صفحة 1
بحث: حبس المدين لمبارك الراشدي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] حبس المدين
دراسة فقهية مقارنة بما عليه بعض التشريعات العربية
إعدا د
د/ مبارك بن عبد الله الراشدى
العميد السابق لكلية الشريعة والقانون
1426هـ/ 2006م
المقدمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على مصطفاه، وعلى آله ومن والاه، فى مبدأ كل أمر ومنتهاه، وبعد:
فإن الله - تعالى – قد جعل الشريعة الإسلامية نظاما صالحا لكل زمان ومكان، حيث أود ع فى تشريعاتها من القوة والصلاح ما تتخطى به الأزمنة والبقاع.
ولما كان المال هو عصب الحياة وشريانها المتدفق، ولولاه ما تقدمت الأمم والشعوب على مر العصور والأجيال، فقد أوجبت الشريعة الإسلامية المحافظة عليه وحمايته بكل أنواع الحماية، فحرمت الغصب والسرقة والربا وغير ذلك من كل ما يؤدى إلى أكل أموال الناس بالباطل، وفى مجال حقوق الدائنين لم تكتف بما قررته من قواعد أخلاقية توجب الوفاء بالعهود والعقود، بل أجبرت المدين الواجد المماطل على قضاء دينه، واعتبرت مطله (1) ظلما، لقول الرسول – صلى الله عليه وسلم – " مطل الغنى ظلم " (2) وهذا الظلم يستوجب العقوبة بقوله – عليه الصلاة والسلام -:" لىّ الواجد يحل عقوبته وعرضه " (3) والعقوبة هنا الحبس كما قال أهل العلم.
هذا وقد رأيت البحث فى حبس المدين لكونه وسيلة ضاغطة عليه للوفاء بدينه، لأنه من الموضوعات التى تمس واقعنا المعاش، حيث كثرت فى عصرنا الحاضر حالات التعامل بين الناس بالدين، فأحببت أن أبرز حقيقة هذا الموضوع والقيود المتعلقة به على الصعيدين الشرعى والقانونى.
__________
(1) المطل بالدين هو الليان به . مختار الصحاح للرازى ص 363.
(2) صحيح مسلم 3/ 1197، سنن الترمذى 3/ 601 .
(3) – صحيح البخارى 3/ 155 ، سنن البيهقى 6/ 51 وحل عقويته يعنى: حبسه، أما حل عرضه فهو أن يقول الدائن لمدين: مطلتنى، أو يقول لغيره: مطلنى فلان ، أو ظلمنى فلان. (1/1)
صفحة 2
ومن ثمّ فإن طبيعة البحث فى هذا الموضوع تقتضى أن يقسم إلى ثلاثة مباحث تسبقهم مقدمة وتلحقهم خاتمة.
أما المقدمة: ففيها الافتتاحية وسبب اختيار الموضوع، وخطة البحث.
وأما المبحث الأول: فقد ضمنته ثلاثة مطالب:
الأول: معنى الحبس فى اللغة و الاصطلاح الشرعى والقانونى.
والثانى: مشروعية الحبس وأنواعه إجمالا.
والثالث: معنى الدين ومصادره بإيجاز.
وأما المبحث الثانى: : فضمنته موقف الفقه الإسلامى من حبس المدين ويحوى أربعة مطالب:
الأول: آراء الفقهاء فى حبس المدين مقرونة بالأدلة والترجيح.
والثانى: شروط الحبس للدين
والثالث: مدة حبس المدين، وأثر ذلك على الدين.
والرابع: أساب انقضاء حبس المدين
وأما المبحث الثالث: فخصصته لبيان موقف بعض التشريعات العربية من حبس المدين، ويشتمل على عدة مباحث:
الأول:
وأما الخاتمة: ففيها نتائج البحث وخلاصته.
والله نسأله المعونة والتوفيق والسداد، وأن يكون هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير،
د. مبارك بن عبد الله الراشدى.
المبحث الأول
في
حقيقة كل من الحبس والدين.
ويتضمن ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: معنى الحبس فى اللغة والاصطلاح الشرعى والقانونى.
والمطلب الثانى: مشروعية الحبس وأنواعه إجمالا.
والمطلب الثالث: معنى الدين ومصادره بإيجاز.
المطلب الأول
معنى الحبس فى اللغة والاصطلاح الشرعى والقانونى
أولا: معنى الحبس لغة:
الحبس فى اللغة: الحبس فى لغة العرب: المنع والإمساك، يقال: حبسه حبسا، إذا منعه وأمسكه، وجمعه: حبوس مثل: فلس وفلوس.
وحبسته بالتثقيل مبالغة فهو حبيس، وجمعه: حبس مثل: بريد وبرد.
والحبيس من النخل: الموقوف فى سبيل الله. (1/2)
صفحة 3
والحبس والسجن والاعتقال بمعنى، يقال: سجنه حبسه، ومنه قوله تعالى:{ كلا إن كتاب الفجار لفى سجين } (1) يعنى أن كتابهم فى حبس لخساسة منزلتهم عند الله، وقيل: هو فعيل بمعنى مفعول، أى: هو محبوس عليهم كى يجازوا بما فيه، ويقال: اعتقل لسانه إذا حبس ومنع من الكلام، والحبس: مصدر حبس يحبس حبسا فهو محبوس وحبيس، واسم المكان منه المحبس، وهو ضد التخلية، ويقال لمن وقع منه الحبس: حابس.
والحبس: - بالكسر – حجارة تكون فى فوهة النهر تمنع من طغيان الماء، وجمعه: أحباس.
والحُّبس:- بضم الحاء وتضعيف الباء – مشاة الجيش، والحبسة: ثقل فى اللسان يمنع من الإبانة. (2)
وصفوة القول: أن الحبس والسجن فى اللغة بمعنى واحد، فكلاهما بمعنى المنع، والمحبوس أ والمسجون: الممنوع من مغادرة المكان الذى حبس أو سجن فيه.
ثانيا: معنى الحبس فى اصطلاح الشرعيين:
الحبس فى اصطلاح الشرعيين: هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه (3) ،أو منعه من الخروج إلى أشغاله ومهماته (4) .
وليس من لوازمه الجعل فى بنيان خاص معد لذلك، إذ لم يكن فى عهد النبى " صلى الله عليه وسلم " وأبى بكر " رضى الله عنه " محبسا معدا لحبس الناس فيه، بل كان الربط بالشجرة حبس، والجعل فى البيت والمسجد حبس.
__________
(1) – سورة المطفيين الآية / 7
(2) – يراجع / لسان العرب لابن منظور 6/ 45، تاج العروس للزبيدى 15/ 250، المصباح المنير للفيومى 1/ 118، المعجم الوجيز، مجمع اللغة العربية بالقاهرة ص 130، مختار الصحاح للرازى ص 188.
(3) – يراجع / مجموعة فتاوى ابن تيمية 35/ 398، والطرق الحكمية لابن القيم ص 102."
(4) – بدائع الصنائع 7/ 174. (1/3)
صفحة 4
ولما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وكثر عدد الناس، واختلط الأمين بالخائن، ووجدت الأموال فى خلافة عمر " رضى الله عنه " ابتاع بمكة دارا وجعلها سجنا، وحبس فيها الجناة والمتهمين، ثم جاء الحكام المسلمون من بعده فأفردوا أبنية خاصة للحبس، وعدوا ذلك من المصالح المرسلة. (1)
ثالثا: معنى الحبس فى اصطلاح القانونيين:
عرفه بعضهم: بأنه الإكراه الذى يقع على بدن الشخص المحكوم عليه بحبسه وتقييد حريته بعيدا عن الناس حتى يفى بما عليه من التزامات. (2)
وعرفه آخرون بقولهم: الحبس عقوبة تقضى بإيداع المجرم فى أحد السجون المدة التى يحددها القاضى، وفى الحدود التى ينص عليها القانون حسب طبيعة المجرم ومقدار كل جرم. (3)
وعلى هذا: فالحبس فى القانون هو حجز لحرية الشخص بوضعه فى السجن حتى صدور الحكم النهائى فى التهمة الموجهة إليه.وهو ليس إجراء من إجراءات التحقيق، وإنما هو من لوازم التحقيق التى تستهدف تأمين الدولة، وضمان عدم هروب الشخص من تنفيذ الحكم الذى سيصدر عليه بالنظر إلى كفاية الأدلة ضده. (4)
المطلب الثانى
مشروعية الحبس وأنواعه إجمالا
أولا: مشروعية الحبس:
الحبس بقصد العقوبة أو الاحتياط مشروع بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول.
