صفحة 1
الكتاب: بيع العين الغائبة لـ؟؟
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين ، القائل في محكم التنزيل :"وأحل الله البيع وحرم الربا " ، والصلاة والسلام على سيد خير الأنام محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وبعد:
لقد سنَّ الإسلام في المعاملات تشريعات لم تقتصر على الجانب الأخلاقي للمتعاملين بل تعدته إلى الحفاظ على حقوقهم وتقديم ضمانات لهم ،حتى تحقق التوازن بين أفراد المجتمع نفسيا وأمنيا ، وإنَّ رغبة الإسلام في توفير جو عادل لهذه البشرية لم تكن رغبة تتخيل في عالم المثل أو في أحلام المدينة الفاضلة ، وإنما هي رغبة صادقة في أن تكون حقيقة ماثلة للعيان ، وتطبق في واقع الإنسان ؛ فلم تكن أوامره ونواهيه في جانب المعاملات قيودا تكبح حياة الناس بمقدار ما تكون بواعث وموجهات ربانية حكيمة، تبعث روح العدالة في المجتمع ، وتعمل على محارية الظلم واجتثاث الغش .
وعند النظر في جانب المعاملات لدى الناس نجد أن البيع يحتل المرتبة الأولى في التعامل بين الأفراد ، وفي وإ طار عقد البيع ومايترتب عليه من آثار نرى اهتمام الفقهاء به كثيرا فقد جعلوا شروطا للعاقد من عقل ورشد واختيار ، ووضعوا أخرى للمعقود عليه ؛ لأنه هو محل التعاقد فكان ينبغي أن يكون معلوما منتفعابه شرعا وموجودا ، لذا كان هذا البحث يركز على جزئية دقيقة وهي حكم بيع العين الغائبة، ومما هو معلوم أن ممتلكات الناس ليس بالضرورة أن تكون في يد صاحبها واقعة تحت مرمى بصره ، فقد تكون له ممتلكات خارج بلاده فيعرضها للبيع دون أن يراها المشتري ، أو أن يرغب المشتري في شراء منزل في منطقة نائية ويتعاقد مع صاحبها عن طريق الهاتف ، والسؤال هنا هل توفر شرط العلم بالبيع ؟
وهل يغني الوصف الكاشف عن رؤيتها ؟، لاسيما في ظل العصر الذي أصبح فيه
الر جل يعقد الصفقات بالبيع والشراء وهو قاعد في مكتبه ، فكان هذا البحث ليلقى الضوء على هذه المسألة ، وقد كانت خطته على النحو الأتي : (1/1)
صفحة 2
- تمهيد في المقاصد التشريعية للبيع .
- الفصل الأول : تعريف البيع وأركانه و شروطه .
- الفصل الثاني :
أ تعريف العين الغائبة وبيان حكم بيعها.
ب أثر خيار الرؤية على هذا العقد .
- الفصل الثالث : التطبيقات على صور العين الغائبة
و تحدثت فيه عن بيع الأعمى و الأنموذج و البيع عن طريق الانترنت.
والصعوبات التي واجهتني في البحث عدم وجود مصدر متخصص فصلَّ هذه المسألة ، وإنما كانوا يشيرون إليها إشارات مقتضبة ، كذلك من الأشياء التي واجهتني في البحث صعوبة نسبة القول المشهور لمذهب معين أو الذي عليه الأكثر من جمهورهم ، إذ يذكر بعض الفقهاء الأقوال دون توضيح لماهو معمول في المذهب ، أضف إلى ذلك وجود بعض التطبيقات المعاصرة في البحث فلم أجد من تعرض إليها بتوسع كبيع الانترنت .
وختاما أتوجه بالشكر الجزيل إلى الدكتور سليمان محمد أحمد الذي ما فتئ يرشدنا بنصائحه لإكمال البحث ويوجهنا ، وأشكر كل من ساعدني في هذا البحث أو وجه إلي ملاحظات لإنجاحه وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
ـ تمهيد :
المقاصد التشريعية للبيع في الإسلام :
لقد خلق الله الناس ليكونوا خلفاء في أرضه يستبصرون بنوره ، ويسيرون على هداه ، فهو الذي أنشأهم من الأرض واستعمرهم فيها ، وإنَّ سبيل العمران في هذه الحياة لا يكون بالتفرد أو التفرق ؛ ولأجل هذا كان من حكمته تعالى أن جعل هذا الإنسان مدنيا بطبعه اجتماعيا بفطرته ، و لئن كان إعمار الأرض يستلزم تلاحم الوشائج بين الناس وتداخلها ، فمن الطبيعي جدا أن يتفاوت الناس في أعمالهم و يختلفون في ميولهم وتوجهاتهم ، وبالتالي يشكلون نسيج المجتمع المتكامل الذي يخدم جميع أفراده ، ويلبي مختلف احتياجاته . (1/2)
صفحة 3
ومما هو معلوم أن البيع من أكثر المعاملات انتشارا وجريا بين يدي الناس ؛ ذلك أن البيع وسيلة ذات أهمية عظمى في تبادل المنافع بين الناس ، فهو مما لا يستغني عنه إنسان ، ومن دونه تصبح الحياة في احتقان ، ولما كان البيع بهذه المكانة والأهمية في المجتمع لم يغفل الشارع الحكيم عن سنِّ الأحكام التي تضبطه،وتكون كفيلة في تحقيق المصلحة للفرد والمجتمع ، ودفع المفسدة عنهما ، فقد " أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا " (1) ، فأحل الله سبحانه و تعالى البيع المؤدي إلى الحلال لكل من البائع والمشتري ، فيفرح المشترى بالعين التي سينتفع بها ، ويدخل السرور في نفس البائع سعادة بربح تجارته .
__________
(1) 1 ) سورة البقرة : 275 (1/3)
صفحة 4
وحرم أكل أموال الناس بالباطل فقال تعالى :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ " (1) ، ونجد تطبيق هذا واضحا في سنة النبي – صلى الله عليه وسلم ـ فقد نهى النبي – صلى الله عليه وسلم ـ عن النجش في البيع ، والناجش : الذي يزيد في السلعة ولا يشتريها (2) ، فيقع الضرر على المشتري والضرر يزال ، وكذلك نهيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الاحتكار في السلع (3) " كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ " (4) ، ولما له من آثار خطيرة على المجتمع فهو يعمل على تكديس الأموال في أيدي ثلة قليلة من المجتمع مما يؤدي إلى توسيع الهوة بين الغني والفقير فيزاداد الغني غنىً و الفقير فقرا ، وأيضا قد نهى – صلوات ربي وسلامه عليه – عن بيع الحاضر للبادي فقال : " ولا بيع حاضر لباد ولا تصروا الإبل والغنم (5) " ، لأن في هذا غشا للمشتري ، " ومن غشنا فليس منا " (6) .
وقد حرم الله تعالى الربا ، فمنع البيوع التي يشوبها شائبة الربا ، ومنها بيوع الذرائع وهي التي يتذرع بها إلى الربا المحرم كمثل بيوع العينة قال الثميني : لا يجوز عندنا بيع بتذرع (7) .
__________
(1) 1 )سورة النساء 29
(2) 2 ) رواه الربيع ( الجامع الصحيح ) مكتبة الاستقامة . سلطنة عمان . كتاب : البيوع ح رقم (561) ص 224 .
(3) رواه الربيع ( الجامع الصحيح ) . كتاب : البيوع ح رقم (563 ) ص 255 .
(4) سورة الحشر7
(5) 5 ) وعلق عليه الإمام الربيع فقال : أي لا تحولوا بين الشاة وولدها وتتركوا اللبن في ضرعها حتى يعظم . انظر
(6) 6 ) رواه الربيع ( الجامع الصحيح ) . كتاب : البيوع ح رقم( 582) ص 231.
(7) 7 ) كتاب النيل وشفاء العليل . عبد العزيز الثميني . (2/457) . (1/4)
صفحة 5
و لقد منع الإسلام الغرر في البيع لأن من شروط العين المبيعة أن تكون معلومة لدى المشتري ، فكان نهي النبي – صلى الله عليه وسلم ـ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها (1) ، ونهى عن بيع الملامسة والمنابذة وعن بيع الملاقيح والمضامين (2) ، ويدخل في هذا أيضا بيع العين الغائبة غيرالموصوفة ، ففي هذه الصور لا يتأتى للمشتري العلم بالعين المبيعة لوجود الجهل المفضي إلى الضرر ، فلاضرر و لاضرار في الإسلام .
وكذلك نجد الشارع الحكيم قد أجاز البيع والشرط تارة ،وأبطل تارة أخرى الشرط وأجاز البيع ، ، ففي الأول يظهر هذا جليا في الحديث الذي اشترط فيه جابر بن عبدالله ظهر البعير من مكة إلى المدينة (3) ،
__________
(1) رواه الربيع ( الجامع الصحيح ) . كتاب : البيوع ح رقم (560 ) ص 224
(2) 2 ) رواه الربيع ( الجامع الصحيح ) . كتاب : البيوع ح رقم( 556 ) ص 223
قال الربيع الملامسة أن يلمس الرجل طرف الثوب ولا ينشره ولا يعلم ما فيه فيلزمه البيع والمنابذة أي يرمي الرجل ثوبه للآخر ويرمي له الآخر ثوبه ولم ينظر كل واحد منهما ثوب صاحبه وحبل الحبلة وهو حبل ما في بطن الناقة والملاقيح ما في ظهور الفحول والمضامين ما في بطون الإناث . المصدر السابق
(3)
3 رواه الربيع ( الجامع الصحيح ) . كتاب : البيوع ح رقم( 570 ) 227
و نص الحديث : أبوعبيدة عن جابر بن عباس قال اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من جابر بن عبدالله بعيرا واشترط جابر ظهره من مكة إلى المدينة فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم البيع والشرط قال ابن عباس وإنما أجاز النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لأن الشرط لم يكن في عقدة البيع والله أعلم .
4) رواه الربيع ( الجامع الصحيح ) . كتاب : البيوع ح رقم( 535) ص215 ـ 216
رواه البخاري في صحيحه . كتاب البيوع . باب البيع و الشراء مع النساء ، دار ابن كثير . بيروت ، ح رقم (2048) ، ( 2 / ص757 )
و نص الحديث في صحيح البخاري : " (1/5)
صفحة 6
فالبعير أصلا للركوب و ركوبه لم يلحق ضررا بالمشتري ، إذ تم برضاه فجاز الشرط ، و منع الشرط الذي لا يجوز بحال كما في حديث بريرة (1) ، حيث اشترطوا الولاء لهم مع
أنها انتقلت إلى ملك غيرها ، و قد ترتبت آثار البيع ، فالعين قد انتقلت عنهم ، فما لهم يتحكمون فيما لا يملكون فبطل الشرط ، و الضابط في هذا كله قوله ـ صلى الله عليه و سلم ـ : " المسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما " (2) .
و الإسلام دين يسر لم يكلف الناس ما لا يطيقون ، و لهذا تراه يرخص في بيع العرايا ( و هو أن يبيع ثمر النخلة بخرصها تمرا ) (3) ، رفعا للحرج , ومصداقا لقوله تعالى : " وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ" (4) ، وفي نفس الوقت أولى اهتماما بالغا في شئ ربما يتساهل فيه البعض ، وذلك عندما نهى عن تضييع المال (5) ، قال أبو عبيدة : و من تضييع ماله ألا يقف الرجل نفسه في البيع و الشراء (6) ، فيقصر في معرفته بالمبيع ، و يهمله أو يتركه إلى من لا يصلحه (7) .
__________
(1) أن عائشة رضي الله عنها ساومت بريرة فخرج إلى الصلاة فلما جاء قالت إنهم أبوا أن يبيعوها إلا أن يشترطوا الولاء فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما الولاء لمن أعتق .
(2) 1 ) رواه الترمذي في سننه . كتاب الأحكام ، باب الصلح ، دار إحياء التراث :بيروت ، ح رقم (1352) ، ( 3 /634 )
(3) 2 ) رواه الربيع ( الجامع الصحيح ) . كتاب : البيوع ح رقم( 580) ص230
(4) سورة الحج : 78
4) رواه الربيع ( الجامع الصحيح ) . كتاب : البيوع ح رقم( 567) ص226
(6) المصدرالسابق .
6) شرح الجامع الصحيح . عبدالله السالمي . ( 3 / 183 ). مكتبة الاستقامة . سلطنة عمان . (1/6)
صفحة 7
و من خلال هذا كله اتضح بما لا يدع مجالا للشك المقاصد الشرعية في البيع ، بحيث روعي في أحكامه نفي الضرر و رفع الحرج ، و تحقيق العدالة للجميع ، و هذا هو منهج ديننا الحنيف الآمر بالعدل و الإحسان ، و الناهي عن الظلم و الطغيان.
