صفحة 1
الكتاب: دروس حول فقه المعاملات
المؤلف: الحاج أحمد بن حمو كروم
[الكتاب عبارة عن دروس ألقيت على طلبة الشريعة]
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) (1) بسم الله الرّحمان الرّحيم
صلّى الله على سيّدنا محمّد
الحمد لله الذي أسبغ علينا نعمه وأفاض علينا من كرمه، وهدانا لاتّباع سبيله ووفّقنا لطلب علمه، علم الفقه والدّين.
وصلّى الله على سيّدنا محمّد خير من هدى وعلّم وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وبعد فنستأنف عملنا بحول الله في محاولتنا لدراسة علم الشّريعة لقسم التخصّص في الشّرعيات، في السّابع من شهر أكتوبر الموافق للسّابع من شهر ربيع الأوّل من عام 1410هـ 1989م.
وكانت دراستنا في السّنة الماضية لفقه العبادات، ولا يخفى أنّ الفقهاء يقسّمون الفقه إلى قسم العبادات وهي:
الطّهارات، الصّلاة، الصّوم، الزّكاة، الحج وهي ما كنّ حقا لله خالصا وقد تمّت دراستها والحمد لله حسب المستطاع.
وتكون دراستنا في هذه السّنة بحول الله في قسم المعاملات وتشتمل على ثلاثة أبواب:
أ. التصرّفات المدنية المالية.
ب. الأحوال الشّخصية.
ج. عقود الملكية الخاصّة.
__________
(1). التّوفيق: التّلفيق بين عمل العبد ورضا الرّب.
الحضارة: المدنية: استغلال منافع الكون على أكمل وجه. (1/1)
صفحة 2
مقدّمة
خلق الله الإنسان كسائر الحيوان وهو نوعان:
1. حيوان غير أليف يعيش منفردا في الصّحاري والغابات متوحّشا لا قرار له يكتسب رزقه بالقوّة كأنواع السّباع والوحوش.
2. حيوان أليف وهو الذي يميل بطبعه إلى المعيشة مع غيره وهو الكثير: ذلك ما نراه في قطعان أنواع من الحيوانات سواء ما يألف الإنسان ويعيش معه أو يعيش مع بني جنسه في الصّحاري أو الغابات أو غيرها: مثل الأنعام من الإبل والبقر وقطعان المعز والضأن، كما يوجد ذلك في جماعات الفيلة والقردة والغزلان.
ومنها أسراب الطّيور والسّنونو والقطا، وحتّى أنواعا من حيتان البحار وذلك لما تقتضيه معيشتها من تعاون ودفاع، واستئناس أمّا الإنسان خاصّة فله خصائصه في ذلك فهو مدني بالطّبع ولا تستقيم معيشته إلاّ مع بني جنسه وذلك لمدنيته وكثرة محاوجه وتعدّد علاقاته، ولا يهنأ في ضروريات حياته إلاّ بالتّعاون مع غيره في غذائه ولباسه ومسكنه ونظام حياته.
لذلك جعل الله له علاقات يرتبط بها مع سواه فتحقّق بذلك خلافته في الأرض
الأولى: وحدة الأصل قال تعالى: {يا أيّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الذِي خَلَقَكُم مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء}. أوّل سورة النّساء.
ثانيا: رابطة العرق قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُبًا وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].
ثالثا: رابطة العقيدة، قال تعالى: {وَالمُومِنُونَ وَالمُومِنَاتُ بَعضُهُم أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بالمَعْرُوفِ وَيَنْهَونَ عَنِ المُنْكَرِ} [التّوبة: 71].
رابعا: المبدأ وقد يكون سيّئا قال تعالى: {المُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ بَعضُهُم مِنْ بَعضٍ يَامُروُنَ بالمُنكَرِ وَيَنهَونَ عَنِ المَعرُوفِ} [التّوبة: 67].
وهناك روابط عامّة (كالوطنية والقومية واللّغوية)
فالإنسان بطبعه يميل إلى من يكون على شاكلته قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» الأزواج جنود مجنّدة بما توافق منها أيُتلف تنافوا منها اختلف «رواه البخاري عن عائشة جامع الشّمل.
وهو يميل بطبعه إلى الفوان وتكوين المجتمعات، فكلّ هذه العوامل تقتضي أن يتعامل النّاس مع بعضهم حسب قوام حياتهم من ضروريات وحاجيات وكماليات. (1/2)
صفحة 3
لذلك كانت عناية الإسلام –وقد شرّعه الحكيم الخبير- بكافّة جوانب هذه المعاملات وخصّها بأحكام يتعامل بها النّاس فسمّيت تلك الأحكام ''فقه المعاملات'' وسنأتي بدراسة حول بعض جوانبها بحول الله وهي ستّة:
1. علاقات الذّكور بالإناث ويعبّر عنها حديثا ''بالأحوال الشّخصية'' من نكاح، وطلاق، ورضاع، وحضانة ونفقات.
2. علاقات أسرية ومجاورات سكنية: ويعبّر عنها ''بالحقوق'' حقّ الوالدين، حقّ الولد، حقّ اليتيم، حقّ الجار، حقّ الصّاحب.
3. التصرّفات المدنية المالية: وهي البيع وأنواعه، الصّرف السّليم، الرّبا، الإجارات، الشّركات، العارية، الشّفعة، الجعالة، الرّهن.
