء ، 2/ 317 . (1/101)
صفحة 102
وعلى ذلك فإن من حلف لا يأكل أو لا يشرب ، فذاق ولم يسغ ،لم يحنث عند الأصحاب (1) ، والحنفية (2) ، وقيل : يحنث (3) . وإذا حلف لا يذوق طعاماً أو شراباً ، فأكل أو شرب ، أو أدخله في فمه ، وعرف طعمه ، ثم مجه ، حنث ؛ لوجود الذوق (4) .
ومن حلف لا يأكل العيش فأكل وشرب حنث ، لأن ما يعاش به عيش ، وأن حلف لا يأكل الإدام فأكل الخل حنث (5) ؛ للحديث (( نعم الإدام الخل )) (6) .
ومن حلف على محدود لا يأكله فأكل منه لا يحنث ؛ حتى يأكله كله (7) . ومن حلف على غير محدود لا يأكله فأكل منه حنث (8) .
__________
(1) القطب ، شرح النيل ، 4/ 311 ، والتاج ، 3/ 216 ، والبسيوي ، المختصر ، ص 130 .
(2) تحفة الفقهاء ، 2/ 317 .
(3) شرح منتهى الإرادات ، المسمى دقائق أولي النهى لشرح المنتهى ، منصور بن يونس بن إدريس البهوتي ، ( عالم الكتب ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1414هـ/ 1993م ، الجزء الثالث ، ص 459 .
(4) القطب ، شرح النيل ، 4/ 311 ، وتحفة الفقهاء ، 2/ 317 .
(5) البسيوي ، الجامع ، 4/ 215 .
(6) رواه الترمذي في السنن ، كتاب الأطعمة ، باب ما جاء في الخل ، 1840، 4/ 278 ، وقال : هذا حديث حسن صحيح غريب ، وأبو داود في السنن ، كتاب الأطعمة ، باب في الخل ، 3820 ، 3/ 359 .
(7) البسيوي ، المختصر ، ص 129 .
(8) البسيوي ، المختصر ، ص 129 . (1/102)
صفحة 103
ومن حلف لا يأكل البسر فأكل الرطب ، أو حلف لا يأكل الرطب فأكل التمر ، أو لا يأكل التمر فأكل الدبس ، أو الحشف ، لا يحنث ، عند جمهور الإباضية ، لأن هذا اسمه غير اسم هذا (1) ، وقال القطب : يحنث في حالة عدم التعيين (2) ، وقال الشماخي ، وأبو الحسن : يحنث إن عين (3) ؛ لأنه إذا كان لا يأكل تمرها فكذلك كل ما يخرج من تمرها بمنزلة ما يخرج منه (4) .
ومن حلف لا يشرب الخبائث ، حنث بشرب كل محرم عند البسيوي (5) .
ومن حلف على شيء محدود لا يأكله ، لم يحنث ؛ حتى يأكله كله (6) .
ومن حلف على حب محدود لا يأكله ، فزرعه وأثمر زرعه ، وأكل من ثمره ، قال الزاملي (7) ، والحنابلة (8) : لا يحنث ؛ لأن الحب الذي حلف عليه قد أكلته الأرض ، والزرع غير الحب الذي حلف عليه (9) . وقال القطب ، والشماخي : لا يأكل منه (10) .
__________
(1) أبو الحسن البسيوي ، المختصر ، ص 131 ، والشماخي ، الإيضاح ، 2/ 377 .
(2) القطب ، شرح النيل ، 4/ 311 ، والجامع الصغير ، 3/ 244 .
(3) البسيوي ، المختصر ، ص 131 ، والشماخي ، الإيضاح ، 2/ 377 .
(4) الشماخي ، الإيضاح ، 2/ 377 .
(5) البسيوي ، المختصر ، ص130 .
(6) البسيوي ، المختصر ، ص 131 .
(7) العلامة الفقيه صالح بن سعيد بن مسعود الزاملي المعولي الخراسيني النزوي ، من علماء عمان في القرن الحادي عشر الهجري ، وهو من قضاة الإمام ناصر بن مرشد اليعربي ، ثم الإمام سلطان بن سيف ، وكان رحمه الله مكفوف البصر . توفي الزاملي سنة 1073هـ .
أنظر : سيف البطاشي ، مرجع سابق ، 3/ 325 .
(8) ابن قدامة ، الكافي ، 4/ 394 ، والشماخي ، مرجع سابق ، 4/ 63 .
(9) البسيوي ، المختصر ، ص 131 ، ومهنا البوسعيدي ، مرجع سابق ، ص 5/ 135 .
(10) 10) القطب ، الجامع الصغير ، 3/ 246 ، والشماخي ، 2/ 380 . (1/103)
صفحة 104
ولو حلف لا يأكل الرمان أو العنب ، فمصّه ورمى تفله وابتلع ماءه لا يحنث عند الحنفية ، ولو ابتلع العنب أو الرمانة ، من غير مضغ يحنث ؛ لأن الأول شرب ، والثاني أكل (1) .
ولو حلف لا بشرب ماء الرمان فمصه فلا يحنث عند القطب ، أما إن جمع ماءه في فيه ثم أساغه ، ففيه قولان (2) .
ولو حلف لا يأكل هذا اللبن ، فأكل مما يتخذ منه ، من الجبن والأقِط ، أو السمن ، ونحوها ، قال أبو الحسن (3) ، والقطب (4) ، والحنفية (5) : لا يحنث ؛ لأنه قد تغير ، فلا يبقى له اسم العين . ومثله إذا حلف لا يأكل البُسْر فصار رُطَبا ً، أو رُطَباً فصار تمراً ؛ لأنه تغير الأول . لكنه إن حلف لا يأكل من بُسْر معين فصار رُطَباً ، أو رُطَباً معين فصار تمراً ، إلا إن نوى لا يأكله مادام بسرا (6) .
لو حلف لا يشرب من فلان ماء من عطش ، وقال : نويت أن لا انتفع منه بشيء ، ثم بعد ذلك أكل طعامه ، ولبس ثيابه ، فهل قوله ذلك يؤدي الحنث ، بأكله طعامه ، ولبسه ثيابه ؟ .
قال الشافعية ، وجمهور الحنفية : لا يحنث ؛ لأنه لا عبرة بنيته هنا ؛ لأن النية لا تعمم الخاص ، وهو هنا حلف على شرب الماء خاصة ، فلا يتعدى ذلك إلى الأكل وللباس وغيره (7) .
__________
(1) 11) تحفة الفقهاء ، 2/318 .
(2) القطب ، شرح النيل وشفاء العليل ، 4/ 311 .
(3) أبو الحسن البسيوي ، الجامع ، 4/ 215 .
(4) القطب ، الجامع ، 3/ 250 .
(5) تحفة الفقهاء ، 2/ 318 .
(6) القطب ، الجامع ، 3/ 250، وأبو الحسن البسيوي ، الجامع ، 4/ 215 .
(7) أبو بكر الكشناوي ، مرجع سابق ، ص 24 . (1/104)
صفحة 105
وذهب الإباضية ، والمالكية ، والحنابلة (1) ، إلى أنه يحنث بتناوله أي شيء يملكه المحلوف عليه مما يمكن الانتفاع به ، لأن النية تعمم الفظ الخاص ، فيلحق بالماء كل شيء يملكه المحلوف عليه مما يمكن الانتفاع به (2) .
وإذا حلف لا يأكل لحماً ، فأي لحم أكل ، حنث ، سوى لحم السمك ، عند الإباضية والحنفية ؛ لأن اللحم غير السمك في العرف ، إلا أن يكون السمك في عرف قوم لحما (3) ، وقال محمد محبوب بن الرحيل (4) : من حلف على اللحم ، لا يأكل السمك الطري ، وهو قول عند الحنابلة (5) ،
__________
(1) موفق الدين ابن قدامة ، الكافي ، 4/ 390 .
(2) القطب ، شرح النيل وشفاء العليل ، 4/ 303 ، والقوانين الفقهية ، ص 167 .
(3) القطب ، شرح النيل وشفاء العليل ، 4/ 305 .
(4) 10) هو الإمام العلامة محمد بن محبوب بن الرحيل بن هُبيرة القرشي ، إمام الإباضية بعد أبيه ، أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي بالبصرة ، أقام بمكة ثم انتقل إلى عمان ، وتصدى للتدريس والتأليف والقضاء وتثبيت أمر الإمامة زمن الإمام
(5) = الصلت بن مالك الخروصي . توفي أبو عبدالله في صحار سنة 260هـ . راجع : معجم الأعلام الإباضية ، 5/ 685 ، وإتحاف الأعيان ، محمد البطاشي ، 1/ 250 .
(
1) ابن قدامة ، المرجع السابق ، 396 ، محمد أطفيش ، شرح النيل وشفاء العليل ، 4/ 306 . (1/105)
صفحة 106
وروي عنه قول آخر وهو أن السمك ليس من اللحم إلا إن نواه (1) . قال الإمام القطب : " والحق أنه منه لنص القرآن ، إلا إن نوى الحالف خروجه أو اعتاد أنه ليس لحما " (2) . وقال أبو حنيفة ، والشافعي ، وأبو الحسن ، وقول عند الحنابلة : لا يحنث بأكل السمك الطري (3) . وقال القطب : يحنث (4) ، فمن ذهب إلى العرف والعادة لم يوجب عليه حنثا ، ومن ذهب إلى ظاهر اللفظ أوجب عليه الحنث ؛ لأن الله تعالى سمَّى السمك لحما في قوله : { وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً } (5) .
وإن حلف لا يأكل لحما فأكل مرقا بخبز مطبوعا بلحم حنث ؛ لأن ذلك لا يخلو من اللحم (6) .
ولو حلف لا يأكل اللحم لم يحنث بأكل الشحم الخالص (7) ، وإن حلف لا يأكل لحم شاة محدودة لم يأكل شحمها ؛ لأن الشحم من اللحم (8) ، وقال مالك : يحنث (9) .
وقال الحنفية : لو أكل شحم البطن والإلية ، لا يحنث ، لأنه لا يسمى لحماً ، ولو نواه ، حنث ، ولو أكل شحم الظهر ، يحنث ، لأنه لحم سمين . ولو أكل ما في البطون ، سوى شحم البطن يحنث وهذا في عرفهم ، لأنه يباع مع اللحم ، وأما في الموضع الذي لا يباع مع اللحم ، لا ينصرف يمينه إليه ، فلا يحنث (10) .
__________
(1) محمد أطفيش ، المرجع السابق ، 4/ 306 .
(2) محمد أطفيش ، المرجع السابق ، 4/ 306 .
(3) ابن قدامة ، الكافي ، 4/ 396 ، والبسيوي ، المختصر ، ص 133 .
(4) القطب ، الجامع ، 3/ 249 .
(5) سورة النحل ، 14 .
(6) البسيوي ، المختصر ، ص 135 .
(7) الشماخي ، الإيضاح ، 2/ 377 .
(8) البسيوي ، المختصر ، 133 .
(9) 10) القوانين الفقهية ، ص 167 .
(10) 11) تحفة الفقهاء ، 2/ 320 . (1/106)
صفحة 107
ولو حلف لا يأكل شحما فأكل من شحم الظهر ، حنث عند الشافعي ، وأحمد ، ومالك (1) ، ولم يحنث عند أبي حنيفة (2) . وقال الأصحاب : يأكل اللحم الخالص (3) .
ولو حلف لا يأكل أو لا يشتري رأساً ، ولا نية له بل أطلق ، قال مالك ، وأحمد (4) ، وأبو الحسن البسيوي (5) : يحمل على جميع ما يسمى رأسا حقيقة في وضع اللغة وعُرفِها ، وقال أبو حنيفة : يحمل على رؤوس البقر والغنم خاصة (6) ، وقال الشافعي ، وزفر من الحنفية : يحمل على الإبل والبقر والغنم (7) . وقال أبو يوسف ، و محمد بن الحسن : يقع على رأس الغنم خاصة (8) .
لو حلف لا يأكل إداما (9) ، فأكل اللحم ، أو الجبن ، أو البيض ، قال أبو حنيفة : لا يحنث إلا بأكل ما يطبخ به (10) ، وقال مالك ، والشافعي ، وأحمد : يحنث في أكل الكل (11) .
وأن حلف لا يأكل الإدام فأكل الخل حنث (12) ؛ للحديث (( نعم الإدام الخل )) (13) .
__________
(1) منصور بن يونس البهوتي ، كشَّاف القناع عن متن الإقناع ، تحقيق/ محمد حسن الشافعي ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1418هـ/ 1997م ، الجزء السادس ، ص 323 .
(2) تحفة الفقهاء ، 2/ 319 .
(3) القطب ، الجامع ، 3/ 249 ، والشماخي ، الإيضاح ،2/ 378 .
(4) ابن قدامة ، الكافي ، 4/ 397 .
(5) البسيوي ، المختصر ، ص 132 .
(6) تحفة الفقهاء ، 2/ 320 .
(7) المجموع ، وتحفة الفقهاء ، 2/ 320 .
(8) تحفة الفقهاء ، 2/ 320 .
(9) الإدام ما يؤكل مع الخبز عادة ، سواء كان مما يصطبغ به ، كالمرق واللبن والدهن والخل ، أو مما لا يصطبغ به ، كالشواء والجبن والزيتون ؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال فيما روي عنه : (( نعم الإدام الخل )) . أنظر : ابن قدامة ، الكافي ، 4/ 402 .
(10) 10) تحفة الفقهاء ، 2/ 322 .
(11) 11) تحفة الفقهاء ، 2/ 319 .
(12) 12) الشماخي ، 2/ 380 .
(13) 13) سبق تخريجه في ص 78 . (1/107)
صفحة 108
لو حلف لا يأكل هذا الدقيق ، فاستفَّ منه ، أو خبزه وأكله ، حنث عند الأصحاب ، ومالك ،
وأحمد (1) ، وقال أبوحنيفة : إن استفَّ لم يحنث ، وإن خبزه وأكل حنث (2) ، وقال الشافعي : إن استفَّ يحنث ، وإن خبزه وأكل لم حنث (3) .
ولو حلف لا يشرب من نهر بعينه ، فغرف من مائه بيده أو بإناء وشرب ، حنث عند الإباضية ، والشافعي وأحمد ، ومالك (4) ؛ لأن الشرب منه بإناء أو يد ـ ولو كان مجازيا ـ أرجح شهرته وكثرته من الكرع منه بالفم ، الذي هو حقيقة في الشرب منه ، وكذلك فإن الأيمان لا تقع على الكوز بل على ما يشرب منه . وقال أبو حنيفة : لا يحنث حتى يكرع بفيه منها كرعا (5) . وقال أبو الحسن : لا يحنث حتى يشربه كله (6) .
ولو حلف لا يشرب من هذا الكوز فصبه في كوز آخر أو في شيء مطلقا فشرب ، اختار الإمام الثميني ، والشماخي ، تحنيث الحالف (7) ، لأن الأيمان لا تقع على الكوز بل على ما يشرب منه ، والذي يشرب ، هو من جنس الكوز الأول ، لأنها جميعا تصلح آلة للشرب (8) . وقيل : لا يحنث ، واختاره الإمام القطب ، وهو قول أبي حنيفة ؛ لأنه لم يكن إطلاق الشرب من ماء صب من إناء على أنه مشروب من الأول ، اللهم إلا إن كان الأول لا يشرب منه لعظمه مثلا (9) .
__________
(1) ابن قدامة ، الكافي ، 4/ 394 ، و محمد أطفيش ، شرح النيل وشفاء العليل ، 4/ 311 .
(2) تحفة الفقهاء ، 2/ 322 .
(3) أبو إسحاق الفيروز أبادي ، المهذب ، ص 133 .
(4) عامر الشماخي ، مرجع سابق ، 2/ 376 .
(5) تحفة افقهاء ، 2/ 324 .
(6) أبو الحسن البسيوي ، المختصر ، ص 135 .
(7) الشماخي ، مرجع سابق ، 2/ 376 .
(8) القطب ، شرح النيل ، 4/ 309 .
(9) القطب ، شرح النيل ، 4/ 309 . (1/108)
صفحة 109
وإن حلف لا يأكل من مال فلان ، فتحول لغيره بوجه ما ، أو أهدي إليه ، أو تُصُدِق عليه ، أو أعطاه زكاة ، أو نحو ذلك من أنواع العطية ، أو اشتراه وقبضه ، لم يحنث إن أكل من المال المتحول ، أو الهدية بعد التحول أو الإهداء ؛ لأنه قد زال عن ملكه ولم يعد ماله (1) .
المبحث الثالث :
الحلف على الكلام واللبس والكسوة
أولا : الحلف على الكلام :
لو قال الحالف : والله لا أكلم أحدا ، وقال : نويت زيدا .فهنا عموم وهو لفظ ( أحد ) ، وهو نكرة جاءت في سياق النفي ، وكما هو معلوم من كتب أصول الفقه ، أن النكرة إن جاءت في سياق النفي ، فإنها تفيد العموم ، فلفظ ( أحد ) لفظ عام يشمل كل احد ، فهل قوله بعد ذلك : نويت زيدا ، يخصص هذا العموم ، ومن ثم فإنه لا يحنث إن كلم غير زيد ، أم أن اللفظ يبقى على عمومه ولا عبرة بنيته ؟ .
قال جمهور الفقهاء : الإباضية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة : لا يحنث لو أنه كلم غير زيد ، لأن نيته معتبرة ، وهي تخصص العموم عندهم (2) .
