صفحة 1
الكتاب: تأصيل مسائل الحج عند فقهاء المدونة لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
تأصيل مسائل الحج
عند الإمام جابر بن زيد وتلامذته (1)
لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
إعداد وتخريج
أحمد بن هلال العبري
خميس بن راشد العدوي
الحمد لله الذي فرض على عباده حِجَّ بيت الله الحرام، ليطهر قلوبهم بممارستهم الشعائر العظام، من رجس الذنوب وقبح الآثام، أحمده سبحانه بما هو له أهل وأثني عليه، وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه، وأؤمن به وأتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه البررة المتقين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
إن الحج هو توجُّه إلى الله سبحانه، فهو رَحلة روحية قبل أن تكون رحلة بدنية، وهو رحلة لا تقف مع حدود الزمان؛ لأنها تطوي مسافات الزمن طيًّاً، لتربط الحاضر بالماضي، وتصل الخلف بالسلف، وتجعل الأمة في كل عصر من عصورها تستشرف أمر الله سبحانه وتعالى من خلال ارتباطها بالصالحين من عباده؛ من أنبيائه ورسله الذين اصطفاهم لحمل أمانة الحق إلى الخلق، ومَن حمل هذه الأمانة من بعدهم إلى عباد الله صافيةً من كل كدر، مبرَّأةً من كل بدعة وضلالة.
العبادة بمقاصدها:
__________
(1) ألقيت هذه المحاضرة في جامع السلطان قابوس ببهلا؛ يوم الجمعة 29 شوال 1426هـ-2 ديسمبر 2005م. (1/1)
صفحة 2
إن الله سبحانه فرض هذه الفريضة على عباده وهي ركن من أركان دينه؛ لأن استقامتهم على أمره ونهيه إنما تكون بأدائها على النحو الذي يُرضيه، وهذه الأركان متنوعة، منها ما هو فكري يتعلق بالجانب التصوريّ، بحيث يغرس في النفوس الحقيقة التي غابت عن كثير من الناس، وهي وحدانية الله سبحانه، والتلقي عنه من خلال رسالاته التي اختص بها من شاء من عباده بحملها إلى جميع العباد، وحقيقة اليوم الآخِر الذي هو المنقلب، ومنها ما يتعلق بممارسات الأعمال، ومنها ما يتعلق بجانب المال، ومنها ما يتعلق بالجانب البدني والمالي معاً.
وفقهاؤنا المتقدمون رحمهم الله لم ينحصروا خلال نظرتهم الفقهية في الأشكال دون الغوص إلى حقيقة ما تنطوي عليه تلكم الأشكال، فهم فهموا النص الشرعي فهماً دقيقاً؛ لأنهم أعملوا عقولهم في فهمه، ولذلك توصلوا إلى استجلاء الحكم واستظهار الحقائق، التي ربما غمضت على الكثير من الناس، حتى صارت من خلال كشفهم عنها ماثلة للعيان، فهم جمعوا ما بين النظر إلى النصوص الشرعية والنظر في مضامينها وأبعادها وأسرارها وما تنطوي عليه. (1/2)
صفحة 3
لذلك نجد أن الإمام أبا الشعثاء جابر بن زيد رحمه الله عندما يتحدث عن العبادات يقسمها إلى أقسام، منها ما يتعلق بجانب البدن، فيتحدث عن الصلاة؛ بأنها وإن تكن ترهق البدن، إلا أنها تريح القلب؛ لأنها تفتح أجواء للروح تنشط من خلال أدائها، وبهذا يكسب البدن أيضاً راحة من راحة الروح والقلب، إلا أنها لا تُرهق المال بشيء بل يبقى وافراً، ومنها ما يتعلق بالمال كالزكاة فهي عبادة مالية تطهر النفس البشرية من الأطماع وحب المال حبًّا جمًّا، الذي يحولها إلى ما يشبه السباع عندما يستحكم هذا الحب في النفس، لكنها لا ترهق الجسد، ومنها ما يتعلق بفطم النفس عن شهواتها وهي عبادة الصيام، فالإنسان عندما يصوم يفطم نفسه عن شهوة الطعام والشراب وقضاء الوطر بين الرجال والنساء، ومنها ما يمنع الإنسان من كثير من الممارسات، ويجعله يستعلي على عواطفه ورغباته، فيخرج من بلاده وأهله ليتجه إلى الله سبحانه وتعالى مؤدياً لهذه الشعيرة، مرهقاً في ذلك جسمه وماله معاً، وهذه هي عبادة الحج.
وبسبب تأثير هذه العبادة على الجسم والمال، مع فطم النفس عن كثير من رغباتها خلال ممارستها؛ رأى الإمام أبو الشعثاء بأن أداءها من أفضل القربات إلى الله سبحانه وتعالى، ويعني بذلك بعد أداء الفرائض، فلا معنى لأداء الإنسان لعبادة الحج وهو مضيِّع لصلاته، أو مانع لزكاته، أو مقصر في صيامه، فقد روي عنه رحمه الله أنه كان قال: (وجدنا العبادة في أربعة أشياء: أما الصلاة فتنهك البدن وتنعم القلب وتعفي المال، ووجدنا الزكاة تعفي البدن وتنهك المال، ووجدنا الصوم ينهك البدن ويعفي المال، ووجدنا الحج يتعب البدن وينهك المال ويشعث الرأس ويسفع الوجه ويمنع من كثير من اللباس والطيب والباه (1) ، فأرى ذلك كله أفضل الأمور الحج؛ لأنه يجمع تعب البدن ونفقة المال) (2) .