4. العلاقات العامّة: الإمامة والخلافة والحكم.
5. الفصل بين النّاس في علاقاتهم: وهي القضاء وما يتبعه من حدود وقصا وتأديب.
6. العلاقات الدّولية: وتشمل الجهاد والصّلح والمعاهدات، وتختصّ دراستنا لهذه السّنة على: (1/3)
صفحة 4
الباب الأوّل
التصرّفات المدنية المالية
يتناول هذا الباب عشرة فصول وهي:
1. عقد البيع وأنواعه وأحكامه.
2. القرض والقراض وأحكامه.
3. الإيجارة والكراء وأحكامها.
4. الجعالة وأحكامها.
5. الشّركات وأنواعها وأحكامها.
6. الهبة وأحكامها.
7. العارية وأحكامها.
8. الكفالة والحوالة.
9. الوكالة وأحكامها.
10. الرّهن وأركانه.
الفصل الأوّل
(1) عقد البيع وأنواعه وأحكامه
هذا الفصل ترجم له صاحب النّيل كسائر الفقهاء كتاب البيوع وذلك كما قال الزحيلي نظرا لتعدّد أنواع البيع وأهمّية كل منها.
البيوع جمع بيع وإنّما جمع للتّصريح بأنّه أنواع كثيرة، وإلاّ فهو مصدر يصلح للقليل والكثير اهـ شرح النّيل ج8 ص5.
ويشتمل الفصل على ستّ مباحث:
المبحث الأوّل: تعريف البيع ومشروعيته وكيف ينعقد ففيه مطلبان:
المطلب الأوّل: تعريف البيع ومشروعيته
عرّف البيع لغة بمقابلة شيء بشيء قال في شرح النّيل:» فهو شامل للبيع الشّرعي وغيره «، وقال الزّحيلي:» فهو من أسماء الأضداد إذ يطبق على الشّراء أيضا «كما في قوله تعالى: {وَشَرَوهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعدُودَة} [يوسف: 20] ويدلّ أيضا على العواضة والاستبدال في قوله تعالى: {أُولئِكَ الذِينَ اشتَرَوا الضَّلاَلةَ بِالهُدَى} [البقرة: 16].
__________
(1). الجنس: ما دلّ على أفراد كثيرين متّحدين أو مختلفين؛ أمّا النّوع: ما دلّ على أفراد كثيرين متّفقين في الحقيقة. (1/4)
صفحة 5
وعرّفه في نيل الأوطار بمطلق المبادلة وهو ضدّ البيع فلفظ البيع والشّراء يطلق كلّ منهما على معنى الآخر.
أمّا تعريفه شرعا ففيه تعاريف كثيرة أختار منها اثنتان:
أوّلهما لصاحب الإيضاح قال:» ويطلق شرعا لمعنيين:
أحدهما مقابلة معنى الشّراء وهو بهذا المعنى عرّفه السّلف فيما يأتي نقلا عن ابن بركة محمّد بأنّه:» إخراج شي من ملك عوض على بدل له قيمة يتعوّض عليه أي المبيع، وهو عين ملك «فصل أوّل مخرج للنّكاح فإنّه إخراج شيء من الولاية لا من الملك وقوله على بدل فصل ثان مخرج للتبرّعات كالصّدقة وغيرها وقوله» له قيمة «فصل ثالث مخرج للبيع المحرّم فإنّ هذا البدل لا قيمة له وقوله» يتعوّض عليه «الظّاهر أنّه فصل رابع مخرج للبيع المحرّم الذي يكون ثمنه حلالا فإنّ هذا البدل وإن كان له قيمة لكن لا يصير عوضا عن هذا البيع شرعا، وقوله» هو عين ملك «الظّاهر أنّه فصل خامس مخرج للإجارة للأجير يصدّق عليه أنّه أخرج الشّيء عن الملك على بدل له قيمة يتعوّض عليه وهو الخدمة وليست عينا ملك لأنّ الحرّ لا يملك والثّاني العقد «اهـ حاشية الإيضاح ج3 ص4.
ونفس التّعريف بتوسيع في شرح النّيل ج8 ص9 قال:» والتّعريف غير بائع لشمول الشّراء فإنّ ما يشترى به مخرج من الملك على بدل له قيمة وهذا البدل عوض عليه ويأتي الخلاف في بيع المنافع «اهـ.
قال الزّحيلي:» واصطلاحا عند الحنفية مبادلة مال بمال وعلى وجه مخصوص وهو مبادلة شيء مرغوب فيه بمثله على وجه يفيد مخصوص أي بما يجاب أو تعاط وخرج يقيد مفيد ما لا يفيد كبيع درهم بدرهم وغير المرغوب كميّتة ودم وتراب وعرّفه ابن قدامة في المغني:
» مبادلة المال بالمال تمليكا وتملّكا وهو مشتق من الباع لأنّ كلا من المتعاقدين يمدّ باعه للآخر وللإعطاء ويحتمل أنّ كلّ واحد منهما كان يبايع الآخر أي يصافحه عند البيع قال والمقصود بالبيع هنا هو العقد «اهـ ج4 ص3،4،5 «
والعقد هو ما اعتبره صاحب الإيضاح وصاحب النّيل إذ هو اتّفاق البائع مع المشتري على تلك المبادلة فيصْبح المثمّن ملكا للمشتري والثّمن ملكا للبائع.