وقال الحنفية : يحنث على كل حال ، لأن نيته معتبرة ديانة لا قضاء ، أي : فيما بينه وبين ربه (3) .
وإن حلف لا يكلم فلانا وفلانا فكلم أحدهما لم يحنث عند البسيوي حتى يكلمهما جميعا (4) .
__________
(1) أبو الحسن البسياني ، المختصر ، ص131، والقطب ، المرجع السابق ، 4/ 317 ، والجامع الصغير ، 3/ 245 ، والشماخي ، مرجع سابق ، 2/ 379 .
(2) شرح النيل 4/ 309 ، الفيروز أبادي ، المرجع السابق ، ص 137.
(3) تحفة افقهاء ، 2/ 324 .
(4) البسيوي ، المختصر ، ص 134 . (1/109)
صفحة 110
لو حلف لا يسكن مع فلان دارا بعينها ، فاقتسماها وجعلا بينهما حائطا ، ولكل واحد باب فغلقاه وسكن كل واحد منهما في جانب ، قال مالك ، ورواية عند أبي حنيفة : يحنث (1) ، وقال الشافعي وأحمد وقول عند أبي حنيفة : لا يحنث (2) .
وإن حلف لا يكلم فلانا فسلم على قوم هو فيهم لم يحنث عند القطب حتى يقصده بالسلام (3) . وقيل : يحنث إلا إن أخرجه بنيته ، وعنى بسلامه غيره .
ومن حلف لا يكلم رجلا فأرسل إليه رسولا فكلمه ، حنث ، إذ بلَّغ إليه كلامه ، ومثله إن كتب إليه كتابا فقرأه ؛ لأنه ضمَّنه كلامه (4) ؛ ولأن الله عز وجل قال : { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ } (5) ، وقال الله عز وجل في المنافقين : { يعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ } (6) ، وإنما نبأهم من أخبارهم بالوحي الذي نزل به جبريل عليه السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ويخبرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بوحي الله عز وجل (7) .
__________
(1) القوانين الفقهية ، ص 169، تحفة افقهاء ، 2/ 324 .
(2) الشافعي ، المرجع السابق ، 7/ 78 ، وابن قدامة ، الكافي ، 4/ 393 .
(3) القطب ، الجامع ، 3/ 247 .
(4) محمد بن إدريس الشافعي ، أحكام القرآن ، 2/ 115، وأبو الحسن البسيوي ، المختصر ، 134 ، والقطب ، الجامع ، 3/ 247 .
(5) سورة الشورى ، 51 .
(6) سورة التوبة ، 94 .
(7) محمد بن إدريس الشافعي ، أحكام القرآن ، 2/ 115 . (1/110)
صفحة 111
وقال أبو المؤثر : لا يحنث ، ولو كتب إليه ؛ لأن الكتاب ليس بكلام عنده (1) ؛ واحتج بأنه لو كتب كتابا بإقرار منه على نفسه بألف درهم ، ولم يلفظ بلسانه ، وشهدت البينة بأنهم رأوه كتبه لم يحكم عليه به حتى يلفظ بلسانه ؛ ولأن الكتابة صنعة (2) .
وإن حلف لا يكلم الرجال ، فكلم واحدا حنث ؛ لأن (( ال )) للماهية ، وهي تتحقق في كل فرد (3) .
ثانيا : الحلف على اللبس والكسوة :
من حَلف لا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِ امْرَأَتِهِ لَمْ يَحنَث عِنْدَ ابن محبوب ، وأبي الحسن إنْ لَبِسَ مَا فِيهِ غَزْلُهَا حَتَّى يلبس ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا (4) ، وقال أبو الحسن : " وإن أعطت من غزل لها فذلك من غزلها " (5) . وحنث عند الشماخي (6) .
وإن حلفت المرأة لا تلبس حليا فلبست لؤلؤا ، حنثت (7) ؛ لقوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } (8) .
وإن حلف لا يلبس ثوبا ، فإنه لا يحنث حتى يلبس ثلاثة أثواب ؛ لأن ( ثوبا ) اسم نكرة فلا يقع عليه الحنث إلا بما يقع اسم الجمع (9) .
أما إن حلف لا يلبس الثياب ، فإنه يحنث حتى لو لبس ثوبا واحدا (10) ؛ لأنه يصدق على جنس الثياب وذلك يتحقق بالثوب الواحد .
الفصل الرابع : كفارة اليمين :
تعريف الكفارة ، ودليل مشروعيتها .
صفة التكفير في اليمين .
مسائل متعلقة بالتكفير .
المبحث الأول :
__________
(1) مهنا البوسعيدي ، مرجع سابق ، 5/ 121 .
(2) البوسعيدي ، المرجع السابق ، 5/ 121 .
(3) القطب ، الجامع ، 3/ 248 .
(4) أبو الحسن البسيوي ، المختصر ، ص 135 .
(5) أبو الحسن البسيوي ، المرجع السابق ، 135 .
(6) 10) الشماخي ، الإيضاح ، 2/ 382 .
(7) الشماخي ، المرجع السابق ، 2/ 380 .
(8) سورة النحل ، 14 .
(9) الشماخي ، المرجع السابق ، 2/ 381 .
(10) الشماخي ، المرجع السابق ، 2/ 381 . (1/111)
صفحة 112
تعريف الكفارة ، ودليل مشروعيتها
قبل الشروع فيما يتعلق بالكفارة والمسائل المتعلقة بها ، لابد أولا أن نقوم بمعرفة المعاني التي تدور حولها ، ثم نعرج بعد ذلك ، في محاولة استخراج المعنى الاصطلاحي لهذه اللفظة ، ليكون ذلك مدخلا لنا ، إلى مباحث هذا الفصل .
المطلب الأول : تعريف الكفارة :
أولا : التعريف اللغوي :
الكُفْرُ : نقيض الإِيمان ، يقال : آمنَّا بالله وكَفَرْنا بالطاغوت (1) .
والكُفْرُ : كُفرُ النعمة ، وهو نقيض الشكر (2) ، وفي الحديث : (( أصبح من عبادي مؤمنا وكافرا فأما من قال مطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب )) (3) ، أَي : كافرين بذلك دون غيره حيث يَنْسُبون المطر إِلى النوء دون الله (4) ، ومنه الحديث : (( رأيت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن ، قيل : أيكفرن بالله ؟ ، قال : يكفرن العشير ويكفرن الإحسان ، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا ، قالت : ما رأيت منك خيرا قط )) (5) . أَي : يجحدن إِحسان أَزواجهن .
وكافَرَه حَقَّه : جَحَدَه . ورجل مُكَفَّر : مجحود النعمة مع إِحسانه . ويقال : كافرني فلان
__________
(1) ابن منظور مرجع سابق ، 5/ 144، والجوهري ، 2/ 534 .
(2) الجوهري ، 2/ 535 .
(3) أخرجه البخاري ، كتاب الأذان ، باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم ، رقم 846 ، 1/ 203 ، ومسلم ، كتاب الإيمان ، باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء ، وابن حبان ، باب ذكر إطلاق اسم الكفر على من رأى الأمطار من الأنواء ، والحاكم في المستدرك ، باب من قال مطرنا بالنوء ، رقم 125/ 49 .
(4) ابن منظور مرجع سابق ، 5/ 151 .
(5) أخرجه البخاري ، باب كفران العشير وهو الزوج وهو الخليط من المعاشرة ، رقم 5197 ، 3/ 1337 . (1/112)
صفحة 113
حقي ِذا جحده حقه (1) ، ومنه ما جاء عن عبد الملك بن مروان (2) أنه كتب إِلى الحجاج (3) : " من أَقرّ بالكُفْر فَخَلِّ سبيله " (4) ، أَي : بكفر من خالف بني مَرْوانَ وخرج عليهم .
ورجل كافر : جاحد لأَنْعُمِ الله ، مشتق من السَّتْر ، وقيل : لأَنه مُغَطًّى على قلبه ، والجمع كُفّار وكَفَرَة وكِفَارٌ مثل جائع وجِياعٍ ونائم ونِيَامٍ (5) .
__________
(1) ابن منظور المرجع سابق ، والجوهري ، 5/ 137 .
(2) هو أبو الوليد عبد الملك بن مروان بن الحكم أحد خلفاء بني أمية ، ولي الخلافة بعد مقتل عبدالله بن الزبير ، وكانت ولايته ثلاثة عشر عاما وشهرين ونصف . راجع : الرسائل الخمس ، لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم [ ت 456هـ ] أعدها وقدم لها وعلق عليها الشيخ/ أحمد حسن جابر رجب ( مجمع البحوث الإسلامية ـ لجنة السنة ) ، هدية مجلة الأزهر المجانية ـ شعبان/ 1413هـ ، الكتيب الثاني ، ص 115 . وخير الدين الزركلي ، مرجع سابق ،
(3) أبو محمد ، الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي ، أحد ولاة بني أمية ، فقد ولي إمارة مكة والمدينة والطائف زمن عبد الملك بن مروان ، ثم أضاف إليه ولاية العراق ، والثورات قائمة فقمعها وثبتت له الإمارة عشرين سنة ؛ وكان الحجاج خلالها سفاحا سفاكا للدماء باتفاق المؤرخين . توفي الحجاج سنة 95هـ . راجع : الزركلي ، المرجع سابق ، 2/ 168 .
(4) مروج الذهب ومعادن الجواهر ، المسعودي ، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي [ ت 346 هـ ] ، 2/98 ، والتاريخ الكبير ، ابن عساكر ، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله [ ت 571 هـ ] ،
(5) ابن منظور ، المرجع السابق ، 5/ 148 . (1/113)
صفحة 114
وجمعُ الكافِرَة كَوافِرُ (1) . وفي حديث القُنُوتِ : (( واجْعَلْ قلوبهم كقُلوبِ نساءٍ كَوافِرَ )) (2) ، يعني : في التَّعادِي والاختلاف (3) ، ورجل كَفَّارٌ وكَفُور : كافر ، والأُنثى كَفُورٌ أَيضاً ، وجمعهما جميعاً كُفُرٌ (4) ، قال تعالى : { فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلا كُفُوراً } (5) ، قال الأَخفش (6) : هو جمع الكُفْرِ مثل بُرْدٍ وبُرود (7) . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَنه قال : (( قِتالُ المسلمِ كُفْرٌ وسِبابُه فِسْقٌ )) (8) ،
وأَصل الكفر تغطية الشيء تغطية تستهلكه (9) .
وأَكْفَرْتُ الرجل وكَفَّرَته َ: دعوته كافراً . يقال : لا تُكْفِرْ أَحداً من أَهل قبلتك ؛ أَي : لا تَنْسُبْهم إِلى الكفر ؛ أَي : لا تَدْعُهم كفاراً ، ولا تجعلهم كفاراً بقولك وزعمك (10) .
__________
(1) الجوهري ، المرجع السابق ، 2/ 534 .
(2) رواه ابن أبي شيبة ، باب القنوت ، وابن أبي يعلى من طريق أنس بن مالك . قال الهيثمي : وفيه حنظلة بن عبيد الله السدوسي ضعفه أحمد وابن المديني وجماعة ووثقه ابن حبان .
(3) ابن منظور ، المرجع سابق 5/ 147 .
(4) ابن منظور ، المرجع السابق ، 5/ 147 .
(5) 10) سورة الإسراء ، 99 .
(6) 11) أبو الحسن ، سعيد بن مسعدة ( الأخفش الأوسط ) ، من أهل بلخ وسكن البصرة ، وكان أجلع لا تنطبق شفتاه على لسانه ، قرأ النحو على سيبويه وكان أسن منه ، ولم يأخذ عن الخليل ؛ صنف الأخفش : الأوساط في النحو ، ومعاني القرآن وغيرها .
أنظر : السيوطي ، بغية الوعاة ، 1/590 .
(7) 12) معاني القرآن ، الأخفش ، سعيد بن مسعدة ،
(8) 13) رواه النسائي في الكبرى ، كتاب المحاربة ، باب قتال المسلم ، 3554 ، 3/ 458 ، والإمام أحمد من طريق عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - ، 3903 ، 4126 ، 4178 .
(9) ابن منظور ، المرجع السابق ،5/ 145 .
(10) ابن منظور ، 5/ 144 . (1/114)
صفحة 115
والكافر : الزرَّاعُ لستره البذر بالتراب . والكُفَّارُ : الزُّرَّاعُ . وتقول العرب للزَّرَّاعِ : كافر ؛ لأَنه يَكْفُر البَذْر المَبْذورَ بتراب الأَرض المُثارة إِذا أَمَرّ عليها مالَقَهُ (1) ، ومنه قوله تعالى : { كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُه } (2) ؛ أَي : يعجب الزراع نبات ذلك الزرع الذي نبت بالغيث كما يعجب الزراع كذلك تعجب الحياة الدنيا الكفار فإنهم أحرص شيء عليها وأميل الناس إليها (3) .
والكافر : الليل ، وقيل : الليل المظلم ؛ لأَنه يستر بظلمته كل شيء . وكَفَرَ الليلُ الشيءَ وكَفَرَ عليه : غَطَّاه (4) .
قال لبيد (5) :
فاجْرَمَّزَتْ ثم سارَتْ، وهي لاهِيَةٌ في كافِرٍ ما به أَمْتٌ ولا شَرَفُ (6) .
__________
(1) ابن منظور ، المرجع السابق ، 5/ 144 .
(2) سورة الحديد ، 20 .
(3) ابن كثير الدمشقي ، تفسير ابن كثير ، 2/
(4) ابن منظور المرجع سابق ، والجوهري ، 5/ 149 .
(5) أبو عقيل ، لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب العامري ، وكان يقال لأبيه : ربيع المُقترين لسخائه ؛ كان لبيد من شعراء الجاهلية وفرسانهم وأدرك الإسلام فهو من المخضرمين فقد قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وفد بني كلاب ، فأسلموا ورجعوا إلى بلادهم . أقام لبيد في الكوفة ومات بها ودفن في صحراء بني جعفر بن كلاب ، وهو ابن مائة وسبع وخمسين سنة ، ولم يقل في الإسلام غير بيت واحد مختلف فيه ، فقيل هو :
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى كساني من الإسلام سربالا .
وقيل هو :
ما عاتب المرء الكريم كنفسه والمرء يصلحه الجليس الصالح .
راجع : الأصفهاني ، الأغاني ، 15/ 246 ، وابن قتيبة ، الشعر والشعراء ، ص 167.
(6) ابن منظور ، المرجع السابق ، 5/ 149 . (1/115)
صفحة 116
والكافر : البحر لسَتْرِه ما فيه ، ويُجْمَعُ الكافِرُ كِفَاراً (1) ، قال ثعلبة بن صُعَيْر المازني ، يصف الظليم والنعامة ورَواحَهما إِلى بيضهما عند غروب الشمس :
فَتَذَكَّرا ثَقَلاً رثِيداً بَعْدَما أَلْقَتْ ذُكاءُ يَمينَها في كافِرِ (2) .
والكافِرُ : الوادي العظيم ، أو النهر ، قال المُتَلَمِّسُ (3) يذكر طَرْحَ صحيفته :
وأَلْقَيْتُها بالثَّنْي من جَنْبِ كافِرٍ كذلك أَقْنِي كلَّ قِطَ مُضَلل (4) .
__________
(1) ابن منظور المرجع سابق ، والجوهري ، 2/ 536 .
(2) ذُكاء : اسم للشمس . وأَلقت يمينها في كافر ، أَي : بدأَت في المغيب . أنظر : ابن قتيبة ، المرجع السابق ، ص 174 .
(3) هو جرير بن عبد المسيح من بني ضبيعة ، من الشعراء المقلين في الجاهلية ، وكان ينادم عمرو بن هند ،ملك الحيرة ، هو وطرفة بن العبد فهجواه فكتب لهما كتابا إلى عامل البحرين ، يوهمهما فيه أنه أمر لهما بجائزة ، لكنها بعد ذلك كشفا مكيدته ، وعرفا أنه كتب بقتلهما ، فألقى المتلمس صحيفته في النهر ، وقال :
ألقيتها بالثني من جنب كافر كذلك أفني كل قط مُضلِل .
رضيت لها بالماء لما رأيتها يجول بها التيار في كل جدول .
راجع : ابن قتيبة ، المرجع السابق ، ص 99 .
(4) ابن قتيبة ، المرجع السابق ، ص 99 . (1/116)
صفحة 117
وقد كَفَر الرجلُ متاعَه ؛ أَي : أَوْعاه في وعاءٍ . وكلُّ شيء غطى شيئاً ، فقد كَفَرَه (1) . وفي سبب نزول قوله تعالى : { وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } (2) ، أَن الأَوْسَ والخَزْرَجَ ذكروا ما كان منهم في الجاهلية ، فثار بعضهم إِلى بعض بالسيوف ، ولم يكن ذلك على الكفر بالله ولكن على تغطيتهم ما كانوا عليه من الأُلْفة والمودّة (3) .
والكَفَّارة ، ما كُفِّرَ به من صدقة أَو صوم أَو نحو ذلك ، قال بعضهم : كأَنه غُطِّيَ عليه بالكَفَّارة . وتَكْفِيرُ اليمين : فعل ما يجب بالحنث فيها ، والاسم الكَفَّارةُ (4) .
__________
(1) ابن منظور المرجع سابق ، والجوهري ، 2/ 535 .
(2) سورة آل عمران ، 101 .
(3) أسباب النزول ، أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري [ ت 468 ] ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1419هـ / 1998م ، ص 65 .
