صفحة 1
بحث: بدل الخلو بين الشريعة والقانون والعرف
الباحث: محمد بن صالح حمدي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) بسم الله الرحمن الرحيم
بدل الخلو بين الشريعة و القانون و العرف
ورقة الدكتور محمد صالح حمدي، جامعة باتنة
مقدمة: إن العقل الإنساني هبة إلهية منحها العليم الحكيم للإنسان لتعينه على أداء رسالته في الأساسية في الحياة و هي إخلاص العبادة لله و عمارة الأرض، كما أن العقل وسيلة للتغلب على المشاكل التي تعترض حياته عبر مراحلها، فيفكر و يبدع في تخطي كل العقبات و الحواجز في جانبها المادية و النفسية و الاجتماعية، لقد استطاع الإنسان بالعقل الذي ميزه الله به عن سائر مخلوقاته، تحقيق النمو و التقدم، فوظف عقله و استخدم فكره في التغلب على مشاكل التعامل بالمقايضة، فابتكر النقود للتوسط بين عملية البيع و الشراء،، إذ أدرك مع الزمن أن حاجياته متعددة متزايدة و لا يمكن له إشباعها لوحده، ففكر في تقسيم العمل و تبادل المنافع بعد ذلك، فتولدت العقود متتابعة حسب احتياجه، وعلى رأسها عقود البيع و الإجارة، وقد تطورت و تنوعت هذه العقود بتنوع وتطور الحياة المادية. وفي هذه الورقة سوف أتناول تطور عقد الإجارة في العهود الأخيرة والذي اشتقت منه عقود كثيرة، منها "بدل الخلو" و قد ظهر هذا العقد و أخذ مفهومه وتسميته مع التطور الاجتماعي و الاقتصادي للمجتمع.
وذلك ضمن المباحث التالية:
المبحث الأول: الخطوات المتبعة في التعامل مع القضايا المستجدة
المبحث الثاني: التأصيل الشرعي لبدل الخلو.
المبحث الثالث: بدل الخلو عند الفقهاء القدامى، مفهومه و أنواعه
المبحث الرابع: بدل الخلو" المحل التجاري" عند الفقهاء المعاصرين (1/1)
صفحة 2
خاتمة
وسترتكز هذه الورقة على مسألتين جوهريتين هما لب الموضوع في المسألة برمتها وهما:
*التأصيل الشرعي لعقد "بدل الخلو"
*معالجة الحالات السابقة والموروثة عن الفترة الاستعمارية
المبحث الأول: الخطوات المتبعة في التعامل مع القضايا المستجدة
إن البحث في قضية "المحل التجاري" أو ما يسمى في الاصطلاح الفقهي"بدل الخلو" هي من القضايا المستجدة التي ينبغي أن يتصدى لها الفقهاء بالبحث و بيان الحكم الشرعي فيها باستعمال أدوات الاجتهاد و القياس، وعلى المجتهد و الفقيه الذي يتصدى لبحث الحكم الشرعي في القضايا المستجدة، أن يتبع الخطوات التالية، بعد الاستعانة بالله و التضرع إليه بإلهامه التوفيق و السداد:
فهم موضوع القضية المعاصرة فهما دقيقا يمكن معه إصدار الحكم بثقة كاملة، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولتحقيق ذلك لابد من الأمور التالية:
1 جمع المعلومات المتعلقة بالموضوع، فيعرف حقيقتها و أقسامها و نشأتها و الظروف المحيطة بها و أسباب ظهورها
2الاستعانة بأهل الاختصاص في موضوع القضية و إعداد مجموعة من الأسئلة للتأكد من للتأكد من المعلومات التي جمعها لإزالة الإشكالات و الملابسات.
3 تحليل القضية المركبة إلى عناصرها الأساسية التي تتكون منها.
4 عرض القضية المستجدة على النصوص الشرعية من الكتاب و السنة النبوية و الإجماع كما فعل الصحابة و التابعين. (1/2)
صفحة 3
5 عرض القضية المستجدة على أقوال الصحابة و اجتهاداتهم.
6 البحث عن حكم القضية في اجتهادات الأئمة المذاهب و المدارس الفقهية المختلفة
البحث في كتب الفتاوى الفقهية القديمة و المعاصرة، لاحتمال وجود سوابق فقهية و نوازل أفتى بها المفتون.
