صفحة 1
الكتاب: بيع الأسهم وتطبيقاتها المعاصرة في الفقه الإسلامي
المؤلف:عمر بن يحيى بن جمعة المسروري
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
معهد العلوم الشرعية
بيع الأسهم وتطبيقاتها المعاصرة في الفقه الإسلامي
عمل الطالب عمر بن يحيى بن جمعة المسروري
مقدم إلى الدكتور: شمس الدين محمد حامد التكينة
الفصل الخامس / أ
مقدمة
الحمد لله الذي أحل لنا البيع وحرم الربا، ووسع لنا طرق التجارة والمعاملات، وقيدنا بأمره ونهيه عمّا فيه جهض للحقوق وإفساد للتعامل المعتدل بين البائع والمشتري، والصلاة والسلام على المربي الأمين محمد المصطفى خير الأنام، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فمما يلفت النظر ويجدر له الانتباه هو هذا الاقتصاد الذي يجري بين الناس، والذي يُحسب له بأجزاء الثواني، وتسخر فيه كل الطاقات التي وصل إليها الإنسان في سرعة التعامل وتبادل المنافع، والذي يحيى الأمم بين الدرهم والدينار في كل صباح ومساء بطفرة جديدة في التعامل والتجارة كأن لو كانت قبل يومها عاجزةً عن تحقيق إنجاز يومها الذي هي فيه.
وهذه المعاملات الضخمة والتي توفر الربح الطائل وتملك رأس المال الهائل في مدة محدودة هي شركات المساهمة أو شركات الأسهم، والتي بدورها تعضد الفرد ذا المال المحدود بغيره ممن يشترك معهم، وتفتح المجال أمام أصحاب الثروات العظيمة أن يدخلوا بأسهم عديدة يدرُّ لهم كل سهم بما يستحق بدون أي عناء في استثمار الأموال، أو هدر الأوقات مما يُدخل السكينة في أهل الثروات الذين ليس لهم الخبرة في استثمار المال.
ولا نستعجل الحديث فهو غايتنا في هذه الأوراق المعدودة التي هي أقل أن تحوي المراد والمقصود من توضيح شركات المساهمة إلا أن الضوابط الشرعية هي القيد الذي يعطي لكل ذي حق حقه، ويمنع الفوضى التي هي السبب في هضم الحقوق، وتغيير الحياة من طور الموازنة بين رأفة الغني و قناعة الفقير إلى جشع الغني وتمرد الفقير. (1/1)
صفحة 2
وكانت خطة البحث في مبحثين، الأول في تعريف الأسهم وذكر خصائصها، وفيه مطلبان، الأول في التعريف والثاني في الخصائص، والمبحث الثاني في التطبيقات المعاصرة للأسهم وهي الشركات المساهمة، وفيه مطلبان، الأول في تعريف شركة المساهمة، والثاني في بيان حكمها الشرعي، وهو الذي دار مجمل البحث، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
عمر بن يحيى المسروري
ذو القعدة1427هـ
تمهيد
أصبح المال هو غاية الحي ليضمن قوت يومه، بل تعدى ذلك حينما صيره مكسبا لاتساع ممتلكاته،وأدخل فيه المعاملات التي تدر له الدخل الجم الهائل حتى أصبحت التجارة تسري في الأموال كما يسري الدم في العروق.
وأصبح الاقتصاد هو التنافس الشديد بين الناس، وخاصة في العالم الغربي الذي تفجرت فيه الصناعة بالثورة الصناعية التي بدأت بالتدرج، وحدثت في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي.
ومنها ظهرت الشركات الأوربية التي رفعت شعار الرأسمالية، والتي تعني النفعية أو ما يعرف بالبرجماتية، وبهدفها عملت على احتكار التجارة حتى ظهر ما يعرف باسم: المؤسسات العامة (1) التي تدرأ عن الدول الغربية خطر الثورات والاضطرابات العمّالية، وتقبل مساهمات العمال في تلك الشركات، ولتظهر الدولة بمظهر العدالة الاجتماعية؛ لتبقى المحافظة على النظام الرأسمالي النفعي.