أما الكتاب: - فقوله تعالى:{ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض } (5)
__________
(1) – يراجع / فتاوى ابن تيمية 35/ 398، الطرق الحكمية ص 102، تبصرة الحكام لابن فرحون 2/ 373.
(2) – يراجع / الوسيط فى شرح القانون المدنى الجديد د/ عبد الرازق السنهورى 2/ 803.
(3) – يراجع / حقوق الإنسان فى الدعوى الجنائية د/ مصطفى العوجى ص 725.
(4) – يراجع / الإصدار الرابع من القضاء الجزائى العمانى سنة 1988م ص 34.
(5) – سورة المائدة الآية 33 (1/4)
صفحة 5
قهذه الآية دلت على أن عقوبة قاطع الطريق النفى من الأرض، والنفى هنا السجن، فكان مشروعا بهذه الآية. (1)
- وقوله تعالى:{ تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله } (2)
ففى هذه الآية إرشاد إلى حبس من اتهم بعدم القيام بالحق حتى يتبين أمره (3) .
- وقوله تعالى:{ وخذوهم واحصروهم } (4) والحصر هو المنع والحبس، ويؤكده قوله تعالى:{ وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا } أى: سجنا وحبسا (5)
- وقوله تعالى:{ حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق } (6) ففيه الأمر بتقييد الأسير.
وأما السنة فمنها:
= ما رواه أبو هريرة " رضى الله عنه " أن رسول الله " صلى الله عليه وسلم " قال : لىُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته " (7)
والمقصود بحل العرض هنا: إغلاظ القول له والشكاية منه، والمقصود بالعقوبة: الحبس (8) .
= وما رواه الترمذى وحسّنه معاوية بن حيدة القشيرى، أن النبى " صلى الله عليه وسلم " حبس رجلا فى تهمة. (9)
فهو يدل على مشروعية الحبس ولو بتهمة.
وأما الإجماع: فقد أجمع الصحابة ومن بعدهم على مشروعية الحبس، حيث حبس الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من الخلفاء والقضاة فى جميع الأعصار والأمصار من غير إنكار فكان إجماعا. (10)
وأما المعقول: فإن الحاجة قد تدعو إلى إقرار الحبس للكشف عن المتهم، ولكف أهل الجرائم عن ارتكاب جرائمهم. (11)
ثانيا: أنواع الحبس إجمالا:
__________
(1) – يراجع / حاشية بن عابدين 5/ 386.
(2) – سورة المائدة الآية 106
(3) – يراجع / أحكام القرآن لابن العربى 2/ 716، والطرق الحكمية ص 190.
(4) – سورة التوبة الآية 5
(5) – يراجع / تفسير الطبرى 15/ 44
(6) – سورة محمد الآية 4
(7) – يراجع / صحيح البخارى 2/ 238، سنن البيهقى 6/ 51.
(8) – يراجع / فتح البارى 5/ 62، نيل الأوطار 8/ 316
(9) – يراجع / سنن الترمذى 4/ 28.
(10) – يراجع / المبسوط للسرخسى 20/ 212، 8/ 316.
(11) – يراجع / نيل الأوطار 8/ 212، 8/ 316. (1/5)
صفحة 6
المتتبع لأقوال الفقهاء فى هذا الصدد يمكنه أن يقسم الحبس باعتبار غرضه إلى قسمين – من حيث المبدأ:
الأول: الحبس بقصد العقوبة، وهو نوعان:
أ حبس الحد مثل النفى فى الحرابة لمن لم يقتل ولم يأخذ مالا.
ب وحبس التعزير ، مثل حبس الممتنع من دفع الحق إلجاء إليه، وحبس الغاش والمرابى ردعا له، وحبس الممتنع من حق الله تعالى – الذى لا تدخله النيابة كالصلاة والصوم، وحبس من أقر بمجهول وامتنع من تعيينه، وحبس الممتنع من التصر ف الواجب الذى لا تدخله النيابة كحبس من أسلم على أختين حتى يختار إحداهما. (1)
والثانى: الحبس للاحتياط، ويقصد به تعويق الشخص ومنعه من التصر ف بنفسه بقصد الاستيثاق وضمان عدم الهرب لا بقصد المعاقبة، ويمكن تقسيم هذا النوع إلى ثلاثة أقسام:
1- الحبس للتهمة (2) وهو تعويق ذى الريبة عن التصرف بنفسه حتى يتبين أمره فيما ادعى عليه من حق الله- تعالى – أو لآدمى (3) ، ويقال له أيضا حبس الاستظهار (4) ، وهو مشروع فى رأى جمهور الفقهاء إذا تأكدت التهمة بقرينة قوية، أو ظهرت أمارت الريبة على المتهم أو عرف بالفجور، واعتبروه من السياسة العادلة. (5)
__________
(1) – يراجع / الفروق للقرافى 4/ 79، الأحكام السلطانية للماوردى ص 236.
(2) – التهمة: إخبار بحق لله- تعالى- أو لآدمى على مطلوب تعذرت إقامة الحجة الشرعية عليه .
(3) يراجع / الطرق الحكمية ص 93 وما بعدها.
(4) – يراجع / مغنى المحتاج 4/ 40.
(5) يراجع / حاشية ابن عابدين 4/ 76، حاشية الدسوقى 3/ 279، المغنى لابن قدامة 9/ 328، السياسة الشرعية لابن تيمية ص 111. (1/6)
صفحة 7
2- الحبس للاحتراز: وهو عبارة عن حبس من يتوقع حدوث ضرر بتركه، ولو لم توجد تهمة، ويقال له: الحبس اتقاء للشر، كحبس المجرم الذى لم تفد فيه الحدود، ومن يخشى الافتتان به، والعائن الذى يضر الناس بعينه احترازا من أذاه. (1)
3- الحبس لتنفيذ عقوبة: وذلك فى حالة ما إذا حال دون تنفيذ العقوبة المحكوم بها فى الحال أمر عارض وخيف هرب المحكوم عليه إن ترك حتى زوال هذا الأمر، وكحبس القاتل إذا كان فى الأولياء صغير حتى يبلغ، أو غائب حتى يحضر، وكذا حبس من اجتمعت عليه حدود ليس فيها الرجم بعد استيفاء كل واحد ليخف عليه ما بعده، وغير ذلك. (2)
المطلب الثالث
معنى الدّين ومصادره بإيجاز
الدّين فى اللغة: واحد الديون، وهو القرض وثمن المبيع، وهو من الفعل دان المشترك بين الإقراض والاستقراض، فيقال: دانه أقرضه فهو مدين ومديون، ويقال أيضا: دان أى: استقرض فهو دائن، أى: عليه دين. أما ادّان – بالتشديد – فمعناه: استقرض، وتداينوا: تبايعوا بالدين. (3) .
والدين شرعا هو – كما قال ابن عابدين الحنفى -: ما وجب فى الذمة بعقد أو استهلاك أو استقراض. (4)
وأوضح منه تعريف الكمال بن الهمام حيث قال: الدين اسم لمال وجب فى الذمة يكون بدلا عن مال أتلفه أو قرض اقترضه أو بيع عقد بيعه، أو منفعة من بضع امرأة، وهو المهر أو استئجار عين. (5)
والدين عند المالكية والشافعية والحنابلة: هو شغل الذمة بمال وجب بسبب من الأسباب. (6)
__________
(1) – يراجع / حاشية ابن عابدين 6/ 364، مغنى المحتاج 4/ 127، تبصرة الحكام لابن فرحون 2/ 281 ".
(2) – يراجع / المبسوط 24/ 32، الفروق 4/ 79، مغنى المحتاج 4/ 40، المغنى 7/ 739.
(3) – يراحع لسان العرب 2/ 1043، مختار الصحاح ص 138.
(4) – يراجع / حاشية ابن عابدين 5/ 157.
(5) – يراجع / شرح فتح القدير 5/ 431.
