صفحة 1
بحث تخرج: تغريب الزاني البكر لعيسى الزكواني
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
معهد العلوم الشرعية
بحث تخرج بعنوان:
تغريب الزاني البكر
إشراف الشيخ: إبراهيم بن راشد بن سيف الغماري
تقديم الطالب: عيسى بن سليمان بن عيسى الزكواني
العام الجامعي:
1425هـ - 1426هـ / 2004م – 2005م
عنوان البحث: تغريب الزاني البكر
ويحتوي البحث على مقدمة و تمهيد وثلاثة مباحث وخاتمة وقائمة المصادر والمراجع وعلى فهرس، وتفصيل ذلك على النحو الآتي:
المقدمة:
التمهيد:
أ _ تعريف الزنا لغة واصطلاحا:
ب_ أدلة تحريم الزنا والحكمة من تحريمه
المبحث الأول: تعريف التغريب و الزاني البكر وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف التغريب:
أولا: تعريفه لغة
ثانيا: تعريفه شرعا
المطلب الثاني: تعريف الزاني البكر:
أولا: تعريفه لغة
ثانيا: تعريفه شرعا
المبحث الثاني: حكم تغريب الزاني البكر الحر والعبد والأمة
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: حكم تغريب الرجل الحر
المطلب الثاني: حكم تغريب المرأة الحرة
المطلب الثالث: حكم تغريب العبد والأمة
المبحث الثالث: كيفية التغريب وفيه مطلبان:
المطلب الأول: صورته وفيه مسائل:
المسألة الأولى: مدة التغريب
المسألة الثانية: مسافة التغريب
المسألة الثالثة: هل يقدم الجلد على التغريب ؟
المسألة الرابعة: هل يخير في جهة التغريب ؟
المسألة الخامسة: الحبس في مكان التغريب
المسألة السادسة: خروج الزاني بنفسه دون حكم الحاكم
المسألة السابعة: لو زنى الغريب أو زنى المغرَّب في مكان التغريب
المسألة الثامنة: عودة المُغرَّب من المنفى قبل تمام مدة التغريب
المسألة التاسعة: نفقة المغَّرب
المطلب الثاني: إمكانية تطبيقه في العصر الحديث
الخاتمة
قائمة المصادر والمراجع
الفهرس
إهداء
إلى والدي العزيزين
إلى مشايخي الأفاضل
إلى إخواني الطلبة
إلى كل من أعانني في
إخراج هذا البحث
أهدي هذا العمل المتواضع
* من لم يشكر الناس لم يشكر الله * (1/1)
صفحة 2
أتقدم بخالص الشكر والعرفان إلى مشرفي الفاضل الشيخ إبراهيم بن راشد بن سيف الغماري الذي بذل قصارى جهده في سبيل إخراج هذا البحث على أكمل وجه فقد كان الأب الحنون والمشرف الناصح والموجه الرشيد
وإلى فضيلة الدكتور المناقش الهادي أحمد الهادي الذي كان الناقد الهادف والأب الناصح
وإلى كل من أعانني في إخراج هذا البحث إلى حيز الوجود
إلى كل هؤلاء أزف أسمى آيات الشكر والعرفان مع باقة من ورد الإجلال
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي حدّ حدودا ونهى عن تعديها فقال: { تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا } (1) وقال: { وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } (2) وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبدالله ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في سبيل ربه حتى أتاه اليقين، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن من مقررات معهد العلوم الشرعية بحث تخرج يقوم به كل طالب في السنة الأخيرة؛ ليقدمه عند تخرجه، وبما أن الأمر كذلك فقد اخترت موضوع " تغريب الزاني البكر " لأسباب منها:
? سبق أن كتبت تقريرا في مادة الجنايات في حكم التغريب، وعند مطالعتي الكتب للبحث عن هذا الموضوع تبين لي أن في الموضوع مسائل كثيرة، أحببت أن أبحث فيها لمعرفتها.
? قلة الكتابة عن هذا الموضوع عند الإباضية، ومن كتب فيه كتب دون توضيح مسائله وما دار حوله من أخذ ورد إلا الإمام السالمي وقطب الأئمة فإنهما كتبا في بعض جوانبه.
? مساهمة مني لإظهار مسائل الحدود وفروعها بين المذاهب؛ لحاجة الأمة الإسلامية في تطبيقها لحدود الله تبارك وتعالى.
__________
(1) سورة البقرة ( الآية 187)
(2) سورة النساء ( الآية 14) (1/2)
صفحة 3
? إظهار إمكانية تطبيق الحدود في كل زمان ومكان، ويتجلى هذا في المطلب الثاني من المبحث الثالث، وإن كان هذا مسلما به عند المؤمنين.
وقد اقتصرت في بحثي هذا على المذاهب الخمسة ( الإباضية والمالكية والشافعية والحنابلة والحنفية )، وخطتي في هذا البحث على النحو التالي:
مقدمة البحث
تمهيد
المبحث الأول: تعريف الزنا وحكمه والحكمة من تحريمه وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الزنا لغة واصطلاحا
أولا: تعريفه لغة
ثانيا: تعريفه اصطلاحا
المطلب الثاني: حكم الزنا وأدلة تحريمه
المطلب الثالث: الحكمة من تحريمه
المبحث الثاني: تعريف التغريب و الزاني البكر وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف التغريب:
أولا: تعريفه لغة
ثانيا: تعريفه شرعا
المطلب الثاني: تعريف الزاني البكر:
أولا: تعريفه لغة
ثانيا: تعريفه شرعا
المبحث الثالث: حكم تغريب الزاني البكر الحر والعبد والأمة وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: حكم تغريب الرجل الحر
المطلب الثاني: حكم تغريب المرأة الحرة
المطلب الثالث: حكم تغريب العبد والأمة
المبحث الرابع: كيفية التغريب وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: صورته وفيه مسائل:
المسألة الأولى: مدة التغريب
المسألة الثانية: مسافة التغريب
المسألة الثالثة: هل يقدم الجلد على التغريب ؟
المسألة الرابعة: هل يخير في جهة التغريب ؟
المسألة الخامسة: الحبس في مكان التغريب
المسألة السادسة: خروج الزاني بنفسه دون حكم الحاكم
المسألة السابعة: لو زنى الغريب أو زنى المغرَّب في مكان التغريب
المسألة الثامنة: عودة المُغرَّب من المنفى قبل تمام مدة التغريب
المسألة التاسعة: تداخل مدة التغريب
المسألة العاشرة: نفقة المغَّرب
المطلب الثاني: إمكانية تطبيقه في العصر الحديث
خاتمة البحث
قائمة المصادر والمراجع
فهرس الموضوعات (1/3)
صفحة 4
راجيا من الله العزيز أن يوفقني لما فيه الخير والصلاح، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأن يتقبل مني هذا العمل خالصا لوجهه الكريم.
الطالب: عيسى بن سليمان بن عيسى الزكواني
تمهيد :
جعل الله علاقة الرجل بالمرأة علاقة قائمة على الحب والوئام، والألفة والحنان، وجعل لها طريقا لتحقيق هذه المعاني وغيرها من المعاني السامية وهو طريق الزواج والنكاح العفيف، المبني على الأحكام التي فرضها الله – تبارك وتعالى – على البشرية عن طريق النبي – صلى الله عليه وسلم- لتكون دستورا للبشرية يتحاكمون إليه، ويسيرون على منهاجه السليم، وهذا الدستور هو القرآن الكريم والسنة المطهرة، فجاء هذا الدستور محددا للعلاقة الصحيحة التي ينبغي أن تكون بين الرجل والمرأة، وأوضح العلاقات بين الرجل والمرأة - غير الشرعية - التي يجب تجنبها، ومن بينها علاقة الزنا، ومن شأن هذا الدستور أنه راعى التدرج في تشريع الأحكام، فأوجب على الزناة في بداية التشريع الحبس، قال الله – تبارك وتعالى - : { وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } (1) ثم تدرج الحكم إلى أن وصل إلى الرجم للمحصن، والجلد والتغريب للبكر.
وموضوع تغريب البكر مما اختلفت آراء أهل العلم في حكمه، هل هو باق حدا أم على سبيل التعزير ؟ وهل يشمل الرجل والمرأة والعبد والأمة ؟ وما هي مدته ؟ وما مقدار مسافته ؟ وغير هذه من المسائل التي ستكون موضوع بحثنا إن شاء الله – تبارك وتعالى -.
المبحث الأول: تعريف الزنا وحكمه والحكمة من تحريمه
قبل أن ندخل في موضوع بحثنا لا بد أن نبين معنى الزنا في اللغة والشرع، وحكمه والحكمة من تحريم الزنا.
المطلب الأول: تعريف الزنا لغة واصطلاحا:
__________
(1) 1 ) سورة النساء ( الآية 15 ) (1/4)
صفحة 5
أولا: تعريف الزنا لغة:
(الزنا) يمد ويقصر، زنى الرجل يزني زِنىً، مقصور، وزِناءً ممدود، وكذلك المرأة ... والمرأة تُزانِي مُزاناةً وزِناء أي تُباغِي ... والنسبة إلى المقصور زِنَوِيُّ ... والنسبة إلى الممدود زِنائِيُّ. (1)
ثانيا: تعريف الزنا اصطلاحا:
? عرفه الإباضية بأنه: اتصال رجل بامرأة أجنبية اتصالا جنسيا حقيقيا دون عقد نكاح أو شبهة أو ملك يمين. (2)
? وعرفه الشافعية بأنه: إيلاج حشفة أو قدرها في فرج محرم لعينه مشتهى طبعا بلا شبهة مع العلم بتحريمه. (3)
? وعرفه المالكية بأنه: كل وطء، وقع على غير نكاح صحيح ولا شبهة نكاح ولا ملك يمين. (4)
? وعرفه الحنفية بأنه: وطء الرجل المرأة في القبل في غير الملك وشبهة الملك. (5)
__________
(1) محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، ج6، دار إحياء التراث العربي، لبنان، ط/2، 1417هـ-1997، ص9.
(2) بيوض إبراهيم، في رحاب القرآن، ج6، جمعية التراث، الجزائر، بدون طبعة، 1419هـ _ 1998م، ص67.
(3) سليمان بن عمر العجيلي المعروف بالجمل، حاشية الجمل على شرح المنهج، علّق عليه عبدالرزاق غالب المهدي، ج7، دار الكتب العلمية، لبنان، ط/1، 1417هـ- 1996م، ص 579.
(4) محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، تحقيق وتعليق ودراسة علي محمد معوض وعادل أحمد عبدالموجود، ج/6، دار الكتب العلمية، ط/1، 1416هـ - 1996م، ص 271، أحمد بن إدريس الصنهاجي المعروف بالقرافي، الذخيرة في فروع المالكية، ج9، دار الكتب العلمية، لبنان، ط/1، 1422هـ-2001م، ص 341.
(5) علي بن أبي بكر بن عبدالجليل الرشداني المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، ج2، دار الكتب العلمية، لبنان، ط/1، 1410هـ- 1990م، ص387. (1/5)
صفحة 6
? وعرفه الحنابلة بأنه: فعل الفاحشة في قبل أو دبر. (1)
بالنظر إلى هذه التعريفات يتبين أن الفقهاء اتفقوا على قدر معين يندرج تحت مفهوم الزنا الحدي وهو" الإيلاج المتعمد من الرجل في قبل المرأة المحرمة عليه بلا شبهة ولا ملك اليمين ومع العلم بتحريمه، واختلفوا في وطء الميتة فاعتبره الإباضية (2) وقول عند المالكية (3) زنى يعاقب عليه حدا، ولم يعتبره الشافعية (4) زنى معاقبا عليه حدا، كما اختلفوا في وطء البهيمة، فذهب الإباضية (5) وقول للمالكية (6) وقول عند الحنابلة (7) إلى أنه زنى يعاقب عليه بالحد، ولم يعتبره الشافعية (8) وقول عند الحنابلة (9) وقول للمالكية (10) زنى يعاقب عليه بالحد، واختلفوا كذلك في الوطء في الدبر فاعتبره الحنابلة، (11) والشافعية، (12) والإباضية، (13)
__________
(1) إبراهيم بن محمد بن عبدالله بن محمد ابن مفلح الحنبلي، المبدع شرح المقنع، ج7، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي، دار الكتب العلمية، لبنان، ط/1، 1418هـ _1997م، ص 380.
(2) أحمد بن عبدالله الكندي، المصنف، ج40، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، بدون ط، 1402هـ-1983م، ص 19.
(3) القرافي، الذخيرة، 9، /342، 1422هـ-2001م، مرجع سابق.
(4) الجمل، حاشية الجمل، ج7، ص581، مرجع سابق.
(5) أحمد بن عبدالله الكندي، المصنف، 40/14، مرجع سابق.
(6) القرافي، الذخيرة، 9، /342، 1422هـ-2001م، مرجع سابق.
(7) منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج3، عالم الكتب، لبنان، ط/1، 1414هـ-1993م، ص346.
(8) الجمل، حاشية الجمل، 7/581، مرجع سابق
(9) البهوتي، شرح منتهى الإرادات، 3/346، مرجع سابق.
(10) القرافي، الذخيرة، 9/342، 1422هـ-2001م، مرجع سابق.
(11) البهوتي، شرح منتهى الإرادات، 3/346، مرجع سابق.
(12) الجمل، حاشية الجمل، 7/581، مرجع سابق.
(13) أحمد بن عبدالله الكندي، المصنف، 40/14، مرجع سابق.. (1/6)
صفحة 7
زنى يعاقب عليه بالحد، ولم يعتبره الحنفية (1) زنى يعاقب عليه بالحد.
المطلب الثاني: حكم الزنا وأدلة تحريمه:
أولا: حكم الزنا
الزنا محرم باتفاق، وجاء تحريمه في الكتاب الكريم والسنة المطهرة الشريفة وإجماع المسلمين؛ فتحريمه مما عُلم من الدين بالضرورة.
ثانيا: أدلة تحريم الزنا:
- أولا: من القرآن الكريم:
1. قوله تعالى: { وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وسَاءَ سَبِيلا } (2)
{ وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى } بأي وسيلة من وسائله وابتعدوا عن مقدماته { إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } خصلة قبيحة قبحا ظاهرا { وسَاءَ سَبِيلا } لأنه سبيل إلى قطع الأنساب وتهييج الفتن ونشر المفاسد. (3) ولا يخفى على كل ذي لب أن كل فعل هذه بعض نتائجه فإن العقل السليم والفطرة الزكية يمجانه ولا يستسيغانه فضلا عن أن الشرع حرمه للنهي عن التقرب منه، فكيف بمقارفته وانتهاك شرع الله ؟ والنهي يقتضي التحريم. (4)
2. قوله تعالى: { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذُكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ المؤْمِنِين } (5) رتب الله تعالى الإيمان به وباليوم الآخر على إقامة عقابه الدنيوي على من ارتكب هذه الفاحشة النكراء، وترتيب العقاب على فعل يدل على تحريمه.
__________
(1) المرغيناني، الهداية، 2/387، مرجع سابق.
(2) سورة الإسراء، الآية (32)
(3) محمد بن يوسف أطفيش، تيسير التفسير، ج8، المطبعة العربية، الجزائر، بدون طبعة، 1420هـ -2000م، ص170. ( بتصرف )
(4) عبدالله بن حميد السالمي، طلعة الشمس، ج1، وزارة التراث القومي والثقافة، بدون طبعة، 1401هـ - 1981م، ص67.
(5) سورة النور، الآية ( 2 ) (1/7)
صفحة 8
3. قوله تعال { : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهَ إِلا بِالحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفُ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا } (1) وليس أدل على تحريم الزنا من اقترانه بالشرك بالله تبارك وتعالى وبقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق،ورتب عليه الإثم ومضاعفة العذاب والخلود في النار.
- ثانيا: من السنة:
1. قال الربيع بن حبيب: قال جابر بن زيد: بلغني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:" إذا زنى الزاني سلب الإسلام فإذا تاب ألبسه". (2)
2. قال الربيع بن حبيب: قال جابر بن زيد: بلغني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:" إن أهل النار يتأذون بريح الزاني في النار ". (3)
__________
(1) سورة الفرقان، الآيتان ( 68-69)
(2) أخرجه الربيع في زيادات المسند، باب الحجة على من قال أن أهل الكبائر ليسوا كافرين، ح (766)، 3/195، وأخرجه أبو داود، كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ح (4690 ) ص622، وأخرجه الترمذي، كتاب الإيمان، باب لا يزني الزاني وهو مؤمن، ح ( 2625 )، ص596.
(3) أخرجه الربيع في زيادات المسند، باب الحجة على من قال أن أهل الكبائر ليسوا كافرين، ح (767)، 3/195، مرجع سابق. (1/8)
صفحة 9
3. جابر بن زيد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن فإن تاب تاب الله عليه ". (1)
4. عن عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله ! أي الذنب أعظم ؟ قال: " أنْ تجعل لله ندا وهو خلقك " قلت: ثم أي ؟ قال: أن تقتل ولدك من أجل أن يَطْعَمَ معك " قلت: ثم أي ؟ قال: " أن تزاني حليلة جارك". (2)
نفي الإيمان عن الذي يقارف هذه المعصية الشنيعة دليل على أن الفعل كبيرة، وإذا كان أهل النار يتأذون من ريح فاعل هذه الفعلة فأهل الدنيا يتأذون منه لأنه يؤذيهم في أعراضهم وأنسابهم وهو يأرق مضجع الأمة من حيث أفعاله الشنيعة وشغلها بإقامة الحد عليه، فمن مجموع هذه الأحاديث يتبين أن الزنا محرم، وهو مما يصادم الفطرة السوية.
- ثالثا: الإجماع:
__________
(1) أخرجه الربيع في الأخبار المقاطيع عن جابر بن زيد ح (983-992)4/267-268، مرجع سابق، وأخرجه البخاري في كتاب الحدود، باب: لا يشرب الخمر ( ح: 6274) 3/391، وفي باب:السارق حين يسرق (ح:6284) 3/393، وأخرجه ابن ماجه كتاب الفتن، باب النهي عن النهبة ح ( 3936 ) ص634، وأخرجه الترمذي، كتاب الأيمان، باب لا يزني الزاني وهو مؤمن، ح ( 2625 )، صـ596، من طريق أبي هريرة.
(2) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى { فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } ( ح4477)، ص806، وفي كتاب الأدب، باب قتل الولد خشية أن يأكل معه ح ( 6001 ) ص 1105، وفي كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب إثم الزناة ح ( 6811) ص 123. (1/9)
صفحة 10
أجمع المسلمون على تحريمه منذ الصدر الأول إلى الآن ولم يعلم لهم مخالف في ذلك. (1)
المطلب الثالث: الحكمة من تحريم الزنا:
" جريمة الزنا من أبشع الجرائم التي ترتكب ضد الشرف والأخلاق والفضيلة والكرامة، وتؤدي إلى تقويض بناء المجتمع، وتفتيت الأسر، واختلاط الأنساب، وقطع العلاقات الزوجية، وسوء تربية الأولاد، بل تفضي إلى ضياع الطفل الذي هو قتل له معنى؛ فجريمة الزنى من أخطر أمور الحياة كلها، بل أشدها تعلقا بنظامها ودوام سعادتها وهنائها وتماسكها وترابطها.
وناهيك عن مضار الزنى الشنيعة، وآثاره الممقوتة، فهي أكثر من أن تحصى، لأنها مضار أخلاقية، ودينية، وجسمانية، واجتماعية، وأسرية، وناهيك بجريمة يرتكبها صاحبها وهو جذلان مسرور، بينما يجني على نفسه بإغضاب ربه، وتعرضه لمقته وغضبه، وشديد عقابه، بل يتعرض لانتزاع الإيمان من قلبه، كما يخلع الإنسان قميصه من عنقه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " (2) وقال - صلى الله عليه وسلم -: " إذا زنى الزاني سُلب الإسلام فإذا تاب ألبسه ". (3)
__________
(1) ابن المنذر، الإجماع، تقديم ومراجعة عبدالله بن زايد آل محمود، تحقيق ودراسة د. فؤاد عبدالمنعم أحمد، دار الثقافة، قطر، ط/3، 1408هـ- 1987م، ص 112، عبدالكريم بن محمد بن عبدالكريم الرافعي القزويني الشافعي، العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير، ج11، تحقيق وتعليق علي محمد معّوض، عادل أحمد عبدالجواد، دار الكتب العلمية، لبنان، ط/ 1، 1417هـ _ 1997م، ص 127، الحاشية ( 1 ).