مشروعية البيع:
أمّا مشروعية البيع فهي مأخوذة من الكتاب والسّنة والإجماع فالبيع بصورة مجملة جائز ومعروف جوازه من الدّين بالضّرورة (1/5)
صفحة 6
أمّا الكتاب فقوله تعالى: {وأَحَلَّ اللهُ البَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 225]، {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعتُم} [البقرة: 283]، وقوله تعالى: {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارةٌ عَنْ تَراضٍ مِنْكُم} [النّساء: 28]، وقوله: {لَيسَ عَلَيكُم جُنَاحٌ أَنْ تَبتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُم} [البقرة: 198].
أمّا من السنّة فمنها قوله - صلى الله عليه وسلم -: وقد سئل أيّ الكسب أفضل؟ فقال:» عمل الرّجل بيده وكلّ بيع مبرور «رواه البزاز وصحّحه أحمد قال الزّحيلي: أي لا غشّ فيه ولا خيانة، ومنها قوله:» إنّما البيع عن تراض «رواه البيهقي وابن ماجه وصحّحه ابن حبان، وقوله:» رحم الله امرأ سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى «رواه البخاري عن جابر، وقوله:» البيعان بالخيار ما لم يفترقا «رواه أبو عبيدة عن جابر عن ابن عبّاس في الجامع، قال المحشي رواه الشّيخان وأحمد من حديث حكيم بن حزام.
كما أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - وجد النّاس يبيعون ويشترون وأقرّهم على ذلك.
وأجمع المسلمون على جواز البيع والمعاملة به وحكموا بصحّته إذا توفّرت شروطه، قال السّالمي رحمه الله في حاشية الجامع:» وأجمع المسلمون على جواز البيع والحكمة تقتضيه «.
الحكمة من مشروعيته:
الحكمة من مشروعيته كما ذكر كثير من العلماء أنّ الإنسان محتاج إلى ما في يد صاحبه، وصاحبه لا بدّ له إلاّ في مقابل، وعوض، وفي تشريع البيع طريق إلى تحقيق ذلك فيوفي كل واحد غرضه ويقضي حاجته، قال السّالمي في ذلك:
وشرّع البيع لنا تعالى ... لحكمة صيَّره حلالا
لو لم يحلّ البيع في الأشياء ... ضاق علينا واسع الفضاء
نحتاج للشّيء فلا ندركه ... لأنّ غيرنا غدا يملكه
وبيعه صار لنا سبيلا ... وكان حكم ذلك التّحليلا
المطلب الثّاني: كيف ينعقد (1)
قال الزّحيلي:» صيغة العقد هي صورته التي يقوم بها من إيجاب وقبول إن كان العقد التزاما بين طرفين أو إيجابا فقط إن كان التزاما من جانب واحد واتّفقت الشّرائع على أنّ مدار وجود العقد وتحقّقه هو صدور ما يدلّ على التّراضي من كلا الجانبين بإنشاء التزام بينهما وهذا بما يعرف عند العلماء بصيغة العقد، ويسمّى عند القانونيين بالتّعبير عن الإرادة، ويشترط في صيغة العقد أن يكون صدورها من
__________
(1). التّجارة: المعاملة بالمبادلة على قصد الرّبح. (1/6)
صفحة 7
المتعاقدين بطريق يعتبره الشّارع، وهو عند الحنفية أنّ البيع ينعقد بكلّ لفظ يدلّ على التّراضي بتبادل الملك في الأموال بحسب عرف النّاس وعاداتهم «اهـ ج4 ص248.
قال في النّيل وشرحه:» أصل ينعقد من بائع بألفاظ تدلّ عليه وإن بأعطيت أو وهبت لك هذا «قال في الشّرح بألفاظ عربية أو عجمية وينعقد بكلّ لفظ يدلّ على المعاوضة بنفسه كعوّضت أو أبدلت أو بما أشار إليه أعطيت أو وهبت فإنّهما يدلاّن عليهما قال وذكر في الدّيوان:» إذا أراد الرّجل أن يشتري شيئا فليطلب إليه البيع، وإن باع له بلا طلب جاز «اهـ إلى أن قال:» وجاز هو لك بكذا وجاز بايعتك وبعت لك أصح من بعت عليك وجاز رضيت فيه منك بكذا «
الأصيل وبإشارة أو كتابة من أخرص وممنوع من كلام ونحو ذلك ممّا يدلّ على الرّضا، ومن مشتر باشتريته وبقبلت، وبنعم أثرا قبلت؟
قال في الشّرح بعد قوله أو بإشارة إلى قوله: ممّا يدلّ على رضا بالبيع مثل أن يناوله لمريد الشّراء ولا يجوز بالإشارة والكتابة ممّن ليس بأخرص ولا ممنوعا عن الكلام على المشهور وجاز إن كان لا يعرف المشتري كلامه أو لا يعرف كلا م المشتري.