__________
(1) شركات الأسهم للدكتور علي بن سعيد الغامدي/ بدون اسم المطبعة ولا رقم ط ، على الموقع (مركز أبحاث فقه المعاملات الإسلامية/ فقه الشركات http://www.kantakji.org/fiqh/Companies.htm). (1/2)
صفحة 3
ومما أنشأته هذه المؤسسات العامة التعامل بالأسهم أو ما يسمى الشركات المساهمة التي دخلت غمار التعامل الإسلامي، والتي لابد لها أن تتظلل بظل الضوابط الشرعية التي تجعلها توافق الشرع الحنيف، وتتلاءم مع ما تقتضيه شخصية المسلم، لذلك كان لابد على نصراء الأمة الإسلامية أن يدلوا بما منّ الله تعالى عليهم من الفقه في الدين، والعلم بأحكام القرآن الكريم والسنة المطهرة، فكان هذا البحث هو قطيرة مما أدلاه العلماء الفطاحل في كل ما يتعلق بالشركات المساهمة،يسر الله طريقهم، وأعانهم على البر والصلاح والإصلاح
المبحث الأول: (تعريف الأسهم وخصائصها)
المطلب الأول: تعريف الأسهم لغةً واصطلاحاً:
الأسهم في اللغة :
الأسهم في اللغة هي جمع تكسير لسهم، والسهم واحد سهام وهو النصيب والحظ، ويجمع أيضا على سهمان وسهمة، وفي الحديث: كان للنبي (صلى الله عليه وسلم) سهم من الغنيمة شهد أو غاب، وفي الأصل السهام التي يضرب بها في الميسر وهي القداح، ثم سمي به الفالج سهمه، ثم كثر حتى سمي كل نصيب سهما (1) .
و في الاصطلاح :
السهم هو(حصة في رأس مال شركة ما – أي شركة تجارية أو عقارية أو صناعية، ملاك أم شركة عقود –وكل سهم جزء من أجزاء متساوية لرأس المال) (2) ، أو هو(الحصة أو النصيب الشائع في شركة من شركات الأموال، وهذه الحصة تمثل جزءا من رأس مال الشركة، ويتمثل السهم في صك يعطى للمساهم، ويكون وسيلة إلى إثبات حقوقه في الشركة) (3)
__________
(1) لسان العرب لابن منظور مادة سهم/ دار صادر(بيروت)/ الطبعة الأولى 2000، بتصرف.
(2) الربا والمعاملات المصرفية في نظر الشريعة الإسلامية تأليف الشيخ الدكتور عمر بن عبد العزيز المترك/ دار العاصمة/ الطبعة الثانية 1417هـ ، ص 396 .
(3) أسواق الأوراق المالية وضوابطها في النظر الفقهي تأليف الشيخ ماجد بن محمد بن سالم الكندي/ مطبعة الفيحاء/ الطبعة اللأولى ، ص 36 . (1/3)
صفحة 4
ففي التعريف الأول جاء التعبير عن كون السهم حصة شراكة أما في التعريف الثاني تحدث عن السهم كونه حصة أو صكاً(ورقة مالية)، وهما المعنيان الذان يقصدهما أهل علم الاقتصاد في مصطلح السهم .
ويقصد بالنصيب الشائع هو المقدار الذي يحدده السهم لصاحبه مما هو موجود في الشركة من أعيان مثل المباني والأثاث أو نقود أو ديون أو موجودات أخرى التي لها قيمة مالية كأسهم الشركة في الشركات الأخرى (1) .
المطلب الثاني: خصائص الأسهم:
في الأسهم خصائص تميزها عن غيرها من الأوراق المالية والتجارية، وعند سردها تارة تصل إلى خمس نقاط (2) ، وتارة تصل إلى سبع نقاط (3) ، وكلها تجري في جدول واحد إلا أن الاختلاف في طريقة عرض المؤلفين لهذه الخصائص وأحيانا يتغاضى عن ذكر الخصائص في بعض الكتب لورودها عند الحديث عن الفرق بين الأسهم والسندات (4) ، وأحب أن أعرضها كالآتي:
أولاً: خصائص تتعلق بقيمة السهم :
1. للسهم ثلاث قيم:
أولها: عند الاشتراك به في البداية (القيمة الاسمية).
ثانيها: قيمة عند تحصيل الصافي من أرباح الشركة ( النصيب من صافي أصول الشركة ) وتسمى القيمة الحقيقية بمعنى أنها المقدار الذي يساويه السهم من موجودات الشركة مع ما تتعرضه الشركة من الربح والخسارة.