(2) تقدم تخريجه ص ( ) حاشية ( )
(3) تقدم تخريجه ص ( ) حاشية ( ) (1/10)
صفحة 11
إن الإسلام بتشريعه حد الزنى، وعنايته التامة بإقامته واهتمامه بتنفيذه أمام طائفة من عباد الله المؤمنين، ونزول الآيات الكثيرة بشأنه والنهي عن اقتراف مقدماته وأسبابه والاقتراب منه، كالاختلاط والغناء والرقص وخلافه، واعتباره من أعظم الفواحش ومن أكبر الذنوب ومقارنته بالشرك بالله تعالى وقتل الأنفس، ووصفه في القرآن الكريم بأنه يكون سببا في مضاعفة العذاب يوم القيامة والخلود في نار جهنم، وأنه يسبب المقت والمهانة، ويجلب على صاحبه العار والفضيحة ويجرفه إلى أسوأ سبيل، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه يخلع الإيمان من قلب الزاني والزانية كما يخلع الرجل قميصه من عنقه وتشريع ضرب الزاني المحصن بالحجارة حتى يموت، هو أشنع عقاب وأشد عذاب في التشريع، فالإسلام يقصد من وراء ذلك كله إلى صيانة الأعراض أيما صيانة وحفظها من التلوث والدخالة، لأن الأعراض الطاهرة تستوجب الطمأنينة السعيدة في الأسرة، وتنبت ذرية قوية صالحة، وأفرادا شرفاء فضلاء، وأشبالا أشداء أقوياء، ترفع الإنسانية وتسمو بها، وتعلى قدرها، وما من شك في أن الأسرة المتهدمة والعائلة المتفرقة، لا تكون أمة نبيلة ولا شعبا كريما، لأن بناء المجتمع الصالح إنما يكون من لبنات متينة قوية متماسكة. (1/11)
صفحة 12
فالإسلام ينظر إلى الانحراف على أنه خروج عن الفطرة السليمة التي فطر الله الإنسان عليها، وعصيان على الطبيعة وتمرد عليها، ويحاول العلاج لمن انحرف عن طبعه، وإذا تعذر العلاج ولم يفد الإصلاح كان موقف الإسلام أشد صلابة في ردع المجرم، والقسوة في الحكم عليه حتى لا يكون بقاء الفساد قضاء على المجتمع كله، وبهذه الطريقة يحارب الإسلام الانحرافات، ويضع لها الحدود الرادعة، التي تناسب خطورة الذنب، وقاية للجماعة الإنسانية من الضياع والفساد، كالعضو الذي أصيب بمرض فتاك، فإذا لم يمكن علاجه اضطر إلى بتره حماية للجسد كله، لذلك شرع الحدود للزجر عما يتضرر به العباد من إفساد الفرش، وإضاعة الأنساب، وهتك الأعراض، وإتلاف الأموال، واضطراب الأمن، والحدود دواء شاف وعلاج ناجح؛ لما يصيب المجتمع من الأمراض الأخلاقية الخطيرة، والأمراض النفسية الفتاكة التي تهلك المجتمع وتنخر في جسده وتمزق أوصاله، وتؤدي به إلى الهاوية ". (1)
المبحث الثاني: تعريف التغريب و الزاني البكر وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف التغريب:
أولا: تعريفه لغة:
__________
(1) عبدالرحمن الجزيري، كتاب الفقه على المذاهب الأربعة، ج5، دار الفكر بيروت، ط1/1420هـ - 1999م، ص 37- 43، ( بتصرف ). (1/12)
صفحة 13
التغريبُ: النفيُ عن البلد. وغَرَبَ أَي بَعُدَ؛ ويقال: اغْرُبْ عني أَي تباعَدْ؛ ومنه الحديث: أَنه أَمَرَ بتَغْرِيب الزاني (1) التغريبُ: النفيُ عن البلد الذي وَقَعَتِ الجِنايةُ فيه. يقال: أَغرَبْتُه وغَرَّبْتُه إِذا نَحَّيْتَه وأَبْعَدْته، والتَّغَرُّبُ: البُعْدُ...، وغريبٌ: بعيد عن وَطنِه؛ الجمع غُرَباء. (2)
الغريب: البعيد عن وطنه: مَنْ ليس مِن القوم، ج غُرَباء، وهو الغُرُب، وهي غريبةٌ، ج غرائب. (3)
ثانيا: تعريفه شرعا:
الأول: عرفه الشوكاني بقوله: هو إخراج الزاني البكر عن موضع إقامته بحيث يعد غريبا. (4)
الثاني: هو نفيه وتبعيده عن البلدة. (5)
__________
(1) أخرجه الربيع في كتاب الأحكام، باب في إسناد القضاء الموافق للحق إلى كتاب الله و في تكلم الخصوم بين يدي الحاكم، (ح:597 ) من طريق ابن عباس، وأخرجه البخاري في كتاب الحدود، باب الزنا، (ح: 6827ـ6828) وأخرجه مسلم في كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا(ح: 1697_1698)، وأخرجه أبو داود في كتاب الحدود، باب المرأة التي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - برجمها من جهينة (ح: 4445)، وأخرجه الترمذي في كتاب الحدود باب ما جاء في الرجم على الثيب (ح:1433)، وأخرجه النسائي في كتاب آداب القضاء، باب صون المرأة عن مجلس الحكم (ح: 8/241)، وأخرجه ابن ماجه في كتاب الحدود، باب حد الزنا (ح:2549)، كلهم من طريق أبي هريرة و زيد بن خالد الجهني.
(2) ابن منظور، لسان العرب 1/639، مرجع سابق.
(3) أحمد رضا، معجم متن اللغة، ج4، دار مكتبة الحياة، لبنان، بدون طبعة، 1379هـ- 1960م، ص287.
(4) محمد بن علي الشوكاني، نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار، ج7، دار الكتب العلمية، بدون طبعة 1420ـ1999، ص95.
(5) نجم الدين أبو حفص النسفي، طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية، ضبط و تعليق وتخريج خالد عبد الرحمن العك، دار النفائس، ط/ 1416هـ _ 1995م، ص176. (1/13)
صفحة 14
الثالث: وقيل بأن النفي السجن. (1)
ولم يذكر جمهور الفقهاء (2) تعريفا للتغريب ولكن قد يستخلص من كلامهم على التغريب أنه: إخراج الزاني البكر عن موضع ارتكابه الفاحشة بحيث تصدق عليه الغربة لمدة عام، ويزيد المالكية (3) مع الحبس في موضع تغريبه، وهذا الذي استخلصناه من كلام الفقهاء فيما يظهر أنه أجود من تعريف الشوكاني؛ لأنه بقوله " عن موضع ارتكابه للفاحشة " ليدخل الغريب في التعريف، لأنه قد يؤخذ على تعريف الشوكاني من قوله " عن موضع إقامته " أن الغريب ليس داخلا في التعريف فيكون التعريف ناقصا، ومما يؤخذ على تعريف الشوكاني أنه لم يذكر المدة.
وأما التعريف الثاني فإنه مما يؤخذ عليه أنه لم يذكر المدة، وأما التعريف الثالث فإنه عرف التغريب بالسجن، وهذا مخالف لوضع التغريب، وكذلك لم يذكر المدة.
المطلب الثاني: تعريف الزاني البكر:
أولا: تعريفه لغة:
__________
(1) ابن حزم، المحلى شرح المجلى، تحقيق: أحمد شاكر، دار إحياء التراث العربي، 13، ط/2، 1422هـ - 2001م، ص52.
(2) انظر: الرافعي، العزيز، 11/135- 138، مرجع سابق، منصور بن يونس البهوتي، كشاف القناع عن متن الإقناع، ج6، دار الفكر، لبنان، بدون ط، 1402هـ- 1982م، ص91- 92، محمد بن يوسف أطفيش، شرح كتاب النيل وشفاء العليل، ج7، مكتبة الإرشاد، جدة، ط/3، 1405- 1985، ص352، محمد بن يوسف أطفيش، هيميان الزاد إلى دار المعاد، تحقيق عبدالحفيظ شلبي، ج4، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، بدون ط، 1403هـ- 1983م، ص467- 468.
(3) محمد بن عبدالله بن علي الخرشي، حاشية الخرشي على مختصر سيدي خليل، ضبطه وخرج آياته وأحاديثه زكريا عميرات، ج8، دار الكتب العلمية، لبنان، ط/1، 1417هـ- 1997م، ص291- 293. (1/14)
صفحة 15
البكر:... وبِكرُ كُلِّ شيء: أَوّله،... والبِكرُ: أوّل ولد الرجل، غلاما كان أو جارية، وجمعهما جميعا أبكار، والبِكْرُ: الجارية التي لم تُفْتَضَّ، وجمعها أَبْكارٌ، والبِكْرُ من النساء: التي لم يقربها رجل، ومن الرجال: الذي لم يقرب امرأة بعد. (1)
البِكْرُ: العذراء؛ والجمع أبْكار، والمصدر البَكَارة بالفتح. (2)
ثانيا: تعريفه شرعا:
* هو من لم يتقدم له وطء مباح في نكاح لازم، بأن لم يتقدم له وطء أصلا، أو تقدم له وطء في أمته أو في زوجته لكن في حيضها أو في نكاح فاسد لم يُفْتَ به وفُسِخَ. (3) وهو تعريف المالكية. (4)
* هو كل رجل أو امرأة لم يُجامِعْ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل. (5)
* هو من لم يطأ أو توطأ في نكاح صحيح. (6)
* هو من لم يجامع في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل سواء كان جامع بوطء شبهة أو نكاح فاسد أو غيرهما أم لا. (7)
* هو الحر البالغ الذي لم يجامع في نكاح صحيح. (8)
__________
(1) ابن منظور، لسان العرب، 1/471، مرجع سابق.
(2) إسماعيل بن حماد الجوهري، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق أحمد عبدالغفار عطار، ج 2، مطابع دار الكتاب العربي، مصر، بدون ط، ص 595.
(3) سعيد أبو جيب، القاموس الفقهي لغة واصطلاحا، دار الفكر، ط/ 2، 1408هـ _ 1988م، ص40_41.
(4) الخرشي، حاشية الخرشي، 8/291، مرجع سابق.
(5) سعيد أبو جيب، القاموس الفقهي، ص40 – 41، مرجع سابق.
(6) زين الدين بن عبدالعزيز المليباري، حاشية إعانة الطالبين، لأبي بكر ابن محمد على حل ألفاظ فتح المعين لشرح قرة العين بمهمات الدين، ج4، دار الفكر، لبنان، ط/ 1، 1419 هـ _ 1998م، ص219.
(7) يحيى بن شرف النووي، شرح صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، ج11، دار الكتب العلمية، ط/1، 1421هـ- 2000، ص158.
(8) محمد بن إسماعيل الصنعاني، سبل السلام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام، ج4، دار إحياء التراث العربي، ط/2، 1422هـ- 2001م، ص7. (1/15)
صفحة 16
* هو من لم يعقد عقد النكاح. (1)
__________
(1) انظر: محمد بن إبراهيم الكندي، بيان الشرع، ج71، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1414هـ- 1993م، ص 64، أطفيش، شرح النيل، 7/345، مرجع سابق، السالمي، شرح الجامع الصحيح، تحقيق عزالدين التنوخي، ج3، المطابع الذهبية، سلطنة عمان، بدون ط، ص 281. (1/16)
صفحة 17
ويتبين من خلال هذه التعريفات للبكر أن هناك خلافا بين أهل العلم في تحديد مصطلح البكر، فذهب الشافعية، (1) والحنابلة، (2) والحنفية، (3) والربيع بن حبيب وأبوبكر الصديق، (4) إلى أن من ملك ولم يدخل فهو بكر؛ لأنه تلحقه الغيرة ولو لم يمس فيكفه وجود الغيرة من نفسه على عدم هتك ستر غيره، وعدم تمكين نفسه لغير زوجته؛ لأن لها غيرة، وأن تمكينه وضع لرتبتها (5) ولأنه لو شاء لمس، فالدخول بعقد صحيح ولو في حيض أو نفاس أو إحرام أو غيره بلا شبهة ولا ملك يمين يعتبر إحصانا، فدل ذلك على أنه إن اختل شرط من هذه الشروط فهو بكر، بينما لم يعتبر المالكية (6) والشافعية في قول لهم (7) الدخول في الحيض إحصانا، فاعتبروا من دخل في حيض أو بعقد فاسد بكرا، ولم يشترط جمهور الإباضية (8) الدخول لاعتبار الإحصان، وإنما اكتفوا بالعقد فقط في اعتبار الإحصان، فمن ملك ولو لم يدخل فهو محصن عندهم لحديث " أحصن مَنْ مَلكَ أو مُلِّكَ لهُ " (9) ولأنه ما لم يمس فهو كالعازب. (10)
__________
(1) الرافعي، العزيز، 11/131- 132، مرجع سابق.
(2) البهوتي، شرح منتهى الإرادات، 3/343- 344، مرجع سابق.
(3) محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي، المبسوط، ج5، تحقيق أبي عبدالله محمد حسن محمد حسن إسماعيل، دار الكتب العلمية، لبنان، ط/1، 14211هـ- 2001م، ص 138.
(4) السالمي، شرح الجامع الصحيح، 3/281، مرجع سابق.
(5) أطفيش، شرح النيل، 7/345، مرجع سابق.
(6) الخرشي، حاشية الخرشي، 8/291، مرجع سابق.
(7) النووي، شرح صحيح مسلم، 11/158، مرجع سابق.
(8) انظر: الكندي، بيان الشرع، 71/64، مرجع سابق، أطفيش، شرح النيل، 7/345، مرجع سابق، السالمي، شرح الجامع الصحيح، 3/281، مرجع سابق.
(9) أخرجه الربيع مرسلا، كتاب الأحكام، باب في الرجم والحدود، ( ح 603 ) ص 156.
(10) أطفيش، شرح النيل، 7/345، مرجع سابق. (1/17)
صفحة 18
والذي يظهر من أدلة الفريقين أن قول جمهور الإباضية هو الموافق للأدلة؛ لقوله- صلى الله عليه وسلم - " أحصن مَنْ مَلكَ أو مُلِّكَ لهُ " (1) وإن كان المصنف تفرد به ولم يروه غيره من أئمة الحديث، ويرد اعتراض المعترض بأن الحديث مرسل أن العلماء اختلفوا في حجية المرسل، ومرسل الإمام جابر من مراسيل الثقات (2) مع أن جابرا قال: بلغني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " أحصن مَنْ مَلكَ أو مُلِّكَ لهُ " (3) فقوله " بلغني " إشارة إلى أن هذا الخبر انتهى إليه من طريق أو طرق يثق بها ويعول عليها؛ لكنه نسي من أخبره بذلك لكثرتهم أو لكثرة من لقي من الصحابة فلم يمكنه التعيين، وبلاغه - رضي الله عنه - في حكم الاتصال. (4)
وقد يكون المرسِل سمع الحديث عن جماعة ثقات وصحّ عنده، فيرسله اعتمادا على صحته عن شيوخه، أو يكون نسي من حدّثه به وعرف المتن فذكره مرسلا؛ لأن أصل طريقته أنه لا يحمل إلا عن ثقة، وقد لا يقصد التحديث؛ بأن يذكر الحديث على وجه المذاكرة أو على جهة الفتوى فيذكر المتن؛ لأنه المقصود في تلك الحالة دون السند، ولا سيما إن كان السامع عارفا بما طوى ذكره لشهرته. (5)
المبحث الثالث: حكم تغريب الزاني البكر الحر والعبد والأمة وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: حكم تغريب الزاني البكر الحر:
اختلف العلماء في تغريبه إلى قولين:
__________
(1) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( )
(2) سعيد بن مبروك القنوبي، الإمام الربيع مكانته ومسنده، مكتبة الضامري، سلطنة عمان، ط/1، 1416هـ- 1995م، ص 156- 158.
(3) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( )
(4) السالمي، شرح الجامع الصحيح، 1/18، مرجع سابق.
(5) القنوبي، الإمام الربيع مكانته ومسنده، ص 158، مرجع سابق. (1/18)
صفحة 19
القول الأول: أنه ليس واجبا بل هو حق للإمام إن شاء أقامه تعزيرا وإن شاء تركه، و هذا مذهب جمهور الإباضية (1) وأبي حنيفة وحماد ومحمد بن الحسن. (2)
واختلف هؤلاء في فعله - صلى الله عليه وسلم - للتغريب؛ فذهب الحازمي والمنذري أنه منسوخ بقوله تعالى: { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } (3) وذهب غيرهم أنه من باب السياسة ومراعاة المصالح. (4)
أدلة هذا القول:
الدليل الأول: القرآن الكريم: قوله تعالى: { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } (5) والاستدلال به من وجوه:
__________
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، 3/310ـ311، مرجع سابق.
(2) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع،ج 5، دار إحياء التراث العربي، ط/2، 1419هـ- 1998م، ص 496، عبدالله بن أحمد المعروف بحافظ الدين النسفي، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ج5، دار الكتب العلمية، ط/ 1، 1418هـ_1997م، ص 17، محمد أمين بن عمر بن عبدالعزيز عابدين الدمشقي، رد المحتار على الدر المختار المعروف بحاشية ابن عابدين، 6، دار إحياء التراث العربي، ط/1، 1419هـ-1998م، ص17، عبدالغني الغنيمي الميداني، اللباب شرح الكتاب، ج2، دار المعرفة، ط/1، 1418هـ- 1998م، ص 165.
(3) سورة النور، آية 2.
(4) السالمي، شرح الجامع الصحيح، 3/302، مرجع سابق.
(5) سورة النور، آية 2. (1/19)
صفحة 20
الوجه الأول: أنه عز وجل أمر بجلد الزانية والزاني ولم يذكر التغريب، فمن أوجبه فقد زاد على كتاب الله عز وجل والزيادة عليه نسخ و لا يجوز نسخ النص بخبر الواحد، والأحاديث التي ذكرت التغريب آحادية (1) وهذا الاستدلال على قول الحنفية في المسألة الأصولية الشهيرة أن الزيادة على النص تعتبر نسخا. (2)
مناقشة هذا الدليل:
__________
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، 7/39، مرجع سابق.
(2) عبدالعزيز بن أحمد البخاري، كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، ضبط وتعليق وتخريج محمد المعتصم بالله البغدادي، ج3، دار الكتاب العربي، ط/2، 1414هـ- 1994م، ص 361. (1/20)
صفحة 21
عدم ذكر التغريب في آية الجلد لا يدل على مطلق العدم، وقد ذُكر التغريب في الأحاديث الصحيحة الثابتة باتفاق أهل العلم بالحديث، وليس بين هذا الذكر وبين عدمه في الآية منافاة، وأما الزيادة على القرآن فليست مما يخرج بها المزيد عليه عن أن يكون مجزئا حتى تتجه دعوى النسخ، فهم – أي الحنفية - قد عملوا بما هو دونها بمراحل كحديث نقض الوضوء بالقهقهة و حديث جواز الوضوء بالنبيذ وهما زيادة على ما في القرآن (1) قال القرطبي: " وأما قولهم: الزيادة على النص نسخ، فليس بمسلم، بل زيادة حكم آخر مع الأصل " (2) وكذلك بأن الزيادة ليست بنسخ إذ حكم النص باق وهو الجلد والتغريب ثابت بالسنة (3) وأن الأحاديث الواردة في التغريب مشهورة تلقتها الأمة بالقبول وعملت بها الصحابة والخلفاء الراشدون وغيرهم ومن بعدهم، وقد صرح بشهرته ابن حجر والصنعاني والشوكاني (4) ولا خلاف أن الحديث المشهور تجوز به الزيادة على الكتاب...ولو كان كل ما أوجبته السنة ولم يوجبه القرآن نسخا له لبطلت أكثر سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (5) ولو كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يطاع في هذا القسم لم يكن لطاعته معنى.
__________
(1) الصنعاني، سبل السلام، 4/7، مرجع سابق، الشوكاني، نيل الأوطار، 7/94، مرجع سابق.
(2) محمد بن أحمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق سالم مصطفى البدري، ج5، دار الكتب العلمية، ط/1 1420 ـ 2000، ص 59.
(3) محمد بن عبدالباقي الزرقاني، شرح الزرقاني على موطأ مالك، ج4، دار إحياء التراث العربي، ط/1، 1417هـ- 1997م، ص 189.
(4) انظر: ابن حجر، فتح الباري، 12/192، مرجع سابق، الصنعاني، سبل السلام، 4/7، مرجع سابق الشوكاني، نيل الأوطار، 7/94، مرجع سابق.
(5) صدرالدين، التنبيه على مشكلات الهداية، 4/143-144، مرجع سابق. (1/21)
صفحة 22
الوجه الثاني: أنه سبحانه وتعالى جعل الجلد جزاء والجزاء اسم لما تقع به الكفاية مأخوذ من الاجتزاء وهو الاكتفاء فلو أوجبنا التغريب لا تقع الكفاية بالجلد وهذا خلاف النص. (1)
مناقشة هذا الدليل: نعم الآية تضمنت كل الحد، ولكنها تضمنت ما جاء عن طريق القرآن، والتغريب واجب بالسنة دون القرآن. (2)
الوجه الثالث: أن المقام مقام بيان فالسكوت يفيد الحصر. (3)
مناقشة هذا الدليل: لا نسلم أن المقام مقام بيان، لأن البيان قد تقدم في حديث عبادة بن الصامت.
