صفحة 1
بحث ندوة: تحديد سن الزواج لمحمد المغاوري
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] تحديد السن في الزواج
دراسة مقارنة
في الفقه الإسلامي وقانون الأحوال الشخصية العماني
بحث مقدم لندوة
الزواج بين التشريع والتطبيق
المنعقدة في كلية الشريعة والقانون بمسقط
من إلى
إعداد
د. المغاوري محمد الفقي
مدرس بكلية الشريعة والقانون
بسم الله الرحمن الرحيم
الافتتاحية
الحمد لله، والصلاة والسلام على مصطفاه، وعلى آله ومن والاه في مبدإ كل أمر ومنتهاه. وبعد،
فإن موضوعات الأحوال الشخصية لها أهمية بالغة في نفوس ذوي الرأي لأنها تمس كل فرد في المجتمع، والحاجة ملحة للاجتهاد المعاصر في موضوعاتها وفق ضوابط شرعية معتبرة لإثبات مرونة أحكام الشريعة الإسلامية، وقدرتها على التصدي لمشاكل المجتمع المعاصر، وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
والبحث الذي بين يديك عزيزي القارئ هو لبنة من لبنات كيان الأحوال الشخصية، إذ هو يتناول واحدة من المسائل التي شغلت بال الكثيرين قديما وحديثا وهي مسألة " تحديد السن في الزواج شرعا وقانونا ".
وقد اقتضى البحث في هذه المسألة أن أقسمه إلى مقدمة، ومبحثين، وخاتمة.
أما المقدمة فقد ضمنتها فروعا ثلاثة:
الأول: نشأة اصطلاح الأحوال الشخصية.
والثاني: بيان المقصود بهذا الاصطلاح.
والثالث: تعريف موجز بقانون الأحوال الشخصية العماني.
وأما المبحث الأول: فخصصته لبيان موقف الفقهاء من تحديد سن الزواج.
وأما المبحث الثاني: فجعلته لبيان موقف قانون الأحوال الشخصية العماني من هذه المسألة.
وأما الخاتمة: ففيها ملخص للبحث وبعض التوصيات.
والله أسأل أن يهيئ لنا من أمرنا رشدا، وأن يجنبنا زلل الفكر وشطط القلم، إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير. اللهم آمين.
د / المغاوري محمد عبد الرحمن الفقي
مدرس بكلية الشريعة والقانون
تمهيد: (1/1)
صفحة 2
لعل من الضروري ونحن نتناول موضوعا من موضوعات الأحوال الشخصية أن نستقصي أصل هذا المصطلح، وأن نبين المقصود به، حتى نكون منه على بصيرة، ثم نُتبعه بتعريف موجز لقانون الأحوال الشخصية العماني.
وعلى هذا فإن التمهيد سيكون في ثلاثة فروع:
الفرع الأول: نشأة اصطلاح الأحوال الشخصية.
الفرع الثاني: بيان المقصود بهذا الاصطلاح.
الفرع الثالث: تعريف موجز بقانون الأحوال الشخصية العماني.
الفرع الأول: نشأة اصطلاح الأحوال الشخصية:
لم يكن اصطلاح "الأحوال الشخصية" معروفا عند فقهاء المسلمين القدامى بهذا الاسم (1) . وإنما شاع واشتهر على لسان فقهائنا المحدَثين، وكتّابنا المعاصرين في كتاباتهم، ويرجع أصل هذا الاصطلاح إلى الفقه الإيطالي في القرنين الثاني عشر والثالث عشر من الميلاد،
فقد كان في إيطاليا حينئذ نظامان قانونيان،
أولهما: نظام القانون الروماني، باعتباره القانون العام الذي يطبق على كل إقليم إيطاليا.
ثانيهما: النظام المحلي الذي كان مصدره الأعراف والعادات المحلية، والذي لا يتعدى سلطانه حدود مدينة من المدن.
__________
(1) - وإنما عرفوه بمدلوله، وذلك لأن أحكام الفقه الإسلامي تنقسم إلى قسمين رئيسيين: 1= عبادات: وهي التي تنظم علاقة الإنسان بربه، ويقصد بها التقرب إلى الله تعالى، كالصلاة والصيام والزكاة والحج. 2= معاملات: وهي التي تنظم علاقة الإنسان بغيره. وهذا القسم كان الفقهاء القدامى –رحمهم الله- يُعَنوِنُون لكل مجموعة تنظم نوعا من العلاقات بعنوانٍ يجمعها، فيقولون مثلا: كتاب النكاح، كتاب الطلاق، كتاب البيع، كتاب الجنايات، كتاب الوصايا والمواريث، يعني أنهم كانوا يطلقون على كل بحث من أبحاث هذا القسم اسما خاصا به. وعليه فلم تكن كلمة "الأحوال الشخصية" معروفة عندهم.
يراجع: أحكام الأسرة في الإسلام، دراسة مقارنة للأستاذ محمد مصطفى شلبي، ص11، ط/ دار النهضة العربية، بيروت. (1/2)
صفحة 3
ومع مرور الزمن انفرط عقد السلطة المركزية الرومانية، واستقلت عنها كثير من المدن الإيطالية، مكوّنةً دويلات صغيرة، أو إقطاعيات، فإذا ثار نزاع بين شخصين كان منطقيا أن يثور التساؤل عن النظام القانوني الذي يحكم النزاع، أهو القانون الروماني باعتباره القانون العام في الدولة، أم القانون المحلي الذي يسري في الإقليم الذي قام فيه النزاع؟
الإجابة عن هذا التساؤل دعت الفقه في ذلك الوقت - للتفرقة بين النظامين القانونيين المتنازعين الاختصاص بالفصل في النزاع الماثل - إلى إطلاق تسمية على كل منهما، فأُطلق على القانون الروماني كلمة "قانون"، ويُعنى بها القواعد القانونية التي تتبع الشخص غالبًا، أينما يكون، بينما أُطلق على القانون المحلي كلمة "حال" وجمعها "أحوال"، ويُعنى بها القواعد القانونية التي يقتصر سلطانها على مكان معين (1) .
ثم قسمت هذه الأحوال إلى أحوال تتعلق بالأشخاص، وأحوال تتعلق بالأموال.
ولما كان التطور سنة الحياة فقد ذهبت ازدواجية النظام القانوني داخل الدولة الواحدة، وأصبح لكل دولة قانون واحد له صفة العموم، وبقي التقسيم السابق للأحوال في ظل النظام القانوني الواحد بعد شهرته وانتشاره، فاستعاره الفقه من الإيطاليين فأصبح القانون المدني ينقسم إلى طائفتين من القواعد:
الأولى: تتعلق بالروابط الشخصية أو بالأشخاص، وهذه أطلق عليها اصطلاح "الأحوال المتعلقة بالأشخاص".
والثانية: تتعلق بالروابط المالية، أو بالأموال، وهذه أطلق عليها اصطلاح "الأحوال المتعلقة بالأموال".
__________
(1) - أطلق لفظ (حال) على النظام المحلي لتغييره من إقليم إلى آخر بحسب حال كل إقليم. والحال ديدنها التغيير، أما النظام العام فلأنه يطبق على كافة أقاليم الدولة، ولا يتغير من إقليم إلى آخر، فأطلق عليه لفظ "قانون".
انظر: الوجيز في شرح أحكام الأحوال الشخصية لغير المسلمين، د. عبد الرزاق حسين، ص10، ط/ فجر الخليج، دبي. (1/3)
صفحة 4
ثم اختصر كل من الاصطلاحين فأصبح يطلق على الأولى اسم "الأحوال الشخصية"، وعلى الثانية "الأحوال العينية" (1) .
الفرع الثاني: بيان المقصود بالأحوال الشخصية (2) :
تعددت المحاولات لبيان المقصود بمصطلح "الأحوال الشخصية"، ويمكن بلورة هذه المحاولات فيما يلي:
__________
(1) - يراجع: أصول القانون، للأستاذ حسن كيرة، ص90 وما بعدها، ط/ دار المعارف بمصر. – أصول القوانين، للأستاذين: محمد كامل موسى، وسيد مصطفى، 2/376 وما بعدها، ط/ الرحمانية بمصر. – موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للأستاذ محمد عزمي البكري، ص12 وما بعدها، نشر دار محمود بالقاهرة. الوجيز في شرح أحكام الأحوال الشخصية لغير المسلمين، د. عبد الرزاق حسين، ص10.
(2) - تبدو أهمية المقصود بمصطلح "الأحوال الشخصية" على المستويين الداخلي والخارجي يعني على مستوى القانون الداخلي والقانون الدولي الخاص.
أما على المستوى الخارجي فإن قواعد القانون الدولي الخاص –الذي يحكم العلاقات المتضمنة لعنصر أجنبي- تقضي بأن مسائل الأحوال الشخصية لا تخضع للقانون الوطني، بل تخضع للقانون الشخصي، أي قانون البلد الذي ينتمي إليه أطراف النزاع بجنسيتهم، أو الذي يتفقون عليه، أو الذي يتخذونه موطنا لهم. وهذا على خلاف الأحوال العينية (أي المسائل المالية) حيث يخضع فيها –كقاعدة عامة- كل من الوطني والأجنبي لقواعد موحدة، وهي قانون الدولة التي يوجد فيها النزاع، ومن ثَمَّ استلزم الأمر تحديد المقصود بالأحوال الشخصية، ليتحدد القانون الواجب التطبيق.
وأما على المستوى الداخلي، فإن تحديد المقصود بالأحوال الشخصية له أهميته في تحديد الاختصاصات القضائية والتشريعية.
يراجع/ قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين، د/محمد حسين منصور، ص13، منشورات الحلبي الحقوقية. – الوجيز في شرح أحكام الأحوال الشخصية لغير المسلمين، د/ عبد الرزاق حسين، ص9. (1/4)
صفحة 5
أولا: ذهب بعض فقهاء القانون إلى أن مدلول مصطلح "الأحوال الشخصية" في القانون الداخلي لا يقابل مقابل مصطلح "الأحوال العينية"، بل ينصرف إلى مجموعة المسائل التي تتعدد بشأنها القوانين الواجبة التطبيق بصرف النظر عن مدى تغطية هذه المسائل لما يتضمنه اصطلاح "الأحوال الشخصية" في القانون الدولي الخاص (1) .
وقد اعتُرض عليه بأن المقصود من التعريف في نظر الفقه هو اتخاذه وسيلة لتحديد المسائل التي تتعدد بشأنها القوانين، والتعريف المذكور متوقف على تحديد هذه المسائل ذاتها، ومن ثم فهو عديم الجدوى (2) .
ثانيا: وذهب آخرون إلى بيان المراد بالأحوال الشخصية عن طريق المقابلة بين موضوعها وموضوع الأحوال العينية، فقالوا: الأحوال الشخصية هي المسائل التي يكون موضوعها الأشخاص، أما الأحوال العينية فهي التي يكون موضوعها الأموال، أي أن الأحوال الشخصية هي المركز القانوني للأشخاص، والعينية هي المركز القانوني للأموال (3) .
__________
(1) - يقصد بالأحوال الشخصية عند فقهاء القانون الدولي الخاص، تلك القوانين التي يكون موضوعها الأشخاص، ونطاقها أي مكان ذهب إليه. وهي تقابل "الأحوال العينية"، وهي تلك القوانين التي يكون موضوعها الأموال، ولا تطبق إلا داخل إقليمها.
يراجع: القانون الدولي الخاص، د. عز الدين عبد الله، 2/160 وما بعدها. ط/ الخامسة. – الوسيط في الأحوال الشخصية للوطنيين غير المسلمين، د. أحمد سلامة، ص25 وما بعدها، ط 1968م.
(2) - يراجع: الأحوال الشخصية لغير المسلمين، د. مصطفى الجمال، ص21 منشورات الحلبي الحقوقية.
(3) - يراجع: الأحوال الشخصية لغير المسلمين الوطنيين والأجانب، د. جميل الشرقاوي، ص153، ط1966م. – الوجيز في شرح الأحوال الشخصية لغير المسلمين، د. عبد الرزاق حسين، ص11. (1/5)
صفحة 6
وقد اعترض عليه بأنه يصعب في بعض الحالات تصنيف المسائل بين الأشخاص والأموال، مثل الميراث والنفقة (1) .
ثالثا: بينت محكمة النقض المصرية المقصود بالأحوال الشخصية في حكمها الصادر بتاريخ 21/6/1934م، حيث قالت في الطعن رقم 40 لسنة 3ق: "الأحوال الشخصية هي مجموعة ما يتميز به الإنسان عن غيره في الصفات الطبيعية أو العائلية، التي رتب القانون عليها أثرا قانونيا في حياته الاجتماعية، ككونه ذكرا أو أنثى، وكونه زوجا أو أرملا أو مطلقا، أو أبًا أو ابنا شرعيا، أو كونه تام الأهلية أو ناقصها لصغر سن، أو معدومها لعته أو جنون، أو كونه مطلق الأهلية أو مقيَّدَها بسبب من أسباب تقييدها القانونية.
أما الأمور المتعلقة بالمسائل المالية فكلها –بحسب الأصل- من الأحوال العينية (2) .
وقد اعتُرض على هذا التعريف بجملة من الاعتراضات؛ منها:
أ= أنه حصر مسائل الأحوال الشخصية في الحالة والأهلية فقط، وهذا على خلاف ما استقر عليه الأمر في مصر.
ولذا فقد استدركت المحكمة في نفس الحكم وأضافت الوقف والوصية والهبة، من ثم فقد التعريف الذي وضعته المحكمة أهميته، ولم يعد صالحا -باعتباره أساسا علميا- للتفرقة بين الأحوال الشخصية والأحوال العينية.
ب= يستشف من التعريف أن الأحوال الشخصية والحالة، اصطلاحان مترادفان، وليس كذلك، فالحالة واحدة من مسائل الأحوال الشخصية.
__________
(1) - يراجع: قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين، د/محمد حسين منصور، ص15، منشورات الحلبي الحقوقية-بيروت.
(2) - يراجع: مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض في الخمسة وعشرين عاما الأولى (أي من أول إنشائها عام 1931م وحتى 31/12/1956م)، ج1، ص177. – ومجلة المحاماة الشرعية، السنة الثامنة، ص329. (1/6)
صفحة 7
ج= أن المحكمة اعتبرت النفقات على اختلاف أنواعها من الأحوال العينية، مع أن المادة 16 من لائحة المحاكم الأهلية التي أنشئت عام 1883م كانت تعدها من مسائل الأحوال الشخصية (1) .
ومن ثم يمكن القول بأننا لم نلتمس تحديدا دقيقا للأحوال الشخصية، وما حدث من محاولات لا يعدو أن يكون مجرد تعداد غير كامل لمسائل هذه الأحوال، أو يكون غامضا لدرجة أنه لا يمكن التفريق من خلاله بين ما يدخل في نطاق الأحوال الشخصية وما يدخل في نطاق الأحوال العينية من مسائل. أو يكون يكون غير جامع لمسائل هذه الأحوال حيث يمكن أن يضاف إليها من المسائل ما تقتضي طبيعته أن يكون كذلك على أساس أن التحديد العام لهذه المسائل أنها المراكز القانونية المتصلة بمصالح الأشخاص الناشئة عن ارتباطهم بأُسَرهم.
لهذا وجدنا كثيرا من القانونيين يرون عدم وضع تعريف للأحوال الشخصية، وضرورة بحث كل مسالة على حدة، في ضوء ما تقرره النصوص التشريعية (2) .
__________
(1) - تراجع الاعتراضات بالتفصيل في:
- ... الوسيط في الأحوال الشخصية للوطنيين غير المسلمين، د. أحمد سلامة، ص40.
- ... موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للأستاذ محمد عزمي البكري، ص15.
- ... الوجيز في شرح أحكام الأحوال الشخصية لغير المسلمين، د. عبد الرزاق حسين، ص14.
- الأحوال الشخصية لغير المسلمين، د. مصطفى الجمال، ص23.
(2) - يراجع:
- الأحوال الشخصية لغير المسلمين. د. توفيق حسن فرج، ص22 وما بعدها، ط1988م. – أصول الأحوال الشخصية لغير المسلمين، د. إيهاب إسماعيل، ص53 وما بعدها. - قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين، د/محمد حسين منصور، ص15. - الوجيز في شرح أحكام الأحوال الشخصية لغير المسلمين، د. عبد الرزاق حسين، ص12. - موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للأستاذ محمد عزمي البكري، ص14. (1/7)
صفحة 8
وهنا أقول: إن مصطلحا كهذا، حار المتمسكون به في وضع تحديد دقيق له ينبغي علينا –نحن المسلمين- عدم استعماله سواء في التأليف أو في الحكم والقضاء، على أن تسمى تلك المجموعة من المسائل بـ"أحكام الأسرة في الإسلام"، أو بـ"قانون الأسرة الإسلامي"، أو بـ"نظام الأسرة في الإسلام"، أو نحو هذا. على اعتبار أن موضوعات هذه المسائل جميعا تتعلق بالأسرة، ولا شك أن المصطلحات المنضبطة تُعفينا كثيرا من التعقيد والاضطراب، فضلاً عن الانعتاق من التبعية البغيضة لأعداء الإسلام.