7 البحث في قرارات المجامع الفقهية: تنبه الكثير من العلماء و الفقهاء إلى ضرورة إيجاد مجامع فقهية وندوات علمية تعقد دوريا للنظر في القضايا المستجدة لإحياء فكرة الاجتهاد الجماعي
المبحث الثاني: التأصيل الشرعي لبدل الخلو
يرى كثير من الباحثين أن مسألة "بدل الخلو" أو "العتبة" أو " المفتاح" و التي تحمل المفهوم القانوني " المحل التجاري" هو ابتكار غربي محض لم يعرفه الفقه الإسلامي، وربما وصل الأمر إلى الحكم بعدم جوازه لكونه غريب عن المعاملات الإسلامية، أو أنه يتعلق بحق معنوي غير ملموس، وبالتالي فهو مرفوض من وجهة نظر الإسلام، وهذا التصرف قد يؤدي إلى هضم كثير من حقوق الناس الذين تتعلق أموالهم بحقوق اكتسبوها بفعل وضعيات سابقة، فالرسول (ص) تعامل مع المعاملات المالية الموروثة عن العصر الجاهلي وفق منهج شرعي حكيم صان الحقوق، وميز فيها بين المشروع و المحظور، وأدخل روح التشريع الإسلامي على المعاملات السابقة، أبطل ما يتنافى معها، و ثبت و أقر منها ما يتناسب معها، لذا فالقضية فيها تفصيل وليس كل ما أتى به الغرب من تنظيمات و معاملات تتنافى مع التشريع الإسلامي، فعلينا أن تضعها في ميزان الشريعة و نخضعها لقواعد النظر و الاجتهاد، شأنها شأن كل المستجدات التي أفرزتها التطورات و التغيرات في مختلف شؤون الحياة الإنسانية، فما وافقه قبلناه و اعتمدناه وما خالفه نبذناه و حرمناه، فالقضية تحتاج إلى بحث و (1/3)
صفحة 4
تفصيل ورد كل الفروع إلى أصولها، فالحقيقة أن بدل المحل التجاري ليس من ابتكار غربي محض، فلنا في الشريعة الغراء ما يشبهها من عقود يمكن الاستئناس بها في الحكم على العقد الجديد.
لو تتبعنا تطور فقه الأوقاف في الشريعة الإسلامية نجده أنه وظف كثيرا من الصيغ التي في حقيقة أمرها نوع من بدل الخلو، فأجازاها الفقهاء، وإن هي طبقت في البداية في مجال الأوقاف، فليس من المستبعد أن يطبق في الإجارات العادية، حتى و إن لم نعثر على دليل تاريخي يثبت ذلك، وسنعرض عرضا موجزا لأهم الصيغ الوقف التقليدية التي تشبه مفهوم "بدل الخلو" وهي:
(أولا): الحكر و الإحكار: هو الاتفاق على إعطاء أرض الوقف الخالية لشخص لقاء مبلغ يقارب قيمتها باسم أجرة معجلة، ليكون له عليها حق القرار الدائم، و يتصرف فيها بالبناء والغرس و سائر وجوه الانتفاع كتصرف المالكين و يرتب عليه أيضا أجر سنوي دائم ضئيل، وحق القرار هذا الناشئ عن هذا العقد يورث عن صاحبه و يباع (1).
و الحكر صيغة ابتكرها الفقهاء للاستغناء عن بيع الوقف أو استبداله، وهذه الصيغة أسلوب للخلاص من هذا القيد لأن الوقف لا يباع، بل ينبغي في حالة بيعه، أن يشترى بثمنه مال وقفي جديد يخصص لنفس الغرض، وعلى ذلك يمكن لناظر الوقف أن يحكر الوقف و ينفق ثمن الحكر على المصاريف العادية، في حين أنه لا يتمكن من استفاء تلك المصاريف في حال الاستبدال.
وفائدة الحكر تعود على الوقف كما رأينا و على المشتري، فهو يشتري العقار و يدفع ثمنه على قسمين: دفعة آنية كبيرة و دفعات صغيرة دورية آجلة, فيستطيع بذلك استثمار ما اشترى من مال الوقف في إقامة البناء و الغرس عليه و سائر أنواع الاستثمارات، وهو أيضا مفيد للأمة و للاقتصاد إذ يؤدي إلى إيجاد فرص استثمارية انتفاعية جديدة.