__________
(1) الباه: النكاح
(2) خميس العدوي؛ كتاب الحج الأول، نقلاً عن مناسك الحج؛ أبو طاهر الجيطالي، نسخة إلكترونية. (1/3)
صفحة 4
الشرع قواعد منضبطة لكنها تحتاج إلى وعي بها:
فبهذا بيّن أن هذه العبادة عبادة محببة إلى الله سبحانه وتعالى، لها أثر كبير على نفوس العباد، فهي تغرس فيها الطاقات النورانية التي تمحق ظلمات طبع النفس البشرية، ولا ريب أن هذا مستلهم من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه مع إحكام العقل، فإن الله سبحانه وتعالى جعل الناس يتفاوتون في فهم أحكامه، وحِكَمها التي تنطوي عليها، بقدر ما آتاهم من الذكاء والفطنة، وهذا ما يدل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما أمر بالتبليغ؛ إذ قال عليه أفضل الصلاة والسلام وهو بمنى: ((رب مبلَّغ أوعى من سامع)) (1) أي ربما بلّغ مبلِّغ حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى غيره فيكون ذلك المبَِّلغ أوعى ممن سمع الحديث سماعاً مباشراً؛ بسبب ما آتاه الله سبحانه وتعالى من توقد الفطنة وفرط الذكاء؛ حتى يستطيع أن يستلهم ما لم يُستلهم من قبل من معاني النص الشرعي.
كذلك جاء في الحديث الآخر: ((رب حامل علم ليس بعالم ورب حامل علم إلى من هو أعلم منه)) (2) ، فقد يحمل الإنسان فقهاً بحيث يحفظ المسائل والنصوص ولكنه ليس بفقيه؛ لأنه لم يستطع أن يدخل بعمق فكره إلى الحقائق التي تنطوي عليها تلك النصوص، ولم يستطع أيضاً أن يُقيِّد هذه النصوص بالقواعد الأصولية التي تمكّن الإنسان من فهم مقاصد الشرع حتى يضع كل شيء موضعه، فإن القدرة على استنباط الأحكام الشرعية إنما تتوقف على هذه القواعد المنضبطة التي يُرجَع إليها في فهم الأحكام الشرعية، وفي ترجيح بعضها على بعض.
العبادة ثمرتها التقوى التي تعني جماع كل خير:
__________
(1) مسند الشهاب: ج2، ص306، الجامع الأكبر للتراث الإسلامي، العريس للكمبيوتر.
(2) المسند/906. (1/4)
صفحة 5
إن دلالة الكتاب العزيز على هذا واضحة؛ فالله سبحانه وتعالى أخبرنا في كتابه أن الحكمة من مشروعية العبادات هي غرس روح التقوى في نفوس العباد، فالعبادات بأسرها تؤدي إلى هذه الغاية النبيلة كما يوحي بذلك قوله سبحانه: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) البقرة:21، ونجد أن العبادات قد ذُكرت مع التقوى، إما بصريح العبارة، وإما بإشارة تدل على أنها هي المراد من مشروعيتها، ولكن مع هذا كله لم تقترن عبادة من العبادات بالتقوى كما اقترن الحج بها، فقد اقترن بذكرها في مواضع عديدة، إذ الله سبحانه وتعالى يقول: ((وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)) البقرة:196، اختتم هذه الآية بالأمر بالتقوى مع تعليل ذلك بما يدفع الإنسان دفعاً إليها؛ وهو أن الله سبحانه وتعالى شديد العقاب، ثم أتبع ذلك قوله: ((الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ)) البقرة:197، (1/5)
صفحة 6
وقال تعالى: ((وَاذْكُرُواْ اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)) البقرة:203، وقال: ((وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)) الحج:32، وقال في البُدْن التي تُراق دماؤها هناك: ((لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى)) الحج:37، إذن فالغاية من هذه العبادة المقدسة إنما هي تقوى الله سبحانه وتعالى، ولا ريب أن ممارستها على النحو الشرعي يؤدي إلى ذلك.
ثم نجد أيضاً بأن هذه العبادة فيها ربط بين العباد، وهذا شأن جميع العبادات، ولكن بقية العبادات تربط بينهم على مستوى محدود؛ لأن الذين يلتقون في ظلالها هم جماعات محدودة، كالصلاة التي تقام جماعة، والصيام الذي هو رابط بين العباد لما يُذكيه في نفوسهم من جذوة العاطفة الجياشة تجاه المحتاجين والفقراء، وكذلك الزكاة، أما الحج فإنه يجمع بين عدد هائل من عباد الله الذين يفدون إلى العراص (1) الطاهرة من أصقاع الأرض، كل فئة منهم تمثل أمة كبيرة، فيؤدي الالتقاء بين هذه الوفود –التي تأتي من جهات مختلفة وبقاع متباينة، وهي على اختلاف في أشكالها وألوانها وألسنتها –إلى الترابط وحسن الصلة وفهم كل أحد ما عند غيره؛ بحيث يمكن أن يتعاون الناس جميعاً على الخير، وأن تكون مشاعرهم منسجمة، يشعر كل أحد منهم بالآلام التي يعانيها غيره، كما يشعر بالفرحة والبهجة عندما تكون أحوال الأمة مثيرة للفرح والمسرة؛ لأنها تجري وفق مبتغاها، وهذا قد دلّ عليه قوله سبحانه: ((لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ)) الحج:28.