الفرع الثالث: تعريف موجز بقانون (1) الأحوال الشخصية العماني:
صدر قانون الأحوال الشخصية العماني بالمرسوم السلطاني رقم 32 سنة 1997م، مشتملاعلى 282 مائتين واثنتين وثمانين مادة (2) عالجت كل عناصر الأحوال الشخصية من زواج وحقوق للزوجين والأولاد، وفُرق وأهلية وولاية ووصية وميراث.
وجاء في المادة قبل الأخيرة من الفقرة د: "إذا لم يوجد نص في هذا القانون يحكم بمقتضى قواعد الشريعة الإسلامية الأكثر ملاءمة لنصوص هذا القانون".
ولهذا القانون سمات أساسية، من أبرزها ما يلي:
__________
(1) - كلمة "القانون" وإن كانت يونانية الأصل، إلا أنها عُربت منذ قرون، قال ابن منظور في لسان العرب، باب النون، فصل القاف، ط/ دار صادر، بيروت: "وقانون كل شيء طريقه ومقياسه".
وقد استعملها الفقهاء والمفسرون القدامى كالفقيه المالكي ابن جزيء الذي سمى كتابه "قوانين الأحكام الشرعية ومسائل الفروع الفقهية". وكذا الماوردي وابن رشد، والقاضي أبي يعلى والغزالي وابن خلدون والرازي وغيرهم.
يراجع/ التطور التشريعي في المملكة العربية السعودية، د. محمد عبد الجواد محمد، ص13، ط جامعة القاهرة والكتاب الجامعي، سنة 1977م.
(2) - كلها خاصة بالمسلمين، أما غير المسلمين الذين يعيشون في السلطنة، فلهم أحكامهم الخاصة بهم، ما لم يطلبوا تطبيق نصوص هذا القانون، وهو ما نصت عليه المادة (282) من هذا القانون. (1/8)
صفحة 9
أولا: أن جميع مواده مأخوذة من الشريعة الإسلامية دون التقيد بمذهب فقهي بعينه (1) . على اعتبار أن الفقه الإسلامي كله مجموعة متكاملة، لأن جميع المذاهب الإسلامية لم تتجاوز في مصادرها كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وما أجمع عليه المجتهدون من الفقهاء، وما قضى به القياس وما ألحق به من الأدلة المعتبرة شرعا.
لهذا كانت جميع المذاهب الإسلامية ممثلة الشريعة الإسلامية، وكان لوليّ الأمر أن يختار منها ما تطمئن إليه نفسه، ويرى أن المصلحة في اختياره، ووجب على القضاة الالتزام بما اختاره، لأنهم نوابه، فليس لهم مخالفته في ذلك. ولأن طاعة ولي الأمر واجبة ما كانت في غير معصية (2) .
__________
(1) - غير أن انتماء عمان الفقهي جعل المذهب الإباضي الغالب في هذا القانون.
(2) - يراجع: الأحكام السلطانية والولايات الدينية، للماوردي، ص92، ط دار الكتب العلمية، بيروت. – الإسلام وتقنين الأحكام للشيخ محمد أبو زهرة، ص23، ط الثانية، سنة 1977. (1/9)
صفحة 10
ثانيا: لما كانت أنماط البيئات لها مكانتها في التشريعات، فإن المقنن العماني قد راعى ذلك ولم يتجاهل –في الجملة (1) - الأخلاق والعادات العمانية، بل جاء مطابقا لأسس الحياة الطبيعية عند العمانيين. وهو ما يعرف في لغة القانونيين بالقومية في التشريع، فاشترط الولي في الزواج، واعتبر الكفاءة فيه، وأجاز تعدد الزوجات، ونص على أن الصداق ملك للمرأة تتصرف فيه كيف شاءت، ولا يعتدّ بأي شرط مخالف، وأقام الجد مقام الأب في حجب الإخوة والأخوات الشقيقات أو لأب، وغير ذلك مما هو معروف عند العمانيين.
وقولنا: إن القانون راعى الأعراف والعادات العمانية لا يتعارض مع القول بأن أحكام الإسلام معتبرة لكل الشعوب الإسلامية، وأنها صالحة لكل زمان ومكان، لأن الأحكام منها ما هو ثابت ومنها ما هو متغير بتغير الأحوال والأزمان في ضوء المصلحة العامة (2) .
__________
(1) - قلنا "في الجملة" لورود بعض المسائل في القانون على خلاف ما جرى عليه العرف والعمل في المحاكم العمانية قبل صدور هذا القانون، كمسألة ترتيب الأولياء في النكاح، حيث رتب القانون الابن قبل الأب والجد، وهذا مخالف لما كان عليه العمل قبلاً، فلم يكن للابن شأن مع وجود الأب أو الجد. وأيضا مسألة تحديد سن معينة للزواج على خلاف ما جرت عليه العادات العمانية.
(2) - الثابت من الأحكام هو المعلوم من الدين بالضرورة، أو هو المجمع عليه، كإجماعهم على وجوب الصلاة والزكاة والحج وصيام رمضان، وأن البيع حلال وأن الزنا حرام، ونحو ذلك.
أما المتغير فهو ما كان محل ظن ونظر، والظن إدراك الطرف الراجح، والنظر ترتيب أمور معلومة للتوصل بها إلى المجهول، فهو مكوّن من مقدمات قد تكون ظنية تحتاج إلى إقامة دليل وبيان جهة دلالته. ومن هنا يمكن مناقشة الدليل، ويمكن مناقشته دلالته على المدلول، وذلك يخرج المسألة من حد الثبات إلى حد التغير. وعلى هذا يمكن القول بأن الفروع الخارجة عن الإجماع والتي هي محل نظر وتفكر، تمثل جزءا من المتغير.
يراجع: الثابت والمتغير من الأحكام الشرعية، د. علي جمعة، بحث مقدم لندوة "الثابت والمتغير في الشريعة الإسلامية" في كلية الشريعة والقانون بمسقط، سنة 1999م، ص19 وما بعدها. (1/10)
صفحة 11
أما الثابت فلا فرق فيه بين شعب وآخر، وأما المتغير فهو أحكام فرعية لمسائل اقتضتها الحياة الاجتماعية والاقتصادية.
ثالثا: ترك القانون هامشا عريضا لتقدير القاضي واجتهاده وفقًا للمصلحة والعرف المستقر، كما في المواد 90، 108، 128، 130 وغيرها.
رابعا: اعتمد القانون الحساب القمري في المدد الواردة به (1) . وذلك لأن الأمر يتعلق بمسائل شرعية، ربطها الفقه الإسلامي بالتقويم القمري، كسن التمييز والبلوغ، وأقل مدة الحمل، وأكثرها، والعِدد، وغيرها.
خامسا: أدخل القانون بعض المسائل المالية الخالصة كالنفقة والمهر والوصية في الأحوال الشخصية مع أنها في الأصل من الأحوال العينية (2) . والذي دعاه إلى ذلك هو إبقاء المسائل التي فيها جانب ديني كالوصية، أو ترتبط بأمر ديني كالمهر والنفقة، من اختصاص الدوائر الشرعية التي فصل عملها على النظر في الأمور الدينية.
سادسا: التزم القانون بما جرت عليه عادة التقنينات الحديثة من الترتيب والتبويب والتقسيم، وصيغت نصوصه صياغة فنية دقيقة بلغة سهلة سليمة، تحقق من خلالها مقصود المشرع في الجملة.
كما كانت المصطلحات الواردة به من المصطلحات التي درج العقل الفقهي والفكر القانوني على استخدامها، وقد ساعد كل ذلك على تقليل مظان التفسير القضائي وسهولة إدراك المعاني، كما ساعد على صياغة فهرس دقيق للمواد يعين على الرجوع إليها عند الحاجة.
ومن هنا، فإنا نراه قانونا عصريا استلهم مبادئ الشريعة الإسلامية، واستهدى بأحكام الفقه الإسلامي، واستفاد من التجارب والمحاولات السابقة من قوانين ومشروعات قوانين، لكنه - كأي عمل بشري – لم يَخْلُ من بعض الملحوظات التي منها:
__________
(1) - نصت على ذلك المادة (280).
(2) - لتعلقها بالمال واستحقاقه أو عدم استحقاقه. (1/11)
صفحة 12
أولا: أنه أغفل الأمور المستحدثة، والتي لها تعلق كبير بفقه الأحوال الشخصية، كالتلقيح الاصطناعي، فهو -إن قلنا بمشروعيته- يحتاج إلى نصوص تشريعية تنظمه حتى لا تختلط الأنساب، وكالفحص الطبي قبل الزواج، فهذه المسألة - فيما يبدو لي - تحتاج إلى نص تشريعي، وخاصة في حالة وجود أمراض معدية، وكون الزواج من أسباب انتشارها، وكثبوت النسب عن طريق فصح الدم، أو ما يعرف بالصحة الوراثية. وإجراء الزواج والطلاق عبر وسائل الاتصال الحديثة، وغير ذلك من القضايا الجديدة المطروحة على الساحة، فقد كان المأمول أن يتعرض القانون لهذه المسائل وأمثالها بالبيان، وبخاصة أنه قانون حديث النشأة كما قلنا قبلاً.
ثانيا: أنه أسهب في تناول بعض المسائل إسهابا وصل إلى درجة الشرح، حتى قلته ليته سكت. وأوجز في بعض المسائل إيجازا مخلاً لدرجة أنه تحدث عن بابين من أبواب الفقه في مادتين لا تزيد كل منهما عن سطر واحد.
ومن أمثلة ما أسهب فيه: التطليق للضرر والشقاق، فقد تكلم عن هذا الموضوع في المواد 101، 102، 103، 104، 105، 106، 107، 108 ولو اكتفى بالمادتين 101، 102 في هذا الموضوع وترك التفصيل للقاضي أو للمذكرة التوضيحية لكان أولى.
ومن أمثلة ما أوجز فيه إيجازا شديدا: الإيلاء والظهار، فقد تحدث عن الإيلاء في المادة 113 فقط. وتحدث عن الظهار في المادة 114 فقط. ومن المعلوم أن بابي الإيلاء والظهار فيهما أحكام كثيرة تحتاج إلى تقنين، وبالأخص التي وقع فيها اختلاف بين الفقهاء، لأن هذا من أهداف التقنين.
ثالثا:
صيغت بعض مواده بصورة غير دقيقة، وعلى سبيل المثال. ما يلي:
1- المادة 93 الفقرة ب فقد جاء فيها ما نصه: "توثق الرجعة وتعلم بها الزوجة في الحال".
فقوله: "وتعلم بها الزوجة" غير منضبط، لأنه يحتمل أن يكون عبء إعلام الزوجة على الموثق، كما يحتمل أن يكون على الزوج، وهذا الاحتمال أقل ما يقال فيه إنه موهم لغير المراد. (1/12)
صفحة 13
كما أن قوله "في الحال" غير سديد، لأن الزوج أو الموثق قد يمنعه من إعلام الزوجة في الحال عذر طارئ.
ولذا كان الأولى أن يقال: توثق الرجعة وعلى الموثق أن يقوم بإعلام الزوجة أو من ينوب عنها خلال مدة معينة يحددها القانون.
2- وقال في المادة 98 الفقرة ب ما نصه: " إذا كانت العلة يرجى منها برء قبل مضي سنة تعطي المحكمة للمعتل أجل سنة، قبل التطليق " دون أن يبين متى تبدأ هذه السنة؟ هل تبدأ من وقت الخصومة؟ (1) ، أم من وقت القضاء بالتأجيل؟.
فهذا لا يصح إغفاله هنا، لأنه مما تختلف فيه وجهات النظر.
3- وفي المادة 110 ما نصه: " للزوجة طلب التطليق بسبب غياب زوجها المعروف موطنه أو محل إقامته، ولو كان له مال يمكن استيفاء النفقة منه، ولا يحكم لها بذلك إلا بعد إنذاره، إما بالإقامة مع زوجته، أو نقلها إليه، أو طلاقها. على أن يمهل لأجل لا يقل عن أربعة أشهر، ولا يتجاوز سنة ".
والمادة على هذا النحو فيها إيهام يجب أن يزال، لأن قوله: "على أن يمهل لأجل لا يقل عن أربعة أشهر، ولا يتجاوز سنة" يحتمل أن يكون شرطا لقبول الدعوى، فيكون المراد به: تحديد مدة الغيبة التي يحق للزوجة بعد مضيها رفع دعوى التطليق للغيبة، بحيث لا تقبل الدعوى قبل مضي هذه المدة، كما يحتمل أن يكون شرطا للحكم بالتطليق بعد الإنذار بالإقامة مع زوجته أو نقلها أو طلاقها. فيكون المراد: على أن يمهل لأجل بعد إنذاره لا يقل عن أربعة أشهر ولا يتجاوز سنة.
فإن كان المراد المقنن الاحتمال الثاني أي كونه شرطا للحكم بعد الإنذار فإنه يعاب عليه بأنه لم يبين مدة الغيبة المخولة لطلب التفريق، فضلا عن أنه يفهم منه -حينئذ- أن الزوج إذا اختار واحدا من ثلاثة عودته إلى زوجته، نقلها إليه، طلاقها قبل مضي أربعة أشهر لا يقبل منه.
__________
(1) - وهو ما عليه بعض البلدان العربية كمصر. (1/13)
صفحة 14
وإن كان المراد الاحتمال الأول تحديد مدة الغيبة فإن ظاهر النص لا يسعفه ولا يعين عليه. ومن ثَمّ أرى إعادة النظر في صياغة المادة للإفصاح عن المقصود بعبارة تقطع هذا الاحتمال.
ثم إن إغفال المقنن التفرقة بين الغيبة بعذر كغياب في بعثة علمية لا يمكن أن تكون الزوجة معه فيها، أو التجارة أو انقطاع الموصّلات، ونحو هذا، وبين الغيبة بغير عذر، والتي يكون القصد منها الإضرار بالزوجة، محل نظر أيضا.
فإن قال قائل: إن الضرر الذي هو مناط الحكم متحقق في حالة الغياب بعذر وبغير عذر.
قلنا: إن الغيبة إذا كانت بغير عذر يلحق المرأة فيه الضرر من غير فائدة تعود عليها أو على الحياة الزوجية، فلا يكون للمرأة ما يحملها على الصبر، أما الغيبة بعذر ففيها من الفائدة التي تعود على الحياة الزوجية المستقبلية ما فيها، وعلى المرأة أن تتحمل قسطا من أعباء تلك الحياة لبناء مستقبل الأسرة، كما أن قوله تعالى: { وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا } (1) . يفيد أن الإمساك المنهي عنه هو ما كان بقصد الإضرار، فالمناط -إذن- هو قصد الإضرار لا مطلق إضرار.
ويراعى أن الأعذار لا يمكن حصرها في عدد معين، بل تخضع لتقدير قاضي الموضوع.
وبناء على ما سبق أقترح أن يكون نص المادة كما يلي:
للزوجة طلب التطليق إذا غاب زوجها بغير عذر مقبول سنة فأكثر، إن كان معروف الموطن أو الإقامة، ولو كان له مال يمكنها الإنفاق منه، ولا يحكم لها بذلك إلا إذا ضرب القاضي له أجلا أنذره فيه بالإقامة مع زوجتها أو نقلها إليه أو طلاقها".
__________
(1) سورة البقرة:الآية (213). (1/14)
صفحة 15
4- وجاء في الفقرة ج من المادة 120 ما نصه تعتد المدخول بها في عقد فاسد أو بشبهة إذا توفي عنها الرجل عدة الطلاق : " ومفاد هذه الفقرة أنها تعتد عدة الطلاق مطلقا، وليس الأمر على إطلاقه هكذا بالإجماع، لأنها إن كانت حاملا فعدتها بوضع الحمل. لذا يجب إضافة قيد ما لم تكن حاملا، لذات الفقرة (1) .
5- وجاء في المادة 139 " سن الرشد إتمام الثامنة عشرة من العمر "وفي المادة 140 "
القاصر من لم يبلغ سن الرشد، ويعتبر في حكمه : أ- الجنين. ب- المجنون والمعتوه وذو الغفلة، والسفيه. ج- المفقود والغائب ".
وهنا نلحظ ما يلي:
أ= أن المقنن عبّر في المادتين بـ سن الرشد، وهو تعبير غير دقيق، لأن الحكم على الإنسان بالرشد لا يخضع لبلوغه سنا معينة، وإنما هو رهين حسن التصرف في المال الذي يعرف بالاختبار والابتلاء.
يعني لا توجد سن معينة للرشد، فقد يبلغ الشخص الثامنة عشرة من عمره وأكثر ولا يكون رشيدا، كمن يتصرف في أمواله على خلاف مقتضى الشرع والعقل، بل توجد سن للبلوغ يحكم على الإنسان بعدها بالتكليف والمسؤولية عن تصرفاته، إذا لم تظهر علامات البلوغ الطبعية، كالاحتلام والحيض والحمل.