ثالثها: قيمة عند عرضه للبيع (القيمة السوقية)، وهذه عند عرضها في حياة الناس تتأثر بالظروف والأوضاع التي تمر بها الشركة، فقد ترتفع وقد تنخفض.
__________
(1) المرجع السابق ، ص 36، بتصرف.
(2) انظر: الخدمات المصرفية وموقف الشريعة الإسلامية منها / تأليف الدكتور علاء الدين زعنزي/ دار الكلم الطيب/ الطبعة الأولى 1422هـ - 2002م ، ص 497 .
(3) انظر: أسواق الأوراق المالية ، ص (50 – 51).
(4) انظر: الربا والمعاملات المصرفية في نظر الشريعة الإسلامية ، ص 370 . (1/4)
صفحة 5
2. لا يصح في القيمة التي حددت عند إنشاء الشركة(القيمة الاسمية) أن يصدرها المشترك بقيمة أعلى أو أدنى، كما لا يصح أن تسلم الشركة المساهمَ صكا يخالف القيمة الاسمية التي جرى عليها المساهمون عند الاكتتاب فلا بد من تساوي قيمة الأسهم،( والحكمة من ذلك تسهيل تقدير الأغلبية في الجمعية العمومية، وتسهيل عملية توزيع الأرباح والخسائر على المساهمين) (1) ، ويجوز شرعا إضافة مصاريف إصدار الاكتتاب في حدود معلومة من القيمة الاسمية.
3. تساوي القيمة الاسمية للسهم يقتضي تساوي القيمة الحقيقية كالمساواة في توزيع الأرباح أو التوزيع عند تصفية الموجودات أو تحمل الديون المترتبة على الشركة.
4. تكون الأسهم غير قابلة للتجزئة.
ثانياًً: خصائص تتعلق بمالك السهم :
1. يمثل السهم - من حيث الظاهر- شخص واحد يكون السهم باسمه، وإن شاء أكثر من واحد الاشتراك فيكون باتفاق فيما بينهم على أن يكون المسؤول منهم أمام الشركة شخص واحد فقط هو الذي تخاطبه الشركة، ويستثنى في هذا حالة الإرث فتكون مقيدةً باسم الورثة جميعاً ولكن يمثلهم أمام الشركة شخص واحد فقط هو الذي يكون اسمه أول السجل.
2. تكون الأحقية لصاحب السهم في قبض الأرباح المعلن عنها في الشركة، وحق الاكتتاب بأسهم جديدة، و(الحق في الاشتراك بتوزيع موجودات الشركة عند التصفية، والحق في الاطلاع على ميزانية الشركة وحساب الأرباح والخسائر وسجل المسهمين ) (2) .
__________
(1) الخدمات المصرفية وموقف الشريعة منها ، ص 497.
(2) أسواق الأوراق المالية ، ص 51 . (1/5)
صفحة 6
3. يستطيع مالك السهم أن ينقل ملكيته بالبيع أو الشراء أو الرهن مثلاً، فالأسهم قابلة للتداول والتصرف فيها، وله أن يخرج بسهمه إذا حل محله مساهم آخر يتولى امتلاك أسهمه مع دفع قيمتها إليه مع الزيادة أو النقص على ما اشتراها بحسب الربح أو الخسارة، قال الإمام النووي في المجموع: (...فإنه ليس من الميسور تخليص أسهمه ناضة إلا بعد مشقة وكلفة، مما يقتضي توقيف أعمال الشركة وتثمين أموالها...الأمر الذي يعطل سير أعمالها) (1) .
