صفحة 1
الكتاب: حق الجوار في الإسلام لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) حق الجوار في الإسلام
محاضرة
للشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله تعالى
شبكة الدرة الإسلامية
www.aldura.net
aldura@aldura.net
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى أحمده-تعالى-بما هو له أهل مِن الحمد وأثني عليه، وأستغفره مِن جميع الذنوب وأتوب إليه وأومِن به وأتوكل عليه، مَن يَهده الله فلا مضل له ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد ألاّ إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم تسليما عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فالسلام عليكم أيها الإخوة والأبناء ورحمة الله وبركاته .. أحييكم بهذه التحية الطيبة المبارَكة، وأشكر الله - سبحانه وتعالى - على أن أتاح لنا فرصة الاجتماع في هذا المسجد الشريف وفي هذا الصرح العلمي بعد انقطاعٍ دام فترة، ولا ريب أنني في هذا الاجتماع أَتَحامَل على نفسي قليلا، ذلك لأنّ آثار الوَعْكَة التي مرَّت بي أَوْهَتْ قُوَايَ وأَضعَفَتْنِي عن القيام بِكثير مِن الواجبات، ومِن بينها هذه الدروس، فلذلك ربما كان الدرسُ مُختصَرا بعضَ الشيء بِقدر ما يُتِيح الله - سبحانه وتعالى - لي مِن قُدرة وتوفيقٍ بِعونِه ومشيئتِه.
ودروسُنا هذه هي استمرارٌ لِلدروس المتعلِّقة بِجانب الوَضْعِ الاجتماعي في الإسلام الذي يَشُدُّ المسلِم إلى المسلِم ويَجعَل غيْر المسلِم-أيضا-يَجِد فيه الراحةَ والطمأنينة، وهذا مِمَّا يُضْفِي على الإسلامِ الصبْغةَ العالمية ويَجعلُه مُهيَّئا لِقيادةِ الإنسانية بِأسْرِها، فإنّ عطاءَ الإسلام عطاءٌ مِدرار.
وقد شَرَعَ الله - سبحانه وتعالى - مِن الحقوق في الإسلام ما هو غيْر معهودٍ في أيِّ نظامٍ آخَر ولا في أيِّ فلسفةٍ أخرى .. هذه الحقوقُ تَشُدُّ المسلِم إلى المسلِم وتَجعَل غيْر المسلِم-أيضًا-يَجِد في المَناخ الإسلامي الاستقرارَ النفسي وطمأنينةَ القلْب. (1/1)
صفحة 2
ومِن بيْن هذه الحقوق حقُّ الجِوار، وهو حقٌّ عظيم، نَبَّهَ الله - سبحانه وتعالى - عليه في كتابِه العزيز، إذ ذَكَرَه في معرِض الحقوقِ التي ذَكَرَها بعدَ الأمْر بِعبادتِه: { ... وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُب ... } [ سورة النساء، من الآية: 36 ] جاء ذلك إِثْر الأمْر بِعبادتِه - سبحانه وتعالى - والإحسان إلى الوالدين وإلى ذوي القربى (1) ، وفي هذا ما يَدلّ على أنّ الجِوار آصِرَةٌ تَشُدُّ الجارَ إلى الجار وتَجعَل بينهما مِن الحقوقِ ما يَكون ما بيْن الأقربين.
__________
(1) - { وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ... } [ سورة النساء، من الآية: 36 ]. (1/2)
صفحة 3
وقد جاءت السنّة النبوية-على صاحبها أفضل الصلاة والسلام-مُؤكِّدَة على هذا الحق ومُبيِّنَة أهميتَه في الإسلام .. كيف والرسول - صلى الله عليه وسلم - يَقول: ( مَن كان يُؤمِن بِالله واليوم الآخِر فلا يُؤْذِ جارَه )، وهذا كلام لا يُقال إلا في معرِض التأكيد، فإنّ ذِكْرَ الإيمان بالله واليوم الآخر في معرِض الأمر أو النهي يَدلّ على تأكيدِ الحكم فيما وَرَدَ مِن أجلِه مِن أمرٍ أو نهي، ذلك لأنّ مَن آمَن بالله واليوم الآخر كأنّما أَمسَك حبْلَ الإيمان مِن طرفيْه وأحاط بِه مِن قُطْرَيْه، فإنّ الإيمان بالله - سبحانه وتعالى - هو إيمانٌ بِمُبْدِئِ هذا الوجود الذي خَلَقَ فسَوّى وقَدَّرَ فهَدَى والذي له الخلْق والأمْر والحكْم والقهْر والذي أَنعَم على الإنسان بِصنوف النِّعَم، فلا ريب أنّ في ذلك ما يَحْفِزُ إلى امتِثال أوامِره، فعندما يُذكَر أمرٌ مِن أوامِره أو أمرٌ مِن أوامِر رسوله - صلى الله عليه وسلم - مقرونًا بِالإيمان بِه فإنما يَدلّ ذلك على أهمية ذلك الأمْر، ومثلُ ذلك عندما يَأتي نهيٌ عن شيءٍ مقرونًا بِذِكْرِ الإيمان بِالله، والإيمانُ بالله يَستلزِم الإيمانَ بِكلِّ ما أَخبَر به - سبحانه وتعالى - وبِكلِّ ما شَرَعَ، وأما الإيمان بِاليوم الآخر فإنه إيمان بِالمَعاد، ولا ريب أنّ الإنسان-بِطبيعة الحال-عندما يَكون مؤمِنًا بِالله-سبحانه-إيمانًا راسِخا في النفس يَستولِي هذا الإيمان على فِكرِه ويُوجِّه جوارحَه، فإيمانه بالله - سبحانه وتعالى - يَقتضِي طاعتَه - عز وجل - وعدمَ التفريطِ في أمرِه وفي نهيِه، ولكن هنالك العوارِض الكثيرة التي تَعرِض ... (1)
