صفحة 1
الكتاب: حقوق الأولاد في الإسلام لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) حقوق الأولاد في الإسلام
محاضرة وفتاوى
للشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله تعالى
شبكة الدرة الإسلامية
www.aldura.net
aldura@aldura.net
الحمد لله حقّ حمدِه حمدًا يُوافِي نِعمَه ويُكافِئ مَزيدَه لا حَدَّ لِغايتِه ولا أَمدَ لِنهايتِه كما يَنبغي لِجلالِ وَجهِه وعظيمِ سُلطانِه، وأشهد ألاّ إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أنّ سيّدنا ونبينا محمدا عبدُه ورسولُه صلى الله وسلم عليه وعلى آلِه وصحبِه أجمعين وعلى تابعيهم بِإحسانٍ إلى يوم الدِّين، أما بعد: فحديثُنا في هذه الليلة هو حلقةٌ مُتّصِلَة بِحلقة حديثِنا في الدرسِ الماضي .. ذلك لأنّنا ذَكَرْنا في الدرس الماضي حقوقَ الآباءِ والأمهاتِ على أولادِهم، وفي هذا الدرس نَنتقِل إلى الحديثِ عن حقوقِ الأولادِ على الآباءِ والأمهات (1) .
ولا ريْب أنّ رعايةَ الآباءِ والأمهاتِ لِحقوقِ أولادِهم إنما هي رعاية لِحقوقِهم بِأنفسِهم، لأنّ الأولادَ هُم-كما ذكرنا مِن قَبل (2) -حياتُهُم امتِدادٌ لِحياةِ أُصولِهم، فهم ثَمراتُ قلوبِ آبائِهم وأُمّهاتِهم، وكلٌّ منهم إنما يُعَدُّ جزءً مِن أصل، كما قال الشاعر:
وقلتُ شبابُ ابني شبابي وإنما ... تَحوَّلَ شطْرُ العُمِر مِنِّي إلى شَطْرِي
فالولَد هو شَطْرُ أَصلِه .. هو جزءٌ مِن أبيه وأُمِّه، فلِذلك كان مَيْلُ الآباءِ والأمهاتِ إلى أولادِهم مَيْل فِطْرِي، ولا يَنعدِم هذا المَيْل إلا مِمّن انطَفَأَتْ جَذْوَةُ الفِطْرَةِ منه.
__________
(1) -هذه الدروس ألقاها الشيخ بمسجد الجامعة بعُمان.
(2) -في محاضرة " حقوق الوالدين في الإسلام ". (1/1)
صفحة 2
هذا ومِن المعلوم أنَ العناية بِهذه الحقوقِ المفروضة على الأصولِ لِلفروع إنما هي عناية بِمُستقبَل الأمّة، لأنّ مُستقبَلَ الأمّة مَعقودٌ بِحالةِ ناشِئَتِها، فبِقَدر ما تَكونُ هذه الناشِئَة على خيْرٍ وصلاحٍ واستقامة وبِر وإيمان يَكونُ هذا المُستقبَلُ سعيدا، وبِقَدر ما تَكونُ هذه الناشِئَة على عكسِ ذلك يَكونُ-أيضا-مُستقبَلُ الأمّة عكسَ ذلك .. أي يَكونُ مُستقبَل الأمّة مُستقبَلَ شقاءٍ ودمارٍ والعياذ بالله.
ولقد ذَكَرْنا أنّ الأُمَم تُقاسُ بِشبيبتِها فبِقَدر ما يَكونُ عليه الشباب تَكونُ النظرة إلى مُستقبَلِ الأمّة، فهم مِعيارُ رُقِيِّها وانحِطاطِها، ومِقياسُ تَقَدُّمِها وتَأخُّرِها، لأنهم رِجالُ المُستقبَل وأُمّة الغَد وعُدّة آبائِهم وأُمّهاتِهم، فمِن هنا كانت العناية بِتنشِئَة الناشِئَة على الخيْر والاستقامة مِن أَهَمِّ الواجِبات التي تُناطُ بِالجميع، ولِلآباءِ والأمّهاتِ النصيبُ الأَوْفَرُ مِن ذلك، فإنّ هذا الناشِئ أَوَّلَ ما يَنشَأُ إنما يَنشَأُ في حِضْنِ أُمِّه وفي كَنَفِ أبيه، فلِذلك تَنعَكِسُ عليه أَخلاقُهما وتَنعَكِسُ على فِكْرِه أَفكارُهما، فبِقَدرِ ما يَكونُ الأَب والأُم مِن صلاحٍ وبِر وسلامةٍ في الفِكْر واستقامةٍ في السلوك يَكونُ هذا الناشِئ صورةً إِيجابِية تَعْكِسُ هذه الحالة التي هُم عليها، وبِقَدْر ما يَكونُ الأَب والأُم على خلافِ ذلك-أيضا-يَنعَكِس أَثَر ذلك السلبِي على هذا الناشِئ.
والإسلام دعا إلى حُسْنِ الرعاية لِلأولادِ سواءً الذكور والإناث.
قَبل كلِّ شيء يُؤمَر في الإسلام كلٌّ مِن الأبَوَيْن أن يَختارَ له شرِيكا لِحياتِه على أَحْسَنِ حال مِن صلاح واستقامة وبِر ووفاء وإيمان وصِلَةٍ بِالله - سبحانه وتعالى - . (1/2)
صفحة 3
فالرَّجُل يُؤمَر أن يَختارَ المرأةَ الصالِحة لِتَكونَ أمًّا لأولادِه ولِتكونَ مَحضِنا لهم، فالحديثُ عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( اختاروا لِنُطَفِكُم، فإنّ العِرْقَ دَسَّاس )، وجاء في الحديث أيضا: ( إياكم وخضراءَ الدِّمَن ) فقيل له: " وما خضراءُ الدِّمَن ؟ يا رسولَ الله " قال: ( المرأةُ الحسناء في مَنْبَتِ السوء ).
وفي المُقابِل-أيضا-تُؤمَرُ المرأة أن تَختارَ أبًا لأولادِها صالِحا بَرًّا تَقِيا، ويَدُلّ على ذلك حديثُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما قال عليه أفضل الصلاة والسلام: ( إذا أتاكُم مَن تَرْضَوْنَ دِينَه وخُلُقَه فزَوِّجُوه .. إن لم تَفعَلوا تَكُنْ فتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ كبير )، فالمِقياس إذن الدِّين والخُلُق.
ومِن أجْل هذا جاء عن أهل العلم أنّ مِن حقِّ الأولادِ على آبائِهم أن يَختارُوا لهم أَخوالاً صالِحين لا يُعَيَّرُونَ بِهم، فإنّ المرأةَ-كما قيل-تَلِدُ أباها وأخاها، فكثيرا ما يَكونُ الولَد مُتأثِّرًا بِأخوالِه .. بِأخلاقِهم وبِما هم فيه وعليه مِن أحوالٍ إِيجابيةٍ أو سلبية. (1/3)
صفحة 4
ثم إنّ المرأةَ الصالِحة التي نَبَتَتْ في المَنْبَتِ الصالِح كثيرا ما تُؤثِّرُ على أولادِها تأثِيرا إِيجابِيا يَدفَعُ هؤلاءِ الأولادِ إلى مَكارِمِ الأخلاق وإلى مَعالِي الأمور، وتُحِبُّ دائما أن تَعتَزَّ بِأصولِها الصالِحة فلِذلك كثيرا ما تَحرِص على تَذكيرِ أولادِها بِمَنْبَتِها الصالِح، وهذا كما حَصَلَ لِلخليفةِ العادِل عمر بن عبد العزيز-رضي الله تعالى عنه-الذي وَلَدَتْهُ أُمٌّ صالِحة نَشَأَتْ في بَيْتٍ صالِح وتَرَعْرَعَتْ في بيئةٍ صالِحة، فإنه مع كَوْنِ آبائِه مِن بنِي مَرْوَان الذين عُرِفُوا بِالجَبْرِ والظلم والانحِراف عمّا كان عليه الرسول-عليه أفضل الصلاة والسلام-وعمّا كان عليه الخلفاء الراشِدون إلا أنّ لِلأُمِّ كان تَأثِيرا كبِيرا عليه، فالأُم هي بنت عاصِم بن عمر بن الخطاب، ولأُمِّها قِصّة تُحكى مع عمر رضي الله-تعالى-عنه، فقد كان عمر - رضي الله عنه - كما هو دَيْدَنُه-يَجُوسُ في خِلالِ الليلِ خِلالَ الدِّيار مِن أجْلِ أن يَطَّلِعَ على أحوالِ الناس ويَتَفَقَّدَ ما عليه الرّعِية ويُعِينَ المحتاج إلى العَوْن ويُغِيثَ المَلْهُوف .. هكذا كانتْ سِيرةُ عمر - رضي الله عنه - ، وفي إحدى الليالي كان في جَوْلَة في أنحاءِ المدينةِ المُنَوَّرَة وإذا بِه يَسمَعُ امرأة تَقولُ لابنتِها: " امذِقِي اللّبَن " .. أي اخْلِطِي اللبَن بِالماء مِن أجْل تكثِير اللبَن، فَرَدَّتْ عليها بِأنّ أمِيرَ المُؤمِنين نَهى عن ذلك، فرَدَّتْ عليها الأُم: " ومِن أيْن لأمِيرِ المُؤمِنين أن يَعلَم بِكِ ؟! " فرَدَّتْ عليها الابنة بِأنّ ربَّه هو العليم بِذلك " فكَبُرَتْ هذه الابنة في عيْنِ عمر رضي الله-تعالى-عنه، وسَأَلَ عنها فيما بعد: " هل هي فارِغة أو مَشغولَة ؟ " .. (1/4)
صفحة 5
أي هل هي مُتزوِّجة أو غيْرُ مُتزوِّجة ؟ ولَمّا عَلِمَ عنها أنّها غيْر مُتزوِّجة دَفَعَ بِابنِه عاصِم أن يَتزوَّجها، وقال له كما يُرْوَى عنه: " أَرجُو أن تَلِدَ مَن يَملأُ الأرضَ عدْلاً بعدَما تُملأُ جَوْرا فوَلَدَت لِعاصِم أُمَّ عمر بن عبد العزيز التي تَزوَّجها عبد العزيز بن مَرْوَان-أخُ عبد الملِك بن مَرْوَان-وَوَلَدَتْ له عمر بن عبد العزيز، وكانت هذه الأُم تُغَذِّي عمر بن العزيز مِن أَوَّلِ نشأتِه بِسِيرةِ جَدِّه العظيم عمر بن الخطاب، فرَسَخَتْ هذه السِّيرَة في ذِهنِه، ومِن شأنِ المرأةِ دائما-كما قلنا-أن تَعتَزَّ بِأصولِها الصالِحة، فهي تَرتبِطُ بِسلفِها الصالِح عندما تَكونُ مِن مَنبَتٍ صالِح، ولَمّا أَفْضَت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز حاوَلَ أن يَسِيرَ بِهذه الأُمّة وبِدَوْلَتِهِم تلك السِّيرة التي رَسَخَتْ في ذِهنِه مِن حديثِ أُمِّه الذي كانت تُمْلِيه عليه عن جَدِّها عمر بن الخطاب، فسارَ تلكَ السِّيرَة ومِن أجْل ذلك أَقَرَّ له جميع الذين عاصَروه بِأنّه غَيَّرَ مَعالِمَ سِيرَةِ آبائِه وأجدادِه بِمُجَرَّدِ استِلامِ الخلافة وإِفْضائِها إليه، حتى قال فيه عبد الله ابن الأهْثَم تلكَ الكلمات عندما وَفَدَ عليه مع الوافِدِين فخَطَب مِن غيْرِ استِئْذان لِعمر ولَم يُرَ عمر (1) إلا وهو يَتحدَّث عن سِيرةِ الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسيرةِ الخلفاء ويَذكُر بِإِيجازٍ ما كان عليه بَنُو أُمَية مِن بعد ثم يَقول لِعمر: " ثم إنّكَ يا عمر بنُ الدنيا وَلَدَتْكَ مُلوكُها وأَلْقَمَتْكَ ثَدْيَها فلمّا وَلِيتَها أَلْقَيْتَها حيثُ أَلْقَاها الله وآثَرْتَ ما عندَ الله، فالحمدُ لله الذي جَلا بِكَ حُوبَتَها وكَشَفَ بِكَ كُرْبَتَها، فامْضِ ولا تَلتَفِت، فإنّه لا يُغنِي عن الحقِّ شيء ..