__________
(1) - فإن قال قائل: إن الفقرة (ب) من نفس المادة بينت عدة الحامل، قلنا: إن الفقرة (ب) تتحدث عن عدة الحامل التي مات عنها زوجها بعد زواج صحيح، أما الفقرة (ج) فتتحدث عن عدة المدخول بها بعقد فاسد أو موطوءة بشبهة سواء أكانت حاملا أم حائلا، وسواء أتوفي عنها ذلك الرجل الذي دخل بها إثر عقد فاسد أو وطئها بشبهة أم لا. (1/15)
صفحة 16
وهذه السن –أعنى سن البلوغ- قد اختلف فيها، فقيل: أربع عشرة سنة، وقيل: خمس عشرة سنة، وقيل: سبع عشرة سنة، وقيل: ثماني عشرة سنة، وقيل: غير ذلك (1) .
وتأسيسا على ما سبق لو عبّر بـ"سن البلوغ" لكان أولى وأدق.
ب- أن القانون اعتبر كمال الأهلية ببلوغ الثامنة عشرة من العمر وأهمل العلامات الطبعية للبلوغ كالاحتلام والحيض والحمل وغيرها. وهذا يعني أن من لم يكمل الثامنة عشرة من عمره وظهرت عليه علامات البلوغ الطبعية لا يكون أهلا للتصرف ولا يكون مسؤولا مسؤولية كافية عن تصرفاته. وهذا على خلاف ما اتفقت عليه كلمة الفقهاء من أن الإنسان إذا ظهرت عليه إحدى العلامات الثلاث السابقة انتقل من مرحلة الصبا إلى مرحلة البلوغ الذي تلزم به العبادات والحدود وسائر الأحكام.
ج= ألحق القانون الغائب والمفقود بالقاصر في الحكم وجعله كالجنين والمجنون في فقدان الأهلية، أو كالمعتوه وذي الغفلة والسفيه في نقصانها. وهذا الإلحاق أقل ما يقال فيه إنه غير سديد، ولا وجه له ألبتة، لأن الغائب أو المفقود من حيث الأهلية لهما نفس الحكم السابق على حالة الغياب أو الفقد، فإن كانا بالغين راشدين فتصرفاتهما صحيحة، و تعيين وكيل قضائي لهما -إن لم يكن لهما وكيل- هو من باب حفظ أموالهما فقط، وليس لكونهما ناقصي الأهلية أو فاقديها (2) .
6- وجاء في المادة 232 ما نصه: " التركة ما يتركه المتوفى من أموال وحقوق ".
__________
(1) - يراجع: شرح النيل وشفاء العليل، للشيخ امحمد بن يوسف اطفيش، 2/6 ط مكتبة الإرشاد بجدة. – بدائع الصنائع للكاساني، 7/172 ط دار الكتب العلمية، بيروت. – حاشية الصاوي على الشرح الصغير، 3/404 ط الحلبي، مصر. – مغني المحتاج، 1/166. ط دار الفكر، بيروت. – المغنى، 6/598 ط دار الكتب العلمية، بيروت.
(2) – يراجع: دراسة عامة لقانون الأحوال الشخصية العماني، رسالة ماجستير، للشيخ هلال الراشدي، ص52 وما بعدها. (1/16)
صفحة 17
وإطلاق لفظ حقوق هذا موهم لغير المراد، لأنه يفهم منه أن الحقوق الشخصية داخلة ضمن عناصر التركة، وليس كذلك بالإجماع، ولذا كان ينبغي أن يقال: "وحقوق مالية" حتى يخرج الحق الشخصي.
وبعد... فهذه الملحوظات لا تنال من هذا القانون ولا تقدح فيه، لأنها قليلة بالنسبة لمحاسنه، ويمكن معالجتها عن طريق المذكرة التوضيحية إن أمكن ذلك، وإلا فعن طريق إعادة صياغة المواد التي شابها بعض النقص.
والآن نشرع في بيان المقصود في مبحثين:
الأول: موقف الفقهاء من تحديد سن الزواج.
والثاني: موقف قانون الأحوال الشخصية العماني من تحديد سن الزواج.
فنقول وبالله التوفيق:
المبحث الأول
موقف الفقهاء من تحديد سن الزواج
تمهيد وتحرير لمحل البحث:
من سنة الله - تعالى - في كونه قيامه على التزاوج فيما نعلم وفيما لا نعلم، يقول جل شأنه: { سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون (1) } ، ويقول سبحانه: { ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون } (2) .
والتزاوج فيما يختص بالإنسان هو عقد بين رجل وامرأة تحل له شرعا، يفيد حل العشرة بينهما بما يتقاضاه الطبع الإنساني، ويحدد ما لكليهما من حقوق وما عليه من واجبات (3) .
__________
(1) سورة يس، الآية ( 36 ).
(2) - سورة الذاريات الاية ( 49 ).
(3) - عرف الفقهاء الزواج بتعريفات تتباين لفظا وتتفق معنىغالبا، فعرفه بعضهم بأنه: عقد يفيد بطريقة الأصالة ملك استمتاع الرجل بالمرأة وحل استمتاع المرأة بالرجل.( يراجع/ تبيين الحقائق للزيلعي،4/64، ط دار المعرفة بيروت ).
وعرفه آخرون بأنه عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ إنكاح أو تزويج ( يراجع/حاشية قليوبي وعميرة على المنهاج 3/206 ط الحلبي- القاهرة ).
وعرفه الشوكاني بقوله: وفي الشرع عقد بين الزوجين يحل به الوطء. (يراجع / نيل الأوطار 6/101 ط مكتبة دار التراث- القاهرة ).
ويلاحظ أن هذه التعاريف لا تكاد تخرج عن العلاقة الحسية بين الرجل والمرأة، مع أن هذه العلاقة ليست في الواقع إلا ترجمة مادية للعلاقة النفسية والروحية بين الزوجين ؛ نعم المتعة الجنسية مقصودة من الزواج لكنها ليست هي كل أغراضه، إذ إن الزواج ينشئ بين الزوجين علاقة تحقق بينهما المودة والرحمة والسكن، ومن هنا كان ينبغي أن يتضمن التعريف به ما يجمع بين الروابط المادية والمعنوية.
والحقيقة هذا المعنى لم يغب عن فقهائنا القدامى، فقد أومأوا إليه في مواطن مختلفة من قضايا الأسرة لكن يبقى تعريفهم للزواج قاصرا عل الجانب المادي منه فقط. (1/17)
صفحة 18
وهو بهذا المعنى له أهمية كبرى، يتجلى بعضها في تعمير الكون، وتحقيق معنى الخلافة عن الله - تعالى - على الوجه الأكمل، وتلبية الحاجات الفطرية لدى الإنسان على النحو اللائق بكرامته وتكريمه، فكلنا أبناء هذا العقد، والتناسل بغيره معصية وخذلان، ووجود الإنسان بدونه وجود قلق يعوزه النسب الذي إليه ننتمي، والأسرة التي بها نحتمي، والتي هي عماد المجتمع وركيزته الأساسية التي يقوم عليها صرحه المتين.
ولأن الزواج له هذه الأهمية فقد عني الإسلام به عناية فائقة منذ لحظة التفكير فيه، ومرورا بإنشائه وإقامته، وانتهاء بانحلاله بالفسخ أو الطلاق ؛ ويتمثل ذلك في النصوص القرآنية والنبوية التي حوت الكثير من الضمانات والمقومات والشروط، التي تكفل مراعاتها استقراره على النحو المرجو منه.
من هذه الشروط: ما يتعلق بأهلية (1)
__________
(1) - الأهلية في اللغة مؤنث الأهلي، والأهلي المنسوب إلى الأهل، والأهل للشيء الصالح له، وعلى هذا فالأهلية للأمر تعني الصلاحية له. ( يراجع / لسان العرب لابن منظور، 01/253، ط دار صادر- بيروت، المعجم الوسيط الصادر عن محمع اللغة العربية بالقاهرة، ص32 ).
أما في اصطلاح الأصوليين: فهي صلاحية الإنسان لثبوت الحقوق المشروعة له ووجوبها عليه، ولصدور الأفعال منه على وجه يعتد به شرعا.
وهي نوعان: أهلية وجوب، وأهلية أداء.
أما أهلية الوجوب: فهي صلاحية الإنسان لثبوت الحقوق المشروعة له أو وجوبها عليه، أو بعبارة أخرى: صلاحيته للإلزام والإلتزام.
وهي قسمان: ناقصة، وكاملة.
فأهلية الوجوب الناقصة: هي صلاحية الشخص لثبوت الحقوق له فقط. وهي ثابتة للجنين في بطن أمه قبل الولادة، وإنما كانت كذلك – يعني ناقصة – في حقه لأنه من ناحية يعد جزءا من أمه، إذ هو ينتقل بانتقالها ويستقر بقرارها، ومن ثم لا تكون له ذمة مستقلة، ومن ناحية أخرى يعد إنسانا مستقلا عن أمه متهيئا للانفصال عنها بعد تمام تكوينه، ليصبح نفسا مستقلة، ومن ثم لا يعد جزءا منها مطلقا، وبالنظر إلى الناحيتين تكون له ذمة لكنها ليست كاملة بل ناقصة، تؤهله لاكتساب بعض الحقوق النافعة له والتي لا تحتاج إلى قبول كالنسب والميراث، ولا تؤهله لأن يجب عليه شيء.
وأهلية الوجوب الكاملة: هي صلاحية الشخص لثبوت الحقوق له أو عليه. وهي تثبت للشخص منذ ولادته حيا، ولا تفارقه في جميع أدوار حياته، فالصغار والمجانين ومن في حكمهما لهم أهلية وجوب كاملة، وبالجملة لا يوجد إنسان فاقد لهذه الأهلية.
وأما أهلية الأداء: فهي صلاحية الشخص لصدور التصرفات منه على وجه يعتد به شرعا، وهي قسمان: ناقصة، وكاملة.
فأهلية الأداء الناقصة: هي صلاحيته لصدور بعض التصرفات منه دون البعض الآخر، أو صدور البعض منها وتوقفه على رأي من هو أكمل منه عقلا وأعلم بوجوه النفع والضرر. وهذه الأهلية تثبت للصغير المميز، أي بعد تمام السن السابعة إلى البلوغ، فالصغير المميز تصح منه بعض التصرفات دون البعض، فما يتعلق بحقوق الله تعالى – كالإيمان والصلاة والصوم والحج يصح منه، لكن لا يكون ملزما بهذه العبادات إلا على وجه التأديب والتهذيب، أي لا يستتبع فعله عهدة في ذمته، فلو شرع في الصلاة لا يلزمه المضي فيها، ولو أفسدها لا يجب عليه قضاؤها، وما يتعلق بحقوق العباد كالعقود فإنها لا تصح منه عند الإباضية والشافعية وبعض الحنابلة، وعند الحنفية عقوده على ثلاثة أنواع: إما أن تكون نافعة له نفعا محضا، وهذه تصح منه، وإما أن تكون ضارة به ضررا محضا، وهذه لا تصح منه، وإما أن تكون دائرة بين النفع والضرر، وهذه موقوفة على إجازة وليه، فإن أجيزت نفذت وإلا بطلت، ويرون أن الإجازة تجبر نقص الأهلبة.
وأما أهلية الأداء الكاملة: فهي صلاحية الشخص لصدور الأقوال والأفعال منه على وجه يعتد به شرعا دون توقف على رأي غيره.وتثبت للبالغ الرشيد، وهي مناط التكليف الشرعي وتوجه الخطاب من الشارع. ( يراجع تفصيل ذلك في: كشف الأسرار للبزدوي، 04/237 وما بعدها، المستصفى للغزالي، 01/84 وما بعدها، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي، 01/130 وما بعدها، شرح طلعة الشمس للسالمي، 02/245 وما بعدها ). (1/18)
صفحة 19
الزوجين للزواج، وهو موضوع البحث.
وقد أجمع أهل العلم قاطبة على أنه لا بد من وجود أهلية الأداء في المتعاقدين في الزواج، ومن ثم فالصغار دون سن التمييز (1) لا تصح مباشرتهم لعقد زواجهم، وإن باشروه كان العقد باطلا، ولا يقبل الإجازة مطلقا، يعني: لا من الولي ولا منهم بعد البلوغ (2) .
وهذا أمر بدهي، لأن أي عقد سواء أكان زواجا أم غيره يعتمد على فهم المقصود منه، والصغار دون سن التمييز لا قصد لهم ولا رأي، لذا رفع الشارع القلم عنهم كما جاء في حديث عليّ وعمر – رضي الله عنهما – أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم » (3) .
ورفع القلم عن هؤلاء يعني عدم الاعتداد بتصرفاتهم شرعا، ومنها الزواج.
وهذا الذي سبق – كما قلنا – لا خلاف فيه بين الفقهاء، إنما الخلاف هنا في مسألتين:
المسألة الأولى: مباشرة الصغير عقد زواجه إذا بلغ سن التمييز وقبل أن يبلغ الحلم ؛
والمسألة الثانية: مباشرة الولي عقد تزويج الصغار جبرا عليهم قبل البلوغ.
__________
(1) - الصغير المميز هو الذي يعقل التصرف الذي يجريه ويقصده، أي يعرف أن البيع سالب للملك، والشراء جالب له، ويقصد الربح ويميز بين الغبن الفاحش واليسير، وغير المميز عكسه. ( يراجع/ تبيين الحقائق، 05/191، ط دار الفكر – بيروت ).
(2) - يراجع/ البحر المحيط للزركشي، 01/345، ط وزارة الأوقاف الكويتية، تحقيق: عبد الستار أبو غدة و آخرين.
(3) - رواه أحمد وأبو داود والحاكم، وفي رواية لأحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجة والحاكم عن عائشة – رضي الله عنها – أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر » والمراد بالمبتلى: المبتلى بفقدان العقل وهو المجنون، ويؤيده حديث علي وعمر رضي الله عنهما. (1/19)
صفحة 20
وفيما يلي بيان أقوال أهل العلم في المسألتين مشفوعة بأدلتها مع بيان الرأي المختار.
المسألة الأولى:
حكم مباشرة الصغير المميز عقد زواج نفسه
اختلف فقهاؤنا في هذه المسألة على رأيين:
الرأي الأول:
ذهب الحنفية، وأكثر المالكية، والحنابلة في رواية إلى أن الصغير المميز إذا باشر عقد زواج نفسه بإذن وليه كان عقده صحيحا نافذا، وإن باشره بغير إذن وليه كان العقد موقوفا على إجازة الولي، فإن أجازه نفذ وإلا فلا، قياسا على بيعه وشرائه، فإن بيعه وشراءه بإذن وليه جائزان عندهم لقوله تعالى: { وابتلوا اليتامى } (1) ، أي اختبروهم لتعلموا رشدهم، وإنما يتحقق الاختبار بتفويض التصرف إليهم بيعا وشراء، فيقاس زواجه على بيعه في توقف كل منهما على إجازة وليه بجامع أن كلا منهما عقد معاوضة (2) .
الرأي الثاني:
__________
(1) - سورة النساء، الآية ( 06 ).
(2) - يراجع/ بدائع الصنائع للكاساني، 02/232 وما بعدها، ط دار الكتب العلمية-بيروت، حاشية رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين، 06/184، ط دار الفكر- بيروت، الذخيرة للقرافي، 04/206، ط دار الغرب الإسلامي- بيروت، تحقيق الأستاذ: محمد أبو خبزة، شرح الخرشي على مختصر خليل، 05/292، ط دار الفكر-بيروت، المغني لأبي محمد بن قدامة بأعلى الشرح الكبير على متن المقنع، 07/394، ط دار الكتب العلمية- بيروت، كشاف القناع للبهوتي، 03/151، ط عالم الكتب- بيروت. (1/20)
صفحة 21
وذهب الإباضية، والشافعية، وبعض المالكية، والحنابلة في الرواية الثانية إلى بطلان عقود الصغير المميز مطلقا، أي سواء أكانت زواجا أم غيره، وسواء أكانت نافعة نفعا محضا أم ضارة ضررا محضا، أم دائرة بين النفع والضر، وسواء أذن له الولي أم لا، لعدم أهليته لصدور التصرفات منه على وجه يعتد به شرعا، لأن حديث رفع القلم لم يفرق بين المميز وغيره، فدل على أن الحكم بالنسبة لهما سواء (1) .