ـ الفصل الأول : البيع
ـ المبحث الأول : تعريف البيع
ـ المبحث الثاني : أركان البيع
ـ المبحث الثالث : شروط البيع
...
ـ الفصل الأول : البيع
و فيه مبحثان
ـ المبحث الأول : تعريف البيع :
...
المطلب الأول : تعريف البيع في اللغة :
البيع ضد الشراء (1) . واشتقاقه من باع يبيع بَيْعا ومَبِيعا وهو شاذ والقياس مباعا .
كما يطلق البيع على الشراء ومنه قول الشاعر :
ويأتيك بالأخبار من لم تبع له بتاتا ولم تضرب له موعد (2)
قال الجوهري : والابتياع هو الاشتراء ، ويقال للبائع والمشتري : البَيِّعان (3) ، وقد جاء هذا في حديث النبي – صلى الله عليه وسلم - : " البَيِّعان بالخيار ما لم يفترقا " (4) .
المطلب الثاني : تعريف البيع في الاصطلاح :-
عرف فقهاء المذاهب الإسلامية البيع بتعاريف عديدة تدور في فلك العلاقة الجائزة بين البائع والمشتري وما يجري بينهما من أجل تمام عقد البيع ، وها نحن نلقي نظرة سريعة للخروج بخلاصة مفيدة .
__________
(1) لسان العرب . ابن منظور .(23/8) .دار صاادر . بيروت .ط1 (1990- 1410).
(2) من لم تبع له : أي تشتري
انظر
تاج العروس . الزيدي (20 / 365) ، دار احياء الثرات العربي بيروت .
(3) الصحاح اسماعيل الجوهري . (3/1189) ، دار العلم للملالين . بيروت .ط3 (1404هـ -1984 م )
(4) 4 ) رواه الربيع ( الجامع الصحيح ) . كتاب : البيوع ح رقم( 568) ص227 (1/7)
صفحة 8
حيث عرفه الإباضية بأنه : " إخراج الشئ من ملك على بدل له قيمة يتعوض عليه " (1) ، ويتقارب رأي الحنابلة كثيرا مع الشافعية فالحنابلة يقولون إن البيع هو " معاوضة المال بالمال بغرض التملك" (2) وكذا الشافعية فيرون أنه " مقابلة المال بالمال أو نحوه تمليكا " (3) .
أما الحنفية فالبيع عندهم : "مبادلة شئ مرغوب فيه بمثله على وجه مخصوص " (4) .
وأخيرا عرفه المالكية بأنه :" نقل الملك بعوض بوجه جائز " (5) .
وخلاصة الحديث أن البيع تمليك عين بعوض على وجه مشروع ، وقيد بتمليك العين لإخراج الإجارة فهي تمليك منفعة بعوض و أخرج بـ"عوض " عقد الهبة فهو تمليك عين بلا عوض ، ولا ريب أن إجازة أي عقد في الإسلام وترتب آثاره متصلة بكونه واقعا على الوجه المشروع فلا يجوز تمليك العين المحرمة أو أن تشوب المعاملة شائبة من الربا أو نحوه .
المبجث الثاني : أركان البيع (6) :
يرى الحنفية أن ركن البيع عندهم هو الإيجاب و القبول فقط ، فالإيجاب أن يقول بعتك أو ملكتك أو لفظ يدل عليهما ، والقبول أن يقول اشتريت أو قبلت ونحوهما .
و ذهب الجمهور عدا الحنفية إلى أن للبيع ثلاثة أركان و هي :
__________
(1) كتاب النيل وشفاء العليل . عبدالعزيز الثميني . (3/453)
(2) العدة شرح العمدة . عبد الرحمن المقدسي . ص 208 ، دار الأرقم . لبنان
(3) المجموع شرح المهذب . النووي .(9/149) . دار الفكر .
(4) ...
4) حاشية ابن عابدين . شمس الدين الترتاشي . (7/9) دار المعرفة لبنان . ط1 (1420هـ-200)
...
(5) كفاية الطالب . أبو الحسن المالكي . دار الفكر ط:1412 هـ ، ( 2 / 177 )
(6) ... انظر . بدائع الصنائع . الكاساني . دار الكتاب العربي : بيروت ، (5/ص136) ،
مغني المحتاج . الشربيني .دار الفكر . بيروت . (2 /3 )
المغني . ابن قدامة المقدسي . ، دار الفكر ط (1405هـ ) . لبنان . (4/3)
الإيضاح . الشماخي . وزارة التراث القومي و الثقافة . سلطنة عمان .( 3/ 107) (1/8)
صفحة 9
1. العاقدان : و هما البائع و المشتري .
2. المعقود عليه : و هو ما وقع عليه التعاقد من ثمن و مثمن .
3. الصيغة : و هي الإيجاب و القبول .
فالحنفية لا يعدون العاقدين و المعقود عليه من أركان البيع ، و إنما تعتبر عندهم شروط لصحة البيع .
المبحث الثالث : شروط البيع
المطلب الأول : شروط العاقد :
تتحد أنظار الفقهاء في الخطوط العامة لشروط كل من البائع والمشتري التي يستلزم توفرها فيهما وإن اختلفت طرائقهم في التعبير عنها فهي في الحقيقة و هي كما يلي :
1- أن يكون العاقد جائز التصرف (1) :
قال ابن بركة : والبيع لا يصح إلا من بالغ عاقل (2) ، وقد عبر الشافعية عن ذلك بأن يكون العاقد متصفا بالرشد ( أي متصفا بالبلوغ والصلاح لدينه وماله ) (3) ، فلا ينعقد بيع المجنون والصبي الذي لا يعقل لأن أهلية التصرف شرط انعقاد التصرف و الأهلية لا تثبت دون العقل (4) .
2- الاختيار (5) :
وهو أن يأتيا به اختيارا فإن كان أحدهما مكرها لم يصح (6) ، وذلك لعدم تأتّي شرط الرضا والله تعالى يقول " ِإلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ " (7) ، فإذا وجد الإكراه فلا يلزم البيع ، وإذا كان الإكراه بحق البيع فالبيع صحيح لازم ، وذلك يكون إذا حكم القاضي بيبع شيء من ملكه لسبب من الأسباب المعتبرة كسداد دين أو نفقة زوجة ، و نحو ذلك فيقوم هنا رضا الشارع مقام رضا البائع (8) .
المطلب الثاني : شروط الصيغة (9) :
__________
(1) 1 المغني . ابن قدامة المقدسي . ، دار الفكر ط (1414هـ - 1994م) . لبنان . (4/7)
(2) الجامع . ابن بركة . ( 2 / 356 )
(3) مغني المحتاج . الشربيني .دار الفكر . بيروت . (2 /7 )
(4) بدائع الصنائع . الكاساني . ، دار الكتب العلمية . (1997م) بيروت ، ، (6/ص533)
(5) مختصر الخصال . أبو إسحاق الحضرمي . ص139
(6) المغني . ابن قدامة المقدسي . (4/7 )
(7) سورة النساء : 29
(8) مغني المحتاج . الشربيني .. (2 /7 )
(9) ... انظر
المصنف . أبوبكر الكندي . وزارة التراث القومي. سلطنة عمان ( 24 / 7 ). بدائع الصنائع . الكاساني . دار الكتاب العربي : بيروت ، (5/ص136) ،
مغني المحتاج . الشربيني .دار الفكر . بيروت . (2 /3 )
المغني . ابن قدامة المقدسي . ، دار الفكر ط (1405هـ ) . لبنان . (4/3)
مواهب الجليل .محمد المغربي . دار الفكر . بيروت . (4 / 299 ) (1/9)
صفحة 10
1. وضوح دلالة الإيجاب و القبول :
فيكون الإيجاب و القبول ذا دلالة واضحة و معبرا عن تراضيهما بالعقد كأن يقول : قد بعت لك هذه السيارة فيقول المشتري : نعم قبلت ، و يقوم مقامهما ما يدل على الرضا من قول أو فعل أو كتابة ، و لا يشترط في عقد البيع ألفاظ معينة و إنما يكتفي بالألفاظ التي تدل لغةً أو عرفا على ذلك العقد ؛ لأن العبرة في العقود للمقاصد و المعاني لا للألفاظ و المباني .
2. موافقة الإيجاب للقبول " اتحاد موضوع التعاقد " :
بأن يكون القبول موافقا للإيجاب فيتناول العاقدان موضوعا واحدا ، كأن يقول الأول : بعت هذه الدار بألف ريال فيقبل الآخر شراء نفس الدار بالمبلغ المذكور .
أما إذا اختلفا في محل العقد أو الثمن فلا ينعقد البيع بينهما و ذلك كأن يقول : اشتريت منك هذه الدار بألفين فيقول الآخر قبلت منك بهذا المبلغ السيارة ، فيلاحظ أنهما اختلفا في محل التعاقد أو أن يكون الاختلاف في الثمن فيقول قبلت منك هذه الدار بألف و البائع طلب ألفين .
3. اتصال القبول بالإيجاب " اتحاد المجلس " :
و المقصود بالاتصال أن يعلم كل من الطرفين ما صدر من الآخر و يفهمه ، بأن يكون الإيجاب و القبول في مجلس واحد إن كانا حاضرين أو في مجلس علم الطرف الغائب بالإيجاب .
المطلب الثالث : شروط المعقود عليه :
المعقود عليه هو كل ما وقع عليه التعاقد .
و قد حدد الشارع الحكيم ضوابط يجب توفرها في المعقود عليه حتى يؤدي العقد الغرض المقصود منه محققا مصلحة الطرفين المتعاقدين (1) .، و الشروط هي :
ا. أن يكون طاهرا (2) :
فلا يجوز بيع الخنزير ، و الخمر ، و دهن الميتة و سائر الأعيان النجسة .
__________
(1) انظر . فقه المعاملات . مصباح السيد أحمد و آخرون . وزارة الأوقاف و الشؤون الدينية . سلطنة عمان . ص 56
(2) المجموع . النووي . (9 /ص 210) (1/10)
صفحة 11
2. أن يكون منتفعا به شرعا (1) :
فلا يصح بيع آلة لهو محرمة كالمزمار و العود .
3. أن يكون مقدورا على تسليمه (2) :
فلا يصح بيع طير في الهواء ، و لا جمل شارد في الصحراء .
4. أن يكون موجودا (3) :
فلا ينعقد بيع المعدوم و ما له خطر العدم فلا يصح بيع الثمر قبل ظهوره لأنه معدوم ، و لا يصح بيع الحمل ؛ لأن له خطر العدم .
5. أن يكون معلوما (4) :
فينبغي أن يكون سالما من الغرر ، و الغرر هو ما تردد بين السلامة والعطب (5) ، و هو الجهل
بكنه المبيع ، و الأ صل ما هو الشئ المعتبر حتى يكون المعقود عليه معلوما علما يمنع المنازعة ؛ لأن بيع المجهول يفضي إلى منازعة فهو غير صحيح ، و هل يشترط رؤيته وجوبا لتمام العقد ؟ أم يجزي الوصف الكاشف للمبيع ؟ ، و إذا كان الشئ المغقود عليه سبقت رؤيته للمشتري فهل تلك الرؤية كافية ؟ و ما حكم العقد على الشئ الغائب؟ .
و سوف نناقش هذه المباحث بالتفصيل في الفصول القادمة من هذا البحث .
ـ الفصل الثاني : بيع العين الغائبة و حكمها و خيار الرؤية
ـ المبحث الأول : تعريف العين الغائبة
ـ المبحث الثاني : حكم بيع العين الغائبة
ـ المبحث الثالث : خيار الرؤية
...
ـ الفصل الثاني : بيع العين الغائبة و حكمها و خيار الرؤية
و فيه ثلاثة مباحث :
ــ المبحث الأول : تعريف العين الغائبة :
و فيه مطلبان :
المطلب الأول : في اللغة :
ـ العَيْن : و هي اسم مشترك لمعاني كثيرة فمنها الباصرة و الجاسوس ، و المراد بها في البيع : الحاضر من كل شىء (6) .
__________
(1) بلغة السالك . احمد الصاوي . دار الكتب العلمية . ط 1 ( 1415هـ 1995م ) بيروت . ( 3 /9 )
(2) بدائع الصنائع . الكاساني . ، دار الكتب العلمية . (1997م) بيروت ، ، (6/ص536)
(3) المصدر السابق .
(4) مغني المحتاج . الشربيني .. (2 /16 )
(5) شرح الزرقاني ج3/ص396
(6) 1 ) القاموس المحيط . الفيروز آبادي . دار الفكر : لبنان ، ط (1420هـ ـ 1999م ). ص 1098 (1/11)
صفحة 12
ـ الغائبة : اسم فاعل مؤنث من الفعل ( غاب ) ، و هو : كل ما غاب عنك أو هو كل ما غاب عن العيون (1) .