إلى أن قال:» وبكلّ قول معلوم دلّ على الشّراء ومن ذلك أخذته «وقال بعد قوله وبنعم أثرا قبلته أو أجل أو جير وكذا كلّ ما أشبه كقوله أهو لك بكذا أمّا إن تلفّظ بنعم إثر بعته لك بكذا أو أعطيته لك بكذا فلا ينعقد إذ هو تصديق لا إنشاء قبول ورضى إلاّ إن زاد بعد ذلك رضيت أو قبلت قال في الأصل وبتصرّف في البيع بعد ذلك على رضى الآخذ بمفسد فيه ومطالبة بائعه بتسليمه أو باستقالة مسؤولية للغير أو برد بعيب ونحو ذلك عند الأكثر قال في الشّرح:» فليس للّفظ شرط في جانب الشّراء عندهم بخلاف البيع فإنّه أصل وإخراج من ملك فشرط فيه التّصريح قبل ذلك فيه بلفظ من المشتري بلازم الشّراء لا بصريحه وأولى من هذا أن يريد أنّه يُحكم بصحّة العقد وبأنّه قد قال قبلت مثلا ولو لم تكن شهادة بدليل ذلك لتصرّف وما بعده.
قال والنّطق شرط كما لا شرط صحّ عند الأكثر.
قال ومقابل الأكثر لا يُحكم بصحّة البيع إلاّ مع التلفّظ ويضمن ما أفسد فيه وغلته حتّى يقول البائع بعت والمشتري قبلت.
وإن أخذ ما وضع للبيع على أنّه سيجيء بالثّمن أو العكس فمن أخذ شيئا فقد أخذ ما ليس له إلاّ إن قال البائع بعت والمشتري قبلت على الرّاجح عندنا وبه قال الشّافعي:
وكذا الخلف إن تساوى فاختلفا أو اتّفقا ولم يقطعا البيع أو تكلّم أحدهما فقط فأخذ مريد الشّراء البيع أو أخذ البائع الثّمن «اهـ ج3 ص206،207. (1/7)
صفحة 8
قال في الأصل:» وإن اتّفقا على كيل معلوم أو وزن فوزن أو كيل فهل على ذلك لا بعت لك أو حمل قبل وزن الثّمن ثمّ جيء به فقبضه البائع فهل ينعقد بذلك إذ حقيقته المعاوضة وقد وقعت أولا قولان «
فممّا تقدّم نرى أنّ المذاهب متّفقة في أنّ البيع يتمّ بإجماع إذا تلفّظ كلّ من البائع والمشتري بما يدلّ على المعاوضة والرّضى.
وإنّما الخلاف في الصّيغة فعند الإباضية والمالكية والشّافعية بكلّ ما دلّ على الرّضى من الطّرفين بصيغة الماضي أو المضارع أو الطّلب إن قبل المشتري ولو من غير تلفّظ كما تقدّم أمّا الحنفية فيشترطون صيغة الماضي كما ذكر ذلك الزّحيلي بتفصيل ج4 ص248.
وهناك نوع مختلف فيه وهو بيع المعاطاة وهو كثير ومتعارف بين النّاس بأن يضع البائع سلعته وقد حدّد ثمنها أو هو معروف عند النّاس فيأتي المشتري ويأخذ السّلعة ويدفع الثّمن من غير أن يتلفّظ أحدهما بشيء فهل يتمّ البيع بذلك؟ ذكره السّالمي رحمه الله في جوهر النّظام فقال:
وفيه وجه يُدعى بالمسالمة ... وهو الذي بأتي بلا مكالمة
لكنّه قبض ودفع الثّمن ... تسألنا فيه لأمر بيّن
فلا يقال إنّه حرام ... لو لم يقع في عقده كلام
اهـ ج2 ص288.
وقال الزّحيلي بيع المعاطاة أو بيع المراودة بأن يتّفق البائع مع المشتري على ثمن ومثمّن ويتعاطيا من غير إيجاب ولا قبول.
ومثل أن يأخذ المشتري المبيع ويدفع للبائع الثّمن من غير تكلّم ولا إشارة سواء أكان المبيع حقيرا أم نفيسا وقد اختلف الفقهاء في حكمه فقال الحنفية والمالكية والحنابلة في الأرجح عندهم يصحّ بيع المعاطاة متى كان هذا معتادا دالا على الرّضا ولأنّ النّاس يتبايعون في أسواقهم بالمعاطاة في كلّ عصر ولم ينقل إنكاره عن أحد فكان ذلك إجماعا فالقرينة كافية هنا على الرّضا اهـ وقال الشّافعية: يشترط أن يقع العقد بالألفاظ الصّريحة أو الكناية بالإيجاب والقبول فلا يصحّ بيع المعاطاة لأنّ الرّسول - صلى الله عليه وسلم - قال:» إنّما البيع عن تراض «صحّحه ابن حبان إلى أن قال وقد اختار جماعة من الشّافعية صحّة بيع المعاطاة في كلّ ما يعدّه النّاس اهـ ج4 ص351.
والواقع أنّ يتم بيع المعاطاة واقع وبكثرة فنرى أنّ النّاس إذا دخلوا دكانا يطلبون سلعا ويدفعون ما يطلبه البّائع من غير أن نسمع من بائع بعت ولا من مشتر قبلت وإنّما يتعاملون حسب المألوف فيأتي الرّجل أو (1/8)
صفحة 9
الطّفل فيأخذ حزمة جزر أولفت أو خبزة ويدفع ثمنها من غير أن يتلفّظ أحدُهم بشيء فهل نعتبر ذلك حراما كما قال السّالمي؟
المبحث الثّاني: أركان البيع وشروطه
شروط البيع وأركانه متلازمان إذ شروطه تتعلّق بأركانه إذ شروطه ثلاث صحّة وشروط لزوم وشروط نفاذ وكلّها تتعلّق بأركان البيع وهي أربع بل خمس:
العقد، والمتعاقدان، والمعقود به، والمعقود عليه.