(6) – يراجع / منح الجليل 1/ 362، نهاية المحتاج 3/ 131، وشرح منتهى الإرادات لابن النجار الفتوحى 1/ 368. (1/7)
صفحة 8
وهذا التعريف على الرغم من إيجازه، إلا أنه قد اشتمل على كل عناصر الدين، فالدين ما كان ثابتا فى الذمة من الأموال القابلة للثبوت فيها، وهذا العنصر هو ما يميزه عن العين، وثبوته فى الذمة يتعدد بتعدد الأسباب الموجبة له، كالإتلاف والغصب والكفالة والقرض والبيع ونحوها.
وإجمال هذه الأسباب فى التعريف قد يميزه على غيره من بقية التعاريف الأخرى التى ذكرت أسبابا بعينها طبقا للاتجاه الفقهى السائد داخل مذهبه.
ومن ثمّ يمكن القول بأن هذا التعريف الأخير، قد استوجب كل التعاريف السابقة عليه بعبارة وجيزة.
ومما سبق يمكن القول بأن المدين شرعا: هو من ثبت عليه مال فى ذمته للغير ببينة أو إقرار منه.
وهذا المعنى قريب مما استقر عليه مفهوم المدين فى القانون، حيث عرفه بعضهم فقال: هو الشخص الذى وجب عليه الالتزام أو تأدية التعويض. (1)
وأما مصادر الدين: فيقصد بها الأسباب المثبتة له أو الموجبة له، وهذه الأسباب متنوعة، منها ما يلى:
1- الالتزام بالمال، سواء أكان فى عقد كالثمن فى البيع، والأجرة فى الإجارة، وبدل القرض فى عقد القرض، والمهر فى عقد النكاح، والكفالة بالمال، ونحو هذا، أم كان فى التزام فردى كنذر المال.
على أن جميع الديون التى تثبت فى عقود المعاوضة المالية، لا تستقر فى الذمة بعد لزومها إلا بقبض البدل المقابل لها، إذ به يحصل الأمن من فسخ العقد بسبب تعذر التسليم إلا دينا واحدا وهو دين السلم. (2)
2- العمل غير المشروع المقتضى لثبوت دين على الفاعل، كالقتل الموجب للدية، والجنايات الموجبة للأرش، وإتلاف مال الغير،وتلف المغصوب فى يد الغاصب ونحو هذا (3) .
__________
(1) – يراجع / المعجم القانونى رباعى اللغة للمستشار الدكتور / عبد الفتاح مراد ص 143.
(2) – يراجع / الأشباه والنظائر لابن نجيم ، ص 421، والأشباه والنظائر للسيوطى ص 326.
(3) – يراجع / الفروق 2/ 206. (1/8)
صفحة 9
3- إلزام الشارع، كحولان الحول على النصاب فى الزكاة، ونفقة الزوجة، والقرابة، والملك. (1)
المبحث الثانى
موقف الفقه الإسلامى من حبس المدين، ويحوى أربعة مطالب:
المطلب الأول: آراء الفقهاء فى حبس المدين، مقرونة بالأدلة والترجيح.
المطلب الثانى: شروط الحبس للدين.
المطلب الثالث: مدة حبس المدين، وأثر ذلك على الدين.
المطلب الرابع: أسباب سقوط حبس المدين.
المطلب الأول
آراء الفقهاء فى حبس المدين
تحرير محل الخلاف:
المدين أحد أشخاص ثلاثة: أما معسر، وإما موسر، وإما مجهول الحال، وقد اتفق الفقهاء على أن المدين المعسر فى دين الربا لا يحبس (2) ؛ لأن دائنه مأمور بالإنظار شرعا، لقوله تعالى: { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } (3) .
فقد نزلت هذه الآية فى دين الربا.
قال القرطبى:" لما حكم جل وعز لأرباب الربا برؤوس أموالهم عند الواجدين للمال، حكم فى ذى العسرة بالنظرة إلى حال الميسرة، وذلك أن ثقيفا لما طلبوا أموالهم التى كانت على بنى المغيرة، شكا بنو المغيرة العسرة وقالوا: ليس لنا شىء، وطلبوا الأجل إلى وقت ثمارهم، فنزلت الآية:" وإن كان ذو عسرة " (4) .
ثم اختلفوا فى حبس المدين المعسر فى غير دين الربا، وكذا المدين الموسر الممتنع عن الوفاء، والمدين مجهول الحال كما يلى:
أولا: حكم حبس المدين المعسر فى غير دين الربا.
__________
(1) – يراجع / الالتزمات فى الشرع الإسلامى للشيخ أحمد إبراهيم بك ص 33.
(2) – يراجع / شرح النيل وشفاء العليل للشيخ أطفيش 9/ 104، الإيضاح للشماخى 6/ 111، البدائع 7/ 173، الاختيار لتعليل المختار للموصلى 2/ 90، حاشية الدسوقى ص 279، مواهب الجليل 5/ 49، مغنى المحتاج 2/ 513، تحفة المحتاج 5/ 142،المغنى 4/ 499، الإنصاف للمرادى 5/ 250، أحكام القرآن للقرطبى 3/ 371، أحكام القرآن لابن العربى 1/ 325، تفسير الرازى 3/ 662 .
(3) – سورة البقرة الآية 280
(4) – يراجع / أحكام القرآن للقرطبى 3/ 371 . (1/9)
صفحة 10
الفقهاء فى هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن النظرة إلى الميسرة عند إعسار المدين عامة فى كل الديون وليست خاصة بدين الربا، وعليه لا يجوز حبس المدين المعسر مطلقا، أى: سواء أكان معسرا فى دين الربا، أم فى غيره من الديون، وهو قول جمهور الفقهاء. (1)
واحتجوا بما يلى:
1- قول الله تعالى:{ وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } (2) فهذه الآية نزلت فى دين الربا، لكن هذا لا يقصرها عليه، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومن ثمّ فهى عامة فى جميع الناس، وفى كل الديون، فكل من أعسر أنظر إلى الميسرة، ولا يجوز حبسه، إذ القول بحبسه لا يستقيم مع الإنظار المأمور به فى الآية، ومن ثم لا يسوغ. (3)
2- روى الشيخان عن أبى هريرة – رضى الله عنه – أن النبى – صلى الله عليه وسلم – قال:" مطل الغنى ظلم " (4) .
وروى أبو داوود والنسائى وغيرهما من حديث عمر بن الشريد عن أبيه أن النبى – صلى الله عليه وسلم – قال:" لىّ الواجد يحل عرضه وعقوبته " (5) .
ووجه الدلالة: أن الحديثين يدلان بمفهومهما أن مطل غير الغنى ليس ظلما، وأنه لا تجوز مؤاخذته بالعقوبة، لأن تعليق الحكم بصفة من صفات الذات يدل على نفس الحكم عن الذات عند انتفاء تلك الصفة. (6)
__________
(1) – يراجع / المراجع السابقة نفس المواضع.
(2) – سورة البقرة الآية 280.
(3) يراجع / أحكام القرآن للجصاص 2/ 194، أحكام القرآن للقرطبى 3/ 372، وأحكام القرآن لابن العربى 1/ 325 ).
(4) يراجع / صحيح البخارى 2/ 238، صحيح مسلم 3/ 1197.
(5) – يراجع / سنن أبى داوود 3/ 313، والنسائى 7/ 316 .
(6) – يراجع فتح البارى 10/ 33. (1/10)
صفحة 11
3- وعن أبى سعيد الخدرى – رضى الله عنه – أن رجلا أصيب على عهد النبى " صلى الله عليه وسلم " فى ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال رسول الله " صلى الله عليه وسلم ": " تصدقوا عليه " فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء بدينه، فقال رسول الله " صلى الله عليه وسلم ":" خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك " (1) .
ووجه الدلالة: أن هذا الرجل أعسر قى غير دين الربا – كما هو واضح من سياق الرواية – وقد قطع النبى " صلى الله عليه وسلم " الطريق على الدائنين تجاه هذا الرجل بقوله:" وليس لكم إلا ذلك " فهو ظاهر الدلالة على عدم جواز حبس المدين المعسر مطلقا.