الوجه الرابع: لو كان النفي حدا لكان من النبي - صلى الله عليه وسلم - عند تلاوته توقيف الصحابة عليه، لئلا يعتقدوا عند سماع التلاوة أن الجلد هو جميع حده، ولو كان كذلك لكان وروده في وزن ورود نقل الآية- أي متواترا – فلما لم يكن خبر النفي بهذه المنزلة، بل كان وروده من طريق الآحاد، ثبت أنه ليس بحد. (4)
__________
(1) السرخسي، المبسوط، ج9، دار الكتب العلمية، ط/ 1، 1421هـ- 2001م، ص 51، الكاساني، بدائع الصنائع، 7/39، مرجع سابق.
(2) علي بن محمد بن حبيب الماوردي، الحاوي الكبير، تحقيق علي محمد معوض و عادل أحمد عبدالموجود، ج13، دار الكتب العلمية، ط/1، 1414هـ- 1994م، ص 194.
(3) شهاب الدين محمود الألوسي، روح المعاني، ج17، دار إحياء التراث العربي، بدون ط، ص81.
(4) القصبي محمود زلط، تفسير آيات الأحكام، ج3، دار القلم الإمارات، ط/1، 1409هـ-1989م، ص197. (1/22)
صفحة 23
مناقشة هذا الدليل: لا يلزم أن يوقف النبي – صلى الله عليه وسلم – الصحابة على ذلك؛ لأن الصحابة على علم بالتغريب من قوله - صلى الله عليه وسلم -: " خذوا عني خذوا..." (1) فلا داعي لتوقيفهم عليه، كما أنه لا يجب أن يأتي متواترا حتى يكون حدا.
كما أنه لا خلاف بين المسلمين أن سنة الآحاد حجة على المسلمين في وجوب العمل بها والتقيد بأحكامها، وجعلها دليلا من أدلة الأحكام (2) فأحاديث التغريب وآثار الصحابة والتابعين – التي سيأتي ذكرها في المبحث الثاني- تأكد على بقاء ما في حديث عبادة من الحكم على البكر.
الوجه الخامس: أن الآية نسخت حديث عبادة بن الصامت وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم بالحجارة " (3) ووجه النسخ أن آية النور نسخت الجلد عن المحصن، وبقي الرجم، فنسخت الشطر الثاني كما نسخت شطر حد المحصن. (4)
مناقشة هذا الدليل: ولو سُلم أن الآية ناسخة للحديث، تكون ناسخة له نسخا جزئيا لا كليا أي أنها نسخت حكم الجمع بين الجلد والرجم، ويدل على أن النسخ كان جزئيا لا كليا فتوى الصحابة بالتغريب في حديث العسيف والتي كانت بعد نزول الآية.
__________
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحدود، باب حد الزنا (ح:1690)، وأخرجه الترمذي في كتاب الحدود، باب ما جاء في الرجم على الثيب (ح:1434)، و أخرجه ابن ماجه في كتاب الحدود، باب حد الزنا (ح: 2550).
(2) عبدالكريم زيدان، الوجيز في أصول الفقه، مؤسسة الرسالة، ط/7، 1421هـ-2000م، ص171-172.
(3) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( )
(4) السرخسي، المبسوط، 9/52، مرجع سابق، علي بن علي بن أبي العز( صدرالدين )، التنبيه على مشكلات الهداية، ج4، مكتبة الرشد، السعودية، ط/1، 1424هـ-2003م، ص139- 140. (1/23)
صفحة 24
وكذلك يحتمل أن تكون الآية نزلت قبل الحديث وقد تكون بعده، لأنه لا دليل لتحديد وقت نزولها إلا الاحتمال الحاصل من الظن، فلو كان الحديث بعد الآية فقد جاء بما في الآية وزيادة الرجم والتغريب، ولا يكون قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -" قد جعل الله لهن سبيلا " بموجب أن يكون قبل نزول الآية ولا بد، بل قد تنزل الآية ببعض الذي جعله الله لهن سبيلا ثم بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبادة تمام السبيل. (1)
وأما لو كان الحديث قبل الآية فإنه قد صح ما في الحديث من الجلد والتغريب والرجم، وكانت الآية وردت ببعض ما في حديث عبادة، وأحالنا الله تعالى إلى باقي الحد على ما سلف في حديث عبادة، وكذلك كما لم تكن الآية مانعة عندهم - الحنفية ومن وافقهم – من الرجم الذي ذكر في حديث عبادة قبل نزولها ولم يذكر فيها، فكذلك ليست مانعة من التغريب الذي ذكر في حديث عبادة قبل نزولها ولم يذكر فيها، ولا فرق. (2)
ولو سلمنا أن الآية نسخت حديث عبادة، فماذا يقال في حديث العسيف الذي جاء فيه " اختصم رجلان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أحدهما: اقض بيننا بكتاب الله، وقال الآخر: أجل يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي أن أتكلم، فقال: تكلم، فقال: إن ابني كان عسيفا لهذا الرجل فزنا بامرأته فأخبرت أن على ابني الرجم فافتديته منه بمائة شاة وبجارية، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني مائة جلدة وتغريب عام، وإنما الرجم على المرأة، قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: والذي نفسي بيده لأقضين بينكم بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فرد عليك، وجلد ابنه مائة جلدة وغربه عاما وأمر أنيسا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها " (3)
__________
(1) ابن حزم، المحلى، 13/57، مرجع سابق.
(2) ابن حزم، المحلى، 13/57، مرجع سابق.
(3) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( ) (1/24)
صفحة 25
إذ لا يمكن أن يغفل عنها النبي - صلى الله عليه وسلم -. فالآية نزلت في حادثة الإفك وكانت هذه في السنة السادسة لهجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام، والحديث جاء في السنة السابعة للهجرة بعد نزول الآية، بدليل أن أبا هريرة وزيد بن خالد الجهني جاءا إلى المدينة في الستة السابعة للهجرة. (1)
ويدل على ذلك رواية زيد بن خالد " سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر فيمن زنى ولم يحصن جلد مائة وتغريب عام" (2) فتصريحه بالسماع أقوى دليل على أنه حضر القصة بنفسه.
الوجه السادس: أن الله تعالى جعل الجلد كل الموجب رجوعا إلى حرف الفاء، وإلى كونه كل المذكور. (3)
مناقشة هذا الدليل: نعم جعل الجلد كل الموجب، لكن كل الموجب من طريق القرآن فقط، وهو كل المذكور في الآية، والتغريب ثبت بالسنة.
الأدلة من السنة النبوية الشريفة:
الدليل الأول:
__________
(1) انظر: أحمد بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج12، مكتبة عباس أحمد الباز، مكة المكرمة، ط/4، 1424هـ- 2003، ص194، أطفيش، تيسير التفسير، ج10، المطبعة العربية، الجزائر، بدون ط، 2001م، ص 76، ابن الجوزي، صفة الصفوة، ج1، دار الكتب العلمية، بدون ط، 1419هـ- 1999م، ص 348- 352، عزالدين ابن الأثير أبو الحسن علي بن محمد الجزري، أسد الغابة في معرفة الصحابة، 2/340، 6/336-339، دار إحياء التراث العربي، ط/1، 1417هـ- 1996م، إسماعيل علي السامرائي، سورة النور دراسة وتحليل، دار عماد، ط/1، 1423هـ2003، ص 80ـ81.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحدود، باب البكران يجلدان وينفيان (ح:6831) والبيهقي في كتاب الحدود، باب ما جاء في نفي البكر، ( ح 16971)
(3) صدرالدين، التنبيه على مشكلات الهداية، 4/139، مرجع سابق، النسفي، البحر الرائق، 5/17، مرجع سابق. (1/25)
صفحة 26
أن سيدنا عمر بن الخطاب رضوان الله عليه غرَّب أبا بكر بن أمية بن خلف فلحق بالروم فقال: لا أنفي بعدها أبدا. (1)
مناقشة هذا الدليل: أن نفي عمر رضوان الله عليه في الخمر فاجتهاد منه زيادة في العقوبة ثم ظهر له أن لا ينفي أحدا باجتهاده والنفي في الزنا بالنص. (2)
وهو مع ذلك يخالف الآثار المروية عن عمر رضوان الله عليه التي فيها أنه غرَّب، فعن ابن عمر قال: إن أبا بكر نفى إلى فدك، وعمر. (3)
الدليل الثاني:
روى أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال: " إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير ". (4)
__________
(1) أخرجه عبد الرزاق، باب النفي ( ح 13320 )، الكاساني، بدائع الصنائع، 7/39، مرجع سابق، السرخسي، المبسوط، 9/52، مرجع سابق.
(2) الصنعاني، سبل السلام، 4/7، مرجع سابق.
(3) أخرجه عبدالرزاق، باب النفي ( ح: 13321، 13328 )، 7/314، 315، والبيهقي في السنن الكبرى، ( ح: 16977- 16978 ) 8/389، والترمذي، كتاب الحدود، باب ما جاء في النفي، ( ح1438).
(4) أخرجه الربيع في كتاب الحدود، (ح: 613)، من طريق ابن عباس، و أخرجه البخاري في كتاب الحدود باب إذا زنت الأمة، (ح: 6837-6838) من طريق زيد بن خالد وأبي هريرة. (1/26)
صفحة 27
وجه الاستدلال: أن حديث التغريب منسوخ بهذا الحديث، والبيع يفوت التغريب، وإذا سقط عن الأمة سقط عن الحرة لأنها في معناها، ويتأكد بحديث " لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم " (1) وإذا انتفى عن النساء انتفى عن الرجال. (2)
مناقشة هذا الدليل: هذا الدليل فيه ضعف لأنه مبني على أن العام إذا خص لم يبق دليلا وهو ضعيف كما عرف في الأصول (3) ثم إن الأمة خصصت من حكم التغريب وكان الحديث عاما في حكمه للذكر والأنثى والأمة والعبد فخصت منه الأمة وبقي ما عداها داخلا تحت الحكم (4) وهذا على رأي من لا يرى التغريب على العبد والأمة.
وأجيب كذلك عنه: غاية الأمر أنا لو سلمنا تأخر حديث الأمة عن أحاديث التغريب كان معظم ما يستفاد منه أن التغريب في حق الإماء ليس واجبا، ولا يلزم ثبوت مثل ذلك في حق غيرها، أو يقال: إن حديث الأمة المذكور مخصص لعموم أحاديث التغريب مطلقا، ولكن ذلك التخصيص باعتبار عدم الوجوب في الخاص لا باعتبار عدم الثبوت مطلقا، فإن مجرد الترك لا يفيد مثل ذلك. (5)
__________
(1) أخرجه الربيع في كتاب الأيمان والنذور، باب الآداب (ح:730) بلفظ مختلف، والبخاري باب كم يقصر الصلاة (ح 1036، 1037) باب حج النساء (ح1763) باب لا يخلون رجل (ح 4935)، ومسلم باب سفر المرأة للحج، والترمذي باب ما جاء في كراهية أن تسافر المرأة وحدها (ح1169) وأحمد في مسند أبي هريرة(ح 9739)
(2) أبو جعفر الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج3/، دار الكتب العلمية، ط/2، 1407هـ- 1987م، ص 135-138.
(3) الشوكاني، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، تحقيق محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي، ج1، دار الكتب العلمية، ط/1، 1419هـ- 1999م، ص 460.
(4) الصنعاني، سبل السلام، 4/7، مرجع سابق، الشوكاني، نيل الأوطار، 7/94، مرجع سابق.
(5) الشوكاني، نيل الأوطار، 7/ 94ـ95، مرجع سابق. (1/27)
صفحة 28
وأجيب كذلك عنه: هذا الحديث مجمل فسره غيره، لأنه إنما قال فيه " فليجلدها " ولم يذكر فيه عدد الجلد كم هو ؟ فصح أنه - صلى الله عليه وسلم - أحال بيان الجلد المأمور به فيه إلى القرآن، وعلى الخبر الذي فيه بيان حكم المملوك في الحدود، فليس سكوت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذكر التغريب في ذلك الخبر حجة في إبطال التغريب الذي قد صح أمره - صلى الله عليه وسلم - به فيمن زنى ولم يحصن، و " من " تدل على العموم، وأيضا ليس في هذا الخبر أن لا تغريب، ولا أن التغريب ساقط عنها، لكنه مسكوت عنه فقط، وإذا لم يكن فيه نهي عن تغريبها، فلا يجوز أن يكون هذا الخبر معارضا للأخبار التي فيها النفي. (1)
ويمكن الجمع بين هذا الحديث وأحاديث التغريب بأن يقال: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ترك ذكر التغريب لمعرفته لدى السائل من عموم أحاديث التغريب.
أما قولهم: إن البيع يفوت النفي فجوابه: أنه يمكن أن يتسلمه المشتري مسلوب المنفعة مدة النفي، أو يتفق بيعه لمن يتوجه إلى المكان الذي يصدق عليه وجود النفي (2) أو أن البيع يكون بعد مدة التغريب ورجوعه.
الدليل الثالث:
روي عن سيدنا علي كرم الله وجهه أنه قال: " حسبهما من الفتنة أن ينفيا ". (3)
مناقشة هذا الدليل:
__________
(1) ابن حزم، المحلى، 13/56، مرجع سابق.
(2) ابن حجر، فتح الباري، 12/202، مرجع سابق.
(3) أخرجه عبدالرزاق، باب النفي ( ح 13320، 13327)، 7/317. (1/28)
صفحة 29
ضّعف هذه الرواية ابن قدامة حيث قال: وما رووه عن علي لا يثبت لضعف رواته وإرساله (1) بل ثبت أن عليا كرم الله وجهه غَرَّب؛ فعن الشعبي" أن عليا – كرم الله وجهه - جلد ونفى من البصرة إلى الكوفة أو قال: من الكوفة إلى البصرة" (2) ويمكن أن يؤول إن صحت هذه الرواية بأن يقال: إن كلام سيدنا علي يخرج على إيجاب النفي، وأن ذلك حسبهما من البلاء، وهذه التأويلات يعضدها فعله كرم الله وجهه للتغريب.
ونسب الترمذي العمل بالتغريب إلى أهل العلم من الصحابة وعد منهم أبا بكر وعمر وعليا وأبي بن كعب وعبدالله بن مسعود وأبا ذر وغيرهم (3) وقيل: إن علي بن أبي طالب يرى أن التغريب على الذكر فقط. (4)
فكل هذا مخالف لما رووه عن علي كرم الله وجهه، والمصير إلى ما ثبت عنه من التغريب أولى بالأخذ خاصة إذا كان يقوي التأويلات على كلامه.
الدليل الرابع:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وبإقامة الحد عليه. (5)
__________
(1) عبدالله بن أحمد بن محمد ابن قدامة المقدسي، المغني على مختصر الخرقي، ضبطه وصححه عبدالسلام محمد علي شاهين، ج8، دار الكتب العلمية، ط1، 1414هـ- 1994م، ص118.
(2) أخرجه البيهقي، ح( 16979 ) باب ما جاء في نفي البكر، 8/389، وابن أبي شيبة، كتاب الحدود، في النفي من أين إلى أين ؟، ح ( 3 ) 6/556.
(3) محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، جامع الترمذي، بيت الأفكار الدولية، بدون طبعة، ص 253.
(4) النووي، شرح صحيح مسلم، 11/158، مرجع سابق.
(5) أخرجه البخاري في كتاب الحدود، باب البكران يجلدان وينفيان (ح : 6833) والبيهقي في كتاب الحدود، باب ما جاء في نفي البكر، ( ح 16972) وأحمد في مسند أبي هريرة، ( ح 9845 ) (1/29)
صفحة 30
وجه الاستدلال: أن قوله " بإقامة الحد " يدل على أن التغريب ليس من الحد؛ لعطفه عليه، وكونه استعمل الحد في جزء مسماه وعطف على الجزء الآخر بعيد فجاز كونه تعزيرا لمصلحة. (1)
مناقشة هذا الدليل:
هذا الحديث اختصار من قصة العسيف، وقد وقع التصريح في حديث العسيف، وحديث زيد بن خالد " سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر فيمن زنى ولم يحصن جلد مائة وتغريب عام" (2) وهو ظاهر في كون الكل حده، ولم يختلف على راويه في لفظه فهو أرجح من حكاية الصحابي مع الاختلاف، وعرف أن الباء في رواية يحيى بن بكير بمعنى مع، والمراد بإقامة الحد ما ذكر في رواية زيد بن خالد " سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر فيمن زنى ولم يحصن جلد مائة وتغريب عام" (3) -جلد المائة وأطلق عليها الحد لكونها بنص القرآن. (4)
الدليل الخامس: عن سهل بن سعد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:" أن رجلا أتاه فأقر عنده أنه زنى بامرأة سماها له فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المرأة فسألها عن ذلك فأنكرت أن تكون زنت، فجلده الحد وتركها " (5) وفي رواية ابن عباس:" أن رجلا من بكر بن ليث أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأقر أنه زنى بامرأة أربع مرات فجلده مائة وكان بكرا، ثم سأله البينة على المرأة فقالت: كذب والله يا رسول الله، فجلده حد الفرية ثمانين ". (6)
وجه الاستدلال:
لو كان التغريب واجبا لما أخل به النبي - صلى الله عليه وسلم -. (7)
__________
(1) الألوسي، روح المعاني، 17/81، مرجع سابق.
(2) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( )
(3) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( )
(4) ابن حجر، فتح الباري، 12/194، مرجع سابق.
(5) أخرجه أبو داود، كتاب الحدود، باب إذا أقر الرجل بالزنا ولم تقر المرأة، ( ح 4456) ص 746.
(6) أخرجه أبو داود، كتاب الحدود، باب إذا أقر الرجل بالزنا ولم تقر المرأة، ( ح4457) ص 746.
(7) الشوكاني، نيل الأوطار، 7/94، مرجع سابق. (1/30)
صفحة 31
مناقشة هذا الدليل:
أولا: حديث سهل لم يأت فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلده حد الزنا، وإنما جاء فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدما سمع منه إقراره بعث إلى المرأة ليتأكد من صحة قوله، وعندما أنكرت المرأة أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه حد الفرية؛ لأنه المتبادر من قول الراوي "فجلده الحد وتركها" والحد هنا حد القذف؛ لأنه قذفها بالزنا وهي أنكرت ذلك.
ثانيا: حديث ابن عباس يحتمل أن يكون ذلك قبل مشروعية التغريب، غاية الأمر احتمال تقدمه وتأخره على أحاديث التغريب، والمتوجه عند ذلك المصير إلى الزيادة التي لم تقع منافية للمزيد، ولا يصلح ذلك للصرف عن الوجوب إلا على فرض تأخره ولم يعلم. (1)
الأدلة العقلية:
الدليل الأول:
التغريب تعريض للمغرب على الزنا لأنه ما دام في بلده يمتنع عن العشائر والمعارف حياء منهم و بالتغريب يزول هذا المعنى فيعرى الداعي عن الموانع فيقدم عليه، والزنا قبيح فما أفضى إليه مثله. (2)
مناقشة هذا الدليل:
__________
(1) الشوكاني، نيل الأوطار، 7/94، مرجع سابق.
(2) الكاساني، بدائع الصنائع، 7/39، مرجع سابق. (1/31)
صفحة 32
إن في التغريب سواء فسر بالإبعاد أو السجن تمهيدا لنسيان جريمة الزنا بأسرع وقت ممكن، وهذا يقتضي إبعاد الزاني عن مسرح زناه، أما بقاؤه بين ظهراني الناس فإنه يحيى و يذكر بجنايته و يحول دون نسيانها بسهولة، وإن إبعاد الزاني عن بيئته ومجتمعه يجنبه مضايقات كثيرة لابد أن يلقاها إذا لم يبعد، فالإبعاد يهيئ له أن يحيى من جديد حياة كريمة و يهيئ له أجواء التوبة النصوح. (1) أما كون التغريب تعريضا للمغرب على الزنا؛ لأنه ما دام في بلده يمتنع عن العشائر والمعارف حياء منهم و بالتغريب يزول هذا المعنى فيعرى الداعي عن الموانع فيقدم عليه، و الزنا قبيح فما أفضى إليه مثله، ليس بمسلم لأننا لو قلنا بأن المُغرَب يسجن في المنفى لزال ذلك الداعي، بل كان السجن مع التغريب أدعى للزجر عن الفاحشة، فالإبعاد يهيئ له أن يحيى من جديد حياة كريمة و يهيئ له أجواء التوبة النصوح، بعد أن اتجهت بعض الدول (2) إلى محاولة إصلاح المساجين، وحتى من لم يقل بالسجن حال التغريب قال بمراقبته فيتحقق معنى الزجر عندما يعرف المجرم أنه مراقب من جهة السلطة الحاكمة، وخاصة في الوقت الحاضر بعد التطور في شتى المجالات، وكذلك كما أن التغريب يجوز عندهم سياسة فإنه ولا ريب أن هذه المفاسد قد تترتب عليه كما تترتب على وجوبه حدا.
__________
(1) السامرائي، سورة النور دراسة وتحليل، ص78، مرجع سابق.