(4) 10) ابن منظور المرجع سابق ، 5/ 150 . (1/117)
صفحة 118
وفي التهذيب : " وسميت الكَفَّاراتُ كفَّاراتٍ ؛ لأَنها تُكَفِّرُ الذنوبَ ؛ أَي : تسترها مثل كَفَّارة الأَيْمان وكَفَّارة الظِّهارِ والقَتْل الخطأ ، وقد بينها الله تعالى في كتابه ، وأَمر بها عباده " (1) . وفي حديث قضاء الصلاة ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - (2) قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( من نام عن صلاة أو نسيها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها )) (3) ، وفي رواية : (( فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك )) (4) . وأَكْفَرَ الرجلُ مُطِيعه : أَحْوَجَه أَن يَعْصِيَه (5) . وفي التهذيب : " إِذا أَلجأْت مُطِيعَك إِلى أَن يعصيك فقد أَكْفَرْتَه " (6) .
__________
(1) الأزهري ، تهذيب اللغة ،
(2) أبو ثمامة ، أنس بن مالك بنبن النظر الخزرجي الأنصاري ، صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخادمه ،روى عنه رجال الحديث 2286 حديثا ،ولد بالمدينة وهو آخر الصحابة موتا بالبصرة عام 93هـ . راجع : أسد الغابة في معرفة الصحابة ، ابن الأثير ، أبو الحسن علي بن محمد بن الجزري[ ت 630هـ ]، تصحيح/ عادل أحمد الرفاعي ، ( دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1417هـ / 1996م ، الجزء الأول ، ص192.
(3) رواه ابن الجارود في المنتقى، باب النائم في الصلاة وقضاء الفوائت ، رقم 239 ، 1/ 70.
(4) أخرجه البخاري ، كتاب مواقيت الصلاة ، باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها ولا يعيد إلا تلك الصلاة ، 597 ، 1/150، ومسلم ، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها ، 309 ، ص 247 .
(5) ابن منظور ، 5/ 150 .
(6) الأزهري ، المرجع السابق ، (1/118)
صفحة 119
وفي الحديث عن أَبي سعيد الخُدْريّ ، قال : (( إِذا أَصبح ابن آدم فإِن الأَعضاء كلها تُكَفِّرُ للسان ، تقول : اتق الله فينا ، فإِن استقمت استقمنا ، وإِن اعوججت اعوججنا )) (1) ؛ أَي : تَذِلّ وتُقِرّ بالطاعة له وتخضع لأَمره (2) .
ثانيا : التعريف الاصطلاحي .
في الحقيقة لم أجد عند الفقهاء تعريفا للكَفَّارة ، ولكن بالنظر إلى التعريف اللغوي يمكن تعريف الكفارة بأنها : ما كُفِّرَ به من صدقة أَو صوم أَو نحو ذلك مما أوضحه الله في كتابه العزيز أو ما جاء في سنة النبي عليه أفضل الصلاة والسلام ، كأَنها تغُطِّيَ الذنب وتستره وتمحوه .
المطلب الثاني : دليل مشروعية الكفارة :
أولا : دليل مشروعية الكفارة من الكتاب العزيز :
جاءت في القرآن الكريم الكثير من الآيات ، التي تبين مشروعية الكفارة وتوضح أحكامها وصفاتها ؛ من ذلك قوله نعالى : { لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } (3) .
__________
(1) أخرجه الترمذي ، كتاب الزهد ، باب ما جاء في حفظ اللسان ، رقم 2407 ، 4/ 605 ، وقال : هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث حماد بن زيد ؛ والإمام أحمد في المسند من طريق أبي سعيد الخُدْري ، رقم 11847.
(2) ابن منظور ، المرجع السابق ، 5/ 151 .
(3) سورة المائدة ، 89 . (1/119)
صفحة 120
قال الإمام القطب : " { فَكَفَّارَتُهُ } : صفة مبالغة ؛ أي : فعلته التي تبالغ في ستره وإذهاب إثمه ، أي : فستارته " (1) . وقال النحاس (2) : " فكفارة إثمه ، أي : الذي يُغطي على إثمه " (3) . ومما جاء دليلا على مشروعية الكفارة قوله تعالى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } (4) . أي : " ما ينبغي أن يصدر منه قتل له ، إلا مخطئا في قتله ، من غير قصد ومن قتل مؤمنا خطأ ، بأن قصد رميَ غيره كصيد ، أو شجرة ، فأصابه ، أو ضربه بما لا يقتل غالبا ، فتحرير رقبة نسمة مؤمنة عليه ، ودية مسلمة مؤداة إلى أهله ، أي : ورثة المقتول " (5) .
__________
(1) محمد أطفيش ، تيسير التفسير ، 3/ 165 .
(2) أبو جعفر النحاس ، أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي ، المفسر والنحوي المصري ، المعروف بالنحاس أو بابن النحاس ، ويعرف أيضا بالصفار ، لم تعرف سنة ولادته بالضبط ولكن يعتقد أنه ولد سنة 260هـ ، وأما وفاته فقد كانت سنة 338هـ . للنحاس مؤلفات كثيرة منها : كتاب معاني القرآن ، وكتاب أخبار الشعراء ، وكتاب الكافي في النحو . راجع : أبو جعفر النحاس ، مرجع سابق ، ( مقدمة المحقق ) ، 1/ 10 ، 24 .
(3) النحاس ، مرجع سابق ،
(4) سورة النساء ، 92 .
(5) تفسير الجلالين ، (1/120)
صفحة 121
قال الزَّجاج : " ما كان له أن يقتله البتة لكن إن قتله خطأ فعليه كذا " (1) .
قال الإمام ابن كثير (2) : " هذان واجبان في قتل الخطأ أحدهما الكفارة لما ارتكبه من الذنب العظيم وإن كان خطأ " (3) .
__________
(1) الزجاج ، مرجع سابق ، 2/ 90 .
(2) هو الإمام الحافظ أبو الفداء ، إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير القرشي الدمشقي الشافعي ، حافظ مؤلف فقيه ، ولد بالشام سنة 700هـ ، في قرية مجدل من أعمال بصرى ، ثم انتقل إلى دمشق ، لابن كثير مؤلفات كثيرة منها : البداية والنهاية ، وشرح صحيح البخاري ، وتفسير القرآن العظيم ، توفي ابن كثير سنة 774 هـ . أنظر : الأعلام 1/ 320 .
(3) ابن كثير ، مرجع سابق ، 1/ 608 . (1/121)
صفحة 122
وقال تعالى مبينا كفارة الظهار : { وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ - فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } (1) .
قال الإمام البغوي (2) : " عفا عنهم وغفر لهم بإيجاب الكفارة عليهم " (3) .
__________
(1) سورة المجادلة ، 4،3 . قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو : يظهرون بفتح الياء وتشديد الظاء والهاء وفتحهما من غير ألف ، وقرأ أبو جعفر ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي : يظّاهرون بفتح الياء وتشديد الظاء وبألف وتخفيف الهاء ، وقرأ عاصم : يُظاهرون بضم الياء وتخفيف الظاء والهاء وكسر الهاء في الموضعين مع إثبات الألف ، وقرأ ابن مسعود : يتظاهرون بياء وتاء وألف ، وقرأ أبي بن كعب : يتظهّرون بياء وتاء وتخفيف الياء وتشديد الهاء من غير ألف ، وقرأ الحسن ، وقتادة ، والضحاك : يظهرون بفتح الياء وفتح الظاء مخففة مكسورة الهاء مشددة . راجع : معجم القراءات ، 9/ 360 ، 361 .
(2) أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد الفراء ، أو ابن الفراء ، فقيه محدث مفسر ، نيبته إلى بغاا في خرسان ، وهي بين هراة ومرو ، والفراء نسبة إلى عمله ، وللفراء العديد من المؤلفات منها : التهذيب في فقه الشافعية ، وشرح السنة وهو في الحديث . توفي البغوي سنة 516 هـ . أنظر : وفيات الأعيان 1/ 145 .
(3) تفسير البغوي ، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي ، ( دار ابن حزم ) ، الطبعة الأولى ، 1423هـ / 2002م ، ص 1284 . (1/122)
صفحة 123
قال أبو السعود : " أي فتدراكه ، أو فعليه ، أو فالواجب إعتاقُ رقبة أيَّ رقبة كانت" (1) . وقال الواحدي : " في الآية تقديم وتأخير ، تقديرها والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة ، لما قالوا ثم يعودون أي على المظاهر عتق ورقبة لقوله لامرأته أنت علي كظهر أمي ثم يعود إلى استباحة الوطء ولا تحل له قبل الكفارة وهو قوله من قبل أن يتماسا ، أي : يجامعا " (2) .
ثانيا : دليل مشروعية الكفارة من السنة النبوية :
__________
(1) تفسير أبي السعود ، 2/ 154 .
(2) تفسير الواحدي ، 2/ 1074 . (1/123)
صفحة 124
عن سَلمةَ بنِ صخرٍ الأنصاري (1) قال : كنت امرأ قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت أحد غيري فلما كان من رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ فراقا من أن أصيب من ليلي منها شيئا فأتابع في ذلك حتى يدركني النهار وأنا لا أستطيع أن أنزع فبينما هي تخدمني ذات ليلة إذ انكشف لي منها ، فوثبت عليها فلما أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم خبري فقلت لهم : انطلقوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبِروه بأمري فقالوا : لا والله لا نفعل ، نتخوف أن ينزل فينا قرآن ، أو يقول فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقالة يبقى علينا عارها ، ولكن اذهب فاصنع ما بدا لك ، فخرجت حتى أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرتُه خبري فقال لي : (( أنت بذاك فقلت : أنا بذاك قال : أنت بذاك قلت : أنا بذاك ، قال : أنت بذاك ، قلت : أنا بذاك ، فأمض فيَّ حكم الله فإني صابر محتسب ، قال أعتق رقبة قال : فضربت صفحة عنقي ، فقلت : والذي بعثك بالحق يا رسول الله ما أصبحت أملك غيرها قال : فصم شهرين متتابعين قلت : يا رسول الله وهل أصابني ما أصابني إلا في الصوم قال : فأطعم ستين مسكينا قلت : والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا وحشا ما لنا عشاء قال : أذهب إلى صاحب صدقة بني زريق ، فقل له فليدفعها إليك فأطعم عنك منها وسقا من تمر ستين مسكينا ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك )) (2) .
__________
(1) هو سلمة بن صخر بن سليمان بن الصِّمة بن حارثة الأنصاري الخزرجي ، له حلف في بني بياضة ، فقيل له : البياضي . أنظر : أسد الغابة ، 2/ 501 .
(2) أخرجه الترمذي ، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، باب سورة المجادلة ، رقم 3299 ، 5/ 405 ، وقال : هذا حديث حسن ؛ والإمام أحمد ، من طريق سلمة بن صخر ، 4/ 37 ، . (1/124)
صفحة 125
ورَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَة (1) قَالَ : قَالَ لِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : (( يا عبد الرحمن بن سَمُرَة لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها مسألة أعنت عليها وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير )) (2) .
المبحث الثاني :
صفة التكفير في اليمين
ذكر الله سبحانه في الكفارة الأنواع الثلاثة من الكفارات ، فخير فيها وعقب ، فبدأ بالطعام لأنه كان الأفضل في بلاد الحجاز لغلبة الحاجة إليه وعدم شبعهم (3) ، ثم أنهاها بالصيام . ولا خلاف بين عامة أهل العلم في أن كفارة اليمين على التخيير ( اليمين المرسلة ) (4) ، قال ابن العربي : " والذي عندي أنها تكون بحسب الحال فإن علمت محتاجا فالطعام أفضل لأنك إذا أعتقت لم تدفع حاجتهم وزدت محتاجا حادي عشر إليهم وكذلك الكسوة تليه ولما علم الله الحاجة بدأ بالمقدم المهم " (5) .
__________
(1) أبو سعيد عبد الرحمن بن سَمُرَة بن حبيب بن عبد شمس العبشمي ، ،ويقال كان اسمه عبد كلال ، وقيل عبد كلول وقيل عبد الكعبة ،فغيره النبي - صلى الله عليه وسلم - . أسلم عام الفتح وشهد غزوة تبوك ، ثم بعد ذلك فتوح العراق ، وهو الذي افتتح سجستان في خلافة عثمان بن عفان ، ثم نزل البصرة ، وإليه تنسب سكة بن سمرة فيها .
مات رضي الله عنه سنة 50هـ ، وقيل سنة 51هـ . راجع : ابن حجر العسقلاني ، المرجع السابق ، 4/ 262 .
(2) رواه البخاري ، كتاب الأيمان ، باب الكفارة قبل الحنث وبعده ، 6722 ، ومسلم ، كتاب الأيمان ، باب ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه ، 1652 .
(3) القرطبي ، مرجع سابق ، 6/ 275 .
(4) ابن جعفر ، الجامع ، 3/ 323 ، والقوانين الفقهية ، ص 170.
(5) القرطبي ، 6/ 275 . (1/125)
صفحة 126
قال تعالى : { لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } (1) ، ذهب ابن عمر (2) إلى أن ( أو ) هنا للتقسيم لا للتخيير ، وتعقبه عامة أهل العلم بالقياس الجلي على فدية الحلق في الإحرام (3) .
وللفقهاء تفصيل في كل نوع من هذه الأنواع الأربعة ، أفردنا هذا الفصل لبيانها وبيان مذاهب العلماء فيها ، وسنتبع في ذلك الترتيب الذكري الذي جاء في الآية المتقدمة ، حيث نبدأ بالحديث حول صفة التكفير بالصوم والشروط التي اشترطها الفقهاء في الطعام الذي يُخرج على سبيل الكفارة ، ثم نتحدث بعد ذلك فيما يتعلق بالكسوة ، ثم أقوال الفقهاء في الرقبة التي تصح أن تعتق في الكفارات ، ثم أخيرا نختم حديثنا في هذا المبحث بالحديث عن الصيام وما يشترط فيه على اعتبار أنه مكفر من الكفارات .
المطلب الأول : صفة الإطعام وشروطه :
__________
(1) سورة المائدة ، 89 .
(2) أبو عبد الرحمن ، عبدالله بن عمر بن الخطاب ، صحابي جليل ، نشأ في الإسلام ، وهاجر إلى المدينة مع أبيه وشهد فتح مكة ، توفي رضي الله عنه بمكة عام 73هـ . راجع : الإصابة في تمييز الصحابة ،
(3) الروضة الندية شرح الدرر البهية ، أبي الطيب بن حسن بن علي الحسين القنوجي البخاري ، تحقيق/ عبدالله بن إبراهيم الأنصاري ، ( منشورات دار الكتب العصرية ـ بيروت ) ، ص 252 . (1/126)
صفحة 127
قال تعالى : { فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } (1) ، بدأت الآية بالإطعام لأنه ـ كما قال القرطبي ـ كان الأفضل في بلاد الحجاز لغلبة الحاجة إليه وعدم شبعه .
وقد اختلف الفقهاء في صفة الطعام المخْرَج في الكفارة ، أي : أصنافه ، ومقدار المخرَج منه ، وأصناف المستحقين له ؛ نفصل الحديث فيها فيما يلي :
أولا : صفة الطعام ومقداره في الكفارة :
اختلف الفقهاء في مقدار المخرج من الطعام في كفارة اليمين على أقوال :
ذهب بعض الإباضية إلى القول بأنه مُدان من الحبوب الستة ، وهذا قول العلامة الثميني (2) . وقيل : مُدان من بُر وما هو بمنزلته ، مثل التمر الجيد ، وثلاثة من شعير وما كان بمنزلته مثل التمر الرديء (3) . وقيل : مُدان من شعير وقبضة . قال الإمام القطب : " وهو المشهور المعمول به قياسا على كفارة الحلق ، الواردة في الحديث مُدان لكل مسكين من بُر ، فقيس سائر الكفارات عليه ، وقيس غير البُر على البُر بالقيمة ، فإذا كانت قيمة الشعير ـ مثلا ـ أربعة أمداد منه بمُدين من شعير أُعطي لكل مسكين أربعة من شعير ، وهكذا " (4) .
وقال مالك (5) ، والشافعي : مُدٌ لكل واحد من المساكين العشرة إن كان بمدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - (6) ،
__________
(1) قرأ جعفر الصادق : ( أهاليكم ) ، وقرأ البقية : أَهْلِيكُمْ . أنظر : عبد اللطيف الخطيب ، مرجع سابق ، 2/ 335 .
(2) عبد العزيز الثميني ، التاج المنظوم ، 3/ 109 .
(3) القطب ، شرح النيل ، 4/ 374 .
(4) القطب ، المرجع السابق ، 4/ 374 .
(5) أبو عبدالله ، مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن الحارث الأصبحي المدني ، إمام دار الهجرة ، أخذ القراءة عن نافع ، وسمع الزهري ، وأخذ العلم عن ربيعة الرأي ، وكانت وفاته بالمدينة سنة 179هـ . أنظر : ابن خلكان ، مرجع سابق ، 2/300 .
(6) أحكام القرآن ، محمد بن إدريس الشافعي ، 2/112 . (1/127)
صفحة 128
وهو قول ابن عمر ، وزيد بن ثابت ، وابن عباس ، والحسن ، وبه قال عطاء بن أبي رباح (1) .