ـ المطلب الثاني : في الاصطلاح :
عرفها أبوبكر الكندي بأنها : الأصل إذا غاب و هو في ملك البائع إلا أنه غائب عند عقدة البيع (2) .
و إلى قريب من هذا المعنى قال الشافعية : هو ما لم يره المتعاقدان أو أحدهما و إن كان حاضرا (3) .
فإذن العلاقة بين المعنى اللغوي و المعنى الاصطلاحي واضحة من حيث اشتراكهما في :
1. وجود المعقود عليه وهو عين متشخصة لها حيز في الوجود .
2. كونها غائبة أو لم تسبق لها رؤية للعاقدين أو أحدهما قبل عقد البيع .
عند النظر في التعريفين الاصطلاحيين السابقيين يظهر لنا أن مدار بحثنا يدور في قيدين اثنين :
1. أن العين داخلة في ملك البائع فهي مملوكة له:
و بهذا أخرجنا بيع ما لا يملكه البائع وهو ما يعرف ببيع ما ليس عندك ، و قد جاء فيه النهي عن النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ في الحديث : " أنه نهى عن الاحتكار و عن سلف جرمنفعة و عن بيع ما ليس عندك " (4) ، فموضوع بحثنا في العين الداخلة في ملك البائع سواء كانت عن طريق شراء أو هبة أو ورثها أو غيرها من طرق التملك المشروعة .
2. بيع العين الموجودة لكنها غائبة أي ليست حاضرة وقت العقد:
__________
(1) 2 ) لسان العرب . ابن منظور . ( 10 / 151 )
(2) 3 ) المصنف . أبوبكر الكندي . ( 24 / 34 ) بتصرف بسيط
(3) مغني المحتاج . الشربيني .دار الفكر . بيروت . (2 /7 )
(4) رواه الربيع في مسنده ( الجامع الصحيح ) ، كتاب : البيوع ح رقم ( 563) ص 225 (1/12)
صفحة 13
و بهذا القيد خرج بيع العين الحاضرة و هو جائز باتفاق، و خرج أيضا بيع المعدوم و هو باطل باتفاق (1) و ذلك مثل بيع حبل الحبلة الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه و سلم (2) ، فحبل الحبلة (3) معدوم قبل العقد و عند العقد و لا يتيقن و جوده بعد العقد فكان من حق المشتري إبطال شرائه لأنه غرر، و هو بخلاف بيع العين الغائبة فالعين موجودة قبل العقد إلا أنها غابت ـ فقط ـ أثناء العقد .
و هنا قد يُطرَحُ سؤال أليس بيع العين الغائبة هو بيع السلم ؟
ـ الجواب : لا ، لأن بيع السلم هو" عقد على موصوف بالذمة مؤجل بثمن مقبوض في المجلس " (4)
فوضح أن هناك فروقا بينهما من ضمنها :
1.أن السلم يكون في شئ لا يملكه البائع بينما يكون بيع العين الغائبة في شئ يملكه البائع .
2. أضف إلى ذلك أن الثمن في السلم يدفع عاجلا (5) * حتى لا يدخل في بيع الدين بالدين (6) بخلاف بيع الغائب فلا يشترط الدفع عاجلا .
__________
(1) المجموع شرح المهذب . أبو زكريا النووي . ، دار عالم الكتاب ، الرياض . (1423هـ ـ 2003م) .ج9/ص 188
(2) رواه الربيع في مسنده ( الجامع الصحيح ) ، كتاب : البيوع ح رقم ( 557) ص 223
رواه البخاري في صحيحه . كتاب البيوع، باب أيام الجاهلية ، ح رقم (3630) ، ج3 ص1395
(3) حبل الحبلة : أن تنتج الناقة ما في بطنها ثم تحمل التي نتجت. المصدر السابق .
(4) 1كشاف القناع . منصور البهوتي ،دار الفكر بيروت سنة النشر 1402هـ . (3 / ص 288ـ289)
(5) انظر الشرح الكبير. الدرديري . (3/ص195)
* مع التنبيه على أن الإمام مالكا أجاز التأخير في قبض رأس المال إلى يوم أو يومين أو نحو ذلك .
انظر. المدونة الكبرى . الإمام مالك .(9 / ص)38، دار صادر بيروت
بداية المجتهد و نهاية المقتصد .أبو الوليد ابن رشد القرطبي ، دار إحياء التراث ،ط1(1416هـ ـ 1996م) .
ج2 / ص 197
(6) الفروق . أحمد القرافي ، مؤسسة الرسالة. بيروت . ط1 (1224هـ / 2003م ) .(3/ص431) (1/13)
صفحة 14
3.و من شرط السلم أن يكون في الذمة و المعين لا يكون في الذمة كالدور مثلا بدليل لو رآه و أسلم فيه لم يصح . (1)
ـ المبحث الثاني : حكم بيع العين الغائبة :
و فيه أربعة مطالب :
المطلب الأول : العلاقة بين بيع الغائب و بيع الغرر :
لقد نهى الإسلام عن البيوع التي تظلم الإنسان و تؤدي إلى إلحاق الضرر به ، و من ضمن هذه البيوع بيع الغرر ، و الغرر هو الجهالة بالمبيع ، فقد جاء في الحديث نهي النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ عن الغرر ، يقول في ذلك عبد الله بن عمر : " كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ثم تحمل التي نتجت فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك" (2) ، ففي هذا البيع مخاطرة و جهالة كبيرة ، فيحتمل أن تموت تلك الناقة قبل أن تلد أو أن تلد فيموت نتاجها ، و من ضمن البيوع التي يدخلها الغرر بيع العين الغائبة ؛ لأن تطرق احتمال الغرر إليها وارد لا سيّما إذا كانت غير موصوفة ، فكونها غير حاضرة لدى العاقدين يؤذن بدخول الجهالة عليها ، و هذا ينافي شرط صحة البيع ؛ إذ إن من شروط صحة البيع هو العلم بالمبيع ، و العلم به يعني سلامته من الغرر و الجهالة ، أما إذا تم تحديد صفات المبيع فإنه يعطي العاقد نوعا من العلم بالمبيع وبالتالي يكون الغررأقل في حال بيع العين الغائبة بالوصف ، إلا أنه لوحظ فيه أن الوصف مهما كان دقيقا نافيا للجهالة فإنه لا يصل إلى درجة الرؤية المحققة للمعرفة و التي يتم بها الرضا و ترتفع معها الجهالة المفضية إلى الضرر.
و لهذا تباينت أنظار الفقهاء في حكم هذا البيع ، و انحصرت في ثلاثة أقوال :
1. جواز بيع الغائب مطلقا مع ثبوت خيار الرؤية
2.جواز بيع الغائب بشرط الوصف مع ثبوت خيار الرؤية
?? عدم جواز بيع الغائب مطلقا .
__________
(1) الفروق . أحمد القرافي . (3/ص379)
(2) رواه مسلم . كتاب البيوع : باب تحريم بيع حبل الحبلة ،ح رقم (1514) ج3/ص1154 (1/14)
صفحة 15
ـ المطلب الثاني :
ـ القول الأول : الجواز مطلقا :ـ
ذهب إليه الحنفية (1) ، و الشافعي في مذهبه القديم (2) ، و هي رواية مرجوحة عند الحنابلة (3) .
أدلة القائلين بجواز بيع الغائب مطلقا (4) :
أولا : القرآن الكريم :
أ . قوله تعالى : " و أحل الله البيع " (5) :
فهذه الآية عامة في حلِّية كل بيع إلا بيعا منعه كتاب أو سنة أو إجماع فالاية إذن شاملة لبيع الغائب .
ـ المناقشة :
أما استدلالهم بقوله تعالى : " و أحل الله البيع " فنحن نتفق جميعا على عموم الآية إلا أن الأصوليين يقولون : ما من عام و إلا قد خصص ، و قد خصّ هذا العموم نهي النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ عن بيع الغرر (6) ، و بيع الغائب غرر فوقع عليه النهي .
ثانيا : السنة النبوية :
أ. حديث أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم عن مكحول رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه إن شاء أخذه وإن شاء تركه " (7) .
ب . حديث عمر بن إبراهيم بن خالد عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من اشتري شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه " (8) .
__________
(1) بدائع الصنائع . الكاساني . ، دار الكتاب العربي ط2 (1982م) بيروت ، ، (5/ص292)
(2) المجموع . النووي . ، دار الفكر. سنة النشر 1997م . بيروت. (9 / 276)
(3) المغني . ابن قدامة المقدسي ، دار الفكر: ط1 (1405هـ ) . بيروت . (4 / ص15)
(4) انظر . المجموع . النووي . (9 / 220) ، الحاوي . أبوالحسن الماوردي . (5 / ص15)
(5) سورة البقرة : 275
(6) رواه أبو داود في سننه .باب بيع الغرر . ح رقم (3376) ، (3 / ص 254 )
(7) رواه الدارقطني في سننه . كتاب البيوع . ح رقم (8) .(3 / ص4 )،
(8) رواه الدارقطني في سننه . كتاب البيوع . ح رقم (8) .(3 / ص4) (1/15)
صفحة 16
ـ وجه الدلالة : الحديثان واضحان في إجازة بيع الغائب كان موصوفا أو غير موصوف مع ثبوت حق الخيار له في إمضاء هذا العقد أو فسخه .
و قد اعترض على هذين الحديثين :
الاعتراض الأول : تضعيف أهل الحديث لرواية مكحول ، وذلك من جهتين :
1. أن الحديث مرسل فمكحول كما هو معلوم تابعي .
2. وجود أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم في إسناده و هو ضعيف عند أهل الحديث .
الاعتراض الثاني : تضعيف أهل الحديث لرواية أبي هريرة فلقد حكى النووي اتفاق أهل الحديث على تضعيفها لوجود عمر بن إبراهيم بن خالد و هو مشهور بالضعف و وضع الحديث . (1)
ثالثا : الإجماع :
إذ جاء أن عثمان بن عفان باع أرضا له من طلحة بن عبدالله و لم يكونا رأياه قيل لسيدنا عثمان غبنت فقال : لي الخيار لأني بعت ما لم أره فحكما في ذلك جبير بن مطعم فقضى بالخيار لطلحة (2) .
و جاء عن عبدالله بن عمر اشترى أرضا لم يرها .
و جاء عن عبدالرحمن بن عوف اشترى إبلا لم يرها (3) .
فصار هذا قول خمسة من الصحابة و ليس لهم مخالف ، فثبت أنه إجماع .
ـ المناقشة :
أما حكاية الإجماع فقد خالفه عمر (4) و مخالفة عمر فيها تؤذن في أن هذا الأمر لم ينتشر بين الصحابة و الدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال .
رابعا : القياس :
ـ حيث قاسوا بيع الغائب على النكاح فكما أنه لا يشترط رؤية الزوجين بالإجماع فكذا في رؤية المبيع الغائب ، بجامع أن كلا منها عقد معاوضة فصح بذلك بيع الغائب . (5)
__________
(1) انظر . المجموع . النووي . (9 / 220)
(2) رواه البيهقي في السنن الكبرى . باب من قال يجوز بيع العين الغائبة . ح رقم (10204) ، (5/ص268)
(3) رواه البيهقي في السنن الكبرى . باب من قال يجوز بيع العين الغائبة . ح رقم (10204) ، (5/ص268)
(4) الحاوي . أبوالحسن الماوردي . ج5 / ص17
(5) الحاوي . أبوالحسن الماوردي . (5 / ص15) (1/16)
صفحة 17
ونوقش قياس البيع على النكاح بأنه قياس مع الفارق ؛ إذ إن الرؤية في البيع شرعت لاستدراك الصفة ، بينما المقصود في النكاح استباحة الاستمتاع و لم يرد به صفة المنكوحة .
أضف إلى ذلك أن النكاح لا يقصد منه المعاوضة ، و لا يدخله شئ من الخيارات كخيار الشرط أو خيار المجلس فافترقا (1) .
ـ المطلب الثالث :
ـ القول الثاني : عدم الجواز مطلقا :
و هو قول الشافعي في الجديد (2) ، و هو الراجح عند الحنابلة (3) ، و له وجه عند الإباضية (4) .
ـ أدلة القائلين بمنع بيع الغائب مطلقا : ــ
أولا : السنة النبوية :
أ . حديث أبي هريرة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه : " نهى عن بيع الغرر " (5) .
و وجه الاستدلال أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن كل بيع فيه غرر، و هذا حاصل في بيع الغائب ؛ لأنه عقد على شئ غائب ، فيدخل فيه الغرر للجهل بالمبيع ، فكان حقه المنع لدخوله في النهي .