__________
(1) -انقطاع-للأسف-في الشريط ويبدو أنه غير مؤثر في المعنى.. (1/3)
صفحة 4
بِسبب اتصالِها بالحياة وملابساتِها، وهو مِمّا يُؤدِّي إلى أن يَسْتَكِين الإنسانُ كثيرا لِمَطالِبِ الحياة ولو كان ذلك على حساب مقتضياتِ إيمانه بِربِّه - سبحانه وتعالى - ، ولكن عندما يُؤمِن بِاليوم الآخِر إيمانًا راسِخا في النفس .. إيمانا مستحكِما في العقل ... (1) فإنّ إيمانَه ذلك يُغطِّي جوانبَ الضَّعف التي في نفسِه فيَستجِيب لِداعِي ربِّه - سبحانه وتعالى - ولا يَتردَّد في تَحامُلِه على نفسِه مِن أجْل أن يَكون مُوفِّيا بِأمْرِ ربِّه - سبحانه وتعالى - ، وذلك مِمَّا نَجِدُه كثيرا في الكتاب، ونَجِدُه في سنّة الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، فإنّ الحقَّ - سبحانه وتعالى - عندما يُؤكِّد أمْرا في كتابه كثيرا ما يَقرِنُه بِذِكْرِ الإيمان بِالله واليوم الآخِر، وكذلك عندما يُؤكِّد نهيا، فالله - سبحانه وتعالى - يقول: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 228 ] .. هذا الكلام جاء لأجْل تأكيد الحكم ..
__________
(1) -انقطاع-للأسف-في الشريط ويبدو أنه غير مؤثر في المعنى. (1/4)
صفحة 5
ذِكْرُ إيمانهن بِالله واليوم الآخِر لِئلا تكونَ هنالك مصلحة تقتضي-حسب نظرهم-إلى تَمديد مدّة العِدّة فوق ما هي عليه أو تقصيرها دون ما هي عليه، وكذلك نَجِد أنّ الله - سبحانه وتعالى - عندما يَنهى عن عَضْلِ النساء عن الزواج عندما يَتّفِقْن بِمطلِّقِيهِنَّ يَقْرِن هذا التّشديد بِذِكْرِ الإيمان بِالله واليوم الآخِر، ويقول - سبحانه وتعالى - : { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } [ سورة البقرة، الآية: 232 ]، وكذلك في حديثِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - نَجِد مِثلَ ذلك-أيضا-مِمّا يَتكرَّر كثيرا، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( مَن كان يُؤمِن بِالله واليوم الآخِر فليَقُل خيْرا أو فليَصمُت )، ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام: ( مَن كان يُؤمِن بِالله واليوم الآخِر فلا يُؤْذِ جاره ) كما في هذا الحديث، ويقول: ( مَن كان يُؤمِن بِالله واليوم الآخِر فليُكْرِم ضيْفَه جائِزَتَه ) .. هكذا في معرِض تأكيد الأوامر والنواهي يَأتي ذِكْرُ الإيمان بِالله واليوم الآخِر.
فإذن هذا الحديثُ الشريف يَدل على أهمية الجِوار ووجوب مراعاة حقِّ الجار.
وجاء في حديث أبي شُرَيْح الخزاعي-عند البخاري-أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( والله لا يُؤمِن، والله لا يُؤمِن، والله لا يُؤمِن ) قيل: " مَن ؟ يا رسول الله " قال: ( مَن لا يَأمَن جاره بَوائِقَه ) .. أي مَن كان جارُه لا يَأمَن غَوائِلَه فليس هو مِن الإيمان في شيء، ذلك لأنّ عملَه منافٍ لِلإيمان، فإنّ الإيمان يُترجَم ويُصدِّقُه الواقع. (1/5)
صفحة 6
وجاء في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما زال حبيبي جبريل - عليه السلام - يُوصِينِي بِالمَملوكِ حتى ظننتُ أنّ ابن آدم لا يُملَك، وما زال يُوصِينِي بِالجار حتى ظننتُ أنه لا يَخفى عليه شيء ) .. أَخرَجَ ذلك الإمام الربيع-رحمه الله-في مسنده مِن طريق ابن عباس رضي الله عنهما (1) .
وجاء في بعض الروايات: ( ما زال يُوصِينِي بِالجار حتى ظننتُ أنه سَيُوَرِّثُه )، وجاء ذلك مِن رواية عائشة-رضي الله تعالى عنها أيضا-في صحيح البخاري، وهو مِمّا يَدل على أهمية علاقةِ الجِوار بيْن الجيران، فإنّ العلاقة هي علاقة حميمة كعلاقة القريب بقريبه .. كعلاقة الوالد بولده أو الأخ بأخيه، ففي رواية الربيع: ( حتى ظننتُ أنه لا يَخفى عليه شيء ) .. أي كل ما عند الجار يَجِب أن يكون معروضا على جاره، بحيث يُبدِي له مساعدتَه كلَّها، ويُبَيِّن له ما يَملِكه كلَّه مِن أجْل ألاّ تكون بينهما كُلْفَة، بحيث يَستعِين بِجارِه على أيِّ شيءٍ يريده، وهذا مِمّا يَدلّ على أهمية الجوار ووجوب المحافظة على حقِّه.
