صفحة 1
بحث: بعض الأخطاء الواقعة في الزواج = وقفات حول الزواج المعاصر = من قضايا الزواج
الباحث: سماحة الشيخ/ أحمد بن حمد الخليلي
نقلا عن كتابه فتاوى النكاح، الصفحات مِن 411 إلى 430
مصدر الكتاب: موقع واحة الإيمان
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بعض الأخطاء الواقعة في الزواج
محاضرة وفتاوى للشيخ أحمد بن حمد الخليلي(1)
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله على آياته الظاهرة، وهِباته الغامرة، أحمده-تعالى-بما هو له أهلٌ مِن الحمد وأُثني عليه، وأستغفره مِن جميع الذنوب وأتوب إليه، وأومن به وأتوكّل عليه، مَن يهده الله فلا مضلّ له ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد ألاّ إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوَّى وقدّر فهدى، وله الآخرة والأولى، وأشهد أنّ سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، أرسله الله بالطريقة السوَاء، والشريعة السمحاء، والمِلّة الحنيفِية البيضاء، فبلّغ رسالة ربّه، وأدّى أمانته، ونصح الأمّة وكشف الله به الغمّة، وجاهد في سبيل الله، ودعا إليه بالحكمة والموعظة الحسنة حتى أتاه اليقين، صلّى الله وسلّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدِّين، أما بعد: فالسلام عليكم-أيها المشايخ الكرام والإخوة الأعزّة والأبناء النجباء-ورحمة الله وبركاته .. أحيّيكم بهذه التحية .. تحية الإيمان النابعة مِن أعماق النفس، وأهنّئكم بجمعكم هذا في هذا المسجد الكريم سائلا الله-تبارك وتعالى-أن يَغمُرنا برحماته، وأن يَمنّ علينا بألْطافه، وأن يَجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، وأن يجعل تفرّقنا مِن بعده تفرّقا معصوما، وألاّ يجعل فينا ولا منّا ولا معنا شقيا ولا محروما.
__________
(1) -أصل هذه المحاضَرة-مع ما أعقبها مِن إجابة على الأسئلة-في تسجيل سمعي بصوت الشيخ، لذلك فأسلوب الشيخ هنا هو أسلوب الإلقاء، وليس التحرير؛ وقد نشرَتها تسجيلات " الهلال الإسلامية "-بعُمان-تحت عنوان " وقفات حول الزواج المعاصر " في جزأين. (1/1)
صفحة 2
هذا وإنه لَمِمّا يُضاعِف بهجة هذا اللقاء أن يكون لقاؤنا هذا تحت مظلّة كتاب الله .. الكتابِ الحق، الذي حفظه الله - سبحانه وتعالى - مِن التحريف والتبديل، وصانه مِن أن تَطولَه أيدي العابثين: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [ سورة الحجر، الآية: 9 ]، وأن يكون لقاؤنا هذا مِن أجْل تكريم حملة القرآن مِن الناشئة الجديدة، التي نشأتْ على عيْن الله - سبحانه وتعالى - مِن أجْل الحفاظ على كتابه الكريم، والحفاظ على تعاليمه السمحة، ومِن أجل السيْر بالدعوة قُدُمًا، حتى تُؤدِّيَ بمشيئة الله - سبحانه وتعالى - المطلوبَ مِن قِبَلِها.
وبما أننا نتفيّأ ظِلال كتاب الله الوارفة ونتبوّأ هذا المكان الطيّب .. هذا المسجدَ الشريف مِن أجل تدارُس ما ينفعُنا في دين الله - سبحانه وتعالى - فإننا-حسْب رغْبة بعض الإخْوَة-نتطرّق في لقائنا هذا لبعض الأخطاء التي يقع فيها كثير مِن الناس نتيجة عدم إلْمامهم بمعارف القرآن الكريم ومعارف السُّنة النبوية-على صاحبها أفضل الصلاة والسلام-وعدم اطّلاعهم على أحكام الله مِن خلال دراسة شريعته السمحة وهذه الأخطاء تدور حول قضية مهمّة .. قضية تشغل بال كل أحد وهي قضية الزواج الذي هو ربط مصير بمصير، لأنّ الله - سبحانه وتعالى - كرّم الإنسان تكريما مع ما جعل في نفسه مِن الميل الفطري إلى الجنس الآخر، فكل مِن الذكر والأنثى يَميل بفطرته إلى الجنس الآخر ولا يستغني بحال مِن الأحوال، فإما أن يُلَبَّى داعي الفطْرة بالطرق السليمة، وإما أن يُؤدِّيَ ذلك-والعياذ بالله-إلى انفجار تتلاشى معه الأخلاق وتتحطّم معه الفضائل، لذلك كان تأطير الزواج في إطارٍ مِن أحكام الله - سبحانه وتعالى - مطلبا شرعيا مدنِيا لا يَستغني عنه أيّ إنسان كان. (1/2)
صفحة 3
ولا ريب أنّ الزَّواج جعله الله - سبحانه وتعالى - مِن تكريم هذا المخلوق، إذ لم يكن هذا اللقاء الفطْري بيْن نوعيه-بين الذكر والأنثى-غيْر مقيّد بقيود معينة وغيْر مضبوط بضوابط شرعية، كما هو شأن الحيوانات العجماء، بل جعل الله - سبحانه وتعالى - هذا اللقاء يتمّ في إطارٍ مِن القيود الاجتماعية والخلقية التي ميّز الله - سبحانه وتعالى - بِها الإنسان، وجعل مِن ثماره امتدادَ هذا الجنس البشري مع تسلسل الأجيال جيلا بعد جيل-كحلقات في سلسلة واحدة-يُشَدُّ كل جيل منها إلى الأجيال السابقة .. هذا التكريم شاء الله - سبحانه وتعالى - أن يَختَصّ به الإنسان، لأنّ الله-تبارك وتعالى-جعله خليفةً في الأرض، ولأنّ الإنسان بطبيعته يَرغب في أن يكون له امتدادٌ بعد فَنائه، وكل إنسانٍ له عمرٌ محدود في هذه الحياة إلا أنّ هذا الامتداد جعله الله - سبحانه وتعالى - في الذرية التي تَتعاقَب جيلا بعد جيل، فالإنسان يُحسّ أنه بانتقاله إلى الدار الآخرة لا يَنقطِع وجودُه في هذه الدنيا متمثِّلا هذا الوجود في الذرية الصالحة المتعاقِبة، فقد امتنّ الله - سبحانه وتعالى - على عباده بنعمة الأزواج وبنعمة الذرية، فهو - عز وجل - يقول: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ ... } [ سورة النساء، من الآية: 1 ]، ويقول سبحانه: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [ سورة الروم، الآية: 21 ]، ويقول عزّ مِن قائل: { وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم (1/3)
صفحة 4
مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ... } [ سورة النحل، من الآية: 72 ]، كلّ ذلك يَدعو الإنسان إلى أن يُفكِّر في هذه الآلاء العظيمة الغامرة مِن آلاء الله - سبحانه وتعالى - وأن يَحرِص دائما على الارتباط بأحكام الله الذي أنعم عليه بها.
والزواج-كما قلنا-مطلب فطري مدني اجتماعي، باعِثُهُ كامِنٌ في فطْرة كلّ أحد مِن الناس خلقه الله - سبحانه وتعالى - سليما، وهو بجانب ذلك مطلب مدني اجتماعي-كما قلنا-لأنّ المدنية تتوقّف عليه، ومِن آيات الله-تعالى-الظاهرة أن جَعل الإنسان يَتميّز عن غيره مِن الحيوانات بأن جَعل الحيوان يَشتهي بقدر قوّته فقط، بينما الإنسان رغبتُه في الجنس الآخر تفُوق قوّته، وما ذلك إلا لأجل أن تكون حياة الإنسان حياة مدنية.
وقد أُطِّرَ هذا اللقاء بين الزوجين في هذا الإطار الشرعي الذي فيه التكريم البالِغ للإنسان بِكِلا نوعيه .. فيه التكريم للذكر وللأنثى، فالله - سبحانه وتعالى - أوّلا-قبل كل شيء-حضّ على الزواج، فهو - عز وجل - يقول: { وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ ... } [ سورة النور، من الآية: 32 ]، وجاء ذلك في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: ( يا معشر الشباب مَن استطاع منكم الباءة فليتزوّج فإنه أغضّ للبصر وأحصن للفرج ومَن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجَاء )، وفي معرض الحثّ على ابتغاء الولَد يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( تزوّجوا الودود الولود فإنّي مكاثِر بكم الأمم يوم القيامة ). (1/4)
صفحة 5
ونَجد في كتاب الله - سبحانه وتعالى - أيضا ما يدلّ إلى أنّ ولِيَّ المرأة لا يجوز له-بحال مِن الأحوال-أن يقف عائقا في وجْه تَحصينها بالزواج، فهو سبحانه يقول: { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } [ سورة البقرة، الآية: 232 ]، تَرَوْنَ أنّ الله - سبحانه وتعالى - في هذه الآية الكريمة يُخاطِب أولياء أمور النساء بألاّ يَقِفوا سدًّا في طريق رغْبتهنّ دون الوصول إلى تلك الرَّغْبَة مِن نكاح أزواجهنّ وهي وإن كانت في المطلَّقات اللاتي يَرغبْن في الرجوع إلى أزواجهنّ بعد أن تنتهي المدّة المقرَّرة للاعتداد الشرعي منهم إلا أنّ معناها يَشمَل كلَّ ولِيٍّ يَقف في وجه ولِيَّته لئلاّ تَتزوَّج، وفي مَعرِضِ هذا الأمر الرباني يُبيِّن الله - سبحانه وتعالى - أنّ هذه الموعظة هي موجَّهة إلى كلِّ مَن كان يؤمِن بالله واليوم الآخر، ومعنى ذلك أَنه مَن لم يَتَّعِظ بها فليس هو مِن الذين يُؤمِنون بالله واليوم الآخر، لأنه خالَف إيمانه في عدم الامتثال لأمر الله سبحانه: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا } [ سورة الأحزاب، الآية: 36 ]. (1/5)
صفحة 6
ثم إننا نَجِد في أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يَدلّ بأنّ للمرأة الحق في اختيار شريك حياتِها، فالرسول-عليه أفضل الصلاة والسلام-يقول: ( الثيِّب أحقُّ بنفسها مِن ولِيِّها، والبِكْر تُستأذَن في نفسها، وإِذنُها صُماتُها )، وهنا تَتجلّى عظمة الإسلام واستجابته لداعي الفطْرة، فإنّ الإسلام الحنيف يُنزِل كلَّ شيءٍ مَنزلتَه، فالمرأة قد تَختلِف في وضْعها بيْن حالة كونها بِكْرًا وحالة كونِها ثَيِّبًا، أما الثَيِّب فقد مارسَتْ الحياة وجَرَّبَت الأمور ولذلك كانت أحقَّ بنفسها مِن ولِيِّها، وإنَّما ولِيُّها يَأذَن بالزواج الشرعي الجائز عندما تَخْتَار هي شريكَ حياتِها، أما البِكْر فهي بخلاف ذلك وإنَّما لها حقّ الاستئذان، وصماتُها إِذنُها لأنها مِن شأنها أن تَتجلَّل بالحياء-فالحياء يُجلِّل وجهَها-فقد لا تستطيع أن تُصرِّح بِمبتغاها لذلك كان سكوتُها دليلاً على رضاها.