وشروط البيع خمسة حسبما ذكره الزّحيلي ولا يتعارض مع ما عندنا فأورد منه ما أمكن لما فيه من توضيح وتفصيل غير مجموع عندنا بل في مواضع متعدّدة يصعب ضبطها قال: ففيه أربع مطالب
يجب أن يتوافر في عقد البيع أربعة أنواع من الشّروط وهي:
1. شروط انعقاد، 2. شروط صحّة، 3. شروط نفاد، 4. شروط لزوم. نقلها عن ابن عابدين والقصد من هذه الشّروط في الجملة منع وقوع المنازعات بين النّاس وحماية مصالح العاقدين ونفي الغرر (الاحتمال) والبعد عن المخاطر بسبب الجهالة فإذا اختلّ شرط الانعقاد كان باطلا وإذا اختلّ شرط الصّحة كان العقد فاسدا ولذا لم يتوفّر شرط النّفاذ كان العقد موقوفا على الإجازة وإذا انعدم شرط اللّزوم كان العقد مخيّرا فيه.
المطلب الأوّل: شروط الانعقاد
وهي ما يشترط توفّره لاعتبار العقد منعقد، وأن يتوفّر ذلك في أركانه الأربعة المتعاقدين والمعقود به والمعقود عليه وفي مكانه وفي العقد نفسه.
أمّا ما يشترط في العاقد وهو المحور الأوّل وذلك شرطان أن يكون العاقد عاقلا مميّزا فلا يصحّ بيع المجنون ولا الصّبي غير المميّز قل في النّيل وشرحه صحّ عقده بالغين عاقلين مالكين قال في الشّرح كرجل وامرأة وصحّ من خنثيين ومن خنثى مع رجل أو مع أنثى وإن غبنت المرأة فقد مرّ حكم الغبن، ولا يحجر على المرأة عندنا خلافا لقومنا فيما زاد على الثّلث وإن تبيّن تضييعها حجر عليها رأى بعض متأخّري هذه القرى أن لا تبيع الأصل أو تأخذ الدّين إلاّ مع محضر وليّها نظرا للمصلحة، وقال بعد قوله عاقلين فلا ينعقد بيع مجنون أو سكران ومغلوب على عقله بنوم أو غيره ولو صحا بعد إلاّ إن أتمّ بعد صحو اهـ ج8 ص226 قال الزّحيلي ولا يشترط البلوغ عند الحنفية فيصبح تصرّف الصّبي المميّز البالغ سبع سنين وذكر ثلاثة أنواع من التصرّفات:
1. ما يجب لنفسه كاحتطاب واصطياد فتصحّ منه دون إذن.
2. تصرّفات ضارّة ضررا محضا كطلاق وهبة وصدقة فلا تصحّ ولو أجاز الولي. (1/9)
صفحة 10
3. تصرّفات جامعة للأمرين كبيع وشراء ورهن فهي موقوفة على إذن الولي.
المحور الثّاني: أن يكون العاقد متعدّدا فلا يكون الشّخص بائعا مشتريا في آن واحد قال في شرح النّيل نفس الصّفحة السّابقة وقيل يجوز أن يكون الواحد بائعا مشتريا بضبط الكيل والوزن إذا بيّن له الآخر ما يبيع أو يشتري أو يضبط السّوق قال الزّحيلي فلا ينعقد البيع بواسطة وكيل من الجانبين (وهو المشهور عندنا في المذهب) قال إلاّ في الأب ووصيّه والقاضي والرّسول من الجانبين قال وقد استثني إلاّ بفيما يبيع لنفسه من ابنه الصّغير بمثل قيمته أو يشتري مال الصّغير لنفسه إذ هو حينئذ كاليتيم إلى أن قال والوصيّ مثل الأب عند أبي حنيفة إذا تصرّف بما فيه نفع اليتيم.
المحور الثّاني: ما يشترط في المعقود عليه.
وهو المبيع فهو أربعة شروط:
1. أن يكون المال موجودا فلا ينعقد بيع المعدوم كبيع ما تلده هذه النّاقة وبيع الثّمار قبل خلقها بناء على نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الملاقيح والمضامين، وعن بيع الثّمار حتّى تزهو الحديثان مذكوران في الجامع وقال المحشي رواهما مالك في الموطّأ والبخاري ومسلم.
قال في النّيل وشرحه المعقود عليه هو السّالم من غرر وشرط مفسد المعلوم الوجود والصّفة والقدر والآجل إن أجّل المقدور على تسليمه ولا خلاف في صحّته إن حضر مرئيا ولو مثمّنا.
2. أن يكون المبيع متقوّما أي له قيمة وهو ما ذكره صاحب النّيل عند تعريف البيع حيث قال: له قيمة يتعوّض عليه وهو كلّ ما يمكن أن يملكه الإنسان وينتفع به على وجه معتاد فلا ينعقد بيع إلاّ به يملك كحر وميّتة ودم وما لا قيمة له كخمر وخنزير إذ أمر رسول الله بإهراق الخمر ودفن الخنزير ولا بيع آلات اللّهو إذ هو معدّ لفساد لا انتفاع، وهذا سيأتي بيانه عندنا في أنواع البيع.