(2) أحمد توفي هلال، مقال بعنوان: واقع السجون بين إفراز المجرمين وإعادة صياغة البشرية، مجلة الوعي الإسلامي، الكويت، العدد( 462 ) بتاريخ صفر 1425هـ، ص 16- 21. (1/32)
صفحة 33
ويمكن أن يجاب عليهم بما قالوه: " إلا أن يرى الإمام ذلك مصلحة فيغربه على قدر ما يرى " يرد هذا المعنى الذي ذكروه من المفسدة، فإنه إذا قال: إن ذلك مفوض إلى رأي الإمام، دل ذلك على أن ذلك قد يكون مصلحة وقد يكون مفسدة، ولا شك أن الإمام لا يعلم الغيب فقد يقع عنده أن تغريب هذا مفسدة ويكون مصلحة، وبالعكس- كما حصل لعمر بن الخطاب عندما غرب أبا بكر بن أمية في الخمر- فتفويض ذلك إليه لا يحصل به ما يظن من المصلحة، وليس هذا مما يعرف بقرائن الأحوال فإن ابن آدم محل التغيير فقد ينقلب من صلاح إلى فساد وقد ينعكس ذلك. (1)
الدليل الثاني:
الحدود معلومة المقادير والنهايات، ولذلك سميت حدودا، لا تجوز الزيادة عليها ولا النقصان منها، فلما لم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - للنفي مكانا معلوما ولا مقدارا من المسافة والبعد، علمنا أنه ليس بحد، وأنه موكول إلى اجتهاد الإمام، وذلك شأن التعزير. (2)
مناقشة هذا الدليل:
__________
(1) صدرالدين، التنبيه على مشكلات الهداية، 4/145، مرجع سابق.
(2) القصبي، تفسير آيات الأحكام، 3/198، مرجع سابق. (1/33)
صفحة 34
كيف يقال: إن ذلك من باب التعزير ؟ والنبي – صلى الله عليه وسلم – بلغ عن ربه ذلك في حديث عبادة ابن الصامت، وهذا من قبيل التبليغ والرسالة كقوله – صلى الله عليه وسلم – " خذوا عني مناسككم " (1) ويدل على أنه كذلك قوله " خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا " (2) فالسبيل هنا هو المقصود في قوله تعالى: { أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } (3) ثم حكم به – صلوات ربي وسلامه عليه - على العسيف، وأفتى به الصحابة الرجل قبل أن يذهب إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وعملوا به بعد وفاته.
ويجاب عليهم: ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نفى إلى خيبر، ففي مصنف ابن أبي شيبة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفى إلى خيبر (4) فالمكان هنا متعين والمسافة كذلك، فبطل الاستدلال.
الدليل الثالث:
ترك الأئمة للعمل بالتغريب كاف في ترجيح القول بعدم وجوبه حدا. (5)
مناقشة هذا الدليل:
إن ترك عمل الأئمة بالتغريب إنما هو اجتهاد شخصي لهم، والحجة إنما هي في قول النبي – صلى الله عليه وسلم – وأفعاله، لا في قول أو فعل غيره من الناس وإن علا قدره وعظمت مكانته، وهذا ما يقرره الإمام السالمي (6) نفسه حيث قال:
- حسبك أن تتبع المختارا وإن يقولوا خالف الآثار
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا وبيان قوله – صلى الله عليه وسلم - :" لتأخذوا عني مناسككم" (ح 1297) ص 546، وأبو داود، كتاب المناسك، باب في رمي الجمار، (ح 1970) ص 287.
(2) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( )
(3) سورة النساء ( الآية 15 )
(4) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الحدود، باب في النفي، من أين إلى أين ؟ ( ح 6 )
(5) السالمي، شرح الجامع الصحيح، 3/303، مرجع سابق.
(6) السالمي، جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، علق عليه أبو إسحاق أطفيش وإبراهيم العبري، مكتبة الإمام نورالدين السالمي، ط/13. (1/34)
صفحة 35
- لا نقبل الخلاف فيما وردا فيه عن المختار نصّ أسندا
القول الثاني: أنه من جملة الحد، وهذا مذهب الشافعية (1) والحنابلة (2) والمالكية (3) وقول القطب من الإباضية. (4)
أدلة هذا القول :
الدليل الأول: الروايات والآثار التي دلت على حكم التغريب:
__________
(1) عبدالله بن الشيخ حسن الحسن الكوهجي، زاد المحتاج بشرح المنهاج، حققه وراجعه عبدالله بن إبراهيم الأنصاري، ج/4، المكتبة العصرية، ط/2، 1407هـ - 1987م، ص 205، محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة بن شهاب الدين الرملي، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، ج7، دار الفكر، الطبعة الأخيرة، 1404هـ - 1984م، ص428، الماوردي، الحاوي الكبير، 13/193، مرجع سابق.
(2) منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، شرح منتهى الإرادات المسمى دقائق أولي النهى لشرح المنتهى، ج3، عالم الكتب، ط/1، 1414هـ- 1993م، ص 345، محمد بن مفلح المقدسي، الفروع، تحقيق عبدالرزاق المهدي، المجلد 3، دار الكتاب العربي، ط/1، 1422هـ - 2002م، ص 361، زين الدين المنجى التنوخي الحنبلي، الممتع في شرح المقنع، ج5، دار خضر، بيروت، ط/2، 1418_1997، ص657.
(3) ا بن رشد القرطبي، بداية المجتهد 6/130، مرجع سابق، سليمان بن خلف الباجي، المنتقى شرح الموطأ، ج/7، دار الكتاب العربي، ط/1، 1332هـ، ص137، القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 5/58-59، مرجع سابق، القرافي، الذخيرة، 9/376، مرجع سابق.
(4) أطفيش، هيميان الزاد، 4/468، مرجع سابق، السالمي، شرح الجامع الصحيح، 3/310، مرجع سابق. (1/35)
صفحة 36
1. ما رواه الإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: " اختصم رجلان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أحدهما: اقض بيننا بكتاب الله، وقال الآخر: أجل يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي أن أتكلم، فقال: تكلم، فقال: إن ابني كان عسيفا لهذا الرجل فزنا بامرأته فأخبرت أن على ابني الرجم فافتديته منه بمائة شاة وبجارية، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني مائة جلدة وتغريب عام، وإنما الرجم على المرأة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: والذي نفسي بيده لأقضين بينكم بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فرد عليك، وجلد ابنه مائة جلدة وغربه عاما وأمر أنيسا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها". (1)
2. عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم. (2)
3. عن زيد بن خالد الجهني قال: سمعت النبي- صلى الله عليه وسلم - يأمر فيمن زنى ولم يحصن جلد مائة وتغريب عام. (3)
4. عن أبي هريرة – رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وبإقامة الحد عليه. (4)
5. عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قد قضى الله ورسوله: إنْ شهد أربعة على بكرين جُلدا، كما قال الله عز وجل: { مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذُكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ } (5) وغُرّبا سنة غير الأرض التي كانا بها، وتغريبهما شتَّى. (6)
__________
(1) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( )
(2) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( )
(3) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( )
(4) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( )
(5) سورة النور ( الآية: 2 )
(6) أخرجه عبدالرزاق، كتاب الحدود، باب النفي، ( ح 13318 ) (1/36)
صفحة 37
6. عن الحسن أن النبي عليه السلام نفى إلى خيبر. (1)
7. عن صفية بنت أبي عبيد أن رجلا وقع على جارية بكر فأحبلها، فاعترفت، ولم يكن أحصن، فأمر به أبو بكر فجلد مائة ثم نفي. (2)
8. عن نافع أن ابن عمر حدّ مملوكة له في الزنى، ونفاها إلى فدك. (3)
9. عن معمر قال: سمعت الزهري وسئل: إلى كم يُنفى الزاني ؟ قال: نفى عمر من المدينة إلى البصرة، ومن المدينة إلى خيبر. (4)
10. عن الثوري عن أبي إسحاق أن عليا نفى من الكوفة إلى البصرة. (5)
11. عن الثوري عن أبي إسحاق قلت لعطاء: نفى من مكة إلى الطائف، قال: حسبه ذلك. (6)
12. عن ابن جريج عن عبدالله بن عمر: أن أبا بكر نفى إلى فدك، وعمر. (7)
__________
(1) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( )
(2) أخرجه عبدالرزاق، كتاب الحدود، باب البكر، ( 13311- 13312)، والبيهقي، كتاب الحدود، باب ما جاء في نفي البكر، ( 16974، 16975، 16976)، وأخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الحدود، باب في البكر والثيب، ما يصنع بهما إذا فجرا ؟ ( 12 )، وأخرجه مالك، كتاب الحدود، باب ما جاء فيمن اعترف على نفسه بالزنا، ( 13 )
(3) أخرجه عبدالرزاق، كتاب الحدود، باب هل على المملوكين نفي أو رجم ؟ ( 13316 )، وفي باب النفي، ( 13326 )
(4) أخرجه عبدالرزاق، كتاب الحدود، باب النفي، ( 13321- 13322 )
(5) أخرجه عبدالرزاق، كتاب الحدود، باب النفي، ( 13323- 13324 )، وأخرجه البيهقي، كتاب الحدود، باب ما جاء في نفي البكر، (16979 )، وأخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الحدود، باب في النفي، من أين إلى أين ؟ ( 3 )
(6) أخرجه عبدالرزاق، كتاب الحدود، باب النفي، ( 13325 )، وأخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الحدود، باب في النفي، من أين إلى أين ؟ ( 1 )
(7) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( ) (1/37)
صفحة 38
13. عن نافع عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضرب وغرب، وأن أبا بكر - رضي الله عنه - ضرب وغرب، وأن عمر - رضي الله عنه - ضرب وغرب. (1)
14. عن عامر عن مسروق عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: البكران يجلدان وينفيان والثيبان يرجمان. (2)
15. قال أبو ذر: الشيخان الثيبان يجلدان ويرجمان والبكران يجلدان وينفيان. (3)
16. عن ابن طاوس عن أبيه قال: على المحصن إذا زنى الرجم، وعلى البكر الجلد والنفي. (4) وفي رواية " يجلد مائة ويغرب سنة " (5)
17. عن عامر في البكر إذا زنى: ينفى سنة. (6)
18. عن ابن يسار مولى لعثمان قال: جلد عثمان امرأة في زنا ثم أرسل بها مولى يقال المهري إلى خيبر فنفاها إليها. (7)
19. عن إسماعيل بن سالم عن الشعبي قال: قلت له في زمن ابن هبيرة من أين ينفى في الزنا، قال: من عمله إلى غيره. (8)
20. عن نافع عن ابن عمر أن أبا بكر نفى رجلا وامرأة حولا. (9)
__________
(1) أخرجه البيهقي، كتاب الحدود، باب ما جاء في نفي البكر، ( 16977)
(2) أخرجه البيهقي، كتاب الحدود، باب ما جاء في نفي البكر، ( 16980)، وأخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الحدود، باب في البكر والثيب، ما يصنع بهما إذا فجرا ؟ ( 3 )
(3) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الحدود، باب في البكر والثيب، ما يصنع بهما إذا فجرا ؟ ( 7 )
(4) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الحدود، باب في البكر والثيب، ما يصنع بهما إذا فجرا ؟ ( 8 )
(5) أخرجه عبدالرزاق، كتاب الحدود، باب البكر، ( 13307 )
(6) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الحدود، باب في البكر والثيب، ما يصنع بهما إذا فجرا ؟ ( 9 )
(7) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الحدود، باب في النفي، من أين إلى أين ؟ ( 2 )
(8) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الحدود، باب في النفي، من أين إلى أين ؟ ( 5 )
(9) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الحدود، باب في النفي، من أين إلى أين ؟ ( 7 ) (1/38)
صفحة 39
21. عن ابن جريج عن الزهري أن عمر نفى إلى البصرة. (1)
22. عن نافع أن عبدا كان يقوم على رقيق الخمس؛ وأنه استكره جارية من ذلك الرقيق فوقع بها، فجلده عمر بن الخطاب ونفاه، ولم يجلد الوليدة لأنه استكرهها. (2)
23. عن ابن جريج عن عطاء قال: البكر يجلد مائة وينفى سنة. (3)
24. عن عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب غرب، ثم لم تزل تلك السنة. (4)
وجه الاستدلال من هذه الأحاديث والآثار:
أن هذه الأحاديث متضافرة رواها عدد من الصحابة رضوان الله عليهم بإيجاب تغريب عام مع جلد مائة على الزاني الذي لم يحصن، مع إقسام النبي - صلى الله عليه وسلم - بالله تعالى في قضائه به أنه كتاب الله تعالى، وكتاب الله تعالى هو وحيه وحكمه مع أن الله تعالى يقول في القرآن الكريم: { وَمَا يَنْطِقُ عَن الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوْحَى } فهذا نص القرآن فإن كل ما قاله - صلى الله عليه وسلم - فعن وحي من الله تعالى يقوله. (5)
فقسم النبي - صلى الله عليه وسلم - وحكمه يؤكدان على أن التغريب في حديث عبادة باق لم ينسخ كما نُسخ الشطر الثاني، وفتوى الصحابة في عهده - صلى الله عليه وسلم - وعملهم به بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - يدل على عدم نسخه، وإنما جاءت آية النور ببعض حد البكر لتبين أن حد الجلد نسخ عن المحصن، وأكده النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث العسيف كما قدمنا سابقا من أن حديث العسيف كان بعد نزول أية النور.
__________
(1) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الحدود، باب في النفي، من أين إلى أين ؟ ( 8 )
(2) أخرجه مالك، كتاب الحدود، باب ما جاء فيمن اعترف على نفسه بالزنا، ( 15 )
(3) أخرجه عبدالرزاق، كتاب الحدود، باب البكر، ( 13306 )
(4) أخرجه البخاري في كتاب الحدود، باب البكران يجلدان وينفيان (ح:6832)
(5) ابن حزم، المحلى، 13/56، مرجع سابق. (1/39)
صفحة 40
فالأحاديث ليست آحادية كما يقول الحنفية ومن وافقهم بل هي مشهورة على أقل تقدير، وقد صرح بشهرتها ابن حجر (1) والصنعاني (2) والشوكاني (3) والمشهور ينسخ القرآن.
المطلب الثاني: حكم تغريب المرأة الحرة:
اختلف أهل العلم ممن قال بالتغريب في تغريب المرأة الحرة؛ هل يشملها أم أن التغريب خاص بالذكر ؟
القول الأول:
ذهب المالكية إلى أنه لا تغرب الحرة (4) وهو قول الأوزاعي (5) وهو قول للقطب من الإباضية (6) وهو رواية عن علي بن أبي طالب (7) ورجحه عبدالرزاق المهدي محقق كتاب زاد المسير في علم التفسير (8) ورجحه ابن قدامة من الحنابلة (9) ورجحه الدكتور عبدالكريم زيدان. (10)
أدلة هذا القول:
الدليل الأول:
__________
(1) ابن حجر، فتح الباري، 12/192، مرجع سابق.
(2) الصنعاني، سبل السلام، 4/7، مرجع سابق.
(3) الشوكاني، نيل الأوطار، 7/94، مرجع سابق.
(4) انظر: الباجي، المنتقى، 7/137، مرجع سابق، ابن رشد، بداية المجتهد، 6/130، مرجع سابق، الخرشي، حاشية الخرشي، 8/293، مرجع سابق.
(5) محمد رواس قلعة جي، موسوعة فقه عبدالرحمن الأوزاعي، مجلس النشر العلمي، ط/1، 2003م، ص429
(6) أطفيش، شرح النيل، 7/352، مرجع سابق.
(7) النووي، شرح مسلم، 11/158، مرجع سابق، الشوكاني، نيل الأوطار، 7/95، مرجع سابق.
(8) عبدالرحمن بن علي ابن الجوزي، زاد المسير في علم التفسير، ج/3، تحقيق عبدالرزاق المهدي، دار الكتاب العربي، ط/1، 1422هـ- 2001م، ص 276.
(9) ابن قدامة، المغني على مختصر الخرقي، 8/117، مرجع سابق.
(10) عبدالكريم زيدان، المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم في الشريعة الإسلامية، ج/5، مؤسسة الرسالة، ط/1، 1413هـ - 1992م، ص 122. (1/40)
صفحة 41
في تغريبها قطع مادة البقاء؛ أي أنها إذا غربت وحدها فإنها تحتاج إلى النفقة خاصة إذا لم تجد، فإذا لم تجد فربما تتخذ من زناها مكسبة وهو من أقبح وجوه الزنا. (1)
مناقشة هذا الدليل:
ليس هذا الذي ذكروه أمرا لازما يحصل إذا غُرِّبَتْ المرأة، خاصة وأن بعض القائلين بالتغريب يقولون: إن نفقة المغرَّب من أول الأمر من بيت المسلمين كالشافعية (2) مثلا، ومن لم يوجب نفقة المغرَّب على بيت المال من أول الأمر أوجبه عليه بمجرد عدم استطاعة المغرَّب النفقة على نفسه؛ فهي بذلك لا تحتاج إلى أن تتخذ من زناها مكسبة، فكيف تنقطع مادة بقائها بعد هذا ؟ فيسقط هذا التعليل، وكل تعليل مقابل النص مردود.
الدليل الثاني:
في تغريبها فتح باب الزنا لانعدام الاستحياء من العشيرة (3) والمرأة تحتاج إلى الحفظ والصيانة. (4)
مناقشة هذا الدليل:
__________
(1) انظر: النسفي، البحر الرائق، 5/17، مرجع سابق، المرغيناني، الهداية، 2/386، مرجع سابق، الخرشي، حاشية الخرشي، 8/293، مرجع سابق.
(2) انظر: الرويباني، بحر المذهب، 13/10، مرجع سابق، الماوردي، الحاوي الكبير، 13/205، مرجع سابق.
(3) انظر: ابن رشد، بداية المجتهد، 6/130، مرجع سابق، المرغيناني، الهداية، 2/386، مرجع سابق، القرافي، الذخيرة، 9/375، مرجع سابق، الخرشي، حاشية الخرشي، 8/293، مرجع سابق، محمد عليش، شرح منح الجليل على مختصر خليل، ج9، دار الفكر، بدون طبعة، 1409هـ- 1989م، ص 262، أطفيش، شرح النيل، 7/352، مرجع سابق.
(4) انظر: الباجي، المنتقى، 7/137، مرجع سابق، القرافي، الذخيرة، 9/375، مرجع سابق، محمد فاروق النبهان، مباحث في التشريع الجنائي( القتل، الزنا، السرقة)، وكالة المطبوعات، الكويت ودارالقلم، لبنان، ط/2، 1981م، ص302. (1/41)
صفحة 42
العمل بحبس المغرَّب كما يقول المالكية أحسن بالنسبة للمرأة ويقويه ما ذكروه من تعليل؛ ولما كان هناك فتح باب الزنا؛ لأنها ستكون تحت مراقبة الإمام أو من ينوب عنه داخل السجن، ثم إن القائلين بتغريب المرأة مختلفون في تغريبها هل يشترط أن يخرج معها محرم في تغريبها للنهي عن سفر المرأة دون محرم أم أنه لا يشترط لأنه سفر واجب عليها.
ثم إن المصلحة التي تترتب على التغريب في حق غالب الناس من مفارقة الأوطان والأهل والإخوان وغير ذلك مما يكسر النفس ويقمع داعي الفساد تربو على هذه المفاسد التي ذكروها. (1)
الدليل الثالث:
المرأة لا تخلو إما أن تغرب مع محرم أو مع غير محرم؛ ولا يجوز تغريبها بغير محرم لأن النص وارد في عدم جواز سفر المرأة بدون محرم؛ فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم" (2) ولأن سفرها بدون محرم يفضي بها إلى الفجور والرذيلة أو يعرضها لذلك، أما إذا غربت مع محرم فإننا بذلك نفرض التغريب على شخص بريء وهو المحرم؛ ولا يجوز معاقبة البريء لمجرد أنه محرم للزانية (3) والله تعالى يقول: { وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِّزْرَ أُخْرَى } (4)
مناقشة هذا الدليل:
__________
(1) صدرالدين، التنبيه على مشكلات الهداية، 4/145، مرجع سابق.
(2) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( ).
(3) انظر: السرخسي، المبسوط، 9/52، مرجع سابق، محمد عليش، شرح منح الجليل، مرجع سابق، 9/262، عبدالكريم زيدان، المفصل في أحكام المرأة، 5/122، مرجع سابق، النبهان، مباحث في التشريع الجنائي، ص302، مرجع سابق.