__________
(1) عَرْصَةُ الدار: وسطها، والجميع العَرَصات والعِراص. معجم العين؛ الخليل بن أحمد، باب العين والصاد والراء، الجامع الأكبر. والمقصود هنا الأماكن المقدسة. (1/6)
صفحة 7
الحج منطلق الدعوة إلى الله:
والسلف الصالح رحمهم الله أدركوا قيمة هذا اللقاء العظيم؛ فلذلك حرصوا كل الحرص على التفاهم فيما بينهم وبين إخوانهم من هذه الأمة التي تلتقي وفودها هناك، وحرصوا على اكتشاف ما عند الناس من أحوالٍ فيها ما يسر وما يسوء؛ ليحرصوا على تلبية ما يسر ودفع ما يسوء، وهذا ما كان من شأن الإمام أبي الشعثاء الذي كان يتردد إلى البيت الحرام عشرات المرات وهو يؤدي هذه الشعيرة المقدسة (1) ، ويلتقي بإخوانه المسلمين، ومن خلال ذلك تمكن من التعرف على الكثير من أحوال الأمة، ثم كان بعد ذلك تلامذته على هذا النهج، فتلميذه العملاق الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة رحمه الله تعالى حرص على تتبع أحوال الأمة من خلال أدائه بنفسه هذه العبادة المقدسة، ومن خلال ما ينقله إليه تلامذته الذين يلتقون هناك في كل عام بلفيف من عباد الله الوافدين إلى بيت الله الحرام، فتلتقط أسماعهم ما يتساقط من أفواه أولئك من أخبار الأمم، وما تعانيه الأمة من الانحراف الفكري والعملي والتطبيقي، مما أدى إلى أن يبعث رسله ويهيئهم للقيام بمهمة التبليغ وأداء الأمانة، حتى أنه عندما أرسل أحد تلامذته قال ذلك التلميذ كلمته التي سارت بها الركبان: (وددتُ لو ظهر هذا الأمر يوماً واحداً بالمغرب ثم لا أبالي أن تُضرب عنقي) (2) ،
__________
(1) روي عن الإمام جابر بن زيد أنه حج أربعين حجة، منها أربع وعشرون حجة على ناقة واحدة، انظر: كتاب الحج الأول، خميس العدوي.
(2) قائل ذلك هو سلمة بن سعد.. (1/7)
صفحة 8
ومعنى ذلك أنهم أدركوا أن هذه الأمة لا يربط بينها، ولا يوحد صفها، ولا يجمع شتاتها، ولا يلملم متناثرها، إلا الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك كله استلهام من كتاب الله، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ((كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ)) آل عمران:110، وقال قبل ذلك: ((وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) آل عمران:104 وبيَّن أن الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سببٌ للترابط بين المؤمنين والمؤمنات، وسببٌ للولاية التي تشد بعضهم إلى بعض، فالله تعالى يقول: ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) التوبة:71، فالله سبحانه وتعالى لما ذكر هذه الوَلاية التي تشد المؤمنين والمؤمنات بعضهم إلى بعض، وبيّن لحمتها التي تربطهم، بدأ أولاً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل أن يذكر إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فقال: ((بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ)) فهؤلاء؛ كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رابطاً لقلوبهم، وشادّاً للعلاقات التي بينهم، وذلك لأنه هو صمام الأمان لهذه الأمة، ولا يُحافظ على الصلاة والزكاة ولا تُقام أوامر الله إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن هنا كان من الضرورة أن ينبري الناس للقيام بهذا الأمر العظيم، (1/8)
صفحة 9
وأن يحرصوا على إبلاغ أمانة الحق إلى الخلق، وأن يوجّهوا الناس الوجهة المَرضيّة، وأن يبذلوا في ذلك طاقاتهم وأموالهم غير لاوين على شيء من الصعاب، فهكذا كان السلف الصالح، عاشوا على هذا المبدأ، ووصلوا إلى غاياتهم بفضل الله تعالى في هذه الدنيا، وسيصلون إلى غاياتهم –إن شاء الله– في الدار الآخرة.
منهج التأصيل الفقهي:
بالنظر إلى مأخذ أولئك العلماء الأبرار رحمهم الله تعالى في أحكام الحج، لا ريب أنهم كانوا يحكِّمون كتاب الله ثم سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهم يستمدون بما يذهبون إليه من الكتاب العزيز والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ويعوِّلون على إجماع الأمة والقياس وسائر مسالك الاستدلال كسد ذرائع الفساد ونحو ذلك في بيان ما هو راجح وصحيح عندما يكون هنالك خلاف، وبسبب ذلك كانوا منضبطين في استدلالهم بالأدلة الشرعية، فكانوا يُعمِلون القواعد التي نظّر لها من جاء بعدهم في الأصول ومصطلحاتها، وإن لم يكونوا يستعملون في ذلك الوقت تلكم المصطلحات، فنجدهم يحملون العام على الخاص، والمطلق على المقيَّد، والمجمل على المبيَّن، ويأخذون بالناسخ ويدعون المنسوخ، وإذا تعارضت الأدلة أخذوا بالأحوط، ويأخذون بالمنطوق والمفهوم، وهذا واضح في فتاواهم.