__________
(1) -لعلّ الشيخ قصد أن يقول: " عبد الله بن الأهثم " بدلا مِن " عمر ". (1/5)
صفحة 6
أَقولُ قوْلِي هذا وأَستغفِر الله العظيم لي ولكم ".
وتَعلَمون-أيضا-كيف كان أَثَرُ الخَنْسَاء-التي صَقَلَ الإيمانُ مَواهبَها-على أَولادِها عندما دَفَعَتْ بِهم إلى أَتُونِ المَعركة وأَمَرَتْهم بِالثباتِ، وذَكَّرَتْهم بِأنّهم أَولادُ أَبٍ واحدٍ وأُمٍّ واحدة لَم تَخُنْ أباهم ولَم تَفضَحْ خالَهم، وأَمَرَتْهم بِالثباتِ في المَعركة، ولَمّا بَلَغَها نَبَأُ استشهادِهم حَمدَت الله على أن تَقَبَّلَهُم منها، والمرأة هذه هي التي كان منها في الجاهلية ما كان مِن شَقِّ الصِّدَار ومِن إِطالةِ البكاءِ على أَخيها صَخْر حتى أنّها فَقَدَتْ عيْنَيْها بِسببِ ذلك .. هكذا شأنُ المرأةِ الصالِحة عند الأولاد.
كما أنّ الأَبَ الصالِح يَحرِصُ-أيضا-على أن يَغرِسَ في أَولادِه الصّلاح والاستقامة والبِر، لأنه يَرَى الأولادَ ثَمرَة لِحياتِه، فحياتُهم-كما قلنا-امتدادٌ لِحياتِه، ويَرجُو أن يَنالَه مِن الأجْر مِن بعدِ وفاتِه مِن قِبَلِهِم ما لا يَرجُوه عندما يَكونُون على غيْرِ صلاحٍ واستقامةٍ وبِر.
فمِن هنا كانت عنايةُ الإسلام مِن أَوّلِ الأمْر بِاختيارِ الأُمِّ الصالِحةِ لِلأولادِ مِن قِبَلِ أبيهم واختيارِ الأَبِ الصالِح لِلأولادِ مِن قِبَلِ أُمِّهِم، فإذا اجتمَع الأبُ الصالِح والأُمُّ الصالِحة حَصَلَ الخيْرُ كلُّه.
هذا والإسلام يَأمُرُ بِأن يُكتَنَف الولََد بِالرعايةِ الإيمانية مِن أَوّلِ الأمْر، فالولَد عندما يَنشَأ مِن أَوّلِ الأمْر يُؤمَر بِأن يُسْمَعَ صَوْتَ الحق ونِداءَ الإيمان وكلمةَ البِر، إذ يُؤمَر بِأن يُؤَذَّن على أُذُنِه، لِيَسمَعَ أَوّل ما يَسْمَع تَكبِيرَ الله-تبارك وتعالى-وتَهلِيلَه بِحيثُ يَتردَّدُ على سَمعِه قولُ: " الله أكبر " وقولُ: " أشهد ألاّ إله إلا الله، وأشهد أنّ محمدا رسول الله ".
ثم بعدَ ذلك يُؤمَر بِأن يُحاطَ الولَد بِالرِّعاية مِن أَوّلِ الأمْر. (1/6)
صفحة 7
وقد جاء في بعضِ الروايات-وهي في الحقيقة رواياتٌ لا أَعْلَم مِقدارَ ما لَها مِن صِحّة إلا أنّ الفِطْرَة تَقتضِي العمل بِها-أن يُمطَرَ الأولادُ بِالقُبَلِ مِن قِبَلِ آبائِهم وأُمّهاتِهم، لِيُحِسّوا بِحسْنِ العَطْف مِن قِبَلِ الآباءِ والأُمّهاتِ نَحوَهم.
فالولَد يُراعَى ويُبعَد عنه الأذى ويُجنَّب الأَخْطار ويُوقَى كلَّ ما يُخشَى عليه مِن قِبَلِه، فإنّ الإنسانَ يَنشَأُ مِن أَوّلِ الأمْرِ ضعيفا: { اللهُ الَّذِي (1) خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ... } [ سورة الروم، من الآية: 54 ]، فالإنسان خُلِقَ ضعيفا، ومِن ضَعْفِه أنه أَحوجُ مِن كلِّ الكائناتِ إلى الرِّعاية، فالطِّفلُ مِن الجِنسِ البَشري يَحتاجُ إلى الرِّعاية التي لا يَحتاجُ إليها الصّغِير مِن أيِّ جِنسٍ كان، وهذا مِن أجْل تَرسِيخِ مبادِئ المَدَنِية والاجتِماعِ بيْن البَشر، فإنّ الجِنس البَشري خُلِقَ لِيَكونَ جِنسا اجتِماعيا يَرتبِطُ أَفرادُه بعضُهم بِبعض لِيتعاوَنوا فيما بيْنهم ولِيَتكامَلوا بِحسْب مَواهبِهم.
وإنّ مِن الحقوقِ الواجِبة على الآباءِ تِجاهَ أَولادِهم أن يَقومُوا بِما يَحتاجُون إليه:
فالأَبُ هو الكفِيل بِتغذِيةِ ولَدِه، وهو الكفِيل-أيضا-بِتوفِيرِ ما يَحتاجُ إليه مِن مَلبَسٍ وغيْرِه.
__________
(1) -قال الشيخ: " هو الذي " وهو سبق لسان. (1/7)
صفحة 8
أما الأُم فبِحسْب الفِطْرَة هي التي تَقومُ بِإِرْضاعِه، وهي التي تَقومُ بِحضانتِه، والقرآن الكريم يَقول: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ... } [ سورة البقرة، من الآية: 233 ]، فهكذا تَقومُ الأُم بِالإرضاع وتَقومُ الأُم بِالحضانة، وعلى الأَب أن يَقومَ بِرِزْقِ الولدِ وكِسْوَتِه وبِرِزْقِ أُمِّهِ وكِسْوَتِها بِالمَعروف .. كذلك ما يَحتاجُ إليه الولَد وتَحتاجُ إليه الأُم-أيضا-مِن مَسْكَن ومِن دَثَار .. ذلكَ شيءٌ يُفْرَضُ على الأَب، وهو مِن الحقوقِ الواجِبةِ عليه.
وكذلك مِن الحقوقِ التي تَجِبُ لِلأولاد (1) أن يَكونَ الآباءُ والأُمّهاتُ قُدوةً صالِحةً لَهم في الخيْر، لأنّ الولَد-كما قيل-هو جَوْهرَةٌ صافِية غيْرُ مَنقوشَة تَنتَقِشُ بِحسْب ما تُنقَش، فبِقَدر ما يَكونُ عليه الأَبُ مِن صلاحٍ واستقامة وبِقَدر ما تَكونُ عليه الأُم مِن صلاحٍ واستقامة يَصلُحُ حالُ الولَد، أما عندما يَكونُ الأَبُ فاجِرا-والعِياذ بِالله-وتَكونَ الأُمُّ فاجِرة فإنّ أَثَرَ فُجورِهما يَنعَكِس على ذلك الولَد.