3. أن يكون مملوكا في نفسه فلا يصحّ ولا ينعقد بيع ما لم يدخل تحت ملك أحد ككلأ وعشب برّي وحطب كذلك وتراب الصّحراء.
4. أن يكون مقدور التّسليم عند العقد وهو ما ذكره صاحب النّيل في تعريف المعقود عليه فلا يصحّ ولا ينعقد بيع ما لا يقدر على تسليمه كحيوان شارد أو أصل بيد جبّار ومغصوب بيد الغاصب.
المطلب الثّاني: شرط النّفاد
نفاذ العقد أن يطبّق مضمونه فعلا طوعا أو كرها فينفّذ ويعتبر نافذا إذا قام بذلك المتعاقدان أو امتنع أحدهما فينفّذه الحاكم.
ناقص ص138؟؟؟
المطلب الثّالث: شروط الصحّة (1/10)
صفحة 11
ففيه محوران
المحور الأوّل الشّروط العامّة وهي التي يجب أن تتحقّق في كلّ أنواع البيع لتعتبر صحيحة شرعا، وهي إجمالا أن يخلو عقد البيع من العيوب الستّة: الجهالة والإكراه والتّوقيت والغرر والضّرر وشرط مفسد وهو ما ذكره صاحب النّيل في شروط المعقود عليه في قوله وهو السّالم من غرر وشرط مفسد المعلوم الوجود والصّفة والقدر والأجل إن أجّل المقدور على تسليمه ولو مثمّنا. اهـ ج8 ص235.
وإليك تفصيل ذلك من الزّحيلي: وهو موافق لما عندنا مفرّقا:
1. الجهالة: قال: يراد بها لجهالة الفاحشة والتي تفضي إلى النّزاع وهي أربعة أنواع:
أ. جهالة المبيع: نوعا أو جنسا أو قدرا بالنّسبة للمشتري مثل شاة من غنمي قطعة من أرضي أو قنطارا من تمر لا تعيين نوع.
ب. جهالة الثّمن: كذلك فلا يصحّ بعتُه لك بثمن مثله أو بمالي على فلان وهو مجهول أو بما يستقرّ عليه السّوق.
جـ. جهالة الأجل: إذا كان الثّمن مؤجّلا أو في بيع سلم من غير تعيين زمن تسليم السّلعة أو من غير تعيين مدّة الخيار.
د. جهل في وسائل الضّمان كما لو شرط البائع في الثّمن المؤجّل كفيلا فلا بدّ من تعيينه (وما ذكر من جهالة لا يصحّ معها البيع فهي داخلة في النّهي عن بيع الغرر وهو الجهل بصفة الثّمن أو المثمّن أو هما). قال في النّيل: وإن لم يعلماه قبل إن غاب أو تعذّرت رؤيته لم يصح وإن بوصف وجوّز إن جيء بصفته، وخيّر مشتريه بعد رؤيته وصحّ إن علماه ولو غاب أو طالت مدّته إن كان لا يتغيّر عن حاله بزيادة أو نقص وقيل في الأصول فقط وهو المختار اهـ ج8 ص235.
2. الإكراه: وهو حمل المكره على أمر وهو نوعان:
أ. إكراه ملجئ أو تام وهو الذي يجد المستكره نفسه مضطرا به لفعل الأمر المكره عليه كالتّهديد بالقتل أو الضّرب أو ضياع عضو.
ب. إكراه غي ملجئ أو ناقص كالتّهديد بالحبس أو إيقاع الظّلم به كمنع ترقية في وظيفة وهو بنوعيه يؤثّر في البيع فيكو نفاسدا لقوله - عليه السلام -:» إنّما البيع عن تراض «تقدّم.
3. التّوقيت: وهو أن يبيع له إلى لمدّة شهرا أو سنة مثلا فلا يصحّ إذ القصد من البيع التملّك الدّائم فلم يحصل المقصود من العقد.
4. الغرر: بأن يغرّ به في وصف بالمبيع كأن يبيع له بقرة على أنّها تحلب كذا بتحديد أو نخلة على أنّها تحمل قنطارا فذلك لا يمكن تحديده إذ قد يختلف. (1/11)
صفحة 12
5. الضّرر: بأن لا يمكن تسليم المبيع إلاّ بضرر على البائع كخشبة في سقف أو جزء من شاة غير مفصول فلا يصحّ إلاّ إذا كان البائع هو الذي يفصله.
6. الشّرط المفسد: وهو كلّ شرط فيه منفعة لأحد البائعين إذا لم يكن ورد به الشّرع أو استساغه العرف وسيأتي مزيد بيان له في أنواع البيوع. (1)
المحور الثّاني الشّروط الخاصّة: وهي كما يأتي
1. القبض في بيع المتنقّلات فلاّ يصحّ بيعها قبل قبضها لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع ما لم تقبض وربح ما لم تضمن ذكر الزّحيلي فقال فيه أحاديث منها ما خرّجه النسائي عن حكيم بن حزام سأل النّبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له:» لا تبيعنّ شيئا حتّى تقبضه «
2. معرفة ثمن المبيع مرابحة عند بيعه أو تولية أو وضعية أو إشراكا وستأتي في مكانها.
3. التقابض في الصّرف قبل الافتراق.
4. توافر شروط السّلم عند المعاملة به.