(4) سورة الأنعام ( الآية 164 ) (1/42)
صفحة 43
حديث نهي المرأة عن السفر دون محرم عام؛ لأنه يشمل السفر المباح والسفر الواجب، وقد خصصت أحاديثُ التغريب هذا الحديثَ؛ فأوجبت على المرأة السفر دون محرم، ويتأكد هذا لأن النص أوجب عليها التغريب حدا، أضف إلى ذلك أن أمر التغريب إلى الإمام لا إلى المحدود، ونهي المرأة عن السفر إذا كانت مختارة له، وأما مع الإكراه من الإمام فلا نهي يتعلق بها، وأما خروج المحرم معها فلأن الهجرة واجبة وعليه الخروج معها – عند من أوجبه - كالخروج معها للحج الواجب، بل لو عملنا بحبس الزانية كما تقولون به بالنسبة للرجل لما أدى ذلك إلى معاقبة غيره؛ لأنه لا يُحتاج إليه، ففي السجن من يرعاها ويحفظها، وفي هذا عمل بالنص مع تحقيق المصلحة. (1)
الدليل الرابع:
لو غٌرب معها محرم وأُوجبت عليها نفقته؛ كانت النفقة زيادة عقوبة عليها فوق ما جاء به النص. (2)
مناقشة هذا الدليل:
السفر واجب وعليها ما يبلغها به وتتحمل هي مؤنة ذلك، مع أن العلماء مختلفون في نفقة المغرَّب ونفقة مَنْ يخرج مع المرأة عند مَنْ أوجب أن يخرج معها أحد كما سيأتي تفصيل ذلك في المبحث الثالث، ثم إن الحبس زيادة على النص، فكيف يعملون به ولا يعملون بهذا هنا ؟
القول الثاني:
__________
(1) الشوكاني، نيل الأوطار، 7/95، مرجع سابق.
(2) عبدالكريم زيدان، المفصل في أحكام المرأة، 5/122، مرجع سابق. (1/43)
صفحة 44
ذهب الشافعية (1) والحنابلة (2) والقطب من الإباضية (3) واللخمي من المالكية (4) إلى أن المرأة الحرة تغرب.
أدلة هذا القول: الروايات التي عممت حكم التغريب على الرجل والمرأة:
الدليل الأول: عن زيد بن خالد الجهني قال: " سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم -يأمر فيمن زنى ولم يحصن جلد مائة وتغريب عام ". (5)
الدليل الثاني: عن أبي هريرة – رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وبإقامة الحد عليه. (6)
__________
(1) انظر: الرافعي، العزيز، 11/137، مرجع سابق، الماوردي، الحاوي الكبير، 13/204، مرجع سابق، الكوهجي، زاد المحتاج، 4/205- 206، مرجع سابق.
(2) شرف الدين موسى بن أحمد بن موسى بن سالم المقدسي ( أبو النجار )، الإقناع لطالب الانتفاع، تحقيق عبدالله بن عبدالمحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر، ج4، دار عالم الكتب، ط/3، 1423هـ- 2002م، ص 218، محمد بن عبدالله الزركشي، شرح الزركشي على مختصر الخرقي، ج6، مكتبة العبيكان، السعودية، ط1، 1412هـ - 1993م، ص279-280
(3) أطفيش، هيميان الزاد، 4/468، مرجع سابق.
(4) محمد عليش، شرح منح الجليل، 9/263، مرجع سابق، محمد عرفة الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج 4، دار الفكر، ط/1، 1419هـ- 1998م، ص 497.
(5) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( ).
(6) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( ). (1/44)
صفحة 45
الدليل الثالث: عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: قد قضى الله ورسوله: إنْ شهد أربعة على بكرين جُلدا، كما قال الله عز وجل: { مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذُكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّه ِ } (1) وغُرّبا سنة غير الأرض التي كانا بها، وتغريبهما شتَّى. (2)
الدليل الرابع: حديث عبادة بن الصامت وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم بالحجارة " (3)
الدليل الخامس: عن نافع عن ابن عمر أن أبا بكر نفى رجلا وامرأة حولا. (4)
الدليل السادس: عن الأجلح عن أبي إسحاق قال أتي علي بجارية من همدان فضربها وسيرها إلى البصرة سنة. (5)
الدليل السابع: عن عامر عن مسروق عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: البكران يجلدان وينفيان والثيبان يرجمان. (6)
الدليل الثامن: قال أبو ذر: الشيخان الثيبان يجلدان ويرجمان والبكران يجلدان وينفيان. (7)
__________
(1) سورة النور ( الآية2 )، هكذا وردت الآية في الرواية، وبدايتها هي { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . }
(2) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( ).
(3) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( ).
(4) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( ).
(5) أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الحدود، باب في النفي، من أين إلى أين ؟( ح28800)
(6) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( ).
(7) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( ). (1/45)
صفحة 46
الدليل التاسع: عن ابن يسار مولى لعثمان قال: جلد عثمان امرأة في زنا ثم أرسل بها مولى يقال المهري إلى خيبر فنفاها إليها. (1)
وجه الاستدلال من هذه الأحاديث والآثار:
في الحديثين الأوليين جاءت لفظة " مَنْ " التي تدل على العموم، فيشمل أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتغريب الذكر والأنثى، وفي الثالث ما يدل على هذا دلالة قوية؛ حيث إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر الصحابة أن حكم زنى البكرين الجلد والتغريب، والبكران هنا الذكر والأنثى، ويدل على هذا حديث عبادة بن الصامت؛ فقوله " البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام " يعني أنه إنْ زنى ذكر بكر بأنثى بكر فعليهما جلد مائة وتغريب عام، وعمل أبي بكر بتغريب رجل وامرأة يدل كذلك على تغريب المرأة، ولا يشكل ما جاء عن علي أنه غرب جارية إلى البصرة سنة، فيقال: كيف يغرِّب علي جارية سنة والله تبارك وتعالى يقول: { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ } (2) فقد روي عن الشافعي (3) أنه يقول: يغرب العبد سنة، ولا يشكل كذلك ما جاء عن الشعبي في قوله " فهي عند زوجها على نكاحها" فلعل زوجها عقد عليها ولم يدخل بها، وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء خلافا لجمهور الإباضية كما قدمنا. (4)
__________
(1) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( ).
(2) سورة النساء ( آية 25 )
(3) النووي، روضة الطالبين، 10/87، مرجع سابق.
(4) ينظر : المبحث الأول، المطلب الثاني، ص ( ) (1/46)
صفحة 47
ولا تحمل هذه الأحاديث والآثار على وجه التعزير؛ لفتوى الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في حديث العسيف قبل حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - في القضية لعلمهم أن التغريب جاء بيانا لقوله تعالى: { وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } (1) وأكده النبي - صلى الله عليه وسلم- في حديث العسيف وحديث عمرو بن شعيب، وعمل به الخلفاء والصحابة من بعده.
وذكر ابن حزم (2) رواية من طريق عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أتى رجل إلى عمر بن الخطاب فأخبره أن أخته أحدثت – وهي في سترها وهي حامل – فقال عمر: أمهلها حتى إذا وضعت واستقلت فآذني بها، فلما وضعت جلدها مائة وغربها إلى البصرة عاما، ولم أجد هذه الرواية عند تخريجي لها ولكن لعل ما يروى عن عمر أنه غرب إلى البصرة اختصار لهذه الرواية.
واختلف هؤلاء القائلون بتغريب المرأة هل يشترط في تغريبها أن يخرج معها محرم أو من يحفظها أو لا يشترط ذلك ؟ إلى أقوال:
__________
(1) سورة النساء ( الآية 15 )
(2) ابن حزم، المحلى، 13/54، مرجع سابق. (1/47)
صفحة 48
القول الأول: يشترط لتغريبها محرم، فلا تغرب بدونه؛ لما ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا تسافر المرأة إلا ومعها زوجها أو محرم لها " (1) ولأن الزانية إذا غربت وحدها لم يؤمن عليها من التهتك، وهذا القول هو الأصح عند الشافعية (2) وهو قول اللخمي من المالكية (3) وهو قول للحنابلة. (4)
القول الثاني: لا يشترط لتغريبها محرم؛ لأنه سفر واجب فأشبه الهجرة، فإنها إذا كانت تخاف الفتنة في دينها كان عليها أن تسافر وحدها، ولأن المحرم شرط في مباح السفر دون واجبه كما قال - صلى الله عليه وسلم -: " لا تصومن امرأة وزوجها حاضر إلا بإذنه " (5) محمولا على تطوع الصوم دون مفروضه، وهذا واجب كالحج فلم يفتقر إلى ذي محرم، وهو قول عند الشافعية (6) وهو الذي رجحه الماوردي (7) وهو قول للحنابلة. (8)
القول الثالث: تغرب وحدها إن كان الطريق والمكان آمنين، وإلا فلا، وهو قول للشافعية (9) وقول للحنابلة. (10)
القول الرابع: يشترط مع الإمكان، وهو قول للحنابلة (11)
__________
(1) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( ).
(2) الرافعي، العزيز، 11/ 135- 136، مرجع سابق، الكوهجي، زاد المحتاج، 4/205- 206، مرجع سابق.
(3) محمد عليش، شرح منح الجليل، مرجع سابق، 9/263.
(4) ابن مفلح، المبدع، 7/386، مرجع سابق، البهوتي، كشاف القناع، 6/92، مرجع سابق.
(5) أخرجه أحمد في مسند أبي سعيد الخدري، (ح 11781 ) ص 832.
(6) الرافعي، العزيز، 11/ 135- 136، مرجع سابق.
(7) الماوردي، الحاوي الكبير، 13/195، مرجع سابق.
(8) ابن مفلح، المبدع، 7/385، مرجع سابق.
(9) الرافعي، العزيز، 11/136، مرجع سابق، النووي، روضة الطالبين، 10/87، مرجع سابق.
(10) ابن مفلح، المبدع، 7/385، مرجع سابق، البهوتي، كشاف القناع، 6/92، مرجع سابق.
(11) ابن مفلح، المبدع، 7/386، مرجع سابق، البهوتي، شرح منتهى الإرادات، 3/345، مرجع سابق. (1/48)
صفحة 49
واختلفوا كذلك إنْ امتنع المحرم أو تعذر وجوده إلى أقوال:
القول الأول: لا يجبر، وعليه يؤخر تغريبها إلى أن يتوفر المحرم، وهو قول الشافعية (1) وقيل لا يجبر ويسقط عنها التغريب وهو قول الحنابلة. (2)
القول الثاني: يجبر على الخروج، وهو قول للشافعية (3) وعلى هذا إذا اجتمع محرمان أو محرم وزوج فإنه يقرع بينهما وقيل يقدم الإمام باجتهاده من يراه وهذا الذي رجحه النووي. (4)
القول الثالث: تغرب وحدها وهو قول للحنابلة (5) وقول للشافعية. (6)
__________
(1) محمد بن محمد الخطيب الشربيني، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، دراسة وتحقيق وتعليق علي محمد مَعّوض وعادل أحمد عبدالموجود، ج5، دار الكتب العلمية، لبنان، ط/1، 1415هـ- 1994م، ص 450، النووي، روضة الطالبين، 10/88، مرجع سابق، عبدالواحد بن إسماعيل الرويباني، بحر المذهب في فروع مذهب الإمام الشافعي، حققه وعلق عليه أحمد عز وعناية الدمشقي، ج13، دار إحياء التراث العربي، ط/ 1، 1423هـ- 2002م، ص11.
(2) ابن مفلح، المبدع، 7/385، مرجع سابق،
(3) الرويباني، بحر المذهب، 13/11، مرجع سابق، النووي، روضة الطالبين، 10/88، مرجع سابق، الشربيني، مغني المحتاج، 4/450، مرجع سابق.
(4) النووي، روضة الطالبين، 10/88، مرجع سابق.
(5) البهوتي، كشاف القناع، 6/92، مرجع سابق.
(6) النووي، روضة الطالبين، 10/88، مرجع سابق. (1/49)
صفحة 50
القول الرابع: وقيل تستأجر معها امرأة ثقة إن أبى المحرم الخروج معها؛ لأنه لا بد من شخص يكون معها لأجل حفظها، وحينئذ لم يكن بد من امرأة ثقة ليحصل المقصود من الحفظ، وهو قول للحنابلة (1) وقول عند الشافعية. (2) واختلفوا في أجرتها على من تكون؛ قيل: من بيت المال، وقيل: من مالها؛ لأن ذلك من مؤنة سفرها، فإن تعذر فمن بيت المال (3) وهذان القولان عند الحنابلة (4) القول الخامس: تبذل له الأجرة إن أراد، وهو قول للحنابلة (5) وقول للشافعية (6) واختلفوا في أجرتها على من تكون فقيل من مالها؛ لأن ذلك من مؤنة سفرها، فإن تعذر فمن بيت المال، وهذا قول الحنابلة (7) والشافعية (8) وقيل من بيت المال، وهو قول للشافعية. (9)
القول السادس: تسجن في موضعها عاما؛ لأنه إن تعذر التغريب فلا يسقط السجن، وهذا قول اللخمي. (10)
المطلب الثالث: حكم تغريب العبد والأمة:
__________
(1) ابن مفلح، المبدع، 7/384، مرجع سابق، البهوتي، كشاف القناع، 6/92، مرجع سابق.
(2) الشربيني، مغني المحتاج، 4/450، مرجع سابق.
(3) ابن مفلح، المبدع، 7/384، مرجع سابق.
(4) ابن مفلح، المبدع، 7/384، مرجع سابق.
(5) ابن مفلح، المبدع، 7/384، مرجع سابق، البهوتي، كشاف القناع، 6/92، مرجع سابق.
(6) النووي، روضة الطالبين، 10/87، مرجع سابق، الشربيني، مغني المحتاج، 4/450، مرجع سابق.
(7) ابن مفلح، المبدع، 7/384، مرجع سابق، البهوتي، كشاف القناع، 6/92، مرجع سابق.
(8) النووي، روضة الطالبين، 10/87، مرجع سابق، الشربيني، مغني المحتاج، 4/450، مرجع سابق.
(9) النووي، روضة الطالبين، 10/87، مرجع سابق.
(10) محمد عليش، شرح منح الجليل، مرجع سابق، 9/263، الدسوقي، حاشية الدسوقي، 4/497، مرجع سابق. (1/50)
صفحة 51
لم يذكر أهل العلم عن تغريب العبد والأمة هل هو من باب الحد أم من باب السياسة ؟ وهل هناك فرق بين تغريب العبد وتغريب الأمة ؟ ولكنهم يذكرون حكم تغريبهما عند الكلام على التغريب بصورة عامة.
فقد اختلف أهل العلم ممن قال بالتغريب في تغريب العبد والأمة إلى قولين:
القول الأول: لا يغربان، وهو قول عند الشافعية (1) وهو قول للحنابلة (2) وهو قول المالكية (3) ورجحه القطب في شرح النيل. (4)
أدلة هذا القول:
الدليل الأول: الروايات التي دلت على عدم تغريب العبيد والإماء:
__________
(1) الرويباني، بحر المذهب، 13/11، مرجع سابق، النووي، روضة الطالبين، 10/87، مرجع سابق، الرافعي، العزيز، 11/134، مرجع سابق، تقي الدين أبو بكر بن محمد الحسيني الحصني الدمشقي الشافعي، كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار، ج10، المكتبة العصرية، بيروت، ط/ 4، 1409هـ - 1988م، ص 341، الماوردي، الحاوي الكبير، 13/206، مرجع سابق.
(2) ابن مفلح المقدسي، الفروع، 6/361، مرجع سابق، ابن مفلح، المبدع، 7/385، مرجع سابق، علي بن سليمان بن أحمد المرداوي، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهل الإمام أحمد بن حنبل، المجلد العاشر، دار الكتب العلمية، ط/1، 1418هـ- 1997م، ص 165، أبو النجار المقدسي، الإقناع، 4/ 219-220، مرجع سابق، البهوتي، شرح منتهى الإرادات، 3/345، مرجع سابق، الزركشي، شرح الزركشي، 6/281، مرجع سابق.
(3) ابن رشد، بداية المجتهد، 6/130، مرجع سابق، القرافي، الذخيرة، 9/375، مرجع سابق، الدسوقي، حاشية الدسوقي، 4/497، مرجع سابق، أحمد بن غنيم بن سالم بن مهنا النفراوي المالكي الأزهري، الفواكه الدواني شرح لرسالة ابن أبي زيد القيرواني، ج2، المكتبة الثقافية لبنان، بدون ط، ص281، الخرشي، حاشية الخرشي، 8/293، مرجع سابق.
(4) أطفيش، شرح النيل، 7/352، مرجع سابق. (1/51)
صفحة 52
1. ما رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال: " إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير". (1)
2. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يُثَرّبْ، ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يُثَرّبْ، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر ". (2)
3. عن أبي عبدالرحمن السلمي قال: خطب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فقال: يا أيها الناس أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم، من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - زنت، فأمرني أن أجلدها فأتيتها فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أحسنت، اتركها حتى تماثل. (3)
__________
(1) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( ).
(2) أخرجه البخاري، كتاب الحدود، باب لا يثرب على الأمة إذا زنت، ولا تنفى، ( ح 6839 ) ص 1305، من طريق أبي هريرة، ومسلم، كتاب الحدود، باب رجم اليهود، أهل الذمة في الزنى، (ح 1703 )ص764، من طريق أبي هريرة وزيد بن خالد، وأبو داود، كتاب الحدود، باب في الأمة تزني ولم تحصن، ( ح4459- 4460-4461)ص746- 747، وأحمد في مسند أبي هريرة ( ح 7389) ص558، ( ح 8873 ) ص651، بلفظ ولا يعيرها، كلاهما من طريق أبي هريرة.
(3) رواه مسلم، كتاب الحدود، باب تأخير الحد عن النفساء، ( 1705) ص765، وأبو داود، كتاب الحدود، باب في إقامة الحد على المريض، (ح4463) ص747، والترمذي، كتاب الحدود، باب ما جاء في إقامة الحد على الإماء، ( ح1441) ص 418. (1/52)
صفحة 53
4. عن عبدالله بن عياش قال: أمرني عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن أجلد ولائد للإمارة، أنا وفتية من قريش خمسين خمسين في الزنا. (1)
وجه الاستدلال من هذه الروايات:
لو كان التغريب واجبا في حق العبيد والإماء لذكره النبي - صلى الله عليه وسلم- وإلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة لأن جوابه تمهيد قاعدة وتأسيس حكم لا يترك من شأنه شيئا (2)
ولأمر به عمر، وخطب به علي، ولأن البيع يفوت التغريب؛ لأن الذي ينفى لا يقدر على تسليمه إلا بعد مدة فأشبه الآبق.
مناقشة هذه الروايات:
هذا الحديث مجمل فسره غيره، لأنه إنما قال فيه " فليجلدها " ولم يذكر فيه عدد الجلد كم هو ؟ فصح أنه - صلى الله عليه وسلم - أحال بيان الجلد المأمور به فيه إلى القرآن، وعلى الخبر الذي فيه بيان حكم المملوك في الحدود، فإذ هو كذلك، فليس سكوت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذكر التغريب في ذلك الخبر حجة في إبطال التغريب الذي قد صح أمره - صلى الله عليه وسلم - به فيمن زنى ولم يحصن، و"من" تدل على العموم، وأيضا ليس في هذه الأخبار أن لا تغريب، ولا أن التغريب ساقط عنها، لكنه مسكوت عنه فقط، وإذا لم يكن فيه نهي عن تغريبها، فلا يجوز أن يكون هذا الخبر معارضا للأخبار التي فيها النفي. (3)
ويمكن الجمع بين هذا الحديث وأحاديث التغريب بأن يقال إن الرسول - صلى الله عليه وسلم- ترك ذكر التغريب لمعرفته لدى السائل من عموم أحاديث التغريب.
__________
(1) رواه مالك، كتاب الحدود، باب جامع ما جاء في حد الزنا، (ح 850) ص 508، وأخرجه عبدالرزاق، ( ح 13609) 7/395.
(2) انظر: القرافي، الذخيرة، 9/375، مرجع سابق، ابن مفلح، المبدع، 7/385، مرجع سابق، الزركشي، شرح الزركشي، 6/283، مرجع سابق، الرويباني، بحر المذهب، 13/11، مرجع سابق.
(3) ابن حزم، المحلى، 13/56، مرجع سابق. (1/53)
صفحة 54
أما قولهم: إن البيع يفوت النفي فجوابه: أنه يمكن أن يتسلمه المشتري مسلوب المنفعة مدة النفي، أو يتفق بيعه لمن يتوجه إلى المكان الذي يصدق عليه وجود النفي. (1)
ويمكن أن يجاب على ذلك بأن البيع يكون بعد مدة التغريب ورجوعه.
ويمكن أن يجاب على حديث علي وعبدالله بن عياش أنهما لم يذكرا فيهما أن لا تغريب عليهن، وكذلك لم يذكر علي ما حصل للأمة بعد أن تركها النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى تنهي نفاسها.
الدليل الثاني: القياس:
1. تغريبه يسبب لسيده ضررا؛ لانقطاعه عن خدمته، ولزيادة النفقة على سيده على قول من يوجبها عليه؛ وهذا يقتضي أن يعاقب من لا ذنب له. (2)
أجيب عن هذا: ضرر السيد لا يبالى به في عقوبات الجرائم؛ لأنه يقتل إذا ارتد، ويُحد إذا قذف. (3)
2. العبد غريب أينما كان، فلو غُرِّبَ فلن يتحقق معنى التغريب. (4)
__________
(1) ابن حجر، فتح الباري، 12/202، مرجع سابق.