تخصيص العام: (1/9)
صفحة 10
فنجد مثلاً في تقديم الخصوص على العموم أن الإمام أبا الشعثاء جابر بن زيد رحمه الله تعالى تحت قاعدة "تعظيم البيت الحرام والمحافظة على حرماته" ومنها شعيرة الحج المقدسة ينظر إلى الحديث العام الذي جاء فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عند قضاء الحاجة أن تُستقبل القبلة أو تُستدبر، فبيَّن أن هذا وارد فيما إذا كان الإنسان في القِفار وليس في البيوت والأبنية، أما إن كان في البيوت والأبنية فالأمر بخلاف ذلك، ويستدل لذلك بحديث ابن عمر رضي الله عنهما عندما دخل بيت أخته أم المؤمنين حفصة، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بين لبنتين يقضي حاجته وهو مستقبل بيت المقدس ومستدبر الكعبة المشرفة، قال بأن هذا النهي يدل على أنه خاص بالقفار؛ حيث لا أبنية تحول بين الإنسان والبيت، أما إن كانت هنالك أبنية فالأمر بخلاف ذلك، أخذاً بهذا الدليل (1) .
فمعنى ذلك أنه يُقدم الدليل الخاص على الدليل العام، سواء تقدم العموم أو تأخر، فلا عبرة بتقدم أحدهما على الآخر.
اختلاف الروايات:
__________
(1) روى الربيع بن حبيب في مسنده (ح77): أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط).
قال جابر: فسألت عن ذلك ابن عباس؛ قال: ذلك إذا كان في الصحاري والقفار، وأما في البيوت فلا بأس؛ لأنه قد حال بين الناس وبين القبلة حيال وهو الجدار.
وروى (ح78): أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن عبدالله بن عمر قال: دخلت على حفصة، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً لحاجته بين لبنتين مستدبر الكعبة مستقبلاً بيت المقدس.
قال أبو عبيدة: قال جابر: فمن أجل هذا أباح ابن عباس استقبال القبلة في البيوت. (1/10)
صفحة 11
كذلك نجدهم قد اختلفوا –بسبب اختلاف الروايات– في بعض المسائل التي تتعلق بالمحْرِم، فالله سبحانه وتعالى منع من قتل الصيد للمحرم عندما قال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ)) المائدة:95، وفي آية أخرى يقول الله سبحانه وتعالى: ((أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً)) المائدة: 96، في تلك الآية يبيَّن الله سبحانه وتعالى أنه لا يحل مطلق الصيد، وهنا يقول بأنه حُرِّم صيد البر، فما المقصود بصيد البر؟ هل هو الاصطياد أو المصطاد؟ فالعبارة تحتمل المعنيين؛ لأن الصيد في الأصل هو مصدر، لكن قد يكون المصدر مستعملاً بمعنى المفعول، فيقال للمصيدِ صيدٌ، ((أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ)) أي ما اصطدتموه من البحر، وطعامه ما قذفه البحر إليكم، ((وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً))، فهل معنى ذلك أنه يحرم الاصطياد فقط؟ أو يحرم أيضاً أكل ما صيد ولو كان قد صاده مسلم آخر؟ هذه مسألة دخلها الخلاف بين السلف، واختلفوا أيضاً هل يحرم عليه ما اصطيد لأجله فقط؟ أو إن كان لم يُصَد لأجله فهو لا يحرم عليه؟.
هناك روايتان رواهما الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله مع بقية كتب الحديث، إحداهما تذكر أن رجلاً أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً بالأبواء (1) فرده عليه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الكراهة في وجهه قال: ((إنا لم نرده عليك إلا أنا محرمون)) (2) .
وذلك يعني أن من كان محرماً فإنه لا يحل له أن يأكل الصيد ولو صاده غيره، ولم يأتِ في الدليل هنا بأن هذا الرجل صاد هذا الصيد للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، وإنما الدليل على إطلاقه.
__________
(1) الأبواء: اسم موضع بين مكة والمدينة.
(2) المسند:436. (1/11)
صفحة 12
هناك رواية أخرى تقول: خرج رسول الله يريد مكة وهو محرم، حتى إذا بلغ الروحاء إذا هو بحمار وحش عقير (1) ، فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((دعوه يوشك أن يأتيه صاحبه))، وأتى البهزي وهو صاحبه فقال: يا رسول الله شأنكم بهذا الحمار. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقسّمه بين الرفاق (2) .
بسبب اختلاف هاتين الروايتين، مع الاختلاف في فهم النص القرآني، هل الصيد بمعنى الاصطياد أو الصيد بمعنى المصيد؟ حصل الخلاف بين علماء السلف، منهم من شدّد وقال: لا يحل أن يأكل الإنسان صيد البر ولو كان لم يصده بنفسه، أو صاده بنفسه قبل أن يكون محرماً، إلا أنه بعد إحرامه يحرم عليه (3) ، وقد كره الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد رحمه الله أن يُمسك أحدٌ شيئاً مما صاده وهو حلال فيأكله بعد أن يتحلل من الإحرام، وإنما لم يأمر بدفنه، ولم يُلزِم من أكله بعد تحلله من إحرامه الفدية (4) ، وكثيرٌ من علماء السلف –كما ذكرنا– شدّدوا حتى في قليل ما صيد، كقليل الظبي وغيره، فهذا إنما هو من النظر إلى هذه الأدلة.