(ثانيا) الإجارتان في الوقف:
__________
(1) الزرقاء ا، المدخل الفقهي العام، ج:1،ص:570 (1/4)
صفحة 5
مفهومها: أن يتفق ناظر الوقف مع شخص على أن يدفع مبلغا ماليا يكفي لعمارة عقار الوقف عند عجز الوقف عن التعمير، على أن يكون لدافع المال حق القرار الدائم في هذا العقار بأجر سنوي ضئيل، وهذا الحق يورث عن صاحبه و يباع (1). وقد ظهر هذا العقد إلى الوجود في عهد الدولة العثمانية بعد سنة 1020هـ، على إثر الحرائق التي شملت أكثر عقارات الأوقاف في القسطنطينية، فعجزت غلاتها عن تجديدها، وتشوه وجه البلدة، فابتكرت هذه الصيغة من المعاقدة تشجيعا على استئجار هذه العقارات لتعميرها اقتباسا من طريقة التحكير في الأراضي (2). وهذا العقد عبارة عن إجارة مديدة بإذن القاضي. (3) على عقار الوقف، بأجرة معجلة تقارب قيمته تؤخذ لتعميره، وأجرة مؤجلة ضئيلة سنوية يتجدد العقد عليها، ويتم دفعها سنويا، وذلك كمخرج من عدم جواز بيع الوقف ولا إجارته مدة طويلة، ومن هنا سمي بالإجارتين.
(ثالثا) عقد المرصد و هو أسلوب و صيغة طورها الفقهاء من أجل استثمار الأوقاف التي تحتاج إلى تمويل، يمكن أن تتلاءم أكثر مع الأوقاف التي تحتاج إلى عمارة، فما هو " عقد المرصد"
حقيقة المرصد: دين مستقر على جهة الوقف للمستأجر الذي عمر من ماله عمارة ضرورية في مستغل من مستغلات الوقف بإذن ناظره، أو القاضي عند عدم مال حاصل في الوقف، وعدم من يستأجره بأجرة معجلة يمكن تعميره بها، ويثبت ذلك عندما يأذن القاضي أو الناظر لمستأجر الوقف بالبناء في أرض الوقف عند عجز الوقف عن التعمير، بحيث يكون ما ينفقه في البناء و التشييد دينا على الوقف، يستوفيه من أجرته بالتقسيط، ويكون البناء ملكا للوقف، على أن يكون لصاحبه حق القرار في أرض الوقف و يورث عنه، وحق التنازل عنه لآخر بأخذ دينه عليه، بحيث يحل محله بإذن القاضي (4).
__________
(1) الزرقاء، المدخل الفقهي العام، مرجع سابق، ج:1، ص:313
(2) نزيه حماد، أساليب استثمار الأوقاف، مرجع سابق، ص:176
(4) د: نزيه حماد معجم المصطلحات المالية و الاقتصادية، ص:410 (1/5)
صفحة 6
هذه العقود الثلاثة التي ابتكرها الفقهاء، فقهاء الحنفية، من أجل التغلب على وضعية معينة يؤول إليها مال الوقف و يتعذر استثماره و استغلاله ذاتيا، فيلجأ إلى جهة خارجية تتكفل بالتمويل و يعطى لها حق القرار، لمدة محددة أو غير محددة، فهي نوع من الإجارة طويلة المدى، فهي لا تختلف كثيرا عن بدل الخلو في جوهرها و إن اختلفت معها في الدوافع و الأهداف. و يمكن اعتماد هذه الصيغ كقاعدة لتأصيل و تحليل قضية بدل الخلو" المحل التجاري" في استنباط الحكم الشرعي لهذه القضية المستجدة في المعاملات المالية المعاصرة
أوجه الاتفاق و الاختلاف بين هذه العقود
الفرق بين عقد الحكر و الإجارتين أن البناء و الشجر في التحكير ملك للمستحكر - المشتري – لأنهما أنشأه بماله الخاص بعد أن دفع إلى جانب الوقف ما يقارب قيمة الأرض المحتكرة باسم أجرة معجلة، أما في عقد الإجارتين فإن البناء و الأرض ملك للوقف، لأن عقدهما إنما يرد على عقار مبني يجدد تعميره بالأجرة المعجلة نفسها التي استحقها الوقف. أما عقد المرصد فالبناء يكون للوقف، على أن قيمة ما أستثمره المستغل يكون دينا على الوقف، يؤول إليه بالتدريج بموجب الاستغلال لمدة طويلة
وتتفق العقود الثلاثة كونها وسيلة عمارة واستثمار ابتكرت من أجل معالجة وضعية آلت إليها أموال الوقف، وأنها نوع من الإجارة الطويلة
من خلال عرض هذه النماذج نرى أن الفقهاء ابتكروا حلولا لمشاكل واجهت أموال الوقف في تلك العهود بإيجاد هذه الأنواع من استغلال الوقف، فهي تشبه إلى حد بعيد "بدل الخلو " أو المحل التجاري في مفهومه القانوني.