5. التّماثل في البدلين إذا كان المال ربويا والخلوص من شبهة الرّبا لمن لا يرى جواز ربا الفضل.
6. القبض في الدّيون الثّابتة في الذمّة كالمسلم فيه وبيع شيء بدين على غير البائع فلا يصحّ بيع سلم قبل قبضه ولا ما جعل إجارة قبل تسلّمه إذ يصبح بيع دين بدين وهو منهي عنه رواه الطوسي منهاج الصّالحين.
المطلب الرّابع: شروط اللّزوم
يشترط للزوم البيع خلوّه من أحد الخيارات التي تسوغ لأحد العاقدين فسخ العقد وهي كما يلي:
1. خيار الانعقاد وذلك ما ذكره رسول الله في قوله:» البيعان بالخيار ما لم يفترقا «فيما رواه جابر عن ابن عبّاس في الجامع قال في الحاشية رواه الشّيخان وأحمد وذلك بالصّفقة عندنا وعند الحنفية والمالكية وفقهاء المدينة فإذا تمّ الاتّفاق على البيع كان عقدا لازما لا رجوع فيه.
2. خيارا لشرط وذلك أن يختار بعد شرط مشاورة أو تجربة لقوله - صلى الله عليه وسلم -:» إذا تبايع الرّجلان فكلّ واحد منهما بالخيار ما لم يفترقا أو يخيّر أحدهما الآخر فقد وجب البيع إن اختار «رواه ابن ماجه.
3. خيار الوصف فمن اشترى شيئا بوصف فله الخيار عند رؤيته ولو وجده كما وصف وغير هذا ممّا سيأتي إن شاء الله في بيع الخيار وما يأتي في حكم البيع الصّحيح.
تذييل:
__________
(1) من العيوب: دار فيها وقف/ الغرر الانخداع بالظّاهر عمّا في الباطن. (1/12)
صفحة 13
بقي فيما يلزم به البيع اتّحاد الصّفقة لا خلاف في لزومها عند اتّحادها والخلاف فيما إذا اختلفت بين البائع والمشتري. قال في النّيل وشرحه: وإن باع شيئا وقبل المشتري بعضه أو باع اثنان لواحد فقبل نصيب أحدهما فهل جاز البيع أو لا؟ قولان.
قال في الشّرح قبل بعضه بما ينوبه من الثّمن (أو باع اثنان) أو أكثر لواحد أو لاثنين أو لأكثر فقبل الواحد نصيب أحدهما أو نصيبي اثنين أو أنصباء أكثر دون باقيهم فهل جاز البيع (أي صحّ وانعقد أو لا) وهو الصّحيح عندي لأنّ البيع إنّما عقده البائع على الشّيء كلّه لا على بعضه وعقده المتبائعان لواحد دفعة واحدة ولم يعقد كل على حدة، ففي قبول بعضه أو نصيب أحدهم مخالفة لما وقع عليه العقد وإذا خال شريك لم يكن وعدم رضى البائع وقد قال الله تعالى: {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النّساء: 29]. ووجه القول بانعقاد البيع أنّ من باع فقد باع جميع أجزاء الشّيء فللمشتري قبول ما شاء منها، ويردّه إدخال الشّريك وإن باع جزء على حدة أو باع كلّ منهم سهمه بثمن فقبل جزءا أو سهم أحد كان الصّحيح الانعقاد قال في الأصل:» ثمّ هل يدرك الشّريك شفعة ذلك النّصيب إن كان أصلا أو أبطل حقّه حين باع ولم يقبل؟ فيه تردّد، والأوّل أظهر قال في الشّرح بل قولان وقال بعد قوله والأوّل أظهر وبه أجزم لأنّه تفوته الشّفعة لو تركها بعد بيع الشّريك.
قال في الأصل ومن باع لاثنين فقبل أحدهما شارك البائع، ومنع قبوله وحده قال في الشّرح بعد توضيح والصّحيح المنع لما تقدّم قال في الأصل بوقف بيع إن وقع لطفل أو مجنون أو غائب لبلوغ أو إفاقة أو قدوم قال في الشّرح أو غيره من العقود وقال أو عبْد مغير أنون له لقدوم غائب أو إجازته أو بلوغ من طفل أو إفاقة من مجنون فيجيزون أو يرفضون وقيل يبطل وهو اختيار ظاهر الديوان قال بعد قول الأصل وفي قول أب أو خليفة عليهم قولان قال ظاهر الدّيوان اختيار الجواز قال وفي الإيجار خلاف لأنّه باع كذلك لهم وإن كان البيع منها يجوز للطّفل شراؤه مضى بيعه قال وفي الشّراء في كلّ ذلك كالبيع: قال وإن تجنّن مشتر قبل قبول علّق البيع لإفاقته وخليفته بمقامه إن كانت وإلاّ أجبرا أولياؤه باستخلاف له إن طلب البائع في الأظهر، وإن مات فوارثه بمقامه وجاز قبوله إن تردّد أيّام استتابته وبعدها يسلم أو مقتول إن لم يكن البيع مصحفا أو عبدا ممّا لا يباع للمشركين.
وإن بيع واحد بصفقات جمعت بقبول جاز على المختار ومنع.