4- أن حبس المدين لم يشرع لذاته، بل توصلا إلى قضاء دينه، وقضاء المعسر متعذر، ومن ثمّ لا فائدة من حبسه، بل الفائدة فى تركه يسعى فى دينه. (2)
القول الثانى: أن النظرة إلى الميسرة عند الإعسار خاصة بدين الربا، وهو قول ابن عباس وشريح والنخعى. (3)
وعليه: فإن المدين المعسر فى غير دين الربا يجوز حبسه إذا لم يؤد ما عليه.
ومما يروى فى هذا أن شريحا أمر بحبس من عليه الدين، فقيل له: إنه معسر، فقال شريح: إنما ذلك فى الربا، والله قال فى كتابه:{ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } (4)
وقد احتج أصحاب هذا القول على مدعاهم بأن الله تعالى قال:{وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم } يعنى:من غير بخس ولا نقصان، ثم قال:{ وإن كان ذو عسرة } أى: إن كان من عليه المال الذى وقع فيه الربا معسرا وجب إنظاره إلى وقت الميسرة، فالآية خاصة بهذا فقط. (5)
__________
(1) – يراجع / سنن النسائى 7/ 265، مسند الإمام أحمد 10/ 117 .
(2) يراجع / المغنى 4/ 499.
(3) – يراجع / أحكام القرآن للقرطبى 3/ 372، تفسير الفخر الرازى 3/ 666.
(4) – يراجع / تفسير الفخر الرازى 3/ 666.
(5) – يراجع / السابق 3/ 667 (1/11)
صفحة 12
وقد يرد عليه: بأن الآية لو كانت خاصة بدين الربا لكانت بالنصب فيقال:" وإن كان ذا عسرة، أى: إن كان الذى عليه الربا ذا عسرة، والآية إنما هى بالرفع، فكان معناها – والله أعلم -: وإن وقع ذو عسرة من الناس فنظرة إلى ميسرة، فكانت فى جميع الناس وفى كل الديون. (1)
الرأى المختار:
والذى نميل إليه هو الرأى الأول القائل بعدم جواز حبس المدين المعسر ولو كان إعساره فى غير دين الربا، وذلك لقوة أدلته وسلامتها من المناقشة، والله أعلم.
ثانيا: حبس المدين الموسر الممتنع عن الوفاء
المدين الموسر الممتنع عن الوفاء، لا يخلو حاله من حالتين: إما أن يكون له مال ظاهر، وإمّا لا، بأن يكون قد تعمد إخفاءه.
ولكل من هاتين الحالتين تفصيل للفقهاء كما يلى:
الحالة الأولى: وجود مال ظاهر للمدين الممتنع عن الوفاء.
إذا كان لهذا المدين مال ظاهر، فهل يبيع القاضى عليه هذا المال ويقضى به الدين الذى عليه أم يحبسه ليجبره على السداد ؟
الفقهاء فى هذه الحالة على اتجاهين:
الاتجاه الأول: يرى أصحابه أنه لا يجوز حبس هذا المدين إن امتنع عن أداء دينه، بل على القاضى أن يبيع ماله الذى ليس من جنس دينه جبرا عليه، ويؤدى دين الدائنين عنه، أما المال الذى من جنس الدين، فيوفى القاضى منه الغرماء، دون حاجة إلى البيع، ومثاله: أن يكون الدين قمحا معلوما من نوع خاص، والمال الموجود قمح من نفس النوع.
وهذا الاتجاه يمثله جمهور الفقهاء من الإباضية، والصاحبين من الحنفية ( محمد بن الحسن وأبى يوسف ) والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية. (2)
__________
(1) – يراجع / أحكام القرآن للقرطبى 3/ 372.
(2) – يراجع / الجامع لابن بركة 2/ 266، البحر الرائق 8/ 94، والتاج والإكليل 5/ 42، ومغنى المحتاج 2/ 209، المغنى 4/ 485، والمحلى 8/ 168 . (1/12)
صفحة 13
وقد احتجوا على عدم جواز حبسه: بأن حبسه دون بيع ماله ظلم له وللدائنين. أما كون الحبس ظلما له: فلأن الوفاء ممكن ببيع ماله جبرا عنه وقسمته بين غرمائه، والعدول عن ذلك إلى حبسه ظلم له.
أما كون حبسه ظلما للغرماء: فلتأخير حصولهم على حقهم بحبسه. (1)
واحتجوا على جواز بيع القاضى ماله جبرا عنه بما يلى:
أ- روى عن كعب بن مالك أن النبى " صلى اله عليه وسلم " حجر على معاذ بن جبل ماله وباعه فى دين كان عليه (2) .
وفى رواية عبد الرحمن بن كعب قال: كان معاذ بن جبل شابا سخيا، وكان لا يمسك شيئا، فلم يزل يدان حتى أغرق ماله كله فى الدين، فأتى النبى " صلى الله عليه وسلم " فكلمه ليكلم غرماءه، فلو تركوا لأحد لتركوا لمعاذ لأجل رسول الله " صلى الله عليه وسلم " فباع لهم رسول الله " صلى الله عليه وسلم " لهم ماله، حتى قام معاذ بغير شىء. (3)
فهاتان الروايتان صريحتان فى أن النبى " صلى الله عليه وسلم " باشر بنفسه بيع مال معاذ بن جبل " رضى الله عنه " لأجل غرمائه ولم يحبسه، فكانت دليلا على المدعى، وهو جواز بيع القاضى مال المدين فى الدين الذى عليه دون حبسه.
(ب) أن بيع المدين ماله لقضاء دينه من ثمنه الواجب عليه، والأصل: أن من امتنع عن إيفاء حق واجب عليه، و كان مما تجرى فيه النيابة، ناب القاضى فيه – كالعنين إذا امتنع عن مفارقة زوجته ناب القاضى منابه فى التفريق بينهما – ولما كان قضاء الدين مما تجرى فيه النيابة، فإن القاضى ينوب مناب المدين فى بيع ماله جبرا عليه ليقضى الدين من ثمنه. (4)
__________
(1) – يراجع / حاشية الصاوى على الشرح الصغير 4/ 482، والمحلى 8/ 169، أثر السفه والفلس فى الفقه الإسلامى دراسة مقارنة د/ المغاورى الفقى ص 323.
(2) – يراجع / سنن البيهقى 6/ 48.
(3) – يراجع / السابق 6/ 49.
(4) – يراجع / أثر السفه والفلس فى الفقه الإسلامى د/ المغاورى الفقى ص 289. (1/13)
صفحة 14
الاتجاه الثانى: إذا امتنع المدين الموسر من قضاء دينه فإن القاضى لا يبيع عليه ماله، بل يحبسه ليبيع هو بنفسه، مع مراعاة أنه إن كان ماله من جنس الدين – كأن يكون دينه دراهم وفى المال دراهم – فللقاضى أن يقضى دينه جبرا عنه، لأن للدائن حق الأخذ من غير رضا المدين، فللقاضى أن يعينه، كذلك إن كان دينه أحد النقدين، وفى المال النقد الآخر – كأن يكون الدين دراهم والمال دنانير – فللقاضى أن يقضى دينه به بغير رضاه استحسانا، لأن الدراهم والدنانير جنسان صورة وجنس واحد فى المعنى بدليل أنه يكمل نصاب أحدهما بالآخر فى الزكاة، أما العروضى فليس بينها وبين النقود مجانسة فلم يملك القاضى بيعها على المدين، لأنها إذا بيعت فإنها تباع ببخس على المدين في هذا الوقت بالذات، وفى ذلك ضرر على المدين.
وهذا الاتجاه يمثله الإمام أبو حنيفة: (1)
وقد احتج أبو حنيفة على الشق الأول من رأيه وهو( عدم جواز بيع مال المدين جبرا عنه ) بما يلى:
(أ) – قول الله تعالى:{ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } (2)
وبيع القاضي مال المدين جبرا عنه تجارة لا عن تراض، فكان باطلا. (3)
ونوقش:بأن الآية عامة فى المدين وغيره، وحديث معاذ السابق خاص بالمدين، فكان مخصصا لعمومها. (4)
(ب) روى أنس بن مالك " رضى الله عنه " أن النبى " صلى الله عليه وسلم " قال:" لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب نفسه " (5)
ونفس المؤمن لا تطيب ببيع القاضى ماله عليه، ومن ثمّ لا ينبغى للقاضى أن يفعله. (6)
__________
(1) – يراجع / شرح العناية على الهداية 9/ 272، والمبسوط 24 / 164، البدائع 7/ 174 .