ب . حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لا تبع ما ليس عندك " (6)
__________
(1) انظر المغني . ابن قدامة . (4 /ص15 )، الحاوي . أبوالحسن الماوردي . (5 / ص17)
(2) المجموع . النووي . (9 /ص 210)
الرسالة . الشافعي . ص187. دار النفائس . بيروت .ط1( 1419هـ ـ 1999م )
(3) المغني . ابن قدامة المقدسي . (4 / ص16)
(4) شرح كتاب النيل و شفاء العليل . محمد أطفيش . ( 8 / ص235) ،مكتبة الإرشاد جدة ، ط3 (1405هـ ـ 1985م)
(5) رواه أبو داود في سننه .باب بيع الغرر . ح رقم (3376) ، (3 / ص 254)
(6) رواه الربيع في مسنده ( الجامع الصحيح ) ، كتاب : البيوع ح رقم ( 557) ص 223
رواه النسائي في السنن الكبرى . باب بيع ما ليس عند ك . ح رقم ( 4613) ، (7 / 289) ، مكتبة المطبوعات ، حلب ، ط2 (1406هـ ـ 1986م ) (1/17)
صفحة 18
فقد ذكر بعض شراح الحديث : " أي أن يقول أبيعك عبدا أو دارا معينة وهي غائبة فيشبه بيع الغرر لاحتمال أن تتلف أو لا يرضاها " (1) .
ـ المناقشة :
الجواب عن الحديث الأول أن الغرر تدخل فيه أمور كثيرة من ضمنها الجهل و غيره كثير (2) فلا داعي لحصرها في الغائب ، و قولكم إن بيع الغائب ممنوع للجهل بالمبيع فهذا يسلم له إذا كانت العين الغائبة غير موصوفة ، أما كونها موصوفة فوصفها ينفي الجهالة عنها فصح البيع .
و المراد بحديث " لا تبع ما ليس عندك " أي لا تبع شيئا ليس في ملكك حال العقد (3) ، فالحديث كان مطلقا في النهي عن بيع ما ليس لك غائبا أو حاضرا ، فتقييده بالغائب دعوى ، وعلى المدعي البينة ، و لا نرى بينة .
ثانيا : القياس :
إذ قاسوا بيع الغائب على بيع المعدوم بجامع الغرر في كل ، وبيع المعدوم باطل فكذا بيع الغائب . (4)
المناقشة :
أما قياس بيع الغائب على بيع المعدوم بجامع الغرر فنعم نسلم أن بيع الغائب غير الموصوف فيه غرر و لكن ماذا أنتم قائلون في بيع الغائب الموصوف صفة تنفي جهالته ؟! فأين الغرر؟!.
ـ المطلب الرابع :
القول الثالث :جواز بيع الغائب إن وصف :ـ
و ذهب إليه الإباضية في قول لهم (5) ، وهو مذهب المالكية (6) ، و الأظهر عند الحنابلة (7) ،وعلى هذا القول مذهب الظاهرية (8) .
__________
(1) فتح الباري . ابن حجر ، دار المعرفة بيروت . . (4 / ص349)
(2) شرح النووي على صحيح مسلم . ( 10 / ص 156)
(3) عون المعبود .ج4 / ص349
(4) الخيارات في الفقه الإسلامي . عبدالعزيز عزام .ص 219
(5) شرح كتاب النيل و شفاء العليل . محمد أطفيش . مكتبة الإرشاد جدة ، ط3 (1405هـ ـ 1985م) ، (ج 8 / ص235)،
(6) المدونة الكبرى . الأمام مالك . ط الإمارات العربية المتحدة . ج7 / ص153.
(7) المغني . ابن قدامة المقدسي . (4 / ص15)
(8) المحلى . ابن حزم الأندلسي . دار الآفاق الجديدة . بيروت. (8 / ص342). (1/18)
صفحة 19
وقيد المالكية صحة هذا البيع بشروط خمسة هي (1) :
1 . أن لا يكون بعيدا جدا كالأندلس وأفريقية :
و ذلك لأنه يظن فيه تغير المبيع قبل إدراكه فلم يجز .
2.أن لا يكون قريبا جدا كالحاضر في البلد :
لأن عدولهما إلى الصفة عن الرؤية مع إمكانها ضرب من الغرر و المخاطرة .
3. أن يصفه غير البائع :
لأن البائع لا يوثق بوصفه إذ قد يقصد الزيادة في الصفة لينفق سلعته .
4. أن يحصر الأوصاف المقصودة كلها :
و ذلك حتى يكون المبيع معلوما فلا يدخله الغرر .
5. أن لا ينقد ثمنه بشرط إلا في المأمون كالعقار:
لأن المبيع إذا كان مأمونا كالعقار لايدخل عليه التغير المفضي إلى الغرر بخلاف غيره .
ـ أدلة القائلين بجواز بيع الغائب بشرط الوصف :ـــ
أولا : القرآن الكريم :
ـ قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم " (2) .
ـ وجه الدلالة : إن التجارة إن كانت عن تراض فحكمها الجواز ، فكذلك إ ن رضي العاقدان على بيع الغائب فهو جائز لأنه تجارة عن تراض . (3)
و نوقش أن الآية التي استدل بها القائلون بجواز بيع الغائب الموصوف تشمل كل تجارة عن تراض ، و عليه يصح بيع الغائب مطلقا ، و تقييده بالوصف تحكم من غير دليل .
ثانيا : القياس :
حيث إن بيع الغائب الموصوف كبيع السلم بجامع أنهما بيع بالصفة ، وعليه يكون المعقود عليه معلوما لدى العاقدين ، وهو المطلوب فإذا جاز في السلم كان جائزا في الغائب الموصوف . (4)
و الرد عليه :
__________
(1) انظر. القوانين الفقهية .محمد الغرناطي . ج1 / ص 170 . الشرح الكبير ج3/ص27، كفاية الطالب ج2/ص224
(2) سورة النساء : 29
(3) الخيارات في الفقه الإسلامي . عبدالعزيز عزام . ص217
(4) نفس المصدر ص217 (1/19)
صفحة 20
إن القياس قيل عنه إنه قياس مع الفارق ؛ إذ إن المبيع في السلم يكون في الذمة بخلاف بيع الغائب ، و من جهة أخرى فإن الوصف ليس كافيا في تحصيل العلم بالمبيع و الخبر ليس كالعيان . (1)
ـ الرأي المختار :
و الذي يظهر لي أن رأي المجيزين لبيع الغائب الموصوف هو الأليق بالعمل به ؛ لكونه محققا لمصلحة الطرفين البائع و المشتري ، ذلك أن في القول بالجواز مطلقا فيه مجازفة فالمبيع له صفات معينة تجذب المشتري أو تنفره بمقدار معرفته لهذه الصفات ، ولا ننسى أن من شروط المبيع أن يكون معلوما كما قدمنا سابقا ، وكيف يكون تحقيق هذا العلم في بيع الغائب دون الوصف ؟ ، أضف إلى هذا و ذاك أن القول بالجواز مطلقا لا يعمل على استقرار عقدة البيع فالبائع لا يعرف هل ستتم هذه الصفقة أم لا ؟ ، فهي متوقفة على نظر المشتري للمبيع ، و هذا الأخير(المشتري ) يمتلك حق النقض متى ما رأى المعقود عليه مما قد يلحق ضررا بالبائع من حيث انتظاره فترة زمنية طويلة رجاء تمام البيع و لا يدري هل سيتمه المشتري أم لا ؟.
أما من رأى المنع مطلقا فإنني أضع أمام القارئ ثلاث نقاط للتأمل :
?? إن المتأمل في أدلة المانعين لبيع العين الغائبة مطلقا يرى أن مستندهم الأساس دخول هذا البيع في الغرر و الجهالة لكن إذا وصف المبيع وصفا ينفي عنه الغرر ، ويزيح عنه تهمة الجهالة ، أفلا يكفي هذا حتى يكون بيع الغائب الموصوف بريئا طالما لم يتلبس بقادح عيب أما إن وجد عيب فحينئذ يكون الخيار ، و تأخذ العدالة مجراها فإن ظُلِمَ المشتري فسخ البيع أو أجازه و دفع له البائع بدل العيب .
__________
(1) نفس المصدر ص218 (1/20)
صفحة 21
?? أما كون هذا البيع من باب بيع ما ليس عندك فأقول إن هناك ـ وللأسف الشديد ـ كثيرا من الأحاديث قد أسئ فهمها و ذلك لأن بعض رواة الحديث لا يروون الحديث بتفاصيله ، فلا يبينون سبب ورود الحديث و لا القصة التي قيلت فيه ، و إنما يكتفون برواية الحكم الشرعي مجردا، وهذا سبب رئيسي في عدم معرفة الظروف المحيطة بالنص ، والملابسات التي قيل فيها فترى أحدهم في استدلاله يحمل النص ما لا يحتمل ، و آخر يتكلف في تأويل ظاهره لتعارضه مع الأصول ، و ثالث حار في الجمع بينه و بين غيره من الأحاديث ، و لو أنهم فقهوا سبب ورود الحديث و أدركوا أحواله ، لاختلف الحال .
فأصل حديث " لا تبع ما ليس عندك " ، ما جاء عن حكيم بن حزام قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم قلت : يا رسول الله يأتيني الرجل يسألني بيع ما ليس عندي أبيعه منه ثم ابتاعه له من السوق فقال : لا تبع ما ليس عندك " (1) ،
فانظر كيف أن سياق الحديث واضح في النهي عن بيع ما ليس داخلا في ملكك ، و لم يتحدث عن مبيع غائب و لا حاضر ، أما أن نقول إن هذا الحديث جاء في النهي عن بيع الغائب دون غيره ، و نقوم بتحميل النص ما لا يحتمل فأرى إن في هذا افتئاتا على النص النبوي ، و تقصيرا في فهم حقيقته .
.3. و يستدل أيضا لصحة بيع الغائب الموصوف عن طريق القياس الأولوي من حيث جواز بيع السلم و هو معدوم موصوف و إن أتينا لبيع الغائب الموصوف فإنه موجود موصوف فاشتركا في الوصف و زاد الأخير عليه لأجل كونه موجودا يشغل حيزا في الواقع فكان أقوى من حيث قلة احتمال الجهالة فيه والله أعلم .
المبحث الثالث : خيار الرؤية :
وفيه ستة مطالب :
ـ المطلب الأول : تعريف خيار الرؤية :
أولا : في اللغة :
__________
(1) رواه النسائي في السنن الكبرى . باب بيع ما ليس عند ك . ح رقم ( 4613) ، ج7 / 289ص ، مكتبة المطبوعات ، حلب ، ط2 (1406هـ ـ 1986م ) (1/21)
صفحة 22
أ ـ الخيار : هو الاسم من الاختيار (1) ، يقال تخيَّرت الشئ و خيرته بين الشيئين أي : فوضت إليه الاختيار فاختار أحدهما (2) .
ب ـ الرؤية : هي إدراك المرئي بالنظر بالعين التي هي الحاسة و ما يجري مجراها (3) .
ثانيا : في الاصطلاح :
هو أن يكون للعاقد الذي عقد على شئ معين لم يره حق فسخ العقد أو إمضائه إن رآه (4) .
و المراد ب " الشئ المُعيّن " ما كان موجودا و لم يره كبيع الغائب ، وهذا البيع إما أن يكون موصوفا أو غير موصوف على حسب الخلاف في حكمه كما تقدم لنا .
و لا يقصد بالرؤية في التعريف أن تكون محصورة في المشاهدة بالبصر ؛ لأن المقصود من الرؤية هو العلم بالمبيع فكما يكون بالنظر في المرئيات يكون بالشم في المشمومات أو الذوق في المذوقات . (5)
و سبب خيار الرؤية : هوعدم رؤية محل العقد حين التعاقد او قبله ، فإذا كان قد رآه سقط خياره (6) .
ـ المطلب الثاني : مشروعية خيار الرؤية :
لقد أجاز خيار الرؤية المصححون لبيع الغائب سواء من رأى صحته مطلقا و هو رأي الحنفية (7) ، أو من قيده بالوصف كما ذهب إليه الإباضية (8) و المالكية (9)
__________
(1) لسان العرب . ابن منظور . ( 4 / 265 ).
(2) انظر المصباح المنير . الفيومي . مؤسسة دار الهجرة . إيران ، ط2 (1414هـ) . (ا / 185 )
(3) تاج العروس . الزبيدي . دار مكتبة الحياة . لبنان . ( 10 / 139 )
(4) انظر الخيارات في الفقه الإسلامي . عبدالعزيز عزام . ص 207
الفقه الإسلامي و أدلته . الزحيلي . (4 / 267 )
(5) انظر
مجلة الأحكام العدلية . (ا / 66 )
البحر الرائق .ابن نجيم . ( 6 /33 )
حاشية ابن عابدين . (4 / 593 )
(6) الفقه الإسلامي و أدلته . الزحيلي . (4 / 267 )
(7) بدائع الصنائع . الكاساني. (5 /292)
(8) شرح كتاب النيل و شفاء العليل . محمد أطفيش . ( 8 / 235)
(9) المدونة الكبرى . الأمام مالك. (7 / ص153)
(4) المحلى . ابن حزم الأندلسي. (8 / ص342 )
(
5) المغني . ابن قدامة المقدسي . (4 / ص15)
( 6) رواه الدارقطني في سننه . كتاب البيوع . ح رقم (8) .(3 / ص4) (1/22)
صفحة 23
و الظاهرية (4) و الحنابلة(5) في الأظهر .