__________
(1) - يراجع/ شرح النيل للشيخ اطفيش، 13/674، ط مكتبة الإرشاد -جدة، شرح طلعة الشمس للشيخ السالمي، 02/247، ط وزارة التراث القومي والثقافة -سلطنة عمان، مغني المحتاج للشربيني الخطيب، 02/07، ط دار الفكر بيروت، نهاية المحتاج للرملي، 04/355، ط الحلبي -مصر، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، 03/05، ط دار الفكر، الذخيرة للقرافي، 04/206، الشرح الكبير على متن المقنع لأبي الفرج بن قدامة أسفل المغني، 07/385، كشاف القناع، 03/157. (1/21)
صفحة 22
ويبدو لي: أن الأولى عدم جواز مباشرة الصغير عقد زواج نفسه، سواء أجازه الولي أم لا، لأن العقد بغير عاقد مؤهل له لا يصح، والصغير ولو كان مميزا مسلوب أهلية الأداء، إذ هي تثبت بوجود العقل كاملا، ولما كان العقل أمرا خفيا لا يدرك كماله جعل الشارع البلوغ علامة كاشفة عنه (1) ، فمن بلغ الحلم عرفنا أنه قد كمل عقله الكمال الذي علق الشارع الحكم عليه، إلا إذا ظهر لنا منه خلاف ذلك فنعطيه حكم ما ظهر من حاله، ومن لم يبلغ الحلم كان عقله ناقصا أو منعدما، وانعدام عقله أو نقصانه مانع من صحة تصرفاته لعدم القصد الصحيح، ولا أثر لإجازة الولي هنا لأنها تعني تصحيح ما أبطله الله - تعالى – على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو قوله: «رفع القلم عن ثلاثة» وذكر منها الصبي مطلقا، أما الابتلاء في قوله تعالى: { وابتلوا اليتامى } فالمقصود به أن يمتحن الصغير في المماكسة حتى إذا أراد العقد عقد عنه وليه، لا أن يعقد هو، ويكون الاختبار في المماكسة لمعرفة رشده حتى تسلم أمواله إليه إذا بلغ، لأن الله – تعالى – علق دفع المال إليه على شرطين: إيناس الرشد، والبلوغ (2) .
ولو فرضنا – جدلا – أن الابتلاء في الآية لا يتحقق إلا بتفويض التصرف إليهم بيعا وشراء، فإن قياس الزواج على البيع والشراء غير مسلم، لأن بيعه – على رأي من قال به – إنما جاز للحاجة إليه وهو اختباره في أمور التجارة للوقوف على رشده من عدمه، والزواج ليس كذلك، يعني ليس من أمور التجارة حتى يختبر فيه، فضلا عن أنه قياس مع الفارق، فالبيع عقد معاوضة مالية والزواج عقد معاوضة غير مالية، والقياس مع الفرق باطل كما هو معلوم لدى الأصوليين، والله أعلم.
المسألة الثانية:
حكم تزويج الولي الصغار دون البلوغ
اعلم أن الفقهاء اختلفوا في هذه المسألة أيضا على ثلاثة مذاهب:
__________
(1) - يراجع/ شرح طلعة الشمس، 02/247.
(2) - يراجع/ مغني المحتاج، 02/ 07. (1/22)
صفحة 23
المذهب الأول: القول بالجواز مطلقا: يعني يجوز للولي تزويج الصغير والصغيرة، سواء أكانا مميزين أم لا، وسواء أكانت الصغيرة بكرا أم ثيبا ؛
فهذا المذهب لا يشترط سِنًّا معينة في الزوجين لصحة نكاحهما، و إليه جنح أكثر الإباضية (1) ، وهو قول الحنفية (2) ، والمالكية (3) ، والحنابلة (4) ، وهو منقول عن الثوري والأوزاعي والحسن البصري وإبراهيم النخعي وغيرهم (5) .
وهؤلاء اختلفوا فيما بينهم فيمن له حق إجراء هذا العقد ومدى لزومه، فبعضهم جعله موقوفا على الأب وحده، وبعضهم جعله للأب والجد، وبعضهم جعله لكل الأولياء، وبعضهم جعل العقد لازما، وبعضهم اعتبره غير لازم وأثبت الخيار للصغار عند البلوغ، وسوف نبين ذلك تفصيلا فيما بعد إن شاء الله.
المذهب الثاني: القول بعدم الجواز مطلقا: أي لا يجوز تزويج الصغار حتى يبلغوا، سواء أكانوا ذكورا أم إناثا، وسواء أكان المزوج أبا أم غيره، وإن حصل فهو باطل ولا يترتب عليه أثر.
__________
(1) - يراجع/ شرح النيل، 09/365، إيضاح البيان في أحكام نكاح الصبيان للشيخ السالمي، ص33، نشر مكتبة الإمام نور الدين السالمي- سلطنة عمان، كتاب النكاح للجناوني، ص158، نشر مكتبة وهبة – القاهرة.
(2) - يراجع/ حاشية رد المحتار على الدر المختار، 03/65، البدائع، 02/241، البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم، 03/126، ط – الثانية، دار الكتاب الإسلامي- بيروت.
(3) - يراجع/ بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد، 02/05، ط دار الفكر- بيروت، الذخيرة، 04/206،، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، 02/222، 223.
(4) - يراجع/ الشرح الكبير على متن المقنع أسفل المغني، 07/283، كشاف القناع، 05/43، الفروع لابن مفلح، 05/170، ط عالم الكتب- بيروت.
(5) - يراجع/ المحلى لابن حزم، 09/39، ط دار الكتب العلمية- بيروت، إيضاح البيان، ص34، نيل الأوطار للشوكاني، 06/120، نشر مكتبة دار التراث- القاهرة. (1/23)
صفحة 24
فهذا المذهب يشترط لصحة الزواج البلوغ في الزوجين، وبه قال ابن شبرمة، وعثمان البتي، وأبو بكر الأصم (1) ، وهو مذهب الإمام جابر بن زيد (2) .
المذهب الثالث: القول بالتفرقة بين الصغير والصغيرة، وبين البكر والثيب وهو مذهب الشافعية والظاهرية (3) .
فالظاهرية يرون عدم صحة تزويج الصغير والصغيرة الثيب حتى يبلغا، ويرون صحة تزويج الصغيرة البكر، أما الشافعية فيرون صحة تزويج الصغير، أما الصغيرة فيفرقون فيها بين البكر والثيب، فيقولون بصحة تزويج البكر، وعدم صحة تزويج الثيب حتى تبلغ.
يعني أن الشافعية والظاهرية يتفقان في صحة تزويج الصغيرة البكر وعدم صحة تزويج الصغيرة الثيب، ويختلفان في تزويج الصغير، فالشافعية يقولون بصحته، والظاهرية يرون عدم صحته.
وقد استدل أصحاب كل مذهب بما يؤيد وجهة نظرهم كما يلي:
الأدلة والمناقشة:
أولا: أدلة أصحاب المذهب الأول:
استدل القائلون بصحة تزويج الولي الصغار مطلقا بالكتاب والسنة وفعل الصحابة والمعقول.
أما الكتاب: فآيات منها:
أ – قول الله تعالى: { وأنكحوا الأيامى منكم } (4) .
__________
(1) - يراجع/ البدائع، 02/240، المبسوط للسرخسي، 04/212، ط دار المعرفة- بيروت، بداية المجتهد، 02/05، المحلى، 09/38، نيل الأوطار، 06/120.
(2) - يراجع/ جامع أبي الحسن البسيوي، 03/ 12، ط وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عمان، إيضاح البيان، ص28.
(3) - يراجع/ حاشيتا قليوبي وعميرة على شرح الجلال المحلي للمنهاج، 03/222، ط الحلبي- القاهرة، تحفة المحتاج شرح المنهاج لابن حجر بهامش حاشية الشرواني وابن قاسم، 07/243، ط دار إحياء التراث العربي- بيروت، مغني المحتاج، 03/149، المحلى، 09/38-44.
(4) - سورة النور، الآية ( 32 ). (1/24)
صفحة 25
فهذه الآية خطاب للأولياء أو لجنس المؤمنين بإنكاح الأيامى (1) ، والأَيِّم في لغة العرب اسم لمن لا زوج له ذكرا كان أم أنثى، كبيرا كان أم صغيرا، بكرا كانت الأنثى أم ثيبا (2) .
فالآية بعمومها تفيد صحة إنكاح الولي للصغير والصغيرة على سواء (3) .
ب – وقوله تعالى: { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن } (4) .
فهذه الآية تشير إلى صحة تزويج الصغيرة، لأنها جعلت عدة اللائي لم يحضن وهن الصغيرات كعدة الكبيرات اللائي يئسن من المحيض، وهي ثلاثة أشهر، وإثبات العدة للصغيرة دليل على صحة تزويجها، لأنها فرع عن ثبوت النكاح، إذ لو لم يكن نكاح ما كات عدة، فدل هذا على تصور نكاح الصغيرة وصحته، لكن يزوجها وليها، إذ لا يعتبر إذنها ولا تصلح عبارتها لانعقاد النكاح، ويقاس الصغير على الصغيرة في صحة إنكاح الولي لهما، إذ لا فرق (5) .
ج – وقوله تعالى: { ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن } (6) .
__________
(1) - فإن كانت لفظة ( من ) الواردة في الآية للتبعيض كانت الآية خطابا للأولياء، وإن كانت للجنس فهي خطاب لعامة المؤمنين.
(2) - يراجع/ مختار الصحاح، ص34، ط دار إحياء التراث العربي- بيروت.
(3) - يراجع/ البدائع، 02/240، إيضاح البيان، ص37.
(4) - سورة الطلاق، الآية ( 04 ).
(5) - يراجع/ المبسوط، 04/212، المغني بأعلى الشرح الكبير، 07/380، إيضاح البيان، ص38.
(6) - سورة النساء، الآية ( 127 ). (1/25)
صفحة 26
فقد نزلت هذه الآية – على ما قالته السيدة عائشة رضي الله عنها – في اليتيمة تكون عند الرجل، فإذا كانت جميلة ولها مال تزوجها وأكل مالها، وإذا كانت دميمة منعها من الأزواج حتى تموت فلا يشاركه أحد في مالها، فأنزل الله - تعالى – هذه الآية زجرا لهم عن ذلك، وأمرا بتوفية الصداق لهن (1) .
وهذا ظاهر كالصريح – كما قال الشيخ السالمي – في إباحة تزويج يتامى النساء، واليتيمة: الصغيرة التي فقدت أباها قبل البلوغ، بكرا كانت أم ثيبا (2) .
بل قال صاحب شرح فتح القدير: الآية أمر بتزويجهن من غيرهم، أو تزويجهن من أنفسهم مع الإقساط (3) .
وسواء قلنا بهذا أو ذاك فالآية تفيد صحة تزويج الصغيرات، أبكارا كن أم ثيبات، وهو المطلوب، ويقاس على الصغيرات الصغار، إذ لا فرق.
ونوقش هذا الاستدلال: بأن قوله تعالى { وترغبون أن تنكحوهن } معناه: وترغبون أن تنكحوهن إذا بلغن، وإذا كان كذلك فالآية خارجة عن محل النزاع.
وأجيب: بأن هذا صرف للكلام عن ظاهره بغير دليل.
ورد: بأن الدليل هو ما رواه عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أن قدامة بن مظعون زوجه ابنة أخيه عثمان، فرد النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الزواج وقال: « هي يتيمة ولا تنكح إلا بإذنها » (4) ، فهذا يدل على أن اليتيمة لا تنكح حتى تبلغ وتَأْذَنَ.
__________
(1) - يراجع/ لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي، ص72، ط دار الكتب العلمية- بيروت، أسباب النزول للواحدي، ص105، ط دار الكتب العلمية- بيروت، شرح فتح القدير للكمال بن الهمام، 03/174، ط دار إحياء التراث العربي- بيروت.
(2) - يراجع/ إيضاح البيان، ص36.
(3) - يراجع/ شرح فتح القدير، 03/174.
(4) - رواه أحمد والدرقطني. (1/26)
صفحة 27
ويجاب: بأن قصة ابن عمر لا تصلح دليلا على المدعى، لأن هذه المرأة لم تكن صغيرة، بل كانت بالغة كارهة لهذا الزواج، يشهد لذلك سياق القصة (1) ، وقد رد النبي - صلى الله عليه وسلم - زواجها من ابن عمر لكراهتها لذلك، ولا تعتبر كراهتها إلا إذا كانت بالغة، أما قوله عليه الصلاة والسلام « هي يتيمة » فهو قول باعتبار ما كان، أي: كانت يتيمة، على حد قول الله تعالى: { وآتوا اليتامى أموالهم } (2) ، فسماهم يتامى بعد البلوغ باعتبار ما كانوا عليه من الحال، فإنهم لا يُؤْتَوْن أموالهم إلا بعد البلوغ، ومن ثم يكون الحديث في غير معنى الآية، إذ الآية تتحدث عن اليتيمة، والحديث يتحدث عن امرأة بالغة اعتُبرت كراهتها وإذنها شرعا (3) .
وأما السنة: فأحاديث منها:
__________
(1) - فقد روي عن ابن عمر أنه قال: توفي عثمان بن مظعون، وترك ابنة له من خولة بنت حكيم، وأوصى إلى أخيه قدامة بن مظعون، قال عبد الله بن عمر: وهما خالاي، فخطبت إلى قدامة بن مظعون ابنة عثمان بن مظعون، فزوجنيها، ودخل المغيرة بن شعبة – يعني إلى أمها – فأرغبها في المال، فحطت إليه – أي مالت إليه -، وحطت الجارية إلى هوى أمها، فأبتا حتى ارتفع أمرهما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال قدامة بن مظعون: يا رسول الله ابنة أخي أوصى بها إلي فزوجتها ابن عمتها، فلم أَقْصُرْ بها في الصلاح ولا في الكفاءة، ولكنها امرأة، وإنما حطت إلى هوى أمها، قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « هي يتيمة ولا تنكح إلا بإذنها »، قال: فانتزعت والله مني بعد أن ملكتها، فزوجوها المغيرة بن شعبة. رواه الدارقطني.
(2) - سورة النساء، الآية ( 02 ).
(3) - يراجع/ إيضاح البيان، ص34،36، الولاية في عقد النكاح دراسة مقارنة، د/شوقي علام، ص52، ط التركي بطنطا- مصر. (1/27)
صفحة 28
أ – ما روي عن السيدة عائشة – رضي الله عنها – أن النبي - صلى الله عليه وسلم - « تزوجها وهي بنت ست سنين، وأُدخلت عليه وهي بنت تسعٍ، ومكثت عنده تسعا » (1) .
فهذه الرواية ظاهرة الدلالة على صحة إنكاح الصغيرة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد تزوج عائشة وابتنى بها في حال صباها، وليس أدل على الصحة من الوقوع منه عليه الصلاة والسلام (2) .
وقد نوقش الاستدلال بهذا الحديث من وجهين:
الوجه الأول:
أن زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - من عائشة - وهي بنت ست سنين – ليس سنة للمسلمين، وإنما هو من خصوصياته عليه الصلاة والسلام، ومن ثم لا يصح لغيره أن يتزوج صغيرة، وليس لغير أبي بكر أن يُزوج ابنته الصغيرة، لأن الأصل في النكاح التحريم، إلا ما دل عليه الدليل، وقد ورد حديث عائشة في تزويج أبي بكر لها – وهي دون البلوغ -، فيبقى ما عداه على الأصل وهو عدم الجواز (3) .
والوجه الثاني:
أن زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - بعائشة كان في مكة قبل الهجرة، يعني قبل أن يتقرر استئذان الأبكار واستئمار الثيبات، كما في الحديث المعروف (4) ، وعليه لا يصلح الاحتجاج بحديث عائشة (5) .
ويُجاب عن الوجه الأول بما يلي:
__________
(1) - متفق عليه.
(2) - يراجع/ المغني بأعلى الشرح الكبير، 07/378، إيضاح البيان، ص40.
(3) - يراجع/ إيضاح البيان، ص28، نيل الأوطار، 06/120.
(4) - روي عن أبي هريرة - رضي الله عنهم - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن، قالوا: يا رسول الله: وكيف إذنها ؟ قال: أن تسكت » رواه الجماعة.
(5) - يراجع/ نيل الأوطار، 06/120، الصياغة التشريعية – دراسة في بعض أحكام الأسرة في ضوء منهجية التقنين – د/كمال الدين إمام، ص30، ط دار المطبوعات الجامعية بالاسكندرية- مصر. (1/28)
صفحة 29
1- لا نسلم أن الأصل في النكاح التحريم، بل المحرم في الأصل هو السفاح لا النكاح (1) .
2- كما لا نسلم أن زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - من عائشة - رضي الله عنها – من خصائصه، لأنه – عليه الصلاة والسلام – أسوة في جميع أقواله وأفعاله، لقوله تعالى: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } (2) ، فلنا أن نتأسى بكل ما قاله أو فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا ما قام الدليل على أنه خاص به دون غيره، ولا دليل هنا على ذلك، بل قام الدليل على عدم الخصوصية، وهو سياق قصة زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - من عائشة، فقد ورد أنه « لما ماتت خديجة – رضي الله عنها – جاءت خولة بنت حكيم – امرأة عثمان بن مظعون – فقالت: يا رسول الله أَلاَ تَزَّوَّج ؟ قال: مَنْ ؟ قالت: إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا، قال: فمن البكر ؟ قالت: ابنة أحب خلق الله إليك ؛ ابنة أبي بكر، قال: ومن الثيب ؟ قالت: سودة بنت زمعة، قد آمنَتْ بك واتبعتك على ما تقول، قال: فاذهبي فاذكريهما عليّ، فدخلت بيت أبي بكر وقالت: يا أم رومان ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة ؟ قالت: وما ذاك ؟ قالت: أرسلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخطب عليه عائشة، قالت: انتظري أبا بكر حتى يأتي، فجاء أبو بكر فقالت: ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة ؟ قال: وما ذاك ؟ قالت: أرسلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخطب عليه عائشة، قال: وهل تصلح له ؟ إنما هي ابنة أخيه ! فرجعت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له ذلك، قال: ارجعي إليه فقولي له: أنا أخوك وأنت أخي في الإسلام، وابنتك تصلح لي، فرجعت فذكرت ذلك له... الخ القصة » (3) .