تقييد المطلق:
__________
(1) عقير: جريح.
(2) المسند:437.
(3) جاء في إرشاد الحائر للعلامة القاضي محمد بن شامس البطاشي ص108: (قال ابن عباس وجابر بن زيد وعليّ وأصحابنا: لا يجوز له أكله، صيد من أجله أو من أجل غيره، وذبح له أو لمحِل أو لمحرم غيره). انظر: كتاب الحج الأول؛ خميس العدوي، نسخة إلكترونية.
(4) جاء في جامع ابن جعفر:3/332: (من أحرم ومعه لحم صيد فلا يأكله، ولا يعطيه أحداً، فإن تركه معه حتى يحل؛ فيوجد عن جابر أنه كره أكله، ولم يأمر بدفنه، ولم يوجب عليه كفارة). انظر: كتاب الحج الأول؛ خميس العدوي، نسخة إلكترونية. (1/12)
صفحة 13
نجدهم أيضاً يأخذون بالمفهوم، فالإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد رحمه الله تعالى يذهب إلى أن الجزاء يلزم من كان محرماً إن صاد قبل دخوله في الحرم متعمداً، وأما إن كان صيده خطأ فلا يلزمه جزاء، وأما بالنسبة إلى صيد الحرم فيرى عليه الجزاء سواء كان صِيد عمداً أو خطأ (1) ، فإذا جئنا إلى الجانب الأول وهو صيد الحِلّ لمن كان محرماً، فإنه أخذ بالتقييد؛ أي أن يكون الصيد عمداً، فيلزم بسببه الجزاء، أخذاً بمفهوم الآية الكريمة، لأن الله تعالى يقول: ((وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ)) المائدة:95، ومعنى ذلك إخراج الخطأ، كثيرٌ من العلماء لم يأخذوا بهذا المفهوم، وقالوا بأن الصيد –ولو كان خارج الحرم– يلزم الجزاء على قتله، ولو كان قاتله غير متعمد لقتله.
بطبيعة الحال مفهوم المخالفة له أثر في تقييد الأدلة الشرعية، والحال تُعتبَر من الأوصاف، والوصف مُقيِّد للموصوف، والحال كثيراً ما تأتي مقيدة، قد تأتي كاشفة ولكن كثيراً ما تأتي مقيدة، إذن فهذه الآية تُفيد تقييد هذا الحكم بالمتعمِّد، ومعنى ذلك أن غير المتعمِّد لا يدخل في هذا.
القياس:
__________
(1) جاء في آثار الربيع: (الربيع عن ضمام عن أبي الشعثاء قال: خطأ الصيد وعمده في الحرم يحكم عليه، وما أصاب في الحل من خطأ وهو محرم وضع عنه). انظر: كتاب الحج الأول؛ خميس العدوي، نسخة إلكترونية. (1/13)
صفحة 14
كذلك أعملوا القياس، فالله تبارك وتعالى قال: ((فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ))، والأنعام هي ثمانية أزواج: من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنتين، بينت ذلك آيات سورة الأنعام (1) ، والأنعام جمع نَعَم، فجزاء مثل ما قتل من النَّعَم، ولكن هناك أشياء ليس لها مماثِل من الأنعام؛ فكيف يكون الحكم فيها؟ وقع أيضاً الخلاف فيها عند السلف، فنجد منهم من يشدد كثيراً، ومنهم من يميل إلى التراخي، منهم من قال بأن أقل الأنعام شاة، فأوجب الشاة حتى في صيد الحمام، هذا القول قاله محبوب بن الرحيل وابن أبي ميسرة، وعندما ناقشه في ذلك أبو بكر الموصلي، قال له: إن الأثر ورد بهذا. هؤلاء عوّلوا على أن أقل الأنعام شاة، والصيد ممنوع، وهذا من جملة الصيد.
__________
(1) الآيات: 143و144. (1/14)
صفحة 15
وهناك من العلماء من قال خلاف ذلك؛ فأبو بكر الموصلي كان يرى في الحمام درهمين، وقال: إن قيمة الحمام لا تزيد على درهمين، وأما بالنسبة إلى ما تلزم به الشاة فإنما ذلك لأن قيمته قيمة الشاة، فالشاة نظير له، وهذا مما لا تُناظِرُه الشاة (1) . وهذا الرأي أيضاً قال نحوه أبو عبيدة وأبو مودود حاجب بن مودود والربيع بن حبيب رحمهم الله، فإنهم ألزموا في الحمام صاعاً، وفي بيض الحمام نصف صاع (2) . هذا لأنهم يأخذون بالقياس في هذا.
__________
(1) جاء في جامع ابن جعفر3/380: (قال أبو بكر (=يحيى بن زكريا) الموصلي: تحاكموا إليّ وإلى رجل في رجل قتل من حمام الحرم، فحكمنا عليه بدرهمين. وقال محبوب: بشاة. وقال أبو بكر: فجزاء مثل ما قتل من النعم، فلا يكون الحمام أكثر من درهمين. قلت لابن أبي ميسرة: هل يحكم في هذا إلا بما يسوى؟. قال: نعم. قلت: فمن قتل حمامة؟. قال: جزاؤه شاة. قلت: فهذه تسوى شاة؟. قال: اتبعنا فيها الأثر). انظر: كتاب الحج الأول؛ خميس العدوي، نسخة إلكترونية.