وهذا يعني أنّ أولياء أمور النساء ليس لهم أن يَجبُروا ولِيَّاتهم على التزوّج بِمَن يُريدون هم أن يُزوِّجوهنّ بهم، بل عليهم أن يُقدِّروا شعورهنّ ويَحترِموا أحاسيسهنّ، فإنّ المرأة هي التي تشارِك الرجلَ تكاليفَ الحياة .. هي التي تعيش معه، فمِن هنا كان هذا التكريم في الإسلام للمرأة، إذ لم يَكن الأمر بِرُمَّتِه موكولاً إلى ولِيِّ أمرِها. (1/6)
صفحة 7
أما مشروعية الوِلاية للرَّجل على المرأة فذلك-أيضًا-مِن تكريم الإسلام للمرأة، لأنه مِن المعلوم أنّ المرأة تَجِيش عاطفتُها جَيَشَانًا يَملأ جميع جوانب دماغِها حتى لا يبقى هنالك مجالٌ للتفكير عندما تَتأثّر بدافعٍ عاطفي بخلاف الرَّجل، وهذا كلام تُقرِّره البحوث الحديثة التي يُحرِّرها الباحثون الاجتماعيون، فقد ذكرتْ باحثة فرنسية اجتماعية أنّ العاطفة عندما تَشُبُّ في المرأة تَشغَل كِلا جانبَيْ دماغِها فلا يكون هنالك جانبٌ صالحًا للتفكير، بينما الرَّجل وإن شَبَّتْ عاطفتُه إلا أنها تَشغَل جانبًا واحدًا مِن دماغِه والجانب الأخر يَبقى صالِحًا للتفكير، فالمرأة مع هذا الهيجان العاطفي لا يُؤمَن منها أن تَندفِع وراء عاطفتِها فتَربِط مصيرَها بِمن لا تَحمَدُ عاقبةَ مصاحبتِه فيما بعد، فمِن أجْل ذلك جَعل الله - سبحانه وتعالى - لِلرَّجل حقَّ الوِلاية عليها.
ولئن كان الأمر كذلك فإنه لا يُستغرَب أن يكون الزواج في الشريعة الإسلامية منوطًا برضا الولي، وهذا الذي تُشير إليه الآيات القرآنية، ويُصرِّح به حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: ( لا نكاح إلا بوَلِي ).
ثم بجانب ذلك-أيضًا-نرى أنّ الإسلام عندما يَأمر بالتزويج لا يَنظُر إلى جانب الغنى والفقر، فالغنى والفقر أمرهما إلى الله - سبحانه وتعالى - : { ... إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقيرًا فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا ... } [ سورة النساء، من الآية: 135 ] .. الله - سبحانه وتعالى - أوْلى بالغني والفقير، فمَن كان عائلاً فإنّ الله - سبحانه وتعالى - هو الذي يَتكفَّل بِإِغنائه بِقدْر ما كَتب الله - سبحانه وتعالى - له مِن رزق، فلا معنى للحيلولة بيْن أن تَرتبِط المرأة في زواجها بالرجل العائِل .. أي الرجل الفقير، إذ العَيْلَة إنما هي مِن حُكم الله - سبحانه وتعالى - ، والله أوْلى بالغني والفقير. (1/7)
صفحة 8
ونَجِد في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنّ العبرة في اختيار الرَّجل لشريكة حياته وفي اختيار المرأة لشريك حياتها بالتقوى، فهو-عليه أفضل الصلاة والسلام-يقول: ( إذا أتاكم مَن تَرضَوْن دِينه وخُلُقَه فزَوِّجُوه، إلاّ تَفعلوا تَكن فتنةٌ في الأرض وفساد كبير )، ومع ذلك-أيضًا-يقول - صلى الله عليه وسلم - : ( تُنكَح المرأة لِمالِها وجَمالِها وحَسَبِها ونَسَبِها فاظْفَر بِذات الدِّين تَرِبَتْ يَداك ) .. أي العبرة بالدِّين .. يُؤْمَر الرَّجل أن يَحرِص على المرأة الصالحة الدَّيِّنَة وتُؤْمَر المرأة أن تَحرِص على الرجل الصالح الدَّيِّن، لأنّ كلَّ واحدٍ منهما بصلاحه وتقواه يَشُدُّ أَزْرَ الآخر ويُعينُه على تقوى الله سبحانه، وهذا هو المطلوب في العشرة الزوجية، لأنّ المطلوب مِن الزوجين التكامُل فيما بينهما في حياتهما الخاصّة وفي تربيتِهما لأولادِهما فعندما يكونان متّقِيَيْن لله-سبحانه-يَحصُل هذا التكامل على أحسن وجْه. (1/8)
صفحة 9
هذا ولربَّما وَقَفَ بعض أولياء الأمور حائِلاً دون رغْبة وَلِيَّاتِهم مِن الارتباط بهذه الرابطة المقدَّسة لسبب أو لآخر، وهؤلاء-بطبيعة الحال-أعمالهم منافِية للإيمان بالله واليوم الآخر، لأنّ الموعظة في كتاب الله وُجِّهَتْ إلى مَن كان يُؤمِن بالله واليوم الآخر، ولئن كان الحافِز إلى ذلك الطمع الذي هو في نفوسِ كثيرٍ مِن الآباء بِحيث يَرَوْن بَناتِهم يَشْتَغِلْن في أعمالٍ تُدِرُّ عليهنّ مداخيل وَيَحرِصون دائما على أن يكون هذا الكسب لَهم دونهنّ وعندما يَخرُجْن مِن أيديهم يَكُون الكَسب لَهنّ ولأزواجهنّ دونَهم .. لئن كان الباعِث ذلك فلا ريب أنّ مع الوعيد الشديد الذي يَترتَّب على عَضْلِهِنَّ مِن الزواج-لأنَّه ناشِئٌ عن عدم الإيمان بالله واليوم الآخر إيمانا صحيحًا يَمتلِك شِعابَ النفس ويُسيْطِر على الفِكْر والوُجدان والعَقْل والقلْب-فإنهم مع ذلك-أيضًا-يَترتّب عليهم بسبب ما فَعلوا وعيدُ الظّلم، لأنَّهم ظالِمون لهنّ بأكلهم لأموالهنّ بغيْر حق، والله-تعالى-يقول: { وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } [ سورة البقرة، الآية: 188 ]، فالقضية ليست هَيِّنَة .. فيها-قبل كل شيء-إثم، لأنّهم عَضَلُوهنّ عن الزواج والعَضْل أمرٌ منهيّ عنه بنصّ القرآن الكريم وهو ينافي الإيمان بالله واليوم الآخر، ثم بجانب ذلك هم-أيضًا-ظالِمون لَهنّ بأكلهم لأموالهنّ بغيْر حق، وأكل مالِ أحدٍ بغيْر حق يَترتّب عليه وعيدٌ شديد، فإنّ الله-تبارك وتعالى-يقول: { وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } [ سورة البقرة، الآية: 188 ]، ويقول: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (1/9)
صفحة 10
لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا - وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا } [ سورة النساء، الآيتان: 29-30 ] .. هذا ولئن قارفْن أيّةَ معصية فإنّ إثم ذلك يعود عليهم معهنّ، لأنهم الذين دفعوهنّ إلى المعصية، إذ هذه فطْرة موجودة في كلٍّ مِن الذَّكر والأنثى، ومعاكسَة الفطْرة تُؤدِّي إمّا إلى الأمراض النفسية والعصبية، وإما إلى انفجارٍ تَتحطّم معه جميع الأخلاق وتَتلاشى معه جميع القِيَم، ويَحِلُّ العَار مع ذلك بالأسرة كلِّها، فهؤلاء الآباء الذين يُعرِّضون بناتِهم للوقوع في الفاحشة بسبب عَضْلِهنّ مع ما يَترتّب عَلَى فِعلهم هذا مِن الوعيد الشديد في الدار الآخرة يَعودُ إليهم عارُهنّ في الدنيا عندما يَقَعْنَ في الفحشاء والعياذ بالله تعالى، فعلى كل مَن كانت له ولِيَّة أن يُسارِع إلى تزويجها بِمَن رَضيَتْه زوْجًا مِن الأكْفاء المؤمِنين بالله واليوم الآخر، فإنّ ذلك أَصْوَن لَهم ولَهنّ.
هذا وهناك الكثير مِن الأمور التي تَقِفُ عوائِق دون تَحقيق هذه الرغْبة مِن قِبَلِ الشباب أو مِن قِبَلِ الفتيات .. مِن بينها المُغالاةُ في المُهور، فالمُغالاة في المُهور مِن أخطر الأُمور، لأنها تُؤدِّي إلى ارتكاب الفحشاء والعياذ بالله، لأنها تَحولُ بيْن الشاب ومبتغاه وبيْن الفتاة ومبتغاها، كما يقول إمامنا السالمي رحمه الله تعالى:
فيَشتهِي النساءَ وهو لم يَجدْ ... وتَشتهِي الرجالَ وهي لم تَجِدْ
فتَحْمِل الشهوةُ في الصنفيْن ... على ارتكابِ فاضِحٍ وشَيْنِ(1)
__________
(1) -جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، كتاب النكاح، باب الصداق، ولكن إليك البيتين حسب الطبعة التي بأيدينا:
فتَشتهِي الرجالَ وهي لم تَجِدْ
ويَشتهِي النساءَ وهو لم يَجدْ
فتَحْمِل الشهوةُ في الصنفيْن
على ارتكابِ مفضح وشَيْنِ (1/10)
صفحة 11
الشهوة تَحمِل كلَّ واحِد منهما على ارتكاب الفحشاء والعياذ بالله، فإذن تيْسير الصَّدُقَات مِن المَطالِب الشرعية مِن أجل تلبية داعي الفطْرة.