__________
(1) - يراجع/ إيضاح البيان، ص28.
(2) - سورة الأحزاب، الآية ( 21 ).
(3) - أخرجه ابن أبي عاصم من طريق يحي بن عبد الرحمن بن حاطب عن عائشة، انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر، 09/101. (1/29)
صفحة 30
فهذه الرواية تدل على أن تزويج الصبية كان معروفا عند العرب، وأنه غير مختص برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإن خولة هي التي عرضت ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كما أن أبا بكر وزوجته لم يستنكرا ذلك، ولو كان غير معروف عندهم لاستنكراه كما استنكر أبو بكر تزويجه بها وهي ابنة أخيه في الإسلام، ظنًّا منه أن أخوة الإسلام كأخوة النسب في التحريم.
ويجاب عن الوجه الثاني:
أ- بأن حديث الاستئذان والاستئمار ليس عاما في كل امرأة، بل هو خاص بالكبيرة، يدل على هذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقد « زَوَّجَ أمامة بنت عمّه حمزة من عمر بن أبي سلمة وهي صغيرة » (1) ، ومعلوم أن الصغيرة لا تستأذن ولا تستأمر لعدم اعتبار ذلك منها.
وأيضا فِعل الصحابة – رضي الله عنهم – في نكاح الصغار وإنكاحهم – كما سيأتي – يؤكد عدم عموم حديث الاستئذان، ويؤكد في نفس الوقت عدم صحة الدعوى بالخصوصية للنبي - صلى الله عليه وسلم - (2) .
ب- وروي عن جابر بن زيد - رضي الله عنهم - قال: « جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يارسول الله عندنا يتيمة، وقد خطبها رجلان، موسر ومعسر، وهي تهوى المعسر، ونحن نهوى الموسر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لم يُرَ للمُتحابين مثل النكاح » (3) .
__________
(1) هذا الحديث ذكره ابن حجر العسقلاني في الإصابة عن ابن إسحاق عن عبد الله بن شداد، وذكره ابن الهمام في شرح فتح القدير، واحتج به على صحة إنكاح الصغار. يراجع/ الإصابة في تمييز الصحابة، 02/66، ط دار إحياء التراث العربي- بيروت، شرح فتح القدير، 03/174.
(2) - يراجع/ إيضاح البيان، ص29، الصياغة التشريعية، ص31.
(3) - يراجع/ إيضاح البيان، ص40، وعند ابن ماجه والحاكم عن ابن عباس بلفظ: « لم يُر للمتحابين مثل التزويح ». (1/30)
صفحة 31
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسأل الرجل عن سنّ اليتيمة ولا عن بلوغها، فالظاهر أنه أجاز له تزويجها بمن شاءت وإن كانت صغيرة (1) .
ج- وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - « زوّج أمامة بنت عمّه حمزة - رضي الله عنهم - من عمر بن أبي سلمة وهي صغيرة » (2) .
فهذا الخبر يدل أيضا على جواز إنكاح الصغار، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد باشره بنفسه بولاية العصوبة، لا بولاية النبوة، لأنه لم يزوج بها أحدا قط، ولو فعل لم يتزوج أحد إلا عنه، ومعلوم أنه ليس أدل على الجواز من مباشرته - صلى الله عليه وسلم - لذلك (3) .
وأما فعل الصحابة:
فقد روي عن عدد من الصحابة أنهم تزوجوا صغيرات، وزوجوا أولادهم وهم في سن الصغر، فزوج عليٌّ - كرم الله وجهه– ابنته أم كلثوم وهي صغيرة من عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم - ، وزوج عبد الله بن عمر ابنته وهي صغيرة عروة بن الزبير - رضي الله عنهم -، وتزوج قدامة بن مظعون بنت الزبير يوم وُلِدت وقال: إن متّ فهي خير ورثتي، وإن عشت فهي بنت الزبير وهي امرأتي، وزوج عبد الله بن عمر ابنه وهو صغير، وزوج عروة بن الزبير بنت أخيه بابن أخته وهما صغيران (4) .
فهذه الوقائع تدل على صحة إنكاح الصغير والصغيرة، إذ لو كان غير صحيح ما فعلوه.
وأما المعقول:
__________
(1) - يراجع/ إيضاح البيان، ص41.
(2) - يراجع/ الإصابة في تمييز الصحابة، 02/66.
(3) - يراجع/ شرح فتح القدير، 03/174.
(4) - يراجع/ مسند الإمام الربيع، 03/41، ط الأولى، مكتبة مسقط، إيضاح البيان، ص41، البدائع، 02/240، المبسوط، 04/212، المغني بأعلى الشرح الكبير، 07/382، كشاف القناع، 05/42. (1/31)
صفحة 32
فإن النكاح يشتمل على أغراض ومصالح، وقد يكون من مصلحة الصغير والصغيرة إنكاحهما في سنّ الصغر، كإحراز الكفء للصغيرة، إذ هو لا يتيسر في كل وقت، وكالقيام بخدمة الصغير من قبل الزوجة البالغة، يعني أن الحاجة قد تدعو إلى إنكاحهما في هذه السن، فجاز دفعا للحاجة (1) .
ثانيا: أدلة أصحاب المذهب الثاني:
استدل القائلون بعدم صحة تزويج الصغار مطلقا بالكتاب والمعقول.
أما الكتاب:
فقول الله تعالى: { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } (2) .
ووجه الدلالة أن الآية جعلت بلوغ النكاح علامة على انتهاء الصغر، ولو جاز النكاح قبل البلوغ لكان التحديد به لغوا لا معنى له (3) .
ونوقش: بأنه يبعد أن يكون ابن شبرمة ومن وافقه قد استدلوا بهذه الآية على منع تزويج الصغير والصغيرة، وذلك لأن الآية سيقت لما يتعلق بأموال اليتامى الصغار، ولا دلالة فيها على منع تزويج الصغار، لا بطريق العبارة ولا بطريق الإشارة ولا بطريق آخر من طرق الدلالات، فإن الآية تعني: اختبروا من عندكم من اليتامى بتتبع أحوالهم في الاهتداء إلى ضبط الأموال وحسن التصرف فيها وجربوهم بما يليق بحالهم، فإن أحسستم أو تبينتم اهتداءهم إلى ضبط الأموال وحسن التصرف فيها فادفعوا إليهم أموالهم، فكان الاختبار قبل البلوغ كما تدل عليه لفظة حتى التي هي للغاية، وكان دفع المال بعد البلوغ وإيناس الرشد لقوله تعالى: { فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } فعلق الدفع على شرطين: الوصول إلى حد البلوغ، وإيناس الرشد.
__________
(1) - يراجع/ الاختيار لتعليل المختار للموصلي، 03/94، ط الحلبي- بمصر، المبسوط، 04/212.
(2) - سورة النساء، الآية ( 05 ).
(3) - يراجع/ المبسوط، 04/212. (1/32)
صفحة 33
وإذا علمت أن معنى الآية هو ما سبق تعلم أنها لا دلالة فيها على منع تزويج الصغار قبل البلوغ حتى يقال: إنه لو جاز التزويج قبل البلوغ لم يكن لهذا فائدة، وما هو الشيء الذي لا تكون له فائدة في هذه الآية إذا جاز التزويج قبل البلوغ وقد علمت معناها الذي أطبق عليه المفسرون ؟ (1) .
ثم إن الاستدلال بهذه الآية على منع زواج الصغار معارض بما سبق ذكره من أدلة أصحاب الرأي الأول، والتي دلت على جوازه.
وأما المعقول:
فقالوا: ليس للولي تزويج الصغير أو الصغيرة، لأنه لا حاجة لهما إلى الزواج، إذ الزواج شرع لمقاصد كالسكن والمعاشرة والتناسل وتحصين النفس، ولا يتحقق شيء من هذا في زواجهما في الصغر، بل ربما كان فيه ضرر بهما، لأنه عقد يعقد عادة للعمر وتلزمهما أحكامه بعد البلوغ، فلا يكون لأحد أن يلزمهما ذلك لأنه لا ولاية إجبار لأحد عليهما بعد البلوغ (2) .
ويمكن أن يرد عليه:بأنّا نقول بتزويج الصغار إن كان فيه مصلحة لهم لما سقناه من أدلة، وإلا فلا يجوز، لأن الله – تعالى - قد أقام الولي مقامهم، ناظرا لهم فيما فيه حظهم، ومتصرفا عنهم لعجزهم عن التصرف في أنفسهم، فلا يجوز له فعل ما لا حظ لهم فيه كما في أموالهم، ولأنه إذا حرم عليه التصرف في أموالهم بما لا حظ فيه لهم ففي أنفسهم أولى (3) .
__________
(1) - يراجع/ مقال للشيخ محمد بخيت المطيعي، نشر بجريدة السياسة في تاريخ 24 يناير سنة 1924، علق فيه على المذكرة الإيضاحية لقانون سنّ الزواج المصري، نقلا عن كتاب الصياغة التشريعية، ص57 وما بعدها.
(2) - يراجع/ المبسوط، 04/212، البدائع، 02/240.
(3) - يراجع/ المغني بأعلى الشرح الكبير، 07/382. (1/33)
صفحة 34
أما كون العقد لا تظهر ثمراته إلا بعد البلوغ فهذا لا يمنع من صحة العقد، قياسا على ما لو اشترى للصغير عقارا لا يغل إلا بعد البلوغ، فإنه يجوز ما دامت مصلحته فيه، مع أن ثمرات العقد لا تكون إلا بعد الكبر (1) .
وقد يَرِدُ عليه: بأن قياس الزواج على البيع والشراء قياس مع الفارق - كما بيناه قبلا - ومن ثم لا يصح.
ثالثا: أدلة أصحاب المذهب الثالث:
استدل الشافعية والظاهرية على صحة إنكاح الصغيرة البكر، وعدم صحة إنكاح الصغيرة الثيب بما يلي:
أ - تزويج أبي بكر عائشة - رضي الله عنهما – لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي بنت ست سنين، وقد كانت بكرا. وقد سبق بيان ذلك.
ويرد عليه: بأن الحديث يفيد صحة إنكاح الصغيرة البكر، ويقاس عليها الصغيرة الثيب، إذ العلة هي الصغر الدال على قصور رأيهما وعجزهما عن تدبير أمور نفسهما (2) .
ب – وبما روي عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها » (3) .
ووجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم النساء في هذا الحديث إلى قسمين: بكر، وثيب، وأثبث الحق للثيب في نفسها فدل على نفيه عن الأخرى، وأحقية الثيب بنفسها تعني إبداء رأيها في أمر زواجها صراحة وإذنها به، وعلى هذا: لا يجوز للولي أن يزوج الثيب إلا بعد إذنها ورضاها صراحة، ولما كانت الصغيرة الثيب لا إذن لها شرعا لصغرها فإنه ليس لأحد أن يزوجها حتى تبلغ وتأذن بالزواج صراحة، وهو المطلوب (4) .
__________
(1) - يراجع/ الأحوال الشخصية لأبي زهرة، ص109، ط دار الفكر العربي.
(2) - يراجع/ المبسوط، 04/217، 218.
(3) - رواه مسلم والنسائي وأبو داود والترمذي ومالك وأحمد.
(4) - يراجع/ مغني المحتاج، 03/149، حواشي الشرواني وابن قاسم العبادي على تحفة المنهاج، 07/243، المحلى، 09/44. (1/34)
صفحة 35
ونوقش: بأن المراد بالثيب في الحديث البالغة العاقلة لا الصغيرة، لأنه علق بالثيب ما لا يتحقق إلا بالبلوغ والعقل، وهو كونها أحق بنفسها، وذلك إنما يتحقق في البالغة العاقلة دون الصغيرة والمجنونة.
وعلى فرض أن الحديث عام يشمل الثيب الصغيرة والكبيرة فالمراد منه بالنسبة للصغيرة: المشورة على سبيل الندب لا الحتم، كما جاء في حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «آمروا النساء في بناتهن» (1) ، فقد أمر باستئمار أمهات البنات في أبضاعهن، وكان ذلك بطريق الندب، فهذا مثله (2) .
واستدل الشافعية على صحة إنكاح الصغير بالقياس على الصغيرة البكر، وبفعل الصحابة، وقد ذكرنا قبلا الآثار الدالة على ذلك، فلا داعي للتكرار.
واحتج الظاهرية على عدم إنكاح الصغير الذكر حتى يبلغ بأن الآثار الواردة في هذا الصدد إنما هي في زواج الصغيرة فقط، ولم يروا قياس الصغير عليها، لأن مذهبهم إبطال القياس والوقوف عند ظاهر النص.
يقول ابن حزم: " ولا يجوز للأب ولا لغيره إنكاح الصغير الذكر حتى يبلغ، فإن فعل فهو مفسوخ أبدا، وأجازه قوم لا حجة لهم إلا قياسه على الصغيرة، والقياس كله باطل" (3) .
ويمكن مناقشة ما ذكره ابن حزم من وجهين:
الأول: دعوى أنه لا حجة في صحة إنكاح الصغير إلا القياس على الصغيرة غير مسلمة، فإن عبد الله بن عمر زوَّج ابنه وهو صغير (4) ، وزوج عروة بن الزبير بنت أخيه بابن أخته وهما صغيران (5) ، ومثل هذا يشتهر ولا يخفى، وفي نفس الوقت لم ينكر من الصحابة فكان إجماعا منهم على صحته.
__________
(1) - رواه أبو داود.
(2) - يراجع/ المبسوط، 04/218، المغني بأعلى الشرح الكبير، 07/381.
(3) - يراجع/ المحلى، 09/44، 45.
(4) - يراجع/ كشاف القناع، 05/42.
(5) - يراجع/ المبسوط، 04/212. (1/35)
صفحة 36
والثاني: دعوى بطلان القياس كله غير مسلمة أيضا، فقد قامت الأدلة الشرعية على صحته واعتباره دليلا على الأحكام الشرعية العملية، متى توافرت أركانه وشروطه (1) .
الرأي المختار:
والذي تسكن إليه النفس لدى التأمل في مجموع الأدلة وما دار حولها من بحث ونقاش القول بجواز تزويج الصغار، لقوة أدلته وسلامتها من المناقشات التي وردت عليها، بينما لم تسلم أدلة المخالفين من المناقشات التي وجهت إليها، ولكنّي أقول: إذا جدّت ظروف قلبت زواج الصغار ضررا عليهم وعلى المجتمع فلِولي الأمر أن يمنعه سياسة (2) ،
__________
(1) - تراجع هذه الأدلة في: شرح الأسنوي على منهاج الأصول، 03/16-23، المستصفى للغزالي،02/235، شرح البدخشي على المنهاج، 03/16.
(2) - السياسة التي نقصدها هي السياسة الشرعية التي ذكرها علماؤنا قديما وحديثا، وهي سلطة تقديرية ممنوحة شرعا للحاكم يعمل بها في تدبير شؤون الأمة باجتهاده أو اجتهاد غيره بما يحقق مصلحتها.
وقد عرفها ابن نجيم فقال: هي فعل الشيء من الحاكم لمصلحة يراها وإن لم يَرِد بذلك الفعل دليل جزئي. ( يراجع/ البحر الرائق، 05/11 ).
وعرفها الشيخ عبد العال عطوة: بأنها فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها فيما لم يرد فيه نص خاص، وفي الأمور التي من شأنها ألا تبقى على وجه واحد بل تتغير وتتبدل تبعا لتبدل الظروف والأحوال. ( يراجع/ المدخل إلى السياسة الشرعية للأستاذ عبد العال عطوة، ص52، نشر: جامعة الإمام بالسعودية.)
وعرفها آخرون بتعاريف متقاربة في المعنى مع ما سبق.( يراجع/ السياسة الشرعيةفي الأحوال الشخصية، د/ عبد الفتاح عمرو، ص23/ ط دار النفائس – الأردن.)
وواضح مما سبق أن السياسة الشرعية مقصورة على الحاكم أو من يقوم مقامه، أما غيرهما من الفقهاء فإن قولهم بالسياسة الشرعية من باب الفتوى غير الملزمة، وأنها مقيدة بالمصلحة، وأن مجالها الأمور المتغيرة تبعا لتغير الظروف والأحوال حيث لا يوجد نص خاص.
والعمل بالسياسة الشرعية ليس مخالفا للشرع بل هو موافق لما جاء به، ويشهد لذلك الوقائع الكثيرة التي حدثت من كبار الصحابة، فأبو بكر حرق اللوطية سياسة، وكذلك عمر حلق رأس نصر بن حجاج ونفاه من المدينة لتشبيب الناس به، وعثمان جمع الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة التي أطلق الرسول - صلى الله عليه وسلم - القراءة بها لما كان في ذلك مصلحة، وعليّ حرق الزنادقة الرافضة وقال:
لما رأيت الأمر منكرا أججت ناري ودعوت قنبرا
وقنبر هذا غلامه. ( يراجع/ الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم، ص13 وما بعدها بتحقيق محمد حامد الفقي، ط السنة المحمدية.