قال سليمان بن يسار (2) : " أدركت الناس وهم إذا أعطوا في كفارة اليمين أعطوا مدا من حنطة بالمد الأصغر ورأوا ذلك مجزئا عنهم " (3) . وقال الشافعي : " ويجزيء بكفارة اليمين مُد بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - من حنطة ، وما يقتات أهل البلدان من شيء أجزأهم منه مُد " (4) . وإن كان بغيرها فقد قيل : يجزيه المد بكل مكان ، وقال غيره : يخرج الوسط من الشبع ، وقال آخرون : هو رطلان بالبغدادي وشيء من الإدام لحم أو لبن أو بقل وعد ذلك وسطا من الشبع (5) .
__________
(1) القرطبي ، مرجع سابق ، 6/ 276 .
(2) هو أبو أيوب ، سليمان بن يسار ، مولى أم المؤمنين ميمونة ، وهو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة ، ولد في خلافة عثمان بن عفان ، وقد كان أبوه فارسيا . توفي رضي الله عنه سنة 107هـ . أنظر : الزركلي ، مرجع سابق ، 3/ 138 .
(3) القرطبي ، المرجع السابق ، 6/ 276 .
(4) الشافعي ، الأم ، ص 70 .
(5) أبو بكر حسين الكشناوي ، مرجع سابق ، ص 28 . (1/128)
صفحة 129
وقال أبو حنيفة يعطي نصف صاع من قمح ، أو صاعا (1) من شعير ، أو زبيب أو تمر ، ولو غداهم وعشاهم جاز ، وهو قول عمر بن الخطاب (2) ، وعلي ، وعائشة ـ رضي الله عنهم ـ ، وبه أخذ سفيان ، وسعيد بن المسيِّب ، وهو قول عامة فقهاء العراق (3) ، لما رواه ابن عباس قال : (( كفَّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصاع من تمر وأمر الناس بذلك فمن لم يجد فنصف صاع من بر من أوسط ما تطعمون أهليكم )) (4) ، ويخرج الرجل مما يأكل . وقال جماعة من العلماء : إنه إذا كان يأكل الشعير ويأكل الناس البر فليخرج مما يأكل الناس (5) . ورد عليهم بأن المكفر إذا لم يستطع في خاصة نفسه إلا الشعير لم يكلف أن يعطى لغيره سواه وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : صاعا من طعام أو صاعا من شعير ففصل ذكرهما ليخرج كل أحد فرضه مما يأكل وهذا مما لا خفاء فيه (6) .
__________
(1) الصاع يساوي أربعة أمداد ، والمد يساوي
(2) محمد قلعه جي ، موسوعة عمر بن الخطاب ، ص 467 .
(3) القرطبي ، المرجع السابق ، 6/ 277 .
(4) رواه ابن ماجة في السنن ، متاب الكفارات ، باب كم يطعم في كفارة اليمين ، 2112 ، والكناني في مصباح الزجاجة ، كتاب الكفارات ، باب كم يطعم في كفارة اليمين ، 2/135 .
(5) 10) القرطبي ، المرجع السابق ، 6/ 277 .
(6) 11) القرطبي ، المرجع السابق ، 6/ 277 . (1/129)
صفحة 130
وقد استدل أبو حنيفة بحديث عبد الله بن ثعلبة بن صُعير (1) عن أبيه ، قال : (( قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطيبا فأمر بصدقة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير عن كل رأس أو صاع بر بين اثنين )) (2) .
ورد عليهم " بأن الذي في القرآن إطعام عشرة مساكين ، ومعناه الحقيقي أن يجعل لهم طعاما يأكلونه مرة واحدة من غير تقدير بمقدار معين ولا على صفة معينة من اجتماعهم أو كونه في وقت مخصوص بل ما يصدق عليه مسمى إطعام العشرة لغة ، ولا ريب أنه يقال لمن أطعم عشرة ليلا أو نهارا مجتمعين أو مفترقين أنه مطعم لذلك القدر ، فما وقع الجزم به من اعتبار إطعام العشرة مرتين لا وجه له " (3) .
وقال الحنابلة : يعطي مدَ برٍ ، أو نصف صاعِ تمرٍ أو شعيرٍ (4) .
وقد اشترط بعض الفقهاء تمليك الطعام للفقراء (5) ، ومن هؤلاء : سعيد بن جُبير (6) ،
__________
(1) عبد الله بن ثعلبة بن صُعير بن عمرو بن سنان القضاعي العذري ، صحابي جليل ، مات سنة سبع أو تسع وثمانين ، وقيل سنة تسعين للهجرة . أنظر : الإصابة ، 4/ 28 .
(2) أخرجه أبو داود ، كتاب الزكاة ، باب من روى نصف صاع من قمح ، 1619 ، 2/ 114 ، والطبراني في الكبير ، من طريق ثعلبة بن صُعير ، 1389 ، 2/87 ، وابن خزيمة ، كتاب الزكاة ، باب إخراج التمر والشعير في صدقة الفطر ،2410 ، 4/ 87 .
(3) الحسين القنوجي البخاري ، المرجع السابق ، ص 253 .
(4) أبو الفرج ابن الجوزي ، زاد المسير في علم التفسير ، 1/ 579 .
(5) تحفة الفقهاء ، 2/ 330 .
(6) أبو عبدالله ، سعيد بن جبير الأسدي الكوفي تابعي ، كان حبشي الأصل ، أخذ العلم عن ابن عباس وابن عمر ، ثم كان ابن عباس إذا أتاه أهل الكوفة يستفتونه قال : أتسألوني وفيكم ابن أم دهماء ؟ ، يعني : سعيدا ؛ قتله الحجاج بواسط سنة 95هـ .
أنظر : ابن سعد ، الطبقات الكبرى 6/ 256. (1/130)
صفحة 131
والشافعي ، وأحمد . وروي عن علي بن أبي طالب (1) لا يجزيء إطعام العشرة وجبة واحدة يعني غداء دون عشاء أو عشاء دون غداء حتى يغديهم ويعشيهم (2) . وقال ابن حبيب من المالكية : ولا يجزيء الخبز قفارا بل يعطى معه إدامه زيتا أو كشكا (3) ، أو ما تيسر (4) . قال ابن العربي : " هذه زيادة ما أراها واجبة ، أما أنه يستحب له أن يطعم مع الخبز السكر نعم واللحم ، وأما تعيين الإدام للطعام فلا سبيل إليه ، لأن اللفظ لا يتضمنه " (5) . قال الإمام القرطبي : " نزول الآية في الوسط يقتضي الخبز والزيت أو الخل وما كان في معناه من الجبن والكشك " (6) .
وقال الثوري (7) ، والأوزاعي ، ومالك ، وأبو حنيفة : لو غداهم وعشاهم جاز (8) .
__________
(1) أبو الحسن ، علي بن أبي طالب بن هشام القرشي ، ابن عم رسول الله ، وأحد السابقين إلى الإسلام ،ولد قبل البعثة بعشر سنين ، فربي في حجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يفارقه ، وشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جميع المشاهد إلا غزوة تبوك ، ولي الخلافة بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان ؛ مات كرم الله وجهه مقتولا في الرابع عشر من رمضان سنة 40هـ في الكوفة ، وكانت خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر . أنظر : ابن سعد ، المرجع السابق ، والأصبهاني ، المرجع السابق ، 4/ 464 ، 468 .
(2) القرطبي ، 6/277 .
(3) هو ماء الشعير . أنظر : لسان العرب ، مادة كشك ،10/ 408 .
(4) القرطبي ، 6/ 278 .
(5) القرطبي ، المرجع السابق ، 6/ 277 .
(6) القرطبي ، المرجع السابق ، 6/ 277 .
(7) الثوري أبو عبدالله سفيان بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبدالله الثوري الكوفي ، كان إماما في الحديث ، وأحد الأئمة المجتهدين ، ولد في سنة خمس ، وقيل ست ، وقيل سبع للهجرة ، وتوفي في البصرة سنة 161هـ . أنظر : ابن خلكان ، مرجع سابق ، 1/ 374 .
(8) القرطبي ، المرجع السابق ، 6/ 277 . (1/131)
صفحة 132
وقال جابر بن زيد ، والحسن البصري ، وابن سيرين ، ومكحول : إن أطعمهم خبزا ولحما أو خبزا وزيتا مرة واحدة في اليوم حتى يشبعوا أجزأه وروي ذلك عن أنس بن مالك (1) .
معنى قوله تعالى : { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } ، قولان للعلماء :
أحدهما : في القَدْرِ (2) ، قاله : عمر ، وعلي ، وابن عباس ، ومجاهد (3) ، فقد روي عن ابن عباس أنه قال : " كان أهل المدينة يُقْرون للحر من القوت أكثر ما للمملوك ، وللكبير أكثر ما للصغير ، فنزلت : { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } ، ليس بأفضله ولا بأخسِّه " (4) .
والثاني : من أوسط أجناس الطعام ، قال به : ابن عمر ، والحسن ، وابن سيرين (5) ، واختاره أبو عبدالله ، محمد بن محبوب حيث قال : " والمختار أنه من أوسط طعام العامة في البلد " (6) .
ثانيا : أصناف المستحقين الإطعام في كفارة اليمين :
__________
(1) القرطبي ، مرجع سابق ، ومحمد بن علي الشوكاني ، فتح القدير ، 2/ 71 .
(2) أبو الفرج ابن الجوزي ، زاد المسير ، 1/579 .
(3) أبو الحجاج المكي ، مجاهد بن جبر ، أحد الأعلام التابعين ، وأئمة القراء والمفسرين ، مولى السائب بن أبي السائب المخزومي ، وقيل : مولى عبدالله بن السائب القاريء ، قرأ على عبدالله بن السائب ، وعبدالله بن عباس ، وقرأ عليه ابن كثير ، وأبو عمر بن العلاء ، وابن محيصن وغيرهم ، وتوفي 103هـ . أنظر : ابن سعد ، مرجع سابق ، 5/ 466 .
(4) 10) ابن جرير الطبري ، 7/ 22 ، وابن الجوزي، مرجع سابق ، 1/ 580 .
(5) ابن الجوزي ،مرجع سابق ، 1/ 580 .
(6) عبد العزيز الثميني ، التاج المنظوم ، 3 / 120 . (1/132)
صفحة 133
واشترط المالكية في المسكين الإسلام والحرية (1) ، واشترط الشافعي الإسلام والحرية والاحتياج ، فإن أطعم منها ذميا محتاجا ، أو حرا مسلما غير محتاج أو عبد رجل محتاج لم يجزه (2) ، وقال : " ويعطي الكفارات أو الزكاة كل من لا تلزمه نفقته من قرابته ... إن كانوا أهل حاجة ، وإن كان ينفق عليهم متطوعا أعطاهم " (3) .
وأجاز الإمام أبو عبيدة ، والإمام الثميني ، والقطب ، وموسى بن علي (4) ، وأبو حنيفة إعطائها للذمي (5) . لأن لفظ المسكنة يشملهم ؛ لأنه عام يشمل المسلم والذمي .
المطلب الثاني : الكسوة وشروط صفتها :
قال تعالى : { فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ } (6) ، وقد اختلف الفقهاء في صفة الكسوة المجزئة في كفارة اليمين على أقوال :
__________
(1) الكشناوي ، المرجع السابق ، ص 28.
(2) محمد بن إدريس الشافعي ، الأم ، 71 .
(3) الشافعي ، المرجع السابق ، ص70 .
(4) أبو علي موسى بن علي بن عزرة الأزكوي ، من علماء عمان المشهورين الذين عاشوا في القرنين الثاني والثالث الهجريين ، توفي رحمه الله سنة 230هـ ، وقيل : سنة 231هـ . أنظر : سيف البطاشي ، مرجع سابق ، 1/ 238 .
(5) السرخسي ، و الثميني ، النيل وشفاء العليل ، و التاج ، 3/ 124 ، والقطب ، شرح النيل ، 4/ 377 .
(6) سورة المائدة ، 89 . قرأ عبد الرحمن السلمي ، وأبو الجوزاء ، ويحيى بن يعمر : (( أو كُسوتهم )) بضم الكاف ، وقرأ سعيد بن جبير وأبو العالية وأبو نُهيك ومعاذ القارئ (( أو كإسوتهم )) بهمزة مكسورة مفتوحة الكاف مكسورة التاء والهاء . وقرأ ابن السَّميقع ، وأبو عمران الجوفي مثله ،إلا أنهما فتحا الهمزة . راجع : معجم القراءات (1/133)
صفحة 134
ذهب ابن عباس ومجاهد وطاووس وعطاء والثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأبو حنيفة (1) ، والعلامة الثميني ، والإمام القطب ، إلى أنها ثوب واحد ؛ وأجاز القطب إعطاء الواحد أكسية عشرة (2) .
قال العلامة الثميني : " ويجزي في كسوتهم ما يقع عليه اسم الكسوة ولو إزارا أو قميصا أو عمامة أو سروالا " (3) .
وذهب أبو موسى الأشعري وابن المسيِّب ، والحسن ، وابن سيرين ، والضحاك ، إلى أنهما ثوبان (4) .
وذهب ابن عمر : إلى أنهما إزار ورداء وقميص (5) .
وذهب مالك ، وإبراهيم النخعي ، والحنابلة (6) إلى القول بأنها ما يستر جميع البدن .
قال مالك : " أحسن ما سمعت في الذي يكفر عن يمينه بالكسوة انه إن كسا الرجال كساهم ثوبا ، ثوبا وان كسا النساء كساهن ثوبين ، ثوبين درعا وخمارا ، وذلك أدنى ما يجزي كلا في صلاته " (7) .
المطلب الثالث : العتق وشروطه :
__________
(1) الشافعي ، الأم ، 7/ 71 ، والقرطبي ، وقلعه جي ، موسوعة الأوزاعي ، 762 .
(2) 10) القطب ، المرجع السابق ، 4/ 379 .
(3) الثميني ، التاج ، 3/ 109 .
(4) ابن الجوزي ، مرجع سابق ، 1/580 .
(5) ابن الجوزي ، مرجع سابق ، 1/580 .
(6) مالك بن أنس ، مرجع سابق ، ص 343 ، وابن الجوزي ، المرجع سابق ، 1/ 580 .
(7) مالك بن أنس ، المرجع السابق ، ص 343 . (1/134)
صفحة 135
قال تعالى : { فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } (1) ، وقد اختلف الفقهاء في الشروط الواجب توفرها في الرقبة الجائز عتقها في كفارة الأيمان .
ذهب الإباضية ، ومالك ، وأحمد في قول ، إلى القول بأنه لا تصح إلا رقبة مؤمنة (2) ، ولكن مالك ، وأحمد يقولان : لا بد أن تكون كاملة ليس فيها شِرك لغيره ولا عِتاقة بعضها ولا عتق إلى أجل ولا كتابة ولا تدبير ولا تكون أم ولد ولا من يعتق عليه إذا ملكه ولا يكون بها من الهرم والزمانة ما يضر بها في الاكتساب . وروي في الأعور قولان في المذهب وكذلك الخصي (3) .
__________
(1) قوله تعالى : ( أو تحرير رقبة ) ، التحرير : الإخراج من الرق ويستعمل في الأسر والمشقات وتعب الدنيا ونحوها ، ومنه قول أم مريم عليها السلام { : إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرا } [ آل عمران ، 35 ] ، أي من شغوب الدنيا ونحوها وخص الرقبة من الإنسان إذ هو العضو الذي يكون فيه الغل والتوثق غالبا من الحيوان فهو موضع الملك فأضيف التحرير إليها . راجع : القرطبي ، 6/ 280 .
(2) شرح النيل ، 4/ 380 .
(3) القرطبي ، مرجع سابق ، 6/ 280 . (1/135)
صفحة 136
وذهب أبو حنيفة ، ورواية عن الإمام أحمد ، وأبو الحواري (1) من الأصحاب ، إلى أن العتق في كفارة اليمين ، تحرير رقبة ، يجزي فيها الصغير والكبير ، والكافر والمسلم ؛ لأن الله تعالى لم يسم في ذلك رقبة مؤمنة ، ويجوز فيه الأعور والأقطع ؛ إذا كان أقطع إحدى اليدين ، أو إحدى الرجلين ، ولا يجزي في ذلك الأعمى ، ولا المقطوع اليدين أو الرجلين ، ولا المعتوه المغلوب الذي لا يعقل ، ولا الأخرس ولا أشل اليدين يابستين لا ينتفع بهما ، ولا أشل الرجلين ؛ إذا كان كذلك ولا المقعد ولا تجزي فيه أم الولد ولا المدبر ولا يجزي المكاتب الذي قد أدى بعض مكاتبته فإن كان لم يؤد شيئا من مكاتبته ثم أعتق في ذلك أجرى عنه (2) .
وقال الشافعي : وإذا أعتق في كفارة اليمين ،لم يجز إلا رقبة مؤمنة ، ويجزي كل ذي نقص بعيب لا يضر بالعمل إضرارا بينا (3) .
المطلب الرابع : الصيام .
__________
(1) أبو الحواري محمد بن الحواري بن عثمان القري ، من علماء عمان في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري ، نشأ وعاش في نزوى ، وبها أخذ العلم عن ، محمد بن محبوب ، ومحمد بن جعفر ، وأبو المؤثر الصلت بن خميس ، من مؤلفاته : كتاب جامع أبي الحواري ، وكتاب الدراية وكنز الهداية ومنتهى الغاية وبلوغ الكفاية في تفسير خمسمائة آية . أنظر : سيف البطاشي : مرجع سابق ، 1/ 275 .