__________
(1) -مسند الإمام الربيع بن حبيب، باب (49) الضيافة والجوار وما ملكت اليمين واليتيم:
حديث رقم 684: أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( أوصاني حبيبي جبريل - عليه السلام - برفق المملوك حتى ظننت أنّ ابن آدم لا يستخدم أبداً، وأوصاني بالجار حتى ظننت أن لا يخفى عليه شيء ). (1/6)
صفحة 7
ولا ريب أنّ في ذلك استجابة لِداعِي الفطْرة، فإنّ الجيران بِتلاصُق بعضِهم بِبعض هم أَحْوَج ما يكونون إلى التعاون وإلى التلاحم فيما بينهم، فلا ريب أنّ الإسلام يَرعى ناحيةَ الأسرة ولذلك أَوصى بِذوي القُربى، ولكن بِجانب ذلك كلِّه فإنّ القريب عندما يكون بعيدا عن قريبه ربما كان نفعُه له أَقل لأنه ليس بِمقدوره في كل مرّة يكون قريبُه-مثلا-في ضائِقَةٍ أن يَأتِيَ إليه وأن يُحسِن إليه وأن يَرعى أحوالَه لِبُعْدِ الشُّقَّةِ بينهما، ولكنّ الجار هو أكثرُ اطِّلاعا على أحوالِ جاره، فهو عندما يكون جارُه بِحاجة يَطَّلِع على هذه الحاجة فيَقضِيها له .. عندما يَكون جارُه بِحاجة إلى العَوْن يُعِينُه .. عندما يَكون بِحاجة إلى إِقْرَاضٍ يُقْرِضُه .. عندما يَكون مريضا يَعودُه .. عندما يَكون مُتَعَرِّضًا لِكُرْبَةٍ أو هَم يَكشِفُ كُرْبَتَه وهَمَّه، فإذن الجِوار تَلاحُمٌ ما بيْن الجيران.
ومِن المعلوم أنّ الجِوار تَتبايَن حقوقُه بِتبايُن أحوالِ الجيران مع أنّ لكلٍّ حقًّا .. لِكلِّ جارٍ حقّ مِن غيْر أن يَقِفَ أمْرٌ مِن الأمور حاجِزا دون تَوْفِيَة هذا الجارِ حقَّه .. كلُّ ما يُمكِن أن يُعانَ به الجار وأن يُقَدَّمَ إليه ذلك أمْرٌ مطلوبٌ شرْعا مهما كانتْ حالةُ الجار، فحقُّ الجِوار لا يَتوقَّف على الإيمان ولا يَتوقَّف على البِرِّ والإحسان ولا يَتوقَّف على القُرْبِ في النَّسب أو على قُرْبِ الدَّار، وإنما حقُّ الجيران يَجِب على أيِّ حال. (1/7)
صفحة 8
وقد جاء في حديثٍ أَخرَجه البَزَّارُ وأبو نُعَيْم بِإسنادٍ فيه ضَعْف مِن طريق جابر بن عبد الله-رضي الله تعالى عنه-أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " الجارُ ثلاثة: جارٌ له ثلاثة حقوق .. حقّ القرابة وحقّ الجوار وحقّ الإسلام، وجارٌ له حقّان .. حقّ الإسلام وحقّ الجوار، وجارٌ له حقّ وهو حقّ الجوار "، وهذا مِمّا يَدل على تَفاوُتِ الجيران في الحقوق مع اشتراكِهم جميعا في هذه الحقوق، فالحديثُ يَدلّ على أنّ لِكلٍّ حقًّا، فلو كان الجارُ كافِرا فإنّ كفرَه لا يُسقِط حقَّه، بل على جارِه المسلِم أن يَرعى حقَّه وأن يُؤدِّيَه إليه، وهذا ما كان مِن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - نفسِه، فإنه عليه أفضل الصلاة والسلام سَعى إلى عِيادةِ ابنِ جارٍ له يَهودي، وقد جاء عن ابن عمر-رضي الله تعالى عنهما-أنه ذُبِحَتْ في بيتِه شاة فكان يقول لِغلامِه: " هلاّ أَرسلتُم إلى جارِنا اليَهودي، هلاّ أَرسلتُم إلى جارِنا اليَهودي " كان يُؤكِّد أنه لابد مِن أن يُرسَل مِن تلك الشاة إلى جارِهم اليَهودي مع يَهوديته، ولكن مهما يَكن مِن أمْر فإنّ يَهوديته لا تَحُول بينه وبيْن حقِّه في حُسْنِ الجِوار، ثم إنّ ابنَ عمر-رضي الله تعالى عنهما-يُتبِع ذلك قولَه: " سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقول: ( ما زال جبريل يُوصِينِي بِالجار حتى ظننتُ أنّه سَيُوَرِّثُه ) " .. رَوَى ذلك البخاري في كتاب " الأدب المُفْرَد "، وهذا مِمّا يَدلّ على أنّ الجار الفاجِر-أيضا-لا يَقِف فجورُه حائِلا دونَ حقِّه في حُسْنِ المعاملة، فإنّ حقَّه في حُسْنِ المعامَلة واجبٌ مهما كان فجورُه، وكذلك الجارُ البعيد .. إنما تَتفاوَتُ الحقوقُ، فمَن كان جارا فقط .. أي لم يَكن مسلِما ولم يَكن قرِيبا فله حقُّ الجِوار وحدَه، أما إن بِجانِب كونِه جارا هو مسلِم فله حقّان .. (1/8)
صفحة 9
حقُّ الجِوار وحقُّ الإسلام، وإن كان هو جارا وقريبا ومسلِما اجتمَعَت الحقوق الثلاثة، فله حقُّ الجوار وله حقُّ الإسلام وله حقُّ القرابة .. كلُّ حقٍّ مِن هذه الحقوق يَجِب أن يُراعى وألاّ يُفَرَّطَ فيه.