فهذه أوجه الاتفاق و الاختلاف بين بدل الخلو و هذه الصيغ التقليدية للوقف:
(أ) تدفع أجرة معجلة في صيغة الحكر ... يدفع مقابل بدل الخلو مبلغ معين. (1/6)
صفحة 7
(ب) تدفع أجرة سنوي دائمة في الحكر ... يدفع أجرة شهرية أو سنوية في بدل الخلو
ويختلفان:
*في كون الحكر يضمن المحتكر حق القرار و التصرف بالبناء و الغرس، ولا يملك ذلك في بدل الخلو إلا بعد إذن المالك الأصلي.
*كون صيغ استثمار الوقف لمواجهة وضعية لا توجد أموال لاستغلاله، أما بدل الخلو يتنازل فيما مالك العين عن استغلال المنفعة بمقابل
وهناك من الفقهاء المعاصرين (1) من تحفظ على هذه الصيغ هذه، ويراها صيغة خاصة لا يلجأ إليها إلا في الحالات الاستثنائية، نظرا لما يطرأ من تغير الظروف بطول المدة، فتجد مالا وقفيا ملتزما بأجرة زهيدة جدا في حين أن أجرته السوقية تبلغ عشرات أو مئات الأضعاف.
فالمشكلة هنا تكمن في طول المدة أو ديمومتها وليست في صيغة الحكر من حيث هي بيع لمنافع عين إذا كان البيع بسعر السوق، ولذا نجد كثيرا من الفقهاء ينهى عن تأجير أملاك الوقف لمدة طويلة.
والمسؤولية الكبرى تقع على منظري قوانين الأوقاف أن يقيدوا من سلطة ناظر الوقف بتحديد سقف لمدة تأجير الأملاك الوقفية عند إجراء عقود الحكر بما يتلاءم ومصلحة الوقف ومراعاة الظروف الاقتصادية و القانونية للبلد.
بهذا يمكن لنا القول على أن هذا النوع من العقود موجود في الفقه الإسلامي قبل أن يعرفه الفكر القانوني الغربي. وطبق إبان الدولة الإسلامية و خاصة في عهودها الأخيرة في الدولة العثمانية، وبين الفقهاء مفهومها و شروطها و اتفقوا على جوازها
المبحث الثالث: بدل الخلو عند الفقهاء القدامى، مفهومه و أنواعه (2)
__________
(1) الدكتور أنس الزرقاء"الوسائل الحديثة لتمويل و استثمار الوقف، المعهد الإسلامي للبحوث و التدريب"
(2) الدكتور: محمد عثمان شبير، المعاملات المالية المعاصرة، ص:69 (1/7)
صفحة 8
الخلو لغة مصدر خلا، فيقال خلا الإناء مما فيه خلوا، أي فرغ و خلا البيت من أهله خلوا أي صار خاليا. و الخلو في اصطلاح الفقهاء يطلق على عدة معان منها:
أولا: بدل الخلو من أجل عمارة الوقف.
ثانيا: بدل الخلو الناتج عن تنازل عقارات للدولة.
ثالثا: بدل الخلو ناتج عن بيع الخلو في الأملاك الخاصة
وهذا عرض موجز لكل منها:
1المنفعة التي يملكها المستأجر لعقار الوقف مقابل ما يدفعه للناظر أو الهيئة القائمة على الوقف لتعمير الوقف إذا لم يوجد ما يعمر به الوقف على أن يكون له جزء من منفعة الوقف.