(2) جاء في بيان الشرع24/166: (في الأثر: وقد بلغنا عن مسلم وحاجب رحمهما الله؛ في زوج حمام وبيضتين، لكل حمامة صاع من طعام، وفي البيضتين لكل واحدة نصف صاع)، وفي مناسك الحج للجيطالي: (بلغنا عن الربيع وحاجب رحمهما الله: في زوج حمام وبيضتهن، لكل حمام صاع من طعام، وفي كل واحدة من البيض نصف صاع). انظر: كتاب الحج الأول؛ خميس العدوي، نسخة إلكترونية. (1/15)
صفحة 16
كذلك قد يختلفون أحياناً بسبب النظر إلى القياس ودلالة الروايات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم على الحكم؛ فنجد أن الإمام أبا الشعثاء وتلميذ تلميذه الربيع بن حبيب رحمهما الله اختلفا في أمر العمرة، هل تُكرَّر في العام أو لا تُكرر؟ (1) فالإمام أبو الشعثاء يرى أنها لا تُكرر، لأنها حجٌّ أصغر، والحج لا يتكرر في العام الواحد إنما هو مرة واحدة، بينما الإمام الربيع بن حبيب يرى أنه لا مانع من تكرارها، فهو يرى أن القياس هنا في غير موضعه؛ ذلك لأن الحج مُوَقَّتٌ بميقات محدد، والعمرة لم تُوَقَّت، فالعمرة يمكن أن يأتي بها الإنسان في أي شهر من شهور العام، بينما ((الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ)) البقرة:197، ومعنى هذا أن العمرة بإمكان الإنسان أن يأتي بها في أي وقت، مع الاستدلال في ذلك بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي جاء في رواية الربيع نفسه، وفي رواية غيره من أهل الحديث، وهو أنه عليه أفضل الصلاة والسلام قال: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)) (2) هذا ترغيب في الإكثار من العمرة ما دام أن العمرة إلى العمرة الأخرى كفارة لما بينهما، فينبغي للإنسان أن يكثر من الاعتمار ليكثر من الكفارات التي تُكَفِّر الذنوب.
__________
(1) جاء في بيان الشرع23/108: (قال جابر بن زيد رحمه الله: ليس الحج في السنة إلا مرة، ولا العمرة إلا مرة. فقال الربيع: من شاء اعتمر في غير شهر الحج مراراً). انظر: كتاب الحج الأول؛ خميس العدوي، نسخة إلكترونية.
(2) المسند:443. (1/16)
صفحة 17
وتأكَّد ذلك أيضاً برواية أخرجها غيره من أهل الحديث وهي ((تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة)) (1) فالمتابعة بين الحج إنما تكون من العام إلى العام؛ لأن الحج لا يمكن إلا أن يكون في ميقات محدد، بينما العمرة ليس لها ميقات محدد، فإذن تمكن المتابعة بين العمرة في غير أشهر الحج من غير ميقات محدد، فلا مانع –بناء على دلالة هذا الحديث– أن يأتي الإنسان بالعمرة في العام الواحد أكثر من مرة واحدة؛ لأجل الحرص على هذا الخير، ونفي الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة.
أوئل الأسماء وأواخرها:
هناك أيضاً أمور وقع الخلاف فيها بين الفقهاء بناءً على نظرهم في ألفاظ الأدلة الشرعية، فبعضهم ينظر إلى أواخر الأسماء، وبعضهم ينظر إلى أوائلها، فمما وقع فيه الخلاف بينهم: من أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج كرمضان مثلاً، ولكن كان أداؤها –أي الطواف والسعي لها– في أشهر الحج، هل يكون متمتعاً بالعمرة إلى الحج؟ لأن المتمتع لابد من أن يكون اعتماره في أشهر الحج، من اعتمر قبل أشهر الحج فهو غير متمتع، ولكن هذا أحرم قبل أشهر الحج وانتهى من أداء العمرة في أشهر الحج، فهل إن حجَّ في عامه ذلك يكون متمتعاً؟ الأكثرون قالوا: إنه متمتع بالحج إلى العمرة، فمعنى ذلك أنهم أخذوا بأواخر الأسماء، وذلك بالنظر إلى آخر تأدية الناسك للعمرة، فهو إن أداها في بداية أشهر الحج، بحيث طاف لها في أشهر الحج وإن كان أحرم لها من قبل، هو معتمر في أشهر الحج، ويكون متمتعاً بالعمرة إلى الحج، وتنطبق عليه أحكام التمتع (2) .