__________
(1) -قال الشيخ: " تجب على الأولاد " وهو سبق لسان. (1/8)
صفحة 9
فمِن هنا كان-قَبْلَ كلِّ شيء-على الأَب وعلى الأُم أن يُعَرِّفَا الولَد بِأنّه جاءَ مِن غيْبٍ إلى شهادَة، وأنّ الله - سبحانه وتعالى - هو الذي أَخْرَجَه مِن العَدَمِ إلى الوجُود، وأن يُذَكِّرَاه دائما بِنعمةِ الله-تبارك وتعالى-التي أَسبَغَها عليه .. بِمُجَرَّدِ ما يَصِلُ إلى الوَعْيِ وإِدْرَاكِ هذه الحقائِق فإنّ عليهما أن يُعَرِّفَاه بِأنّ الله هو الذي خَلَقَه، وأنّ الله هو الذي خَلَقَ هذا الوجود، وأنّ الله هو الذي رَزَقَه، وأنّه هو الذي يَرزُقُ كلَّ مَوجود، وأنّ الله - سبحانه وتعالى - منه المَبدأُ وإليه الرُّجْعَى، وهو الذي يُفِيضُ هذه النِّعَم على هذه الكائنات، فما مِن شيءٍ في هذا الكَوْنِ إلا وهو مُسَخَّرٌ بِأمْرٍ الله - سبحانه وتعالى - ، لِيَكونَ هذا الطِّفْلُ مِن أَوّلِ الأمْر مُتَعَلِّقًا بِالله.
كما أنّ الأبَوَيْنِ عند قيامِهما إلى الصّلاة يَنبغِي لَهما أن يُعَرِّفَا الابن بِأنّهما يَقُومَانِ إلى عبادةِ الله .. إلى مُناجاةِ الله، وأنّ هذه الصّلاة هي مِمّا فَرَضَه الله - سبحانه وتعالى - على عبادِه، وأنّ مَن أدّاها على الوجْه المَشروع كان سعيدا يومَ القيامة، ومَن قَصَّرَ فيها كان شَقِيا والعياذ بِالله.
كذلك الواجباتُ الأخرى، كالزّكاة مثلا، ومِن ذلك تَعوِيدُ هذا الولَد على البِرِّ والإحسان والعَطْف على الضُّعفاء والرَّحمة بِكلِّ شيء .. حتّى بِالحيَوان الأَعْجَم .. ذلك مِمّا يَنبغِي أن يُعَوَّدَ عليه، فعندما يُعَذِّبُ شيئا مِن الحيواناتِ الصغِيرَة يُذَكَّرُ ذلك .. بِأنّ هذا مِمّا لا يَجُوز، وأنّ الله-تبارك وتعالى-خَلَقَ الحيوانَ لِلانتفاعِ بِه، لا لأجْل تَعذِيبِه، وأنّ تَعذيبَه يَتنافَى مع الرّحمة التي تُطلَبُ مِن الإنسان، وأنّ الله - سبحانه وتعالى - يَرحَم مِن عبادِه الرُّحماء. (1/9)
صفحة 10
ومِمّا يَجِب اجتِنابُه في تربيةِ الأولاد هُجْرُ الكلام .. أي قبيحُ الكلام، فكلُّ كلامٍ قبيح يَجِب اجتنابُه، ففي مُعاملَةِ الولَد يَجِب أن يُعامَل مِن قِبَلِ أبيه ومِن قِبَلِ أُمِّه بِالحُسْنى، ويُعَوَّد مِن قِبَلِهِما سَماعَ الحَسَن مِن الكلام لا القبيح، فما يَصدُر مِن كثِيرٍ مِن الآباءِ والأُمّهات مِن تَقبِيحِ أَولادِهم ونِدائِهم بِأقْبَحِ الكلمات-كـ " حمار " و " كلب " وأمثالِ هذه الكلمات-أمْرٌ يَتنافَى مع ما يَجِب أن يُربَّى عليه الولَد مِن الصّلاحِ والاستقامة، لأنه عندما يَسْمَعُ هذه الكلمات مِن أَبَوَيْه يَعتادُها ويَأْلَفُها ويَتعامَل بِها مع غيْرِه، مع أنّه يُطلَبُ منهما أن يُعَوِّدَاه البِرَّ والإحسان لا الإساءة، ومِن الإساءة أن يَتعامَل مع غيْرِه بِهُجْرِ الكلام.
كذلك مِمّا يَجِب على الأبَوَيْن مِن أَوّلِ الأمْر أن يَغْرِسَا في ولَدِهِما عادةَ الصِّدْقِ في الحديث واجتِنابِ الكذِب، وهذا حتى في تَعامُلِهِما معه، فإنّه مِمّا لا يَجوز لِلأَبِ ولا لِلأُم في مُحاولَةِ إِلْهاءِ الولَدِ عن شيء أن يُوعَدَ بِما لا يُوفَى لَه بِه، فلا يَجوزُ لامرأة أن تَقولَ لِولدِها: " دُونَك " كأنّما تُعطِيهِ شيئا مِن أجْلِ أن تُلْهِيَه عن شيء وهي لا تُعطِيهِ شيئا، ولا يَجوز-أيضا-ذلك لِلأَب، فعليهما أن يَتجنَّبا الكذِب، لأنّهما عندما يَكذِبان على ولَدِهِما يَعتادُ أيضا هو على الكذِب، ويَحسِبُ ذلك شَطَارَة، ويُحاوِلُ-أيضا-أن يَتفَنَّن في مُعاملَتِه لِلآخَرِين في الأكاذِيب التي يُملِيها عليهم، وهي مِن أَسْوَإِ العادات، فإنّ: ( المُؤمِن يُطبَع على الخِلالِ كلِّها ليسَ الخيانةَ والكذِب )، كما جاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ومِن شأْنِ المُؤمِن أنّه إذا حَدَّثَ صَدَق، بِخِلافِ المُنافِق، فإنّ مِن شأْنِ المُنافِق أن يَكذِب عندما يُحَدِّث. (1/10)
صفحة 11
كذلك-أيضا-مِمّا يَجِب أن يُعَوَّدَ عليه الولَد اختيار الغِذاء الحَلال، فيُعَوَّد مِن أَوّلِ الأمْر اختِيار الحَلال مِن الطعام، ويُبَيَّن له بِأنّ الحَرام-والعياذ بِالله-يُفضِي إلى النار، وأنّ اللحمَ الذي يَنْبُتُ مِنه .. الذي يَنْبُتُ مِنَ السُّحْت فالنّارُ أَوْلَى بِه .. ذلك لِيَعتادَ دائما على الابتعاد عن الحَرام.
وعندما يَكونُ على استعدادٍ لِتَعلُّمِ القرآنِ الكريم يُعلَّمُ القرآن .. كتابَ الله الذي لا يَأتِيه الباطِل مِن بيْنِ يديْه ولا مِن خلْفِه، ويُعَوَّد تعظيمَ هذا الكتاب، ويُعَرَّف بِأنّ هذا الكتاب إنما هو كلامُ الله، وأنّ الله - سبحانه وتعالى - أَنزلَه هدًى لِلنّاس وأنّه هو نورُ الله المُبِين والذِّكْر الحكيم والصِّراط المُستقيم، وأنه هو الذي يَقُودُ مَن اتّبَعه إلى الجنّة، وأنه يَدفَع بِمَن خالَفه وخَرَجَ عن سبيله-والعياذ بِالله-إلى النّار، فتَعليمُ القرآن في مُقَدِّمَةِ الأشياء التي يُؤمَرُ الآباءُ والأمّهات بِأن يُعَلِّمُوها أَولادَهم، فقد جاء في الحديثِ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( عَلِّمُوا أَولادَكم القرآن، فإنّه أَوّلُ ما يَنبغي أن يُتعلَّم مِن عِلْمِ الله هو )، كذلك يَقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( خيْرُكم مَن تَعلَّمَ القرآنَ وعَلَّمَه ).
على أنّه يَنبغي أن يُعَرَّفَ-أيضا-بِقَدر ما يَحتمِلُه ذِهنُه وتَستَعِدُّ لَه مَواهِبُه وإِدراكُه مِن معانِي القرآن، فيُعَرَّف معنى: { الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } أنّ هذا ثناء على الله - سبحانه وتعالى - الذي خَلَقَ كلَّ مَوجود، وهكذا حتّى يَكونَ مُتَهَيِّئًا لأَن يَتلقَّى في مُستقبَله تفسِيرَ كتابِ الله، وأن يَتَهيَّأ لِتعلُّمِ مَعارِفِ القرآنِ الكريم في المُستقبَل. (1/11)
صفحة 12
ويُعلَّم-أيضا-ما يُمكِن أن يَحتمِلَه مِن العلومِ النافِعة التي تُقرِّبُه إلى الله زُلْفَى، هذا بِجانِبِ تَعلِيمِه-أيضا-ما يَحتاجُ إليه لِشُؤونِ دُنْيَاه، فإنّ الإسلامَ لا يُهْمِلُ جانِبًا، فلا يُوَفِّر لِلجانِبِ الأُخْرَوِي على حسابِ هذه الدُّنْيَا حتّى تَفْسُدَ على الإنسانِ دُنْيَاه، فإنّه عندما تَفْسُدُ عليه دُنْيَاه تَفْسُدُ عليه آخِرتُه، وفي نفس الوقت-أيضا-لا يَسمَحُ الإسلام بِأن يُوَفَّر لِلدنيا على حسابِ الآخِرَة بِحيثُ يُعلَّم الإنسان ما يَحتاجُ إليه لِدُنياه مع إِهمالِ الجانِبِ الأُخْرَوِي في حياتِه، إذ الدُّنْيا إنّما هي وسيلة لِلوُصولِ إلى الآخِرة، والدارُ الآخِرة هي الغاية التي يَجِب على الكلِّ أن يَحرِصَ عليها.
وقد جاء في بعضِ الآثار أنّ رَجُلا اشتغلَ بِتعليمِ ولَدِه شؤونَ الزِّراعة وأَهمَل تَعليمَه القرآن وتَعليمَه الأَدَب وتَعليمَه العبادات وتَعليمَه الواجباتِ والمَنهيات جميعا، فلَمّا كَبُر الولَد واشتغَل بِالزِّراعة قام إلى أبيه في يومٍ مِن الأيام وأَوْجَعَه ضَرْبا فذَهبَ الأب إلى أحدِ العلماء وشَكَى إليه ما صَدَر مِن ابنِه، فقال له: " إنّما ذلكَ بِما كسبتْ يَدَاك، فأنتَ علَّمتَه شؤونَ الزراعة وأَهملْتَ تَعليمَه القرآنَ والأَدَب وما يَنفعُه، وقد حَسِبَك بعضَ بَقَرِ الزِّراعة فلِذلكَ أَوْجَعَكَ ضَرْبا، فاحْمَدِ الله على أنّه لم يُحَطِّم رَأْسَك " .. هكذا شأْنُ الإهمال .. إهمالِ التربية وإهمالِ التعليم.