2حق مستأجر أملاك الدولة، وتسمى قديما "الأراضي الأميرية"، في التمسك بها إذا كان له فيها أثر من غراس و بناء على أن يؤدي ما عليها من حقوق لبيت المال أو خزينة الدولة.
3ما يدفعه مستأجر الحانوت للواقف أو المالك مقابل تأبيد الإجارة، فلا يملك صاحب الحانوت (مالك الرقبة) بعد ذلك إخراج الساكن الذي ثبت له الخلو و لا إجارتها لغيره ما لم يدفع المبلغ المرقوم.
الرأي الفقهي في الصور الثلاث:
ففي الصورة الأولى، أي بدل الخلو في الوقف، فلم أعثر على قول للإباضية في المسألة، بينما أفتى متأخرو المالكية على جوازها بشروط (1) هي:
*الأجرة المدفوعة لصالح الوقف.
*أن لا يكون للوقف ريع يعمر منه.
__________
(1) محمد عثمان شبير، مرجع سابق، ص:70 (1/8)
صفحة 9
*أن تحدد نسبة معلومة لكلا الطرفين.
*أن تكون مدة منفعة المستأجر محددة.
*أن تكون الأجرة المدفوعة مساوية لأجرة المثل.
*أن يتم تسجيل "الخلو" لدى مصلحة التسجيل العقاري.
أما حكم الصورة الثانية وهو الخلو في الأراضي الأميرية، إذا كانت تحت شخص يزرعها و بنى فيها، فقد أثنت حقه بما أحدثه من ذلك البناء، فإنها تبقى في يده ينفع بها، وهذا يسمى عند الحنفية "الكردار" (1) و هذا الحق يباع و يورث و يرهن دون الأرض لأنها مملوكة للدولة.
أما حكم الصورة الثالثة من الخلو، هي كراء الحوانيت الخاصة مقابل بدل خلو مؤبد، بحيث لا يملك المؤجر (مالك الرقبة) إخراج المستأجر و لا تأجيره لغيره إلا بعد دفع ذلك المبلغ، فقد اختلف الفقهاء في المسألة بين مجيز و مانع، ولكل منهما حججه و أدلته
المبحث الرابع: بدل الخلو عند الفقهاء المعاصرين
بعد استعراضنا لمفهوم بدل الخلو عند الفقهاء القدامى و الذي تطور كما رأينا من استغلال أموال الوقف وشمل الخلو في الحوانيت، وبينا موقف الفقهاء فيه، وعلى ضوء ذلك نقوم بعرض المسألة وكيف تناولها الفقهاء المعاصرون:
التعريف: استعرضت جملة من التعاريف التي وضعها الفقهاء المعاصرون فرأيت أن أشملها لعناصر المسألة هو تعريف الأستاذ: مشهور حسن سليمان، إذ يعرفه:"تنازل مالك المنفعة عن ملكيته لها مقابل مال زائد عن الأجرة" (2)
أركان وشروط بدل الخلو
__________
(1) الكردار: حق القرار الناشئ من كبس أرض الوقف و إقامة الأبنية و زرع الأشجارعليها، د: نزيه حماد، معجم المصطلحات المالية و الاقتصادية، ص:378
(2) مقال: خلو الرجل، مشهور حسن سليمان، مجلة الوعي الإسلامي، ع:281، س:1988،عن: دشبير: المرجه نفسه، ص:80 (1/9)
صفحة 10
من هذا التعريف نستخرج أركان بدل الخلو و هي
*تمليك منفعة عقار لشخص غير مالك الرقبة
*المال الذي يأخذ المالك الأصلي، مقابل التنازل عن منفعة عقاره
*الأجرة العادية التي يأخذها مالك الرقبة دوريا.
ولكل ركن من هذه الأركان شروط حتى يصبح الحكم الأصلي للعقد صحيحا، ومن أهم هذه الشروط:
(أ) تحديد مدة لانتهاء عقد "بدل الخلو" و عودة ملكية المنفعة إلى صاحبها الأصلي وهو المالك، وعادة ما تكون هذه المدة طويلة نوعا ما تمييزا بين الإجارة العادية و بدل الخلو.