حِكَم مشروعية الحج:
__________
(1) الترمذي (804)
(2) جاء في آثار الربيع: (الربيع عن ضمام عن أبي الشعثاء؛ في رجل أهلّ بعمرة في غير أشهر الحج. فقال: متعة إذا قدم في أشهر الحج). انظر: كتاب الحج الأول؛ خميس العدوي، نسخة إلكترونية. (1/17)
صفحة 18
هؤلاء الفقهاء ما غفلوا عن الحكمة من مشروعية هذه العبادة المقدسة، فالحج موسم عظيم يجدر بالإنسان أن يتزود منه زاد التقوى، سواء من خلال ممارسته لأعماله، أو من خلال ما يتجدد في نفسه من ذكريات الماضي السحيق، فإن من أتى إلى تلكم البقاع المقدسة لابد أنه يستذكر ما مرَّ بالنبي صلى الله عليه وسلم هنالك وهو يدعو إلى الله سبحانه وتعالى معلناً كلمة التوحيد في وسط ضجيج الجاهلية وصخب الوثنية، وكذلك يستذكر سعي النبي إبراهيم عليه السلام إلى أداء هذه المناسك العظام من أجل توحيد الله سبحانه وتعالى، ودعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وهما يرفعان قواعد البيت العتيق، وما مرَّ بالسلف الصالح من مصاعب ومصائب وهم يُعلنون كلمة الحق ويدعون إلى الله سبحانه وتعالى، وما لقوه من أعداء الحق هنالك.
إن الإنسان إذا أدّى هذه الشعيرة تزود من هنالك شحنة إيمانية، وطاقة من طاقات النشاط إلى الخير والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فجديرٌ بمن أدى هذه العبادة المقدسة أن لا يهمل ذلك، وجدير كذلك بمن كان معايشاً للحجاج بمشاعره ولو لم يحج هو في عامه أن يتزود هذا الزاد، ليحرص على هذا الخير العظيم، ويثابر إلى الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وجديرٌ بالناس جميعاً أن يشحذوا هممهم لهذا الخير، وأن يبذلوا فيه طاقاتهم وأموالهم، فإن ذلك هو السبيل الأمثل، وهو السبيل لرص صف الأمة وجمع كلمتها ولملمة شتاتها.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما فيه رضاه، وأن يجمعنا على الخير، وأن يغمرنا بألطافه وهباته، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
الأسئلة:
تغيّر ظروف الحج: (1/18)
صفحة 19
السؤال: نجد أن الفقهاء في العصور المتقدمة وضعوا ضوابط كثيرة لأعمال الحج، وقد شددوا في ذلك لبساطة الحياة في تلك الفترة، ثم نجد الفقهاء في هذا العصر قد نظروا إلى التطور الهائل وكثرة القصد إلى بيت الله الحرام، مما قد يسبب تأخراً في أعمال الحج، فوضعوا ضوابط أخرى.
ما هو مدى اعتبار شكل التغيّر في مثل هذه العبادة؟.
الجواب: من القواعد الفقهية المعروفة عند الفقهاء "الأمر إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق"، فالشيء إذا ضاق بنفسه اتسع حكمه، وإذا اتسع هو بنفسه ضاق حكمه، وهذه القاعدة لها تطبيقات كثيرة، سواء في العبادات أو الحلال والحرام، فنجد أن الإنسان إن كان قادراً على الوضوء والتطهر من الحدث الأكبر، لا يحل له أن يصلي إلا بعد استكمال الطهارة، ولكن إن ضاق به الأمر بحيث لم يتمكن من الوضوء أو الغسل من الجنابة، أو المرأة لم تتمكن من الغسل من الحيض، فإنه يُعدل عن هذه الطهارة إلى التيمم، كذلك من استطاع أن يصلي بصلاة كاملة غير منقوصة بجميع هيئاتها صلى، ومن عجز عن شيء سقط ما عجز عنه وبقي الباقي واجباً عليه، فمن عجز عن القيام فإنه يعدل عنه إلى القعود، ومن عجز عن الركوع والسجود يومئ، كذلك بالنسبة إلى المحرمات، فالله سبحانه وتعالى حرَّم المحرَّمات ولكن بيّن أن حالة الاضطرار تختلف عن حالة الاختيار وقال: ((وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ)) الأنعام:119، فلذلك أباح لأجل الاضطرار لإنقاذ النفس أن يأكل الإنسان ما حرم بالنص القطعي، أحل له أن يأكل الميتة ولحم الخنزير والدم وما أهل به لغير الله، كل ذلك من أجل درء العسر عن الناس ((يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)) البقرة:185. (1/19)
صفحة 20
وممارسة هذه العبادة أيضاً يُنظر فيها الأمر الذي فيه تضييق على الناس ضيقاً يصعب احتماله فينبغي التوسع فيه، ثم هناك فرق بين الأركان وغيرها، فالأركان لا يمكن أن يُتسامح فيها، فلا يمكن لإنسان أن يغادر عرفة قبل الميقات، كذلك بالنسبة إلى طواف الإفاضة والإحرام ومحظوراته لا يمكن أن يُتسامح فيها، ولكن بالنسبة إلى بقية الأمور إنما يُنظر إلى التيسير فيها، ولا يُشدد بقدر ما يمكن للناس أن يمارسوا هذه الشعيرة وهم يحسون بالراحة والطمأنينة.