(2) – سورة النساء الآية 29
(3) – يراجع / البدائع 7/ 169، المبسوط 24/ 164.
(4) – يراجع / نيل الأوطار 5/ 245.
(5) – يراجع / سنن الدار قطنى 3/ 26.
(6) – يراجع / المبسوط 24 / 164. (1/14)
صفحة 15
ونوقش: بأن هذا الحديث مخصوص بحديث معاذ السابق الدال على جواز بيع الحاكم مال المدين وإيفاء الغرماء حقوقهم. (1)
(ج) إن بيع مال المدين بمعرفة القاضى لإيفاء الغرماء غير متعين، لأن المستحق على المدين هو قضاء الدين، وقد يمكنه قضاؤه بالاستقراض أو الاستيهاب ونحوه، وإذا كان كذلك فليس للقاضى تعيين هذه الجهة عليه بمباشرة بيع ماله. (2)
ونوقش: بأن تأخير أداء الدين بعد حلول أجله لا حتمال أن يقضى من طريق آخر كالاستقراض ونحوه غير مستساغ، لأنه قد لا يجد من يقرضه، أو يهبه فيتضرر الغرماء بالتأخير، فتعين بيع ماله دفعا للضرر.
أيضا: إن وفاء الدين عند حلول أجله واجب على الفور وذلك حرصا من الشارع على استقرار المعاملات بين الناس، فمن يمتنع عن أداء الدين بعد وجوبه عليه يكون ممتنعا مما أوجبه الشرع عليه، فينوب عنه القاضى، وذلك ببيع ماله عليه. (3)
واحتج أبو حنيفة على الشق الثانى من رأيه ( وهو جواز حبس المدين إن امتنع من وفاء دينه حملا له على الوفاء ) بما يلى:
(أ) حديث عمرو بن الشريد عن أبيه أن النبى " صلى الله عليه وسلم " قال: لىّ الواجد يحل عرضه وعقوبته " (4)
والمقصود ب اللىّ: المماطلة، والواجد: من الوجد- بالضم – بمعنى القدرة، وحل العرض: إغلاظ القول له والشكاية عليه.
والعقوبة: الحبس والضرب ونحوهما من كل ما من شأنه أن يؤدى به إلى الأداء. فكان الحديث دليلا على المدعى، وهو جواز حبس من عليه دين بعد حلول أجله حتى يؤديه متى كان قادرا على الأداء حملا له عليه (5) .
(
__________
(1) – يراجع / نيل الأوطار 5/ 245.
(2) – يراجع / المبسوط 24/ 164، 165.
(3) – يراجع / أثر السفه والفلس فى الفقه الإسلامى ص 291.
(4) – يراجع / سنن أبى داوود 3/ 313، وسنن البيهقى 6/ 51.
(5) – يراجع / فتح البارى 5/ 62، سبل السبلام 3/ 55 . (1/15)
صفحة 16
ب ) أن قضاء الدين بعد حلول أجله واجب على المدين، متى كان قادرا، فكانت المماطلة ظلما، فيحبسه القاضى دفعا لظلمه، وإيصالا للحق إلى مستحقه. (1) .
الرأى المختار:
والذى نراه أن عدم الاشتغال بحبس المدين الذى له مال ظاهر أولى بالاعتبار، لأن حبسه قد لا يحقق مصلحة الدائنين، إذ قد يصبر على الحبس أبدا فيتضرر الدائنون بضياع أموالهم، وعلى القاضى أن يبيع ماله، ويؤدى دينه، فإن بقى عليه شىء من دينه، جاز للقاضى أن يحبسه حتى يثبت عسره للأدلة السابقة، ولما فى ذلك من الحيطة لمصلحة الغرماء، إذ قد يخفى بعض أمواله. (2)
ولأن إزالة المنكر تكون بما يندفع به، ونحن أمام وسيلتين،إحداهما: حبس هذا المدين، والأخرى: بيع ماله عليه، ولا شك أن بيع ماله عليه أخف ضررا من حبسه، وارتكاب أخف الضررين واجب، لذا تعين هنا بيع ماله دون حبسه. (3)
الحالة الثانية: عدم وجود مال ظاهر للمدين الملىء
إذا كان المدين مليئا قادرا على أداء الدين، لكنه تعمد إخفاء أمواله بأى صورة من صور الإخفاء للحيلولة دون تمسك الدائنين بها لاستيفاء حقوقهم، فقد اتفق الفقهاء على حبس هذا المدين حتى يُظهر ماله أو يثبت ألا مال له على نحو جاد غير صورى. (4)
ويمكن الاستدلال على هذا بما يلى:
( أ ) قول الله تعالى:{ ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما } (5)
__________
(1) – يراجع / تبين الحقائق 5/ 199.
(2) – يراجع / أثر السفه والفلس فى الفقه الإسلامى ص 324.
(3) – يراجع / حبس المدين فى الفقه الإسلامى - دراسة مقارنة د/ شوقى علام ص 413.
(4) – يراجع / البدائع 7/ 173، تبصرة الحكام فى أصول الأقضية ومناهج الأحكام لابن فرحون 2/ 321، حاشية قليوبى وعميرة 2/ 364، المغنى لابن قدامة 4/ 499، المحلى 8/ 172 .
(5) – سورة آل عمران الآية 75. (1/16)
صفحة 17
فقوله:" إلا ما دمت عليه قائما " يفيد جواز ملازمته ومنعه من التصرف والإلحاح عليه، وشدة المطالبه له بكل ما أمكن، وإذا جازت ملازمته ومنعه من التصرف ، جاز حبسه حتى يظهر ماله ويؤدى ما عليه. (1)
( ب ) روى عن أبى هريرة -رضى الله عنه- أن النبى -صلى الله عليه وسلم- قال: "مطل الغنى ظلم". (2)
فهذا الحديث يفيد أن المماطلة فى الوفاء بالدين مع القدرة عليه ظلم، ولا شك أن من تعمد إخفاء ماله حتى لا يستطيع دائنه اقتضاء دينه منه هو ظالم له، والقاضى منوط به رفع المظالم عن الناس بكل وسيلة ممكنة، ومنها: الحبس، بل إن الحقوق فى هذه الأزمنة لا تخلص غالبا إلا به، فكان مشروعا. (3)
( ج ) وروى أحمد فى مسنده عن عمرو بن الشريد عن أبيه أن النبى " صلى الله عليه وسلم " قال: "ليّ الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته" (4) .
وفي رواية أبى داوود والنسائي وابن ماجة عن عمرو بن الشريد:" ليّ الواجد يحل عرضه وعقوبته" (5) .
والحديث فى معنى الحديث السابق، وهو يدل صراحة على جواز معاقبة الواجد المماطل فى أداء الدين (6) ، ومن العقوبة الحبس حتى يظهر ماله ويوفى ما عليه اختيارا أو اضطرارا – بأن يبيع القاضى عليه ماله جبرا كما هو مذهب الجمهور، أو يبيع هو بنفسه كما هو مذهب أبى حنيفة – أو يثبت على نحو غير صورى ألا مال له، فحينئذ يخلى القاضى سبيله لثبوت عسره، فقد قلنا آنفا: إن المعسر لا يحبس.
ثالثا: حبس المدين مجهول الحال
__________
(1) – يراجع / أحكام القرآن للقرطبى 4/ 117 .
(2) – يراجع / صحيح البخارى 2/ 238، وصحيح مسلم 2/ 1197 .
(3) – يراجع / روضة الطالبين للنووى 4/ 137، الإنصاف 5/ 275، السياسة الشرعية لابن تيمية ص 43 .
(4) – يراجع / مسند الإمام أحمد 14 / 14.
(5) يراجع / سنن أبى داوود 3/ 313، سنن النسائى 7/ 316، سنن ابن ماجة 2/ 811.
(6) – يراجع / سبل السلام 3/ 55، المحلى 8/ 173 . (1/17)
صفحة 18
إذا كان المدين مجهول الحال، أى: لم تشهد له بينة بالعدم، ولا عليه باليسار، فهل يجوز حبسه حتى ينكشف حاله، وينجلى أمره، وساعتها يمكن إلحاقه فى الحكم بالمدين الموسر القادر على الوفاء، أو المعسر الذى يجب إنظاره إلى الميسرة ؟.