(2) أبو الحواري محمد بن الحواري ، كتاب الدراية وكنز الهداية ومنتهى الغاية وبلوغ الكفاية في تفسير خمسمائة آية ، تحقيق/ محمد محمد زناتي عبد الرحمن ، ( مكتبة الاستقامة ـ مسقط ) ، الطبعة الأولى ، 1411هـ/ 1991م ، الجزء الثاني ، ص 44 ، وحافظ الدين النسفي ، مرجع سابق ، 4/ 487 .
(3) أحمد بن الحسين البيهقي ، مرجع سابق ، 457 . (1/136)
صفحة 137
قال تعالى : { فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ } (1) ، معناه : "لم يجد في ملكه أحد هذه الثلاثة من الإطعام أو الكسوة أو عتق الرقبة بإجماع فإذا عدم هذه الثلاثة أشياء صام " (2) ، واختلف الفقهاء في حد عدم القدرة الذي يصار معه إلى الصوم على أقوال :
الأول : أنه إذا لم يجد درهمين صام ، وبه قال الحسن (3) .
والثاني : إذا لم يجد ثلاثة دراهم صام ، وهو قول سعيد بن جُبير (4) .
وقال قتادة : إذا لم يجد إلا قدر ما يكفر به صام (5) .
وذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد ، إلى أنه إن لم يكن له إلا قدر قوته وقوت عياله يومه وليلته عدل إلى الصوم . وهو قول إسحق بن راهويه (6) .
وقال أبو حنيفة : إذا لم يجد مائتي درهم صام ، قياسا على نصاب الزكاة ، إذ بحصوله يصير واجدا (7) .
وذهب ابن جعفر من الأصحاب ، وأبو الحسن البسيوي ، إلى إنه لا يصير إلى الصوم إذا كان عنده ما يكفيه حولا كاملا . وقيل حتى يفضل عنده خمسة عشر درهما ، وهو قول ابن محبوب ، وأبي الحواري ، وقال العلامة الثميني ، والإمام القطب : لا يصوم مالك عشرين درهما (8) .
هل يشترط التتابع في الصوم ؟.
__________
(1) قرأ عبدالله بن مسعود : (( متتابعات ) ) ، وبها أاستدل من اشترط التتابع في صيام الكفارات . أنظر : معجم القراءات ،
(2) القرطبي ، 6/ 282 .
(3) القرطبي ، 6 / 282 ،
(4) القرطبي ، 6/ 2821 .
(5) القرطبي ، المرجع السابق ، 6/ 282 .
(6) القرطبي ، المرجع السابق ، 6/ 282 .
(7) تحفة الفقهاء ، 2/ 345 .
(8) القطب ،شرح النيل ، 4/ 383 . (1/137)
صفحة 138
اختلف الفقهاء في ذلك : ذهب ابن عباس ، ومجاهد ، وطاووس ، وعطاء ، وقتادة ، والثوري ، والإباضية ، وأبو حنيفة ، وأحمد ، والشافعي في قول ، إلى اشتراط التتابع (1) , واستدلوا في ذلك بقراءة ابن مسعود - رضي الله عنه - : (( فَصِيام ثلاثة أَيامٍ متتابعات )) (2) .
وذهب الحسن ، ومالك ، والشافعي (3) في القول الآخر ، إلى عدم اشتراط التتابع في صيام كفارة اليمين ؛ لأن التتابع صفة لا تجب إلا بنص ، أو قياس على منصوص وقد عدما (4) .
ولكن لو صام المكفر ثلاثة أيام ـ مثلا ـ ثم أيسر في اليوم الثالث انتقض صومه ذلك وكان عليه الاختيار بين أصناف الكفارات المتقدمة على الصيام ؛ لأن الله تعالى يقول : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ } ، وهذا قد وجد فلا يجزيه الصوم ، وهو مذهب عبد الله بن عباس ، وإبراهيم النخعي ، والشيعة الإمامية ، وهو قول عامة فقهاء المذاهب (5) .
المبحث الثالث :
مسائل متعلقة بالتكفير
__________
(1) القطب ، شرح النيل ، 4/ 383 ، ابن الجوزي ، مرجع سابق ، 1/ 581 ، والقرطبي ، 6 / 283 .
(2) زاد المسير في علم التفسير ، ابن الحوزي ،
(3) أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي القرشي المطلبي ، أحد أئمة مذاهب السنة الأربعة ، ولد بغزة في فلسطين سنة 150هـ ، وحمل إلى مكة وهو ابن سنتين ، فنشأ بها ثم رحل إلى بغداد ثم رجع إلى مكة ، ثم خرج إلى مصر ، ولم يزل بها حتى توفي سنة 204هـ .
راجع : وفيات الأعيان وأنباء آخر الزمان ، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان ، ( دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى 1417هـ/ 1997م ، الجزء الثاني ، ص 311 .
(4) القرطبي ، مرجع سابق ، 6 / 283 .
(5) الشافعي ، الأم ، 7/ 72 ، القطب ، شرح النيل ، 4/ 383 ، الجامع للشرائع ، يحيى بن سعيد الحلي ، ( دار الأضواء ـ بيروت ) ، الطبعة الثانية ، 1406هـ/ 1986م ، ص 418 ، ابن قدامة ، الكافي ، 4/ 386 . (1/138)
صفحة 139
في هذا المبحث نحاول تقصي أقوال الفقهاء في المسائل المتعلقة بالتكفير، وهي مسائل كثيرة لن نستطيع بحثها جميعا في هذا البحث ، ولكن نحاول التعرض لما نراه مهما منها ، وسوف نركز البحث هنا في المسائل الآتية :
كفارة من حلف أيمانا متعددة على الشيء الواحد ، و مسألة التكفير قبل الحنث ، ودفع القيمة في الكفارة ، وتوكيل الغير في التكفير ، وكفارة الغائب عن ماله ، ثم أخيرا الوصية بكفارة اليمين .
المسألة الأول : كفارة من حلف أيمانا متعددة :
قد يحلف المرء أيمانا متعددة على شيء واحد ، كأَن يقولَ : واللَّه ، لن أدخل الدارَ ، واللَّه ، لن أدخل الدارَ ، كما قد يحلف أيمانا على أفعال مختلفة في مجلس واحد ، مثل أن يقول : واللَّه ، لن أدخل الدارَ ، واللَّه ، لنَ أفتح الباب . وعلى ذلك يلزمنا بيان حكم كل نوع من هذين النوعين :
حكم الحلف بأيمان على أفعال مختلفة في مجلس واحد :
إذا قال الحالف : واللَّه ، لن أدخل الدارَ ، واللَّه ، لنَ أفتح الباب ـ مثلا ـ أي : حلف بأيمان على أفعال مختلفة في مجلس واحد ، فللفقهاء في هذه المسألة قولان : (1/139)
صفحة 140
القول الأول : عليه بكل يمين كفارة ، قال به : العلامة ابن جعفر ، والإمام أبو سعيد (1) ، وابن محبوب (2) ، والعلامة الثميني ، وأبو الحواري (3) ، وابن حزم، وهو الصحيح من مذهب مالك ،
وأحمد ، وهو قول الحنفية (4) .
القول الثاني : عليه كفارة واحدة ، وهو قول مروي عن الإمام أحمد (5) .
حكم الحلف بأيمان متعددة على الشيء الواحد :
إنْ حَلَفَ المرء أيمانا متعددة على شيء واحد ، بِأَنْ قَالَ ـ مثلا ـ : وَاللَّه ، لان أدخل الدَّارَ ، وَاللَّهِ، لن أدخل الدَّارَ ، فقد اختلف الفقهاء في هذه الحال على ثلاثة أقوال :
__________
(1) هو الشيخ العلامة أبو سعيد ، محمد بن سعيد بن محمد بن سعيد الناعبي الكُدمي ، من كبار علماء عمان في القرن الرابع الهجري ، ومن أئمة المذهب المقتدى بهم ، والعلماء المحققين ، أخذ أبو سعيد العلم على الشيخ محمد بن روح بن عربي ، والشيخ أبو الحسن محمد بن الحسن ، لأبي سعيد مؤلفات جليلة منها : كتاب الاستقامة ، وكتاب المعتبر ، وله تعقيب على كتاب الأشراف لابن المنذر النيسابوري . أنظر : سيف البطاشي ، مرجع سابق ، 1/ 282 .
(2) هو العلامة الشيخ أبو عبدالله ، محمد بن محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة القرشي المخزومي ، من أشهر اعلماء الإباضية في زمانه ، وشيخهم ومرجعهم في الرأي ومفتيهم ، أخذ العلم عن العلامة موسى بن علي الأزكوي ، ولي ابن محبوب قضاء صحار سنة 251هـ ، أخذ العلم عنه الكثير من علماء عمان ومنهم : ابناه العلامتان : بشير وعبدالله ، والعلامة عزان بن الصقر ، والعلامة أبو المؤثر الصلت بن خميس وغيرهم كثير . أنظر : البطاشي ، المرجع السابق ، 1/ 250 .
(3) عبد العزيز الثميني ، التاج ، 3/ 143، 144 .
(4) ابن رشد ، بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، 1/ 439 . ابن حزم الظاهري ، المحلى ، 8/ 418 .
(5) أبو بكر الجصاص ، مختصر اختلاف العلماء ، 3/ 243 . (1/140)
صفحة 141
القول الأول : إذا تكرر الحلف على فعل واحد يعتبر يمينا واحدة وعليه كفارة واحدة إن حنث وهو قول ابن محبوب وابن جعفر وأبو سعيد (1) ، وقال بهذا الإمام الشافعي ، وأحمد (2) ، والأوزاعي (3) ، وابن حزم الظاهري (4) ، ورواية عن الإمام مالك (5) . هذا إن أطلق وأما إنْ نَوَى بِالثانِي التأكِيدَ ، فقد ذهب الشافعي ، ومالك إلى أنه لَمْ يلزَمهُ إلا كَفارَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَإن نَوَى الاستئنافَ ، فَفِيهِ ثلاثة أقوال (6) :
أَحدهما : يلزمه كَفارتانِ ؛ لانهما يمينان باللَّه عز وجل ، فتعلق بالحنثِ فِيهِمَا كَفارتانِ ؛ كما لو كَانَتْ عَلَى فِعْلَيْنِ .
وَالثانِي : تَجِبُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ؛ لان الثانية لا تُفيدُ إلا مَا أَفَادَتِ الأُولَى ، فَلَمْ يَجِب أَكَثَرُ مِن كَفَّارة .
القول الثاني : يلزمه كفارة لكل يمين ، سواء حلف في مجلس واحد أو في مجالس متفرقة ، وهو قول أبي حنيفة ، واختاره الشماخي من الأصحاب (7) .
المسألة الثانية : التكفير قبل الحنث :
اتفق الفقهاء على أن وجوب التكفير يكون بعد الحنث في اليمين واختلفوا في تقديم الكفارة على الحنث هل تجزيء أو لا ؟ .
ذهب جمهور الأصحاب إلى أنها تجزيء مطلقا (8) ، وهو قول أربعة عشر من الصحابة ، وقول جمهور الفقهاء ، ومشهور مذهب مالك (9) .
__________
(1) أبو سعيد الكُدمي ، الجامع المفيد ، 3/ 67 .
(2) الشافعي ، الأم ، 7/81 .
(3) قلعه جي ، موسوعة الأوزاعي ، ص 759 .
(4) ابن حزم الظاهري ، المرجع السابق ، 8/ 418 .
(5) ابن رشد ، بداية المجتهد ، 1/ 440 .
(6) محمد أبو فارس ، مرجع سابق ، ص 80 .
(7) حاشية ابن عابدين ، 3/ 714 ، 715 ، والشماخي ، مرجع سابق ، 3/
(8) القطب ، شرح النيل ، 4/ 385 .
(9) أبو الطيب البخاري ، الروضة الندية ، ص 249. (1/141)
صفحة 142
وذهب الإمام ابن بركة (1) ، والإمام السالمي في الجوابات والإمام القطب في التيسير (2) ، وأبو حنيفة (3) وأصحابه ، إلى القول بعدم الجواز مطلقا .
__________
(1) أبو محمد عبدالله بن محمد بن بركة من بني سليم ، وهو من علماء الإباضية في عُمان في القرنين الثالث والرابع الهجريين ، وقد ساهم ابن بركة في تنشيط الحركة العلمية في عمان ، إذ كرس حياته لنشر العلم والتدريس ، وأنشأ لذلك مدرسته المشهورة في مدينة بهلا ، فتخرج على يديه العديد من العلماء ، منهم الشيخ / أبو الحسن البسيوي ، وغيره ، وللشيخ ابن بركة العديد من المؤلفات منها : كتاب الجامع في أصول الفقه وفروعه ، وكتاب شرح جامع ابن جعفر في الفقه ، وغيرها كثير .
ذكر أحد البحثين بأن ابن بركة توفي عام 362هـ . راجع : ابن بركة البهلوي ، مرجع سابق ، ( مقدمة المحقق ) .
(2) نور الدين السالمي ، جوابات الإمام السالمي ، المجلد الثاني ، وتيسير التفسير ، 3/ 165، وابن بركة ، الجامع ، 2/ 96.
(3) هو أبو حنيفة ، النعمان بن ثابت بن زُوطي بن ماه ، الفقيه الكوفي مولى بني تميم ، إمام الحنفية ، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة ؛ كان خزَّازًا يبيع الخزَّ ، أخذ العلم عن حماد بن أبي سَلمَة ، وسمع عطاء بن أبي رباح . توفي سنة 151هـ .
راجع : ابن خلكان ، مرجع سابق ، 3/ 201 . (1/142)
صفحة 143
احتج القائلون بجواز تقديم الكفارة على الحنث ، بأن الأحاديث جاءت بألفاظ مختلفة ، فبعضها يقدم الحنث على الكفارة ، وبعضها يقدم الكفارة على الحنث ، مما يدل ذلك على استواء تقديم أحدهما على الآخر ، ومن ذلك ما رواه أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير )) (1) .
ومن جهة المعنى ، فإن اليمين سبب الكفارة ، لقوله تعالى : { ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ } ، فأضاف الكفارة إلى اليمين والمعاني تضاف إلى أسبابها وأيضا فإن الكفارة بدلا عن البر فيجوز تقديمها قبل الحنث .
واستدل القائلون بالمنع بما رواه مسلم وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: (( من حلف عن يمين ثم رأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه )) (2) .
ووجه الدلالة أن قوله : (( فليأت )) ، (( فليكفر )) صيغتا أمر ، والأمر يفيد الوجوب ما لم تكن هناك قرينة صارفة من الوجوب إلى غيره ، فعلم أنه لا وجوب قبل الحنث .
ومن جهة المعنى فإن الكفارة إنما هي لرفع الإثم ، وما لم يحنثوا لم يكن هناك ما يرفع ، فلا معنى لفعلها ، وكان معنى قوله تعالى : ( إذا حلفتم ) ، أي : إذا حلفتم وحنثتم ، وأيضا فإن كل عبادة فعلت قبل وجوبها لم تصح اعتبارا بالصلوات وسائر العبادات .
__________
(1) أخرجه البخاري ، كتاب الأيمان والنذور ، باب الكفارة قبل الحنث وبعده ، رقم 6342 ، ومسلم ، كتاب الأيمان والنذور ، باب ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه ، رقم 1649 .
(2) أخرجه مسلم ، كتاب الأيمان والنذور ، باب ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه ، 1650 ، وأبو داود في السنن ، كتاب الأيمان ، باب اليمين في قطيعة الرحم ، 3274 . (1/143)
صفحة 144
وقال الشافعي : تجزيء بالإطعام والعتق والكسوة ولا تجزيء بالصوم لأن عمل البدن لا يقدم قبل وقته (1) .
الخاتمة
في نهاية البحث يسر الباحث أن يجمل أهم ما توصل إليه من نتائج وهي :
تعددت تعريفات الفقهاء لليمين فهي عند الإباضية : توكيد الشيء بذكر اسم أوصفة لله . في حين عرفها المالكية بأنها : تحقيق ما لم يجب بذكر الله أو صفته . وعرفها الحنفية بأنها : عقد قوي به عزم الحالف ، على الفعل أو الترك . وهي عند الشافعية : تحقيق أمر غير ثابت ماضيا كان ، أو مستقبلا نفيا ، أو إثباتا ممكنا كحلفه ليدخلن الدار ، أو ممتنعا كحلفه ليقتلن الميِِت ، صادقة كانت ، أو كاذبة مع العلم بالحال أو الجهل به . في حين هي عند الحنابلة : توكيد الحكم المحلوف عليه بذكر معظم على وجه مخصوص .
ثبتت مشروعية اليمين ، من ـ حيث الجملة ـ ، بالكتاب والسنة ، وأجمعت الأمة على مشروعيتها وثبوت أحكامها ووضعها في الأصل لتوكيد المحلوف عليه .
اتفق فقهاء المذاهب ، على أن اليمين تنقسم إلى ثلاثة أقسام : فهي إما أن تكون يمين لغو ، أو غموس أو منعقدة على المستقبل ( المؤكدة ) ؛ لقوله تعالى : { لا يؤاخذكم الله بِاللَّغْوِ في أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَان } .
يقسم الفقهاء اليمين على اعتبار وجود الكفارة أو عدم وجوبها إلى قسمين : أيمان مكَفَّرة ، وأيمان غير مكفرة ( إي لا تجب فيها الكفارة ) .