أمّا عندما يَبَر الأَب وَلَدَه في تَعليمِه وتَنشِئَتِه وتَعْوِيدِه على الخيْر يَعُودَ على الأَبِ أَثَرُ ذلك، فيُعَوِّضُه الولَد البِر والإحسان والقيام بِما فَرَضَ الله-تبارك وتعالى-عليه مِن حقوقٍ تِجاهَه. (1/12)
صفحة 13
هذا ومِن الواجِبات تَعليمُه العبادات عندما يَنشَأ، فإنّ العبادات إنّما هي صِلَة بِالله تبارك وتعالى، وهي وَقُودٌ لِلعقيدة التي أَمَرَنا الله - سبحانه وتعالى - أن نَعتقِدَها .. عقيدة الحق التي تَتعلَّق بِالله تبارك وتعالى وتَتعلَّق بِالكَوْن الذي خَلَقَه الله وما يَجْرِي في هذا الكَوْنِ في الآخِرَة والأولى .. هذه العقيدة تَستَمِدُّ مَدَدَها مِن هذه العباداتِ التي شَرَعَها الله، وفي مُقَدِّمَةِ ذلك الصّلاة، فيُؤمَر إذا بَلَغَ الصبِي سَبْعَ سنوات أن يُعلَّم الصّلاة، وأن يُعَوَّد على الصّلاة، وأن يُحمَل إلى المَسجِد مع ضَبْطِه عن الفوضى والضجيج الذي قد يُسَبِّبُ إِحراجًا لِلمصلِّينَ في المَسجِد ولكن بِجانِبِ ذلك لا يُضرَب على تَرْكِ هذه الصّلاة حتى يَصِلَ عُمرُه عَشْر سنوات، ففي الحديثِ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( مُرُوهُم بِالصّلاةِ لِسَبْع، واضْرِبُوهم على تَرْكِها لِعَشْر، وفَرِّقُوا بيْنهم في المَضاجِع ).
يَأمُر النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديثِ الشريف بِأن يُعلَّم الولَدُ الصّلاةَ عندما يَبلُغُ سبعَ سنين، وأن يُضرَبَ على تَرْكِها عندما يَبلُغُ عَشْرَ سنين، ولكن هذه الصّلاة في هذه المَرحلة-هو ابن عَشْر سنوات-غيْرُ واجِبةٍ عليه، وإنّما يُضرَبُ تعوِيدا لأدائِها، لأنه إن لم يَحتمِل القيامَ بِالصّلاةِ مِن أوّل الأمْر قبلَ بُلوغِه الحُلُم فلا ريبَ أنه سيَشُقُّ عليه ذلك عندما يَبلُغُ الحُلُم، لذلك كان تَعوِيدُ الولَدِ على الصّلاة مِن أوّلِ الأمْر مِن أهمّ الواجِبات التي يُؤمَر بِها الآباء، ويُضرَب هذا الولد عندما يَترُكُ الصّلاة بعدَ بلوغِه عَشْرَ سنوات لئلا يَعتادَ التّمادِيَ في تَرْكِها حتّى إذا بَلَغَ الحُلُم كان في عِدادِ الكافِرِين، لأنه ليْس بيْن العبْدِ والكفْرِ إلا تَرْكُه الصّلاة. (1/13)
صفحة 14
ونَجِد بِجانبِ هذا-أيضا-الحديثَ الشريف يُشِيرُ إلى أَدبٍ آخَر مِن الآداب التي يَجِب أن يُربَّى عليها الأولاد، وهو التّفريق بينهم في المَضاجِع عندما يَبلُغُون هذا العُمُر، فالتّفرِيق بينهم في المَضاجِع مِن أهمّ الضرورات .. يُفَرَّقُ أوّلا بيْن الذكور والإناث فلا يَبِيتُونَ في مَكانٍ واحد، بل يَكونُ لِلإناثِ مَبيتٌ ولِلذكورِ مَبيتٌ آخَر .. هذا مِن ناحية، ومِن ناحية أخرى يُفرَّق-أيضا-بيْن الذكور أنفسِهم في المَضجَع بِحيثُ لا يَبِيتُ اثنان في فِراشٍ واحد، وبيْن الإناثِ أنفسِهنّ في المَضجَع بِحيثُ لا تَبيتُ اثنتان في فِراشٍ واحد، لأنّ الاجتماع بيْنهم في هذه المَرحلة مِمّا يُؤدِّي-والعياذ بِالله-إلى الإغراءِ بِالأمْر الذي لا تُحمَد عاقبتُه. (1/14)
صفحة 15
والناس قد يَجنُونَ العاقِبةَ المُرَّة لِمخالَفةِ أمْر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي هو مِن أمْر الله في تَوجيهِه الأمّة إلى هذا الأدَب العظيم .. الأدَب الذي يَحفظُ السّلامة لِلأولاد مِن التّورُّطِ في الأمورِ الخطِيرَة .. عندما تَكونُ المُخالَفة لأمْرِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا كثِيرا ما تَكونُ الضريبة التي يُؤدِّيها المُخالِف ضريبةً غالِية، ولِذلكَ أمثلةٌ كثيرة يَعرِفها مَن اطّلَع عليها، ونَحن بِسببِ اطّلاعِنا على كثِيرٍ مِن أحوالِ الناس التي تَجرِي في هذه البلاد اطّلعْنا على كثِيرٍ مِن أمثالِ هذه القضايا التي هي في حقيقتِها في مُنتهى المَرارة .. مِن ذلك أنّ شابّا هو وأخته كانا يَبِيتانِ في غُرفةٍ واحِدة وبِجانبِ ذلك كانا مُهمَلَيْن مِن قِبَلِ أهلِيهم .. هُما نَشَآ يَتِيميْنِ مِن قِبَلِ أبِيهما ولكن كانتْ لَهما أمّ وأُمّهما مُتزوِّجة وكانا يَبيتَانِ على شاشة التلفاز يُتابِعان البرامِج ثم بعدَ ذلك يَأخذُ كلٌّ منهما مَرقدَه، فما كان مِن هذا الولَد وقد بَلَغَ ثلاثة عشر عاما ونصف إلا أن جاء إلى أختِه التي بلغتْ خمسة عشر عاما في الليل وباشَرها بِسببِ ما شاهَد في التلفاز وبِسببِ ما سَمِعَه مِن جلساءِ السوء مِن المُغرِيات .. باشَرها أكثرَ مِن مَرّة، وكانت تُدافِعُه في بادِئ الأمْر ثم بعدَ ذلك استَسلَمَتْ وأدّى الأمْر إلى أن تَحمِلَ منه ووَلَدَتْ طِفْلا رأيْتُه بِنفسِي جاءا يَقتادانِه جميعا وقد كان مَحكوما عليهما جميعا بِالقتْل، لأنّه زنًى بيْن ذي مَحرَمٍ ومَحرمَتِه، فماذا عسى أن تَكونَ حالةُ أُمِّهما التي إذا ما نُفِّذَ هذا الحُكم تَفْقِدُ ثَمَرَتَيْ قلبِها في هذه المَرحلة مِن العُمُر .. (1/15)
صفحة 16
هذه المَرحلة التي تُعَدُّ زهرةَ هذه الحياة ؟! وماذا عسى أن تَكونَ حالتُها وهي تُربِّي حفيدًا لَها مِن ابنِها وابنتِها في نفسِ الوقت ؟! فهذه مَأساةُ مُرّة جِدّا ولكنّها هي ضريبةُ المُخالَفة لأمْرِ الله-تبارك وتعالى-وأَمْرِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، فإنّ أمْرَ الرسول-عليه أفضل الصلاة والسلام-ما هو إلا مِن أمْرِ الله - عز وجل - .
ولهذه القضية أخوات وأخوات، وإنما يَستَتِر الكثِيرُ مِن أحوال الناس، ولله الأمْرُ مِن قبلُ ومِن بعد.
فإذن على الآباءِ والأمّهات أن يُدرِكوا هذا الواجِب، وأن يُدرِكوا أنّ أمْرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يَكونُ عَبَثا، فإنّه عليه أفضل الصلاة والسلام لا يَنطِق إلا بِالحق مِن عندِ ربِّه سبحانه: { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى } [ سورة النجم، الآيتان: 3-4 ].
كذلك مِن الحقوقِ الواجِبة على الآباءِ والأمّهات في تربيتِهم لأولادِهم أن يُعوِّدوهم القيام بِسائِر العباداتِ مِن أوّلِ الأمْر، وفي مُقَدِّمَةِ هذه العبادات بعد الصلاةِ الصيام، فعندما يُطِيق الولَد الصيام على أَهلِه أن يُعوِّدُوه الصيام، لِيَنشأَ مُعتادا له .. لأجْل ألاّ يَشغَلَه النَّهَم بِالطعام فيما بعد عمّا فَرَضَ الله عليه مِن الصيام.