والله - سبحانه وتعالى - أشار إلى نوعين مِن الجيران في قوله: { ... وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ ... } [ سورة النساء، من الآية: 36 ]:
الجارُ ذو القربى هو الجار الذي تَشدُّه إلى جارِهِ علاقةُ القرابة بِجانب علاقةِ الجوار، بِحيث يكون بينهما نَسَب، وكذلك الصِّهْر .. عندما يَكون صِهْرٌ ما بيْن الجارَيْن فإنّ تلك آصِرةٌ أخرى تَشدُّ الجارَ إلى جارِه أكثرَ فأكثر، فإنّ المصاهَرة مِن أسباب المُراحَمة فيما بيْن المتصاهِريْن، والجار الجُنُب هو الجارُ غيْرُ القريب .. الذي هو جارٌ مطلَق .. فبِكِلا الجاريْن يُوصِي الله تبارك وتعالى .. يُوصِي بِالجارِ ذي القربى وبِالجارِ الجُنُب.
وقيل بِأنّ المراد بِالجارِ ذي القربى هو الجارُ الأقْرَبُ مِن حيثُ المَسكن وأنّ المرادَ بِالجارِ الجُنُب هو الجارُ الأبْعَد مِن حيث السَّكَن، واستدَلَّ هؤلاء بِما رُوِيَ عن عائشة-رضي الله تعالى عنها كما في " صحيح البخاري "-أنها سألَتْ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - .. قالَتْ له: " لي جاران .. إلى أَيِّهِما أُهْدِي ؟ " فقالَ لها: " إلى أَقْرَبِهِما منكِ بابا "، فالحديثُ أَخَذَ به بعضُ المفسِّرين في كَوْنِ المرادِ بِالجارِ ذي القربى هو الجار الأقْرَبُ مِن حيث السُّكنى وأنّ المرادَ بِالجارِ الجُنُب هو الجارُ الأبْعَد مِن حيث السُّكنى .. هذا رأيٌ لِبعضِ المفسرين. (1/9)
صفحة 10
وذهب بعضهم إلى أنّ المرادَ بِالجارِ ذي القربى هو الجار المسلِم الذي تَشدُّه إلى جارِه عقيدةُ الإسلام، فإنّ العقيدة هي آصِرةٌ ما بيْن أهلِها .. هي قرابة، وأنّ المرادَ بِالجارِ الجُنُب هو الجار البعيدُ مِن حيثُ العقيدة .. أي الذي هو ليس على عقيدةِ الإسلام.
هذا وقد أَخَذَ العلماءُ مِن هذه الروايات .. مِن حديثِ جابر-الذي هو وإن كان ضعيفَ السّنَد إلا أنّ الروايات الأخرى تَعْضُدُه-ومِن غيْرِه مِن الروايات أنّ الحقَّ واجبٌ-كما قلنا-لِكلِّ جار .. لِلجارِ القريبِ والجارِ البعيدِ مِن حيثُ النَّسَب، والجارِ القريبِ والجارِ البعيدِ مِن حيثُ السُّكنى، والجارِ البَلَدِي والجَارِ النَّازِل مِن مكانٍ آخَر إن جاوَرَ ولو لِمدّةٍ قصيرة فله حقُّ الجِوارِ ولو كان هو أصلا مِن غيْر ذلك البَلَد، والجارِ المؤمِن والجارِ الكافِر، والجارِ البَرِّ والجارِ الفاجِر، والجارِ المُحْسِن والجارِ المسِيء .. لِكلِّ واحدٍ مِن هؤلاءِ حقّ ولكنّهم يَتفاوتُون في الحقوق، وأهمهم الذين يَجمَعون ما بيْن الصفاتِ الأولى .. أي الجار القريب مِن حيثُ النَّسَب والجارُ القريب مِن حيث السُّكنى والجارُ الأصيل-الذي هو مِن نفسِ البَلَدِ مِن قديم-والجارُ الذي هو مؤمِن والجارُ الذي هو بَر والجارُ الذي هو مُحْسِن .. هؤلاءِ أوْلى بِحُسْنِ الرعاية أكثرَ فأكثر مِن غيْر تفريطٍ في حقوق الآخَرين، والآخَرون هم أَقلُّ حقوقا مِن هؤلاءِ، فمَن اجتمَعَتْ فيه الصفاتُ الأولى كان أكثرَ حقًّا، ومَن اجتمعتْ فيه الصفاتُ الأخرى كان أقلَّ حقًّا، وهكذا تَأتي حقوقُ الجيران بِحسْب العلاقاتِ الأخرى متفاوتَة ولكن مع ذلك لا يَكون جارٌ غيْر ذي حق. (1/10)
صفحة 11
هذا وحقوقُ الجيران حقوقٌ جَمّة، فإنّ الحديثَ دَلَّ على أنّ الجارَ لا يُطالَب بأن يَكُفَّ أذاه عن جارِه فحسْب، بل يُطالَب بِأن يَحتمِلَ أذى جارِه .. مَن كان له جارٌ وكان جارُه يُؤذِيه فلا يُعامِلْه بِالمِثل، بل يُطالَب بِأن يَحتمِل أذاه، وذلك مِن حُسْنِ الجوار، كما كان مِن الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - نفسِه، عندما كان يُحْسِن معاملةَ جيرانِه، حتى اليهود، مع ما هو معلوم أنّ مِن شأنِ اليهودِ الإساءة، فقد كانوا يَتربَّصون بِالنبي - صلى الله عليه وسلم - الدوائِر ويَكيدون له المكائِد ويُضمِرون السوءَ لِلإسلام ولِلمسلِمين معا ولكن مع ذلك الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - عاملَهم مِن حيثُ الجِوار بِحُسْنِ المعاملة.