على أنّ الصداق المفروض فرضَه الله - سبحانه وتعالى - مِن أجل التمييز بيْن الحلال والحرام، وجعله رَمْزَ القَوامَة لِلرَّجل على المرأة، فلذلك لا عبْرة بالمُغالاة في الصّداق، فإنّ هذه المُغالاة لا تَدلّ على قيمة المرأة، ولو كانت المُغالاة دليلاً على قيمة المرأة لكانت أوْلى بذلك بناتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - مع عُلُوِّ أقدارِهنّ وعِظَمِ مرتبتهِنّ، لأنهنّ يَنتسِبْن إلى النبي العظيم الذي أَرسَله الله رحمةً للعالمين وشرّفه على الخلْق أجمعين، وأيُّ أحدٍ لا يَجِد شَرفاً في الارتباط به - صلى الله عليه وسلم - مِن طريق المصاهَرة ؟! ولو كان الأمر كذلك لَتسارَع الناس إلى المُغالاة في مهورهنّ مِن أجل نيْل هذا الشرَف العظيم، ولكن كانت صَدُقاتُهنّ مِن أَيْسَر الصَّدُقَات، وهكذا كانت صَدُقَات نساء المهاجرين والأنصار .. ما كانت هنالك مُغالاة في الصَّدُقَات. (1/11)
صفحة 12
على أنّ هذه المُغالاة ليست ناشِئة عن رغْبة الفتيات أنفسهنّ، وإنما هي ناشئة عن رغْبة أوليائهنّ الذين يُريدون أن يُثْرُوا مِن هذا الطريق، وهذا عارٌ ليس بعده عار، ولئن كانت العرب في جاهليتها كانت تَرى مِن العار أن يُثْرِيَ الرَّجل مِن وراء الدِّية التي يَنالُها بسبب العفْو عن قاتِل قريبِه، فإنّ هذا العارَ أعظم وأعظم .. أن يَحرِص الرَّجل على أن يُثْرِيَ مِن وراء تزويجِ ابنتِه، كأنَّما يَبيعُها بيْعًا وهي بضْعَة منه، فكيف يَحرِص الإنسان على ذلك ؟! على أنّ هذا الصّداق ليس للولِي حقٌّ فيه، فإنه حقٌّ للمرأة وحدها، بدليل أنّ الله-تعالى-يقول: { وَآتُوا النِّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا(1) فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا } [ سورة النساء، الآية: 4 ] جعله الله - سبحانه وتعالى - حقّا لَهنّ .. لَم يقل: " وآتوا أولياء النساء " أو " وآتوا آباء النساء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَة "، وإنَّما قال: { وَآتُوا النِّسَاء ... } ثم جَعل العفْو عن جزءٍ منه يَعودُ إليهنّ لا إليهم، فهو حقٌّ لهنّ دونَهم، وَمُحاولةُ الاستكثار مِن الصّداق مِن أجل الإثراء مِن قِبَلِ هؤلاء الأغنياء أمرٌ يَتنافى كل التنافي مع شريعة الله - سبحانه وتعالى - السَّمْحَة.
__________
(1) -سقط { نَفْسًا } مِن كلام الشيخ وهو سبق لسان. (1/12)
صفحة 13
ومِن الأمور التي تَقِف عائِقًا دون تَحقيق الرغْبة الفِطْرية التي تَشغَل بالَ الشباب والفتيات جميعًا إغراقُ الناسِ أنفسَهم في التَّرَف، فإنّ التَّرَف هو طريقٌ إلى التَّلَف والعياذ بالله، وقد قلتُ-أكثرَ مِن مَرّة-بأنّ التّقارُب اللفظي ما بيْن كلمتي " التَّرَف " و " التَّلَف " يُوحِي بِما بيْنهما مِن الترابُط السّببي والتآخي المعنوي، فإنّ التَّرَف مُفْضٍ إلى التَّلَف، ولذلك لم يَذكُره الله-تبارك وتعالى-في كتابه إلا مقرونًا بِالشّر، فقد ذَكَرَ الله-تعالى-عذابَ الدنيا وبَيَّن أنّ مِن أسبابه التَّرَف، عندما قال: { حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ } [ سورة المؤمنون، الآية: 64 ]، وقال: { وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ - فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ - لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } [ سورة الأنبياء، الآيات: 11-12-13 ]، وذَكَرَ عذابَ الآخرة وبَيَّن-أيضًا-أنّ سبَبَه التَّرَف، فعندما ذَكَر أصحابَ الشِّمال قال: { إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ } [ سورة الواقعة، الآية: 45 ]، وذَكَرَ عمومَ العذاب الذي يَشمَل الجميع فبَيَّن أنّ سبَبَه فسادُ المُتْرَفِين، عندما قال: { وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا } [ سورة الإسراء، الآية: 16 ]، وذَكَرَ تكذيبَ المرسلين وبَيَّنَ أنه ناشِئٌ عن التَّرَف، عندما قال سبحانه: { وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا (1/13)
صفحة 14
تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ } [ سورة المؤمنون، الآية: 33 ]، وقال: { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ } [ سورة سبأ، الآية: 34 ]، وذَكَرَ معارَضةَ المصلِحين والوقوف في وجوههم وبَيَّنَ أنه يَنشأُ عن التَّرَف، عندما قال: { فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ ... } [ سورة هود، من الآية: 116 ]، فالتَّرَف هو-أيضًا-يَقِفُ عائِقًا دون تَحقيق هذه الرَّغْبة، فكثيرٌ مِن المُتْرَفِين يَرَوْنَ أنّ مِن السّعادة لِبناتِهم أن يَتمرَّغْن في أوْحال التَّرَف كما تَمرَّغوا، ومِن ذلك أنّ الواحدَ منهم إذا خُطِبَتْ إليه كريمتُه اشترَط لَها المنزل الفخْم والأثاث الحديث الغالي النّفيس والسيارة الفخْمة وغيْر ذلك مِمَّا يشترط مِمَّا لا داعِيَ إليه .. هي في قرارة نفسِها تريد أن تُحصِّنَ نفسَها وتريد أن تَستجِيب لِداعي فطْرتِها، فما الداعي إلى هذه الأمور التي لا علاقة لها بهذا المطلَب ؟!
وعندما تَتحقَّق هذه الأمور وتَتيسَّر بمشيئة الله لابد مِن أن يكون هذا اللقاء-كما قلتُ [ ص2 ]-مُؤطَّرًا في إطار الشريعة السَّمْحَة .. شريعةِ القرآن والسنّة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
ومِن هنا يَجِب على الإنسان قَبْلَ أن يُقدِم في أمْرِ الزواج أن يكون على بَيِّنَةٍ مِن أمْرِه وبصيرةٍ مِمَّا يَأتي ومِمَّا يَذَر، لئلا يَقَعَ في النّدم لاتَ ساعةَ مَنْدَم. (1/14)
صفحة 15
فقَبْل كلِّ شيءٍ أَباح الله - سبحانه وتعالى - هذا الزواج بيْن مسلمٍ ومسلمة، وحَذّر مِن تَزْوِيجِ المشرِكين كلِّهم مِن غيْر استثناء ومَنَعَ تَزَوُّجَ المشرِكات، عندما قال - سبحانه وتعالى - : { وَلاَ تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُوا الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 221 ] .. حَذَّر الله - سبحانه وتعالى - مِن نكاح المشرِكات ومِن إِنكاح المشرِكين، لأنّ هذه الرّابِطة رابِطة مقدَّسة، فلذلك يجب أن تكون بين مؤمن ومؤمنة، ولا تكون بين مؤمنة ومشرك ولا بين مؤمن ومشركة، وَيَتَرَتَّب مِن المفاسد على إنكاح المشركين أو نكاح المشركات ما يفوق الحصر، وإنَّما أباح الله - سبحانه وتعالى - فيما سلف أن يَتزوّج المسلمون بالكتابيات لأنّ أهل الكتاب أقرب إلى الإيمان مِن خلال معرفتهم بالنبوات وإطّلاعهم في كتابِهم على ما جاء مِن أوصاف النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا الحكم ينبغي أن يكون منوطًا بغلبة المسلمين وظهور أمرهم ونفوذ سلطانهم .. لا في أيّ وقت مِن الأوقات، فإنّ هذه الإباحة إنما كانت لحكمة بالغة وذلك لأنّ الله - سبحانه وتعالى - يريد لعباده الخير ومِن ضمن هذا الخير الهداية والهداية قد تحصل لأهل الكتاب مِن خلال الاحتكاك بالمسلمين والإطلاع على محاسن الإسلام والمعرفة بأدلته وبراهينه، وقد يُفضي ذلك-أوّلا قبل كل شيء-إلى أن تُسلِم تلك المرأة التي تعيش في كَنَفِ الرَّجل المسلم ثم قد يُفضي ذلك إلى أن تُسلِم أسرتُها بسبب الإطلاع على محاسن الإسلام مِن خلال هذه الممارَسة وهذه اللقاءات التي تكون بعلاقة المصاهرة ما بين المسلم والكتابيين وذلك أمر ميسور عندما يكون سلطان المسلمين قائمًا ودولتهم غالبة ورايتهم خفّاقة ظاهرة في (1/15)
صفحة 16
أرجاء الأرض، أما عندما تكون الغلبة للكفار على المسلمين فإنّ الأمر قد يَنقلِب إلى عكس ذلك، ولذلك نَحن نقول بأنّ تزوّج المسلم في وقتنا هذا بغير المسلمة أمر لا يَجوز، ومفاسد ذلك ظاهرة.
قبل فترة-لا تزيد عن سبع سنوات فيما أحسب-جاءني رجل عُماني مِن قبيلة عُمانية-تَنتسِب إلى هذه الولاية التي نحن فيها نفسِها-ومعه خاله وقد بلغ خاله مِن الكِبَر عتيا بحيث جاوز السبعين أو جاوز الثمانين مِن العمر .. جاء بخاله وهو يَنتسِب إلى نفس القبيلة مِن أجل إدخالِه في الإسلام وسألتُ عن سبب ذلك فإذا بأبِ هذا الخال-جد الذي جاء به-تَزوّج امرأة نصرانية فولدَت له هذا الولد وعندما ولدته طلّقها فاحتوَت على الولد وربّته في الكنيسة ونشَّأته على النصرانية وذريته لا تزال على النصرانية فيما علمت، وإنما هو دَخَلَ في الإسلام بعدما بلغ مِن الكِبَر عتيا.
ومِن عجيب الأمور-أيضا-أن جاءني شاب مسلم متديِّن بابن عمٍّ له ليُدخِله في الإسلام وهو كاثوليكي نصراني وجنسيته بلجيكية، وحِرْتُ في هذا الأمر فأخبرني أنّ السبب في ذلك أنّ جدّه كان يتزوّج مِن كل مِلَّة مِن الملَل مِن غير مبالاة وكانت الأمهات يُرَبِّينَ أولادهنّ على ملتِهِن وحدّثني بأنّ عَمّةً له هي كاثوليكية وقد تَزوّجها يهودي في فرنسا وهم مِن قبيلة عمانية عريقة وأنا كنتُ أعرف أبا جَدِّ هذا الشاب .. أي أبَ هذا المِزواج الذي يَتزوّج حسب شهوته مِن أيّ مِلَّةٍ كانت، وحدّثني أنّ في أسرتهم نَحو أربعين مَن هم على المذهب الكاثوليكي النصراني. (1/16)
صفحة 17
فكيف مع ذلك يُبَاح لِمسلم في مثل هذا الوقت أن يَتزوّج مِن غير المسلمة مع أنّ الإنسان لا يدري بِحياته فقد يَفْجَؤُه ريب المنون وهو في غَضَارَةِ شَبَابه وفي رَيْعَانِ عُمره وَزَهرَته وفي أَوْجِ طموحاته وآماله وفي هذه الحالة تَتحكَّم الأم في تربية أولادها على غير الإسلام عندما تكون غير مسلمة، فعلى الآباء أن يتّقوا الله - سبحانه وتعالى - في فلذاتِ أكبادهم وألاّ يُلْقوا بِأَبْضَاعِهم إلى النار، وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( اختاروا لنُطَفِكم فإنّ العِرق دَسّاس )، وجاء-أيضًا-في الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - : ( إياكم وخضراء الدِّمَن ) قيل له: " وما خضراء الدِّمَن يا رسول الله ؟ " قال: ( المرأة الحسناء في مَنبَت السوء ).
هذا ونجد أنّ مراعاة المصلحة كانت مِن شأن أهل القيادة في الإسلام حتى في حَال نفوذ الدولة الإسلامية وقُوّتِها وانتشار سلطانِها في أرجاء الأرض.