الفقهاء على هذا الصدد على ثلاثة آراء:
1- الجمهور على أنه يحبس اختبارا لحاله، وإثباتا ليسره أو عسره، فإن علم أنه غنى استمر حبسه إلى أن يقضى ما عليه؛ لأنه ظهر ظلمه، وإن علم أنه فقير خلى سبيله، لأنه ظهر أنه لا يستوجب الحبس. (1)
2- وذهب ابن القيم إلى عدم جواز حبسه، لأن الحبس عقوبة، وهى لا تسوغ إلا بعد تحقق سببها، وسببها هنا – وهو المماطلة مع القدرة على الوفاء – لم يتحقق، ومن ثمّ فلا يحل حبسه. (2)
3- وفرق ابن المنذر بين أن يكون الدين نتيجة معاملة مالية، وبين أن يكون نتيجة ضمانات وكفالات.
فإن كان الدين نتيجة معاملة مالية ثم لم تشهد للمدين بينة بالعدم، ولا عليه باليسار، ولم تعلم جائحة أصابته فذهبت بماله، فحبس هذا يجب حتى يتبين أمره، لأن العلم قد أحاط بأخذه المال، ولم يعلم زواله وخروجه عن يده فيعذر به.
وإن كان الدين من جهة الضمانات والكفالات، ولم يعلم له أصل مال معه، فهذا لا يجوز حبسه، لأن الحبس عقوبة، ولا يعاقب إلا بذنب يستحق أن يعاقب به، وهذا لا يعلم له ذنب يستحق به العقوبة. (3)
الرأى المختار:
__________
(1) – يراجع / البدائع 7/ 173، تبصرة الحكام 2/ 326، مغنى المحتاج 2/ 211، المغنى 4/ 499 .
(2) – يراجع / الطرق الحكمية ص 72.
(3) – يراجع / الإشراف على مذاهب أهل العلم لابن المنذر 2/ 68. (1/18)
صفحة 19
ونميل إلى رأى الجمهور القائل بجواز حبس المدين مجهول الحال سواء أكان دينه عن عوض أو عن غير عوض، وسواء لزمه الدين باختياره، أم بغير اختياره، لأن هذا الحبس ليس القصد منه العقوبة على ذنب ارتكبه هذا المدين، بل هو حبس لاختبار حاله ينتهى بتحقيق ذلك، وهو إجراء تحفظى مؤقت بوضوح الأمر للقضاء من أن المدين موسر أو معسر.
وهذا الإجراء ملحوظ فى التشريع الإسلامى، طالما كان الغرض منه الحفاظ على الحقوق وعدم ضياعها، ومنه نفى سيدنا عمر بن الخطاب " رضى الله عنه " نصر بن الحجاج إلى البصرة، مع أنه لم يرتكب ذنبا، غاية الأمر أنه رأى فى بقائه فى محله احتمال وقوع الجريمة بافتتان النساء به، فالنفى هنا كان من التدابير الواقية للمجتمع من الجريمة.
وفى زماننا هذا شاع مطل المدينين وعنتهم فى تنفيذ التزاماتهم، وكثر تحايلهم على إخفاء أموالهم، حتى لا يستطيع الدائنون التنفيذ عليها، فلا بد – إذن – من وسائل تحد من هذا وتقلله، وحبس المدين مجهول الحال هو وسيلة هادفة إلى إظهار حال المدين على نحو سريع وفعال، إذ لو علم المدين أنه سيحبس، فإنه يسرع إلى تقديم الإثبات الذى يثبت عسره، أو يظهر ماله تفاديا لحبسه. (1) والله أعلم.
المطلب الثانى
شروط الحبس للدين
لما كان أمر الحبس عظيما – إذ هو تفييد وقمع لحرية الإنسان الذى كرمه الله تعالى – فإن الفقهاء الذين قالوا بجواز حبس المدين قد اشترطوا شروطا من شأنها أن تعمل فى مجملها على تضييق دائرة الحبس للدين ، بحيث لا يحبس من المدينيين إلا المعاندين المكابرين الذين لا يريدون دفع الحق الذى وجب عليهم مع قدرتهم عليه ، وهذه الشروط هى :
الشرط الأول :
__________
(1) – يراجع / حبس المدين فى الفقه الإسلامى – دراسة مقارنة د/ شوقى علام ص 419 . (1/19)
صفحة 20
طلب الدائن أو من ينوب عنه من القاضى حبس المدين ، فليس للقاضى حبس المدين من تلقاء نفسه ، إذا علم بحلول أجل الدين ، ثم لم يوف المدين ما عليه ، بل لا بد من طلب أو دعوى من الدائن ، أو من يونب عنه بذلك ، وذلك لأن الدين حقه ، والحبس وسيلة إلى حقه ، ووسيلة حق الإنسان حقه ، وحق المرء إنما يطلب بطلبه ، فلابد – إذن – من الطلب – للحبس . (1)
الشرط الثانى :
حلول أجل الدين ، فلا يحبس المدين فى الدين المؤجل ، لأن الحبس لدفع الظلم المتحقق بتأخير قضاء الدين ، وهذا المعنى غير موجود فى الدين المؤجل ، فصاحب الحق هو الذى أخر حقه بالتأجيل . (2)
الشرط الثالث :
قدرة المدين على الوفاء بالدين ، (3) فإن كان معسرا لا يجوز حبسه لقوله تعالى :( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ) . (4) ولأن الحبس لم يشرع لذاته بل لدفع الظلم ، وللتوصل إلى قضاء الدين ، وقضاؤه من المعسر متعذر ، فكان حبسه بلا فائدة ، بل هو ضرب من العبث (5) ، وقد بينا ذلك تفصيلا عند حديثنا عن حكم حبس المعسر فراجعه إن شئت .
الشرط الرابع :
__________
(1) - - يراجع / البدائع 7/ 173 ، مغنى المحتاج 2/ 206 ، كشاف القناع 3/ 417 .
(2) - - يراجع / شرح النيل 9/ 10 ، البدائع 7/ 173 .
(3) – يخرج من هذا الشرط المدين الذى يأمر القاضى بحبسه استظهارا لحاله ، وهو المدين المجهول الحال ، لأنا لا نعلم سلفا مدى قدرته ، وحبسه إنما كان للكشف عن حاله ، فإن اتضح غناه انقلب حبسه من الاستظهار إلى الحمل على الوفاء بالدين .
(4) - - سورة البقرة الآية 280 .
(5) – يراجع / البدائع 7/ 173 ، المغنى 4/ 499 . (1/20)
صفحة 21
المماطلة فى الوفاء بالدين ، وتتحقق المماطلة بامتناع المدين عن الوفاء عند المطالبة بعد حلول الأجل ، ثلاث مرات فأكثر على الأرجح ، وهذه المماطلة ظلم ، لقول الرسول " صلى الله عليه وسلم " :" مطل الغنى ظلم " ، والظلم يستوجب العقوبة وهى الحبس . (1)
الشرط الخامس :
أن يكون المدين مكلفا ، فلا تجوز معاقبة الصغير والمجنون بالحبس بسبب الدين ، لأنهما ليسا من أهل العقوبة ، لعدم تكليفهما (2) ،لكن يجوز للقاضى حبس الصغير تأديبا ، حتى لا يعتاد المماطلة ، أو إتلاف أموال الناس ، أو غير هذا من الأخلاق الذميمة ، وهذا الحبس لا يوصف بأنه عقوبة ، بل هو تأديب بقصد الإصلاح . (3)
الشرط السادس :
ألا يتعلق بالمدين حق يتضرر مستحقه بحبسه . وبهذا قال الشافعية (4) ، فمثلا لو كان أجيرا عند شخص ، وثبت عليه دين ، وقد تعذر عمله فى الحبس ، فإنه لا يحبس عندهم ، لأن عمله مقصود بالاستحقاق فى نفسه ، أما حبسه فليس مقصودا فى نفسه ، بل يتوصل به إلى غيره ، وإذا خاف القاضى هروب المدين ، فله الاستيثاق منه بما يراه كالإتيان بكفيل أو نحوه . (5)
وهذا خلافا لما عليه الحنفية والمالكية والحنابلة ، حيث يرون حبسه حتى ولو تضرر المستأجر بحبسه . (6)
الشرط السابع :
__________
(1) – يراجع / البدائع 7/ 173 .