المبحث الثاني: (تطبيقات الأسهم المعاصرة وحكمها الشرعي )
"شركات المساهمة"
المطلب الأول: تعريف شركات المساهمة:
__________
(1) كتاب المجموع شرح المهذب للشيرازي للإمام أبي زكريا النووي/ دار إحياء التراث العربي/ الطبعة الأولى1422هـ - 2001م ، ص 87 ،(فائدة) ومن أهل العلم من يرى دخول الجهالة أو الغرر أوشراء الدراهم بالدراهم في هذا البيع، وأشار الإمام النووي أ ن البيع بهذه الصفة يعتبر جائزا مباحا لكونه من باب المخارجة، وهي الصلح في الميراث، والتي أجمع الصحابة على صحتها والعمل بها، وذلك أن عبد الرحمن بن عوف – رضي الله عنه- توفي عن أربع زوجات إحداهن تماضر الأشجعية، وكان قد طلقها في مرض موته زمن عثمان – رضي الله عنه- فأجمع الصحابة على أنها ترثه، فطلبت نصيبها من الميراث وكان له أموال كثيرة منها ذهب قطع بالفؤوس حتى مجلت أيدي الرجال من تقطيعه، فاتفق ورثته أن يدفعوا لها ثمانين ألف دينار،فقبلت ذلك، وجرى الدفع فيه، ولم ينكره أحد من الصحابة، وهذه هي نفس قضية بيع الأسهم، فحكم خروج الشخص بسهمه من التركة كحكم خروج الوارث بسهمه من التركة سواء وقع بلفظ الصلح أو البيع،المرجع السابق ، ص 88. (1/6)
صفحة 7
جاء في قانون الشركات التجارية العماني رقم 4 لسنة 1974 وتعديلاته : (شركة المساهمة هي شركة تجارية ينقسم رأس مالها إلى أسهم متساوية القيمة ويتم تداولها على الوجه المبين في القانون.وتقتصر مسؤولية المساهم على أداء قيمة الأسهم التي اكتتب فيها ولا يسأل عن ديون الشركة إلا في حدود القيمة الاسمية للأسهم التي اكتتب فيها) (1) .
وهذا النوع من الشركات هو طفرة لهذا الاقتصاد المعاصر مما كانت عليه الشركات قديما من قلة الأفراد، وحصرها في أنواع محدودة كالمضاربة، والعنان، والمفاوضة (2) ،
__________
(1) "قانون الشركات التجارية العماني رقم 4 لسنة 1974 وتعديلاته" الصادر بالمرسوم السلطاني 4/1974م ، المادة (56) ، ص12 ،بدون رقم ط.
(2) صفة شركة المضاربة: أن يعطي الرجل لرجل المال على أن يتجر به على جزء معلوم يأخذه العامل من ربح المال ،
وصفة العنان: هو أن يشترك الرجلان أو أكثر في شيء بعينه، وشيء خاص دون غيره، مأخوذ من عنَّ لهم الأمر، أي : اعترض لهم الأمر،
وصفة شركة المفاوضة :هو أن يكون مال كل واحد منهما مثل مال صاحبه في الإباحة له، وإن كانت فائدة من ربح أو هدية فهي بينهما /كتاب الإيضاح، تأليف العالم العلامة الشيخ عامر بن علي الشماخي/ مكتبة مسقط / ط رقم 5 1425هـ- 2004م ، ص 50 ، 79 ، 86 . (1/7)
صفحة 8
ففي كتب المتقدمين لم تذكر ولم تبين أحكامها لعدم وجودها في زمانهم (1) ، ومما ينبغي ذكره هو أن شركة المساهمة أ وشركة الأسهم- بسبب ما تتميز به من تقسيم رأس المال إلى أسهم - تسمح بالاشتراك لمجموعة كبيرة من الناس المساهمين، وفي نفس الوقت فهي مفتوحة أمام أصحاب الأموال الطائلة، وأصحاب الأموال المحدودة.
ومنبع هذه الشركة في الحقيقة هو النظام الرأسمالي (2) ، مع العلم أن الشركات في النظام الرأسمالي قسمان:
1. شركات الأشخاص.
2. شركات الأموال.
وهذا النوع مالي بحت لا دور للعنصر الشخصي فيه، بل هي قائمة على انتفاء العنصر الشخصي، وانفرد العنصر المالي في تكوين الشركة وفي سيرها (3) .
وممالا يغفل ذكره هو وجوب إخراج زكاة أموال شركة المساهمة إذا تحققت شروطها الشرعية، فهي تعمل على جمع رؤوس الأموال الكبيرة، والأصل أن تزكي الشركة(إدارة الشركة)، وعدم تزكيتها لا يبرئ المساهم من وجوب إخراج الزكاة.