ومِن الأمور المُهمّة جِدّا في تربيةِ الأولاد تَجنِيبُهم رُفقاءَ السّوء، فإنّ الرّفقاءَ كثيرا ما يُؤثِّرونَ على رُفقائِهم:
ولِلشيءِ على الشيءِ مقاييسٌ وأشباهُ ... يُقاسُ المرءُ بِالمرءِ إذا ما المَرءُ مَاشَاهُ (1/16)
صفحة 17
فعندما يَمشِي الإنسان مع غيْرِه كثِيرًا ما يَتأثَّر بِأخلاقِه ويَتأثَّر بِسلوكِه، وكما يَقول أهل العلم بِأنّ رَفيقَ السّوء أخطَرُ مِن إبليس، فإنّه يُغرِي إغراءً ظاهِرا ويُحاوِل أن يُزيِّنَ لِرَفيقِه كلَّ سوءٍ يُمكِنُ أن يُباشِرَه، وهذا مِمّا يُؤدِّي بِالأولادِ إلى أن يَكونُوا ضحايا لِهذه الرُّفْقَة السيّئة، فإِبعادُ رُفَقَاءِ السّوء عن الأولادِ مِن أهمّ الواجبات التي تُفرَضُ على الآباءِ قبلَ كلِّ شيء، لأنّ الآباءَ في هذه المَرحلة هم الذين يُشرِفونَ على تربيةِ أولادِهم، وهم القادِرون على إِبعادِهم عن رُفقاءِ السّوء، وكذلك سائرُ أوليائِهم الذين يَقومونَ مِن بعد بِتربيتِهم، أما الأُم فإنّ عليها أن تُذَكِّرَ دائما ولَدها بِأن يَبتعِد عن رُفقاءِ السّوء ولكن تَشُقُّ على الأُم المُراقَبةُ والمُتابَعة، إذ هي شأنُها يَتعلّق بِداخِل البيْت، ومِن رفقاءِ السّوء مَن يَنشؤُون في التّرَف، فإنّ التّرَف مِن أخطرِ المَخاطِر التي تُهدِّد الأمّة، فالذي يَنشأُ مُترَفا .. (1/17)
صفحة 18
بيْن أبوَيْن مُترفَيْن لا يَنبغي لِلإنسانِ أن يَرضى بِأن يَكونَ رفِيقا لِولَده بل عليه دائما أن يُبعِدَه عن رفقاءِ السوء، وقد قال العلماء: " إنّ مِن حقِّ الولَد على أبيه عندما يُربِّيه أن يُعَوِّدَه الخُشونَة لا المُيوعَة والتَّرَف "، ومِن ذلك قالوا بِأن يُعَوِّدَه الطعامَ الخَشِن، وأن يُعَوِّدَه اللِّباسَ الخَشِن، وأن يُعَوِّدَه المَركَبَ الخَشِن، لئلاّ يَعتادَ التَّرَف، فالتَّرَفُ يُؤدِّي إلى شَرِّ الدنيا وشَرِّ الآخِرة والعياذ بِالله، فالله - سبحانه وتعالى - عندما ذَكَرَ عذابَ الآخِرة بعدما ذَكَر أصحابَه-وهم أصحابُ الشِّمال-قال فيهم: { إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ } [ سورة الواقعة، الآية: 45 ]، وقال-أيضا-في عذاب الدنيا: { حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ } [ سورة المؤمنون، الآية: 64 ]، وقال: { وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ - فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ - لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } [ سورة الأنبياء، الآيات: 11-12-13 ]، وبيَّن أنّ العذابَ الذي يُصِيبُ العُموم إنّما يُصيبُهم بِسبَبِ ما كسبتْ أيْدي المُتْرَفِين عندما يُخْلَى لَهم المَجال ويُفسَح لَهم المَيدان، فالله-تبارك وتعالى-يَقول: { وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا - وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا } [ سورة الإسراء، الآيتان: 16-17 ]، وذَكَرَ مُخالَفةَ دَعواتِ المُرسَلِين والتّكذيبَ بِها فبَيَّنَ أنّ ذلك إنّما يَنشأُ مِن المُترَفِين، (1/18)
صفحة 19
عندما قال - سبحانه وتعالى - : { وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ... } [ سورة المؤمنون، من الآية:33 ]، وقال: { وَمَا (1) أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ } [ سورة سبأ، الآية: 34 ]، وكذلكَ معارَضَة المُصلِحين إنّما تأتِي مِن قِبَلِ المُترَفِين، فإنّ الله - عز وجل - يَقول: { فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ ... } [ سورة هود، من الآية: 116 ]، فالذين ظَلَموا هم الذين يَنْأَوْنَ بِأنفسِهم عن اتِّباعِ الذين يَنْهَوْنَ عن السّوء، وهكذا شأنُ المُترَفِين أن يُؤثِّروا على جُلسائِهم وقُرنائِهم، فعندما يَقتَرِن الولَد بِأولادِ المُترَفِين كثِيرا ما يَتأثَّر بِهم ويَطمَحُ دائما إلى أن يَكونَ مِثلَهم ويَغدُو في الصّباح وفي المَساء يَتطلّع إلى اليوم الذي يَلبَس فيه ما يَلبَسون ويَأكل فيه ما يَأكلون ويَلهو فيه كما يَلهون ويَأتي فيه ما يَأتون مِن الأعمال، وهذا مِمّا يُؤثِّر آثارا سلبية جِدّا.
__________
(1) -قال الشيخ: " وكذلك ما أرسلنا ... " وهو سبق لسان. (1/19)
صفحة 20
على أنّ الغَزْوَ المُعاصر مِن قِبَلِ وسائلِ الإعلام المُختلِفة مِمّا يَجِب أن يُحذَر أثرُه في تربيةِ الأولاد، فإنّ وسائلَ الإعلام-كما قيل-تَتخطّى جميعَ الحدود وتَتجاوَز جميعَ السّدود وتُحطِّم جميعَ القُيود وتَدخُل على الناس في منازِلِهم بِدونِ استئذان مع ما يُبَثُّ فيها مِن خيْرٍ أو شَر، ولعلّ الشرَّ أكثر بِكثِيرٍ مِن الخيْر، فالخيْر ربما يَكونُ ضائِعا في خِضَمِّ الشّر، وهذا مِمّا يَجِب أن يُحذَر في تَنشِئة الأولادِ حتى يَنشأَ الأولادُ على صلاحٍ وبِرٍّ واستقامة وتَعلُّقٍ بِمعالِي الأمور وتَطلُّع إلى ما يَعودُ بِالمَنفعةِ عليهم في دُنياهم وفي أُخراهم. (1/20)
صفحة 21
ومِن البِرِّ-أيضا-بِالأولاد أن يُعَفُّوا عندما يَبلُغُون الحُلُم، فمِمّا يَنبغي لِلأَب أن يُسارِع إليه أن يَقومَ بِتزويجِ أولادِه عندما يَبلُغُون الحُلُم، وأن يَقومَ بِتزويجِ بناتِه أيضا، وكثِيرٌ مِن الآباء لا يَقومُون بِما أَوجَب الله-تبارك وتعالى-عليهم مِن تَزويجِ بناتِهم ووَلِياتِهم عندما يَتطلَّعْن إلى الأزواجِ ويَرغَبْن في ذلك، إما لأجْل عَصبِية بِحيثُ لا يُريدُ أن يُزوِّجَهنّ إلا الأقربينَ منه وهُنّ لا يَرغَبْن في الأقربين ولا يُبالِي بِمشاعِرِهِنّ وأحاسِيسِهنّ، وإما مِن أجْل الطّمَع فيما يَنالُه وراءَهنّ مِن الثّرْوَة بِسببِ عملِهنّ، وهذه مِن الأمور التي تُؤدِّي إلى الفساد، فإنّ في التّزويجِ تلبيةً لِداعِي الفِطْرَة بِالطّرِيقِ السليم .. الطريقِ الذي يُفضِي إلى حُسْنِ العاقِبة، لأنّه طريقُ الفِطْرَة، ولأنّه طريقُ الفضيلة، وإذا لم يُلَبَّ هذا الدّاعِي بِهذا الطريقِ السّلِيم فإنّ الأمْرَ إمّا أن يُؤدِّي إلى ضُغوطٍ نفسية تُؤدِّي إلى أمراضٍ عَصبِية وأمراضٍ نَفسِية لا تُطاق، وإما أن يُؤدِّيَ ذلك إلى التّحطِيم لِجميعِ الفضائِل والأخلاق، وهذا أمْرٌ مِن الأمورِ التي تَعودُ آثارُها السلبية على الآباءِ أنفسِهم، فعليهم أن يَتّقوا الله-تبارك وتعالى-في أنفسِهم قَبلَ أن يَتّقوهُ في أولادِهم.
ومَعونةُ الأولادِ الذكور على الإِعْفاف مَطلَبٌ مُهِم يَنبغي أن يُسارِعَ إليه الآباء، فإنّ فسادَ الذكور-أيضا-يُؤدِّي إلى فسادِ الإناث، فإنّ الذَّكَرَ عندما يَفجُر إنّما يَفجُر بِأنثى، ولئن كان كثِيرٌ مِن الآباءِ الجَهلة لا يَرَوْنَ في فُجورِ أَولادِهم الذّكور عارًا عليهم، فماذا عسى أن تَكونَ حالتُهم عندما يَفْجُرُ أولادُهم بِبناتِ غيْرِهم ويَفْجُرُ الغيْر بِبناتِهم، فإنّ كلَّ مَن خالَف أمْرَ الله لابد له مِن أن يَدفَعَ الضريبةَ الغالِية التي يُحِسُّ بِثِقلِها عليه فيما بَعد. (1/21)
صفحة 22
والمُغالاة في المُهور مِمّا يَقِفُ عائِقا أمامَ طريقِ الإِعفاف، لِذلك يَجِب على الكلِّ أن يَتعاوَنُوا على التقليلِ مِن المُهور حتّى لا يَقِفَ غلاءُ المَهر حاجِزا بيْن نفوسِ الأولادِ-مِن الذُّكران والإناث-وبيْن ما تَتطلَّع إليه مِن عِفّة ومِن ارتباطٍ بِمصِيرٍ سعيدٍ يَشغَل بالَ كلِّ واحدٍ مِن هذه النّفوس. (1/22)
صفحة 23
هذا ومِن الفروضِ الواجِبة على الآباءِ تِجاهَ أولادِهم العَدْلُ بيْنهم، فإنّ العَدْلَ مَطلَبٌ ضرورِي، بل قيل: " إنّ على الآباءِ أن يَعدِلوا بيْن أولادِهم حتى الأطفال في الحُبَل "، والرسولُ - صلى الله عليه وسلم - أَمَرَ بِالعَدْلِ بيْن الأولادِ، وعندما جاء إليه النعمان بن بشير وأرادَ أن يُشْهِدَه - صلى الله عليه وسلم - على نَحْلِه أحدَ أولادِه شيئا مِن مالِه بِسببِ طلبِ أُمِّ ذلك الولَد مِن أبيه ذلك قال له عليه أفضل الصلاة والسلام: ( أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثلَه ؟ ) قال: " لا " قال: ( لا تُشْهِدْنِي على باطِل ) أو ( لا تُشْهِدْنِي على جَوْر ) أو كما قال عليه أفضل الصلاة والسلام، وذلك يَدُل على أنّ العَدْلَ أمْرٌ لابد منه، وهذا مِن دِقّة الإحساس في الإسلام بِمشاعِرِ الأولاد، فإنّ مِن شأن الأولاد عندما يَرَوْنَ آباءَهم يَمِيلون إلى بعضِهم دون بعض ويُؤثِرون بعضَهم على بعض أن يُوجَدَ فيهم الحَسد وأن تُوجَدَ بيْنهم البغضاء وأن يَحرِصَ بعضُهم على التّشفِّي مِن بعض، وهذا أمْرٌ له تأرِيخٌ طوِيل في حياة الإنسانية، فأولادُ يَعقوبَ - عليه السلام - مع كونِهم نشؤُوا في كَنَفِ بيْتِ نُبُوة وكان أبوهم عبْدا صالِحا ونَبيا كرِيما إلا أنهم أخذَهم الحَسَد بِسببِ أنّهم أحسُّوا بِأنّ أباهم يُؤثِرُ عليهم في المَحبّة أخاهم يُوسف مع أنّ أباهم لم يَكن يُؤثِرُه إلا لِمَا يَعلَم مِن نَجابَته ومِن تَهيِئَةِ الله-تبارك وتعالى-له لأَن يَكونَ نَبيا كرِيما، فهو رأى فيه مِن مَخائِلِ الخَيْر ما لَم يَرَه في الآخَرين فلِذلكَ كانت مَحبَّتُه تَفوقُ مَحبَّتهم، وقد وُجِدَتْ في نفوسِهم البغضاء بِسببِ ذلك .. على أنّ العلماء صرَّحُوا بِأنّه لا مانِع مِن أن يجزِي الوالد بعضَ أولادِه على كونِه أَبَرَّ بِه مِن الآخَرِين .. (1/23)
صفحة 24
عندما يَكونُ ذلكَ الولَد أَبَرَّ بِأبِيه مِن الآخَرِين فإنّ إعطاءَه شيئا مِن المال أو شيئا مِن الرِّعاية أكثرَ مِن غيْرِه لا يُعَدُّ ذلك حَيْفا ولا يُعَدُّ ذلك إيثارا له على غيْرِه، وإنَّما يُعَدُّ ذلك مُكافأة له على إحسانِه.