فقد جاء عن عمر بن الخطاب-رضي الله تعالى عنه-أنه بلغه عن حذيفة اليماني أنه تَزوَّج امرأةً كتابية فكَتَبَ إلَيْه: " طَلِّق هذه المرأة "، فأجابه: " إنّ الله أَحلَّها لي ولا أريد أن أُطلِّقها " فكَتَبَ إليه عمر - رضي الله عنه - : " يا حذيفة، أنت صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد خشيتُ أن يَندفِع الناس بِسبَبِك إلى جمال الكتابِيات ويَتركُوا نساءَ المسلمين أَيَامَى، فأَقْسَمْتُ عليكَ بالله ألاّ تَضع كتابي هذا حتى تُطلِّقها "، فلم يَضع كتابَ عمر - رضي الله عنه - بعدما قرأه إلى أن طلّق تلك المرأة امتثالاً لأمر الخليفة، وهكذا النظرة الثاقبة في الإسلام. (1/17)
صفحة 18
هذا ومع كون الجانبين على الإسلام-أي جانب الرجل وجانب المرأة-فإنّ هنالك-أيضًا-ضوابط تَتعلَّق بِالأنساب والأسباب لابد مِن مراعاتها، فالتحريم منصوصٌ عليه في كتاب الله-تبارك وتعالى-لطائفة مِن النساء منهن مَن حَرُمْنَ تحريمًا أبديًا بِنصّ القرآن، ومنهن مَن كانت حُرمتُهن موقّتَة، فالله-تبارك وتعالى-يقول: { وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً } [ سورة النساء، الآية: 22 ] ثم يقول - عز وجل - : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ... } [ سورة النساء، من الآية: 23 ] .. لابد مِن مراعاة ذلك .. مراعاة الحرمة التي تكون بسبب النسب كالأم والأخت والبنت والعمّة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت أو التي تكون بالسبب، والسبب قد يكون مصاهرة وقد يكون رضاعة، فتَحرُم-مثلا-بالمصاهرة زَوْجَة الأب وزوجة الابن وكذلك الجد وإن علا وابن الابن وإن سفل وأم الزوجة هي حرام وأمها وإن عَلَتْ وهكذا، وهنالك حُرمة بسبب الرضاعة .. نَصّ القرآن الكريم على صنفين مِن النساء يَحْرُمْنَ بسبب هذه العلاقة-علاقة الرضاعة-وهنّ الأمهات والأخوات، ثم جاءت السنّة النبوية-على صاحبها أفضل الصلاة والسلام-لِتُضِيفَ أحكاما أخرى .. منها ما يَتعلّق بعلاقة المصاهرة، ومنها ما يَتعلّق بعلاقة (1/18)
صفحة 19
الرَّضاع.
فمِن حيث المصاهرة الكتاب العزيز دلّ على تحريم الجمع بين الأختين، ولكنّ السنّة النبوية أَضافتْ إلى ذلك تَحريمَ الجمع بين المرأة وعَمّتها وبين المرأة وخالتها: ( لا تُنْكَحُ المرأة على عَمّتها ولا المرأة على خالتها .. لا الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى ).
وكذلك جاءت السنّة النبوية-على صاحبها أفضل الصلاة والسلام-لِتَتحدَّث عن المُحَرَّمَات بِسبَب الرَّضاع، فالمُحَرَّمَات بِسبَب الرَّضاع لا يَنْحَصِرْنَ في الأمهات والأخوات فحسب، فقد أخرج الإمام الحافظ الحجّة الربيع بن حبيب-رحمه الله تعالى-في مسنده الصحيح عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أمّ المؤمنين عائشة-رضي الله تعالى عنها-قالت: " إنّ أَفلح أخَا أبي القُعَيْس هو عمّي مِن الرضاعة استَأْذَنَ عليّ فأَبَيْتُ أن آذَنَ له، فلما جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَخبرتُه، فقال: ( إئذني له، فإنَّما الرَّضاع مثلُ النسب ) "(1)
__________
(1) -مسند الإمام الربيع بن حبيب، باب (26) الرَّضاع:
حديث رقم 523: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة-رضي الله عنها-قالت: إنَّ أفلح أخا أبي القُعيسِ-وهو عمي مِن الرضاعة-استأذَن عليَّ-وذلك بعد أن نزل الحجاب-فأبيتُ أن آذَنَ له فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرتُه فقال: (إِئذَني لهُ، فإنَّ الرَّضاعَ مِثلُ النَّسبِ ). (1/19)
صفحة 20
، وقد أَخرج الحديثَ الشيخان البخاري ومسلم مِن طريق عائشة-رضي الله تعالى عنها-وفي روايتِهما زيادة وهي أنّ عائشة-رضي الله تعالى عنها-قالت لِرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا رسول الله، أَرضَعَتْنِيَ المرأة ولم يُرضِعْني الرجل ! " فقال لها - صلى الله عليه وسلم - : ( إنه عَمُّكِ فلْيَلِج عليكِ )، وفي بعض روايات مسلم زيادة: " وكان أبو القُعَيْس زوجَ المرأةِ التي أَرضعَتْ عائشة "، وجاء في بعضها أنّ أَفلحَ أخا أبي القُعَيْس عندما استَأْذَن على عائشة قال لها: " إئذني لي فإنني عَمُّكِ "، فقالتْ له: " مِن أينَ صِرْتَ عمي ؟! "، قال لها: " أَرضَعَتْكِ امرأةُ أَخي "، فقالت له: " أَرْضَعَتْنِي امرأةُ أبي القُعَيْس ولم يُرْضِعْنِي أبو القُعَيْس "، ومع هذا عندما أخبرت النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لَها: (إنه عَمُّكِ فلْيَلِج عليكِ )، وجاء في رواية أخرجها الإمام الربيع(1)
__________
(1) -مسند الإمام الربيع بن حبيب، باب (26) الرَّضاع:
حديث رقم 524: أبو عبيدة عن جابر عن عائشة-رضي الله عنها-قالت: كنتُ قاعدة أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ سمعتُ صوتَ إنسان يَستأذِن في بيت حفصة فقلتُ: " يا رسول الله، هذا رجلٌ يَستأذِن في بيتِك " فقال : " أُرَاهُ فُلانًا "-لعمّ حفصة مِن الرضاعة-فقلتُ: " يا رسول الله، لو كان عمّي فلان حيًّا دخل عليَّ ؟ "-لعمٍّ لها مِن الرضاعة-قال: " نَعمْ يَحرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحرمُ مِن النَّسب ". (1/20)
صفحة 21
-أيضًا-والشيخان وغيرهم مِن طريق عائشة-رضي الله تعالى عنها-قالت: " بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيتي إذ سَمِعْتُ صوتَ رَجلٍ يَستأذِن في بيت حفصة فقلتُ له: ' يا رسول الله، هذا صوتُ رَجلٍ يَستأذِن في بيتِك ' فقال: ( أُرَاهُ فلانًا )-لِعَمِّ حفصةَ مِن الرضاع-فقلتُ له: ' لو كان عَمِّي فلانٌ حيًّا لَدَخَلَ عَلَي ؟! ' فقال: ( نَعم .. يَحرُم مِن الرَّضاع ما يَحرُم مِن النسَب ) "، وجاء في رواية عند الترمذي: ( يَحرُم مِن الرَّضاع ما يَحرُم مِن الولادة )، وجاء-أيضًا-في الصحيحين عن ابن عباس-رضي الله عنهما-أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - عُرِضَتْ عليه ابنةُ عَمِّهِ حَمزة لِيَتزوَّجها، فقال: ( إنَّها لا تَحِلُّ لي .. إنها ابنةُ أخي مِن الرضاعة .. أَرضعَتْني وأباها ثُويْبَةُ الأَسْلَمِية )، وأخرج الإمام مسلم مِن طريق الإمام علي-كرّم الله وجهه-أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا رسول الله، ما لَك تَتَلَوَّق في قريش وتَتركُنا ؟ " فقال: ( وهل يُوجَد فيكم ؟ ) قال: " نعم " قال: ( مَن ؟ ) قال: " بنتُ حمزة " قال: ( إنَّها لا تَحِلُّ لي .. إنَّها ابنةُ أَخي مِن الرَّضاعة .. أَرضعَتْني وأباها ثُويْبَةُ الأَسْلَمِية )، وأخرج البخاري وأبو داؤود وَغَيرهما عن أم حبيبة-رضي الله تعالى عنها-أنها قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا رسول الله، هل لك في أختي ؟ " قال لها: ( ماذا ؟ ) قالت: " تَنكِحها " قال: ( أَوَتُحِبِّينَ ذلك ؟ ) قالت: " لستُ بِمُخْلِيَة وأَحَبُّ مَنْ شَركَنِي في الخير إِلَيَّ أُختي "، فقال لها - صلى الله عليه وسلم - : ( إنَّها لا تَحِل لِي )، فقالت له: " أَوَلَسْنَا نَسمَعُ أَنَّكَ تُريد أن تَنكِح بنتَ أبي سلمة ؟ " قال: ( بنتَ أُمِّ سلمة ؟! ) قالت له: " نعم " قال: ( لو لم تَكن رَبِيبتي في حِجْرِي لَمَا حَلَّتْ لي .. إنَّها ابنةُ أخي مِن الرَّضاعة، (1/21)
صفحة 22
أَرضعَتْني وأباها ثُويْبَةُ الأَسْلَمِية، فلا تَعْرِضْن عَليّ أخواتِكنَّ ولا بناتِكنَّ ) .. مِن خلال هذه الأحاديث الشريفة يَتبيَّن لنا أنّ حرمة الرَّضاع منتشِرة كانتشار حرمة النسب .. لا فارِق بيْن الحرْمَتَيْن.
وعليه فإنّ المرأةَ لو أَرْضَعَتْ طفلاً ذَكَرًا فهذا الطفل يُصبِح ولدا لهذه المرأة فهي حرام عليه، لأنَّها أُمُّه مِن الرَّضاع، كما تَحرُم عليه أُمُّه مِن النسب.
أُمُّها وإن عَلَتْ هي-أيضا-حرام عليه لأنها جدّته مِن الرَّضاع .. تَحرُم عليه كما تَحرُم عليه جدّتُه أُمُّ أُمِّه التي وَلدَتْه.
بناتُها جميعا سواءً التي رَضَعَتْ معه أو التي كانتْ قبلَ ذلك بِعشرات السنين أو التي وُلِدَتْ مِن بعدِ رَضَاعِه مِن تلكَ المرأةِ بِعشرات السنين كُلُّهُن عليه حرام، لأنَّهن جميعًا أخواتُه مِن الرَّضَاع، فهنّ يَحْرُمْن عليه كَمَا تَحرم عليه أَخواتُه مِن أُمِّه التي وَلَدَتْه .. لا فارق بيْن التي رَضَعَتْ قبلَه والتي كانت قبلَ ذلك ولو بِسنينَ متطاوِلة .. ولو قُدِّرَ أن يَكون ذلك بِمئاتِ السنين أو التي تُولَدُ بعدَ ذلكَ بِمئاتِ السنين، فالكل سواءٌ في هذا الحكم، كما أنّ أخواتِه مِن قِبَلِ أُمِّه سواءً التي وُلِدَت معه أو التي وُلِدَت قبلَه بِعشراتِ السنين أو التي وُلِدَت مِن بعدِه بِعشراتِ السنين كلهن يَحْرُمْنَ عليه.