المطلب الثاني: الحكم الشرعي لشركات المساهمة:
أولا: الحكم الشرعي في التعامل بالأسهم من حيث الجملة دون النظر إلى التطبيق المعاصر:
__________
(1) ينظر :كاتب الإيضاح، ص49 /وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ،تأليف الإمام علاء الدين الكاساني الحنفي/ دار إحياء التراث العربي/رقم ط31421هـ 2000م ، ص 73 / ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين/ دار المعرفة/ رقم ط الأولى1420هـ- 2000م ،ص460 / ومختصر العلامة الخليل في فقه الإمام مالك ، تأليف الشيخ خليل بن إسحلق المالكي/ المكتبة العصرية/ رقم ط الأولى1424هـ - 2003م ، ص 162 /و القوانين الفقهية ، تأليف محمد بن أحمد الغرناطي/المكتبة العصرية/ رقم ط الأولى1420هـ- 2000م ،ص 306 .
(2) ينظر: شركات الأسهم للدكتور علي بن سعيد الغامدي ، على الموقع (مركز أبحاث فقه المعاملات الإسلامية/ فقه الشركات http://www.kantakji.org/fiqh/Companies.htm)، ص 2.
(3) كاتب المجموع للإمام النووي ، ص 78 بتصرق. (1/8)
صفحة 9
الأصل في العقود الجواز والإباحة ما لم يرد محذورا شرعيا يقتضي تحريمها أو على الأقل كراهتها، وفي الشركات المساهمة لا يوجد نص مباشر يحكم عليها، وإنما يكون الحكم من منظار القواعد العامة للعقود المستحدثة، ومن حيث الجملة لا محذور فيها ينقل حكمها الأصلي(الجواز)
إلى الحرمة، وهو قول المعاصرين أكثرهم (1) ، واستقر العمل به، ولكن يوجد رأي شاذ يقول بحرمة الشركات المساهمة، ويُستدل له بـ:
1. أنها جزء من النظام الرأسمالي الذي لا يتفق مع النظام الإسلامي (2) ، والرد هو أن أمور المعاملات لا تتعلق بكونها من عند المسلمين أو ليست من عندهم، ولا يخفى ما أقره الشرع من بعض عقود الجاهلية، وما أبطل بعضه، وما أدخل الإصلاح على البعض الآخر مع إقرار الجواز في أصله إلا أن بعض أموره دخلها الإصلاح الشرعي، ومنه حديث ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قدم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال:"من أسلف في تمر، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" (3) .
2. تسمية الشريك مساهما بدلا من كلمة شريك (4) ، والرد أ ن النتيجة لا تتغير بتغير اسمه منشريك إلى مساهم، ومع العلم فإن اسم(مساهم) أدق إذ فيه الحصص(الأسهم)التي يتفاوت عددها من شخص لآخر، فتجد الأول مثلا يملك سهمين، والآخر سهم وهكذا، بعكس اسم(شريك) الذي فيه التساوي بين الشركاء في الحصص (5) .
__________
(1) انظر: أسواق الأوراق المالية، للباحث ماجد الكندي، ص 39 / المجموع للنووي، ص86 ز
(2) المرجع السابق.
(3) أخرجه مسلم ، كتاب المساقاة ، باب السلم، ح رقم(1604)/دار إحياء التراث العربي/رقم ط الأولى1420هـ-2000م/والبخاري، كتاب السلم، باب السلم في كيل معلوم،ح رقم(2239) بلفظ قريب، دار الكتب العلمية،رقم ط الرابعة1425هـ-2004م.
(4) المجموع للنووي ، ص 86.
(5) المرجع السابق، ص 86، بتصرف. (1/9)
صفحة 10
3. عدم تعرف المساهم، وأعضاء الشركة(العاملين) بعضهم ببعض، والرد أن التعارف الذي يتم بين البائع والمشتري ليس شرطا في صحة العقد، إذ يمكن لرجل أن يتزوج بوكالة آخر دون أن يرى المعقد عليها (1) .