وقد اختلَف أهل العلم في الأُم هل يَلزَمها ما يَلزَم الأَب مِن العَدْلِ بيْن الأولاد أو أنّ لَها أن تُؤثِرَ بعضًا على بعض ؟ وبِما أنّ العدالَة المَطلوبَة بيْن الأولاد إنما هي مِن أجْل دفْع الحَسد والقضاء على البغضاء وجَمْع الشَّمْل واستِلالِ السَّخائِم والأحْقادِ مِن نفوسِهم فلا ريب أنّ أَقَلَّ ما في الأمْر أن تَكونَ العدالَة في حقِّ الأُم مَندوبًا إليها إن لَم تَكُن واجِبة، فعندما نَقِيسُ الأُم على الأَب بِسببِ ما أَشَرْنا إليه نَقولُ بِأنّ هذه العدالَة تَجِب عليها كما تَجِب على الأَب، لأنّ العِلّةَ واحِدة، وإن اقتصَرنا على ما وَرَدَ فيه النّص .. إذا اقتصَرنا على مَوْرِدِ النّص فإنّنا نَقولُ بِأنّ العدالَة في حقِّها أمْرٌ مَندوبٌ إليه، فهي مطالَبة بِأن تَعْدِلَ بيْن الأولادِ على أيّ حال. (1/24)
صفحة 25
هذا والأَبُ يُؤمَر بِأن يُعِينَ أولادَه على بِرِّه وذلك مِن بِرِّه بِأولادِه، كما أنّ الأُمَّ-أيضا-مُطالَبة بِأن تُعِينَ أولادَها على بِرِّها، ومِن ذلك عَدَمُ تكليفِ الأولادِ ما لا يُطِيقُون، وقد أَشَرْنا في الدرس الماضي (1) إلى أنّ بعضَ أهلِ الجَفاء والغِلْظَة مِن الآباءِ والأمّهات يُكلِّفونَ أولادَهم ما لا يُطِيقون ولا يُرضِيهم مِن أولادِهم شيء ولو حاوَلوا بِرَّهم ولو حاوَلوا الإحسانَ إليهم، وهذا مِمّا يُعَدُّ إساءَة مِن قِبَلِ هؤلاء إلى أنفسِهم، فإنّ الولَد عندما يَنشَأ في هذه الحالة ويَرى أنّ الأُم لا يُقنِعُها منه شيء وأنّ الأَب لا يُقنِعُه منه شيء كثِيرًا ما يُؤدِّي بِه ذلك إلى رَدّةِ فِعْل مُعاكِسَة ويُؤدِّي بِه ذلك إلى عَدَمِ الاكتِراثِ بِالأُمِّ والأَب، وعَدَمِ القيامِ بِشيءٍ مِن حقوقِهم بل إلى هجرانِ الأُمِّ والأَب، وهذه عاقِبة سيّئة، وهذا أمْرٌ حَصَلَ كثِيرًا بِسببِ سوءِ التربية مِن الآباءِ والأمّهاتِ تِجاهَ أولادِهم، فالولَد-كما يُقال-هو مُدِلٌّ على أبيه بِسببِ حُبِّه عليه، وهو في نفسِ الوقت يَشعُرُ بِحاجتِه إلى عطفِ الأَبِ عليه، فإن كان الأَبُ عطوفًا تِجاهَه كان الولَد وَفِيا كرِيما تِجاه الأَب قائِمًا بِما يَجِب عليه لَه مِن حُسْنِ الرّعاية وأداءِ الحقوقِ اللازِمة، أما عندما يَكونُ الأَبُ جافِيا فإنّ الولَدَ يَكونُ أيضا عاقًّا مُعادِيا، فالأَبُ مطالَب-على أيّ حال-أن يَكونَ عطُوفًا تِجاهَ ولَدِه، كما أنّ الأُم مُطالَبة بِذلك، وهذا وإن كان أمْرا فِطْرِيا مَركُوزًا في نفسِ كلِّ واحِدٍ مِنَ الأَبِ والأُم إلا أنّ الانحِرافَ الفِطْرِي كثِيرًا ما يُؤَدِّي بِالأَب والأُم إلى الانحِرافِ عن المَسْلَكِ السّوِي ويُؤَدِّي بِهما ذلك إلى ألاّ يُبَالِيَا بِالولَد، فرِعايةُ الأولاد مِن أَيِّ ناحيةٍ مِنَ النّواحِي تُؤَدِّي إلى أن
__________
(1) -في محاضرة " حقوق الوالدين في الإسلام ". (1/25)
صفحة 26
يَكونَ هؤلاءِ الأولاد لَبِنَاتٍ صالِحة في بِناءِ المُجتمَع الصّالِح وبِناءِ الأُمّة الصالِحةِ القَوية، لِذلك كان ما يَدعُو إليه الإسلام مِن ذلكَ كلِّه مِنَ الأسباب التي تُضْفِي على النّاس الاستقرار والأمْن والطّمَأنينة، فإنّ الولَد عندما يَنشأُ مُنحَرِفا عن الطّرِيقِ السّوِي يَنعكِسُ انحِرافُه على مُجتمَعه، لأنّه جزءٌ مِن هذا المُجتمَع، فعندما يَنشأُ لِصّا أو قاطِعَ سبيل أو سَفّاكًا لِلدِّماء أو مُفسِدًا مُتعلِّقًا بِالرّذائِل يَنعكِس ذلكَ على أُمّتِه، ويَنعكِسُ ذلك بِطريقةٍ خاصّة على مُجتمَعه، وعندما يَكونُ بِخِلافِ ذلكَ تَكونُ هذه الأُمّة صالِحة، ويَكونُ ذلك المُجتمَع صالِحا وتَكونَ الأُمّة أُمّةً قَوية .. أُمّةً ذاتَ مَجدٍ وعِزٍّ وشَرَف، لأنّ مَجدَها بِقَدر ما يَكونُ عليه أبناؤُها مِن صلاحٍ واستقامَة وبِرٍّ وإيمان وتَرابُطٍ فيما بيْنهم، فالحِرْصُ على تربيةِ الأولاد مِمّا تَنعكِسُ ظِلالُه الإيجابِية على الأُمّة بِأسْرِها، فمِن هنا كان الواجِب على الجميع أن يَتعاوَنَ على ذلك .. هذا الواجِبُ قبل كلِّ شيء مَفروضٌ على الآباءِ والأمّهات، ثم هو مَفروضٌ-أيضا-على المَدرسَة .. على مَن فيها مِنَ المُدرِّسِين والمُدرِّسات والقائمين بِشؤونِ التّربية جميعا، وذلك أمْرٌ-أيضا-مَفروضٌ على المُجتمَع بِأسْرِه، ووسائلُ الإعْلام يَجِب تَطهِيرُها مِن كلِّ ما عَلِقَ بِها مِمّا يُخالِف هذا المُبتغَى ويُخالِف هذه الغايَة التي يَنشُدُها الإسلامُ في أبنائِه .. كذلك المُجتمَع عليه أن يَتعاونَ على ذلك، بِحيثُ يَحرِصُ دائما على تَطهِيرِ جميع أبنائِه مِنَ الرّذائِل وتَسوِيةِ جميع الخِلافاتِ التي تَكون والقضاءِ على كلِّ ما يُؤَدِّي إلى التّفكُّك وعَدَمِ التّكامُل فيما بيْن أفرادِه والتّكافُل فيما بيْن جميعِ أعضائِه .. هكذا غايةُ التّربيةِ الصالِحة في حقِّ الأولاد .. في حقِّ الناشِئَة .. (1/26)
صفحة 27
تَعودُ آثارُها الإيجابِية على الكل.