وقد جاءت رواياتٌ عن الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - وهي وإن كانت رواياتٍ لا تَخلو مِن مقال إلاّ أنّ المسلِمين تَلَقَّوْها بِالقَبول وعَمِلُوا بِها .. تُفيدُ هذه الروايات أنّ لِلجيران حقوقًا متعدِّدة:
مِن ذلك أنّ لِلجار إن مَرِض أن تَعودَه، وإن ماتَ أن تُشَيِّعَ جنازتَه وإن استقرضَك أن تُقرِضَه إن كان ذلك في وُسْعِك، وإن طَلَبَ منك حاجةً أن تَقضِيَها له، وأن تُواسِيَه في مصيبتِه وأن تُشَارِكَه في مسَرَّتِه إلا أنّ العلماءَ استثنوا مِن هذين الأمْريْن الأخِيرَيْن ما إذا كانتْ مصيبتُه بِسبب انتصارِ الإسلام وظهور الإسلام وظهور الحق، فإنه لا يُواسَى في مثلِ هذه الحالة، إذ في المواساةِ تَوْهِينٌ لأمْر الإسلام، فالجارُ إن كان كافِرا مثلا أو كان فاجِرا ويُساءُ بِانتصارِ الحق وظهورِ كلمةِ الله-تبارك وتعالى-فلا يُواسَى، فكذلك إن كانتْ مسَرَّتُه بِسبب انتصار الباطل على الحق وظهورِ الكُفْرِ على الإسلام فإنه في هذه الحالة لا يُشارَك في هذه المَسرَّة، لِما في هذه المشارَكة مِن تَوْهِين أمْر الإسلام والمسلِمين، وإنما يَقِفُ الجارُ المَوْقِف الواجب. (1/11)
صفحة 12
ومِن حقِّه ألاّ يُؤذَى بِبُخَارِ القِدْر بِحيث لا يَطْبَخُ جارُه طعاما تَنتقِل إليه رائحتُه إلا أن يَغْرِفَ له مِن قِدْرِهِ .. أن يُعطِيَه.
وكذلك إن أَتى بِفاكِهة مِمّا هو عادةً غيْر منتشِرٍ فيما بيْن الجيران فإنه يُؤمَر أن يُعطِيَه منها إلا إن أَخفاها بِحيث لم يَطَّلِع الجار ولم يَخْرُج بِهذه الفاكِهة وَلَدُ صاحبِها لِيُؤْذِيَ بها وَلَدَ جارِه فلا بأس في مثل هذه الحالة إن لم يُعْطِه وخصوصًا إن كانتِ الفاكِهة يَسِيرَة لا تَكفِي لِتوزيعِها فيما بيْن الجيران .. يُؤمَر بِإخفائِها في هذه الحالة.