و استدلوا لمشروعيته بما جاء في الآثار عن النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ أنه قال : " من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه إن شاء أخذه وإن شاء تركه " (1) ، وبما جاء عن الصحابة من أن عثمان بن عفان باع لطلحة ابن عبدالله أرضا لم يرها أحد منهما ، و اشترطا الخيار حين الرؤية (2) .
و تشريع خيار الرؤية يحقق معنى الرفق للعاقدين (3) ؛ إذ إن هذه العين قد تهلك و تنقص قبل أن يراها المشتري مما قد يلحق ضررا به (4) ، أضف إلى هذا و ذاك أن بيع العين الغائبة بالوصف ـ و إن كان جائزا ـ إلا أنه لوحظ فيه أن الوصف مهما كان دقيقا نافيا للجهالة فإنه لا يصل إلى درجة الرؤية المحققة للمعرفة و التي يتم بها الرضا و ترتفع معها الجهالة المفضية إلى الضرر (10) فيحقق تشريعه العدالة للطرفين .
فهذه النصوص و المقاصد الشرعية تتضافر جميعا في إكساب خيار الرؤية المشروعية له .
ـ المطلب الثالث : ثبوت خيار الرؤية و لمن يثبت :
إذا تم العقد على بيع الغائب بين المشتري و البائع فهل يثبت خيارالرؤية شرعا أم يلزم اشتراطه من العاقد ؟
ذهب أكثر الفقهاء (5)
__________
(1) .(7) رواه البيهقي في السنن الكبرى . باب من قال يجوز بيع العين الغائبة . ح رقم (10204) ، (5/ص268).
(8) أصول السرخسي . ( 1 / 123 )
(9) الرسالة . الشافعي . ص340
(10) الخيارات في الفقه الإسلامي . عبدالعزيز عزام . ص 207
(5) انظر. بدائع الصنائع الكاساني . ( 5 / 292) ، المغني ابن قدامة (4 /16) ، شرح كتاب النيل و شفاء العليل .. ج 8 / ص235
(2) سبق تخريجه .
(3) بدائع الصنائع الكاساني . ( 5 / 292)
(
4) المجموع النووي . (9 / 276 ) (1/23)
صفحة 24
إلى ثبوت خيار الرؤية بالشرع دون التوقف على اشتراط العاقد له ، مستدلين بحديث النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ : " من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه إن شاء أخذه وإن شاء تركه " (1) ، و وجه الدلالة من الحديث أنه صرح بأن له حق الخيار و لم يشر إلى اشتراط العاقد له أو عدمه .
بقي أن نعلم أن هذا الخيار هل يختص به المشتري ؟ أم يتعداه إلى البائع أيضا ؟
اتفق الفقهاء على ثبوت الخيار للمشتري ، و اختلفوا في ثبوته للبائع على قولين :
ـ القول الأول :
ذهب الحنفية (2) و الشافعية (3) إلى أن خيار الرؤية لا يثبت للبائع رأى ما باع أم لم يره .
و مستند هذا القول :
ـ أولا: ما جاء في آثار الصحابة أن عثمان بن عفان باع أرضا له من طلحة بن عبدالله و لم يكونا رأياه قيل لسيدنا عثمان غبنت فقال : لي الخيار لأني بعت ما لم أره فحكما في ذلك جبير بن مطعم فقضى بالخيار لطلحة (4) .
فجبير قضى بالخيار لطلحة و هو المشتري و كان ذلك بمحضر الصحابة و لم ينكر عليه أحد فكان إجماعا منهم على ذلك (5) .
و نوقش الإجماع بأن عثمان قد خالفه (6) ، و كذلك جاء عن عمر (7) فغاية ما يقال فيه إنه قول لصحابي ، و حجية قول الصحابي لا تخلو من خلاف فانتقض زعم الإجماع .
ثانيا : حديث " من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه إن شاء أخذه وإن شاء تركه" (8) .
و وجه الدلالة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ علـ َّّّّّّق الخيار بالشراء
و أثبته للمشتري (9) .
ـ القول الثاني :
__________
(4) رواه البيهقي في السنن الكبرى . باب من قال يجوز بيع العين الغائبة . ح رقم (10204) ، (5/268)
(2) الحا وي . أبوالحسن الماوردي . ج5 / ص15
(5) المغني ابن قدامة (4 /16)
(6) الحا وي . أبوالحسن الماوردي . ج5 / ص15
(7) رواه الدارقطني في سننه . كتاب البيوع . ح رقم (8) .(3 / ص4)
(8) الخيارات في الفقه الإسلامي . عبدالعزيز عزام . ص 235 (1/24)
صفحة 25
ذهب الحنابلة (1) إلى أن خيار الرؤية يثبت للبائع إذا لم ير المبيع ، و وافقهم في ذلك الإباضية (2) و في رأي للشافعية (3) ، و اشترط الأخيران ( الإباضية و الشافعية ) لثبوت الخيار أن يكون المعقود عليه أزيد من الوصف .
و استدلوا بقياس البائع على المشتري بجامع الجهل بصفة المعقود عليه (4) ، فكما ثبت الخيار للمشتري بوروده شرعا في الحديث ثبت هنا دلالة للبائع (5) .
و الذي يراه الباحث أن رأي من منع ثبوت الخيار للبائع هو الأصوب ، و ذلك أن الإسلام كفل لكل من المشتري و البائع الحرية في التصرف شراء و بيعا طالما كانت جائزة في الشرع الحنيف ، و بالتالي فهو لم يجبر البائع على بيع ما لم يره ، وإنما هذا تصرف شخصي خاص به فإن أراد الدخول فيه فليتحمل ما يترتب عليه و إلا فالأمر راجع إليه ؛ و على هذا فإن المبيع غالبا يكون في يده فله التمكن من رؤيته قبل أن يشرع في عقد البيع فإن قصر في رؤيته فكل امرئ بما كسب رهين ، بخلاف المشتري فهو قد يشتري ما رأى و ما لم ير؛ لأنه غير داخل في ملكه فكان تشريع الخيار في حقه أدعى للرفق به و أوفق للأصول ؛ فلعل البائع قصر في وصف المبيع أو قد تغيرحال المبيع ، و المشتري غير مسئول عن تقصير البائع و لا يؤاخذ عليه و الله أعلم.
ـ المطلب الرابع : مدة خيار الرؤية :
اختلف الفقهاء في تحديد مدى الزمان الصالح للرضا أو الفسخ بعد رؤية المبيع على وجهين :
يرى الإباضية (6) و الحنفية (7)
__________
(1) المغني ابن قدامة (4 /16)
(2) انظر
بيان الشرع . محمد الكندي ( 44 / 333)
مختصر البسيوي ص 179
(3) المجموع . النووي ( 9 /276 )
(4) المغني ابن قدامة (4 /16)
(5) بدائع الصنائع الكاساني . ( 5 / 292)
(6) المصنف . أبوبكر الكندي . (24 /160)
(7) حاشية ابن عابدين .( 4 / 595 ) (1/25)
صفحة 26
في الأصح من قولهم إلى أن مدة الخيار على التراخي فهي مطلقة غير مقيدة بوقت ، و يظل ثابتا إلى أن يوجد ما يبطله فيبطل حينئذ وإلا فيبقى على حاله ولا يتوقف بإمكان الفسخ ؛ لأن سبب ثبوت هذا الخيار هو اختلال الرضا والحكم يبقى ما بقي سببه (1) .
و يرى الحنابلة أن الخيار يكون على الفور (2) ؛ لأن الخيار خيار الرؤية فوجب أن يكون عندها ، و في رأي آخرلهم أنه يتقيد بالمجلس الذي وجدت الرؤية فيه لأنه خيار ثبت بمقتضى العقد من غير شرط فتقيد بالمجلس كخيار المجلس (3) .
ـ المطلب الخامس : شروط ثبوت خيار الرؤية و مسقطاته :
ـ أولا : شروط ثبوت الخيار (4) :
1. أن يكون المبيع مما يتعين بالتعيين :
أي أن يكون عينا من الأعيان ، فإذا لم يكن عينا فلا يثبت فيه الخيار .
فلو تبايعا دينا بدين لا يثبت الخيار لأي من العاقدين ؛ لأن الدين غيرالعين ، و لأن الفسخ يكون فيما يملك بالعقد ، و ما لا يتعين بالتعيين لا يملك بالعقد و إنما بالقبض .
2. أن يكون العقد مما يقبل الفسخ :
مثال ذلك : أن الإجارة والصلح عن دعوى المال والقسمة ونحو ذلك يثبت فيها خيار الرؤية ؛ لأن هذه العقود تنفسخ برد هذه الأشياء ولا يثبت في المهر وبدل الخلع والصلح عن دم العمد ونحو ذلك لأن هذه العقود لا تحتمل الانفساخ برد هذه الأموال .
فضابط المسألة إذ ًا أن كل ما ينفسخ العقد فيه برده يثبت فيه خيار الرؤية وما لا ينفسخ بالرد فلا يثبت فيه الخيار.
3.أن يكون المعقود عليه لم يره المشتري :
فإن اشترى المبيع و هو حاضر يراه فلا خيار له لأن الأصل هو لزوم العقد و إبرامه إلا أن الشرع أثبت الخيار وهذا خاص في ما لم يره كما دل ّ عليه الحديث .
__________
(1) بدائع الصنائع الكاساني . ( 5 / 295)
(2) الكافي في فقه ابن حنبل . أبو محمد المقدسي .( 2 / 12 )
(3) المغني ابن قدامة (4 /16)
(4) انظر .بدائع الصنائع الكاساني . ( 5 / 292) (1/26)
صفحة 27
وهنا أنوه إلى أن بعض العلماء ذكروا أن ما يجوز بيعه على الصفة يشترط فيه ألا يكون قريبا جدا تمكن رؤيته من غير مشقة فإنه عدول عن اليقين إلى الغرر (1) ، فالمبيع إن كان حاضرا وقت العقد ، وكان قريبا من البائع و المشتري ، و لم يره المشتري فلا اعتبار لعدم الرؤية في ثبوت الخيار .
وذلك مثل ما لو باع رجل جملا متواريا بجدار قريب من البائع و المشتري فقد أفتى أبو سعيد الكدمي بنقض هذا البيع و لم يعتبر له الحق في الخيار (2) .
ثانيا : مسقطات خيار الرؤية :
?? الرضى بالمبيع بعد الرؤية (3) :
لا فرق فيما إذا علم البائع برضاه أو لم يعلم ؛ لأن الأصل في البيع اللزوم و المانع من اللزوم يؤدي إلى خلل في الرضا ؛ لأن التجارة تكون عن تراض فإن وجد الرضا زال المانع من لزومه فيكون لازما للمشتري .
?? إذا عرضه المشتري على البيع (4) :
سواء أكان باعه أو لم يبعه ؛ لأن مجرد عرضه على البيع يتضمن قصد إثبات الملك اللازم للمشتري و لكون عرض المبيع دلالة الإجازة و الرضا .
3. الهبة (5) :
فلو وهب المشتري المبيع لرجل فقد انتقل من ملكه ، ودخل في حيز الموهوب له فصار في ملكه ، و ثبت له حق التصرف فيه فكان الإقدام على الهبة دلالة في قصد إثبات الملك اللازم فيقتضي لزوم الملك للواهب .
4. هلاك المبيع كله أو بعضه و ذلك عندما يكون في يد المشتري . (6)
ـ المطلب السادس : أثر خيار الرؤية في العقد :
__________
(1) الفروق . أحمد القرافي . ج3/ص377
(2) جوابات أبي سعيدالكدمي .(3 / 308 ـ 309 ) . بتصرف
(3) بدائع الصنائع الكاساني . ( 5 / 295. بتصرف
(4) بدائع الصنائع الكاساني . ( 5 / 296) بتصرف
(5) بدائع الصنائع الكاساني . ( 5 / 296) بتصرف
(6) بدائع الصنائع الكاساني . ( 5 / 296) بتصرف (1/27)
صفحة 28
مما يعرف في عقد البيع أنه إذا صادف الإيجاب القبول و كان صادرا ممن هو أهل للعقد لزم البيع ، و ترتبت آثاره عليه ، و لكن إذا دخله خيار الرؤية فهل له تأثير على هذا العقد ؟
ذهب الحنفية (1) وفي وجه عند الشافعية (2) إلى أن المشتري إذا اشترى ما لم يره فإ ن العقد يكون غير لازم ، و حين رؤية المبيع يكون له حق الخيار فإن أجازه لزم و إن فسخه انفسخ ، ولا عبرة عندهم إذا وجد المبيع مطابقا للصفة المذكورة أم مخالفا لها؛ و ذلك لأن عدم الرؤية يمنع تمام الصفقة ،
و لأن جهالة الوصف تؤثر في الرضا و إن اختل الرضا وجب الخيار.