فنَسألُ الله - سبحانه وتعالى - أن يَهْدِيَنا سواءَ السّبيل وأن يُوفِّقَنا لِلخيْر وأن يُعِينَنا عليه، إنّه تعالى على كلِّ شيءٍ قدير وبِالإجابةِ جدِير، نِعْمَ المَوْلَى ونِعْمَ النّصِير، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا محمّد وعلى آلِه وصحْبِه أجمعين، سبحان ربِّك ربِّ العِزّة عمّا يَصفون وسلام على المُرسَلِين والحمد لله ربِّ العالَمِين.
الأسئلة التي أعقبت المحاضرة مع إجابة الشيخ عليها
س1: ذكرتُم في المحاضَرة السّابِقة (1) أنّ لِلأُم مِنَ الحقوق على الأولاد الثلثين ولِلأَبِ الثّلث، والسؤال: مَن حَجَّ عن أبيه حَجّتَيْن، فكم يَحُجُّ عن أُمّه ؟
ج: قبل كلِّ شيء؛ كان أوْلَى بِهذا أن يَحُجَّ حَجَّةً عن أبيه وحَجَّة عن أُمِّه ثم يَزِيد بعدَ ذلك، و-على أَيِّ حال-لا يَعنِي هذا أنّه يَجِب عليه أن يَعْدِل بِحيث لو زاد أحدَهما كان في هذا آثِما .. لا ولكن بِجانبِ ذلك يُؤمَرُ أن يَبَرَّ أُمَّه .. لا يَلزَم أن يَكونَ بِرُّها بِالحَج .. بِالصّدقة .. بِفِعْلِ مَعروف .. بِصدقة جارِية مُستمِرّة تَكونُ في مَوازِينِها يومَ القيامة.
__________
(1) -في محاضرة " حقوق الوالدين في الإسلام " ولكن الذي قاله الشيخ فيها هو: " فإذن يَتبيَّن لنا رُجحان مَن قال بِأنّ حقَّ الأُم هو أَعظمُ مِن حقِّ الأَب.
وإذا ما أَردْنا القِياسَ وتقديرَ ما لِكلٍّ منهما مِن حقٍّ في مَجموعِ حقوقِهما .. أي نصيبُ كلِّ واحدٍ منهما مِن الحقوقِ في مَجموعِ حقوقِهما نَجِد أنّ قولَ الذي يَقول بِأنّ كَوْنَ حقِّ الأُم ثلاثة أرباعِ مَجموعِ هذه الحقوق وكَوْنَ حقِّ الأَب رُبُعَ مَجموعِ هذه الحقوقِ هو أَوْلَى بِالاعتبارِ، لأجْل دلالةِ الحديثِ على ذلك. ". (1/27)
صفحة 28
س2: نَعلَم أنه يَجِب التّفرِيقُ بيْن الأبناءِ في المَضاجِع ولكن نَجِد أنّه يُوجَد بعضُ النّاس لا يَجِدون المكان الكافي حتّى يُفَرِّقُوا بيْنهم في المَضاجِع، فماذا عليهم أن يَفعَلوا ؟
ج: يُقالُ مِن جُملَةِ القواعِد الفقهية: " الشيءُ إذا ضاقَ اتّسَع وإذا اتّسَع ضاق " ولكن بِجانبِ ذلك يُحتَالُ بِقَدر المُستطاع بِإقامةِ حواجِزَ بيْنهم حتّى لا يَقَعَ المَحذور.
س3: ذكرتُم [ ص5 ] حديثا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال فيه: ( يُطبَعُ المُؤمِنُ على الخِلالِ كلِّها ليسَ الخِيانةَ والكذِب )، فهل هذا يَدُل على أنّ باقيَ الخِلالِ السّيئة يُمكنُ أن يَتّصِفَ بِه المَرء ويُعَدّ مُؤمِنا صالِحا ؟
ج: لا، ولكن هناكَ بعضُ الصّفات التي سُئِلَ عنها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - هل يَتّصِف بِها المُؤمِن: " هل يَكونُ المُؤمِنُ جَبانا ؟ " قال: ( نَعَم )، لأنّ الجُبْن جِبِلَّة، فمَن خُلِقَ جبانا لا يُمكِنُ أن يَتحَوَّلَ إلى شُجاع .. سُئِل: " هل يَكونُ المُؤمِن بَخِيلا ؟ "-أَي مِن شأنِ نفسِه أن تَحرِصَ على المال ولكن بِجانبِ ذلك يُغالِب هذا الطَّبْع بِإيتاءِ الزّكاة .. بِدفْعِ ما يَجِب عليه إلا أنّ جِبِلَّتَه هكذا .. فُطِرَ على هذا الشيءِ-فأجاب: ( نَعَم )، ولا يَعنِي ذلك أن يَكونَ مُتّصِفا بِالأخلاقِ السّيّئة التي تُردِيه والعياذ بِالله.
س4: لو أنّ والِدا أَمَرَ ولَدَه بِشيءٍ فيه ضَرَر على الولَد-مادّي أو مَعنَوِي-لكنّه ليس بِحرام، فهل يَجوزُ لِلولَد أن يَعصِيَ والِده أم يَجِب عليه الطاعة ويَتجَرّع مَرارَةَ الضّرَر الذي سيُصِيبُه ؟
ج: لا ضَررَ ولا إِضرارَ في الإسلام .. الضَّرَر والضِّرَار مَرفوعانِ في الإسلام .. هذا مِن ناحية ولكن يَختلِفُ الضَّرَر بِقَدر الكثرة والقِلّة .. قد يَكونُ ضَرَرا قَلِيلا مُحتمَلا وقد يَكونُ ضَرَرا كثِيرًا. (1/28)
صفحة 29
س5: ما هو الأُسلوبُ الأَمثَل الذي يَنبغي لِلولَد الذي يُرِيدُ نصيحةَ أَبِيه ؟ مع العلم بِأنّ ذلكَ الأَب يُصِرُّ على المَعصية مع العلم بِها وحُرمتِها، وهل له أن يَستعمِلَ غَلِيظَ القوْل إذا كان هَمُّه صالِحَ والِدِه في دِينِه ودُنياه ؟
ج: أمّا إذا كان كلامًا لا تَجْرِيحَ فيه وإنّما مِن أجْل مَنْعِ الأَب مِمّا يَضُرُّه في آخِرتِه بيْنه وبيْن رَبِّه وذلك لِمصلحةِ أَبِيه فلا مانِع على أن يَكونَ ذلك الكلام ليْسَ فيه تَجرِيح.
س6: كيف نُوفِّق بيْن حديثِ " خَضْرَاءِ الدِّمَن " [ ص2 ] وخِطبةِ سيّدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لابنِه عاصِم ابنةَ تلكَ المَرأة التي كانتْ تَغُشُّ اللَّبَن ؟
ج: لا يَعنِي خَضْرَاءَ الدِّمَن أن تُتَجَنَّبَ المَرأة التي يَفعلُ أهلُها أَيّ مَعصِية كانت .. مَن الذي يَسْلَم مِنَ المَعاصِي ؟! لكن الإنسان يَختار المَنْبَتَ الحَسَن، أما الأُسْرَة التي اشتهَرَت بِالرّذِيلَة .. اشتهَرَت بِالفحشاء .. اشتهَرَت بِعَدَمِ المُبالاة .. بِرَذائِل الأمور هذه تُتَجَنَّب، بِخِلافِ الأُسْرَة التي قد تَكون يُوجَد في أفرادِها مَن يَعمَل بعضَ الأعمال المُخالِفَة لأمْرِ الله وقد يَدَّكِرُونَ عندما يُذَكَّرُون.
س7: سَمِعْنَا أنّ الجَنِين يَتَأَثَّر بِسُلُوكِيات أُمِّه وهو في بَطْنِها بِحيثُ ذُكِرَ أنّ امرأةً كانتْ تُكْثِرُ مِن قراءةِ القرآن وسَماعِه فاستطاعَ وَلِيدُها أن يَحفظَ القرآنَ في الخامسة مِن عُمُرِه، فهل لكم تعليقٌ على ذلك ؟
ج: هذا مِن تَيْسِيرِ القرآن .. لعلّ هذا مِن خصوصياتِ القرآن، فإنّ الله - عز وجل - يَقولُ: { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ... } [ سورة القمر، من الآية: 17 ]، فالقرآنُ مُيَسَّر ما لَم يُيَسَّر غيْرُه مِن الكلام. (1/29)
صفحة 30
أنا بِنفسِي شاهَدْت في أواخِر أيّام الاتّحاد السوفييتي الذي انْهار .. شاهَدْت شابًّا في عاصِمَة " أَزْبَكِسْتَان "-" تَشْقَنْد "-يُسمّى " علي شَيْخَان " .. هذا الشّاب حَفِظَ القرآنَ وهو ابنُ سِتِّ سنوات، وكان يَقرأُ القرآنَ في الحَفَلات-في الافتتاح والاختتام-قراءةَ العارِفِ بِه البصِيرِ بِه كان عندما يَقِفُ وقْفا اضطِراريا يَبدأُ مِن حيثُ يَبدأُ المَعنى .. يُراعِي الرّبْط بيْن الألفاظِ بِحسبِ ارتِباطِها في المعانِي، وفي أَوّلِ حفْلة حَضَرَها بعدما انتَهى الحفْل سَلَّمْتُ عليه وإذا بِه لا يَعْرِفُ كلمة بِالعربية، فنُقَدِّر لو أنّ هذا لُقِّن قصيدة مِن قصائدِ امرئ القيْس أو قصيدة مِن قصائد لَبِيد أو مِن قصائد أَحَد شعراءِ الجاهلية أَكَانَ يُتقِن قراءتَها هذا الإتقان ؟! إنّما هذا مِن تَيْسِيرِ القرآن: { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ... } [ سورة القمر، من الآية: 17 ] .. ما كان يُتقِنُ كلمة بِالعربية .. ما كان يُتقِن كلمة أبدا بِالعربية، وهو يَتلُو القرآن غَضًّا طَرِيا، ويُراعِي في أدائِه التّرابُط المَعنوي بيْن كلماتِه.