ومع هذا كلِّه فإنّ الحديثَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يُرشِدُ إلى التَّهادِي فيما بيْن الجيران بِحيث لا يَحْقِرُ جارٌ لِجارِه شيئا .. يَقول عليه أفضل الصلاة والسلام: ( يا نساء المؤمِنات لا تَحْقِرَنَّ إحداكنَّ لِجارتِها ولو كُرَاعَ شاةٍ مُحْرَق ) .. هكذا يَأمُر النبي - صلى الله عليه وسلم - ألاّ تَحْتَقِر جارةٌ لِجارتِها هديةً ولو كانت هذه الهدية قليلة يَسِيرَة بِمقدار كُرَاعِ شاةٍ مُحْرَق .. مقدار ظِلْف الشاة الذي يُحْرَق، والنهي لِكِلا الجانبيْن .. الجانب المُهْدِي والجانب المُهْدَى إليه .. الجانب المُهْدِي يُنهى عن الاحتقار لأنّ ذلك معروف والمعروفُ لا يُحْتَقَر مهما كان شيئا يسيرا، والجانبُ المُهدَى إليه يُؤمَر-أيضا-بِأن يَتقبَّل هذه الهدية بِغيْر شعورٍ بِأنها حاجةٌ ليس لها شأن وليس لها قَدر. (1/12)
صفحة 13
ومِن تَعمُّقِ الإسلام في مراعاة حقوق الجيران أنه يَأمُر الجارَ بِأن يَقْضِيَ مصلحةَ جارِه ولو كان ذلك مِمّا يُسَبِّبُ له شيئا مِن الإحراج بِحيث يَتبادَر أنّ في هذا القضاءِ مَضرَّةً عليه، وذلك واضحٌ في الحديث الصحيح .. حديثِ أبي هريرة-رضي الله تعالى عنه-أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( لا يَمْنَعْ أحدُكم جارَه أن يَغْرِزَ خشبةً في جِدارِه ) .. أي إن كان أحدُ الجيران يُريد أن يُقِيمَ بناءً وهذا البناءُ يَتوقَّف على غَرْزِ خشبتِه في جدارِ أخيه فليس لهذا الجارِ صاحبِ الجدار أن يَمنَع جارَه مِن غَرْزِ هذه الخشبةِ مِن أجْلِ إقامةِ البناءِ عليها، وهذه المسألة مِمّا اختلَف فيه أهل العلم:
فذهبت طائفةٌ مِن أهل العلم إلى أنّ ذلك حقٌّ واجِب وأنه يُقضَى به، وهذا القول مروِيٌّ عن الإمام الشافعي بل هو أحدُ قوليْه وعن أحمدَ بن حنبل وعن جماعةِ أهلِ الحديث بل رُوِيَ ما يَدلّ عليه عن عمر بن الخطاب-رضي الله تعالى عنه-عندما اعترَضَ محمّدُ بن مَسْلَمَة أن يُجرِيَ جارَه ربيعا في أرضِه فقال له عمر - رضي الله عنه - : " واللهِ لَيُجْرِيَنَّهُ ولو على بَطنِك " .. أي مَنَعَه أن يُجْرِيَ ساقيةً في أرضِه .. أراد أن يَمْنَعَه مِن ذلك ولكنّ عمر - رضي الله عنه - اشتدَّ عليه في ذلك. (1/13)
صفحة 14
وهناك قول آخر وهو أنّ هذا مِن باب المُرافَقَة مِمّا بيْن الجيران، وأنه لو امتنَع لا يُلْزَم، وهذا القول مروِي عن الإمام مالك بن أنس والإمام أبي حنيفة وقد انتقدَ الإمام الشافعي كما يُروَى عنه .. انتقَدَ على الإمام مالك أنه هو الذي أَخرَجَ في " المُوَطَّإ " قِصّةَ محمّدِ بن مَسْلَمَة وجارِه وما كان مِن عمر-رضي الله تعالى عنه-مِن التّشَدُّدِ في ذلك وهذا مِمّا يَدلّ على أنّ العملَ بِذلك ولكنه لم يَأخذ بهذا الرأي، وأجاب ابن عبد البَر عن هذا بِأنّ الإمامَ مالِكًا له سَلَفٌ في ذلك، وهو محمّد بن مَسْلَمَة، فرأيُ عمر - رضي الله عنه - لم يُجمَع عليه، وإنما ما حَصَلَ مِن خلافٍ بيْن الجاريْن يَدلُّ على اختلافِ الصحابة في حكمِ هذه المسألة.
وذهب أصحابُنا إلى أنه مِن حيثُ الوجوب ذلك حقٌّ واجِب ولكن قالوا بأنه لا يُحكَم به؛ وأنا أَعْجَبُ مِن هذا الرأي .. كيف هو حقٌّ واجِبٌ والحديثُ حسب رواية الإمام الربيع-رحمه الله-يَدلُّ على الوجوب كيف لا يُحكَم به ما دام ذلك حقّ ؟! ففي الحديث: ( لا يَمْنَعْ أحدُكم جارَه أن يَغْرِزَ خشبةً في جدارِه، فإنّ ذلك حقٌّ واجِبٌ عليه ) (1) .. هذا الحديث صرِيح-كما نراه-في أنّ هذا ليس مِن باب المُرافَقَة فقط، بل هو حقٌّ واجِبٌ على الجار لِلجار، وبِما أنّه حقٌّ واجِبٌ لِلجارِ على الجار فعندما يكون تَقاضٍ ما بيْن جاريْنِ يُحْكَمُ لِلجارِ بِموجِبِ ما يَقتضِيه هذا الحُكم.
ونَجِد أنّ الفقهاءَ عوّلوا على هذا الحديث واستطرَدوا في كثيرٍ مِن الأحكام التي هي قريبةٌ مِن هذا الباب وذلك مِن بابِ القياسِ الجَلِي:
__________
(1) -مسند الإمام الربيع بن حبيب، باب (49) الضيافة والجوار وما ملكت اليمين واليتيم:
حديث رقم 689: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يَمْنَعْ أحدُكم جارَه أن يَغْرِزَ خشبةً في جدارِه، فإنّ ذلك حقٌّ واجِبٌ عليه ). (1/14)
صفحة 15
فمِن ذلك قولُ جماعةٍ مِن الفقهاءِ أنّ الجارَ إن بَنَى واستَفرَغَ أَرضَه التي له بِحيث لم يَترُك حرِيما مِن أرضه بينه وبيْن جارِه فإنّ لِجارِه في أَرضِه-أيضا-أن يُلصِق جدارَه بِجدارِه وليس عليه أن يَترك حريما بينه وبينه.