خالاتُ المرضِعة هنّ خالاتُ أُمِّه فهنّ حرام عليه.
بناتُ أبنائها هنّ حرام عليه سواءً الذين رَضَعَ معهم أو الذين وُلِدوا قبلَه بِعشراتِ السنين أو الذين وُلِدوا مِن بعدِه بِعشراتِ السنين .. بناتُهم جميعًا هنّ بناتُ إخوتِه فهنّ حرام عليه، كما تَحرُم عليه بناتُ إخوتِه مِن النَّسب.
بناتُ بناتِها هنّ بناتُ أخواتِه يَحْرُمْنَ عليه أيضًا، كما تَحْرُمُ عليه بناتُ أخواتِه مِن النَّسب. (1/22)
صفحة 23
زوجُ تلك المرأة يكون أبًا له مِن الرضاعة، والحرمة تَنتشِر في نَسِيبَاتِ ذلك الزوج كما تَنتشِر في نَسِيبَاتِ أبيه الذي وَلَدَه سواءً بِسواء:
فأُمُّ ذلك الزوج هي جدّته .. هي حرام عليه، لأنّها أُمُّ أبيه مِن الرَّضاع، كما تَحرُم عليه أُمُّ أبيه الذي وَلَدَه.
أخواتُ ذلك الزوج هنّ عَمّاتُه مِن الرضاع فهنّ جميعًا حرامٌ عليه.
عَمّاتُ ذلك الزوج هنّ عَمّاتُ أبيه مِن الرضاع فهنّ حرامٌ عليه.
خالاتُ ذلك الزوج هنّ خالاتُ أبيه مِن الرضاع فهنّ حرامٌ عليه.
بناتُ ذلك الزوج ولو مِن غير تلك المرأة المرضِعة .. ولو مِن امرأةٍ أخرى هنّ أَخوَاتُه مِن الرَّضاع فهنّ حرامٌ عليه أيضًا.
وبناتُ أبناءِ ذلك الزوج هنّ بناتُ إخوَتِه، وبناتُ بناتِ ذلك الزَّوج هنّ بناتِ أَخَوَاتِه .. هنّ جميعًا حرامٌ عليه.
وامرأةُ ذلك الزَّوْج غيرُ تلك التي أَرْضَعَتْهُ هي امرأةُ أبيه مِن الرَّضاع .. كما تَحْرُم عليه امرأةُ أبيه الذي وَلَدَه كذلك تَحْرُم عليه تلك المرأة، فلا يَحِلُّ له أن يَتزوّجها بِحالٍ مِن الأحوال.
ولو قَدَّرْنَا أنّ المرأة أَرْضَعَتْ طفلةً أنثى فتلك الطفلة تكون بِنتًا لَها .. تَحْرُم على أبِ تلك المُرْضِعَة لأنَّه جدّها مِن الرَّضاع، وعلى إخوةِ تلك المرضعة لأنهم أخوالُها مِن الرضاعة، وعلى أعمامِ تلك المُرْضِعَة لأنهم أعمامُ أُمِّها مِن الرَّضَاع، وعلى أخوالِ تلك المُرْضِعَة لأنَّهم أخوالُ أُمِّها مِن الرَّضاع، وعلى أبناءِ تلك المُرْضِعَة سواءً الذي رَضَعَتْ معه أو الذي وُلِدَ قبلَها بِعشراتِ السنين أو الذي وُلِدَ بعدَها بِعشراتِ السنين لأنَّهم جميعًا إخْوَتُهَا مِن الرَّضَاع.
وأبناءُ أبناءِ تلك المرأة المُرْضِعَة هم أبناءُ إخْوَتِها مِن الرَّضَاع وأبناءُ بناتِ تلك المرضعة هم أبناءُ أخواتِها مِن الرضاع فهم كلهم حرام عليها. (1/23)
صفحة 24
كذلك زوجُ تلك المرأة المرضِعة يكون أباها مِن الرضاع .. أي صاحبُ اللبن الذي رَضَعَتْ به، فالزوج نفسُه حرام عليها، وأبوه .. جدُّها هو حرام عليها، وإخوَتُه هم أعمامُها حرام عليها، كما يَدلّ على ذلك حديثُ عائشة في قِصّة أفلح أخِ أَبي القُعَيْس.
وكذلك أبناءُ ذلك الزوج مِن غيرِ تلك المرأة هُم إخْوَتُها مِن الرَّضاع وأبناءُ أبناءِه هم أبناءُ إخوتِها مِن الرَّضاع .. هم حرامٌ عليها، وأبناء بناته هم أبناء أخواتِها مِن الرضاع.
وبِالجملة فَمَا يَحْرُم على الرَّاضِع مِن قِبَلِ أبيه الذي وَلَدَه ومِن قِبَلِ أُمِّه التي وَلَدَتْه يَحْرُم عليه مِن قِبَلِ المرأةِ التي أَرْضَعَتْه ومِن قِبَلِ زوجِ تلك المرأةِ المُرْضِعَة، لأنّ الرضاع كالنَّسب في انتشار الحرمة .. لا فَرْق بيْن الأمْريْن، كما جاء في الحديث الصحيح: ( يَحْرُمُ مِن الرَّضاع ما يَحْرُمُ مِن النَّسب ).
وهذا أمرٌ يُخطِئُ فيه كثيرٌ مِن الناس مع الأسف الشديد:
فمِنَ الجهَلَة مَن يَقول: " لا يَحْرُم إلا الرضيعُ بِالرضيع " .. أي الحرْمَة تَقع بيْن الطفل والطفلة الذيْنِ كان رضاعُهما في وقتٍ واحد .. هذا جهلٌ عظيم .. هذا أمرٌ منافٍ لِما دَلَّتْ عليه السنّة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
ومنهم مَن لا يَعتقِد أنّ الحرمة تَنتشِر في أَنساب ونَسِيبَاتِ زوجِ المرأة المُرْضِعَة ويَعتبِرون أنه لا علاقةَ لِلزوج بِهذا الرَّضاع .. أيضًا هذا القولُ هو في مُنْتَهَى الجهل، لأنّ الزَّوْجَ بِنَصِّ حديثِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو أبٌ لِلطفل الرَّاضِع أو الطفلة الراضِعة مِن امرأته. (1/24)
صفحة 25
وكثير مِن الناس يَقعون في المحذور بِسبب هذا الجهل ويَتزوَّجون على غيْر بصيرةٍ مِن أمرهم ويَنتهي الأمرُ بعدَ انكشافِ الأمر إلى الفُرْقَة التي تَترتَّب عليها المشكِلة بِسبب الأولادِ الذين يَكونون ضحايا الجهْل .. جهل الأبوين وجهل الأسرتين، فلأجْل ذلك يَجِبُ على الإنسان عندما يُقْدِمُ على الزواج أن يَكون على بَيِّنَة مِن أَمْرِه وبَصيرةٍ مِمَّا يَأتي ومِمَّا يَذَر.
هذا وقد ذَهب أصحابُنا-رحمهم الله-إلى أنّ الرَّجل الذي يَزني بِالمرأة لا تَحِلُّ له بعدَ ذلك الزنى بِحالٍ مِن الأحوال، وهو قولٌ مروي عن طائفةٍ مِن الصحابة رضوان الله عليهم، فقد رُوِيَ عن كلٍّ مِن الإمامِ علي وعائشةَ أُمِّ المؤمنين والبَراء بن عازِب وابن مسعود رضي الله-تعالى-عنهم .. رُوِيَ عن كلٍّ منهم أَنَّه قال: " أَيُّما رَجلٍ زنى بامرأة ثم تَزوَّجها فهما زانيان أبدا "، وما كان ذلك إلاّ مِن أجْل سَدِّ ذريعةِ الفساد، ولئن كان هذا القولُ صَدَرَ مِن هؤلاء الصحابة الكرام في ذلك العهْد الزاهِر .. عهد الطهر والعفاف .. عهد النزاهة والحشمة والوقار .. عهد الحرص على تعاليم القرآن وتعاليم السنّة النوبية والاشمئزاز مِن الرذيلة وعدم الرَّغبة في الحَوْمِ حول حماها، فكيف بالحال في زماننا هذا الذي انتشر فيه الفساد وغرِق الناس فيه إلى الأذقان .. أَليْس أوْلى بِأن يُوصَد هذا الباب .. باب الذَّوَاقَة بيْن الشهوانيين بحرمانهم مِن الزواج بعدَ ذلك، فإنه عندما يَعرِف كلٌّ مِن الرَّجل والمرأةِ بِأنّ هذه الذَّوَاقَة تُؤدّي بِهما إلى هذا الحرمان يَتأَفّفان منه ولو دَفعتْهما إليه الشهوة، على أنّ الزواج رابطةٌ مقدَّسة يَجب ألاّ تَشُوبَها رِيبة وألاّ تَحوم حوْل حِماها، فإنّ القرآن الكريم يُبيِّن لَنَا أنّ الزواجَ اطمئنان، عندما يقول - سبحانه وتعالى - : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا (1/25)
صفحة 26
وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [ سورة الروم، الآية: 21 ]، فالزَّواج جَعلَه الله - سبحانه وتعالى - صِلةَ رحمة يَأوي إليه الرَّجل والمرأة، وهو سببٌ لِلطمأنينة التي تَغْشَى صُدُورَهُما فيَطمئن كلّ واحدٍ منهما إلى الآخر، ولذلك عبّر القرآن عنه بِهذا التعبير عندما قال: { ... لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ... } بِحيث يَسْكُن الرَّجل إلى المرأة .. أي يَطمئِن إليها طمأنينةً تامّة وتَسكُن هي إليه-أيضا-بِحيث تَطمئِن إليه طُمَأنينةً تامّة، وأنّى لِرَجل عَاشَرَ امرأةً على بِساط الدّعارة والفجور وقاسَمها الفحشاء ونازَعها الرذيلة أن يَطمئِنّ إليها في يومٍ مِن الأيام ؟! وأنَّى لَهَا أن تَطمئِن إليه ولو تابَا معاً ؟! فمِن هنا نَجِد أنّ هذا العلاج علاجٌ ناجح في إغلاقِ الأبواب أمام هؤلاء الشهوانيين الذين لا هَمَّ لهم إلا شهواتُهم، على أنّ كثيرا منهم كانوا ذِئابا مفترِسة .. كثيرٌ مِن هؤلاء رَزَؤُوا الفتياتِ في أعمارِ الزهور في أعزِّ ما يَمْلِكْن وهو عِفَّتُهُنّ وكرامتُهُنّ بِسبب اصطيادِهم لَهنّ بِهذا الأمَل الخادِع وهو أن يكون هذا الشاب لهذه الفتاة في يومٍ مِن الأيام فارِسَ أحلامها وشَريك حياتها وإذا به بعد ما يَرْزَؤُها في أَعزِّ ما تَمْلِك يَرْفُُسُها بِرِجله ولا يُبَالي بِمصيرها بعدَ ما رَزَأَها في أَعزِّ ما تَمْلِك وبعدَما مَلأَ أحشاءَها بِجنينٍ يُؤَرِّقُها بِأَنَّاتِه المتصاعِدة التي تُحِسُّها بِأحاسيسِها ومشاعِرِها .. تلكَ الأَنَّاتُ المعنوية التي تَنبَعِث مِن ذلك الجنين وتُحِسّ بها هذه المرأة التي رُزِئَتْ بِسبب المستقبَل المظلِم الذي يَنتظِره .. ذلك المستقبَل الذي إمّا أن يَكون وَأْدًا في مصَحَّاتِ الإجهاض وإمّا أن يَكون حياةً كلُّها تعبٌ وعناءٌ واحتِقارٌ وازدِراء بِسبب كونه هَجِينًا لا علاقةَ له بِأَبٍ شرعي، فلا كرامةَ له عند (1/26)
صفحة 27
الناس .. مِن أجْلِ ذلك كان الحذرُ كلُّ الحذر مِن الوقوع في هذا الشِّبَاك الخادِع أمرًا مطلوبًا، وكان بِجانبِ ذلك اجتِثات هذه الآمال بِصَوَارِم هذا الإِحكام مِن الإدراكِ العميقِ لِمقاصِد الشريعة الإسلامية.