و رجح هذا الرأي الأكثر من الإباضية (3) .
و ذهب بعض الإ باضية (4) و المالكية (5) إلى أن المبيع إذا وجد مطابقا للصفة فهو لازم و لا خيار في ذلك و إذا كان مخالفا ثبت الخيار ، ووافقهم في ذلك الظاهرية (6) و في رأي لبعض الشافعية (7) .
و أما أثر خيار الرؤية في حكم البيع فهو مثل حكم المبيع الذي لا خيار فيه ، و على هذا فإنه :
1. يثبت حل التصرف للمشتري في المبيع .
2. و يمتلك البائع الثمن في الحال .
فخيار الرؤية إذ ًا لا أثر له في المنع من ترتب آثار بيع الغائب من انتقال للملكية و غيره، لأنه صدر مطلقا من غير تقييد بشرط ، فالخيار ثابت شرعا لا شرطا . (8)
الفصل الثالث: التطبيقات على صور بيع العين الغائبة ـ المبحث الأول : بيع الأعمى
ـ لمبحث الثاني: بيع الغائب برؤية سابقة
ـ المبحث الثالث : بيع النموذج
__________
(1) بدائع الصنائع الكاساني . ( 5 / 292)
(2) الحا وي . أبوالحسن الماوردي . ( 5 / 22)
(3) الإيضاح . الشماخي . ( 3 / 114 ) ، شرح كتاب النيل و شفاء العليل .. ج 8 / ص235
(4) مختصر البسيوي ص 179
(5) التمهيد لابن عبد البر . (13 /15 )
مواهب الجليل . (4 /297 )
(6) المحلى . ابن حزم ( 8 /337)
(7) الحا وي . أبوالحسن الماوردي . ( 5 / 22)
(8) بدائع الصنائع الكاساني . ( 5 / 292) (1/28)
صفحة 29
ـ المبحث الرابع : بيع الانترنت
ـ الفصل الثالث : التطبيقات على صور بيع العين الغائبة :
و فيه خمسة مباحث :
ـ المبحث الأول : بيع الأعمى :
ـ المطلب الأول : مفهوم بيع الأعمى :
يعد بيع الأعمى من التطبيقات الفقهية على بيع العين الغائبة ، و وجه الارتباط في ذلك واضح من حيث إن الأعمى قد غابت عنه حاسة البصر (1) ، فإذا باع أو اشترى شيئا لم يقع بصره على العين المبيعة ، فتكون غائبة عنه ، و هذا يشابه البصير الذي باع شيئا لم يره ، فهو أيضا باع ما هو غائب عنه ؛ لذا ناسب كونه فرعا لهذا البيع ؛ لأجل اتفاقهما جميعا في بيع عين غائبة عنهما .
و هنا ملحظ من الأهمية بمكان ، وهو أن الإنسان الصحيح له خمس حواس : الرؤية بالعين ، و الشم بالأنف ، و السمع بالأذن ، و التذوق باللسان ، و اللمس بالأعضاء ، و بناء على هذا فإن الأعمى من فقد حاسة البصر فقط ، فهو يشترك مع بقية الناس في الحواس الأخرى بالسواء ، و حين يتضح لك هذا فبيع المشمومات كالعطر مثلا يشترك في جواز بيعه الأعمى و البصير ؛ لأن طريق العلم به هو الشم ، و كذلك في بيع المطعومات فالتذوق حاسة مشتركة بين الأعمى و البصير فلا فرق في حكم البيع بينهما ؛ لأن طريق العلم لديهما معا موجود ، وهذا ما لا يتأتى في المرئيات ؛ إذ الطريق إلى العلم بها هو النظر و الرؤية ، فافترق الحكم بينهما و اختلف (2) .
و نخلص من هذا كله أن حكم البيع مرتبط بالعلم بالمبيع ، و طريق العلم بالمبيع يتوقف على طبيعة المبيع ، فما كان مشموما بالشم ، وما كان مطعوما بالذوق ، و ماكان مرئيا بالنظر ، و يقاس على هذا في بقية الأنواع .
ـ المطلب الثاني : حكم بيع الأعمى :
__________
(1) مختار الصحاح . الرازي . مكتبة لبنان . بيروت .؛ط1996م ، ص 401
(2) انظر
مجلة الأحكام العدلية . ( ا / 66 )
البحر الرائق .ابن نجيم . ( 6 / 33 )
حاشية ابن عابدين . (4 / 593 )
المغني . ابن قدامة . ( 4 / 147) (1/29)
صفحة 30
قد تعددت آراء الفقهاء في حكم بيع الأعمى الشئ الذي لم يره من قبل إلى ثلاثة آراء ، هي :
القول الأول : جواز بيع الأعمى و شراؤه مطلقا
هذا هو مذهب الحنفية (1) .
القول الثاني : الجواز بشرط الوصف :
اختاره الحنابلة (2) ،و الظاهرية (3) ، و عليه مشهور المالكية (4) .
ـ القول الثالث : عدم جواز بيع الأعمى :
و على هذا القول مذهب الشافعية (5) ، و هو الذي يراه الإباضية في قول لهم (6) .
ـ المطلب الثالث : أدلة القائلين بجواز بيع الأعمى :
استدل المجوزون لبيع الأعمى بما يأتي :
أولا : السنة النبوية :
1. حديث نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن حبان بن منقذ كان أصيب في رأسه بآفة فثقلت لسانه وكان يخدع في البيع فجعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ابتاع فهو بالخيار ثلاثا وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم بع وقل: لا خلابة (7) .
و الشاهد في الحديث أن حبان بن منقذ كان ضريرا (8) ، و أجاز النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيعه ، فصح بيع الأعمى .
و رد عليه :
__________
(1) المبسوط . السرخسي .( 13 / 77 )
(2) المغني . ابن قدامة . ( 4 /147) ، كشاف القناع . البهوتي . (3 / 165 )
(3) المحلى . ابن حزم ( 9 / 52 )
(4) الكافي ابن عبدالبر . ( 1 / 360 ) ، مواهب الجليل .( 5 / 118 )
(5) المجموع . النووي ( 9 /287 ) ، مغني المحتاج . الشربيني . ( 2 / 7 )
(6) شرح كتاب النيل و شفاء العليل .. ( 8 / ص239)
(7) رواه ابن الجارود في المنتقى . باب التجارات . ح رقم (567 ) . ص 146
(8) رواه الدار قطني في سننه . و أصل الحديث : "
حبان بن واسع عن طلحة بن يزيد بن ركانة أنه كلم عمر بن الخطاب في البيوع قال ما أجد لكم شيئا أوسع مما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لحبان بن منقذ إنه كان ضرير البصر فجعل له رسول= =الله صلى الله عليه وسلم عهدة ثلاثة أيام إن رضي أخذ وإن سخط ترك " كتاب البيوع . ح رقم : ( 216 ) ، ج3/ص54 (1/30)
صفحة 31
1. بأن الأحاديث لم تتفق على شخص حبان (1) بل جاءت روايات أخرى أن ذلك الرجل هو أبو حبان منقذ بن عمرو ، و هو الصحيح عند النووي ، وقد تردد البعض في تحديده (2) ، مما يدل على على تضارب الروايات في تحديد شخصية الحديث التي استشهد بها ، فالحديث إذًا يحتمل غيره كما يحتمله ، وربما يكون الآخر بصيرا ، وإذا طرق الاحتمال الدليل سقط به الاستدلال .
2. أن ادعاء كون الرجل المذكور في الحديث كان ضريرا ، هو بنفسه محتاج إلى بينة ؛ لأنه الطريق الذي جاء منه كون حبان ضريرا ، طريق متكلم في إسناده (3) ، فلا يقوى على الاحتجاج به .
3. مما يلاحظ على الحديث اتفاق رواياته في مضمون قصة الرجل (4) ؛
__________
(2) تلخيص الحبير .( 3 / 21 )
(3) 1 روى هذا الطريق الدار قطني في سننه . و أصل الحديث : " أسد بن موسى نا بن لهيعة نا حبان بن واسع عن طلحة بن يزيد بن ركانة أنه كلم عمر بن الخطاب في البيوع قال ما أجد لكم شيئا أوسع مما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لحبان بن منقذ إنه كان ضرير البصر " كتاب البيوع . ح رقم : ( 216 ) ، ج3/ص54
و في إسناده عبدالله بن لهيعة ، وقد عده البخاري من الضعفاء ، كان يحيى القطان لا يراه شيئا ، و ضعفه يحيى بن معين ، و اتهمه أبو حاتم بالتدليس . راجع
. الضعفاء الصغير. البخاري ص66 ، الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي ج2/ص137
(4) رواه البخاري . كتاب البيوع . باب ما يكره من الخداع في البيع . ح رقم (2011) ، صحيح البخاري ج2/ص745
رواه مسلم . كتاب البيوع . باب من يخدع في البيع . ح رقم (1533) . صحيح مسلم ج3/ص1165
رواه ابن الجارود في المنتقى . باب التجارات . ح رقم (567 ) . ص 146
رواه الدار قطني في سننه . كتاب البيوع . ح رقم : ( 216 ) ، ج3/ص54 (1/31)
صفحة 32
إذ إنه أصيب بآفة في رأسه مما أدى إلى نقصان عقله ، فكان يخدع في البيع ، حتى أن أهله جاؤوا إلى النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ يطلبون الحجر عليه ، فجعل له النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ الخيار لضعف عقله ، و هذا هو سبب ترخيص النبي له ولم توضح الروايات غير هذا ، و لو كانت العلة العمى لذكرت في الحديث .
ثانيا : القياس :
حيث قاسوا الأعمى على البصير بجامع التكليف و حاجتهم الماسة إلى إنشاء العقود فكما صح عقد البصير صح عقد الأعمى (1) .
و الحقيقة أن هذا القياس قياس مع الفارق ؛ لأنه يشترط في المعقود عليه العلم من العاقدين ، فالبصير يرى المبيع فزالت عنه الجهالة بخلاف الأعمى ، فشراؤه فيه غرر و جهالة ، و من فقد حِسًّا فقد عِلْما .
ـ المطلب الرابع : أدلة القائلين بعدم جواز بيع الأعمى :
ـ القول الثالث : عدم جواز بيع الأعمى :
و على هذا القول مذهب الشافعية (2) ، و هو الذي يراه الإباضية في قول لهم (3) ، إلا أن العلامة السالمي يتحفظ على فهم العبار ة التي يكررها الأثر ، و " لا يجوز بيع الأعمى " ، فيقول :
إن لهذه العبارة تفسيرين :
الأول : " لا يجوز " : بمعنى لا يثبت ، وذلك معهود في عرف الفقهاء .
الثاني : " لا يجوز " : بمعنى حرمة بيع الأعمى .
و الراجح عنده المعنى الأول ؛ لأن المراد ب" لا يجوز " : رفع الصحة في نفس البيع ، و أن البيع غير صحيح ، فإن سكت عليه ، فكأنه أعطاه ذلك ، و قبل العوض الذي أخذ من غير صحة البيع.
و من المعلوم أن رضاه معتبر كرضا البصير فلا وجه للقول بتحريمه (4) .
__________
(1) البحر الرائق . ( 6 / 34)
(2) المجموع . النووي ( 9 /287 ) ، مغني المحتاج . الشربيني . ( 2 / 7 )
(3) شرح كتاب النيل و شفاء العليل .. ( 8 / ص239)
(4) جوابات السالمي . ( 4 / 234 ) ، و يقول السالمي في جوهر النظام (2 /413 ) باب البائع :
و إن يكن أعمى فبيعه منع لجهله بما يبيع فاستمع
فالنقض ثابت له إن شاء و بعضهم يجعله رباء
فلا يحل أبدا و لا أرى ذلك إلا غلطا له سرى
فبعض من مضى يعبرنا بلا يجوز بيعه افهمنا
فظن هذا البعض حين جازا من الحرام إذ نفى الجوازا
و إنما الجواز في عرفهم يكون كالثبات فافهم عنهم
فلا يجوز ذاك ليس يثبت عليه إلا إن يشا يثبت
و لم يريدوا نفي ما يباح و ذاك في عرفهم اصطلاح
و باختلاف الاصطلاح تقع أشياء منها منع ما لا يمنع (1/32)
صفحة 33
و يكون بيع الأعمى عند الشافعية و الإباضية بتوكيل غيره ممن علم و يرى ، إلا أن الإباضية جوزوا البيع للأعمى من غير توكيل ، فيما إذا باع ما لا يتوقف على النظر كبيع الماء باليوم أو الليلة (1) .