(ب) تجديد ثمن الإجارة و مراجعته بعد كل فترة زمنية ليتلاءم مع أجرة المثل الذي أكد عليها الفقهاء، وحتى لا تأكل حقوق مالي العقارات بحيث تصبح أجرتها رمزية بعد مدة، في حال عدم مراجعة الأجرة دوريا
أرى أن هذه أهم الشروط التي ينبغي أن تطبق على ا لمحلات التجارية، وفي حالة مخالفتها ستنجر منها مشاكل و عقبات و أكل الحقوق أحد الطرفين ... .
نشأة المحل التجاري و تطوره
عرف مفهوم" المحل التجاري " لأول مرة في أوروبا لحماية المستأجرين من تعسف مالكي العقارات و مع تطور الأوضاع التجارية و الحقوق المعنوية إبان النهضة، و منها انتقل إلى البلاد المستعمرة منها وطننا الجزائر، وقد ورثت الجزائر بعد استقلالها عن فرنسا وضعية قانونية في المجال العقاري ينبغي التعامل معها بما يتلاءم مع الشريعة الإسلامية و أعراف الناس في المجال التجاري، ويمكن تقسيمها إلى ثلاث حالات أساسية: (1/10)
صفحة 11
1حالة منح الدولة أراضي أو أملاك لاستغلالها من قبل الأفراد.
2 حالة استغلال أملاك الوقف.
3 حالة تمليك منفعة استغلال أملاك الأفراد
أرى أن هذه أهم صور بدل الخلو الذي أفرزه الوضع الاقتصادي الجزائري، وسأحاول عرض هذه الصور و بيان حكم الفقهاء في هذه الصور و الحالات
الحالة الأولى وتتضمن صورتان:
الصورة الأولى
إن الدولة ترى أن من مسؤولياتها توفير السكن للمواطنين، وقد تختار أسلوب الاستغلال بدلا من التمليك، بمعنى أن تمنح مواطنيها السكن وفق شروط و معايير محددة، لا على جهة التمليك و إنما على جهة الاستغلال، بمعنى أن يلتزم المواطن المستفيد بدفع أجرة رمزية لمصالح الدولة، وله حق الاستغلال الدائم و هذا الحق يورث لأبنائه، والواقع أن الكثير من هؤلاء يبيعون هذا الحق للغير و يسمى المفتاح، ومما جرى عليه عرف الناس أنهم يبادلون هذا الحق بالبيع و الهبة و التنازل و الميراث، مع بقاء الملك الأصلي للدولة، فما هو الحكم الشرعي في هذه المعاملة؟ فهل تعتبر حقا معنويا يثبت للمستفيد الأول ثم يتصرف فيه بجميع أنواع التصرفات؟ أم لا يعتبر حقا فيكون حق الاستغلال لمن يدفع أجرة الكراء للدولة؟
قبل الإجابة على هذا نبين الحكم الشرعي في الحقوق المعنوية بصفة عامة، التي هي من الحقوق المستجدة في العصر الراهن، وهي تمثل سلطة على شيء غير مادي، وهذا النوع من الحقوق لم يكن معروفا في الشرائع القديمة، وإنما كان وليد التطور العلمي و الثقافي و الاقتصادي و الصناعي، فلا يمكن إدراجه مع الحقوق العينية، لأنه ليس بسلطة مباشرة لشخص على شيء معين، ولا من الحقوق الشخصية، لأنه لا يعطي لصاحبه الحق في أن يطلب من شخص آخر القيام بعمل معين أو (1/11)
صفحة 12
التكليف بعمل معين، وإنما هو سلطة لشخص على شيء غير مادي، وقد نصت القوانين المدنية المعاصرة على هذا النوع من الحقوق. والتكييف القانوني لهذا الحق، إذ يمكن اعتباره حق استغلال السكن، بما أن المالك الأصلي لهذا البيت أو المنزل هو الدولة، فقد منحت حق سكنه و استغلال منفعة السكن لشخص معين هو المستفيد، فلا يمكن أن يبيع الدار لأنه ليس من ملكه، إلا إذا تنازلت الدولة و باعته لمستغلها، أما حق استغلال المنفعة فهو حق معنوي له، يجوز له فيه التصرف، وينتقل هذا الحق للورثة من بعده. وهذا يتطابق مع حق المنفعة دون الرقبة كما بين الفقهاء. وبه أفتى الفقهاء في استغلال الأراضي الأميرية كما أشرنا إلى ذلك في موضعه
الصورة الثانية:
وتختص بالمحلات للاستغلال التجاري، حيث تمنح الدولة لبعض المواطنين حق استغلال محلات لممارسة النشاط التجاري أو المهني، مقابل أجرة تكون رمزية، دون تحديد مدة الإجارة وإذا حددت مدة الإجارة فقد زال الإشكال و أصبح العقد إجارة عادية تنتهي بانتهاء المدة المنصوص عليها في العقد، وقد يلجأ المستغل بيع حقه هذا لشخص آخر، بينما تظل المحل باسم المستفيد الأول و تحتفظ الدولة بملكية رقبة المحل، وهذه الصورة لا تختلف كثيرا عن سابقتها، وتتميز عنها في كون المحل التجاري يكتسب شهرة بمرور الزمن وبالتالي قد يكتسب صاحبه إلى جانب حق الاستغلال حق المحل التجاري، فما هو الحكم الشرعي في ذلك؟
إن الشريعة الإسلامية لا تمنح حق المحل التجاري بالتقادم، وإنما بما قدم من شراء لهذا الحق، فليس له الحق المطالبة بالحق المعنوي في هذه الحالة، أما الحقوق المادية، أي ما أضاف للمحل من مرافق و إصلاحات و زيادات مادية، وهو ما يطلق عليه الفقهاء: بالكدك، فله ذلك بتقويم تلك الزيادات و الإضافات بسعر السوق عند البيع.
الحالة الثانية: استغلال أموال الوقف: وله صور عديدة، منها:
الصورة الأولى: (1/12)
صفحة 13
أن يكون الوقف، مؤجرا لشخص بدون أن يضيف إليه أي جديد بمعنى أن يبدأ في استغلاله منذ تسلم المفتاح، هذه الصورة ينطبق عليها الإجارة العادية و يشترط فيه الشروط الأساسية لأحكام الإجارة و عليه رد العقار إلى ناظر الوقف عند انتهاء المدة و لا يحق الادعاء بالأقدمية و الشهرة، أما إذا اشترى المستأجر مقابل الخلو أول يوم أو اشترى هذا الحق من شخص آخر، فله حق المقام في بحر المدة المحددة في العقد، وإذا لم يحدد، فعلى ناظر الوقف تحديدها، فقد ذهب أغلب الفقهاء إلى كراهية الإجارة الطويلة في الوقف فكيف بغير المحددة أصلا.
الصورة الثانية:
رأينا في استعراضنا لصيغ الوقف التقليدية، إنه إذا تعذر استغلال الوقف الخرب بموارده الذاتية، يمكن الالتجاء إلى الصيغ المذكورة، كان حصل في تلك العصور عندما خربت أموال الوقف، فاضطر النظار لعمارته بأسلوب الحكر أو بأسلوب الإجارتين، أو بالإرصاد. وقد تتكرر هذه الحالة في الوقف الحاضر، وهو ما حال كثير من الأوقاف عندنا في الجزائر، فقد أوقفها أهلها و بقيت مهملة بدون استغلال و استثمار بسبب عدم وجود صيغ و أساليب لتعميرها و الاستفادة من ريعها.
و أرى أن أنسب الصيغ هو عقد المرصد الذي وضعه الفقهاء و طوره القانون المعاصر، لكونه يضمن حقوق الطرفين، الواقف و المستثمر على حد سواء، فيستفيد الوقف من المزايا التالية:
*ضمان تعميره و تجديده
*ضمان أجرة دورية تعود على منتفعي الوقف.
*ضمان عودة الوقف إلى وضعه الأول بعد انتهاء مدة العقد.
ويستفيد المستثمر من المزايا التالية:
*ضمان ما استثمره من أموال تكون دينا له بذمة الوقف (1/13)
صفحة 14
*الاستفادة من ريع الوقف لمدة تضمن استرداده لما أنفق من أموال.
*الاستفادة من الأرباح المترتبة على ذلك الاستثمار
الصورة الثالثة: أن يكون الوقف ذريا، أي يبقى التصرف فيه بيد الورثة المباشرين ثم يؤول إلى الوقف العام، ويلتزم الوكيل و الورثة باحترام إرادة الواقف، وهذا النوع من الوقف موضع خلاف بين الفقهاء و رجال القانون منهم من أجازه و منهم من أبطله، والواقع المعاش ينبئ أن كثيرا من الحالات يستحوذ الورثة على هذا النوع ويقتسمونه بينهم و لا يفي بالغرض منه و لا تحترم إرادة الواقف أول مرة. و أرى أن يعيّن الواقف هيئة أو مؤسسة قائمة يكون المسؤولة عن الوقف، بدلا من الاعتماد على الوكيل أو الورثة أنفسهم.