تنقسم اليمين من حيث الحكم الشرعي لها ، إلى خمسة أقسام : واجبة ، ومندوبة ومباحة ومكروهة ومحرمة .
لليمين عند الفقهاء أركان لا بد من توفرها ، حتى نستطيع الحكم على العبارة التي ينطق بها الإنسان ، وبالتالي ترتب الحكم عليه من حيث وجوب الكفارة ، أو عدم وجوبها ، أو إلزامه بما ألزم نفسه ، في اليمين الخارجة مخرج الشرط والإلزام ، عند من يرى ذلك .
__________
(1) الشافعي ، الأم ، 7/ 69 . (1/144)
صفحة 145
وقد جعل الفقهاء لليمين ثلاثة أركان ، هي : الحالف ، والمحلوف عليه أو محل القسم ، واللفظ المستخدم في القسم ؛ ولكل ركن من هذه الأركان ، شروط لابد من توفرها فيه لصحته ، واعتباره مؤثرا في الحكم الشرعي .
وقد اشترط الفقهاء في الحالف أن يكون مكلفا، وذلك بأن يكون بالغا عاقلا، لأن العقل والبلوغ مناط التكليف في العبادات وسائر التكليفات الشرعية ؛ أخذا من بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( رفع القلم عن ثلاثة : الصبي حتى يحتلم ، وعن المعتوه حتى يفيق ، وعن النائم حتى يستيقظ )) .كما اشترط جمهور الفقهاء فيه الاختيار ( عدم الإكراه ) ، ولم يشترط ذلك المالكية ، والحنفية .
كما اشترطوا القصد إلى اليمين من قِبَل الحالف وهذا محل اتفاق الفقهاء ، ولكنهم اختلفوا في مسائل متعلقة بالنية ، منها : هل النية تخصص العام ، أو تعمم الخاص ؟.
ذهب الإباضية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، والحنفية ، إلى أن النية تخصص العام ، إلا أنها تخصصه ديانة لا قضاء عند الحنفية .
أما فيما يخص تعميم الخاص بالنية فقد ذهب الشافعية وجمهور الحنفية إلى أن النية لا تعمم اللفظ الخاص ، وذهب الإباضية ، والمالكية ، والحنابلة ، إلى أن النية تعمم اللفظ الخاص .
ومما اختلفوا فيه أيضا فيما يخص النية في اليمين ، هل اليمين على نية الحالف ، أو على نية المُستحلِف ؟ . فذهب الإباضية كما صرح بذلك العلامة أبو سفيان الراشدي في جواهر القواعد ، إلى أن " مقاصد اللفظ على نية اللافظ في اليمين إلا إن حلفه الحاكم " ، فلا عبرة بنيته حينئذ ، بل تكون اليمين على نية القاضي ، وذلك حفاظا على أموال الناس . وإلى هذا القول ذهب الشافعية ، والمالكية أيضا . (1/145)
صفحة 146
وذهب الحنفية والحنابلة ، إلى أن مقاصد اللفظ على نية اللافظ في اليمين إلا عند القاضي ، فهي على نية الحالف إن كان مظلوما ، وعلى نية المستحلف ، إن كان الحالف ظالما . وهذا القول مروي أيضا عن إبراهيم النخعي .
تصح اليمين من الكافر ، وتلزمه الكفارة بالحنث ، سواء حنث في كفره أو بعد إسلامه ، وهو قول جمهور الفقهاء : الإباضية ، والشافعية ، وأحمد ، وأبو ثور .
وقال الثوري وأصحاب الرأي : " لا يصح يمين الكافر ، حتى لو حلف الكافر على يمين ثم أسلم فحنث فلا كفارة عليه عندنا " .
اشترط الفقهاء في المحلوف عليه أن يكون متصور الوجود عند الحلف ، ويقصد به أن يكون المحلوف عليه متصور الوجود حقيقة أو عادة ، عند الحلف ، وهما شرطان لانعقاد اليمين على أمر في المستقبل . وبقاؤه ، أي : المحلوف عليه ، متصور الوجود بعد اليمين شرطا لبقاء اليمين ؛ حتى لا تنعقد اليمين على ما هو مستحيل الوجود في الحقيقة ، ولا يبقى إذا صار بحال يستحيل وجوده .
وأما إذا عقد اليمين على فعل لا يتصور وجوده أصلاً ، فقد اختلف الفقهاء في انعقاد اليمين : ذهب جمهور الفقهاء : الإباضية ، المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، وجمهور الحنفية ، إلى عدم انعقاد اليمين على هذه الصفة ؛ لأن اليمين يعقد للبر، ثم تجب الكفارة ، لرفع حكم الحنث ، وهو الإثم ، فإذا لم يكن البر متصوراً ، فلا يتصور الحنث ، فلا فائدة في انعقاد اليمين .
وقال أبو يوسف : تنعقد ، ويحنث للحال ؛ لأن هذا ليس بشرط لانعقاد اليمين ولا لبقائها عنده ، وإنما الشرط أن تكون اليمين على أمر في المستقبل .
تتعدد الألفاظ التي اعتاد الناس على استخدامها في أيمانهم وتختلف ، وبالتالي اختلف الحكم الشرعي ـ عند الفقهاء ـ من حيث جواز الحلف بهذا اللفظ ، أو ذاك ، أو عدم جوازه ، وهذا الخلاف تظهر ثمرته في وجوب الكفارة أو عدم وجوبها ، وعليه فإن الألفاظ التي يحلف بها الناس عادة تنقسم إلى أقسام هي : (1/146)
صفحة 147
القسم الأول : أن يحلف بالله أو باسم من أسمائه ، أو بصفة من صفاته ، سبحانه وتعالى ، كقول الحالف : والله ، أو بالله ، أو تالله ، أو وأيم الله ، أو لعمر الله ، أو وقدرة الله ، أو وعلم الله ، أو وحياة الله ، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى ، وقد أجمع أهل العلم على انعقاد اليمين بأي لفظ من هذه الألفاظ ، ومن ثم إ1ا حنث فعليه الكفارة .
وهناك ألفاظ اختلف الفقهاء في انعقاد اليمين بها ، مثل قول الحالف : لعمر الله ، أو وأيم الله ، أقسم أو أشهد أو أعزم أو أحلف ، فبعض الفقهاء يعتبر هذه الألفاظ من ألفاظ اليمين وبعضهم يشترط فيها قصد الحلف بها ، بل إن بعض الفقهاء لا يعتبر هذه الألفاظ من اليمين ، كابن حزم الظاهري .
القسم الثاني : أن يحلف بما يخرج مخرج الإلزام الواقع بشرط ، كأن يحلف : بالحج أو المشي إلى بيت الله الحرام ، أو حلف بالصدقة ، أو العتق ، أو الصلاة ، أو الصيام ، أو الاعتكاف ، أو العهد ، أو الميثاق . وقد اختلف الفقهاء في حكم هذه الألفاظ .
قال فريق من الفقهاء : عليه أن يفي بما حلف عليه . قال بذلك جابر بن زيد - رضي الله عنه - ، والإباضية ، ومالك ، وأبو حنيفة ، وروى مالك مثله عن سعيد بن المسيِّب . وتجزئه كفارة يمين عند الشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وأبي ثور . وقال ابن المسيِّب والقاسم ابن محمد من المالكية ، وأبو يوسف ، ومحمد بن الحسن من الحنفية : لا شيء عليه .
القسم الثالث : أن يحلف بما يخرجه من الإسلام ، كأن يقول : هو مشرك ، أو يهودي أو نصراني أو هو من المشركين أو من المنافقين ، أو هو يعبد الشمس أو الجمجمة أو يعبد النار أو الشيطان أو نحو ذلك .
قال الإباضية ، وأبو حنيفة ، والثوري ، وأحمد : هو يمين وإن حنث فعليه الكفارة . وأوجب جمهور الإباضية فيها كفارة مغلظة ؛ وقال ابن بركة ، وعزان بن الصقر ، وأبو الحواري : تلزمه كفارة مرسلة . (1/147)
صفحة 148
وقال مالك في الرجل يقول كفر بالله أو أشرك بالله ثم يحنث : انه ليس عليه كفارة وليس بكافر ولا مشرك حتى يكون قلبه مضمرا على الشرك والكفر وليستغفر الله ، وهو مذهب الظاهرية .
لليمين أصول تبنى عليها ، وهي : المقاصد ، والعادة ( العرف ) ، واللفظ ، وينقسم مدلول اللفظ إلى مدلول شرعي ، ومدلول لغوي . هذه محل اتفاق الفقهاء .
وزادت بعض المذاهب أصولا أخرى ، فقد زاد المالكية بساط اليمين : وهو السبب الحامل على اليمين وهذا أيضا عند الحنفية ، الحنابلة . وأضاف الحنابلة أصلا آخر هو التعيين بالإشارة . ويختلف كل مذهب في درجة الأخذ بكل أصل من هذه الأصول ، من حيث تقديم بعضها على بعض .
الاستثناء في اليمين مشروع ، دل على ذلك الكثير من نصوص السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ، وأجمعت الأمة على ذلك ، ولكن الفقهاء يشترطون شروطا لصحة الاستثناء في اليمين هي :
1ـ أن يكون الاستثناء متصلا ، ومعناه أن لا يكون هناك فاصل زمني بين القسم والاستثناء ، فإن الانقطاع بين اليمين والاستثناء يحول دون ترتب أثره على اليمين ، لكنهم أجازوا الفاصل اليسير الطاريء ، كالعُطاس والتثاؤب وما في حكمه .
وأجاز بعض الفقهاء الاستثناء ولو كان ذلك بعد مدة ، واختلفوا في المدة التي يجوز أن تكون فاصلا بين اليمين والاستثناء على سبعة أقوال :
قال ابن عباس : يدرك الاستثناءُ اليمينَ ولو بعد سنة ؛ وتابعه على ذلك أبو العالية ، والحسن .
وقال مجاهد : من قال بعد سنتين إن شاء الله أجزأه .
وقال سعيد بن جُبير : إن استثنى بع أربعة أشهر أجزأه .
وقال طاووس : له أن يستثني مادام في مجلسه .
وقال قتادة : إن استثنى قبل أن يقوم أو يتكلم فله ثنياه .
وقال أحمد بن حنبل ، وإسحق : يستثني مادام في ذلك الأمر .
وقال عطاء : له ذلك قدر حلب الناقة الغزيرة . (1/148)
صفحة 149
2 ـ أن يكون كلاما مصرحا به يجري على اللسان ، ولا يجزي الاستثناء بالقلب ، وهو قول جمهور الفقهاء : مالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة ، وأحمد ، وهو قول النخعي ، والحسن ، والثوري ، والأوزاعي ، والليث ، وإسحق ، وأبي ثور ، وابن حزم الظاهري .
3 ـ أن يكون قاصد للاستثناء ، فلو جرى الاستثناء على لسان الحالف من غير أن يكون قاصدا الاستثناء فلا يعد هذا استثناء يترتب عليه أثره ، ويحنث إن فعل المحلوف عليه ، " ولا فرق بين أن يكون قبل الحلف أو في أثنائه أو بعد تمامه ، فإنه ينفعه " .
4 ـ ألا يستحلف في حق إذ لا يعد الاستثناء صحيحا إذا كانت اليمين المطلوبة منه يتعلق بها حق للغير ، كحلفه في مجلس القضاء ، وهذا الشرط محل اتفاق الفقهاء .
شرع الله سبحانه وتعالى الكفارة سبيلا للعباد لستر الآثام التي قد يقترفونها ، وهي مشروعة في اليمين وقتل الخطأ والظهار ونحوها . وقد اختلف الفقهاء في مقدار الطعام المخرج في كفارة اليمين على أقوال :
ذهب بعض الإباضية إلى القول بأنه مُدان من الحبوب الستة ، وهذا قول العلامة الثميني .
وقيل : مُدان من بُر وما هو بمنزلته ، مثل التمر الجيد ، وثلاثة من شعير وما كان بمنزلته مثل التمر الرديء .
وقيل : مُدان من شعير وقبضة . قال الإمام القطب في شرح النيل : " وهو المشهور المعمول به قياسا على كفارة الحلق ، الواردة في الحديث مُدان لكل مسكين من بُر ، فقيس سائر الكفارات عليه ، وقيس غير البُر على البُر بالقيمة ، فإذا كانت قيمة الشعير ـ مثلا ـ أربعة أمداد منه بمُدين من شعير أُعطي لكل مسكين أربعة من شعير ، وهكذا " .
وقال مالك ، والشافعي : مُدٌ لكل واحد من المساكين العشرة إن كان بمدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو قول ابن عمر ، وزيد بن ثابت ، وابن عباس ، والحسن ، وبه قال عطاء بن أبي رباح . (1/149)
صفحة 150
وقال أبو حنيفة يعطي نصف صاع من قمح ، أو صاعا من شعير ، أو زبيب أو تمر ، ولو غداهم وعشاهم جاز ، وهو قول عمر بن الخطاب ، وعلي ، وعائشة ـ رضي الله عنهم ـ ، وبه أخذ سفيان ، وسعيد بن المسيِّب ، وهو قول عامة فقهاء العراق .
وقال الحنابلة : يعطي مدَ برٍ ، أو نصف صاعِ تمرٍ أو شعيرٍ .
أما ما يخص أصناف المستحقين للكفارة فقد واشترط المالكية في المسكين الإسلام والحرية ، واشترط الشافعي الإسلام والحرية والاحتياج ، وأجاز الإمام أبو عبيدة ، والإمام الثميني ، والقطب ، وموسى بن علي ، وأبو حنيفة إعطائها للذمي . لأن لفظ المسكنة يشملهم ؛ لأنه عام يشمل المسلم والذمي .
واختلفوا كذلك في الكسوة المجزية في كفارة اليمين فذهب ابن عباس ومجاهد وطاووس وعطاء والثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، والعلامة الثميني ، والإمام القطب ، إلى أنها ثوب واحد .
وذهب أبو موسى الأشعري وابن المسيِّب ، والحسن ، وابن سيرين ، والضحاك ، إلى أنهما ثوبان .
وذهب ابن عمر : إلى أنهما إزار ورداء وقميص .
وذهب مالك ، وإبراهيم النخعي ، والحنابلة إلى القول بأنها ما يستر جميع البدن .
واختلف الفقهاء في الشروط الواجب توفرها في الرقبة الجائز عتقها في كفارة الأيمان .
ذهب الإباضية ، ومالك ، وأحمد في قول ، إلى القول بأنه لا تصح إلا رقبة مؤمنة ، ولكن مالك ، وأحمد يقولان : لا بد أن تكون كاملة ليس فيها شِرك لغيره ولا عِتاقة بعضها ولا عتق إلى أجل ولا كتابة ولا تدبير ولا تكون أم ولد ولا من يعتق عليه إذا ملكه ولا يكون بها من الهرم والزمانة ما يضر بها في الاكتساب .
وذهب أبو حنيفة ، ورواية عن الإمام أحمد ، وأبو الحواري من الأصحاب ، إلى أن العتق في كفارة اليمين ، تحرير رقبة ، يجزي فيها الصغير والكبير ، والكافر والمسلم .
وقال الشافعي : وإذا أعتق في كفارة اليمين ،لم يجز إلا رقبة مؤمنة ، ويجزي كل ذي نقص بعيب لا يضر بالعمل إضرارا بينا . (1/150)
صفحة 151
واختلف الفقهاء في حد عدم القدرة الذي يصار معه إلى الصوم على أقوال :
الأول : أنه إذا لم يجد درهمين صام ، وبه قال الحسن .
والثاني : إذا لم يجد ثلاثة دراهم صام ، وهو قول سعيد بن جُبير .
وقال قتادة : إذا لم يجد إلا قدر ما يكفر به صام .
وذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد ، إلى أنه إن لم يكن له إلا قدر قوته وقوت عياله يومه وليلته عدل إلى الصوم . وهو قول إسحق بن راهويه .
وقال أبو حنيفة : إذا لم يجد مائتي درهم صام ، قياسا على نصاب الزكاة ، إذ بحصوله يصير واجدا .
وذهب ابن جعفر من الأصحاب ، وأبو الحسن البسيوي ، إلى إنه لا يصير إلى الصوم إذا كان عنده ما يكفيه حولا كاملا . وقيل حتى يفضل عنده خمسة عشر درهما ، وهو قول ابن محبوب ، وأبي الحواري ، وقال العلامة الثميني ، والإمام القطب : لا يصوم مالك عشرين درهما.
واختلف الفقهاء في وجوب تتابع الصيام في الكفارة :
ذهب ابن عباس ، ومجاهد ، وطاووس ، وعطاء ، وقتادة ، والثوري ، والإباضية ، وأبو حنيفة ، وأحمد ، والشافعي في قول ، إلى اشتراط التتابع .
وذهب الحسن ، ومالك ، والشافعي في القول الآخر ، إلى عدم اشتراط التتابع في صيام كفارة اليمين ؛ لأن التتابع صفة لا تجب إلا بنص ، أو قياس على منصوص وقد عدما .
اختلف الفقهاء في حكم الحلف بأيمان متعددة على أفعال مختلفة في مجلس واحد فقال العلامة ابن جعفر ، والإمام أبو سعيد ، وابن محبوب ، والعلامة الثميني ، وأبو الحواري ، وابن حزم، وهو الصحيح من مذهب مالك ، وأحمد ، وهو قول الحنفية : عليه بكل يمين كفارة .
وقال الإمام أحمد في رواية عنه : عليه كفارة واحدة .