4. الجهالة التي تكون بعم علم المشتري للأسهم علما تفصيليا بحقيقة ما تحتويه الأسهم، والرد أنه لا يشترط العلم التفصيلي في كل شيء لدرء الجهالة بل يكتفي المشتري بالعلم الإجمالي الذي يبين قيمة المعقود عليه (2) ، مع العلم أن العلم التفصيلي في الأشياء بحسبها لا يمكن في الواقع لذلك لم يلتفت إليه الشرع، ويمكن القول أن الجهالة والغرر في الأسهم هو من باب الجهالة اليسيرة التي لا يلتفت إليها، وكذلك الخدمات التي تقدمها شركات المساهمة من إمكانية المساهم الاطلاع على الأرباح والخسائر، تقسيمات الأسهم وسجل المساهمين، وغيرها من التفاصيل التي تقي أعضاء الشركة من الوقوع في نهي النبي(صلى الله عليه مسلم) عن الغرر (3) ، ومما يلحظ في أجوبة سماحة الشيخ الخليلي في فقه المعاملات (4)
__________
(1) المرجع السابق ، نفس الصفحة، بتصرف.
(2) أسواق الأوراق المالية، ص 41، بتصرف.
(3) جاء النهي عن بيع الغرر عند مسلم، كتاب البيوع، باب بطلان بيع الحصاة، والبيع الذي فيه غرر، ح رقم(1513)/ والترمذي، كتاب البيوع،باب ما جاء في بيع حبل الحبلة،ح رقم(1229)،و باب ما جاء في كراهية بيع الغرر،ح رقم(1230) جاء فيه: "عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) عن بيع الغرر، وبيع الحصاة"، دار إحياء التراث العربي/رقم ط الأولى/ وأبو داود، كتاب البيوع، باب في بيع الغرر، ح رقم (3374)جاء فيه:"عن أبي هريرة: أن النبي (صلى الله عليه وسلم )نهى عن بيع الغرر. زاد عثمان: والحصاة "، دار إحياء التراث العربي/رقم ط الأولى1421هـ-2000م.
(4) فقه المعاملات لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عمان ، مكتبة الأجيال، رقم ط الأولى ذو القعدة1423، ص237.. (1/10)
صفحة 11
هو تنبيهه للمساهم في متابعة حركة الشركة، فيسأل عن فيما تتاجر؟وإلى كم سهم تنقسم؟ وما هي حصته من الموجودات؟وغيرها من الأسئلة التي تجعل المساهم على دراية بما يؤول إليه ماله من الربح والخسران دون أن يضع ماله في سوق وهمي لا يعلمه، وتصله أرباح وهمية لا يدري مصدرها أو مكسبها.
ثانياً: الحكم الشرعي في التعامل بالأسهم بمنظور التطبيق المعاصر:
مما يلحظ في الاقتصاد المعاصر هو تعديه بالمتاجرة فيما يمنعه الشرع بشكل قوي وفعّال كبيع الخمور أو التعامل بالربا أو الغرر الذي نراه اليوم في شركات التأمين أو أن تكون قائمة على المجون كالمراقص ، وغيرها التي يمنعها الشارع الحكيم- جل جلاله-، وكذلك تعامله المستمر- بوجه عام- مع البنوك الربوية التي يرفضها الشرع الحنيف،أو ما تحتاجه الشركات من إيداع الأموال البنوك، والتي تأخذ منها الفائدة المنهي عنها ومن هذا كله جاءت شركات المساهمة بالنظر إلى ما تمارسه من نشاط في ثلاثة أقسام:
1. شركات تقوم على التعامل المشروع في النشاط المشروع، وحكمها الجواز كما تقدم الحديث من حيث الجملة في البند السابق.
2. شركات تقوم على التعامل المحرم كالمتاجرة بالربا المحرم قطعا بالكتاب والسنة،أو تقوم بنشاط محرم كالمتاجرة بالخمور، وإنشاء الأندية الماجنة، وحكمها الحرمة باتفاق العلماء قاطبة، فقد قال الله- عز وجل-:{ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (1) ، وهذه فيها إعانة على أكل الحرام، وإعلان الحرام الرذيلة.
__________
(1) سورة المائدة، الآية(2). (1/11)
صفحة 12
3. شركات تقوم على نشاط مشروع إلا أن تعاملها يدخل فيه الشيء المحرم الذي يقل عن الحلال الذي تقوم عليه كأن تودع أموالها في البنوك الربوية،وتأخذ على ذلك زيادة محرمة، وحكمها الحرمة ولو وجد فيها الحرام الشيء القليل، فالشرع يحرم قليل كما يحرم الكثير، وفي حديث النعمان بن بشير (1) النهي عن الحوم حول الشبهات فكيف بما وُجد فيه الحرام؟ وهو ما ذهب إليه الجمهور، وقال به سماحة الشيخ الخليلي (2) ، ويوجد قول آخر في حكم هذه الشركات، فمثها مختلف فيها.