وهناك بعض الأخطاءِ الأخرى التي ربَّما لم تَحْضُرْنَا الآن، ولا يَتَّسِع المقام-أيضًا-لاستيعابِها.
وهناك أخطاء كثيرة تقع في الطلاق، وعلى مَن يُريد الزواج أن يَتعلَّم أحكامَ الطلاقِ ويَدْرُسَها قبلَ أن يُقْدِمَ على الزواج، لِما في الخطإِ في الطلاقِ مِن عواقِبَ وَخِيمة يَتَجَرَّعُ الكلُّ مَرارَتَها وغُصَصَها.
فنسأل الله-تبارك وتعالى-العفو والعافية، ونسأله أن يَهدينا إلى سواء الصراط إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، نعم المولى ونعم النصير، وصلى الله وسلّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الأسئلة التي أعقبت المحاضرة مع إجابة الشيخ عليها
أَنظُر إلى الأسئلة وهي تَنْهال سيْلا بعْد سيْل لذلك أُقَدِّمُ بيْن يدي الإجابة على الأسئلة لأنه مِن الصّعْب أن نُجِيب على جميع هذه الأسئلة لِضيْق الوقت، فيَنبغي أن ُيقدَّم منها الأهمّ على المهم بِمشيئة الله سبحانه، ونَسأل الله التوفيق للجميع.
كنتُ أَتَمنّى أن يُستدْرَك ما فاتني في هذه المحاضَرة مِن خطإٍ يَقع فيه الناس بِسؤالٍ يُوجَّه ولكنّني لَعَلِّي أَستدْرِك بِنفسِي .. أَستدْرِك هذا الفائِت بِالتنبيه على هذا الخطإ.
خطأٌ يَقع الناس فيه كثيرًا ونَحن بِحكمِ اتّصالِنا بِالناس اطّلَعنا على عاقبةِ هذا الخطإ وهو ما يُسمّى في العُرْفِ الشَّرعي بِالشِّغَار .. بِحيْثُ يَشترِط هذا على ذاك وذاك على هذا أن يُزَوِّجَ كلُّ واحدٍ منهما وَلِيَّتَهُ له على أن يُزَوِّجَهُ وَلِيَّتَهُ .. هذا أمرٌ غيْر جائز، فإن كان هنالك صداق فإنّ الصداق كثيرًا ما يَكون صُورِيا فقط بِحيث يَدفَع كل ُّواحدٍ مِن الأبَويْن إلى ابنتِه الشيءَ اليسير الذي يُرْضِيها بِه: (1/27)
صفحة 28
أوّلا الصداقُ لا يُدْفَعُ مِن قِبَلِ الوَلِي .. إنَّما يُدْفَعُ مِن قِبَلِ الزوج.
الأمر الثاني أنّ الصداقَ يَجِب أن يَكون بِحسب رَغبة المرأةِ لا بِحسب رَغبة الوَلِي، فلا يُجْتَاحُ حقُّها مِن أجْل مُرَاعَاةِ وَلِيِّها أو مِن أجْل مراعاةِ قريبِها مِن أَخٍ أو غيْرِه .. لا يُجْتَاحُ حقُّ المرأةِ .. هذا خطأٌ كبير.
ثالثا-بِجانب هذا كلِّه-الشرطُ هو جزءٌ مِن الصداق وكما أنَّه لا يَجوز أن يَكون بُضْعُ امرأةٍ صداقًا لِبُضْعِ امرأةٍ أخرى كذلك اشتراط امتِلاك هذا البُضْع مِن أجْل تَحلِيل ذلكَ البُضْعِ هو أمرٌ غيْرُ جائز، لأنه يَدخُل في الصداقِ المحظورِ شرْعا، فيَجِبُ التَّنَبُّه لذلك .. على أنّنا وَجَدْنَا العواقبَ الوَخِيمة التي تَترتَّب على هذا الزواج، فما يَكاد زواجٌ مِن هذا النوع يَنجَحُ قَط .. سرْعان ما تَكون هنالِك خِلافات ويَكون هناك شِقاق ما بيْن أحدِ الزوجيْن والآخَر وبِسبب هذا الشِّقَاق تَحْرِص الأسرةُ الأخرى-أيضًا-على انْتِزَاعِ ابنتِها مِن الزوج الآخر وإن كانت على وِفَاقٍ معه، فنحن عَرَفْنَا مثل هذا الزواج يَنتهي إلى الفَشَلِ الذَّرِيع، فلذلك يَجِبُ الحذرُ منه.
س1: ما هو حكمُ الإسلام في زواج رَجل مِن امرأة التَقى بِها واخْتلَى بها عِدّة مرات قَبْلَ خطْبَتِها ؟ (1/28)
صفحة 29
ج: الحديثُ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يَقول: ( مَن كان يُؤمِن بِالله واليوم الآخِر فلا يَخْلُوَن بِامرأة إلاّ مع ذي مَحْرَم )، ويَقول عليه أفضل الصلاة والسلام: ( أَلاَ لاَ يَخْلُوَن رَجلٌ بِامرأة إلاّ مع ذي مَحْرَم )، وقال - صلى الله عليه وسلم - : ( إيّاكم والدخولَ على النساء ) فقال له رَجلٌ مِن الأنصار: " أَرأيتَ الحَمْوَ يا رسول الله ؟ " .. أي حَم المرأة الذي هو أخُ زوجها .. " أَرأيتَ الحَمْوَ يا رسول الله ؟ " فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( الحَمْوُ الموت ) .. أي خطورتُه على زوجةِ أخيه كخطورةِ الموت، وذلك لأنّ الخَلوة بيْن الرَّجل والمرأة الأجنبِيَيْن مُفضِيَة إلى أن تَتغلْغَل وساوِسُ الشيطانِ في نفسِ كلٍّ منهما، فمِن هنا كانت هذه الخَلوة مُحرَّمةً شرْعا.
والناسُ كثيرًا ما يَتساهَلون بِسبب أنّ هذا الرجل هو أخُ زوجِ هذه المرأة أو هو ابنُ خالِها أو هو ابن خالَتِها أو هو ابن عَمّتِها أو هو ابن عَمِّها أو هو زوجُ أختِها، فالخلوةُ-على أيّ حال-مُحرَّمة .. لا تَجوز الخلوةُ بِحالٍ مِن الأحوال، ومهما يَكن الخلوةُ هي مُحرَّمة .. كما قلتُ لا تَجوز ولكن مع ذلك بِمجرّدِ وُقوعِ الخلوة إن لم تَكن مباشَرة بِالوِقاع الذي تَغِيب فيه الحشفةُ في الفَرْج لاَ تَحْرُمُ المرأةُ على الرَّجل، لأنّ الحديثَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يَقول: ( العينان تَزنِيان واليدان تَزنِيان والرِّجلان تَزنِيان ويُصَدِّقُ ذلك ويُكذِّبه الَفرْج ).
س2: المَهر حقٌّ لِمَن ؟
ج: قلنا [ ص5 ] بأنه حقٌّ للمرأة .. لا دخل لِلولي فيه .. إنما هو مؤتَمَنٌ عليه عندما يُدفَع إليه حتى يُسلِّمه إلى وَلِيته كاملا غيْر مَنقوص.
س3: هَل الدِّبْلَةُ حلال ؟ (1/29)
صفحة 30
ج: هذه مِن العادات الأجنبية التي وَلَجَتْ إلى بلادِ الإسلام مع الغزْو الأجنبي، والأجنبي رَمَانَا بِقاذُوراتِه وشَغَلَنا بِسلبياتِه وألْهانا بِتُرّهاتِه، ولَيْتَنا نَحنُ قَلَّدْنا الأجانِب في الأمورِ الإيجابية لكن-مع الأسفِ الشديد-اشتغَلْنا بِهذهِ التُّرّهات.
وأصلُ الدِّبْلََة هي خُرافَة كانت عند الرُّومان، فالرُّومان كانوا يَعتقِدون حسْبَ الأوْهامِ المَوجودَة عندَهم أنّ القلْب يَنبُض في خِنْصِرِ اليَدِ اليُسرى ويَقولون-حسْب أوهامِهم-بِأنّ الرَّجُل الذي يُلبِسُ المرأةَ خاتَما مِن حديد .. في بدايةِ الأمْر كانتْ الطريقة المُتَّبَعَة خاتَم مِن حديد .. الرَّجُل الذي يُلبِسُ المَرأة خاتَما مِن حديدٍ في خِنصِرِ يَدِها اليُسرى يَمتلِكُ قَلبَها .. يَأسِرُ قَلبَها بِذلك، والمَرأة التي تُلبِسُ الرَّجَل-أيضا-خاتِما مِن حديد في خِنصِرِه اليُسرى تَمتلِك قَلبَه، فكانا يَتبادَلانِ هكذا الخَواتِم الحديدية في بدايةِ الأمْر، ثُمَّ تَطوَّرَتْ هذه العادَة في أوربّا .. انتَشَرَتْ في بقيّة أوربّا وتَطَوَّرَتْ إلى الخاتَم الذّهبِي بدلا مِن الخاتَم الحديدِي، وهذه خُرافة لا أساسَ لَها مِن الصّحّة.