ومِن ذلك-أيضا-ما قالوه مِن إقامة السِّيَّال للنخيل في أَرضِ الجارِ .. عندما تكون نَخلة مائِلة ويُخشَى بِسبب مَيلولَتِها أن تَسقُط يُمكِن أن تُسنَد بِعمودٍ خشبي .. بأيِّ شيءٍ كان .. مِن جذوع النخل أو مِن أيِّ شيءٍ كان ويُغرَز ذلك الذي تُسنَد به في أرض الجار حتى لا تَسقُط .. هذا مِن باب الأخذِ بِما دَلَّتْ عليه هذه الرواية، فذلك مِن القياسِ الجَلِي.
وكذلك ما قالوه مِن أنّ الجارَ إن كان مُضطَرّا إلى طريقٍ في أَرضِ جارِه ولم يَجِد مَناصا مِن ذلك فلا ريب أنّ له الحق في التَطَرُّقِ في أَرضِ جارِه وإن كانت أَرضُ جارِه مُحصَّنَة فيُخرَج له بِمقدارِ ما يَقضِي حاجتَه على أن يكون ذلك بِثمن .. هذا كله مِمَّا يَدلّ على أنّ العلماء عَوَّلُوا على هذا الحديثِ كثيرا في قضاءِ المصالِح فيما بيْن الجيران.
والجِوار مُختلَفٌ فيه اختلافا كثيرا .. أي في مِقدارِه، لأنّ مِن الناس مَن ضَيَّقَ حُكمَ الجِوار، ومنهم مَن وَسَّعَه:
منهم مَن قال بِأنّ الجيران الذين لهم الحقوق هم بِمقدار أربعين بيْتا في كلِّ وجهة .. في كلِّ ناحيةٍ مِن النواحي الأربع .. أي الجارُ عندما يَكون في الوسَط فعليه أن يَرعَى مِن جِهة أَمامِه جيرانَه إلى مِقدارِ أربعين بيْتا ومِن جِهة خَلْفِه-أيضا-إلى مِقدارِ أربعين بيْتا ومِن جِهة يَمينِه إلى مِقدارِ أربعين بيْتا ومِن جِهة شِمالِه إلى مِقدارِ أربعين بيْتا .. عليه أن يَرعَى حقوقَ هؤلاء الجيران، فهؤلاء كلُّهم مُتجاوِرون، وقد جاءت روايات تَدلُّ على ذلك ولكنّها رواياتٌ فيها ضَعْفٌ مِن حيث السّنَد.
ومنهم مَن قال بِأنّ الجارَ مِقدار سبعة بيوت مِن كلِّ جهةٍ مِن الجهات. (1/15)
صفحة 16
ومنهم مَن قال: الجِوار لا يكون إلا بِمقدار بيْتيْن.
ومنهم مَن قال: بِمقدارِ ثلاثة في كل جهةٍ مِن الجهات.
ومنهم مَن قال بأنّ الجارَ مَن واجهَك في دخولِك وخروجِك في دارِك، فمَن كان مُواجِها لكَ في دخولِك وفي خروجِك فذلك الجار.
وهناك قولٌ أَوسَع مِن هذه الأقوال كلِّها، وهو أنّ أهلَ القريَة أو أهلَ المدينة الذين يَعيشون في قريةٍ واحدة أو في مدينةٍ واحدة هم كلُّهم جيران وبينهم حقوق الجِوار، وأصحابُ هذا الرأي استنَدوا إلى حُجّةٍ مِن الكتابِ العزيز، ذلك أنّ الله - سبحانه وتعالى - يَقول لِنبيه - صلى الله عليه وسلم - : { لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا } [ سورة الأحزاب، الآية: 60 ] .. { ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا } أي لا يَعيشون في هذه المدينة، ومعنى ذلك أنّ مَن كان يَعيش في نفسِ المدينة فهو جار، وهذا القول وإن كان فيه تَشدُّد إلا أنه مِن حيثُ الدليل مِن حيثُ إِطلاق الجوار نَفهَم أنّ الجارَ مَن سَاكَنَ الإنسانَ في المَحَلَّة أو في المدينة أو في القرية بناءً على ما تَدلُّ عليه هذه الآية الكريمة.