ومن هذه المحذورات كان لابد من ضبط المسألة، وجعله في ضوابط تقتضي صحته في التعامل، وإمكانية شروعه في التجارة، ومن هذه الضوابط (3) :
1. أن يكون غرض الشركة جائز، وغصدارها للأسهم لغض مباح حتى لا يدخل المساهم في الإعانة على الإثم والعدوان، وأكل المال الحرام بالقرض الربوي مثلاً.
2. أن تكون موثوقية المساهم بالشركة ثقة معروفة، ومعلومة أمام الناس حتى تتضح السلامة في التعامل معها، ونزاهتها عما لا يرضاه الشارع، ويتم هذا بتقصي المساهم أحوال الشركة المساهمة بأكملها.
3. أن يخلو تعامل الشركة المساهمة منم أي محظور، ولو كان الشيء اليسير من بدئها، وحتى تصفيتها.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان ،باب فضل من استبرأ لدينه(40)، ح رقم(52)، جاء فيه"...سمعت النعمان بن بشير يقول:سمعت رسول الله(صلى الله عليه وسلم يقول:(الحلال بين،والحرام بين، وبينهما أمور متشابهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبّهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات: كراع يرعى حول الحمى، يوشك أن يقع يواقعه...".
(2) فقه المعاملات لسماحة الشيخ الخليلي،ص 238،(فائدة) أشار الشيخ في نفس الجواب إلى الاحتياط والتحرز في مثل شركات المساهمة باستقصاء أحوالها، وهذا كله لما آلت إليه أغلب هذه الشركات من ارتباطات بالمعاملات الربوية.
(3) الخدمات المصرفية، ص 504، 505. (1/12)
صفحة 13
وبهذه الضوابط يأمن المساهم المال الحلال من المكسب الحلال، وتكون صوناً للدين الذي يكون صوناً للحقوق، والواجبات التي تترتب على جميع أفراد هذه الشركات، وعلى عكس من يقول أن الضوابط ،والأحكام في هذه الشركات يحد من قدرتها على الاستثمار،فالمعلوم أن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح، وكما أن المستثمر يرغب في الاستثمار فأيضاً المساهم يرغب في حقه كاملا من المكسب الحلال دون هدر لحقوقه أو حقوق غيره، وعلى عكس من يقول بحرمتها- كما تقدم في الحديث عن حكمها في الجملة- فإن فيها ما يوفر الربح المطلوب لمن يدير الشركة، وللمساهمين، كما أنها تبعث التشجيع في أصحاب الثروات الذين لا يملكون القدرة في خوض التجارة على انفراد.
الخاتمة
مما أملاه القلم فيما سبق يمكن أن نسرده في نقاط نستخلص فيها ما حواه البحث حول موضوع الأسهم، والشركات المساهمة:
1. جاء الإسلام ليلبي فطرة الإنسان من حب التملك، واتساع النفوذ التجاري، لكن تحت ضوابط شرعية يحفظ بها حق البائع والمشتري، فهو دين الفطرة الذي يدخل الأمن والراحة في قلب البائع والمشتري.
2. الانطلاقة السريعة التي ملأ بها الاقتصادُ المعاصر أموالَ المستثمرين الأرباح الجمة كانت سببا في ظهور الشركات المساهمة.
3. جاءت الأسهم توفر فرصة الاشتراك لفئات متعددة من المستثمرين بخصائص تجعل كل نصيب تحت اسم مالك واحد فقط يستطيع الاكتتاب بأسهم جديدة، كما له الأحقية في قبض الأرباح، ونقل ملكيته بالرهن أو البيع أو الشراء.
4. لا بد من إخراج زكاة أموال الشركة المساهمة إذا تحققت الشروط، ولا يعذر المساهم إذا ظهر من الشركة عدم تزكيتها للمال.
5. في الاشتراك في شركات المساهمة توفير للوقت، وتشجيع لأصحاب الأموال في قطع حاجز التردد، والخوف في خوض التجارة.