(2) –يراجع / البدائع 7 / 173 ، حاشية الدسوقى 3/ 282 ، نهاية المحتاج 4/ 334 .
(3) –يراجع / حاشية ابن عابدين 5/ 426 .
(4) - - يراجع / مغنى المحتاج 2/ 156 .
(5) – يراجع / السابق نفس المواضع .
(6) – يراجع / حاشية ابن عابدين 5/ 620 ، شرح الخراشى 5/ 376 ، كشاف القناع 3/ 419 . (1/21)
صفحة 22
ألا يكون المدين أصلا للدائن ، فلا يجوز حبس الوالدين فى دين ولدهما ؛ لأن حبسهما يتنافى مع الأمر بالإحسان إليهما المشار إليه فى قوله تعالى :( وقضى ربك إلا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) (1) وكما أنه ليس من المصاحبة بالمعروف المنصوص عليها فى قوله تعالى :" وصاحبهما فى الدنيا معروفا " (2) ، ولأن التأفيف لهما محرم بقوله تعالى :( فلا تقل لهما أف (3) وإذا كان كذلك فمن باب أولى حرمة حبسهما .
غير أن القاضى يأمرهما بالقضاء ويحثهما عليه ويجتهد فى إلزامهما به ، لئلا يظلمه لهما . (4)
ويراعى أن بقية الأصول من الأجداد والجدات سواء فى عدم جواز حبسهم فى دين الولد ، لأن المعنى القائم فى الأبوين قائم فيهم ، فقد سماهم الله – تعالى – آباء فى قوله حكاية عن يوسف عليه السلام :" واتبعت ملة آبائى إبراهيم وإسحاق ويعقوب " (5) ، وقد كان إسحاق جده وإبراهيم جد أبيه .
وهذا ما عليه الحنفية والشافعية (6) ، خلافا للمالكية الذين يرون أن من عدا الأبوين من الأصول يحبسون فى ديون أحفادهم ، لأن حظهم دون حظ الأبوين فى الجملة . (7)
وتجدر الإشارة هنا إلى أن ما سبق من عدم جواز حبس الأصول فى دين الفروع ، إنما هو فى غير دين النفقة ، أما دين النفقة فيحبسون به ، لأن ترك الإنفاق على الأولاد فيه قصد هلاكهم ، ولهذا كان حبسهم عقوبة على هذا القصد . (8)
الشرط الثامن :
__________
(1) – سورة الإسراء الآية 23 .
(2) – سورة لقمان الآية 15 .
(3) - ) - -سورة الإسراء الآية 23 .
(4) – يراجع / البدائع 7/ 173 ، شرح الخرشى 5/ 379 ، حاشيتا قليوبى وعميرة 2/ 364 .
(5) –سورة يوسف الآية 38
(6) – يراجع / البدائع 7/ 173 ، حاشيتا قليوبى وعميرة 2/ 364 .
(7) - ) – يراجع / حاشية الدسوقى على الشرح الكبير 3/ 281 .
(8) - ) – يراجع / البدائع 7/ 173 . (1/22)
صفحة 23
سلامة المدين فى بدنه ، فلو كان مريضا ولم يوجد من يمرضه ، لا يحل حبسه ، ويوكل به من يراقبه ، لأن مرضه مع فقد الممرض قد يؤدى إلى هلاكه ، وبه قال الشافعية فى المعتمد عندهم ، خلافا لما عليه جمهور الفقهاء ، حيث يرون أن مرض المدين لا يمنع من حبسه . (1)
المطلب الثالث
مدة الحبس وأثرها على الدين .
أولا : مدة حبس المدين :
اختلف الفقهاء فى مدة حبس المدين على ثلاثة أقوال :
الأول : روى عن أبى حنيفة : أن مدة حبس المدين شهران أو ثلاثة أشهر ، ورى عنه أيضا : أن مدة حبسه : من أربعة أشهر إلى ستة أشهر . (2) وقريب منه ما عليه الإباضية من أن المدين المماطل يحبس فى القليل نصف شهر ، وفى الوسط شهرين ، وفى الأكثر أربعة أشهر . (3)
والثانى : أن مدة الحبس غير مقدرة ، بل تستمر باستمرار الغرض منه ، فمثلا إذا كان المدين معلوم الملاء ، وقد حبس إظهارا للمال الذى أخفاه ، فإنه يستمر حبسه حتى يظهر ماله ، وهو قول الجمهور . (4)
والثالث : لا تقدير لمدة الحبس ، والمرجع فى ذلك إلى اجتهاد القاضى . ، وهو قول المالكية (5) .
__________
(1) - - يراجع / نهاية المحتاج 4/ 335 ، الأشباه والنظائر للسيوطى 491 ، حاشية ابن عابدين 5/ 378 ، الشرح الكبير بهامش حاشية الدسوقى 3/ 281 ، الإنصاف 5/ 277 .
(2) - ) –يراجع / شرح فتح القدير 7/ 282 ، الاختيار لتعليل المختار 2/ 90 .
(3) –يراجع / شرح النيل 13/ 620 .
(4) – يراجع / الفتاوى الهندية 3/ 415 ، مغنى المحتاج 2/ 214 ، المغنى 4/ 499 .
(5) – يراجع / حاشية الدسوقى على الشرح الكبير 3/ 280 ، الخرشى 5/ 379 . (1/23)
صفحة 24
(1) ونميل إلى هذا القول ، لأن المقصود من حبس المدين هو : التضييق عليه وإرغامه على الأداء ، وهذا يختلف باختلاف الناس قوة وضعفا ، واختلاف الدين من حيث القلة والكثرة ، لذا كان تفويض القاضى فى هذا وفقا لكل حالة من الحالات المعروضة عليه أولى وأجدر .
ثانيا : أثر الحبس على الدين .
لا خلاف بين أهل العلم فى أن حبس المدين مهما طالت مدته ، لا يعتبر بديلا عن الوفاء بالدين ، بل هو وسيلة للضغط عليه لإكراهه على الوفاء بدين دائنه فقط ، ومن ثم فإن ذمة المدين المحبوس
لا تبرأ من الدين ، ولا من أى جزء من أجزائه ، بل تبقى ذمته مشغولة به حتى الأداء أو الإبراء . (2)
المطلب الرابع
أسباب انقضاء حبس المدين
ينقضى حبس المدين بأحد الأسباب الآتية (3) :
1- أداء الدين : فإذا أدى المدين أو نائبه أو كفيله ، أو أى شخص آخر ، ولم تكن له مصلحة فى هذا الأداء ، ولو كان هذا الأداء دون علم المدين إلى الدائن أو نائبه الذى له ولاية قبض ديونه ، فإن ذمة المدين تبرأ بهذا الأداء ، ويسقط عنه الدين ، ومن ثم ينقضى حبسه ويخلى سبيله ؛ لأن حبسه إنما كان للضغط على إرادته ليقوم بالوفاء ، وقد تم هذا ، ومن ثم لا حاجة إلى حبسه .
__________
(1) –يراجع / حاشية الدسوقى على الشرح الكبير 3/ 280 ، الخرشى 5/ 379 .
(2) –يراجع / حبس المدين فى قانون الإجراء الأردنى – دراسة مقارنة بالقوانين الوضعية والشرعية الإسلامية ، للأستاذ / عبد الرازق أبو رمان ص 37 .
(3) - يراجع / البدائع 6/ 11 ، وما بعدها ، حاشية الدسوقى على الشرح الكبير 4/ 99، ، وحاشية قليوبى وعميرة 2/ 327 ، والأشباه والنظائر للسيوطى ص 152 ، كشاف القناع 4/ 364 ، والإبراء من الالتزام – دراسة مقارنة د/ عبد الرازق حسن فرج ص 10 . (1/24)
صفحة 25
2- الإبراء من الدين : يعنى إسقاط الدائن ما له من دين فى ذمة المدين ، فلو تم هذا انقضى التزام المدين ، لفراغ ذمته بالإبراء ، ومن ثم ينقضى حبسه ، لأن الحبس إنما كان لحق الدائن ، وقد أسقطه بإسقاط حقه .