و الجدير بالملاحظة أن الأعمى إما أن يكون قد ولد أعمى ، و إما طرأ عليه العمى من بعد ، فإن كان العمى حادثا عليه فينظر في رؤيته للعين المبيعة ، فإن كان رآها من قبل فحكمها حكم بيع ما سبقت رؤيته و هو هنا كالبصير ، و إن لم تسبق له رؤية العين فحكمه حكم الذي ولد أعمى منذ البداية ؛ لاشتراكهما معا في عدم رؤية المبيع .
ـالمبحث الثاني: بيع الغائب برؤية سابقة :
المطلب الأول : تعريف بيع الغائب برؤية سابقة :
المراد به إذا رأى الرجل عينا أو أصلا ما ، ثم بعد فترة من الزمن أراد أن يشتريها بناء على رؤيته السابقة له ، فهذه الصورة تعد من صور العين الغائبة ؛ لأنه حين العقد على شرائها تكون غير حاضرة أثناء العقد .
ـ المطلب الثاني : حكم هذا البيع :
__________
(1) شرح كتاب النيل و شفاء العليل .. ( 8 /240) ، مغني المحتاج (2 / 21) (1/33)
صفحة 34
ذهب جمهور الفقهاء : إباضية (1) ، و حنفية (2) ، ومالكية (3) ، شافعية (4) ، و مشهور الحنابلة (5) ، إلى جواز هذا البيع بشرط ألا يتغير المبيع عن حالته السابقة ، و زاد المالكية ألا يكون المبيع بعيدا جدا (6) ، و هذا الشرط له محل من النظر ؛ و ذلك خشية أن يتغير المبيع ما بين إبرام العقد و قبض المشتري له ، و اختار بعض الإباضية أن يكون محل العقد على هذا البيع في الأصول فقط (7) ؛ لأنها مأمونة من تغير حالها في فترة زمنية طويلة بالنسبة إلى غيرها كالحيوان مثلا .
و ذهب أبو القاسم الأنماطي من الشافعية إلى بطلان هذا البيع (8) ، و حكي هذا القول في رواية عن أحمد (9) .
ـ المطلب الثالث :أدلة القائلين بجواز بيع العين الغائبة على رؤية سابقة :
و هو قول الجمهور .
و دليليهم في ذلك القياس :
و ذلك بإلحاق رؤية المشتري السابقة للعين على الرؤية حال العقد بجامع العلم بالمبيع في كل ، و بالتالي يكون العقد صحيحا إذا رآه قبل العقد ، و بقيت العين على حالها لم تتغير (10) .
ـالمطلب الرابع : أدلة القائلين بعدم جواز بيع العين الغائبة على رؤية سابقة :
و هو قول الأنماطي الشافعي و رواية عن أحمد .
و استدلوا بأن الرؤية لما كانت شرطا في بيوع الأعيان ، وجب أن تقترن بالعقد ، كالشهادة في النكاح (11) .
و رد عليه :
__________
(1) شرح كتاب النيل و شفاء العليل .. ( 8 /238)
(2) بدائع الصنائع الكاساني . ( 5 / 292)
(3) المدونة الكبرى . الإمام مالك .ج10 / ص207
(4) الحاوي . الماوردي . (5 /25)
(5) المغني ج4/ص17
(6) حاشية الدسوقي ج3/ص27
(7) شرح كتاب النيل و شفاء العليل .. ( 8 /238)
(8) الحاوي . الماوردي . (5 /25)
(9) المغني ج4/ص17
(10) المغني ج4/ص17 ، الحاوي . الماوردي . (5 /25)
(11) المصدرالسابق (1/34)
صفحة 35
أن المقصود من الرؤية هو العلم بالمبيع ، و هذا المعنى موجود في الرؤية المتقدمة على العقد ، بخلاف الشهادة في النكاح فهي يقصد بها الحلًّ للعقد والاستيثاق له ؛ فلهذا اشترطت حال العقد (1) .
و المختار ما ذهب إليه الجمهور ؛ ذلك أن طريق العلم بالمبيع موجود بالرؤية السابقة ، و قد اشترط أن يكون المبيع مأمونا من تغير حالته ، و على هذا فالبيع خالٍ من دخول الغرر فيه فصح بذلك البيع .
فإذا وقع البيع على الرؤية السابقة ، و وجده المشتري على حاله لم يتغير ، فالبيع له لازم
و لا خيار له باتفاق الجمهور (2) ؛ لأن الخيار ثبت معدولا به عن الأصل بالنص الوارد في شراء ما لم يره ، وهذا قد اشترى شيئا قد رآه فلا يثبت له الخيار ، و إن وجده متغيرا عن حاله فله الخيار ؛ لأنه إذا تغير عن حاله فقد صار شيئا آخر فكان مشتريا شيئا لم يره فله الخيار إذا رآه (3) .
ـ المبحث الثالث : بيع النموذج :
ـ المطلب الأول : تعريف بيع النموذج :
هو مثال الشئ الذي يعمل عليه ، و هو تعريب " نموذه " ،
و الصواب " النموذج " (4) ، و " الأنموذج " لحن (5) .
و الفرق بين النموذج و البرنامج : أن البرنامج هو الدفتر المكتوب فيه أوصاف المبيع (6) ، أما النموذج فهو مثال الشئ كأن يريه صاعا من الأرز ، و يبيعه الكمية الباقيه على أنها مثله (7) ، فتكون الكمية الباقية المبيعة في حكم العين الغائبة عن المشتري ؛ و لهذا يكون البيع بالنموذج صورة من صور العين الغائبة .
ـ المطلب الثاني : حكم بيع النموذج :
__________
(1) المصدرالسابق
(2) انظر
المغني ج4/ص17 ، ، بدائع الصنائع الكاساني . ( 5 / 292)
الحاوي . الماوردي . (5 /26) ، المدونة الكبرى . الإمام مالك .ج10 / ص208،
2) بدائع الصنائع الكاساني . ( 5 / 292)
(4) المصباح المنير . الفيومي . (2 / 625 )
(5) القاموس المحيط . الفيروز آبادي . ص 266
(6) الشرح الكبير ج3/ص24
(7) الإنصاف للمرداوي (4/ص295) (1/35)
صفحة 36
يرى فقهاء الإباضية و المالكية و الحنفية صحة هذا البيع ، فرؤية النموذج من المبيع يكتفى بها ؛ لأنها تدل على العلم بالمقصود ، فرؤية الجزء من الأرز تعادل رؤية الباقي منه ؛ لأنه من المثليات (1) التي لا يكون بين أفرادها وآحادها تفاوت في القيمة (2) .
أما إذا خرج الباقي خلاف ما عليه النموذج ، كأن يكون أردأ ، أو أقل جودة فحينئذ يكون له الخيار (3) .
و للشافعية في هذا البيع ثلاثة أقوال : أحدها الصحة ، والثاني البطلان ، وأصحها إن أدخل النموذج في البيع صح وإلا فلا (4) .
و اشتراطهم لقول إذا كان النموذج داخلا في البيع و إلا فلا يصح ، قد يناقش بأن نموذج المبيع هو نفسه من أصل المبيع الذي اشتروه ، فلا وجه للفرق بينهما لأن أفرادهما متساوية متماثلة .
و ذهب الحنابلة إلى عدم صحة هذا البيع ؛ لعدم رؤية المبيع وقت العقد (5) ،
و وافقهم الظاهرية ؛ إذ يعتبرونه من البيوع الغائبة و المجهولة ؛ لذا فهو يدخل في الغرر
المنهي عنه (6) .
مع الملاحظة أن المجوزين لبيع النموذج يقيدونه في المثليات (7) ؛ لأن النموذج يكاد يكون فيها طبق الأصل من أفراد المبيع فرؤية الجزء منه تعادل رؤية الباقي ، و هذا ما لا يكون في القيميات ، وهي ما لا يوجد له مثل في السوق أو يوجد لكن مع التفاوت المعتد به في القيمة (8) ، و ذلك كالحيوان مثلا ، فلا يستطيع صاحب حظيرة الحيوانات أن يري المشتري نموذجا منها ،
__________
(1) انظر الضياء . العوتبي .( 17 / 215) ، مختصر خليل ص170، البحر الرائق (6/ص31)
(2) المجلة (1/ص33)
(3) الضياء . العوتبي .( 17 / 215) ، المبسوط للسرخسي (13/ص72)
(4) المجموع (9/ص283)
(5) كشاف القناع (3/ص163)
(6) المحلى ج8/ص395
(7) انظر البحر الرائق ج6/ص31 ، مختصر خليل ج1/ص170
(8) المجلة ج1/ص33 (1/36)
صفحة 37
و المشتري يريد شراء مجموعة من الغنم ، فيكون في المبيع اختلاف بينه و بين النموذج ، فتجد شاة سمينة ، و أخرى هزيلة ، و ترى الصحيح منها و المريض ، و لا شك أن هذه الصفات لا يمكن أن تجتمع في النموذج ، فتصبح متفاوتة في القيمة مما يؤدي إلى الغرر المفضي إلى الضرر .
ـ المطلب الثالث : تطبيق معاصر لبيع النموذج :
?? لو أراد رجل شراء مجموعة من السيارات ألمانية الصنع ، ذات نوع واحد ،
و تشترك في نفس السمات ، و عندما ذهب إلى الوكالة عرض عليه البائع سيارة واحدة كنموذج ، و بعد أن رآها المشتري و رضي بها اشتراها مع السيارات الأخرى ، فإن هذا البيع يكون صحيحا ، ولا يلزم رؤية كل سيارة على حدة ، لأن النموذج طبق الأصل من السيارات الباقية ، فهذا النوع من السيارات تعد من المثليات و لا فرق بين أفرادها .
2. امرأة أرادت شراء ثياب صوفية ، فعرضت عليها إحدى النساء الحرفيات نموذجا من الثياب التي تصنعها في البيت ، و تأتي بالصوف من أماكن مختلفة ، فاشترت المرأة عشرة أثواب بناء على النموذج الذي رأته ، فالبيع هنا لا يصح ؛ لأن الثياب تعد هنا من القيميات فتتفاوت في أسعارها ، فاحتمال أن يكون هناك صوف ثوب أجود من الآخر ، أو أن يكون ثوب أطول من الآخر ، وهذا هو شأن الأعمال اليدوية في الغالب ، فلصحة البيع يلزمها رؤية كل ثوب على حدة ؛ للتفاوت فيما بينها ، بخلاف لو عرض عليها أحد المصانع نموذجا من الثياب التي تصنعها الآلات الكهربائية ، فاشترت مجموعة من الثياب ، فحينئذ يصح البيع ؛ لأن هذا المصنع يفصل الأثواب على مقاسات محددة ، و يستخدم فيها نفس المادة من الصوف ، فتكون متساوية في الجودة و في نفس المقاسات ، فتكون هنا الثياب من المثليات فصح البيع بالنموذج .
ـ المبحث الرابع : البيع عن طريق شبكة المعلومات العالمية "الانترنت " (1) :
__________
(1) يتحدث الباحث من ناحيةالعلم بالمعقود عليه فقط بغض النظر عن الإجراءات التي تكتنف هذا العقد . (1/37)
صفحة 38
ـ المطلب الأول : مفهوم الإنترنت و أهميته :
في ظل التطورات العلمية المذهلة التي يشهدها العالم ، و ما نتج عنها من تعدد وسائل الاتصال بين الناس التي قربت كل بعيد ، يأتي لنا " الانترنت " في ركب هذه المنظومة بما يشكله من ثورة كبرى في الاتصالات ، فهو شبكة موسعة عالمية ضخمة , تربط بين عشرات الآلاف من شبكات وأجهزة الحاسب الآلي في مختلف أ نحاء العالم ؛ بحيث أصبح العالم قرية صغيرة ، يلتقي فيها مختلف الأطياف من الناس ، فكل ما عليك أن تضغط الزر ، فإذا بك تتصل إلى قريبك في واشنطن ، أو تضغط زرا آخر فتشتري و تبيع مع جهات في القارة الأوربية ، كل هذا و أنت قاعد على كرسيك في منزلك ، و إن وسيلة كهذه لهي مثار اهتمام من الناس ؛ إذ تلبي لهم احتياجاتهم ، وتسعفهم في تنفيذ طلباتهم ؛ فلذا كان جديرا بالمسلم أن يعرف الضوابط التي يتقيد بها في التعامل مع هذه الشبكة ، بما يحقق له المصلحة في الدنيا ، و السعادة في الآخرة .