ويقول الطرابلسي في معين الحكام نقلا عن القرافي: "واعلم أن التوسعة على الحكام في الأحكام السياسية ليس مخالفا للشرع بل تشهد له الأدلة المتقدمة، وتشهد له أيضا القواعد الشرعية من وجوه ". يراجع/ معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام، ص173، ط الحلبي بمصر.
ونود الإشارة هنا إلى أن أحكام السياسة الشرعية ظنية لأن مبناها على الاجتهاد المبني على أصول معروفة في الشريعة الإسلامية كالمصالح المرسلة، وسد الذرائع، والاستحسان والعرف، ومراعاة مقاصد الشريعة، ونحو ذلك مما يضبط الاجتهاد ويؤصله. لكن تبني ولي الأمر لها يجعلها حكما ملزما للمجتهدين وغيرهم، ويمنع القول بخلافها حفاظا على وحدة الأمة وتماسكها، لأن طاعة ولي الأمر فيما ليس بمعصية واجبة، وهذا يتناول المباح إذ الامتثال في المباح أمرا أو نهيا لا يترتب عليه معصية، كما يتناول المسائل الاجتهادية. ( يراجع/ بحوث في التشريع الإسلامي للشيخ محمد مصطفى المراغي نقلا عن نظرية الإباحة عند الأصوليين، د/ محمد سلام مدكور، ص329، ط دار النهضة العربية بالقاهرة ). (1/36)
صفحة 37
لأن أقصى ما تفيده الأدلة الواردة بصحته هو الإباحة المبنية على مصلحة متغيرة كتحصيل الصلاح المنتظر في المآل، وتحصيل الكفء في الصغر، وارتباط العشائر برباط المصاهرة، ونحو ذلك مما هو ليس في مرتبة الضرورة، فإن تغيرت هذه المصلحة في بعض الأزمنة وأدى زواج الصغار إلى ضرر بهم وبالمجتمع فإن هذا الزواج يمنع لمناقضة قصد الشارع، ولذلك قال البعض: إن الحكم الذي قضى به عمر – رضي الله عنه – في نكاح الكتابيات أعني منعه له هو الفقه العميق لمقصد الشارع من تشريع الحق، وذلك بإدارة الإذن والمنع في الفعل على ضوء من مآله إلى موافقة قصد الشارع أو مناقضته (1) .
فإن انتهت الظروف التي من أجلها منع زواج الصغار عاد الحكم إلى أصل إباحته.
من الذي يزوج الصغار عند القائلين به ؟ وما مدى لزوم هذا العقد عندهم ؟
ومما تجدر الإشارة إليه هنا، أن القائلين بصحة تزويج الصغار اختلفوا في مسألتين تتعلقان بالموضوع:
الأولى: من له حق إجراء هذا العقد ؟
قال المالكية والحنابلة (2) : ليس لغير الأب أو وصيه تزويج الصغار، لتوفر شفقة الأب وصدق رغبته في تحقيق مصلحة ولده، ووصي الأب كالأب لأن الظاهر أنه ما أقامه مقامه إلا لأنه رآه محققا لمصلحة ولده كنفسه.
__________
(1) - يراجع/ نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي، د/ فتحي الدريني، ص157، ط الثانية، مؤسسة الرسالة- بيروت.
(2) - يراجع/ بداية المجتهد، 02/05، الشرح الكبير بهامش حاشية الدسوقي، 02/222، الشرح الكبير بأسفل المغني، 07/382، كشاف القناع، 05/42. (1/37)
صفحة 38
وذهب الشافعية (1) إلى أنه ليس لغير الأب والجد تزويج الصغار، أما ثبوت ذلك للأب فالخبر: « الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر يزوجها أبوها » (2) ، والجد كالأب عند عدمه، لأن له ولاية وعصوبة كالأب، ولأنه كالأب في ولاية المال وفي وجوب النفقة.
وذهب الحنفية وبعض الإباضية (3) إلى أن إنكاح الصغار ثابت لجميع الأولياء من العصبات، لقوله تعالى: { وأنكحوا الأيامى منكم والصاحين من عبادكم } (4) ، فالخطاب هنا عام إلا ما خصه الدليل، وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : « النكاح إلى العصبات »، ولما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - « زوَّجَ أمامة بنت عمه حمزة وهي صغيرة من ابن أبي سلمة » (5) ، وإنما زوجها بولاية العصوبة - كما سبق بيانه -، وهذا يدل على ثبوت ولاية التزويج لكل العصبات، لأنه إذا جاز التزويج لأبناء العمِّ فجوازه لمن هم أقرب أولى وآكد، إذ أبناء العم هم آخر العصبات من حيث الترتيب (6) .
بل أجاز أبو حنيفة في رواية عنه - خلافا للصاحبين - لغير العصبات من الأقارب يعني الأرحام تزويج الصغار إن لم يكن ثمة عصبة، لأن سبب ثبوت الولاية هو مطلق القرابة وذاتها، فإنها حاملة على الشفقة في حق القريب داعية إليها، وهذا المعنى موجود في الأقارب، ولأن كل من استحق من الميراث استحق الولاية، وذووا الأرحام مستحقون للميراث فتثبت الولاية لهم، غاية الأمر أن العصَبَة تتقدم على ذي الرحم، يعني أن العصوبة شرط للتقدم لا شرط لثبوت أصل الولاية (7) .
__________
(1) - يراجع/ مغني المحتاج، 03/149، الحاوي الكبير للماوردي، 09/54، ط دار الكتب العلمية- بيروت.
(2) - رواه الدارقطني.
(3) - يراجع/ البدائع، 02/420، المبسوط، 04/212، إيضاح البيان، ص34.
(4) - سورة النور، الآية ( 32 ).
(5) - الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، 02/66.
(6) - يراجع/ شرح فتح القدير، 03/174، 175.
(7) - يراجع/ البدائع، 02/241. (1/38)
صفحة 39
وذهب الظاهرية إلى أن للأب وحده أن يزوج ابنته الصغيرة البكر، فإن كانت لا أب لها فليس لأحد أن يزوجها، لا من ضرورة ولا من غير ضرورة، حتى تبلغ، وإن كانت ثيبا فليس للأب ولا لغيره أن يزوجها كذلك حتى تبلغ وقوفا عند ظاهر حديث تزويج أبي بكر عائشة للنبي - صلى الله عليه وسلم - (1) .
الثانية: ما مدى لزوم عقد زواج الصغار ؟
واختلفوا أيضا في مدى لزوم عقد تزويج الصغار، فذهب جمهورهم – الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية وبعض الإباضية – إلى لزوم العقد إن تولاه الأب، يعني لا خيار للصغار عند بلوغهم في التمسك بهذا الزواج أو فسخه طالما كان الأب هو الذي تولى عقده في حال صغرهما (2) .
واحتجوا بتزويج أبي بكر عائشة من النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إنه – عليه الصلاة والسلام – لم يُثبِتْ لها الخيار عند البلوغ، ولو كان الخيار ثابتا لها لَخَيَّرَها كما خيَّرَ عند نزول آية التخيير (3) ، ولما لم يُخيِّرْها دل على أنه لا خيار للصغيرة إذا بلغت ما دام قد زوجها أبوها (4) .
__________
(1) - يراجع/ المحلى، 09/38 وما بعدها.
(2) - يراجع/ شرح فتح القدير، 03/175، البدائع، 02/315، حاشية الدسوقي، 02/222، قوانين الأحكام الشرعية في الفروع الفقهية لابن جزي، ص223، الأم للإمام الشافعي، 05/19، ط دار الفكر- بيروت، الحاوي الكبير للماوردي، 09/52، شرح منتهى الإرادات للبهوتي، 03/91، ط دار الفكر- بيروت، كشاف القناع، 05/43، المحلى، 09/38، إيضاح البيان، ص90 وما بعدها.
(3) - وهي قول الله تعالى: { فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا } سورة الأحزاب، الآية ( 28 )، فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام قال لعائشة: إني أعرض عليك أمرا فلا تحدثي فيه شيئا حتى تستشيري أبويك ثم تلا عليها الآية السابقة، فقالت: أفي هذا أستشير أبوي ؟! أنا أختار الله ورسوله.
(4) - يراجع/ المبسوط، 04/213. (1/39)
صفحة 40
ولأن ولاية التزويج ثبتت للأب لكامل شفقته الدافعة إلى الحرص على مصلحة ولده، ورعاية أمره في حال صغره، وفي قابل حياته بعده، وهذا يمنع من ثبوت الخيار، لأن الخيار يثبت لنفي الضرر، ولا ضرر من الأب، ومن ثم لا يثبت الخيار.
ولأن الشارع أقامه نائبا عن القاصر، ولا يصح نقض ما قام به نائبه الذي كان كشخصه، ولأن العقد كان لمصلحة ظاهرة، وقد أقره الشارع تنفيذا لهذه المصلحة، فلا يصح أن يفسخ بعد إقرار الشارع له واعتبار وجه المصلحة فيه (1) .
وذهب بعض الإباضية إلى أن العقد غير لازم وإن تولاه الأب (2) .
واحتجوا بقياس الصبية بعد بلوغها على الأَمَةِ بعد عتقها، فإن الأمة إذا عتقت وكانت متزوجة من عبد فإنه يثبت لها الخيار، لِما روي عن عائشة - رضي الله عنها – أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبريرة لَمَّا أعتقتُها: « اختاري، فإن شئت أن تمكثي تحت هذا العبد، وإن شئت أن تفارقيه » (3) .
فإذا ثبت الخيار للأمة - وقد كانت لا رأي لها – عند وصولها إلى حالة يمكن اعتبار عبارتها شرعا، فكذلك كل من تزوج ولا رأي له إذا صار إلى حال تعتبر فيه عبارته شرعا.
هذا، وقد نص الفقهاء القائلون بصحة إنكاح الجد للصغار - وهم بعض الإباضية والحنفية والشافعية – على أن الجد كالأب فيما سبق من لزوم عقده وعدم لزومه.
أما بقية الأولياء من العصبات كالأخ وأبنائه والعم وأبنائه، فقد اختلف القائلون بصحة توليهم إنكاح الصغار - وهم بعض الإباضية والحنفية – في لزوم عقدهم وعدمه أيضا:
1- فذهب بعض الإباضية وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن إلى عدم لزوم العقد، يعني: يثبت للصغير أو الصغيرة الخيار عند البلوغ، إن شاء أقام على النكاح وإن شاء فسخ.
__________
(1) - يراجع/ المصادر السابقة، نفس المواطن.
(2) - يراجع/ الجامع لابن بركة، 02/138، إيضاح البيان، ص90.
(3) - رواه أحمد والدارقطني. (1/40)
صفحة 41
واحتج الإباضبة القائلون بذلك بأنه إذا كان الخيار قد ثبت لمن زوجه الأب عند بلوغه فثبوته لمن زوجه غير الأب من بقية العصبات من باب أولى (1) .
واحتج أبو حنيفة ومحمد بن الحسن بأن شفقة هؤلاء ليست كاملة للمولى عليه، بل هي ناقصة، والنقصان يشعر بقصور النظر، وحينئذ قد يتطرق الخلل إلى المقاصد، فوجب اعتبار أصل القرابة لإثبات أصل الولاية، واعتبار القصور بإثبات الخيار تكميلا للنظر وتلافيا للتقصير إن وقع، ولا يتوهم التقصير في إنكاح الأب والجد لوفور شفقتهما، لذلك لزم إنكاحهما ولم يلزم إنكاح بقية العصبات (2) .
2- وذهب أبو يوسف من الحنفية إلى القول بعدم ثبوت الخيار مطلقا، لأن هذا النكاح صدر من ولي، فيلزم كما إذا صدر عن الأب والجد، ولأن ولاية الإنكاح ولاية نظر في حق المولى عليه، فيدل ثبوتها على حصول النظر، وهذا يمنع من ثبوت الخيار، لأن الخيار لو ثبت إنما يثبت لنفي الضرر، ولا ضرر فلا يثبت (3) .
وعلى رأي القائلين بالخيار لا يتم الفسخ إلا بشرطين: ألا يظهر ممن ثبت له الخيار عند بلوغه ما يدل على الرضا بالزواج وإسقاط الخيار، وأن يكون الفسخ عن طريق القاضي.
وصفوة القول في الموضوع: أن الفقهاء اختلفوا في اشتراط البلوغ في الزوجين، فذهب الجماهير منهم إلى عدم اشتراطه، ومن ثم صح عندهم تزويج الصغار غير البالغين، على خلاف بينهم في التفاصيل كما سبق.
وذهب البعض - كابن شبرمة ومن وافقه – إلى اشتراط بلوغ الزوجين، وإن حصل زواج قبل البلوغ فهو باطل، ولا يترتب عليه أثر.
__________
(1) - يراجع/ إيضاح البيان، ص92.
(2) - يراجع/ البدائع، 02/315، شرح فتح القدير، 03/175.
(3) - يراجع/ السابقان، نفس الموطن. (1/41)
صفحة 42
لكنهم مع هذا الاختلاف متفقون على عدم تقييده بسنّ معينة، كسبعة عشرة سنة أو ثماني عشرة سنة... الخ، لأن المانعين لزواج الصغار إنما اشترطوا البلوغ، وهو في الأصل يكون بالعلامات الطبعية كالاحتلام والحيض والحمل، وهذه أمور تختلف باختلاف الأشخاص ونموهم، فإذا تأخرت العلامات الطبعية في الظهور اعتبر البلوغ بالسن، وهو أيضا مختلف فيه كما سبق في المقدمة.
المبحث الثاني
موقف قانون الأحوال الشخصية العماني من تحديد سن الزواج
كان الناس في الماضي يزوجون الصغار عملا برأي جماهير الفقهاء القائلين بصحة تزويجهم، وكانت المحاكم في البلاد الإسلامية تسير على هذا الرأي، بل ما زال العمل جاريا به إلى الآن في بعض البلاد الإسلامية (1) .
ولكن لما تغيرت الظروف وتبدلت الأحوال وحدثت أشياء في تيار الحياة الاجتماعية لم تكن موجودة من قبل أصبح زواج الصغار مشكلة دعت أولي الأمر (2)
__________
(1) - كالسودان والسعودية. يراجع/ أحكام الأسرة في الإسلام للأستاذ محمد مصطفى شلبي، ص128.
(2) - أولو الأمر هم السلاطين والأمراء، لأن أوامرهم نافذة على الخلق، ويتأيد هذا بحديث الصحيحين الذي بالغ فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - في الترغيب في طاعة الأمراء فقال:« من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني »، وبحديث البخاري عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:« اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله ».
وقيل: أولو الأمر الأمراء والعلماء لأن طاعتهم واجبة، فإن العلماء يبلغون أمر الله ورسوله، والأمراء ينفذونه. يراجع/ تفسير الرازي، 10/144، أحكام القرآن للقرطبي، 05/259، تفسير النسفي، 01/365، السياسة الشرعية لابن تيمية، ص162. (1/42)
صفحة 43
في معظم الدول الإسلامية إلى إعادة النظر فيه (1) ، وكان من بين هذه الدول سطنة عمان.
فقد جاء في المادة السابعة من قانون الأحوال الشخصية العماني ما نصه: " تكمل أهلية الزواج بالعقل، وإتمام الثامنة عشرة من العمر ".
وجاء في الفقرة ج من المادة العاشرة ما نصه: " مع مراعاة أحكام الفقرة ب من هذه المادة لا يزوج من لم يكمل الثامنة عشرة من عمره إلا بإذن القاضي، وبعد التحقق من المصلحة ".
وقد كانت الفقرة ب التي أحال عليها المقنن تنص على: " يحدد القاضي مدةً لحضور الولي يبين خلالها أقواله، فإن لم يحضر أصلا أو كان اعتراضه غير سائغ زوجه القاضي ".
__________
(1) - ففي مصر لا تسمع دعوى الزوجية إذا كان سن الزوجة تقِل عن ست عشرة سنة وسن الزوج يقل عن ثماني عشرة سنة وقت العقد، إلا بأمر القضاء، وقد جاء ذلك نصا في القانون رقم 56 لسنة 1923م،
- وحدد قانون الأحوال الشخصية السوري السن في الزواج للفتى بتمام الثامنة عشرة، وللفتاة بتمام السابعة عشرة، إلا أنه أجاز للفتى الزواج بعد تمام الخامسة عشرة، وللفتاة بعد السن الثالثة عشرة لكن بإذن من القاضي.
- وفي تونس حدد قانون الأحوال الشخصية سن الزواج بعشرين سنة للفتى، وسبع عشرة سنة للفتاة، وإبرام العقد قبل هذه السن لا يتم إلا بإذن خاص من المحكمة.
- وحدد قانون الأحوال الشخصية الأردني سن الزواج للفتى بست عشرة سنة للفتى، وخمس عشرة سنة للفتاة.