واختلفوا كذلك في حكم الحلف بأيمان متعددة على الشيء الواحد ، فقال فريق منهم : يعتبر يمينا واحدة وعليه كفارة واحدة إن حنث وهو قول ابن محبوب وابن جعفر وأبو سعيد ، وقال بهذا الإمام الشافعي ، وأحمد ، والأوزاعي ، وابن حزم الظاهري ، ورواية عن الإمام مالك . (1/151)
صفحة 152
وقال فريق آخر : يلزمه كفارة لكل يمين ، سواء حلف في مجلس واحد أو في مجالس متفرقة ، وهو قول أبي حنيفة ، واختاره الشماخي من الأصحاب .
اتفق الفقهاء على أن وجوب التكفير يكون بعد الحنث في اليمين واختلفوا في تقديم الكفارة على الحنث هل تجزيء أو لا ؟ .
ذهب جمهور الأصحاب إلى أنها تجزيء مطلقا ، وهو قول أربعة عشر من الصحابة ، وقول جمهور الفقهاء ، ومشهور مذهب مالك .
وذهب الإمام ابن بركة ، والإمام السالمي في الجوابات والإمام القطب في التيسير ، وأبو حنيفة وأصحابه ، إلى القول بعدم الجواز مطلقا .
وقال الشافعي : تجزيء بالإطعام والعتق والكسوة ولا تجزيء بالصوم لأن عمل البدن لا يقدم قبل وقته .
توصيات الباحث :
يوصي الباحث بضرورة متابعة الكتابة في هذا الموضوع وطرْق أبوابه ؛ لما لهذا الموضوع من أهمية قُصوى تتعلق بحياة الناس العامة وتعاملاتهم فيما بينهم ، فلا يزال موضوع الأيمان جديرا بالدراسة ، فلم يتطرق الباحث مسائل مهمة منها الأيمان المحاكم ، وهو موضوع ذو أهمية بالغة ، ومن هذه المسائل ، مسألة القضاء بالشاهد واليمين ، وما فيها من خلاف بين فقهاء المذاهب الإسلامية .
ومما يعزز ضرورة متابعة الكتابة في موضوع اليمين ، قلة الدراسات المعاصرة لهذا الموضوع ، خاصة فيما يتعلق بآراء الفقهاء الإباضية .
وأخيرا أرجو أن أكون قد وفقت في تقديم شيء في هذا الموضوع الهام والشائك ، والله من وراء القصد ، والحمد لله رب العالمين .
المصادر والمراجع
أولا : مراجع التفسير وعلوم القرآن :
1ـ ... أحكام القرآن ، الإمام أبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصَّاص ، تحقيق/ محمد الصادق قمحاوي ، ( دار إحياء التراث العربي ، ومؤسسة التاريخ العربي ـ بيروت ) .
2 ـ ... أحكام القرآن ، لأبي بكر محمد بن عبدالله ، المعروف بابن العربي [ ت 543 ] ، تحقيق/ علي محمد البجاوي ، ( دار المعرفة ، ودار الجيل ـ بيروت ) . (1/152)
صفحة 153
3 ـ ... أحكام القرآن للإمام الشافعي ، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبدالله البيهقي النيسابوري ، تحقيق/ عبد الغني عبد الخالق ، ( دار إحياء العلوم ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 142هـ/ 1990م .
4 ـ ... تفسير التحرير والتنوير ، المعروف بتفسير ابن عاشور ، محمد الطاهر بن عاشور ، ( مؤسسة التاريخ ـ لبنان ) ، الطبعة الأولى ، 1420هـ/ 2000م .
5 ـ ... تفسير الطبري ، محمد بن جرير الطبري ،
6 ـ ... تفسير القرآن العظيم ، الإمام الحافظ/ أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي ، ( المكتب الجامعي الحديث ـ الإسكندرية ) .
7 ـ ... التفسير الكبير ، تقي الدين ابن تيمية ، تحقيق/ عبد الرحمن عُميرة ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1408هـ/ 1988م .
8 ـ ... تفسير الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، أبو القاسم جار الله محمود بن عمر بن محمد الزمخشري ، رتبه وصححه/ محمد عبد السلام شاهين ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الثالثة ، 1424هـ/ 2003م .
9 ـ ... تنوير المقباس في تفسير ابن عباس، مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي، ( دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1423 هـ ـ 2002 م .
10 ـ ... تيسير التفسير للقرآن الكريم ، محمد بن يوسف أطفيش ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) .
11 ـ ... الجامع لأحكام القرآن ، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي .
12 ـ ... الدراية وكنز الهداية ومنتهى الغاية وبلوغ الكفاية في تفسير خمسمائة آية ، أبو الحواري محمد بن الحواري ، تحقيق/ محمد محمد زناتي عبد الرحمن ، ( مكتبة الاستقامة ـ مسقط ) ، الطبعة الأولى ، 1411هـ/ 1991م .
13 ـ ... زاد المسير في علم التفسير ، أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي ، تحقيق/ عبد الرزاق المهدي ، ( دار الكتاب العربي ـ بيروت ) . (1/153)
صفحة 154
14 ـ ... علم القراءات (نشأته ، أطواره ، أثره في العلوم الشرعية ) ، د . نبيل محمد إبراهيم آل إسماعيل ، ( دارة الملك عبد العزيز ) ، الطبعة الثانية 1423 هـ / 2002 م .
15 ـ ... فتح القدير ، الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ، محمد بن علي الشوكاني ، ( دار الفكر ـ بيروت ) ، 1403هـ/ 1983م .
16 ـ ... معاني القرآن الكريم ، أبو جعفر النحاس ، تحقيق/ محمد علي الصابوني ، ( مركز إحياء التراث الإسلامي ـ مكة المكرمة ) ، الطبعة الأولى ، 1409هـ/ 1988م .
17 ـ ... معاني القرآن وإعرابه?، أبو إسحاق إبراهيم بن السري???الَّزجَّاج )?، شرح وتحقيق د/ عبد الجليل عبده شلبي ، ( عالم الكتب ـ بيروت )???
18 ـ ... المفردات في غريب القرآن ، أبو القاسم الحسين بن محمد ( الراغب الأصفهاني ) [ 502 هـ ] ، تحقيق / محمد خليل عيتاني ، ( دار المعرفة ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1418 هـ ـ 1998 م .
ثانيا : مراجع السنة وشروحها :
19 ـ ... الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ، ترتيب/ علاء الدين علي بن بلبان الفارسي ، ضبطه/ كمال يوسف الحوت ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1407هـ/ 1987م .
20 ـ ... الجامع الصحيح ، الربيع بن حبيب الفراهيدي ، إعداد وتنسيق/ سليمان بن إبراهيم بابزيز الوارجلاني، ( مكتبة الضامري ـ سلطنة عمان ) ، الطبعة الأولى ، 1424هـ/ 2003م .
21 ـ ... سنن الدارمي ، أبو محمد عبدالله بن عبد الرحمن بن الفضل الدارمي ، تحقيق/ مصطفى ديب البغا ، ( دار القلم ـ دمشق ) ، الطبعة الثالثة ، 1417هـ/ 1996م .
22 ـ ... السنن الصغرى ، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي ، تصحيح وتعليق/ عبد المعطي أمين قلعجي ، ( دار الوفاء للطباعة والنشر ـ مصر ) ، الطبعة الأولى ، 1410هـ/ 1989م .
23 ـ ... السنن الكبرى ، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي ، تحقيق/ حسن عبد المنعم شلبي ، ( مؤسسة الرسالة ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1421هـ/ 2001م . (1/154)
صفحة 155
24 ـ ... شرح الجامع الصحيح،?مسند الإمام الربيع بن حبيب بن عمر الفراهيدي،?الشيخ العلامة / نور الدين أبي محمد عبد الله بن حميد السالمي [ 1332 هـ ] ، صححه وعق عليه / ????عز الدين التنوخي ، ( مكتبة الاستقامة ـ سلطنة عمان ) .
25 ـ ... شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك ، محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني ، ( المكتبة العصرية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1422هـ/ 2002م .
26 ـ ... شرح السنة ، الحسين بن مسعود البغوي ، تحقيق/ شعيب الأرناؤوط ، ( المكتب الإسلامي ـ بيروت ) ، الطبعة الثانية ، 1403هـ/ 1983م .
27 ـ ... صحيح البخاري ، أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري ، تخريج وضبط / صدقي جميل العطار ، ( دار الفكر ـ بيروت ) .
28 ـ ... صحيح مسلم ، أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1421هـ/ 2001م .
29 ـ ... صحيح مسلم بشرح النووي ، حققه/ عصام الصبابطي ، وآخرين ، ( دار الحديث ـ القاهرة ) ، الطبعة الرابعة ، 1422هـ/ 2001م .
30 ـ ... المستدرك على الصحيحين ، أبو عبدالله محمد بن عبدالله الحاكم النيسابوري ، تحقيق/ مصطفى عبد القادر عطا ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1411هـ/ 1990م .
31 ـ ... مسند الإمام أحمد ، أحمد بن حنبل الشيباني ، ( المكتب الإسلامي ـ بيروت ) ، الطبعة الخامسة ، 1405هـ .
32 ـ ... مصباح الزجاجة ، أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل الكناني [ ت 840 هـ ] ، تحقيق/ محمد المنتقى الكشناوي ، ( دار العربية ـ بيروت ) ، الطبعة الثانية ، 1403 هـ .
33 ـ ... الموطأ ، مالك بن أنس ، تحقيق/ كمال محمد عويضة ، ( مكتبة التقوى ـ مصر ) ، الطبعة الأولى ، 1421هـ/ 2001م .
مراجع الأصول وقواعد الفقه الكلية : (1/155)
صفحة 156
34 ـ ... جواهر القواعد من بحر الفرائد ، سفيان بن محمد بن عبدالله الراشدي ، تحقيق/ محمد بن يحيى بن سفيان الراشدي ، ( مكتبة الاستقامة ـ سلطنة عمان ) ، الطبعة الأولى ، 1425هـ / 2005 م .
35 ـ ... شرح طلعة الشمس على الألفية ، أبو محمد عبدالله بن حميد السالمي ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) ، 1401ه/ 1981م .
36 ـ ... المأمول في علم الأصول ، يوسف حسن الشراح ، ( مجلس النشر العلمي ـ جامعة الكويت ) ، 2003م .
37 ـ ... الموجز في قواعد الفقه الكلية [ مرقون ] ، د/ شوقي إبراهيم علام .
مراجع الفقه الإباضي :
38 ـ ... أشعة من الفقه الإسلامي?،?مهني بن عمر التيواجني ،???مطابع النهضة ـ سلطنة عمان )?،?الطبعة الأولى 1417 هـ ـ 1996 م .
39 ـ ... الإيضاح ، عامر بن علي الشماخي ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) .
40 ـ ... بيان الشرع ، محمد بن إبراهيم الكندي ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) ، 1408هـ/ 1988م .
41 ـ ... التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم ، عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم الثميني ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) ، الطبعة الأولى ، 1421هـ/ 2000م .
42 ـ ... الجامع ، أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي ، تحقيق/ عبد المنعم عامر ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) ، 1988م .
43 ـ ... الجامع ، أبو محمد عبدالله بن محمد بن بركة البهلوي العماني ، تحقيق/ عيسى يحيى الباروني ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) .
44 ـ ... جامع أبي الحسن البسيوي ، أبو الحسن علي بن محمد بن علي البسيوي ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) ، 1404هـ/ 1984م .
45 ـ ... الجامع الصغير ، قطب الأئمة محمد بن يوسف اطفيش ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) ، 1406هـ/ 1986م .
46 ـ ... الجامع الكبير ، سعيد بن بشير الصبحي ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) ، 1407هـ / 1986م . (1/156)
صفحة 157
47 ـ ... الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد ، أبو سعيد محمد بن سعيد بن محمد الكُدمي ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) ، 1406هـ/ 1985م .
48 ـ ... جواهر القواعد من بحر الفرائد ، سفيان بن محمد بن عبدالله الراشدي ، تحقيق/ محمد بن يحيى بن سفيان الراشدي ، ( مكتبة الاستقامة ـ سلطنة عمان ) ، الطبعة الأولى ، 1425هـ / 2005 م .
49 ـ ... جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام ، أبو محمد عبدالله بن حميد بن سلوم السالمي ، تحقيق/ أبو إسحاق إبراهيم أطفيش الجزائري ، ( دار الفاروق ـ بيروت ) ، 141هـ/ 1989م .
50 ـ ... سلك الدرر الحاوي غرر الأثر ، الشيخ العلامة / خلفان بن جميِّل السيابي ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) ، الطبعة الثانية ، 1409 هـ / 1998 م .
51 ـ ... شرح كتاب النيل وشفاء العليل ، الإمام العلامة / محمد بن يوسف أطفيِش ، ( مكتبة الإرشاد ـ جدة ـ المملكة العربية السعودية )، الطبعة الثالثة، 1405 هـ / 1985 م .
52 ـ ... غاية المأمول في علم الفروع والأصول?، الشيخ العلامة / محمد بن شامس ?البطاشي ،?????????وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) ، 1405 هـ / 1985 م .
53 ـ ... كتاب الوضع ، أبو زكريا يحيى بن أبي الخير الجناوني ، تحقيق/ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش ، ( مكتبة الاستقامة ـ سلطنة عمان ) ، الطبعة السادسة .
54 ـ ... لباب الآثار الواردة على الأولين والمتأخرين الأخيار ، مهنا بن خلفان بن محمد البوسعيدي ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) ، 1405هـ / 1985م .
55 ـ ... مختصر البسيوي ، أبو الحسن علي بن محمد البسياني ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) ، 1406هـ/ 1986م .
56 ـ ... المصنف ، أبو بكر أحمد بن عبدالله بن موسى الكندي ، تحقيق/ عبد المنعم عامر ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) ، 1983 . (1/157)
صفحة 158
57 ـ ... منهج الطالبين وبلاغ الراغبين ، تحقيق/ سالم بن حمد بن سليمان الحارثي ، ( وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ) .
58 ـ ... نتائج الأقوال نثر مدارج الكمال ، الشيخ العلامة / سعيد بن حمد بن سليمان الحارثي ، ( مكتبة الضامري ـ سلطنة عمان ) ، الطبعة الأولى ، 1411 هـ/ 1991 م .
مراجع الفقه الحنبلي :
59 ـ ... الإقناع لطالب الانتفاع ، شرف الدين أبو النجا موسى بن أحمد بن موسى الحجاوي المقدسي ، تحقيق/ عبدالله بن عبد المحسن التركي ، ( طبعة خاصة بدارة الملك عبد العزيز ـ المملكة العربية السعودية ) ، الطبعة الثالثة ، 1423هـ/ 2002م .
60 ـ ... الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ، الإمام علاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان بن أحمد المرداوي السعدي الحنبلي ، تحقيق/ محمد حسن محمد الشافعي ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1418 هـ / 1997 م .
61 ـ ... دليل الطالب لنيل المطالب ، مرعي بن يوسف الحنبلي ، تحقيق/ عبدالله عمر الباروني ، ( مؤسسة الرسالة الثقافية ) .
62 ـ ... شرح منتهى الإرادات ، منصور بن يونس البهوتي ، (عالم الكتب ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1414هـ/ 1993م .
63 ـ ... الكافي في افقه الحنبلي ، أبو محمد موفق الدين عبدالله بن قدامة المقدسي ، تحقيق/ زهير الشاويش ، ( المكتب الإسلامي ـ بيروت ) ، 1408هـ/ 1988م .
64 ـ ... كشَّاف القناع على متن الإقناع ، منصور بن يونس البهوتي الحنبلي[ ت 1051 هـ ] ، تحقيق / محمد حسن الشافعي ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1418 هـ / 1997 م
65 ـ ... المبدع شرح المقنع ، أبو إسحاق برهان الدين إبراهيم بن محمد بن عبدالله ابن مفلح الحنبلي ، تحقيق/ محمد حسين الشافعي ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1418هـ/ 1997م .
66 ـ ... مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى ، مصطفى بن سعد بن عبدة الرحيباني ، (المكتب الإسلامي ـ بيروت ) . (1/158)
صفحة 159
67 ـ ... الملخص الفقهي ، صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان ، ( مكتبة الهداية ـ الدار البيضاء ) ، الطبعة الأولى ، 1423هـ/ 2002م .
مراجع الفقه الحنفي :
68 ـ ... البحر الرائق شرح كنز الدقائق ، أبو البركات عبدالله بن أحمد بن محمود ( حافظ الدين النسفي ) ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1418هـ/ 1997م .
69 ـ ... شرح فتح القدير ، كمال الدين محمد بن عبد الواحد ( ابن الهمام الحنفي ) ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1415هـ/ 1995م .
70 ـ ... المبسوط ، أبو بكر محمد بن أحمد بن سهل السرخْسي الحنفي ، تحقيق/ محمد حسن إسماعيل الشافعي ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1421هـ/ 2001م .
71 ـ ... مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر ، عبد الرحمن بن محمد بن سليمان الكليبولي المدعو بشيخي زاده ( داماد أفندي ) ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1419هـ/ 1998م .
72 ـ ... مختصر اختلاف العلماء ، أبو بكر أحمد بن علي الجصاص الحنفي ، تحقيق/ عبدالله نذير أحمد ، ( دار البشائر الإسلامية ـ بيروت ) ، الطبعة الثانية ، 1417هـ/ 1996م .