(2) انظر: القرافي، الذخيرة، 9/375، مرجع سابق، النفراوي، الفواكه الدواني، 2/281، مرجع سابق، الخرشي، حاشية الخرشي، 8/293، مرجع سابق، ابن مفلح، المبدع، 7/385، مرجع سابق، البهوتي، شرح منتهى الإرادات، 3/345، مرجع سابق، الزركشي، شرح الزركشي، 6/283- 284، مرجع سابق، الرويباني، بحر المذهب، 13/11، مرجع سابق، الرافعي، العزيز، 11/134، مرجع سابق، الحصني، كفاية الأخيار، 10/340- 341، مرجع سابق، الماوردي، الحاوي الكبير، 13/206، مرجع سابق، ابن حجر، فتح الباري، 12/192، مرجع سابق، ابن حجر، فتح الباري، 12/202، مرجع سابق.
(3) الرافعي، العزيز، 11/134، مرجع سابق.
(4) البهوتي، شرح منتهى الإرادات، 3/345، مرجع سابق، الزركشي، شرح الزركشي، 6/283، مرجع سابق، الرويباني، بحر المذهب، 13/11، مرجع سابق، الرافعي، العزيز، 11/134، مرجع سابق. (1/54)
صفحة 55
أجيب عن هذا: العبد إذا ألف المكان شق عليه الانتقال منه، ثم إنه يمكنه الانتفاع منه هناك بتأجيره. (1)
القول الثاني: يغربان، وهو قول للشافعية (2) وهو قول للحنابلة (3) وهو قول للقطب من الإباضية. (4)
أدلة هذا القول:
الدليل الأول: الروايات التي دلت على أن التغريب يشمل العبد والأمة كذلك:
1. عن نافع أن عبدا كان يقوم على رقيق الخمس، وأنه استكره جارية من ذلك الرقيق فوقع بها، فجلده عمر بن الخطاب ونفاه، ولم يجلد الوليدة لأنه استكرهها. (5)
2. قال أبو ذر: الشيخان الثيبان يجلدان ويرجمان والبكران يجلدان وينفيان. (6)
3. عن زيد بن خالد الجهني قال: " سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر فيمن زنى ولم يحصن جلد مائة وتغريب عام ". (7)
4. عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وبإقامة الحد عليه. (8)
5. عن عامر عن مسروق عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: البكران يجلدان وينفيان والثيبان يرجمان. (9)
__________
(1) الرافعي، العزيز، 11/134، مرجع سابق.
(2) الرويباني، بحر المذهب، 13/11، مرجع سابق، النووي، روضة الطالبين، 10/87، مرجع سابق، الرافعي، العزيز، 11/134، مرجع سابق، الحصني، كفاية الأخيار، 10/340- 341، مرجع سابق، الماوردي، الحاوي الكبير، 13/206، مرجع سابق، الجمل، حاشية الجمل، 7/356، مرجع سابق.
(3) ابن مفلح المقدسي، الفروع، 6/361، مرجع سابق، ابن مفلح، المبدع، 7/385، مرجع سابق، المرداوي، الإنصاف، 10/165، مرجع سابق.
(4) أطفيش، هيميان الزاد، 4/468، مرجع سابق.
(5) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( ).
(6) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( ).
(7) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( ).
(8) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( ).
(9) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( ). (1/55)
صفحة 56
وجه الاستدلال: فعل عمر - رضي الله عنه - يدل على تغريب العبد والأمة؛ وذلك عمل منه بنصوص التغريب، وأحاديث زيد بن خالد وأبي هريرة وأبي عامة تشمل الحر، والعبد، والذكر، والأنثى.
الدليل الثاني: القياس
التغريب حد قابل للتبعض والتجزؤ، وتغريب الحر عام بنص الحديث، فيكون تغريب العبد نصف عام بنص القرآن { فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ } . (1)
القول الثالث: إن حده الإمام غُرِّبَ، وإن حده السيد لا يغربه، وهذا قول للشافعية. (2)
الجواب على هذا القول: هذا التفريق لا وجه له؛ لأن الحد مستوفى في حق الله تعالى لا في حق السيد، فوجب أن لا يختلف باختلاف مستوفيه كالجلد. (3)
المبحث الرابع: كيفية التغريب وفيه مطلبان:
المطلب الأول: صورته: وفيه مسائل:
المسألة الأولى: مدة التغريب
جاءت الروايات دالة على تحديد مدة التغريب؛ فقد جاء في حديث عبادة بن الصامت قوله " البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام " (4) وفي حديث العسيف قوله " وجلد ابنه مائة جلدة و غربه عاما " (5) وفي رواية " وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام " (6) وعلى هذا فلا يجوز الاجتهاد فيها.
__________
(1) الحصني، كفاية الأخيار، 10/340- 341، مرجع سابق، الماوردي، الحاوي الكبير، 13/206، مرجع سابق.
(2) الرويباني، بحر المذهب، 13/12، مرجع سابق، الماوردي، الحاوي الكبير، 13/206، مرجع سابق.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، 13/206، مرجع سابق.
(4) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( ).
(5) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( ).
(6) أخرجه البخاري في كتاب الحدود، باب الاعتراف بالزنى، ( ح6827- 6828) ص1301، وفي باب من أمر غير الإمام بإقامة الحد غائبا عنه، (ح 6835- 6836) ص 1304- 1305، ومسلم في كتاب الحدود، باب ما جاء في الرجم على الثيب، ( ح 1433)، وداود في كتاب الحدود، باب حد الزنا، ( ح2549) ص432- 433. (1/56)
صفحة 57
ولكن اختلف العلماء في مسألة بدء حساب العام إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: يبدأ حساب العام منذ خروجه من موضع تغريبه؛ لأنه أول سفره، ولأنه لو بدأ الحساب حين وصوله إلى المنفى يكون في ذلك زيادة في المدة، وهذا مذهب الشافعية. (1)
القول الثاني: يبدأ حساب العام منذ وصوله إلى المنفى؛ وهذا مذهب الإباضية (2) وهو قول للشافعية (3) لأن معنى التغريب يصدق عليه حين وصوله لا قبل.
القول الثالث: يبدأ حساب العام منذ يوم سجنه في المنفى؛ وهو مذهب المالكية. (4)
المسألة الثانية: مسافة التغريب
لم تذكر مسافة التغريب في أحاديث التغريب، وإنما جاء في بعض الروايات أن النبي – صلى الله عليه وسلم – غَرّب إلى خيبر (5) وجاءت آثار الصحابة والتابعين مختلفة في قدر التغريب، فبعضهم
يغرب إلى البصرة، وبعضهم يغرب إلى الكوفة، وبعضهم يغرب إلى خيبر، وبعضهم إلى فدك. (6)
ولذلك اختلف العلماء في مسافة التغريب إلى أقوال:
القول الأول: يجب أن يكون التغريب إلى مسافة القصر، وهو قول للمالكية (7) وهو قول للشافعية (8) وهو قول للحنابلة (9) وهو قول القطب. (10)
__________
(1) انظر: الماوردي، الحاوي الكبير، 13/204، مرجع سابق، الجمل، حاشية الجمل، 7/356، مرجع سابق.
(2) أطفيش، شرح النيل، 7/352، مرجع سابق.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، 13/204- 205، مرجع سابق
(4) القرافي، الذخيرة، 9/376، مرجع سابق، النفراوي، الفواكه الدواني، 2/281، مرجع سابق، الخرشي، حاشية الخرشي، 8/293- 294، مرجع سابق.
(5) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( ).
(6) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( ).
(7) النفراوي، الفواكه الدواني، 2/281، مرجع سابق.
(8) النووي، روضة الطالبين، 10/88، مرجع سابق.
(9) انظر: الزركشي، شرح الزركشي، 6/280-281، مرجع سابق، ابن مفلح المقدسي، الفروع، 6/361، مرجع سابق، ابن مفلح، المبدع، 7/384-385، مرجع سابق.
(10) أطفيش، شرح النيل، 7/352، مرجع سابق. (1/57)
صفحة 58
القول الثاني: الرجل يغرب إلى مسافة القصر والمرأة إلى دون مسافة القصر إن كانت بلا محرم وإلى مسافة القصر إذا كان معها محرمها، وهو قول للحنابلة. (1)
القول الثالث: يجوز دون مسافة القصر، وهو قول للشافعية (2) وقول للحنابلة (3) وقول للمالكية. (4)
القول الرابع: إلى ميل. (5)
القول الخامس: يغرب إلى بلد يصدق عليه اسم الغربة. (6)
القول السادس: هو إلى رأي الإمام. (7)
وتترتب على هذه المسألة مسألة أخرى وهي هل يجوز الزيادة على مسافة التغريب ؟ اختلف أهل العلم في ذلك إلى أقوال:
__________
(1) انظر: الزركشي، شرح الزركشي، 6/280-281، مرجع سابق، ابن قدامة المقدسي، المغني على مختصر الخرقي، 8/118، مرجع سابق، ابن مفلح المقدسي، الفروع، 6/361، مرجع سابق، ابن مفلح، المبدع، 7/384-385، مرجع سابق.
(2) النووي، روضة الطالبين، 10/88، مرجع سابق.
(3) انظر: الزركشي، شرح الزركشي، 6/280-281، مرجع سابق، ابن قدامة المقدسي، المغني على مختصر الخرقي، 8/118، مرجع سابق، ابن مفلح المقدسي، الفروع، 6/361، مرجع سابق، ابن مفلح، المبدع، 7/384-385، مرجع سابق.
(4) القرافي، الذخيرة، 9/376، مرجع سابق.
(5) ابن حجر، فتح الباري، 12/192، مرجع سابق
(6) الشوكاني، نيل الأوطار، 7/95، مرجع سابق.
(7) ابن حجر، فتح الباري، 12/192، مرجع سابق. (1/58)
صفحة 59
القول الأول: الزيادة جائزة، وهو قول القطب (1) وهو قول للشافعية (2) وهو مذهب الحنابلة (3) فقد جاء أن عمر ابن الخطاب غرّب إلى الشام وعثمان بن عفان غرّب إلى مصر وعلي بن أبي طالب غرّب إلى الكوفة، ولتناول الخبر له.
القول الثاني: لا تجوز الزيادة على مسافة القصر إن وجد المغرِّب موضعا صالحا بعد مسافة القصر؛ فلا يجاوز الأقرب إلى الأبعد وهو قول للشافعية. (4)
القول الثالث: تجوز بشرط أن يكون الطريق والمقصد آمنا؛ وأن لا يكون بالبلد طاعون لحرمة دخوله، وهو قول للشافعية. (5)
__________
(1) أطفيش، شرح النيل، 7/352، مرجع سابق.
(2) انظر: الحصني، كفاية الأخيار، 10/337، مرجع سابق، الرويباني، بحر المذهب، 13/9، مرجع سابق، النووي، روضة الطالبين، 10/88، مرجع سابق، سليمان العجيلي، حاشية الجمل، 7/587، مرجع سابق، الرافعي، العزيز، 11/137، مرجع سابق، الماوردي، الحاوي الكبير، 13/204، مرجع سابق.
(3) انظر: البهوتي، كشاف القناع، 6/92، مرجع سابق.
(4) انظر: النووي، روضة الطالبين، 10/88، مرجع سابق، الحصني، كفاية الأخيار، 10/337، مرجع سابق.
(5) الرملي، نهاية المحتاج، 7/428، مرجع سابق. (1/59)
صفحة 60
والناظر إلى أدلة التغريب يدرك أن التغريب لا يصدق على المغرَّب إلى بعد مجاوزة حد التغريب؛ وقد مر أن التغريب هو إخراج الزاني البكر عن موضع ارتكابه الفاحشة بحيث تصدق عليه الغربة لمدة عام، والغربة لا تصدق دون مسافة القصر؛ لتوارد الأخبار، ولا مانع من زيادة المسافة ما دام في ذلك مصلحة؛ لما في ذلك من أثر زيادة حصول الانزجار وكونه أبلغ في التأثير على نفس الجاني فلعله يراجع نفسه إذا رجعت إلى فطرتها السليمة فيتوب من فعلته فتحصل بذلك الفائدة من تشريع إقامة الحدود، ومن بينها كف الناس عن انتهاك محارم الله تبارك وتعالى، ويدل على ذلك قول ابن شهاب " وكان عمر ينفي من المدينة إلى البصرة وإلى خيبر ". (1)
المسألة الثالثة: هل يقدم الجلد على التغريب ؟
اختلف أهل العلم في تقديم التغريب على الجلد أو العكس إلى أقوال:
القول الأول: ذهب الشافعية إلى جواز تقديم التغريب على الجلد لأنه عطف بالواو ليفيد به عدم الترتيب. (2)
القول الثاني: ذهب بعض الشافعية إلى أن الجلد أولى بالتقديم مع جواز تقديم التغريب عليه. (3)
__________
(1) ابن حجر، فتح الباري، 12/194، مرجع سابق.
(2) انظر: النووي، روضة الطالبين، ج10، إشراف: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، ط/3، 1412هـ- 1991م، ص90، الرافعي، العزيز، 11/138، مرجع سابق، الرملي، نهاية المحتاج، 7/428، مرجع سابق.
(3) سليمان العجيلي، حاشية الجمل، 7/ 587، مرجع سابق، الرملي، نهاية المحتاج، 7/428، مرجع سابق. (1/60)
صفحة 61
القول الثالث: ومن كلام الحنابلة (1) والمالكية (2) والإباضية (3) يظهر أنهم يجعلون التغريب بعد الجلد ترتيبا، بل صرح بعض المالكية (4) بذلك لما جاء من الأدلة على أن التغريب كان بعد الجلد من ذلك ما جاء عن عمرو بن شعيب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قد قضى الله ورسوله: إنْ شهد أربعة على بكرين جُلدا، كما قال الله عز وجل: { مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذُكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ } (5) وغُرّبا سنة غير الأرض التي كانا بها، وتغريبهما شتَّى (6) وفي بعض روايات حديث العسيف قوله " وجلد ابنه مائة جلدة وغربه عاما" (7) وما جاء عن صفية بنت أبي عبيد أن رجلا وقع على جارية بكر فأحبلها، فاعترفت، ولم يكن أحصن، فأمر به أبو بكر فجلد مائة ثم نفي (8) فقولها في الرواية " فجلد مائة ثم نفي " يدل على أن أبا بكر غرب بعد الجلد، وثم تدل على الترتيب (9) ولأن الجلد قد يفوت بسبب من أسباب الفوات كالموت أو الهرب، وهو أبلغ في التأديب؛ لأنه إن غُرِّبَ بعد أن جُلد وذاق حرارة السوط وعرف عاقبة فعله يكون إحساسه بالذنب أكبر.
المسألة الرابعة: هل يخير في جهة التغريب ؟
الأصل أن الأحكام بيد الإمام؛ وتعيين جهة التغريب من جملة الأحكام فلا تكون للجاني، ولكن اختلف أهل العلم في تخيير المُغرَّب إلى جهة التغريب إلى قولين:
__________
(1) البهوتي، كشاف القناع، 6/91- 92، مرجع سابق.
(2) الخرشي، حاشية الخرشي، 8/293، مرجع سابق.
(3) أطفيش، شرح النيل، 7/352، مرجع سابق.
(4) محمد عليش، شرح منح الجليل، مرجع سابق، 9/262.
(5) سورة النور ( الآية: 2 )
(6) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( ).
(7) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( ).
(8) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( ).
(9) السالمي، طلعة الشمس، 1/226، مرجع سابق. (1/61)
صفحة 62
القول الأول: يتعين ما عينه الإمام وهو قول للحنابلة (1) وقول للشافعية (2) وهو ما يدل عليه كلام المالكية؛ لأنهم يوجبون حبسه في موضع تغريبه؛ فالحبس لا يكون بدون سلطة تعلم مَن سيُحبس أو أين سيحبس ؟ فإذا تقرر ذلك علمتَ أن السلطة لا تكون إلا في بلد معلوم؛ والدليل على أن تعيين البلد بيد الحاكم أن التعيين وعدم إعطاء الجاني رغبته وعدم تحقيق هواه هو اللائق بالزجر والتعنيف، وأن حكم الحاكم ملزم، والمقصود سيتحقق من إقامة حد التغريب، منها إصلاح مرتكب الجريمة، وهذا لا يحصل إلا بالدواء الناجع، وعندما يعطى المجرم رغبته وتحقيق هواه فإن هذا لا يؤدي إلى المصالح المقصودة، فيتحصل من تعيين الحاكم للمنفى حصول الوحشة التي تؤدي إلى بعث الشعور والإحساس بالذنب غالبا، فيراجع المجرم نفسه على ما فعلت ويتوب إلى الله تبارك وتعالى ويعزم على الانقطاع عن الفعل، وهذا من مقاصد الشارع الحكيم.
القول الثاني: يتعين ما اختاره المغرَّب وهو قول للشافعية. (3)
المسألة الخامسة: الحبس في مكان التغريب
__________
(1) انظر: البهوتي، كشاف القناع عن متن الإقناع، 6/92، مرجع سابق، البهوتي، شرح منتهى الإرادات، 3/345، مرجع سابق.
(2) انظر: الرافعي، العزيز شرح الوجيز، 11/136- 137، مرجع سابق، الماوردي، الحاوي الكبير، 13/205، مرجع سابق، الرويباني، بحر المذهب، 13/9، مرجع سابق.
(3) انظر: الرافعي، العزيز شرح الوجيز، 11/136- 137، مرجع سابق، الماوردي، الحاوي الكبير، 13/205، مرجع سابق، الرويباني، بحر المذهب، 13/9، مرجع سابق. (1/62)
صفحة 63
ذهب الحنابلة (1) إلى أن المغرَّب لا يحبس في بلد التغريب؛ لأنه زيادة لم يرد بها الشرع فلا تشرع كالزيادة على العام، ومذهب الشافعية (2) أنه لا يحبس بل يراقب ويوكل به لئلا يعود إلى بلده قبل انتهاء مدة التغريب أو إلى ما دون مسافة القصر ولإلزامه بالإقامة في البلد الذي غُرِّب إليه فلا يمكن من الضرب في الأرض، إلا أنهم يحبسونه تعزيرا إذا لم تفد فيه المراقبة أو خيف رجوعه أو تعرضه للنساء والغلمان أي لم ينزجر إلا بحبسه؛ وهذا من باب مراعاة المصلحة التي من أجلها شرع التغريب، وذهب المالكية (3) إلى أن المغرَّب يحبس سنة في البلد الذي غُرِّب إليها ويؤرخ يوم سجنه، وقول لهم أنه لا حبس على المغرَّب. (4)
__________
(1) انظر: البهوتي، كشاف القناع، 6/92، مرجع سابق، ابن قدامة المقدسي، المغني على مختصر الخرقي، 8/118، مرجع سابق.
(2) انظر: الرافعي، العزيز شرح الوجيز، 11/138، مرجع سابق، الماوردي، الحاوي الكبير، 13/204، مرجع سابق، الرملي، نهاية المحتاج، 7/428، مرجع سابق.
(3) انظر: النفراوي المالكي، الفواكه الدواني، 2/281، مرجع سابق، القرافي، الذخيرة، 9/376، مرجع سابق، الخرشي، حاشية الخرشي، 8/294، مرجع سابق.
(4) القرافي، الذخيرة، 9/376، مرجع سابق. (1/63)
صفحة 64
ولعل مرد الخلاف إلى خلافهم في معنى التغريب فمن رأى أنه الحبس قال بحبس المغرَّب، ومن رأى أنه إخراج الزاني البكر عن موضع ارتكابه الفاحشة بحيث تصدق عليه الغربة لمدة عام قال بعدم الحبس، ولكنهم كما ذكرنا يقولون بالحبس تعزيرا في الحالات التي ذكرناها، ويتخرج عندي قول أن الحبس في حق النساء يتأكد أكثر من الرجال لأنها تحتاج إلى صيانة وعناية وملاحظة أكبر، ويتأكد الحبس في حق الرجال والنساء أكثر إذا كان السجن موضع إصلاح وإعادة تشكيل الإنسان وتهذيبه وهذا ما تتجه إليه بعض الدول (1) التي تعي خطورة انتشار الجرائم وما تسببه لها من معاناة وخسائر.
المسألة السادسة: خروج الزاني بنفسه دون حكم الحاكم
إقامة الحدود بيد الإمام؛ والخطاب هنا متوجه إلى الإمام؛ فهي وظيفته لا وظيفة من ارتكب الجريمة، لما جاء في بعض الروايات " وجلد ابنه مائة جلدة وغربه عاما" (2) وعليه فلو غرَّب الزاني نفسه دون أن يحكم به الإمام فإنه لا يعتد به على قول الشافعية (3) والحنابلة (4) والمالكية (5) لأن تغريبه نفسه قد يكون من شهواته فلا يكون زجرا له (6) كما لو جلد نفسه، واقتصر الماوردي من الشافعية على القول بأنه يجزيه لأنه انتقال إلى مكان قد وجد فيه. (7)
__________
(1) أحمد توفيق هلال، واقع السجون ص 17- 21، مرجع سابق.