وكذلك قبلَ سنين-قبْلَ حوالَي خمسةَ عشَر عاما مِن الآن أو نَحو هذا-كانت مُسابَقة في حِفْظِ القرآن في مَكّة المُكرّمة، وكان الفائِز الأوّل في هذه المُسابَقة شاب إنجِليزي .. حَدّثني مَن جاء إليه وحاوَل أن يُكلِّمَه بِالعربية وإذا هو لا يَفهَم مِن العربية شيئا .. إنما يَحفَظُ القرآن فقط .. لا يَفهَمُ مِن العربية شيئا ولكن يَسَّرَ الله-تبارك وتعالى-لَه القرآنَ تَيْسِيرًا، وهذا مِن إِعجازِ القرآن: { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } [ سورة القمر، الآية: 17 ].
س8: مِن حقوقِ الأولادِ على آبائِهم اختِيارُ الأسماءِ الصالِحةِ لَهم، ماذا على الولَد في حالِ سُوءِ اختِيارِ اسْمِه مِن قِبَلِ والِدَيْه ؟ (1/30)
صفحة 31
ج: هذه مِن الحقوقِ التي نَسِينَا ذِكْرَها، فإنّ اختِيارَ الأسماء مِنَ حقوقِ الأولاد .. يَنبغي أن يُسمّى الأولاد بِأسماءِ الصّالِحِين وفي مُقَدِّمَتِهم الأنبياء والصحابة رضوان الله-تعالى-عليهم، وكذلك بِالنِّسبة إلى البنات تُسمّى بِأسماءِ الصالِحات مِن الصّحابِيات ومِن غيْرِهِنّ مِنَ الصّالِحاتِ في القدِيم وفي الجدِيد، ولا تُسمّى بِأسماءِ الفاسِقات.
فإذن اختِيار الاسْم المُناسِب مِمّا يُؤمَر بِه الأبَوَان.
وعندما يُختَار لِلولَد الاسْم غيْر المُناسِب لَه أن يُغَيِّرَ ذلك الاسْم إلى اسمٍ مُناسِب.
س9: هل هناك مِن سِنٍّ مُعيَّن يَنبغي لِلوالِد أن يُفَهِّمَ ولَدَه فيه الأمورَ التّكلِيفية وشَرْح أمورِ الدِّين الضّرورِية ؟
ج: لا، إنّما ذلكَ يَعود إلى مَدارِك الولَد، فبِقَدر ما تَتّسِع له مَدارِكُه يُعَلِّمُه.
س10: ذكرتُم [ ص10 ] وجوبَ العَدالَةِ مِن الآباءِ في معامَلَةِ الأبناء، فما قولُكم في الأُمِّ التي تُفضِّل أحدَ أبنائِها بِسببِ المَرَض مِمّا أدّى هذا إلى وجودِ الغَيْرَة الواضِحةِ مِن الأبناءِ الآخَرِين ووَصَلَ الحَد إلى أنّ أحدَهم يَرْفَعُ صوتَه على أُمِّهِ ولا يُطِيعُها ؟ وهل يَأثَم هذا الرَّجُل ؟
ج: إن كانت تُعطِيه لِحاجتِه ومَرضِه فليْسَ ذلك مِن بابِ الإيثار، وإنّما ذلكَ مِن بابِ سَدِّ الحاجَة، وهذا لا يُعَدُّ إيثارًا.
وهذا الولَد الذي يَرْفَعُ صوتَه على أُمِّه ولا يُطِيعُها إنّما هو عاقٌّ لَها، وهو حاسِدٌ لأخِيه.
س11: لَو قامَ الوالِدُ بِمساعدةِ بعضِ أولادِه على مَؤونةِ الزواج، فهل يَجِب عليه أن يُوصِيَ لِلباقِين مَظِنَّةَ أن يَموتَ قبْلَ أن يَقومَ بِهذا العَدْلِ بيْنهم ؟ فإنْ كانت الإجابة بِـ " نَعَم "، فأيْن يَكونُ هذا مِن الحديثِ المُتواتِر: ( لا وَصيّةَ لِوارِث ) ؟ (1/31)
صفحة 32
ج: قبْلَ كلِّ شيء؛ نَحنُ نَقولُ بِأنّ حديثَ: ( لا وَصِيةَ لِوارِث ) هو عامٌّ مُخصَّص وما مِن عامٍّ إلا وقَدْ خُصِّص كما يَقولُ الفقهاء .. أي العمومات في الأحْكام ما مِن عامٍّ منها إلا وقَدْ خُصِّص .. إنّما بعضُ العمومات التي جاءَتْ في العقائِد هي التي لم تُخَصَّص، أمّا عمومات الأحكام فلا يَكادُ عموم يُوجَد إلا وقَدْ خُصِّص.
فحديثُ: ( لا وَصِيةَ لِوارِث ) .. أي مِن غيْرِ حقٍّ واجِبٍ لَه، أمّا إن كان حقًّا واجِبًا لِلوارِث فعلى أيِّ حال الوصيةُ بِذلكَ لا تُعَدُّ مُحَرَّمَة بل هي مِن الواجِبات، لأنّ الوصِية بِالواجِب واجِبة، فإذن الحديثُ لا حُجَّة فيه لِمَنْعِ هذه الوصية ولكنّنا نَقولُ بِجانبِ ذلكَ بِأنّ هذا مِمّا لا يُعَدُّ إِيثارًا إذا لَم يَقْصِد الأب حِرمانَ الآخَرِين .. لا يُعَدُّ إِيثارًا وإنما يُعَدُّ إِعْفافًا لأولادِه البالِغِين، فنحن نَرى عَدَمَ وُجوبِ الوصيةِ في مِثْلِ هذا، وإن قال مَن قال بِوجوبِها.
س12: رَجُلٌ أساءَ إلى أُمِّه وذلك بِعَدَمِ الوَصْلِ حتّى تَوَفّاها الله، فهل له مِن توبة ؟
ج: بِئْسَ ما فَعَل ولكن عليه أن يَتوبَ إلى الله وأن يَندَمَ على فِعْلَتِه وأن يَنْوِيَ في قَرارةِ نفسِه بِأنّ أُمَّه لو كانتْ حَيَّة لأحْسَنَ إليها وبَرَّها وقام بِما يَجِب عليه تِجاهَها وعليه بِجانبِ ذلك أن يَبَرَّ قرابَتَها وأَهْلَ مودّتِها وأن يَحرِص على أن يَتصدَّقَ عنها وأن يَصِلَها بِمعروفِه بعدَ موْتِها بِالصّدقة والحَجِّ والعُمْرَة.
س13: رَجُلٌ يُطعِم أبناءَه مالا غيْرَ مَشروع، فهل لِلأبناءِ ذنبٌ في ذلك ؟
ج: أمّا ما كان بِعيْنِه مَسروقًا مثلا أو مَأخوذًا على أَحَد فذلكَ لا يَجوز أن يَتناولَه أَيُّ أَحَدِ يَعلَم بِه، أما ما كان بِخِلافِ ذلك فإِثْمُ ذلكَ على الأَبِ المُطْعِم وليْس على الأبناءِ مِن ذلكَ إِثْمٌ، فإنّ الحُرمَةَ إنّما تَتعلّق بِذِمَّة الأَب الظّالِم. (1/32)
صفحة 33
س14: هل حَضانةُ الطِّفلِ واجِبٌ مِن واجِباتِ الأُمّهاتِ تِجاهَ الأبناء ؟ وإذا كان واجِبًا عليها، فما حُكْم إِرسالِ الأطفالِ إلى الرَّوْضَة لاسيما إذا كانتْ المرأة عامِلَة وهي مُضْطَرّة لِفِعْلِ ذلك ؟
ج: قبلَ كلِّ شيء؛ مِمّا يَجِب تَفادِيه أن يُوكَلَ أمْرُ الأولادِ وتربيتهم إلى أيْدٍ غيْرِ أمينة .. هذا مِمّا يَجِب أن يُتفادَى، فإنّ الأولادَ هُم ثَمراتُ الأفئِدة وهُم فلذَاتُ الأكْباد فتَرْكُهم إلى أيْدٍ غيْرِ أمينة إِساءَة إليهم في التربية.
وعندما تَكونُ هنالِك ضَرورة فالضّرورة تُقَدَّرُ بِقَدرها على أن يُتفادَى بِقَدْر المُستطاع تَرْكُ الأولادِ بالأيدي غيْرِ الأمينة؛ والله-تعالى-أعلم.
س15: ذكرتُم [ ص9-11 ] وسائلَ الإعْلام، فما رأيُكم في الأطْباق الفضائية " الدش " ؟
ج: مِنَ القواعِدِ الشّرعِية المُتّبَعة أنّ دَفْعَ المَفسدَة مُقَدَّمٌ على جَلْبِ المَصْلَحَة، و-كما قلتُ [ ص9 ]-لَئِن كانَتْ هناك مَصْلَحَة فإنّها ضائِعَة في خِضَمِّ المَفاسِد.
س16: هذا السّؤال مَحَلُّ استفسارِ كثِيرٍ مِن الشّباب، وهو أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُم، فإنّ العِرْقَ دَسَّاس ) وقال كذلك: " اغترِبوا لا تَضْغوا ) إن صَحَّ هذا الحديث، والسؤال: هل تَرَوْنَ أنّ الابتعادَ عن زواجِ القريبة-كَبِنتِ العَم مثلا-هو الأفْضل مع تَفضِيل الغَرِيبَة عنها مع كَوْنِ الأولى والثانية تَتوفّران فيهما الصّفاتُ المَطلوبَة كَالدِّينِ والأخلاق ؟
ج: أوّلاً حديثُ: " اغْتَرِبُوا لا تَضْغوا " فيه مَقال، فقَد ضعَّفَه أصحابُ الصِّناعة الحدِيثِية، وهم أَعْلَم بِما يُضعِّفُون.
ومِن ناحية ثانية لَو كان ذلك صحيحا لا يَعنِي المَنْع وإنّما ذلك مِن بابِ الإرْشاد، و-على أَيِّ حال-التي يَعرِفُها الإنسان ويَمِيلُ إليها قلبُه ويَنسَجِم معها وُجْدَانُه هي أَوْلَى بِأن يَتزوَّجَها؛ والله-تعالى-أعلم. (1/33)
صفحة 34
وبِهذا نُنهِي-إن شاء الله-الإجابة على هذه الأسئلة في هذه النّدوة، والله-تعالى-ولِي التوفيق. (1/34)