القواعد عند المسلمين واحدة:
السؤال: ذكرتم أن سلفنا كانوا يُعمِلون القواعد الأصولية المتعارف عليها اليوم، ولكنهم كانوا لا يعرفونها بهذه المسميات التي عُرفت بها فيما بعد، فهل كانوا منفردين بهذا دون سائر علماء الأمة السابقين؟. (1/20)
صفحة 21
الجواب: لا؛ كانوا جميعاً كذلك، نجد الصحابة والتابعين وتابعيهم ما كانوا في استدلالاتهم يقولون بأن هذا خاص وهذا عام، وهذا مطلق وهذا مقيد، وهذا مجمل وهذا مبيَّن، وهذا دالٌّ بعبارته وهذا دالٌّ بإشارته، وهذا دالٌّ باقتضائه وهذا دالٌّ بدلالته، أو هذا منطوق وهذا مفهوم، وهذا مفهوم استثناء وهذا مفهوم شرط وهذا مفهوم وصف وهذا مفهوم غاية وهذا مفهوم لقب، هذا لم يرد عنهم، ولكن كانوا يضعون كل شيء موضعه؛ فنجد –كما ذكرنا– عن الإمام جابر بن زيد اعتبر ذلك الحديث مخصِّصاً لعموم الحديث الآخر، بل كانوا أيضاً يخصصون عمومات القرآن الكريم بالمخصصات من الأحاديث، حتى لو كانت أحاديث آحادية يخصصون بها عمومات القرآن، عندما عُرضت قضية المحارم من الرضاع من غير الأولاد والإخوة، طبَّقوا ما جاء في السنة، مع أن في هذا تخصيصاً لعموم قول الله سبحانه وتعالى: ((وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ)) النساء:24، كذلك بالنسبة إلى منع تزوج المرأة مع عمتها أو مع خالتها، هذا مخصِّص لعموم قول الله سبحانه وتعالى: ((وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ)) فكانوا يأخذون بتخصيص العمومات.
كذلك كانوا يقيِّدون المطْلَقات من الأدلة الشرعية بالقيود التي جاءت في الأدلة الأخرى، فإذا جاء حديث مقيَّد وآخر مطلق، أخذوا بالتقييد ولا يأخذون بالإطلاق، كذلك في سائر الأحكام، هكذا مضى السلف.
قضاء الحاجة:
السؤال: أشكل عليَّ كون النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته في بيت حفصة فيما كان يمكن أن يراه فيه الداخل. بيِّن لي.
الجواب: كان مستتراً، وإنما يُرى جزء من جسمه وهو مستتر، ولعل الله أراد بذلك بيان مشروعية حكم من الأحكام كما وضح ذلك.
فقه الأولويات: (1/21)
صفحة 22
السؤال: مما يُلاحظ أن الأصوليين يركِّزون كثيراً على فقه الأحكام، ويغضونالطرف عن فقه الأولويات، فتجدهم يقضون أعمارهم في البحث عن المسائل التي تتعلق بالحاج والمعتمر، ولا يهتمون كثيراً بارتباط تلك المسائل بقضايا الأمة، فمثلاً نجدهم يشجعون على تكرار العمرة، ولا يبحثون في آثار ذلك على الدعوة وعلى صرف الأموال فيما يعود بالمنفعة الشخصية، مع أن الأولى صرفها فيما يعود على وحدة الأمة وإعانة أبنائها. فما تعليقكم على هذا؟.
الجواب: كل أصحاب فن من الفنون يدورون في مقتضى ذلك الفن، فعلماء النحو لا يعنيهم بحث في حِكَم الأحكام القرآنية، وإنما يتحدثون عن القواعد النحوية ليتمكن الإنسان من النطق السليم بالعربية ويتبع ذلك النطق السليم في تلاوة القرآن الكريم، وليتمكن الإنسان من القدرة على فهم القرآن والحديث الشريف، مهمة النحوي هي كيف تدل الألفاظ بحسب إعرابها على معانيها، فلا نكلفه أكثر من ذلك.
كذلك بالنسبة إلى اللغوي يكشف معنى اللغة وتصاريفها من غير أن يُكلَّف أكثر من ذلك.
والأصوليون هم معنِيّون ببيان الطريقة السليمة في التعامل مع النصوص الشرعية، وليست مسؤوليتهم أن يبحثوا عن حِكَم الأحكام الشرعية أو أولويات العبادات، هذه المسؤولية تتعلق بغيرهم، إنما يبحث ذلك علماء متخصصون في مجالات أخرى غير مجال الأصول.
مبيت ليلة عرفة بمنى:
السؤال: جاء في كتاب "السِّيَر" للشماخي، أن الإمام جابر رحمه الله عندما أطلق الحجاج سراحه، وجهّز راحلته إلى الحج، وصل في يوم عرفة، وهذا يعني أنه لم يبت في منى ليلة التاسع، فهل أثر عنه أنه جبر ذلك بدم؟ أو أنه لا يرى وجوب الدم على من ترك المبيت بمنى ليلة التاسع؟ وهل في حديث عروة بن المضرس دليل على وجوب الدم على من لم يبت بمنى؟ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سكت عن ذلك ولم يذكره. (1/22)
صفحة 23
الجواب: نعم، لم يأتِ ما يدل على أن جابر رحمه الله جبر عدم مبيته بمنى بدم، ومعنى هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوجب على الناس الأخذ بطريقته في أداء المناسك، إلا أن هناك فارقاً بين حالتين، حالة اختيار في ترك نسك من المناسك، وحالة اضطرار إلى ترك ذلك النسك، فلو ترك الإنسان المبيت بمنى اضطراراً هل يجب عليه دم؟ المسألة فيها خلاف عند الفقهاء، قيل: ليس عليه شيء، وهذا هو الأرجح، والدليل على ذلك حديث عروة بن المضرس فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُلزمه شيئاً، ولا يجوز تأخير البيان عن وقف الحاجة إليه، وقد كان ذلك هو وقت الحاجة، وصنيع الإمام أبي الشعثاء من هذا القبيل. (1/23)