(2) تقدم تخريجه ص ( ) الحاشية ( ).
(3) انظر: الرافعي، العزيز، 11/138، مرجع سابق، النووي، روضة الطالبين، 10/89، مرجع سابق.
(4) البهوتي، كشاف القناع، 6/92، مرجع سابق.
(5) انظر: الخرشي، حاشية الخرشي، 8/293، مرجع سابق، النفراوي المالكي، الفواكه الدواني، 2/281، مرجع سابق.
(6) الدسوقي، حاشية الدسوقي، 4/497، مرجع سابق.
(7) الماوردي، الحاوي الكبير، 13/205، مرجع سابق. (1/64)
صفحة 65
وقول الجمهور هو الأقرب للصواب؛ لأن إقامة الحدود بيد الإمام لا بيد المحدود، ولأنه قد يدعي الزاني أنه تغرب وهو ليس كذلك، فمن ارتكب مثل هذه الفواحش لا يؤمن منه الكذب.
المسألة السابعة: لو زنى الغريب أو زنى المغرَّب في مكان التغريب
نص الشافعية (1) والحنابلة (2) على أن الغريب إذا زنى وهو بكر غُرِّب إلى غير وطنه بحيث تكون المسافة بين المنفى ووطنه لا تقل عن مسافة القصر، وذلك تحقيقا لمعنى التغريب وتنكيلا له وتبعيدا عن الموضع الذي ارتكب فيه الفاحشة، ولا يعاد إلى وطنه، هذا في الغريب الذي له وطن، فإن لم يكن له وطن كالحربي المهاجر إلى بلد الإسلام فإن الإمام ينتظر حتى يتوطن بلدة ثم يغربه منها، والمسافر إذا زنى في طريقه فإنه يغرب إلى غير مقصده وإلى غير وطنه. (3)
ومذهب المالكية (4) أن الغريب إذا زنى فور نزوله البلد – غير بلده – وقبل أن يتأنس بأهل البلد التي زنى بها سجن فيها وإلا أخرج إلى بلد آخر، لأنه غريب بها ويصدق عليه معنى التغريب وتحصل بذلك مصلحة التغريب وهي الإيحاش والزجر، وبعضهم قال: إن سجنه في البلد الذي زنى فيه يعتبر تغريبا، وقيل لا يعتبر تغريبا بل لا بد من إخراجه. (5)
__________
(1) انظر: الرافعي، العزيز، 11/137، مرجع سابق، النووي، روضة الطالبين، 10/89، مرجع سابق، الرملي، نهاية المحتاج، 7/428-429، مرجع سابق.
(2) انظر: ابن قدامة المقدسي، المغني على مختصر الخرقي، 8/118، مرجع سابق، البهوتي، كشاف القناع، 6/92، مرجع سابق.
(3) انظر: الرافعي، العزيز، 11/137، مرجع سابق، النووي، روضة الطالبين، 10/89، مرجع سابق.
(4) الخرشي، حاشية الخرشي، 8/294، مرجع سابق.
(5) انظر: الخرشي، حاشية الخرشي، 8/294، مرجع سابق، النفراوي المالكي، الفواكه الدواني، 2/281، مرجع سابق. (1/65)
صفحة 66
وأما المغرَّب إذا زنى في مكان تغريبه فمذهب الشافعية (1) أنه يغرب إلى بلد آخر غير وطنه، ومذهب المالكية (2) أن سجنه في البلد التي زنى بها يعد تغريبا له، وقال بعض المالكية (3) : إن تأنس في السجن مع المسجونيين بحيث لم يتوحش به غرب إلى غيره يحبس فيها سنة يبتدئها من يوم خروجه الثاني وإلا ففي سجنه الأول، وذهب الحنابلة (4) إلى أنه يغرب إلى بلد غير البلد الذي غُرب منه لأن الأمر بالتغريب يتناوله حيث كان ولأنه قد أنس بالبلد الذي سكنه فيبعد عنه.
المسألة الثامنة: تداخل مدة التغريب
بناء على المسألة السابقة، فإنه لو زنى المُغَرَّب في بلد التغريب ثم أعيد هل تحسب تلك المدة السابقة وتستأنف مدة أخرى بعد انقضاء الأولى أم أن المدة تتداخل ؟
قال بتداخل المدة الحنابلة (5) والشافعية (6) لأن الحدين من جنس واحد فيتداخلان.
وللمالكية قولان:
__________
(1) انظر: الرافعي، العزيز، 11/138، مرجع سابق، النووي، روضة الطالبين، 10/89، مرجع سابق، الرملي، نهاية المحتاج، 7/429، مرجع سابق.
(2) انظر: الخرشي، حاشية الخرشي، 8/294، مرجع سابق، النفراوي المالكي، الفواكه الدواني، 2/281، مرجع سابق.
(3) الخرشي، حاشية الخرشي، 8/294، مرجع سابق.
(4) انظر: ابن قدامة المقدسي، المغني على مختصر الخرقي، 8/118، مرجع سابق، ابن مفلح، المبدع، 7/385، مرجع سابق، البهوتي، كشاف القناع، 6/92، مرجع سابق.
(5) البهوتي، كشاف القناع، 6/92، مرجع سابق.
(6) انظر: الرافعي، العزيز، 11/138، مرجع سابق، النووي، روضة الطالبين، 10/89، مرجع سابق، الماوردي، الحاوي الكبير، 13/205، مرجع سابق. (1/66)
صفحة 67
القول الأول: أنه لا يبنى على ما مضى (1) وظاهره أنه يكمل المدة الأولى ثم يستأنف مدة التغريب الثاني ولا يلزم أنه يكمل المدة الأولى في الموضع الأول بل يمكن أن يكملها في الموضع الآخر، وذلك لأنهم يقولون بإخراجه.
القول الثاني: أنه يبنى ويلغى ما بين السجنين وهذا الذي رجحه الشيخ العدوي المالكي. (2)
الظاهر أن القول بعدم التداخل هو القول الأقرب لروح الشريعة لأن كل واحد من الحدين قام بسبب مستقل، ولأن المغرَّب إذا علم أنه لن يُزاد في مدته الأولى قد تسول له نفسه المريضة إذا لم يهذبها على أن يرتكب الجريمة مرات عديدة بلا خوف لأنه يقول: المدة واحدة ونحن الآن فيها فلا يضيرنا أن فعلنا مرة أخرى، وسيستمر هكذا على ارتكاب الجريمة ما دام في التغريب، فلذلك كان القول بإكمال المدة الأولى ثم تستأنف المدة الأخرى أقطع للفساد وأكثر زجرا للمجرمين وأكثر تحقيقا لمقاصد الشريعة الغراء التي جاءت قاطعة لكل فساد ولكل ما يقرب إلى الفساد؛ لذلك أمر الله تبارك وتعالى بغض البصر لأنه باب للزنى، وجعل كل قرض جر منفعة ربا، ولذلك جاءت قاعدة درء المفاسد مقدمة على جلب المصالح.
ولم يتكلم أهل العلم عن الزاني البكر إذا زنى ثم زنى ثم زنى قبل إقامة الحد عليه هل يجب عليه تغريب عام مستقل عن كل مرة أم يكفي واحد عن كل المرات ؟ ولكن يمكن أن يستنتج ذلك من كلامهم عن الجلد، فإنه لا يجب عليه إلا واحد عن كل المرات، فكذا هنا فلا يجب عليه إلا تغريب واحد.
المسألة التاسعة: عودة المُغرَّب من المنفى قبل تمام مدة التغريب
__________
(1) النفراوي المالكي، الفواكه الدواني، 2/281، مرجع سابق.
(2) علي بن أحمد العدوي، حاشية الشيخ علي بن أحمد العدوي المطبوعة مع حاشية الخرشي على مختصر سيدي خليل، ضبطه وخرج آياته وأحاديثه زكريا عميرات، ج8، دار الكتب العلمية، لبنان، ط/1، 1417هـ- 1997م، ص295. (1/67)
صفحة 68
إذا عاد المغرَّب من المنفى قبل تمام مدة التغريب أعيد مرة أخرى واستأنفت مدة التغريب مرة أخرى لأن التنكيل لا يتم إلا بموالاة مدة التغريب وليتوالى الإيحاش في قول جمهور الشافعية (1) وعليه فلا يلزم أن يتعين البلد الذي غُرِّب إليه قبل فيجوز تغريبه إلى بلد آخر، وذهب بعض الشافعية (2) إلى أن المدة التي قضاها قبل عودته تحسب وعليه فإنه يكمل المدة المتبقية مع عدم حساب المدة منذ خروجه وحتى عودته، وهذا مذهب الحنابلة (3) والمالكية (4) لأنه لو استأنفت المدة ستكون زيادة على العام الذي جاء به النص " وتغريب عام " والخلاف راجع إلى أنه هل يجوز تفريق سنة التغريب ؟ وخرج بعضهم هذا الخلاف من خلافهم في جواز تفريق سنة تعريف اللقطة. (5)
المسألة العاشرة: نفقة المغَّرب
__________
(1) انظر: الرافعي، العزيز، 11/137، مرجع سابق، النووي، روضة الطالبين، 10/89، مرجع سابق، الرملي، نهاية المحتاج، 7/428، مرجع سابق.
(2) الرويباني، بحر المذهب، 13/9، مرجع سابق، الماوردي، الحاوي الكبير، 13/205، مرجع سابق.
(3) انظر: ابن قدامة المقدسي، المغني على مختصر الخرقي، 8/118، مرجع سابق، ابن مفلح، المبدع، 7/384، مرجع سابق، البهوتي، كشاف القناع، 6/92، مرجع سابق.
(4) انظر: القرافي، الذخيرة، 9/376، مرجع سابق، الخرشي، حاشية الخرشي، 8/294، مرجع سابق.
(5) الرافعي، العزيز شرح الوجيز، 11/137-138، مرجع سابق. (1/68)
صفحة 69
لم يأت في أحاديث التغريب دليل يشير إلى الجهة التي تتكفل مؤنة المغرَّب والمرافق له - أي مرافق المرأة على قول من قال بأنه لا بد من خروج مرافق معها – ولكن تكلم عنها الفقهاء عند بيانهم لصورة التغريب ومسائله، ذهب بعض الشافعية (1) أن مؤنة المغرَّب في غربته تكون في بيت المال من خمس الخمس كأجرة الجلاد، فإن أعوز بيت المال كانت في ماله كما تكون فيه أجرة مستوفي الحد منه عند الإعواز، وأما نفقته في زمان التغريب فعلى نفسه ومن كسبه ولا يمنع من الاكتساب ولا أن يسافر معه بمال يتجر به أو ينفقه، فإن أعوزه الكسب في سفره كان كسائر الفقراء.
ومما يستفاد من كلام الحنابلة أن النفقة تلزم المغرَّب؛ فعند كلامهم على تغريب المرأة يذكرون أنْ لو خرج معها محرم فنفقته عليها لأن ذلك من معونة سفرها؛ فإذا كان هذا في حق المرأة فالرجل من باب أولى، فإن لم تجد فمن بيت المال لأن فيه مصلحة. (2)
والمالكية يرون أن نفقة حمل المغرَّب إلى محل التغريب وأكله وشربه وما يحتاج إليه وأجرة السجن في ماله فإن لم يجد فمن بيت المال فإن لم يوجد فعلى المسلمين. (3) ويرى الإباضية أن أجرة ركوبه من ماله وإن لم يكن فمن بيت المال. (4)
المطلب الثاني: إمكانية تطبيقه في العصر الحديث
__________
(1) الرويباني، بحر المذهب، 13/10، مرجع سابق، الماوردي، الحاوي الكبير، 13/205، مرجع سابق.
(2) انظر: ابن مفلح، المبدع، 7/384، مرجع سابق، البهوتي، كشاف القناع، 6/92، مرجع سابق.
(3) انظر: النفراوي المالكي، الفواكه الدواني، 2/281، مرجع سابق، الخرشي، حاشية الخرشي، 8/293، مرجع سابق.
(4) أطفيش، شرح النيل، 7/352، مرجع سابق. (1/69)
صفحة 70
إن إقامة حدود الله تبارك وتعالى هي من صفات المؤمنين { التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } (1) وتطبيق التغريب في وقتنا المعاصر ممكن ليس بعسير؛ وذلك لإمكانية مراقبة الزاني، وتعذر مراقبته نادر؛ لما لأجهزة الاتصالات المتطورة المنتشرة لدى الحكومات والدول، وإن تعذرت مراقبته فالسجن، وليست أجهزة الاتصالات المتطورة تحول دون مراقبة الزاني؛ لأنها خاضعة لأجهزة أمن الدولة، ومراقبتها من قبل الدولة من أيسر الأمور، ومهما يكن فوجوب إقامة الحدود ليس خاصا بعصر دون عصر؛ لأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، والله تعالى يشدد على من لم يحكم بما أنزل الله تعالى في كتابه الكريم فيقول: { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } (2) ويقول: { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } (3) ويقول: { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } (4) وفي تطبيق حدود الله تبارك تعالى ما لا يخفى من الفوائد أولها العمل بما أوجب الله تبارك وتعالى، وفي تطبيقها قضاء لكثير من الأمراض الجسدية التي تنشأ من ممارسات جنسية غير شرعية، ومن أمراض اجتماعية كاختلاط الأنساب وشيوع الرذيلة وانحطاط النفس السوية، وبالتالي تشيع الفرقة بين الناس، وفي تطبيقها تحقيق مصالح كثيرة للأمة الإسلامية من حيث أنها تستطيع استغلال الوقت الذي تكسبه من ارتداع كثير من الناس عند إقامة الحدود، فتستغل طاقاتها البشرية ومواردها المالية في خدمة الإسلام والأمة الإسلامية.
__________
(1) سورة التوبة ( الآية 112)
(2) سورة المائدة (الآية 44)
(3) سورة المائدة ( الآية45)
(4) سورة المائدة ( الآية47 ) (1/70)
صفحة 71
وتطبيق التغريب فيه فوائد عظيمة، خاصة إذا استغل وقت تغريبه، وفي رأيي أن سجن المُغرَّب في بلد التغريب يحقق لنا هذه الفوائد؛ وذلك إذا كانت له العناية الخاصة، فالسجن يقيد حرية الإنسان؛ ولعلها أقسى أنواع العقاب على النفس البشرية، ولكن للأسف الشديد أن هذه العقوبة لم تستغل الاستغلال الأمثل، فلا شك أن الفراغ الديني والتيارات المادية الجارفة وضياع القدوة والانفصام التام عن الواقع لابد أن يؤدي بالشباب إلى هاوية الرذيلة والجريمة، وهنا يكمن دور عمل السجن الحقيقي من وجهة نظري، فيوفر للسجين بيئة إسلامية أخلاقية مهنية تضمن له إعادة السواء النفسي ليكون عضوا فاعلا بعد خروجه من السجن، ولا شك أن ذلك سيعود تباعا على الأمة، وهذا لا يتنافى أو يتعارض مع تنفيذ العقوبة، وكذلك الحال لو ترك المسجونون بلا توجيه أو إرشاد يختلط بعضهم ببعض لكل واحد منهم خبرة إجرامية زجت به في السجن... ماذا ستكون النتيجة ؟! لذلك كان لزاما على الأمة الإسلامية أن تسعى لإصلاح كل أفرادها لتحقيق الغرض المنشود منها { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . } (1)
__________
(1) سورة آل عمران ( الآية 104 ) (1/71)
صفحة 72
فينبغي أن يكون في السجن مركز إصلاح، منه تقام أنشطة من شأنها أن ترتفع بنفس الجاني من الانحطاط إلى الفاعلية، وأول شيء ينبغي أن تشتمل عليه برامج المركز هو أماكن للتعليم، على أن يكون هذا التعليم ذا منهج سليم من شأنه أن يصلح الفرد، وفي رأيي يجب أن يبدأ التعليم بغرس العقيدة الصحيحة التي تمثل نواة الإسلام وأساس الصلاح، فإذا تمكنت العقيدة في نفس الإنسان أصبح قابلا لكل خير ممتنعا عن كل شر، وأن يشتمل منهج التعليم على علوم الإسلام غالبها إن لم يكن كلها كحفظ القرآن وتلاوته والتجويد والفقه والتفسير والتاريخ والنحو، على أن يحصل السجين على شهادة يستطيع بها أن يلتحق بعمل يكفل له معيشته.
ومن الأنشطة التي من الممكن أن تكون من برامج هذا المركز، الأنشطة الثقافية كالمحاضرات واللقاءات المفتوحة والورش المهنية والحرفية وتعليم الحاسوب والمسابقات المختلفة، وهنا تظهر أهمية تطبيق التغريب مع السجن؛ لما قدمنا من فوائد من شأنها أن تعود بالخير على الزاني والأمة.
الخاتمة
ونجمل في نهاية هذا البحث ما تم ذكره من خلال البحث وأهم التوصيات:
? وجد خلاف بين أهل العلم فيما يدخل تحت الزنا المعاقب عليه بالحد وما لا يدخل تحته؛ لاختلافهم في تعريف الزنا الحدي.
? الزنا محرم بالكتاب الكريم والسنة المطهرة والإجماع.
? للزنا حكم كثيرة ذكرنا بعضها مكتفين بها؛ لأن غالب عقلاء الناس يعلمونها.
? التغريب في اللغة: الإبعاد، وفي الشرع: هو إخراج الزاني البكر عن موضع ارتكابه الفاحشة بحيث تصدق عليه الغربة لمدة عام، ويزيد المالكية مع الحبس في موضع تغريبه.
? اختلف أهل العلم في تعريف مصطلح البكر؛ لخلافهم في اشتراط الدخول أم يكفي العقد، فذهب جمهور أهل العلم أن البكر هو من لم يجامع في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل سواء كان جامع بوطء شبهة أو نكاح فاسد أو غيرهما أم لا، وذهب جمهور الإباضية إلى أن البكر هو من لم يعقد عقد النكاح. (1/72)
صفحة 73
? اختلف أهل العلم في تغريب البكر الحر إلى قولين، فذهب جمهور الإباضية وأبوحنيفة ومحمد بن الحسن وحماد إلى أن التغريب ليس حدا، بل يمكن للإمام أن يقيمه سياسة وتعزيرا، وذهب الشافعية والحنابلة والمالكية والقطب من الإباضية إلى أنه من جملة الحد، وذكرنا أدلة كل قول مع مناقشتها.
? اختلف أهل العلم ممن قال بالتغريب في تغريب المرأة الحرة إلى قولين، فذهب جمهور المالكية وقول للقطب والأوزاعي ورواية عن الإمام علي بن أبي طالب ورجحه ابن قدامة الحنبلي، ورجحه من المحدثين الدكتور عبدالكريم زيدان وعبدالرزاق المهدي، وذهب الشافعية والحنابلة واللخمي من المالكية وقول للقطب إلى أن الحرة تغرب، وذكرنا أدلة كل قول مع مناقشتها.
? واختلف القائلون بتغريب المرأة في اشتراط خروج المحرم معها أو من يحفظها، فقيل يشترط ذلك وهو مذهب اللخمي والأصح عند الشافعية وقول للحنابلة، وقيل لا يشترط ذلك، وهو قول عند الشافعية والحنابلة ورجحه الماوردي، وقيل يشترط مع فقد الأمن، وهو قول عند الشافعية والحنابلة، وقيل يشترط مع الإمكان، وهو قول للحنابلة.
? واختلف القائلون بتغريب المرأة فيما إذا امتنع المحرم من الخروج أو تعذر وجوده، فقيل لا يجبر على الخروج، وهو قول للشافعية والحنابلة، وقيل يجبر، وهو قول للشافعية، وقيل تغرب وحدها، وهو قول للحنابلة والشافعية، وقيل تستأجر امرأة ثقة، وهو قول للحنابلة، تبذل له الأجرة إن أراد، وهو قول للحنابلة والشافعية، وقيل تسجن في موضعها، وهو قول اللخمي.
? اختلف أهل العلم في تغريب العبد والأمة إلى ثلاثة أقوال، فذهب الشافعية في قول لهم والحنابلة في قول لهم والمالكية ورجحه القطب إلى أن العبد والأمة لا يغربان، وذهب الشافعية في قول لهم والحنابلة في قول لهم والقطب في قول له إلى أنهما يغربان، وذهب بعض الشافعية إلى أنهما يغربان إن إقام الحد الإمام، ولا يغربان إن أقام الحد السيد، وذكرنا أدلة كل قول مع مناقشتها. (1/73)
صفحة 74
? اختلف أهل العلم في بدء حساب عام التغريب إلى ثلاثة أقوال، ذهب الشافعية إلى أن العام يحسب منذ خروج المُغَرَّب من موضع تغريبه، وذهب القطب والشافعية في قول لهم إلى أنه يحسب منذ وصول المُغَرَّب إلى المنفى، وذهب المالكية إلى أنه يحسب منذ يوم سجن المُغَرَّب.