- ونص قانون الأحوال الشخصية لدولة الإمارات على تحديد سن ثماني عشرة للفتى، وست عشرة للفتاة.
- وفي الكويت منع قانون الأحوال الشخصية توثيق العقد أو المصادقة عليه ما لم تتم الفتاة الخامسة عشرة من عمرها، ويتم الفتى السابعة عشرة وقت التوثيق. وهكذا وضعت معظم الدول تنظيما لهذه المسألة. (1/43)
صفحة 44
فهاتان المادتان صريحتان في تحديد سنٍّ لأهلية الزواج، وهو إتمام الثامنة عشرة من العمر لكل من الفتى والفتاة، فمن أتمها اكتملت أهليته للزواج ما دام عاقلا، ومن ثم له أن يعقد زواجه دون توقف على شيء، وزواجه منتج لجميع آثاره ما دام قد استجمع أركانه وشروطه، وانتفت موانعه.
أما من لم يكمل الثامنة عشرة من عمره فقد راعى المقنن ما تعارف عليه المجتمع العماني من زواج الفتيان والفتيات في سن مبكرة، وبخاصة في المناطق الريفية، فأجاز للقاضي أن يأذن بزواج الفتى والفتاة قبل إكمال السن المشار إليها إن طلبا الزواج وكان في تزويجهما مصلحة محققة لهما، كأن يدعيا البلوغ الطبعي ويخشيا على نفسهما العنت – يعني الوقوع في الزنا - أو التعرض لضرر الكبت وما يجره من الأمراض والعُقد النفسية إن لم يتزوجا قبل السن المذكورة، فحينئذ إن تبين للقاضي صدقهما، وتأكد من احتمال جسمهما لِما تتطلبه الحياة الزوجية أذن بزواجهما بعد موافقة الولي، فإن امتنع الولي من تزويجهما في هذه الحال طبقت أحكام الفقرة ب من نفس المادة أعني المادة العاشرة والتي يحدد القاضي بموجبها موعدا لحضور الولي وسماع أقواله، فإن لم يحضر أو حضر واعترض على تزويحهما وكان اعتراضه غير سائغ زوَّجهما القاضي بولايته وهما قاصرين تحقيقا لمصلحتهما.
ولو أبرم عقد الزواج وكان أحد طرفيه أو هما معا دون السن المقررة، ولم يكن مسبوقا بإذن القاضي فالحال لا يخلو من: إما أن يجيزه القاضي، وإما لا.
أ – فإن أجازه ولو بعد الدخول لوقوفه على وجه المصلحة فيه ترتبت عليه جميع الآثار لِما هو مقرر من أن الإجازة اللاحقة كالموافقة السابقة. (1/44)
صفحة 45
ب – وإن لم يجزه ولو بعد الدخول أيضا ترتبت على ذلك آثار قانونية لا دخل لها في الحل والحرمة كمنع الموظف المختص بتسجيل عقود الزواج من تسجيله، أو المصادقة عليه في الوثيقة الرسمية المعدة لذلك، ومنع القضاة من سماع الدعاوى المتعلقة بهذا الزواج (1) كدعوى النفقة والطاعة والإرث وغيرها (2) ، وذلك لوقوع العقد على خلاف النظام القانوني الذي ارتضاه ولي الأمر لعقود الزواج (3) . مع مراعاة أن هذه الآثار لا تسري على وقائع الزواج التي سبقت وجود هذا القانون لأن المادتين من قوانين الموضوع لا من قوانين الإجراءات، وفي نفس الوقت خلا القانون من نص يوجب العمل به في الحوادث الماضية.
وتقرير هذه الآثار من شأنه أن يحقق غرض المقنن من المادتين السابقتين، لأن ولي الصغير والصغيرة إذا علم بتلك الآثار امتنع عن تزويجهما قبل إذن القاضي خشية أن يجحد أحد الزوجين الزوجية فيما بعد فلا يستطيع الآخر إثباتها لكونها غير مسجلة، فضلا عن عدم قدرته على رفع أية دعوى تتعلق بهذا الزواج.
وخلاصة القول: أن القانون لم يمنع زواج الصغار مطلقا، وإنما منع منه إذا لم يكن مسبوقا بإذن القاضي المتحقق من وجود مصلحة فيه لهم.
وهنا تثور عدة تساؤلات: ما مبررات هذا المنع ؟ وما الدعائم أو الأسس الفقهية التي بني عليها ؟ وهل توجد فروع عند التطبيق يبدو القانون فيها مصادما لأحكام الشريعة الإسلامية ؟
وللإجابة عن ذلك نقول:
__________
(1) - وعلى الزوجين أن يجددا زواجهما بعد بلوغهما السن المذكورة حتى يتمكنا من ذلك.
(2) - أرى أن يستثنى من ذلك دعوى إثبات النسب فتسمع احتياطا حفاظا على الولد من الضياع ولأن القانون قرر ثبوت النسب في العقد الفاسد وفي الوطء بشبهة في المادة ( 71 ) الفقرة ( ب )، وإذا كان كذلك فهذا أولى.
(3) - لابد من ترتب هذه الآثار لأن القول بعدم ترتبها حينئذ يجعل النص القانوني لا معنى له البتة، ومن ثم يكون وجوده كعدمه. (1/45)
صفحة 46
أولا: مبررات منع زواج الصغار إلا بإذن القاضي المتحقق من المصلحة
يمكن القول بأن هذا المنع إنما كان لجملة اعتبارات، منها مايلي:
1- أن عقد الزواج له أهمية عظمى في الحالة الاجتماعية من جهة سعادة الأسرة وشقائها، وبالتالي سعادة المجتمع وشقائه، ولا ريب أن حياة الناس في الماضي كانت بسيطة ويسيرة، فكان هذا مشجعا على زواج الصغار ونجاحه، أما الآن فقد تطورت الحياة وكثرت مطالبها – كما هو مشاهد معروف – فأصبحت الحياة الزوجية تتطلب استعدادا كبيرا لحسن القيام بها، كما تتطلب خبرة ومعرفة بتصريف شؤونه، ولا يتأهل الزوجان لذلك غالبا قبل بلوغ الأشد المشار إليه في قول الله تعالى: { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده } (1) .
قال ابن عباس – رضي الله عنهما -: الأشد ثماني عشرة سنة، وهو قول أبي حنيفة (2) ، فحدد القانون تلك السن حيث يكون الزوجان قد وَصَلا عندها في الغالب إلى حالة جسمية وفكرية يستطيعان معها احتمال الأعباء الزوجية مِنْ تكوين الأسرة وتربية الأولاد وغير ذلك مما شُرع الزواج لتحقيقه.
__________
(1) - سورة الإسراء، الآية رقم 34.
(2) - يراجع/ رد المحتار على الدر المختار، 05/132. وحدد بعض الإباضية والمالكية في رواية البلوغ بثماني عشرة سنة لكن إذا تخلفت الأمارات الطبعية. يراجع/ إيضاح البيان، ص95، مواهب الجليل، 05/95. (1/46)
صفحة 47
2- أن الواقع العملي شهد بفشل زواج الصغير والصغيرة في هذا الزمان، لأنه في الغالب لا يقوم إلا على اعتبارات مادية أو شخصية (1) ، وطرح العوامل المؤثرة في تحقيق التكامل الفطري والتوافق الفكري والروحي بين الزوجين، فهو عقد ضرره بالنسبة لهما أكثر من نفعه، ومصلحتهما – في الجملة – تقتضي منعه قبل بلوغهما، إذ هما اللذان يتأثران بنتائجه مباشرة، فإما أن يكونا به سعيدين، وإما أن يكونا به شقيين، وحيث كان الأمر كذلك وجب أن تراعى فيه إرادة كل منهما في اختيار من يشاء لبناء حياته الزوجية المرتقبة، لا أن يكبر فيجد نفسه مكبلا بالزواج من شخص لم يؤخذ رأيه في اختياره، وقد لا يتفق معه في المزاج والطباع والأخلاق، بل وربما لا يستطيع أن يبدي اعتراضا عليه، وبخاصة البنت، وإلا كان نصيبها التأنيب والإهانة، وقد يصل الأمر إلى ماهو أبعد من هذا إن هي أصرت على الرفض والامتناع، وهذه كلها أمور تتعارض مع ما شرع الزواج من أجله.
3- تلافي الضرر الصحي والاجتماعي الذي ينشأ عن تزويج الصغار، فقد قرر جمهورالأطباء وعلماء الاجتماع أن زواج الصغار تترتب عليه أضرار صحية ومخاطر اجتماعية، فهو يضني الصغار ويمنع نموهم الطبعي، ويؤثر الحمل في الصغر سلبا على صحة الأم، كما يؤثر على الإنجاب وسلامة النسل، فضلا عن عدم استكمال التعليم غالبا، وهذه أمور من شأنها أن تحول دون بناء مجتمع سليم.
__________
(1) - كأن يكون الوليان أخوين ويريدان ربط أسرتهما برباط المصاهرة لتحقيق غرض مادي أو شخصي، أو غير ذلك من الأمور التي ليس لها وزن في ميزان السعادة الزوجية. (1/47)
صفحة 48
لهذه الاعتبارات (1) وغيرها مما جد في تيار الحياة الاجتماعية من متغيرات متسارعة رأى ولي الأمر تحقيقا للمصلحة ودفعا للضرر منع زواج الصغار قبل بلوغهم أهلية الزواج، وفي نفس الوقت فتح الباب لِما قد تدعو إليه الحاجة، فأجاز للقضاة تزويج من لم يبلغ السن المقررة متى كان في ذلك مصلحة له.
ثانيا: الأسس الفقهية التي بني عليها النص
يمكن القول بأن هذا النص بني على أسس فقهية ثلاثة:
الأول: سلطة ولي الأمر في تقييد المباح لمصلحة عامة:
إن أقصى ما تفيد الأدلة التي تمسك بها القائلون بصحة زواج الصغار هو جوازه وإباحته، ومن الثابت شرعا أن لولي الأمر سلطة في تقييد المباح لمصلحة يراها (2)
__________
(1) - يراجع في هذه الاعتبارات: حماية الأمومة والطفولة في المواثيق الدولية والشريعة الإسلامية، د/محمد عبد الجواد محمد، ص127 وما بعدها، نشر، منشأة المعارف بالاسكندرية- مصر، الأحوال الشخصية للشيخ محمد أبو زهرة، ص109، أحكام الأسرة في الإسلام للشيخ محمد مصطفى شلبي، ص135، الصياغة التشريعية، د/محمد كمال الدين إمام، ص34، المرأة بين الفقه والقانون، د/مصطفى السباعي، ص57، ط المكتب الإسلامي- بيروت، نظام الأسرة في الإسلام، د/محمد عقلة، 01/207، ط الأولى، نشر: مكتبة الرسالة الحديثة- الأردن.
(2) المصلحة المعتبرة في نظر الشرع هي التي تكون ملائمة لمقاصده وغاياته بحيث لا تنافي أصلا من أصوله ولا دليلا من أدلته القطعية، وتتجه في شتى شعبها إلى حفظ أمر ضروري أو رفع حرج في الدين.
فرجوعها إلى حفظ الضروري هو من باب ما لا يتم الواجب إلا به، ورجوعها إلى رفع الحرج إما لاحق بالضروري، وإما من الحاجي الذي مرده التخفيف والتيسير. يراجع/ الموافقات للشاطبي، 02/08 وما بعدها، ط صبيح بالقاهرة، الاعتصام للشاطبي، 02/129 وما بعدها، ط دار المعرفة- بيروت.
هذا، وقد اشترط الإمام الغزالي في المصلحة المعتبرة ثلاثة أوصاف: أن تكون ضرورية، كلية، قطعية. ( يراجع/ المستصفى، 02/487 وما بعدها ).
وقد اعتبر بعض الفقهاء ذلك منه تحكما وبعضهم اعتبر هذه الأوصاف شروطا منه في المثال الذي ذكره وهو تترس الأعداء بالمسلمين في الحرب، وليست شروطا عامة لكل مصلحة. يراجع/ إرشاد الفحول للشوكاني، ص226، ط الحلبي بمصر، السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها، د/ يوسف القرضاوي، ص99، نشر مكتبة وهبة بالقاهرة.
والذي يظهر من عمل الصحابة – رضي الله عنهم - أنهم لم يلتزموا بالشروط التي ذكرها الغزالي، بل كانوا يراعون المصلحة وإن كانت جزئية أو حاجية أو ظنية. فعمر – رضي الله عنه – حكم بطلاق امرأة المفقود بعد مضي أربع سنوات رعاية لمصلحة الزوجة ورفعا للضرر عنها وإن لم يثبت موت زوجها، وهي مصلحة جزئية وحاجية وظنية، وقد وافق عمر على ذلك عثمان وعليَ وابن عمر وابن عباس وجماعة من التابعين، كما قضى عمر - رضي الله عنه - على محمد بن مسلمة الأنصاري بالسماح لجاره – الضحاك بن قيس – أن يسوق نهرا في أرض ابن مسلمة لأن النهر كان ينفع جاره ولا يضر محمدا. وغير ذلك من الأمثلة.
وعلى هذا: فليس من اللازم أن تكون المصلحة من الضروريات، فقد تكون مصلحة حاجية مما ييسر على الناس ويرفع الحرج عنهم، وليس من اللازم أن تكون كلية عامة، فإن رعاية مصالح الأفراد والفئات المختلفة أمر معتبر في الشرع، كذلك ليس من اللازم أن تكون قطعية لأن العمل بالظن الراجح أمر معمول به في الأحكام الفرعية، وناط به الشرع أمورا كثيرة. يراجع/ السياسة الشرعية، د/ يوسف القرضاوي، ص99 وما بعدها. (1/48)
صفحة 49
بما لَهُ من سلطة الإشراف على شؤون الناس، ورعاية مصالحهم بحسب ما يرتبط بهذا المباح من المصالح الطارئة أو المفاسد المتجددة.
وفي هذا المعنى يقول القرافي في الإحكام: " وإذا تقرر أن الله – تعالى – جعل لكل مكلف وإن كان عاميا جاهلا تغيير بعض الأحكام في نفسه لغير ضرورة، كما في النذر الذي تنتقل به الطاعة غيرُ الواجبة إلى الوجوب ؛ فأولى أن يُجعل التغيير للحكام مع علمهم وجلالهم لضرورة درء الفساد وإخماد الثائرة وإبطال الخصومة... " (1) .
وجاء في رسائل ابن عابدين: " كثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله أو لحدوث ضرورة، أو لفساد أهل الزمان... بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه لزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف ورفع الضرر والفساد " (2) .
__________
(1) - يراجع/ الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، ص38، ط الثانية، دار البشائر الإسلامية- بيروت.
(2) - نقلا عن نظرية الإباحة عند الأصوليين والفقهاء، د/محمد سلام مدكور، ص336، ط الثانية، دار النهضة العربية- القاهرة. (1/49)
صفحة 50
ويقول ابن القيم: " إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم والمصالح، وهي عدل كلها ورحمة ومصالح وحكم، وكل مسألة خرجت إلى خلاف ذلك فليست من الشريعة... وضرب لذلك أمثلة، كنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قطع يد السارق في الغزو – كما رواه أبو داود – خشية أن يترتب على الحد ما هو شر منه، كاللحوق بدار الحرب والانضمام إلى الأعداء، وكون عمر - رضي الله عنهم - أسقط حد السرقة في عام المجاعة " (1) ، وأطال في هذا المقام (2) .
والوقائع التي حدث فيها تغيير المباح بناء على ما رآه ولاة الأمور من مصلحة كثيرة جدا (3) أجتزئُ منها ما يلي:
__________
(1) - إعلام الموقعين، 03/14 وما بعدها.
(2) - أما ما قاله ابن تيمية في السياسة الشرعية ص75: " الأحكام كلها تلقتها الأمة عن نبيها لا نحتاج فيها إلى الإمام، وإنما الإمام منفذ لِما شرعه الرسول" فهو على أن المراد بالتلقي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يشمل الذي دعت إليه الحاجة على نحو ما بينه النبي - صلى الله عليه وسلم - في توجيهاته، وما أرساه من قواعد، والإمام مظهر لحكم الله تعالى باجتهاده أو باجتهاد أعوانه من العلماء، ويضاف إلى هذا أنه منفذ. يراجع/ نظرية الإباحة، ص338.
(3) - يراجع/ السياسة الشرعية مصدر للتقنين بين النظرية والتطبيق، د/ عبد الله محمد القاضي، ص102 وما بعدها، ط دار الكتب الجامعية الحديثة، طنطا – مصر، والمراجع التي أشار إليها، نظرية الإباحة عند الأصوليين والفقهاء، ص343 وما بعدها، والمراجع التي أشار إليها. (1/50)
صفحة 51
1- أكل اللحوم المشروعة مباح بالنص وهو قول الله تعالى { كلوا من طيبات ما رزقناكم } (1) ، وقوله: { أحلت لكم بهيمة الأنعام } (2) من غير تقييد ببعض الأيام دون بعض، ودرج المسلمون على ذلك منذ عهد النبوة، وفي خلافة عمر - رضي الله عنهم - رأى أن يمنع الناس في المدينة من أكل اللحم يومين متتاليين لقلة في اللحوم رآها، فلم تكن تكفي جميع الناس في المدينة، فعمد إلى هذا المنع فأوجبه، فكان يأتي مجزرة الزبير بن العوام بالبقيع - وكانت الوحيدة بالمدينة – فإذا رأى رجلا اشترى لحما يومين متتابعين ضربه بالدِّرَّة (3) ، وقال: ألا طويت بطنك يومين.