6. يكون الحكم الشرعي للأسهم تابعا للنشاط الذي عليه الشركة، فإن كان تعاملها، ونشاطها بعيدين عن كل محذور جاز فيها اشتراك المساهم. (1/13)
صفحة 14
7. لابد للمساهم من تقصي أحوال الشكة حتى يطمئن من نشاطها الشرعي، وحتى لا يقع في السوق الوهمي، أو الربح الوهمي الذي لا يعلم من أي مكسبه.
8. على المساهم أن يتحرى الاحتياط حتى لا يقع في المحظور، وأن يبتعد عن الشبهات حتى لا يقع في الحمى.
هذا، وختاما صلاة على الحبيب المصطفى، وعلى آله الأطهار، وعلى من تبعهم إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
- تم بحمد لله تعالى-
الفهرس
الموضوع الصفحة
مقدمة......................................................................... 1
تمهيد......................................................................... 2
المبحث الأول: (تعريف الأسهم وخصائصها)........................ 3
المطلب الأول: تعريف الأسهم لغةً واصطلاحاً:............. 3
المطلب الثاني: خصائص الأسهم:............................. 4
المبحث الثاني: (تطبيقات الأسهم المعاصرة وحكمها الشرعي )
"شركات المساهمة"...................................................... 6
المطلب الأول: تعريف شركات المساهمة:................. 6
المطلب الثاني: الحكم الشرعي لشركات المساهمة:........ 7
الخاتمة:...................................................................... 11
الفهرس:...................................................................... 12
المصادر والمراجع:........................................................ 13
المصادر والمراجع
1. أسواق الأوراق المالية وضوابطها في النظر الفقهي تأليف الشيخ ماجد بن محمد بن سالم الكندي/ مطبعة الفيحاء/ بلا رقم الطبعة.
2. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ،تأليف الإمام علاء الدين الكاساني الحنفي/ دار إحياء التراث العربي/رقم ط31421هـ 2000م. (1/14)
صفحة 15
3. الخدمات المصرفية وموقف الشريعة الإسلامية منها / تأليف الدكتور علاء الدينن زعنزي/ دار الكلم الطيب/ الطبعة الأولى 1422هـ - 2002م .
4. الربا والمعاملات المصرفبة في نظر الشريعة الإسلامية تأليف الشيخ الدكتور عمر بن عبد العزيز المترك/ دار العاصمة/ الطبعة الثانية 1417هـ .
5. رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين/ دار المعرفة/ رقم ط الأولى1420هـ- 2000م.
6. سنن أبي داود، دار إحياء التراث العربي/رقم ط الأولى1421هـ-2000م.
7. سنن الترمذي، دار إحياء التراث العربي/رقم ط الأولى.
8. شركات الأسهم للدكتور علي بن سعيد الغامدي/ بدون اسم المطبعة ولا رقم ط ، على الموقع (مركز أبحاث فقه المعاملات الإسلامية/ فقه الشركات http://www.kantakji.org/fiqh/Companies.htm).
9. صحيح البخاري، دار الكتب العلمية،رقم ط الرابعة1425هـ-2004م.
صحيح مسلم للإمام أبي الحسن مسلم بن الحجاج النيسابوري/ دار إحياء التراث العربي/رقم ط الأولى1420هـ-2000م.
10. صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي/رقم ط الأولى1420هـ-2000م.
11. فقه المعاملات لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عمان ، مكتبة الأجيال، رقم ط الأولى ذو القعدة1423.
12. قانون الشركات التجارية العماني رقم 4 لسنة 1974 وتعديلاته، الصادر بالمرسوم السلطاني 4/1974م.
13. القوانين الفقهية ، تأليف محمد بن أحمد الغرناطي/المكتبة العصرية/ رقم ط الأولى1420هـ- 2000م.
14. كتاب الإيضاح تأليف العالم العلامة الشيخ عامر بن علي الشماخي/ مكتبة مسقط / ط رقم 5 1425هـ- 2004م.
15. كتاب المجموع شرح المهذب للشيرازي للإمام أبي زكريا النووي/ دار إحياء التراث العربي/ الطبعة الأولى1422هـ - 2001م .
16. لسان العرب لابن منظور مادة سهم/ دار صادر(بيروت)/ الطبعة الأولى 2000. (1/15)
صفحة 16
17. مختصر العلامة الخليل في فقه الإمام مالك ، تأليف الشيخ خليل بن إسحلق المالكي/ المكتبة العصرية/ رقم ط الأولى1424هـ - 2003م. (1/16)