? واختلفوا في مسافة التغريب إلى أقوال، فذهب القطب والمالكية في قول لهم والحنابلة في قول لهم والشافعية في قول لهم إلى أنه لا بد من أن تكون المسافة إلى مسافة القصر، وذهب الحنابلة في قول لهم إلى أن الرجل يغرب إلى مسافة القصر، والمرأة إلى دون مسافة القصر إن كانت بلا محرم وإلى مسافة القصر إذا كان معها محرمها، وذهب الشافعية في قول لهم والحنابلة في قول لهم والمالكية في قول لهم إلى أن التغريب يجوز دون مسافة القصر، وقيل إلى ميل، وقيل إلى بلد يصدق عليه اسم الغربة، وقيل هو إلى رأي الإمام.
? واختلفوا في زيادة مسافة التغريب إلى أقوال، فذهب القطب والشافعية في قول لهم والحنابلة إلى أن الزيادة جائزة، وذهب الشافعية في قول لهم إلى أن الزيادة لا تجوز إذا وجد المُغْرِّب موضعا صالحا بعد مسافة القصر، وذهب الشافعية في قول لهم إلى أنها تجوز إذا كان الطريق والمقصد آمنين.
? واختلفوا في تقديم التغريب على الجلد، فذهب الشافعية إلى جوازه، وذهب جمهور العلماء إلى أن التغريب بعد الجلد ترتيبا، وذهب الشافعية في قول لهم إلى أن الجلد أولى بالتقديم مع جواز تقديم التغريب عليه.
? واختلفوا في حبس المُغَرَّب في مكان التغريب، ذهب المالكية إلى أن المُغَرَّب يحبس في مكان التغريب سنة، وذهب الشافعية إلى أن المُغَرَّب لا يحبس إلا إذا تعرض للنساء أو الغلمان أي إذا لم يفد فيه إلا الحبس، وذهب الحنابلة إلى أن المُغَرَّب لا يحبس. (1/74)
صفحة 75
? واختلفوا في خروج الزاني دون تغريب الحاكم له، فذهب الجمهور إلى أن خروجه بنفسه دون حكم الحاكم لا يعتبر تغريبا، ولا يجزيه، وذهب الماوردي إلى اعتباره تغريبا ويجزيه.
? واختلفوا في الغريب إذا زنى في غير وطنه، فذهب الحنابلة والشافعية إلى إخراجه من تلك البلد إلى غير وطنه بحيث تكون المسافة بين بلده والبلد المُغَرَّب إليها لا تقل عن مسافة القصر، وذهب المالكية إلى أن الغريب إذا تأنس بأهل البلد التي زنى بها فإنه يخرج إلى بلد آخر، وإذا لم يتأنس بأهل البلد فإنه يسجن بها، وذهب بعض المالكية إلى أن سجنه في البلد التي زنى بها يعد تغريبا مطلقا دون تفريق، وكذا الخلاف في المُغَرَّب إذا زنى في المنفى.
? واختلفوا في استئناف مدة جديدة إذا زنى المُغَرَّب في مكان تغريبه، فذهب الحنابلة والشافعية وقول عند المالكية إلى أن المدة تتداخل، وذهب المالكية في قول لهم إلى أنه لا يبنى على ما مضى بل يكملها ثم تحسب مدة جديدة، وهذا الذي رجحه الشيخ العدوي المالكي.
? إذا عاد المُغَرَّب قبل تمام المدة فإنه يخرج ثانية، واختلف أهل العلم في اعتبار المدة الأولى، فذهب الشافعية في قول لهم إلى استئناف مدة جديدة، وذهب الجمهور إلى اعتبار المدة السابقة وعليه أن يبني على ما مضى.
? واختلفوا في نفقة المُغَرَّب على من تكون، فذهب الجمهور على أنها تكون في مال المُغَرَّب، فإن لم يجد فمن بيت المال، وذهب الشافعية إلى أنها تكون في بيت المال.
? إن تغريب الزاني في هذا العصر وفي كل العصور ممكن.
التوصيات:
? الموضوع يحتاج إلى مزيد بحث وتنقيح، خاصة الروايات التي جاء ذكرها أثناء طيات البحث؛ لأن بها يستطيع الباحث ترجيح الأقوال ومعرفة الصحيح منها.
? أوصي الأمة الإسلامية وحكامها خاصة أن يطبقوا تعاليم القرآن كلها دون توان؛ لأنه واجب علينا ولأنه سبب السعادة والفوز. (1/75)
صفحة 76
? كما أوصي الدول الإسلامية كلها بأن يأخذوا بأيدي الجناة إلى الصلاح، بحيث يوفر لهم سبل الإصلاح في السجن وخارجه، وأن تتعاون أجهزة الدولة كلها على ذلك وعلى كل ما تكون به سعادة الأمة الإسلامية بل البشرية كلها.
وفي ختام هذا البحث المتواضع أسأل الله العلي القدير أن يتقبل مني هذا العمل خالصا لوجهه الكريم وأن يعينني على أداء ما كلفت به من واجبات، وأن يبرم لهذه الأمة أمر رشد وصلاح، يعز فيها أهل طاعته، ويذل فيها أهل معصيته، ويحكم فيها شرعه، وتقام فيها حدوده.
{ العمل البشري لا يخلوا من قصور }
-
الباحث
قائمة المصادر والمراجع
1. ... القرآن الكريم
2. ... إبراهيم بن محمد بن عبدالله بن محمد ابن مفلح الحنبلي، المبدع شرح المقنع، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي، دار الكتب العلمية، لبنان، ط/1، 1418هـ _1997م.
3. ... أبو جعفر الطحاوي، شرح معاني الآثار، دار الكتب العلمية، ط/2، 1407هـ- 1987م.
4. ... أحمد بن إدريس الصنهاجي المعروف بالقرافي، الذخيرة في فروع المالكية، دار الكتب العلمية، لبنان، ط/1، 1422هـ-2001م.
5. ... أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، السنن الكبرى، تحقيق محمد عبدالقادر رضا، دار الكتب العلمية، لبنان، ط/1، 1414هـ- 1994م.
6. ... أحمد بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، مكتبة عباس أحمد الباز، مكة المكرمة، ط/4، 1424هـ- 2003.
7. ... أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، بيت الأفكار الدولية، بدون طبعة، 1421هـ-1998م.
8. ... أحمد بن عبدالله الكندي، المصنف، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، بدون ط، 1402هـ-1983م.
9. ... أحمد بن غنيم بن سالم بن مهنا النفراوي المالكي الأزهري، الفواكه الدواني شرح لرسالة ابن أبي زيد القيرواني، المكتبة الثقافية لبنان، بدون طبعة.
10. ... أحمد توفيق هلال، مقال بعنوان: واقع السجون بين إفراز المجرمين وإعادة الصياغة البشرية، مجلة الوعي الإسلامي، الكويت، العدد ( 462 ). (1/76)
صفحة 77
11. ... أحمد رضا، معجم متن اللغة، دار مكتبة الحياة، لبنان، بدون طبعة، 1379هـ- 1960م.
12. ... إسماعيل بن حماد الجوهري، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق أحمد عبدالغفار عطار، مطابع دار الكتاب العربي، مصر، بدون ط.
13. ... إسماعيل علي السامرائي، سورة النور دراسة وتحليل، دار عماد، ط/1، 1423هـ2003م.
14. ... ابن الجوزي، صفة الصفوة، دار الكتب العلمية، بدون ط، 1419هـ- 1999م.
15. ... ابن المنذر، الإجماع، تقديم ومراجعة عبدالله بن زايد آل محمود، تحقيق ودراسة د. فؤاد عبدالمنعم أحمد، دار الثقافة، قطر، ط/3، 1408هـ- 1987م.
16. ... ابن حزم، المحلى شرح المجلى، تحقيق: أحمد شاكر، دار إحياء التراث العربي، ط/2، 1422هـ - 2001م.
17. ... ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار المعروف بحاشية ابن عابدين، دار إحياء التراث العربي، ط/1، 1419هـ-1998م.
18. ... بيوض إبراهيم، في رحاب القرآن، جمعية التراث، الجزائر، بدون طبعة، 1419هـ _ 1998م.
19. ... تقي الدين أبو بكر بن محمد الحسيني الحصني الدمشقي الشافعي، كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار، المكتبة العصرية، بيروت، ط/ 4، 1409هـ
20. ... محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة بن شهاب الدين الرملي، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، دار الفكر، الطبعة الأخيرة، 1404هـ - 1984م
21. ... زين الدين المنجى التنوخي الحنبلي، الممتع في شرح المقنع، دار خضر، بيروت، ط/2، 1418هـ_1997م.
22. ... زين الدين بن عبدالعزيز المليباري، حاشية إعانة الطالبين، لأبي بكر ابن محمد على حل ألفاظ فتح المعين لشرح قرة العين بمهمات الدين، دار الفكر، لبنان، ط/ 1، 1419 هـ _ 1998م.
23. ... سعيد أبو جيب، القاموس الفقهي لغة واصطلاحا، دار الفكر، ط/ 2، 1408هـ -1988م.
24. ... سعيد بن مبروك القنوبي، الإمام الربيع مكانته ومسنده، مكتبة الضامري، سلطنة عمان، ط/1، 1416هـ- 1995م. (1/77)
صفحة 78
25. ... سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني، سنن أبي داود، دار إحياء التراث العربي، ط/1، 1421هـ- 2000م.
26. ... سليمان بن خلف الباجي، المنتقى شرح الموطأ، دار الكتاب العربي، ط/1، 1332هـ.
27. ... سليمان بن عمر العجيلي المعروف بالجمل، حاشية الجمل على شرح المنهج، علّق عليه عبدالرزاق غالب المهدي، دار الكتب العلمية، لبنان، ط/1، 1417هـ- 1996م.
28. ... شهاب الدين محمود الألوسي، روح المعاني، دار إحياء التراث العربي، بدون ط.
29. ... عبدالرحمن الجزيري، كتاب الفقه على المذاهب الأربعة، دار الفكر بيروت، ط1/1420هـ - 1999م.
30. ... عبدالرحمن بن علي ابن الجوزي، زاد المسير في علم التفسير، تحقيق عبدالرزاق المهدي، دار الكتاب العربي، ط/1، 1422هـ- 2001م.
31. ... عبدالرزاق بن همام الصنعاني، المصنف، تحقيق وتخريج وتعليق حبيب الرحمن الأعظمي، منشورات المجلس العلمي، بدون طبعة.
32. ... عبدالعزيز بن أحمد البخاري، كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، ضبط وتعليق وتخريج محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي، ط/2، 1414هـ- 1994م.
33. ... عبدالغني الغنيمي الميداني، اللباب شرح الكتاب، دار المعرفة، ط/1، 1418هـ- 1998م.
34. ... عبدالكريم بن محمد بن عبدالكريم الرافعي القزويني الشافعي، العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير، تحقيق وتعليق علي محمد معّوض، عادل أحمد عبدالجواد، دار الكتب العلمية، لبنان، ط/ 1، 1417هـ _ 1997م.
35. ... عبدالكريم زيدان، المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم في الشريعة الإسلامية، مؤسسة الرسالة، ط/1، 1413هـ - 1992م.
=========، الوجيز في أصول الفقه، مؤسسة الرسالة، ط/7، 1421هـ-2000م.
36. ... عبدالله بن أحمد المعروف بحافظ الدين النسفي، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، دار الكتب العلمية، ط/ 1، 1418هـ_1997م. (1/78)
صفحة 79
37. ... عبدالله بن أحمد بن محمد ابن قدامة المقدسي، المغني على مختصر الخرقي، ضبطه وصححه عبدالسلام محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية، ط1، 1414هـ- 1994م.
38. ... عبدالله بن الشيخ حسن الحسن الكوهجي، زاد المحتاج بشرح المنهاج، حققه وراجعه عبدالله بن إبراهيم الأنصاري، المكتبة العصرية، ط/2، 1407هـ - 1987م.
39. ... عبدالله بن حميد السالمي، جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، علق عليه أبو إسحاق أطفيش وإبراهيم العبري، مكتبة الإمام نورالدين السالمي، ط/13.
=============، شرح الجامع الصحيح، تحقيق عزالدين التنوخي، المطابع الذهبية، سلطنة عمان، بدون ط.
=============، طلعة الشمس، وزارة التراث القومي والثقافة، بدون طبعة، 1401هـ - 1981م.
40. ... عبدالله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان بن أبي بكر بن أبي شيبة الكوفي العبسي، مصنف ابن أبي شيبة، دار الفكر، ط/1، 1409هـ- 1989م.
41. ... عبدالواحد بن إسماعيل الرويباني، بحر المذهب في فروع مذهب الإمام الشافعي، حققه وعلق عليه أحمد عز وعناية الدمشقي، دار إحياء التراث العربي، ط/ 1، 1423هـ
42. ... عزالدين ابن الأثير أبو الحسن علي بن محمد الجزري، أسد الغابة في معرفة الصحابة، دار إحياء التراث العربي، ط/1، 1417هـ- 1996م.
43. ... علي بن أبي بكر بن عبدالجليل الرشداني المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، دار الكتب العلمية، لبنان، ط/1، 1410هـ- 1990م.
44. ... علي بن أحمد العدوي، حاشية الشيخ علي بن أحمد العدوي المطبوعة مع حاشية الخرشي على مختصر سيدي خليل، ضبطه وخرج آياته وأحاديثه زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، لبنان، ط/1، 1417هـ- 1997م.
45. ... علي بن سليمان بن أحمد المرداوي، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهل الإمام أحمد بن حنبل، دار الكتب العلمية، ط/1، 1418هـ
46. ... علي بن علي بن أبي العز( صدرالدين )، التنبيه على مشكلات الهداية، مكتبة الرشد، السعودية، ط/1، 1424هـ-2003م. (1/79)
صفحة 80
47. ... علي بن محمد بن حبيب الماوردي، الحاوي الكبير، تحقيق علي محمد معوض و عادل أحمد عبدالموجود، دار الكتب العلمية، ط/1، 1414هـ- 1994م.
48. ... القصبي محمود زلط، تفسير آيات الأحكام، دار القلم الإمارات، ط/1، 1409هـ-1989م.
49. ... الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار إحياء التراث العربي، ط/2، 1419هـ- 1998م.
50. ... مالك بن أنس، موطأ مالك، دار إحياء التراث العربي، ط/1، 1418هـ- 1997م.
51. ... محمد بن إبراهيم الكندي، بيان الشرع، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1414هـ- 1993م.
52. ... محمد بن أحمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق سالم مصطفى البدري، دار الكتب العلمية، ط/1 1420 ـ 2000،
53. ... محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي، المبسوط، تحقيق أبي عبدالله محمد حسن محمد حسن إسماعيل، دار الكتب العلمية، لبنان، ط/1، 14211هـ- 2001م.
54. ... محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، تحقيق وتعليق ودراسة علي محمد معوض وعادل أحمد عبدالموجود، دار الكتب العلمية، ط/1، 1416هـ - 1996م.
55. ... محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، بيت الأفكار الدولية، بدون طبعة.
56. ... محمد بن إسماعيل الصنعاني، سبل السلام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام، دار إحياء التراث العربي، ط/2، 1422هـ- 2001م.
57. ... محمد بن عبدالباقي الزرقاني، شرح الزرقاني على موطأ مالك، دار إحياء التراث العربي، ط/1، 1417هـ- 1997م.
58. ... محمد بن عبدالله الزركشي، شرح الزركشي على مختصر الخرقي، مكتبة العبيكان، السعودية، ط1، 1412هـ - 1993م
59. ... محمد بن عبدالله بن علي الخرشي، حاشية الخرشي على مختصر سيدي خليل، ضبطه وخرج آياته وأحاديثه زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، لبنان، ط/1، 1417هـ- 1997م. (1/80)
صفحة 81
60. ... محمد بن علي الشوكاني، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، تحقيق محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي، دار الكتب العلمية، ط/1، 1419هـ- 1999م.
=============، نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار، دار الكتب العلمية، بدون طبعة 1420ـ1999.
61. ... محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، جامع الترمذي، بيت الأفكار الدولية، بدون طبعة.
62. ... محمد بن محمد الخطيب الشربيني، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، دراسة وتحقيق وتعليق علي محمد مَعّوض وعادل أحمد عبدالموجود، دار الكتب العلمية، لبنان، ط/1، 1415هـ.
63. ... محمد بن مفلح المقدسي، الفروع، تحقيق عبدالرزاق المهدي، دار الكتاب العربي، ط/1، 1422هـ - 2002م.
64. ... محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، دار إحياء التراث العربي، لبنان، ط/2، 1417هـ-1997.
65. ... محمد بن يزيد القزويني، سنن الترمذي، دار إحياء التراث العربي، ط/1، 1421هـ- 2000م.
66. ... محمد بن يوسف أطفيش، تيسير التفسير، المطبعة العربية، الجزائر، بدون ط، 2001م.
=============، شرح كتاب النيل وشفاء العليل، مكتبة الإرشاد، جدة، ط/3، 1405هـ- 1985م.
=============، هيميان الزاد إلى دار المعاد، تحقيق عبدالحفيظ شلبي، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، بدون ط، 1403هـ- 1983م.
67. ... محمد رواس قلعة جي، موسوعة فقه عبدالرحمن الأوزاعي، مجلس النشر العلمي، ط/1، 2003م.
68. ... محمد عرفة الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، دار الفكر، ط/1، 1419هـ
69. ... محمد عليش، شرح منح الجليل على مختصر خليل، دار الفكر، بدون طبعة، 1409هـ- 1989م.
70. ... محمد فاروق النبهان، مباحث في التشريع الجنائي( القتل، الزنا، السرقة)، وكالة المطبوعات، الكويت ودارالقلم، لبنان، ط/2، 1981م.
71. ... مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، ط/1، 1420هـ- 2000م. (1/81)
صفحة 82
72. ... منصور بن يونس البهوتي، كشاف القناع عن متن الإقناع، دار الفكر، لبنان، بدون ط، 1402هـ- 1982م.
==============، شرح منتهى الإرادات المسمى دقائق أولي النهى لشرح المنتهى، عالم الكتب، ط/1، 1414هـ- 1993م.
73. ... موسى بن أحمد بن موسى بن سالم المقدسي، الإقناع لطالب الانتفاع، تحقيق عبدالله بن عبدالمحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر، دار عالم الكتب، ط/3، 1423هـ- 2002م.
74. ... موفق الدين ابن قدامة، المغني على مختصر الخرقي، دار الكتب العلمية، ط/1، 1414هـ - 1994م.
75. ... نجم الدين أبو حفص النسفي، طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية، ضبط و تعليق وتخريج خالد عبد الرحمن العك، دار النفائس، ط/ 1416هـ _ 1995م.
76. ... يحيى بن شرف النووي، روضة الطالبين، إشراف: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، ط/3، 1412هـ- 1991م.
============، شرح صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، دار الكتب العلمية، ط/1، 1421هـ- 2000،
فهرس الموضوعات
الموضوع ... رقم الصفحة
الإهداء ... 1
شكر وعرفان ... 2
مقدمة البحث ... 3
تمهيد ... 6
المبحث الأول: تعريف الزنا وحكمه والحكمة من تحريمه ... 7
المطلب الأول: تعريف الزنا لغة واصطلاحا ... 7
المطلب الثاني: حكم الزنا وأدلة تحريمه ... 9
المطلب الثالث: الحكمة من تحريم الزنا ... 12
المبحث الثاني: تعريف التغريب والزاني البكر ن وفيه مطلبان ... 14
المطلب الأول: تعريف التغريب لغة واصطلاحا ... 14
المطلب الثاني: تعريف الزاني البكر ... 16
المبحث الثالث: حكم تغريب الزاني البكرالحر والعبد والأمة ... 19
الطلب الأول: حكم تغريب الرجل الحر ... 19
المطلب الثاني: حكم تغريب المرأة الحرة ... 38
المطلب الثالث: حكم تغريب العبد والأمة ... 48
المبحث الرابع: كيفية التغريب ... 54
المطلب الأول: صورة التغريب ... 54
المسألة الأولى: مدة التغريب ... 54
المسألة الثانية: مسافة التغريب ... 55
المسألة الثالثة: تقديم الجلد على التغريب ... 57 (1/82)
صفحة 83
المسألة الرابعة: هل يخير المغرَب في جهة التغريب ... 58
المسألة الخامسة: الحبس في مكان التغريب ... 59
المسألة السادسة: خروج الزاني بنفسه دون حكم الحاكم ... 60
المسألة السابعة: لو زنى الغريب أو المغرَب في مكان التغريب ... 60
المسألة الثامنة: تداخل مدة التغريب ... 61
المسألة التاسعة: عودة المغرَب من المنفى قبل تمام مدة التغريب ... 63
المسألة العاشرة: نفقة المغرَب ... 63
المطلب الثاني: إمكانية تطبيق التغريب في العصر الحديث ... 65
خاتمة البحث ... 67
قائمة المصادر والمراجع ... 71
فهرس الموضوعات ... 79 (1/83)