ونَحنُ نَرَى كمْ مِن زواجٍ يَكونُ مَصحوبًا بِتبادُل الدِّبْلَتَيْن ما بيْن الرَّجُل والمَرأة ولا يَترتَّب على هذا الزّواج إلاّ الفَشَلُ الذَّرِيعُ السَّرِيع، مع أنّ كثِيرًا مِن الآباءِ والأجدادِ والمُعاصِرِين الآن تَزوَّجوا ويَتزوَّجون بِدونِ تبادُل شيءٍ مِن ذلك ويَكونُ زواجُهم ناجِحًا بِمشيئةِ الله - سبحانه وتعالى - . (1/30)
صفحة 31
هذا وبِجانبِ هذا التَّقلِيد هنالِك حُرْمَة في لبْسِ الذّهبِ مِن قِبَلِ الرَّجُل، فإنّ الذّهبَ حرامٌ على الرِّجال، بِالنّصِّ والإجماع .. أَخَذَ النبي - صلى الله عليه وسلم - قِطعةً مِن حرِير وقِطعةً مِن ذَهب وقال: ( هذان مُحَرَّمَانِ على رِجال أُمّتِي )، ورأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رَجُلا لابِسًا خاتَما مِن ذَهب فقال له: ( يَعْمدُ أحدُكم إلى جَمْرَةٍ مِن نارٍ فيَضَعُها في يَدِه ) فرَمى الرَّجُل خاتَمه على الأرض، وعندما قيل له: " خُذْ خاتَمك " قال: " ما كنتُ لآخُذَه بعدَ أن سَمعتُ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - يَقولُ فيه ما قال "، فكيف يَسوغُ لِهذا الرَّجُل الذي تَقومُ عليه الحُجّة مِن هذه السّنّة النبوية-على صاحبِها أفضلُ الصّلاة والسّلام-بِحُرْمَةِ الذّهب أن يَلبَسَ الذّهب ؟! أنّى له أن يَلبَسَ الذّهب ؟! كيف يَسُوغُ له أن يَلبَسَ الذّهب ؟! (1/31)
صفحة 32
هذا ونفسُ التّقلِيد لأعداءِ الله ما هو إلا رَمْزُ مُوالاتِهم، ومُوالاتُهم مُحرَّمَةٌ بِالنّصوصِ القاطِعة، بل هذه المُوالاة تُفضِي إلى أمْرٍ خطِيرٍ والعياذ بِالله، لأنها تُفضِي بِصاحبِها إلى الارتِدادِ عن دِينِ الإسلام .. الله-تبارك وتعالى-يَقولُ في كتابِه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ سورة المائدة، الآية: 51 ]، ثُمَّ بَيَّن أنّ هذه المُوالاة تَنشَأ عن مرض نفساني، فقال: { فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ } [ سورة المائدة، الآية: 52 ]، ثُمَّ بعدَ ذلك يُخاطِبُ هذه الأُمّة مُحذِّرًا إياها مِن الارتداد ومُبَيِّنًا عاقبةَ هذا الارتداد، عندما يَقول: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [ سورة المائدة، الآية: 54 ]، ثُمَّ بعدَ ذلك يُبَيِّن لِمَن تَكونُ مُوالاةُ المُؤمِن، فيَقول: { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ } [ سورة المائدة، الآية: 55 ]، ثُمَّ يُبَيِّنُ عاقبةَ هذه الموالاة وهذا التّرابُط بيْن المؤمِنين، فيَقول: { وَمَن (1/32)
صفحة 33
يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } [ سورة المائدة، الآية: 56 ].
فإذن هذهِ الدِّبْلَة هي مِن جُملةِ التّقلِيدِ الأعمى، والتّقلِيدُ الأعمى هو مِن رموزِ هذه المُوالاة التي تَكونُ بيْن الإنسانِ الضّعِيف وبيْن الكَفَرَة، وقد تَجُرُّ هذه المُوالاة إلى الارتداد عندما يَستمِرُّ فيها الإنسانُ شيئا فشيئا، لأنّ الإنسانَ مِن عادتِه أن يُقلِّدَ مَن يُحِبُّه ومَن يُعَظِّمُه ومَن يُجِلُّه، ثُمَّ هذا الحُب وهذا التّعظِيم وهذا الإِجْلال كلٌّ منها يَدعُو شيئا فشيئا إلى الاستِرسالِ في الإتِّباع حتى يَنْفَرِطَ العَقْد ويَخْرُجَ الإنسان عن دائرةِ الإسلام نِهائيا والعياذ بِالله.
س4: ما حكمُ الأفعالِ التالِية ؟ التي يَفعلُها النّاس في هذه البلدان ليلةَ الزواج:
-قراءة الآيات العَشْرِ الأُولَى مِن سورة النّور.
ج: أمّا إن كان الزَّوجُ نفسُه يَقرأُها فهي وإن لَم تَكُن فيها سُنّة لا مانِع مِن ذلك، أما أن يَأتِي الرَّجُل الأجنبي ويَدخُل ما بيْن الزَّوجَيْن فذلك لا يَجوز.
س: -وَضْعُ الزّوْجِ رِجْلَه على رِجْلِ المَرأة ويَدَه على رَأْسِها ويَقرَأ الفاتِحة قبلَ دُخولِه إلى حُجْرَتِه.
ج: قراءةُ الفاتِحة وإن لم تَرِدْ بِها سُنّة إلا أنّ مَن قرأَها لِلتّبَرّك فَالقرآن كلُّه بَرَكَة .. مَن قرأَها مِن أجْلِ البَرَكَة فلا حرجَ عليه وإنَما يُؤْمَر الإنسان أن يَضَعَ يَدَه على يَدِ(1) امرأَتِه ثُمَّ يَدعُو الله-تبارك وتعالى-أن يُيَسِّرَ لَه خيْرَها وأن يَكْفِيَه شَرَّها.
__________
(1) -لعلّ الشيخ قصد أن يقول " مُقَدِّمَةِ رأسِ امرأَتِه " بدلا مِن " يَدِ امرأَتِه ". (1/33)
صفحة 34
س5: مَنَعَ وَلِيٌّ وَلِيتَه مِن الزواج وقد بَلَغَت سبعًا وعِشرِينَ سَنَة مُتعلِّلا تارةً بِأنّ الخاطِبَ ليس مِن نفسِ القبيلة وتارةً بِأنّ الخاطِب مُوظَّف صغِير إلى آخِرِ تلكَ الأعذار ولقد حَاوَلَ أحدُ المشايخ التّوسُّط في الأمْر ولكن أَصَرَّ على مَنْعِها مِن التّزوُّج، فما نصيحتُكم له ؟
ج: هذا رَجُل لم يَدخُل الإيمانُ قلبَه ولَم يَستجِب لأمْرِ الله - سبحانه وتعالى - ، فهو يَنوءُ بِأوزارٍ ثِقال .. هذه الأوزار مِن بينِها وِزْرُ مَنْعِ وَلِيتِه مِن الزّواج، ومنها وِزْرُ تَعرِيضِها لِلفحشاء، فهو جَديرٌ بِأن يُؤدَّب، وإنّ مِن الأمْرِ بِالمَعروف والنّهيِ عن المُنكَر أن يُؤدَّبَ أمثالُ هؤلاء بِما يَراه الحاكِمُ الشّرعِي زاجِرًا لَهم ولأمثالِهم عن التّلاعُب بِالأعْراض، والشَّكْوَى مِن هذه البِنت .. مِن وَلِيتِه .. الشكوى منه لا تُعتبَرُ عُقُوقًا بِحالٍ مِن الأحوال بل ذلك مِمّا يَدخُل في الأمْرِ بِالمَعروف والنّهيِ عن المُنكَر، فلتُقَدِّم شَكْوَاها إلى القاضِي الشّرعِي، وعلى القاضِي الشّرعِي أن يُناصِرَها بل على المُسلِمِين أن يُناصِرُوها على ذلك.
س6: ما هي الصُّوَر التي تُستَثنَى مِن القاعِدة الشّرعية: " يَحرُم مِن الرّضاع ما يَحرُم مِن النَّسَب " ؟
ج: هناك مِن الفقهاء مَن لا يَرى الاستثناءَ بِحالٍ مِن الأحوال .. لِماذا ؟ لأنّ الأسباب التي تَقَع مِن أجْلِها الحُرمَةُ في النَّسَب غيْرُ مَوجودَةٍ في هذه الصُّوَرِ المُستثنَاة حتّى تُعتبَر أنّها استُثْنِيَتْ مِن هذه القاعِدة، وهذا هو مذهبُ الشافعية، وقد نصّ عليه غيْرُ واحدٍ مِن علماءِ الشافعية .. قالوا بِأنّه لا استثناء .. لِماذا ؟ قالوا لأنّ هذه الحُرمَة في النَّسَب لَم تَكُنْ لِلسَّبَب المَوجودِ في الرّضاع، وإنّما كانتْ لِسببٍ آخَر .. هذا السببُ الآخَر غيْرُ حاصِلٍ في الرّضاع. (1/34)
صفحة 35
ومنهم مَن رأى الاستثناءَ دَفْعا لِلّبْس، وهذا قولُ جُمهورِ العلماء، وقد التَبَسَ بعضُ النّاس مَوقِف الشافعية في هذه القضية فظَنّوا أنّ حُرمَةَ التّزوُّج مِن خِلالِ أُطُرِ تلكَ الصُّوَر هي قائِمَة عند الشافعية ولكن ليْسَ الأمْرُ كذلك، فكلامُهم صرِيحٌ في هذا، وقد وَقَعَ في هذا اللّبْس كثِيرٌ مِن كِبَارِ العلماءِ المُتَبَحِّرِين.
وهناك مَن استَثِنَى.
وقد شاعَتْ عندَ كثِيرٍ مِن النّاس صُورتَانِ لِلاستِثْناء، وهي أُمُّ الأَخ وأُخْت الابن، فأُمُّ الأَخ مِن النَّسَب هي حَرام .. لأيِّ شيء هي حَرام ؟ لأنّها إمّا أن تَكون أُمَّ الإنسانِ نفسِه وإمّا أن تَكون زَوجةَ أَبِيه، فعلى كِلْتَا الحالَتَيْن هي مُحَرَّمَة .. إن كانتْ أُمَّه هي مُحَرَّمَة، لأنّ الله-تعالى-يَقول: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ... } [ سورة النساء، من الآية: 23 ]، وإن كانتْ زوجةَ أَبِيه فهي مُحَرَّمَة، لأنّ الله-تعالى-يَقول: { وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ... } [ سورة النساء، من الآية: 22 ]، وأُمُّ الأَخِ مِن الرَّضاع لا تَترتَّب عليها الحُرمة إن لَم تَكُن أُمَّا لِهذا الآخَر أيضا، فمَن كان عندَه أَخٌ مِنَ الرّضاع بِحيثُ رَضَعَ ذلك الآخَر الذي هو أخوه مِن الرضاع مِن أُمِّه هو زيد وعمرو .. زيد رَضَعَ مِن أُمِّ عمرو .. عمرو لا تَحرُم عليه أُمُّ زيد لأنها ليست أُمَّه .. لم يَرضَع هو منها وإن كانت أُمَّ أخيه مِن الرضاع وليست زوجةَ أبيه فلا يُوجَد السبب الذي تقع مِن أجْله الحرمة. (1/35)
صفحة 36
والصورة الثانية: أُختُ الابن مِن النَّسب إما أن تكون ابنةَ الإنسان نفسِه وإما أن تكون ابنةَ زوجَتِه .. أي أن تكون ربيبته، وعلى الحالتيْن هي حرام .. إن كانت زوجته عندها ابنة فابنتُها حرام عليه: { ... وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِن ... } [ سورة النساء، من الآية: 23 ] .. هذا نصّ في القرآن، والابنة مِن بابٍ أوْلى هي مُحرَّمة ولكن عنده ابن .. هذا الابن رَضَعَ مِن امرأة أخرى فصارت بناتُ تلك المرأة أخوات لابنه مِن الرضاع لا يَحرُمْن عليه.