ـ المطلب الثاني : حكم الشراء عن طريق الانترنت :
يعد البيع أو الشراء عن طريق الانترنت من صور العين الغائبة ؛ لأن المشتري في الغالب يكون في طرف ، و البائع في طرف آخر ، و يغلب وجود العين المراد شراؤها في حوزة البائع ؛ فإذا كان العاقدان أهلين للتعاقد ، فالكلام في المعقود عليه هو محل البحث ؛ لأن الحكم في الشراء عبر الانترنت يتوقف أكثر ما يكون على العين المبيعة ، من حيث هل هي معلومة أم لا؟ فإن علمت عن طريق الوصف الكاشف لها النافي عنها الغرر جازت و إلا فلا ؛ لأنها تدخل في بيوع المجهولات و هي منهية شرعا . (1/38)
صفحة 39
و طريق العلم بها كما يكون بالوصف ، فإنه قد يكون بالرؤية ، و في هذه الحالة يرتفع عن المبيع الكثير من الغرر ، و يزداد العلم بها أكثر ، فيكون جوازها من باب أولى ؛ إذ إن المشتري يستطيع أن يرى المبيع إن كان من المرئيات من مختلف الجهات ، وذلك عن طريق الكاميرا الرقمية ، فيكاد يصبح بمثابة المشتري العين المرئية ؛ حيث إن الصورة تكون ثلاثية الأبعاد فهي تجسم المبيع و توضحه من مختلف جهاته ، فإذا قبلها المشتري فالبيع محكوم بصحته لتوفر الرضا بالمبيع ، وكونه صادرا ممن هو أهل للعقد ، و محل المعقود عليه معلوما علما ينفي عنه الغرر ، و يزيل عنه الجهالة ، فإن وجد المبيع من بعدُ يخالف الوصف الذي رآه سابقا ، أو تغير الحال عنه ، فالخيار له إن شاء أمضى ، و إن شاء نقض .و الله أعلم .
ـ المطلب الثالث : مقارنة بين الانترنت و الفاكس و الهاتف من حيث مدى العلم بالمبيع :
لتوضيح الفرق بين هذه الوسائل ؛ فإننا نضرب الأمثلة الواقعية التالية :
1. اتصل شخص لشراء السيارة عن طريق الهاتف بمحل لبيع السيارات ، وتم تحديد صفاتها ،و وقع الاتفاق على الشراء .
2. اتصل شخص لشراء السيارة عن طريق الفاكس بمحل لبيع السيارات ، وتم تحديد صفاتها ،و وقع الاتفاق على الشراء .
?? اتصل شخص لشراء السيارة عن طريق الانترنت بمحل لبيع السيارات ، وتم تحديد صفاتها ،و وقع الاتفاق على الشراء . (1/39)
صفحة 40
في الحالاث الثلاث السابقة إذا رأى المشتري السيارة ، و وجدها على الصفة المتعاقد عليها فالبيع صحيح ، إلا أن العين المبيعة عن طريق الانترنت تكون معلومة أكثر ؛ لأن الصورة تكون مجسمة ،وبإمكانك النظر إلى أشياء دقيقة من العين ، وإذا كنت تخاطب البا ئع مباشرة فاحتمال وجود الغرر فيها يتضاءل كثيرا ، أما الفاكس فهو اكتفاء بالصفات المكتوبة و قد ترفق معها صورة للعين ، و مع هذا فإنه أفضل حالا من الشراء عن طريق الهاتف ، فالطريق الوحيد للعلم بالمبيع ، هو الوصف بالصوت دون توضيح بصور، أو رؤية مجسمة للمبيع . و الله أعلم .
و الخلاصة أنه كلما انتفى الغرر و حصل العلم بالمبيع ، كان حكم البيع أولى بالصحة طالما لم يختل ركن من أركان العقد ، أو شروطه .
خاتمة
من أهم النتائج التي توصل إليها الباحث :
1- تتسم المقاصد التشريعية للبيع بالبعد الاجتماعي من حيث نشر العدل ورفع الظلم لدى الجميع .
?? إن الفقهاء وضعوا شروط عديدة للعاقدين والمعقود عليه لأجل أن يقع البيع على الوجه المشروع فيرضى به المشتري والبائع معا ويصبح لازما لهما طالما لم يكن هناك خلل في العقد أو في الشروط .
?? يفرق البحث بين العين الغائبة والسلم فالأول موجود وقت التعاقد و الثاني معدوم .
?? الرأي الذي انتصر له الباحث في حكم العين الغائبة هو الجواز بالوصف وهو مذهب المالكية والظاهرية والأظهر عند الحنابلة وقول للإباضية .
?? إن تشريع خيار الرؤية يحقق معنى الرفق للعاقدين ، فهو فرصة في التأكد من حال المعقود عليه والبتِّ في أمر البيع .
?? لا أثر لخيار الرؤية في حكم البيع فهو يبيح التصرف للمشتري كما يمتلك البائع الثمن في الحال .
?? إن طريق العلم بالمبيع يختلف باختلاف نوع البيع فما كان مريئا بالنظر وما كان مشموما بالشم إلى غيره من طرق العلم .
?? إن التطبيقات على العين الغائبة يكون حكمهما الشرعي بمدى العلم بالمبيع لدى العاقدين و سلامته من الغرر. (1/40)
صفحة 41
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
ـ المصادر و المراجع :
ـ كتب اللغة العربية :
1. تاج العروس . الزبيدي . دار إحياء التراث . لبنان .
2. الصحاح . إسماعيل الجواهري . دار العلم للملايين . ط3(1984م)
3. القاموس المحيط . الفيروز آبادي . دار الفكر : لبنان . ط( 1420 هـ ـ 1999م)
4. مختار الصحاح . الرازي . مكتبة لبنان . بيروت . ط (1996 م)
5. المصباح المنير . الفيومي . مؤسسة دار الهجرة . إيران ، ط2 (1414هـ) .
6. لسان العرب . ابن منظور . دار صادر . لبنان .ط1(1410هـ ـ 1990م )
ـ كتب السنة النبوية :
1.تلخيص الحبير . جمال الدين الزيلعي .
2. الجامع الصحيح . مسند الربيع مكتبة الاستقامة . عمان .
3.سنن أبي داود . دار الفكر بيروت .
4. سنن الدارقطني . د ار المعرفة لبنان . ط1966 م .
5. السنن الكبرى . البيهقي . مكتبة دار الباز . مكة المكرمة . ط1994 .
6. السنن الكبرى .لنسائي . دار الكتب العلمية . ط 1 (1991) بيروت
7. شرح الجامع الصحيح . عبدالله السالمي . مكتبة الاستقامة . سلطنة عمان .
8. صحيح البخاري . دار ابن كثير بيروت . ط3 ( 1987م )
9.صحيح مسلم . دار احياء الثرات العربي . بيروت .
10. الضعفاء الصغير . البخاري . دار الوعي . حلب . ط (1396هـ )
11. الضعفاء و المتروكين . ابن الجوزي . دار الكتب العلمية . بيروت . ط1(1406هـ )
12. عون المعبود . دار الكتب العلمية . بيروت . ط(1995)
13. فتح الباري . ابن حجر العسقلاني . دارالمعرفة . بيروت .
ـ كتب الفقه الإباضي :
1.الإيضاح . الشماخي . وزارة التراث القومي و الثقافة . سلطنة عمان .
2.بيان الشرع . محمد بن إبراهيم الكندي . وزارة التراث القومي. سلطنة عمان .
3.الجامع ابن بركة .عبدالله بن محمد بن بركة . وزارة التراث القومي
4. جوابات أبي سعيدالكدمي. وزارة التراث القومي. سلطنة عمان .
5 . جوابات السالمي . وزارة الأوقاف و الشؤون الدينية . سلطنة عمان . (1/41)
صفحة 42
6 .جوهر النظام . السالمي .ط13. مكتبة نور الدين السالمي .
7.شرح كتاب النيل و شفاء العليل . محمد أطفيش . مكتبة الإرشاد جدة ، ط3 (1405هـ )
8. الضياء العوتبي . وزارة التراث القومي. سلطنة عمان .
9 . طلعت الشمس . السالمي . وزارة التراث القومي. سلطنة عمان .
10 .كتاب النيل وشفاء العليل . عبد العزيز الثميني
11. مختصر البسيوي . أبو الحسن البسيوي . وزارة التراث القومي. سلطنة عمان .
12 .مختصر الخصال . أبو إسحاق الحضرمي . وزارة التراث القومي. سلطنة عمان .
13. المصنف . أبوبكر الكندي . وزارة التراث القومي. سلطنة عمان .
ـ كتب الفقه الحنبلي :
1.الإنصاف للمرداوي . دار احياء الثرات العربي . بيروت .
2 . العدة شرح العمدة . عبد الرحمن المقدسي . ، دار الأرقم . لبنان
3. الكافي في فقه ابن حنبل . أبو محمد المقدسي . المكتب الإسلامي . بيروت .
4 .كشاف القناع . منصور البهوتي ،دار الفكر .بيروت. سنة النشر 1402ه .
5 . المغني . ابن قدامة المقدسي . ، دار الفكر ط (1414هـ - 1994م) . لبنان
ـ كتب الفقه الحنفي :
1.أصول السرخسي . د ار المعرفة .لبنان .
2.البحر الرائق .ابن نجيم. د ار المعرفة.لبنان .
3.بدائع الصنائع . الكاساني . ، دار الكتب العلمية . (1997م) بيروت
4.بدائع الصنائع . الكاساني . ، دار الكتاب ا لعربي : بيروت . 1982م
5 حاشية ابن عابدين .د ار المعرفة ، لبنان .
6.المبسوط . السرخسي . د ار المعرفة لبنان .
7 . مجلة الأحكام العدلية . كارخانه تجارة كتب .
ـ كتب الفقه الشافعي :
1. الحاوي . أبوالحسن الماوردي . دار الكتب العلمية . ط 1 (1994 ) بيروت
2. الرسالة . الشافعي . ص187. دار النفائس . بيروت .ط1( 1419هـ ـ 1999م )
3. المجموع شرح المهذب . أبو زكريا النووي . ، دار عالم الكتاب ، الرياض . (1423هـ ـ 2003م)
المجموع شرح المهذب . أبو زكريا النووي . دار الفكر بيروت سنة النشر 1996م (1/42)
صفحة 43
4 .مغني المحتاج . الشربيني .دار الفكر . بيروت .
ـ كتب الفقه المالكي :
1.بداية المجتهد و نهاية المقتصد .أبو الوليد ابن رشد القرطبي ، دار إحياء التراث ،ط1(1996م)
2.بلغة السالك . احمد الصاوي . دار الكتب العلمية . ط 1 ( 1415هـ 1995م ) بيروت
3.التمهيد لابن عبد البر . وزارة عموم الأوقاف . المغرب . ط1387هـ .
4 . حاشية الدسوقي . دار الفكر : لبنان .
5 . الشرح الكبير . الدرديري . دار الفكر : لبنان.
6. الفروق . أحمد القرافي ، مؤسسة الرسالة. بيروت . ط1 (1224هـ / 2003م )
7. كفاية الطالب . أبو الحسن المالكي . دار الفكر ط:1412 هـ
8. مختصر خليل . دار الفكر بيروت : ط1415 هـ .
9. المدونة الكبرى . الإمام مالك ، دار صادر بيروت
ـ المراجع العامة :
1. الخيارات في الفقه الإسلامي .عبد العزيز عزام .
2.فقه المعاملات . مصباح السيد أحمد و آخرون . وزارة الأوقاف و الشؤون الدينية . سلطنة عمان
3. الفقه الإسلامي وأدلته . وهبة الزحيلي .
الفهرسة
مقدمة ... ?
المقاصد التشريعية للبيع في الإسلام ... 3
تعريف البيع ... ?
أركان البيع ... 10
شروط البيع ... ??
تعريف العين الغائبة ... 15
الفرق بين العين الغائبة و السلم ... ??
العلاقة بين بيع الغائب و بيع الغرر ... 19
حكم بيع العين الغائبة و مناقشة الأدلة ... ?????
الرأي المختار?في?حكم?بيع?العين الغائبة ... 28
خيار الرؤية ... ??
تعريف خيار الرؤية ... 30
مشروعية خيار الرؤية ... ??
ثبوت خيار الرؤية و لمن يثبت ... 33
شروط ثبوت خيار الرؤية و مسقطاته ... ??
أثر خيار الرؤية في العقد ... 40
التطبيقات على بيع العين الغائبة ... ??
بيع الأعمى ... 42
بيع الغائب برؤية سابقة ... ??
بيع الأنموذج ... 52
بيع الإنترنت ... ??
خاتمة ... 59
المصادر و المراجع ... ??
الفهرسة ... 64 (1/43)