والجارُ-كما قلنا [ ص3 ]-هو أَقدَر على نَفْعِ جارِه وعلى الإضرارِ بِجارِه فلذلك شَرَعَ الإسلامُ ما شَرَعَ مِن هذه الحقوق، والناس عندما كانوا قائمين بِها مُوفِّينَ بِما يُمكِنهم أن يُوَفُّوا به منها كانت حياة المسلمين حياة هناء .. حياة استقرار، وكان غير المسلِم يَجِد-أيضا-في بلادِ الإسلام ما يَجِده في كَنَفِ المسلِمين مِن الرِّعاية ومِن حُسْنِ الجِوار ولكن المَدَنِية الحديثة غَزَت هذه الأمّة وشَغَلَتْهم بِالمَادّيات عن المَعنويات فتَشَاغَلوا عن كثير مِن هذه الحقوق، وهذه مُصيبَة مُشترَكَة ما بيْن الأمّة وخصوصا في المُدُن. (1/16)
صفحة 17
أَذكُر كلماتٍ قالَها أستاذ الأدب أحمد أمين في كتابه " حياتي " عندما وَصَفَ بدايةَ حياتِه ونشأتَه وذَكَرَ أنه نَشأَ في حارة مِن حارَات القاهِرة .. كان على هذه الحارَة سُور ولِلسُّور باب ولِلبابِ فَتحَة بِحيثُ كان البابُ يُغلَق وتُفتَح فتحته في وقتِ المَخاوِف فقط لِدخول الداخِل وخروج الخارِج، وكانت الحارَة تَتكوّن مِن ثلاثين بيْتا .. هذه البُيوت سكّانُها مُتفاوِتون، فهناك طبقةٌ عُلْيَا وتتمثّل هذه الطبقة في بيْتٍ واحد مِن بيْن هذه البيوت .. كان صاحب هذا البيْت شيْخًا تُرْكِيا له وَفْرَةٌ في المال وعندَه الكثير مِن الخَدَم، والطبقةُ الوُسْطى تَتمثَّل في تِسعةِ بيوت ومِن بينِها البيتُ الذي نَشأَ فيه هو .. أي بيتُ أبيه، وطبقةٌ دُنْيَا وتَتمثَّل هذه الطبقة في عشرين بيْتا مِن سائرِ البيوت، ويَذكُر أنّه مع هذا التفاوت مِن حيثُ نَمط المعيشة ومِن حيثُ الطبَقِية ما بيْن هذه البيوت إلا أنّ سُكّانَ هذه الحارَة كانوا بِأسرِهم كَأسرَة واحِدة فعندما يَمرَض طِفل في آخِر الجِهة الشرقية مِن الحارَة يَعرِف عنه مَن هو في آخِر الجهةِ الغربية، وكذا ما بيْن الشَّمال والجنوب، وكذا العكس، فيَذهَب كلُّ واحدٍ لِعيادَته .. منهم مَن يَحمِل إليه هدية، ومنهم مَن يَحمِل إليه شيئا مِن الدواء، ومنهم، ومنهم .. بِحسْب قُدراتِهم وبِحسْب ما عندَهم مِن الوَفْر، ثم قال بعد ذلك: شاءَ الله - سبحانه وتعالى - أن يَستمِرَّ بِيَ العُمُر حتى وجدتُ أهلَ عمارةٍ واحدة يَسكنُون في شُقَقٍ متجاوِرةٍ ولا يَعرِف بعضهم بعضا. (1/17)
صفحة 18
وهذا الواقِع المُر الذي يَشكوه هنا كلُّنا نُعانِيه وكلُّنا مَرَرْنا به وكلُّنا يَشكُوه، فالجيرانُ الآن في المُدُن لا يَهمُّهم مِن أَمْرِ الجيرانِ شيءٌ .. الجارُ لا يَهمُّه مِن أَمْر جارِه شيء .. إنما يَعيشون على نَمَط الحياة الأوروبية, وأنا بنفسي مَرَّتْ عليّ فترة سكنتُ فيها في شُقَّة في عِمارَة تَتكوَّن هذه العمارة مِن سِتِّ شُقَق وما عَرفتُ أحدا مِن أولئك الجيران ما عدا جارا مقابِلا لِبابِ الشُّقَّة التي أَسكنُها وعندما أَردتُ أن أَذهَبَ إليه في يومِ عِيد لأزورَه وجَدته على غيْر وعي لأنه كان غارِقا في السكْر، فكيف يَتعامَل الإنسان مع هؤلاء الجيران ؟! هذه مُشكِلة، لأنّ الحياةَ الدنيا أَلهتهم والمادّة طَفَحَتْ وبَلَغَتْ إلى أَقصى الحدودِ التي يُمكِن أن تُتصوَّر فلذلك تَشَاغَلَ الناس عن هذه الحقوق ولم يَعْبَؤوا بها .. لو طَالبتَ جارا أن يَزورَكَ .. أن يَدخلَ بيتَكَ لِيَتناولَ شَرْبَةَ ماء أو يَتناول ما يَحضُر مِن الطعام لَوجدتَه مشغولا جِدا بِسببِ أنه يَلهثُ وراءَ هذه الدنيا بِكلِّ سِعَار، ولو أَردتَ أنتَ أن تَزورَه لم تَجِد عندَه الفُرصَة لاستقبالِك، فالمسألة في المُدُن عَويصَة جدا، وهي بِحاجَة إلى نَظْرَة، وبِحاجة إلى مُراجعةِ كلِّ أَحدٍ حسابَه حتى يَكونَ هنالِك بيْن الجيران تَعارفٌ على الأقَل، فإنّ التعارفَ هو الذي يُؤدِّي إلى التآلُف، ويُؤدِّي إلى التراحُم والتلاحُم، وإن لم يَكن تعارُف فماذا عسى أن يكون ؟! الجيرانُ مُنبَثُّون مِن أمامِنا ومِن خلفِنا وعن أَيْمانِنا وعن شَمائِلِنا ولا نَعرِفُ عنهم شيئا .. هذه هي مُشكِلة الحضارَة المُعاصِرة، وهذه هي الضريبة التي أَدَّيْناها لِهذه الحضارة .. كما يُقال: " لِكلِّ شيءٍ ضريبة "، وهذه هي ضريبةُ الحضارَة المُعاصِرة. (1/18)
صفحة 19
فنَسألُ الله - سبحانه وتعالى - أن يَهدِيَنا سواءَ السبيل، وأن يُوفِّقَنا لِلقيام بِالحقوقِ المشروعة، وأن يُعينَنا على أَداءِها على أَحسَنِ وَجه إنه تعالى على كل شيءٍ قدير، وبالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
- (1/19)