شاعت هاتان الصورتان، وفي ذلك نَظَمَ شيخنا إبراهيم بن سعيد العبري أبياتا يَقول فيها:
واستَثنِ مِن حُكم الرضاع كالنَّسب ... أُمَّ أَخٍ وأُخْتَ ابنٍ ذي حَسب
أُمُّ أخيه أُمُّهُ في النَّسب ... أَوْلى فإنها حليلةُ الأب
وأختُ ابنه فإمّا ابنتُه ... بِنفسِه أو أنها ربيبتُه
ولكن مع النظر يَتبيّن أنّ للشافعية وجها وجيها، فإنّ الحرمة التي حصلتْ هناك .. الحرمة التي حصلتْ في النَّسب ليستْ الحرمة لأجل هذا النَّسب بِسبب المولود في الرضاع .. هي لم تَحْرُم على هذا الرجل .. لم تَحْرُم عليه أختُ ابنه لأنها أختُ ابنه مِن النَّسب بل حَرُمَتْ عليه لِسبب آخر وهو كونها ابنتَه أو كونها ربيبتَه. (1/36)
صفحة 37
وكذلك أُمُّ أخيه ما حَرُمَتْ عليه لِمجرّد كونِها أُمَّ أخيه وإنما حَرُمَتْ عليه لكونها أُمَّه أو كونِها حليلةَ أبيه وهذا السبب غير موجود فلذلك ما رأوا الاستثناء على أننا إن قلنا بالاستثناء فإنّ الاستثناء لا يَنحصِر في هاتيْن الصورتيْن .. هناك صُوَر متعدِّدة .. نَجِد-مثلا-صاحب كتاب " البحر الزّخّار "-وهو مِن علماء الزيدية، ولكنه-يَنقُل عن علماء الأمصار في كتابه " البحر الزّخّار في فِقه علماء الأمصار " .. ذَكَر ستّ صُوَر مُستثناة، ووَجدنا-أيضا-بعضَ العلماء ذَكَر أربع صُوَر، وعند التأمّل تَبيّن أنّ هناك صُوَرا مُتعدِّدة، وقد وَجدنا ابن لُجَيْن-وهو مِن علماء الحنفية-في كتاب له يُسمّى " البحر الرّائِق " .. وَجدنا لابن لُجَيْن إِشباعًا لِهذه المسألة وأَوْصلَ الصُّوَرَ المستثناة إلى ثَمانٍ وستّين صُورَة، وهذا ظاهِر، لأنّ الصُّوَر لا تَنحصِر ...(1).
كذلك أُمُّ الخال مِن النَّسب تَحْرُم، لأنها إمّا أن تَكون جَدّة وإما أن تكون زوجة جَد .. هي حرام، ولكن أُمّ الخال مِن الرضاع لا تَحْرُم .. رجل عنده خال مِن النَّسب وخالُه مِن النَّسب أَرضعَتْه امرأةٌ أخرى .. تلك المرأةُ الأخرى لا تَحْرُمُ على هذا الرجل، لأنه لا علاقة له بها.
كذلك أُمُّ العَمّ مِن النَّسب تَحْرُم، لأنها إما أن تَكون جَدّة وإما أن تكون زوجة جَد، لكن أُمّ العَم مِن الرضاع لا تَحْرُم .. رجل عنده عَم وعَمُّه هذا أَرضعَتْه امرأةٌ أخرى .. هذه المرأةُ لا علاقة له بها.
ويُتصوَّر ذلك فيما إذا كان رجل رَضَعَ مِن جَدّتِه هو فصار عَمَّه مِن الرضاع أو صار خالَه مِن الرضاع وأُمُّ ذلك الراضِع موجودَة لا علاقة له هو بِها فله أن يَتزوَّجها .. أيضا نفس الشيء.
__________
(1) -كلمة غير واضحة، ويظهر أنّ عدم وضوحها غير مؤثر في المعنى. (1/37)
صفحة 38
كذلك أُخت الحفيد أو أخت الحفيدة هي مِن النسب .. أخت الحفيد إما أن تكون حفيدة وإما أن تكون ربيبةَ ابن أو تكون ربيبة بنت فعلى الوجهين هي حرام، أما مِن ناحية الرضاع ليست هنالك حرمة.
كذلك لو نظرنا إلى مجموعة مِن الصُّوَر يُمكن أن تُستخرَج ...(1).
هناك صُوَر متعدِّدة عندما يُفكِّر فيها الإنسان يَستطيع أن يُوجِدها ويَستطيع أن يَبحَث نظائر مُتعدِّدة، فلا يَنحصِر الاستثناء في هاتيْن الصورتين، فإما أن يُقال بِأنه بِسبب أنّ الحرمة في النَّسب واقعةٌ لِسببٍ لا يُوجَد في الرضاع .. لا يُستثنى شيء لأنه لا علاقة لهؤلاء بهذا الذي حَلَّتْ له .. لا علاقة له تَجعلُهنّ مُحرَّماتٍ عليه، وإما أن يُقال بِأنّ الاستثناءَ يَدخُل في قاعدة: " يُستثنى مِن عموم ( يَحرُم مِن الرضاع ما يَحرُم مِن النَّسب ) كلُّ ما كانت حُرمتُه في النَّسب بِسببٍ لا يُوجَد في الرضاع ".
س7: ما مقدار الرضاع المُحَرِّم ؟
__________
(1) -كلمة غير واضحة، ويظهر أنّ عدم وضوحها غير مؤثر في المعنى. (1/38)
صفحة 39
ج: الذي نَعتمدِ عليه إطلاقُ القرآن .. كلُّ رضاع يُحَرِّم، لأنّ الروايات التي وَردتْ فيها كثير مِن الاضطراب، ويَكفي ما في الرواية التي اعتمَد عليها الكثير .. الرواية التي أخرجها مسلمٌ في صحيحه مِن طريق عائشة-رضي الله عنها-بأنه كان مِمّا أُنزِل في القرآن: " عَشْرُ رَضَعَاتٍ يُحَرِّمْنَ " ثم نُسِخْنَ إلى " خَمسٍ معلومات " وماتَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهنّ مِمّا يُتلى في القرآن .. يَكفي لِرَدِّ هذه الرواية بِأنّه لا يُمكِن بِحالٍ مِن الأحوال أن يكون شيءٌ مِن القرآن الذي استقَرّ على الوضْع القرآني إلى وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حُذِفَ مِن المصحَف، لأنّ الله-تعالى-يقول: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [ سورة الحجر، الآية: 9 ]، فلا يمكن أن يكون شيءٌ مِن القرآن حُذِفَ مِن المصحَف، فهذا مِمّا يَدل على رَدِّ هذه الرواية، والأخذُ بِسبب ذلك بالإطلاق الذي في القرآن أَوْلى.
س8: هل يَجوز لبْس فستان الفرح يوم الزفاف ؟
ج: إن كان ليس فيه تَشبُّه بِالفاسِقات ولا بِالكافِرات وليس فيه إِسراف فلا يُمنَع.
س9: هل يَجوز كشْفُ الزوجة في يوم الفرح وجهَها ووَضْع مكياج على الوجه وحضور نساء فقط في قاعة استُؤْجِرَت خِصّيصا لِهذه الحفلة وشُغْل الأناشيد الإسلامية المصاحبَة بِالدُف ؟
ج: أوّلا-قبل كل شيء-هذا المكياج هل هو مِن مادّة طاهِرة أو مِن مادّة فيها شيء مِن ...(1)، لأنّ بعض المكياج حسب ما فهمتُ لا يَخلو مِن مادّة مُحرَّمَة .. يُقال بِأنّ بعضَ المكياج تَدخُل شُحوم الخنزير في تكوينه، والله أعلم بذلك، وفي الحديث: ( دَعْ ما يريبُك إلى ما لا يريبُك ).
__________
(1) -كلمة غير واضحة، ويظهر أنّ عدم وضوحها غير مؤثر في المعنى. (1/39)
صفحة 40
الأمر الآخر زينةُ المرأة في وجهها إن كانت أمام النساء فقط فلا تُمنَع ولا يُمنَع أن تَكشِف المرأةُ وجهَها أمامَ النساء .. إنما تُمنَع أمامَ الرجال مع خوفِ الفتنة.
وإنشادُ الأناشيد بيْن النساء مع استعمالِ الدف لأجل الزواج لا مانع منه.
س10: شخصٌ لا يُصلِّي الصلوات الخمس، فما حكم تَزويجِه ؟
ج: بئس الرَّجل وبئس مَن يُزَوِّجُه وبئس المرأةُ التي تَرضى به زوجا .. لا خيْر فيه ولا خيْر فيمَن يُزَوِّجُه ولا خيْر فيمَن تَتَزَوَّجُه.
س11: كم الحدّ الأمْثَل لِلمَهر كما تَرَوْنَه ؟ وما حكم انتفاع وَلِيِّ الأمر مِن هذا المَهر ؟
ج: أمّا المَهر فلا يُحَدُّ بِحَد إلا عندما تَقتضِي المصلحة تَحديدَه مِن قِبَلِ وَلِيِّ الأمر، وقد حُدَّ الآن بِأَلْفَي رِيال، ولا يَنبغي تَجاوُز ذلك بِحالٍ مِن الأحوال .. لا ينبغي أن يُتجاوَز حد ألفي ريال لأنّه وسط بيْن التّقتير والتّبذير، وأصحابُ الثروات عليهم أن يُراعُوا غيْرهم مِن الفقراء حتى لا يَضطَرُّوهم إلى المُغالاة وإلى الاستِدانة وإلى التّكالِيف الباهِضة ووَلِيُّ الأمر ليْس له مِن الصّداق شيء، فالصداقُ كلُّه لِلمرأة كما قلتُ أكثرَ مِن مرّة [ ص5، 14 ].
س12: رَجل تَزوّج مِن امرأة زنى بها وعنده منها أولاد، فماذا عليه أن يَفعَل ؟
ج: عليه أن يَتّقِيَ الله، وكل واحد يَسلُك سبيلَه، فلْيُسَرِّحْها تَسرِيحا جَميلا، والأولادُ أولادُه.
س13: ما تفسيركم لِقوله تعالى: { الزَّانِي لا يَنكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ... } [ سورة النور، من الآية: 3 ] ؟
ج: تفسير ذلك أنّ المحدودَ على الزّنى أو المشهورَ بِالزّنى ليس أهلا لأن يَتزوَّج إلا مَن كان مثلَه.
س14: هل يَجوز لِوَلِيِّ المرأة أن يَجبُرَها على الزواج مِن الكفْءِ إذا عَزَفَتْ عن الزواج ؟
ج: رضاها شرطٌ مِن شروط صِحّة الزواج، فلا يَجبُرُها على ذلك ولكن يُرغِّبُها بِحسب الاستطاعة. (1/40)
صفحة 41
هذا ونَسألُ الله - سبحانه وتعالى - أن يُنعِمَ علينا بِالتّوفيق والتّيسير، وأن يُكَلِّلَ مَساعِيَنا الخيْرية بِالنّجاح، وأن يَهدِيَنا إلى الصِّراط الأقْوَم إنّه على كل شيءٍ قدير وبِالإجابة جدير نِعْمَ المولى ونِعْمَ النصير، وصلّى الله وسلَّم على سيِّدنا محمّد وعلى آله وصحْبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
- (1/41)