73 ـ ... الهداية شرح بداية المبتدي ، أبو الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني [ 593 هـ ] ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ).
مراجع الفقه الشافعي :
74 ـ ... الأم ، أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي ، ( دار الفكر ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1422هـ/ 2002م .
75 ـ ... الحاوي الكبير ، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري ، تحقيق/ علي محمد معوض ، وعادل أحمد عبد الموجود ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1414هـ/ 1994م .
76 ـ ... رحمة الأمة في اختلاف الأئمة ، أبو عبدالله محمد بن عبد الرحمن الدمشقي العثماني الشافعي ، ( طبع على نفقة صاحب السمو الشيخ / خليفة بن حمد آل ثاني ، أمير دولة قطر ) ، 1401هـ/ 1981م . (1/159)
صفحة 160
77 ـ ... السراج الوهَّاج على متن المنهاج ، محمد الزهري الغمراوي ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1416هـ/ 1996م .
78 ـ ... العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ، تحقيق/ علي محمد معوض ، وعادل أحمد عبد الموجود ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1417هـ/ 1997م .
79 ـ ... المهذب في فقه الإمام الشافعي ، أبو إسحاق إبراهيم بن علي الفيروز أبادي ، ( دار الفكر ـ بيروت ) .
مراجع فقه الشيعة الإمامية :
80 ـ ... الجامع للشرائع ، يحيى بن سعيد الحلي ، ( دار الأضواء ـ بيروت ) ، الطبعة الثانية ، 1406هـ/ 1986م .
81 ـ ... شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام ، أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن ، تحقيق/ عبد الحسين محمد علي ، ( دار الأضواء ـ بيروت ) الطبعة الثانية ، 1403هـ/ 1983م.
82 ـ ... المبسوط في فقه الإمامية ، أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطرطوسي ، تصحيح/ محمد الباقر البهيودي ، ( الشرق الأوسط للطباعة والنشر ـ بيروت ) .
مراجع الفقه المالكي :
83 ـ ... أسهل المدارك شرح إرشاد السالك ، في فقه الإمام مالك ، أبو بكر حسن الكشناوي ، ( عيسى البابي الحلبي وشركاه ) .
84 ـ ... الروضة الندية ، شرح الدرر البهية ، السيد الإمام العلامة / أبي الطيب صديق بن حسن ابن علي الحسين القنوجي البخاري ، حققه وراجعه /عبدالله بن إبراهيم الأنصاري ، ( الكتب العصرية ـ بيروت )
85 ـ ... القوانين الفقهية ، أبو القاسم محمد بن أحمد بن جزي الكلبي الغرناطي ، ( الدار العربية للكتاب ـ تونس ) ، 1982م .
86 ـ ... مواهب الجليل لشرح مختصر خليل ، العلامة أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن المغربي ، ( دار الفكر ) ، الطبعة الثانية ، 1398 هـ / 1978 م .
كتب التراجم : (1/160)
صفحة 161
87 ـ ... إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان ، سيف بن حمود بن حامد البطاشي ، ترتيب/ سعيد بن محمد بن سعيد الهاشمي ، ( مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية ـ سلطنة عمان ) ، الطبعة الأولى ، 1422هـ/ 2001م ، الجزء الثالث .
88 ـ ... = = = = = = = = = = = = = = ، سيف بن حمود بن حامد البطاشي ، ( مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية ـ سلطنة عمان ) ، الطبعة الثانية ، 1419هـ/ 1998م ، الجزء الأول .
89 ـ ... أسد الغابة في معرفة الصحابة ، ابن الأثير ، أبو الحسن علي بن محمد بن الجزري [ ت 630هـ ]، تصحيح/ عادل أحمد الرفاعي ، ( دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1417هـ / 1996م .
90 ـ ... الإصابة في تمييز الصحابة ، شهاب الدين أبي الفضل ، أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني [ 852 هـ]، تحقيق/ طه محمد الزيني ، ( مكتبة الكليات الأزهرية ـ مصر ) ، 1399 هـ / 1976 م .
91 ـ ... الأعلام ، خير الدين الزركلي ، ( دار العلم للملايين ـ بيروت ) ، الطبعة السابعة ، 1986م .
92 ـ ... انباه الرواة على أنباه النحاة?، الوزير جمال الدين ، أبو?الحسن علي بن يوسف القفطي ، تحقيق / محمد أبو الفضل إبراهيم ، ( دار الفكر العربي ـ القاهرة ، ومؤسسة الكتب الثقافية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1406 هـ ـ 1986 م .
93 ـ ... بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة ، الحافظ جلال الدين السيوطي، تحقيق / محمد أبو الفضل إبراهيم، ( المكتبة العصرية ـ بيروت ) .
94 ـ ... الرسائل الخمس ، لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم [ ت 456هـ ] أعدها وقدم لها وعلق عليها الشيخ/ أحمد حسن جابر رجب ( مجمع البحوث الإسلامية ـ لجنة السنة ) ، هدية مجلة الأزهر المجانية ـ شعبان/ 1413هـ ، الكتيب الثاني . (1/161)
صفحة 162
95 ـ ... الطبقات الكبرى ، محمد بن سعيد بن منيع الهاشمي البصري ( ابن سعد ) ، تحقيق / محمد عبد القادر عطا ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1410 هـ/ 1990 م .
96 ـ ... معجم أعلام الإباضية???قسم المغرب )?، الأستاذ???محمد بن?موسى بابا عمي وآخرون ، مراجعة ، د/ محمد صالح ناصر ، (جمعية التراث ـ القرارة ـ الجزائر ) ، الطبعة الثانية ، 1420 هـ / 1999 م .
97 ـ ... معجم المؤلفين ، عمر رضا كحالة ، ( دار أحياء التراث العربي ـ بيروت ) .
98 ـ ... وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان?، لأبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر ابن خلكان [ت681 هـ ] ، ( دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1417 هـ / 1997 م .
مراجع الشعر والأدب :
99 ـ ... الأغاني?، أبي الفرج علي بن الحسين الأصفهاني ، تحقيق د/ إحسان عباس ،وآخرين ، ( دار صادر ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1423 هـ / 2002 م .
?
100 ـ ... الأمالي ، أبو علي إسماعيل بن القاسم بن عبذون [ ت 356هـ ] ، بعناية/ إسماعيل يوسف التونسي ، ( مطبعة بولاق ـ مصر ) ، 1322هـ ، ص 1055 .
101 ـ ... ديوان الحطيئة ، شرح د/ يوسف عيد ، ( دار الجيل ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1413 هـ / 1992 م??
102 ـ ... ديوان امرئ القيس ، ضبط وتصحيح ، مصطفى عبد الشافي ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1403 هـ / 1983 م .
103 ـ ... ديوان جرير ، شرح / يوسف عيد ، ( دار الجيل ـ بيروت ) ، الطبعة الأولى ، 1413 هـ/ 1992م??
104 ـ ... شرح ديوان زهير بن أبي سلمى، سيف الدين الكاتب، وأحمد عصام الكاتب، ( دار مكتبة الحياة ـ بيروت ) ، 1986 م .
105 ـ ... الشعر والشعراء?، أبو محمد، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري [ 276 هـ ] ، تحقيق / مفيد قميحة ، ( دار الكتب العلمية ـ بيروت ) ، الطبعة الثانية ، 1405 هـ / 1985 م. (1/162)
صفحة 163
106 ـ ... المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء ، أبو القاسم الحسين بن بشر الآمدي ، تحقيق/ عبد الستار فراج ، ( القاهرة ) ، 1961م .
107 ـ ... مجمع الأمثال ، لأبي الفضل أحمد بن محمد بن محمد بن إبراهيم الميداني ، تحقيق/ محمد أبو الفضل إبراهيم ، ( دار الجيل ـ بيروت ) ، الطبعة الثانية ، 1407هـ/ 1987م??
108 ـ ... منتهى الطلب من أشعار العرب ، محمد بن المبارك البغدادي ، ( دار صادر ـ بيروت ) ، 1997م .
مراجع اللغة والمعاجم??
109 ـ ... تهذيب اللغة، أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري ، تحقيق أ / إبراهيم الأبياري ، دار الكتاب العربي ، 1967 م .
110 ـ ... الصحاح ( تاج اللغة وصحاح العربيِة )?، إسماعيل بن حماد الجوهري ، تحقيق / أحمد عبد الغفور عطَار ، ??دار العلم للملايين ـ بيروت ??، الطبعة الثالثة ، 1404 هـ ???????م .?
111 ـ ... القاموس المحيط، مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي [ 817 هـ ] ، تحقيق / مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة ، ( مؤسسة الرسالة ـ بيروت ) ، الطبعة الثانية ، 1407 هـ .
112 ـ ... لسان العرب?، أبو?الفضل?،?جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور?، دار بيروت للطباعة والنشر?،?ودار صادر للطباعة والنشر?،??????هـ / 1986 م .
?
الدوريات والكتب العامة :
113 ـ ... القضاء بالشاهد واليمين?، د??محمود عبد المتجلي خليفة ،هدية مجلة الأزهر ـ شعبان 1412 هـ .?
114 ـ ... كتاب الأيمان والنذور ، محمد عبد القادر أبو فارس ، ( دار الأرقم ـ عمَّان ، الأردن ) ، الطبعة الرابعة ، 1419هـ/ 1998م .
115 ـ ... موسوعة فقه الليث بن سعد?، محمد رواس قلعه جي ، ( مجلس النشر العلمي ـ جامعة الكويت ) ، 2002م .
116 ـ ... موسوعة فقه عبد الرحمن الأوزاعي ، محمد رواس قلعه جي ، ( مجلس النشر العلمي ـ جامعة الكويت ) ، 2003م .
117 ـ ... موسوعة فقه عمر بن الخطاب?، محمد رواس قلعه جي ، ( دار النفائس ـ بيروت ) . (1/163)
صفحة 164
118 ـ ... موسوعة فقه عمر بن عبد العزيز ، محمد رواس قلعه جي، ( مجلس النشر العلمي ـ جامعة الكويت ) ، 2001م .
المحتويات فهرس
الموضوع ... الصفحة
المقدمة............................................................................... ... 01
الفصل الأول.......................................................................... ... 06
المبحث الأول: تعريف اليمين...................................................... ... 07
المطلب الأول: التعريف اللغوي................................................ ... 07
المطلب الثاني: التعريف الاصطلاحي لليمين............................ ... 11
المبحث الثاني: أدلة مشروعية اليمين............................................ ... 13
المطلب الأول: أدلة مشروعية اليمين من القرآن الكريم.................... ... 13
المطلب الثاني: أدلة مشروعية اليمين من السنة النبوية.................... ... 14
المبحث الثالث: حكم اليمين.......................................................... ... 17
الفصل الثاني:........................................................................ ... 20
المبحث الأول: أقسام اليمين........................................................... ... 21
المطلب الأول: أقسام اليمين من حيث انعقادها............................. ... 21
أولا: يمين اللغو......................................................... ... 21
التعريف اللغوي للغو............................................... ... 21
التعريف الاصطلاحي للغو.......................................... ... 23
ثانيا: يمين الغموس....................................................... ... 27
1-التعريف اللغوي................................................ ... 27
2-التعريف الاصطلاحي........................................... ... 28 (1/164)
صفحة 165
3- اختلاف الفقهاء في وجوب كفارته..ا.................. ... 28
ثالثا: اليمين المنعقدة (المؤكدة)........................................... ... 32
1-التعريف اللغوي................................................ ... 32
2-التعريف الاصطلاحي........................................... ... 34
المطلب الثاني: أقسام اليمين من حيث وجوب الكفارة....................... ... 35
المطلب الثالث: أقسام اليمين من حيث حكمها.......................... ... 36
القسم الأول: اليمين الواجبة............................................. ... 36
القسم الثاني: اليمين المندوبة............................................. ... 37
القسم الثالث:الحلف المباح.............................................. ... 37
القسم الرابع: اليمين المكروه............................................ ... 37
القسم الخامس: اليمين المحرومة........................................... ... 38
المبحث الثاني: أركان اليمين وشروطها..................................... ... 40
الركن الأول: الحالف................................................... ... 40
الحلف في اللغة..................................................... ... 40
شروط الحالف..................................................... ... 42
الشرط الأول: التكليف (العقل والبلوغ) ......................... ... 42
الشرط الثاني: الاختيار (عدم الإكراه)............................ ... 42
الشرط الثالث: القصد إلى اليمين (اليمين)........................ ... 44
هل تخصص النية العام أو تعمم العام؟..................................... ... 45
أولا: تخصيص العام بالنية........................................... ... 46
ثانيا: تعميم الخاص بالنية............................................ ... 46
اليمين على نية الحالف أم على نية المستحلف؟............................ ... 47 (1/165)
صفحة 166
الشرط الرابع: الإسلام.............................................. ... 48
الركن الثاني: المحلوف عليه (محل القسم).................................. ... 51
أن يكون متصور الوجود عد الحلف................................. ... 51
تغيير المحلوف عليه.................................................. ... 52
الركن الثالث: اللفظ المستخدم في القسم وشروطه....................... ... 54
أولا: الحلف باسم من أسمائه أو صفة من صفاته................... ... 54
في قول الحالف: لعمر الله، أيم الله.......................... ... 56
في قول الحالف: أقسم، وأشهد، وأعزم، ونحو ذلك.......... ... 57
ثانيا: اليمين الخارج مخرج الإلزام الواقع بشرط.................... ... 58
في الحلف بالحج، أو بالصيام، أو غير ذلك.................. ... 58
ثالثا:الحلف بما يخرجه من الإسلام................................ ... 59
في قول الحالف: هو يهودي، أو نصراني، أو نحو ذلك........ ... 59
في قول الحالف:هو ملعون، أو قبَّح الله وجهه، ونحوه........ ... 60
الحلف بالأمانة............................................ ... 60
الحلف بحق الله ........................................... ... 61
الحلف بتحريم الحلال..................................... ... 61
المبحث الرابع: الأصل الذي تبني عليه اليمين.................................. ... 63
الأصل الذي تبني عليه اليمين عند الإباضية............................... ... 63
الأصل الذي تبني عليه اليمين عند المالكية................................ ... 64
الأصل الأول: النية............................................. ... 64
الأصل الثاني: بساط اليمين...................................... ... 65
الأصل الثالث: العرف.......................................... ... 65
الأصل الرابع: المدلول الشرعي للفظ............................. ... 66 (1/166)
صفحة 167
الأصل الخامس: المدلول اللغوي للفظ............................ ... 66
الأصل الذي تبنى عليه اليمين عند الحنفية................................. ... 66
الأصل الأول: العرف........................................... ... 66
الأصل الثاني: النية.............................................. ... 66
الأصل الثالث: المعنى اللغوي..................................... ... 67
الأصل الرابع: السبب الباعث على اليمين......................... ... 67
الأصل الذي تبنى عليه اليمين عند الشافعية............................... ... 67
الأصل الذي تبنى عليه اليمين عند الحنابلة................................ ... 68
الأصل الأول: النية............................................. ... 68
الأصل الثاني: سبب اليمين...................................... ... 69
الأصل الثالث: أن تتغير صفة المحلوف عليه........................ ... 69
الأصل الرابع: أن تتغير صفة المحلوف عليه بما لا يزيل الاسم........ ... 69
الأصل الخامس: مدلول الاسم................................... ... 69
الأصل السادس: النعيين بالإشارة................................ ... 70
المبحث الخامس: الاستثناء في اليمين............................................ ... 71
الفصل الثالث: أحوال اليمين........................................................ ... 74
الحلف على الدخول والخروج....................................................... ... 75
الحلف على الأكل و الشرب........................................................ ... 78
الحلف على الكلام واللبس والكسوة................................................. ... 84
الفصل الرابع: كفارة اليمين ... 87
المبحث الأول: تعريف الكفارة ودليل مشروعيتها................................. ... 88
المطلب الأول: تعريف الكفارة ............................................... ... 88 (1/167)
صفحة 168
أولا: التعريف اللغوي................................................... ... 88
ثانيا: التعريف الاصطلاحي.............................................. ... 92
المطلب الثاني: دليل مشروعية الكفارة ......................................... ... 93
أولا: أدلة مشروعية الكفارة من الكتاب العزيز........................... ... 93
ثانيا: أدلة مشروعية الكفارة من السنة النبوية............................. ... 95
المبحث الثاني: صفة التكفير في اليمين....................................... ... 96
المطلب الأول: صفة الإطعام، وشروطه.......................................... ... 97
أولا:صفة الطعام وشروطه ومقداره في الكفارة............................ ... 97
معنى قوله تعالى: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ)................. ... 100
ثانيا:أصناف المستحقين للإطعام في كفارة اليمين.......................... ... 101
المطلب الثاني: الكسوة صفتها وشروطها........................................ ... 101
المطلب الثالث: العتق وشروطه.................................................. ... 102
المطلب الرابع: الصيام.......................................................... ... 103
هل يشترط التتابع في الصيام؟............................................ ... 104
المبحث الثالث: مسائل متعلقة بالتكفير................................................... ... 106
المسألة الأولى: كفارة من حلف أيمانا متعددة.............................. ... 106
المسألة الثانية: التكفير قبل الحنث........................................ ... 108
الخاتمة................................................................................ ... 110
فهرس المصادر والمراجع........................................................... ... 111
فهرس المحتويات.................................................................... (1/168)
صفحة 169
تم بحمد الله (1/169)