فقد أداه اجتهاده إلى حظر المباح وهو تناول اللحم يومين متتاليين لما رآه من مصلحة عامة وهي تداول اللحم بين الناس.
2- أيضا منع عمر كبار الصحابة من تزوج الكتابيات، وقال: أنا لا أحرمه ولكني أخشى الإعراض عن الزواج بالمسلمات، وفرق بين كل من طلحة وحذيفة وزوجتهيما الكتابيتين.
فالزواج بالكتابية مباح عند من فعله من الصحابة لقوله تعالى { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم (4) } ولكن لما رأى عمر المصلحة في منعِهِ، منعَهُ والتزم بأمره اثنان من أهل الاجتهاد من الصحابة.
3- وكان عمر قد منع أعلام قريش من المهاجرين أن يخرجوا من المدينة إلا بإذن، وإلى أجل، وذلك حرصا منه على أن يظلوا على أوضاع الإسلام الأولى غير مفتونين في دينهم إذا نظروا إلى الدنيا وزخارفها خارج المدينة، ولما جاء عثمان فك هذا الحصارالجزئي، وأطلقهم يتقلبون في الأرض كما يشاؤون.
فحظر عمر - رضي الله عنهم - عليهم ما كان مباحا لهم لهذه النظرة الحكيمة.
__________
(1) - سورة البقرة، الآية 172.
(2) - سورة المائدة، الآية 01.
(3) - الدِّرَّة: السوط يضرب به، وجمعه دِرَرٌ. المعجم الوسيط، ص249.
(4) - سورة المائدة، الآية 05. (1/51)
صفحة 52
فهذه الوقائع وغيرها - مما ورد في كتب السير والسياسة الشرعية – تدلل على أن لولي الأمر إن كان مجتهدا أو كان المجتهد مرجعا له سلطة في تحويل المباح مسايرة لأعراف الناس ومصالحهم، وليس في ذلك تحريم لما أحل الله ولا تحليل لما حرم، فغاية الأمر أن الشيء المباح لم يأمر الشارع فيه بشيء، ثم رأى فيه الحاكم مصلحة فأمر به أو رأى فيه مفسدة فنهى عنه لا على أنه تشريع، بل على أنه توجيه للأمر الصالح حتى لاتفوت مصلحته، أو توجيه للأمر الضار حتى لا تقع مفسدته، وهذا لاينافي أن الحاكم هو الله - تعالى – في جميع الأحكام، ثابتها ومتغيرها، لأن الحكم الذي رآه الحاكم باجتهاده وألزم الأمة به لم يحدث في الحقيقة بأمر الحاكم ونهيه، بل بأمر الله - تعالى - في قوله { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمرمنكم } (1) .
والأساس الثاني: سلطة ولي الأمر في تخصيص القضاء
من المقرر شرعا أن لولي الأمر سلطة في تخصيص القضاء بالزمان والمكان والحادثة، وأنه له أن يأمر بسماع الدعوى فيما منع سماعها فيه قبلاً (2) .
وتخصيص القضاء بالزمان يعني أن يكون نظر القاضي في القضايا مقصورا على بعض الأيام دون بعضها، وتخصيصه بالمكان يعني قصر قضائه على بلد معين أو مكان معين، بحيث لا يجوز له أن يقضي بين غير أهله، وتخصيصه بالحوادث يعني أن ينظر في نوع معين من القضايا. وهذا التخصيص مبناه وجود المصلحة التي تقتضيه.
__________
(1) - يراجع / نظرية الإباحة عند الأصوليين، ص 330 وما بعدها.
(2) - يراجع/ أدب القضي للماوردي، 01/155 وما بعدها، تحقيق: محي هلال السرحان، ط الإرشاد- بغداد، الأحكام السلطانية لأبي يعلى، ص52، ط الحلبي بمصر، والأحكام السلطانية للماوردي، ص89، ط دار الكتب العلمية- بيروت. (1/52)
صفحة 53
وهذه أمور معروفة الآن في المحاكم، فما من قاض إلا وله دائرة عمل تنظر في قضايا معينة في مكان وزمان معينين، أَمَا ترون رجال القضاء لا يملكون الحكم في أيام العطلة الرسمية، ولا يملك أحدهم الحكم في غير دائرة ولا يته.
ذلكم هو تخصيص القضاء، وهو جائز بلا خلاف، لأن القاضي يستمد سلطته من ولي الأمر، فهو الذي يطلق للقاضي التصرف فيما ولاه فيه، كما يطلق الموكل للوكيل التصرف فيما يملكه، فإن شاء قيده ببعض التصرفات دون بعض، وإن شاء فوض إليه الأمر تفويضا، ولو عزَلَه لم يكن له أن يقضي بعدما بلغه خبر العزل لزوال الصفة عنه.
إذا علمت هذا تعلم أنه يجوز لولي الأمر أن يمنع القضاة من سماع دعوى الزوجية أو أي أثر من آثارها المبنية عليها إذا كانت سن الزوجين أو أحدهما دون السن المقررة، إذ هو في الحقيقة عزل عن النظر في بعض القضايا.
والأساس الثالث: حق ولي الأمر في التخيير من المذاهب الفقهية
لولي الأمر أن يختار من المذاهب الفقهية ما تطمئن إليه نفسه ويرى المصلحة في اختياره، وله أن يلزم القضاة بما اختاره، وليس لأحد منهم أن يخالفه في ذلك ولو كان مجتهدا وكان رأيه على خلاف ما ألزم به، لأن القضاة – كما قلنا – نوابه وخلفاؤه (1) .
فإن قيل: الاختيار من المذاهب ينبغي ألا يكون انتقاء للمرجوح من الآراء قلنا: هذا صحيح، وقد التزم بذلك المقنِّن العماني إلا ما ندر مما تدعو إليه الحاجة والمصلحة.
وقد ذكرنا آنفا أن لبعض الفقهاء قولا بأنه لا يصح نكاح الصغار مطلقا، وأن بعضهم حدد البلوغ بثماني عشرة سنة.
__________
(1) - يراجع/ حاشية الطحطاوي على الدر المختار، 03/198، ط دار المعرفة- بيروت، رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين، 05/408، مواهب الجليل، 06/98، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، 04/130، تحفة المحتاج، 04/268، أدب القضاء ( الدرر المنظمات في الأقضية والحكومات ) لابن أبي الدم، ص96، ط الثانية- بيروت. (1/53)
صفحة 54
فاستأنس القانون في تقرير النص الذي نحن بصدده بما قاله هؤلاء وهؤلاء.
وقلنا استأنس لأنه لم يسر في مسار هؤلاء الفقهاء بالنص، إذ هو لم يمنع نكاح الصغار مطلقا، وإنما منع منه عند عدم الحاجة إليه، أما المانعون فمنعوه مطلقا قبل البلوغ، ولعله اتجه هذا الاتجاه ليكون متلائما في الجملة مع رأي جمهور الفقهاء.
أيضا: القائلون بالمنع متفقون مع غيرهم على أن الشخص إذا بلغ بالعلامات الطبعية صح نكاحه، وأن البلوغ بالسن لا يصار إليه إلا عند تخلف الأمارات الطبعية، أما القانون فقد لجأ إلى تحديد البلوغ بالسن ابتداء، ولعله فعل ذلك على اعتبار أنه أضبط من الحيض والاحتلام (1) اعتمادا على قول العلماء: إن العلل التي تناط بها الأحكام يشترط فيها أن تكون أوصافا ظاهرة منضبطة.
ولا يعني هذا أننا نقول إن الحيض والاحتلام ليسا من علامات البلوغ، فهما من علاماته لورود النص بذلك، وهو قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : « لا يُتْمَ بعد الاحتلام » (2) ، وقوله: « رُفع القلم عن ثلاثة...، وعن الصبي حتى يحتلم » (3) ، وقوله: « لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (4) ، وغير ذلك من النصوص، والإجماع قائم على هذا.
وإنما نقول: لعل القانون أخذ في مسألة البلوغ بالسن لأنه أظهر وأضبط في القضاء (5) . والله أعلم.
ثالثا: هل توجد فروع عند التطبيق يبدو فيها القانون مصادما للشريعة الإسلامية ؟
__________
(1) - فإن قيل: إن رؤية الدم والمني أضبط فإن كثيرا من الناس لا يعرفون متى ولدوا ؛ قلنا: بأن المراد أضبط في القضاء.
(2) - رواه أبو داود.
(3) - رواه أبو داود.
(4) - رواه الترمذي.
(5) - فإن الأنثى قد تدعي حيضا والحقيقة أنها لم تحض، وقد يدعي الذكر احتلاما ولم يحتلم. (1/54)
صفحة 55
في الحقيقة أشار بعض نقاد قوانين السن في الزواج إلى مسائل محددة يبدو فيها القانون مصادما لأحكام الشريعة الإسلامية (1) ، منها:
1- لو تنازع رجلان زوجية امرأة، فادعى أحدهما أنه تزوجها يوم أن كان عمرها خمس عشرة سنة أي قبل بلوغها السن القانونية، وادعى الثاني زوجيتها بعد السن المشار إليها في القانون، ألا تكون المحكمة مضطرة بمقتضى هذا القانون لرفض دعوى الأول وسماع دعوى الثاني والحكم له بالزوجية بعد إقامة البرهان عليها، مع أن الزواج الأول صحيح بالاتفاق طالما استوفى أركانه وشروطه، والزواج الثاني باطل بالاتفاق لأن المرأة مشغولة بحق الأول، ألم نحل للثاني ما هو محرم عليه شرعا ونحرِّم على الأول ما هو حلال له شرعا ؟
2- لو تزوج شخص امرأة بعد بلوغها بالحيض وقبل السن المقررة قانونا ثم ذهب وتزوج أختها بعد بلوغها سن الثامنة عشرة، ألا تحكم المحكمة بموجب هذا القانون بصحة النكاح الثاني مع أنه باطل بالنص والإجماع ؟
3- لو جاء رجلان إلى القاضي وطلب أحدهما منه أن يزوج له ابنته من الآخر، وبالتحري تبين للقاضي أن ابنة الرجل هذه متزوجة من رجل آخر قبل أن تبلغ الثامنة عشرة، ألا ترون أن القاضي إن عقد هذا الزواج كان باطلا بالإحماع، وإن لم يعقده كان ممتنعا عن العمل بالقانون ؟ فما المخلص من هذا المشكل ؟
والذي أراه: أن سماع هذه الدعاوى والنظر فيها واجب شرعي على القضاة، لكن بإذن خاص من ولي الأمر أو من ينوب عنه منعا من تقرير المنكر، ولأن سلطة ولي الأمر في تقييد المباح مقيدة بأن لا يؤدي استعمالها إلى مفسدة أكبر من المفسدة الناتجة عن إطلاق المباح ابتداء، وكذا سلطته في تخصيص القضاء مقيدة بألا يؤدي استعمالها إلى الوقوع في المحظور الشرعي، والله أعلم.
ملخص البحث
الحمد لله أولا وآخرا، والصلاة والسلام على خير خلقه وآله، وبعد:
__________
(1) - يراجع/ الصياغة التشريعية ( دراسة لبعض أحكام الأسرة في ضوء متنهجية التقنين )، ص32. (1/55)
صفحة 56
فإن قانون الأحوال الشخصية قد استلهم مبادئ الشريعة الإسلامية، واستهدى بأحكام الفقه الإسلامي كله، دون التقيد بمذهب فقهي بعينه بحثا عن المصلحة أنى وجدها أخذها، والتزم بما جرت به عادة التقنيات الحديثة من الترتيب والتبويب، وصيغت نصوصه صياغة فنية دقيقة بِلُغة سهلة وسليمة، لكنه – كأي عمل بشري – لم يخل من بعض الملحوظات، ذكرنا طرفا منها في المقدمة.
أمَّا فيما يتعلق بتحديد سن الزوجين في عقد الزواج: فإن الفقهاء اتفقوا على عدم التقييد بسن معينة كسبع عشرة سنة أو ثماني عشرة سنة أو نحو ذلك، لكنهم اختلفوا في اشتراط البلوغ فيه – بأية أمارة – لصحته على فريقين:
1- فذهب الجماهير منهم إلى عدم اشتراط البلوغ فيه، ومن ثم صح عندهم إنكاح الصغار غير البالغين، واحتجوا على ذلك بجملة من الأدلة ذكرناها، وذكرنا ما ورد عليها من مناقشات وما أجيب به عنها.
لكن هؤلاء اختلفوا فيما بينهم:
فبعضهم قال بالصحة مطلقا، وبعضهم فرق بين الصغير والصغيرة وبين البكر والثيب، وبعضهم قصر صحة الإنكاح على الأب وحده، وبعضهم جعل ذلك للأب والجد، وبعضهم جعله لكل الأولياء، وبعضهم اعتبر العقد لازما، وبعضهم اعتبره غير لازم وأثبت الخيار للصغار عند البلوغ، ولكل أدلته.
2- وذهب الإمام جابر بن زيد، وابن شبرمة، وعثمان البتي، وأبو بكر الأصم إلى أن البلوغ شرط لصحة العقد، واعتبروا إنكاح الصغار باطلا، وتمسكوا بأدلة عرضناها، وعرضنا ما ورد عليها من اعتراضات.
وبعدَ التأمل في مجموع الأدلة وما دار حولها من بحث ونقاش بدا لي أن القول بعدم اشتراط البلوغ لصحة العقد أولى من غيره، لذا كانت المحاكم في البلاد الإسلامية تسير على هذا القول. (1/56)
صفحة 57
لكن جدَّت ظروف قلبت نكاح الصغار ضررا عليهم وعلى المجتمع، فمنعه ولي الأمر قبل الثامنة عشرة من العمر لكل من الفتى والفتاة على سبيل السياسة الشرعية دفعا للضرر وتحقيقا للمصلحة، وفي نفس الوقت فتح الباب لِما تدعو إليه الحاجة، فأجاز للقاضي أن يأذن بزواج الفتى والفتاة قبل إكمال السن المشار إليها إن طلبا الزواج وكان في تزويجهما مصلحة محققة لهما (1) .
وقد ذكرنا ما عساه يكون مبررا لمنع ولي الأمر الزواج قبل السن المقررة إذا لم تكن حاجة إليه، وبينا أن هذا المنع يملكه ولي الأمر بما لَهُ من سلطة الإشراف على شؤون الناس وربطها بمصالحهم بحسب ما يرتبط بالفعل المباح من المصالح الطارئة أو المفاسد المتجددة، وأشرنا إلى أن مخالفة ولي الأمر في هذا الصدد ترتب آثارا قضائية لا دخل لها في الحكم الشرعي حل المرأة وحرمتها.
وفي النهاية ذكرنا ما أشار إليه بعض نقاد قوانين تحديد السن في الزواج من مسائل يبدو القانون فيها عند التطبيق مصادما لأحكام الشريعة الإسلامية، ثم ذيلنا ذلك برأينا في هذه المسائل، والله أعلم.
التوصيات
من خلال معايشتي لجزئيات هذا الموضوع أوصي بما يلي:
1-الإسراع في وضع مذكرة توضيحية لهذا القانون لنقف من ورائها على غرض المقنن في كثير من النصوص التي وقع فيها إيهام شديد، ولمعالجة ما وقع في صياغة بعض المواد من عيوب ذكرنا طرفا منها في المقدمة.
2- توجيه خطاب لوسائل الإعلام بأنواعها المختلفة يتضمن حثها على بذل المزيد من تنمية وعي الجماهير بالآثار الاجتماعية والصحية والقانونية المترتبة على زواج الصغار، من خلال استضافة أهل الخبرة من الأطباء، وعلماء الاجتماع، وعلماء الشريعة والقانون.
__________
(1) - يراجع/ المادة 07، 10 من قانون الأحوال الشخصية العماني. (1/57)
صفحة 58
3- ضرورة عقد ورشات عمل تضم القضاة الشرعيين والأساتذة الأكادميين من الكلية وغيرها للنقاش في مواد هذا القانون، وبيان الإيجابيات فيه للتمسك بها والسلبيات فيه لطلب تعديلها،وكذا ضرورة عقد ندوات أخرى في بقية موضوعات القانون ودراستها للتوصل إلى أفضل ما يخدم المجتمع في هذا المجال.
وبعد... فهذا بحث متواضع شرفت بتكليفي بالكتابة فيه من إدارة الكلية، فإن كنت قد وفقت فيما طُلِب مني فذلك فضل الله، وإن كانت الأخرى فعذري أني بشر، وأستغفر الله العظيم، وحسبي أني لم آلو جهدا، وأني فتحت الموضوع للنقاش.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
د / المغاوري محمد عبد الرحمن الفقي
كلية الشريعة والقانون
مسقط (1/58)