الحالة الثالثة: تمليك حق استغلال المنفعة من في أموال الأشخاص
وهي الحالة العادية و الشائعة و تحمل الإسم العرفي "العتبة" و الإسم القانوني "المحل التجاري" و رأينا كيف كان مصدرها من القوانين الغربية، مع أصلها في الحضارة الإسلامية من خلال عمارة الوقف، وموقف الفقهاء المعاصرين الذين أجازوا أغلب صورها التي تتلاءم مع قواعد الشريعة، على أنها نوع من الحقوق المعنوية، مع الشروط التي اشترطوها و المتمثلة في كونها:
*تملكها بسبب من أسباب التمليك لاعن طريق التقادم و الحيازة
*أن تدفع الأجرة إلى مالك الرقبة و أن تتناسب مع أجرة المثل
*أن يحدد مدتها وينتهي حق الانتفاع بها بانتهاء العقد.
ويمكن إجمالها في ثلاث صور: (1/14)
صفحة 15
الصورة الأولى: أن يأخذ المالك من المستأجر مبلغا من المال بالإضافة إلى الأجرة السنوية أو الشهرية، وهذا يدخل تحت النوع الأول الذي أجازه الفقهاء على أنها بيع منفعة. و أن هذا الحق يباع و يشترى و يوهب و يورث،
الصورة الثانية: أن يكون يتنازل المستأجر عن حقه في القرار في بحر المدة المحددة في العقد، بمقابل، إما لصالح مالك المحل نفسه أو لغيره، وهذا النوع جائز لكونه لم يستنفد حقه بعد، ويشترط في التنازل للغير إذن صاحب المحل فهو أولى و له حق الشفعة فيه.
الصورة الثالثة: أن يطالب المستأجر مقابل إخلائه للمحل بعد انتهاء عقد الأجرة العادية، أو بعد انتهاء مدة المنفعة في المحل بموجب عقد المحل التجاري"العتبة" وهذه الصورة بمختلف أوجهها لا تجوز شرعا، فهي سحت و أكل أموال الناس بالباطل، ولو أجازتها القوانين الوضعية في بعض الأزمان.
الخاتمة:
بعد عرضنا لمفهوم بدل الخلو و بما يقابله في العرف و الشرع، خلصنا إلى أن"بدل الخلو" مفهوم إسلامي يساعد الباحث في استنباط الحكم على المفهوم العصري "المحل التجاري"، وقد اعتنى فقهاء الإسلام بتطور العقود و ابتكروا الكثير منها بما يتلاءم مع الظروف المستجدة، وعلينا أن نتعامل مع الإرث الاستعماري من العقود بما يتلاءم مع ما تعارف عليه الناس في حدود الشريعة و مقاصدها العامة. وعند تصنيف صور عقد بدل الخلو وجنا أن صورا منها تتلاءم مع الشريعة و أفتى الفقهاء المعاصرون بجوازها، إما بصفة فردية أو جماعية من خلال المجامع الفقهية، أن منها صورا حرمها الفقهاء لكونها أكل أموال الناس بالباطل، صراحة أو تسترا وراء القوانين الوضعية.
المراجع: (1/15)
صفحة 16
-محمد عثمان شبير: المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي، دار النفائس، عمّان، ط:2،س:1998
-وهبه الزحيلي: المعاملات المالية المعاصرة
-نزيه حماد: معجم المصطلحات المالية و الاقتصادية، دار القلم، دمشق، ط:1،س:2008
-الموسوعة الفقهية الإسلامية، دولة الكويت
-الزرقا مصطفى أحمد: المدخل الفقهي العام، دار القلم، دمشق، ط:1 س: 1998
-محمد حمدي: القاعدة التجارية بين الشريعة و القانون، مجلة الحياة
-محمد حمدي: الصيغ التقليدية لاستثمار الوقف، بحث مقدم للملتقى العلمي الأول: مركب التوفيق سبتمبر2012 (1/16)