3- ثبوت عسر المدين : فإذا ثبت عسر المدين وذلك فى المجهول الحال ، فإن حبسه ينقضى ويخلى سبيله ؛ لأن الحبس إما لقضاء الدين ، أو لثبوت الإعسار ، والقضاء متعذر ، والعسر قد ثبت ، فاستحق الإنظار لقوله تعالى : ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ) (1) .
4- وفاة المدين المحبوس : لعدم تصور استمرار الحبس بعد انعدام المحل .
5- حوالة الدين : يعنى نقل الدين والمطالبة به من ذمة المدين إلى ذمة أخرى ، وإليها أشار النبى " صلى الله عليه وسلم " فى قوله :" مطل الغنى ظلم ، وإذا أحيل أحدكم على ملىء فليحتل " (2) .
فإذا قبل المحال الحوالة ، ورضى المحال عليه بها برىء المحيل من الدين ومن المطالبة معا ، لانقضاء الدين بالحوالة ، وثبت للمحال حق مطالبة المحال عليه ، وإذا برىء المدين المحيل من الدين ، فلا وجه لحبسه .
المبحث الثالث
موقف بعض التشريعات العربية من حبس المدين
مراجع البحث
أولا : القرآن الكريم .
ثانيا : من كتب التفسير .
1- أحكام القرآن لابن العربى ، ط/ دار المعرفة – بيروت .
2- أحكام القرآن للجصاص ، ط/ دار إحياء التراث العربى – بيروت .
3- تفسير الطبرى ( أو جامع البيان ) ط/ مصطفى الحلبى – مصر .
4- الجامع لأحكام القرآن للقرطبى ، ط/ دار الكتاب العربى بالقاهرة .
5- مفاتيح الغيب للرازى ، ط/ دار الغد العربى – القاهرة .
ثانيا : من كتب الحديث النبوى .
6- سبل السلام للصنعانى ، ط/ دار إحياء التراث العربى – بيروت .
7- سنن أبى داوود ، ط/ دار الفكر – بيروت .
8- سنن البيهقى ، ط/ دار الكتب العلمية – بيروت .
__________
(1) -البقرة الآية 280 .
(2) - يراجع / سنن النسائى 7/ 317 ، صحيح ابن حبان 11/ 435 . (1/25)
صفحة 26
9- سنن الترمذى ، ط/ دار إحياء التراث العربى – بيروت .
10- سنن النسائى ، ط/ دار الجيل – بيروت .
11- صحيح البخارى ، ط/ المنيرية بالقاهرة .
12- صحيح مسلم ، ط/ دار الفكر – بيروت ، تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقى .
13- فتح البارى شرح صحيح البخارى لابن حجر العسقلانى ، نشر مكتبة القاهرة .
14- مسند الإمام أحمد ، ط/ دار الحديث بالقاهرة .
رابعا : من كتب اللغة .
15- لسن العرب لابن منظور ، ط/ دار الفكر – بيروت .
16- مختار الصحاح للرازى ، ط/ دار إحياء التراث العربى – بيروت .
17- المصباح المنير للفيومى ، ط/ مكتبة لبنان .
18- المعجم الوجيز الصادر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة .
خامسا : من كتب الفقه .
( أ ) من كتب الفقه الإباضى .
19- الإيضاح للشماخى ، ط/ وزارة التراث القومى والثقافة – سلطنة عمان .
20- الجامع لابن بركة ، ط/ وزارة التراث القومى والثقافة – سلطنة عمان .
21- شرح النيل وشفاء العليل للشيخ أطفيش ، ط/ مكتبة الإرشاد – جدة .
(ب) من كتب الفقه الحنفى .
22-الاختيار لتعليل المختار للموصلى ، ط/ دار المعرفة – بيروت .
23 – الأشباه والنظائر لابن نجيم ، ط/ دار الفكر – بيروت .
24 – البحر الرائق لابن نجيم ، ط/ دار الكتاب الإسلامى – بيروت .
25 – بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع للكاسانى ، ط/ دار الكتاب العربى – بيروت .
26- تبيين الحقائق للزيلعى ، ط/ دار المعرفة – بيروت .
27- حاشية ابن عابدين ( رد المحتار على الدر المختار ) ط/ مصطفى الحلبى – مصر .
28- شرح فتح القدير للكمال ابن الهمام ، ط/ دار إحياء التراث العربى – بيروت .
29- المبسوط للسرخسى ، ط/ دا رالكتب العلمية – بيروت .
(ج) من كتب الفقه المالكى .
30- التاج والإكليل شرح مختصر خليل للمواق بهامش مواهب الجليل ، ط/ دار الفكر – بيروت .
31 – تبصرة الحكام فى أصول الأقضية ومناهج الأحكام لابن فرحون ، ط/ دار الكتب العلمية – بيروت . (1/26)
صفحة 27
32 – حاشية الدسوقى على الشرح الكبير ، ط/ دار الفكر – بيروت .
33 – حاشية الصاوى على الشرح الصغير ، ط/ عيسى الحلبى – مصر .
34 – شرح الخرشى على مختصر خليل ، ط / دار صادر – بيروت .
35 – شرح منح الجليل على مختصر خليل للشيخ عليش ، نشر مكتبة النجاح – ليبيا .
36- الفروق للقرافى ، ط/ عالم الكتب – بيروت .
37- مواهب الجليل شرح مختصر خليل ، ط/ دار الفكر – بيروت .
(د) من كتب الفقه الشافعى :
38- الأحكام السلطانية للماوردى ، ط/ دار الكتب العلمية – بيروت .
39- الأشباه والنظائر للسيوطى ، ط/ دار الكتب العلمية – بيروت .
40- تحفة المحتاج لابن حجر الهيثمى ، ط/ دار صادر بيروت .
41- حاشيتا قليوبى وعميرة على شرح الجلال على المنهاج ، ط/ دار الفكر – بيروت .
42 – روضة الطالبين للنووى ، ط/ المكتب الإسلامى – دمشق .
43 – مغنى المحتاج للشربينى الخطيب ، ط/ دار الفكر – بيروت .
44 – نهاية المحتاج للرملى ، ط/ مصطفى الحلبى – مصر .
(هـ) من كتب الفقه الحنبلى .
45- الإنصاف لعلاء الدين المرادى ، ط/ دار الكتب العلمية – بيروت .
46- السياسة الشرعية لابن تيمية ، ط/ دار الكتاب العربى – مصر .
47- شرح منتهى الإرادات للفتوحى ، ط/ دار الفكر – بيروت .
48- الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية لابن قيم الجوزية ، ط/ دار المدنى بالقاهرة ، تحقيق د/ محمد غازى .
49- كشاف القناع للبهوتى ، ط/ عالم الكتب – بيروت .
50- المغنى لابن قدامة ، ط/ مكتبة الرياض الحديثة – الرياض .
(و ) من كتب الفقه الظاهرى .
51- المحلى لابن حزم ، ط / دار التراث – القاهرة .
سادسا : من الكتب الحديثة .
52- الإبراء من الالتزام – دراسة مقارنة – د/ عبد الرازق حسن فرج ، بدون طبعة .
53-أثر السفه والفلس فى الفقه الإسلامى – دراسة مقارنة د/ المغاورى الفقى ، ط/ التركى بطنطا 1977م- مصر .
54 – الإصدار الرابع من القضاء الجزائى العمانى 1988م ، المحكمة الجزائية بسلطنة عمان . (1/27)
صفحة 28
55- الالتزامات فى الشرع الإسلامى ، للشيخ أحمد إبراهيم بك ، ط/ دار الأنصار بالقاهرة .
56- حبس المدين دراسة مقارنة فى الفقه الإسلامى د/ شوقى علام – مجلة كلية الشريعة والقانون بطنطا – العدد الحادى عشر .
57- حبس المدين فى قانون الإجراء الأردنى – دراسة مقارنة بالقوانين الوضعية والشريعة الإسلامية للأستاذ / عبد الرازق أبو رمان ، ط/ دار وائل للنشر بعمان – الأردن .
58- حقوق الإنسان فى الدعوى الجنائية ، د/ مصطفى العوضى ، نشر مؤسسة نوفل 1989م .
59- الوسيط فى شرح القانون المدنى الجديد د/ عبد الرازق السنهورى ، ط/ دار إحياء التراث العربى – بيروت . (1/28)