وإن باع لشخص وقام قبل قبول أو رفض فهل له قبول بعد أو لا قبول بعد المجلس قولان فعلى الأوّل فهل توقّف غيلته ونتاجه لقبوله فلا تصرف فيها للبائع ما لم ينكر أوّله والجناية عليه، وهل يجبر على الإنكار أو القبول قولان والمختار الأوّل قال في الشّرح إزالة للمضرّة اهـ ج3 من صفحة 218 - 225. (1/13)
صفحة 14
هذه المسائل كفرش لعقد البيع وتمامه (1).
المبحث الثّاني: أنواع البيع
تختل أنواع البيع باختلاف أحواله وهي أربع:
1. باعتبار حكمه.
2. باعتبار صحّته وفساده.
3. باعتبار كيفيته ففيه أربع مطالب.
4. باعتبار صور منه في الحديث.
المطلب الأوّل: باعتبار حكمه
البيع باعتبار حكمه نوعان بيع حلال وبيع حرام.
المحور الأوّل: البيع الحلال.
تعريف الأصل في البيع أن يكون حلالا لقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} وذلك فيما إذا كان شرعا تحقّقت فيه كلّ شروط الانعقاد وتمّت فيه المعاوضة بالرّضا من الطّرفين البائع والمشتري.
تعريف المحور الثاني: البيع الحرام: وهو ما اشتمل على ممنوع شرعا وهو نوعان أوّلا ما كان النّهي فيه لأصل انعقاده ويعبّر عنه الفقهاء بالمنهي لذاته وهو أربع: أ. بيع المحرّمات العين، ب. البيع الغرر، جـ. الرّبا، د. بيع وشرط وبعض أنواع مختلفة.
1. المحرّمات العين: بدأ على تحريم الانتفاع بها ومن الانتفاع البيع وأكل الثّمن قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» لعن الله اليهود حرّم الله عليهم الشّحوم فجملوها وأكلوا ثمنها «رواه أبو داود وابن ماجه والبخاري ومسلم، وفاء الضّمانة.
وقال فيما رواه أبو عبيدة عن جابر:» لعن الله الخمر وبائعها ومشتريها وعاصرها وحاملها «قال في الحاشية لحديث أخرجه أبو داود من حديث ابن عمر وفي آخره:» وأكل ثمنها «فهذه الأدلّة تفيد أنّ ما حرّم لذاته حرم ييعه إذانا وهي ما حرم شرعا كالميتة والدّم ولحم الخنزير سواء كان خالصا أو مختلطا بغيره، قال في النّيل وشرحه حرّم بيع مجمع على تحريمه كميّتة وجاز شعرها ووبرها وصوفها وجلدها بإعلام لتطهّر قال في الشّرح فتطهير جلد الميّتة بالدّباغ، وصوفها ووبرها بالتّتريب قال في الأصل ودم ولحم الخنزير وسائر أجزائه على الصّحيح، وقد ذكر الخلاف في غظم الميّتة وظفرها وخفّها وحافرها
__________
(1) كلمة الخلاف: بين عالمين – التردّد: أي اختلاف في رأيين عند عالم واحد. (1/14)
صفحة 15
فمن اعتبرها حيّة تنموا فهي ميتة قال وهو الصّحيح لقوله تعالى: {قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 79]. ولأنّها تنجبر عند الكسر،
وعند قوله:» وخمر «قال ونحوها من المسكرات، قال في الأصل وقذر إنسان إن لم يخلط بطاهر كعرة بسماد قال في الشّرح: وكان القصد في البيع الطّاهر:» وهو مشكل يحتاج إلى تأمّل، قال في الإيضاح عند ذكر الاستصباح بذهن نجس كما سيأتي والسّابق إلى نفسي أم كلّ محرّم فيه أكثر من منفعة فأباح الله تلك المنفعة أنّه يجوز بيعه لتلك المنفعة كالكلب لم أراده لضرع أو لزرع إلى أن يدخل في الخلاف الزبول لأنّها مختلطة بالنّجس، وفيها منفعة تستعمل في البساتين وفي الحديث:» لعن الله بائع العرة ومشتريها «رواه أبو داود والتّرمذي والعرّة هي العذرة.
وهذا إذا كانت خالصة لم يخلطها شيء وأمّا إن خالطها وكان البيع واقعا فيما خلطها فلا بأس:» فلم لا نخرجها ممّا ذكر ممّا له أكثر من منفعة «اهـ ج3 ص17.
ونرجع للنّيل وشرحه قال في الأصل:» ولحمه وسائره أي الإنسان وبيع حر ويجبر بائعه بردّه وأن بكلّ ماله فإن وجده ميّتا على الرق أعطى قيمة خدمته للفقراء مطلقا، وديّته وعقره إن كان أنثى للمتولّين منهم إن كان لا وارث له «(1)
لواحق بيع المحرّمات:
ممّا يلتحق ببيع المحرّمات العين عند الفقهاء أجرة الزّانية ونحوها وستأتي الاجارات بحول الله ومن ذلك بيع ذوات ناب من السّباع أو ذي مخلب من الطّير عند من إعتبرها حراما.
ويختصّ الكلب بأحكام فمن اقتناء مجرّد تربية أو كسب فهو غير جائز لقوله - عليه السلام -:» من اقتنى كلبا لا لزرع ولا لضرع نقص من أجره يوم قيراط «وفي رواية» قيراطان «رواه جابر عن عائشة قال في ا لحاشية الجامع الحديث رواه مالك والبخاري ومسلم.
فقد استثنى الرّسول - صلى الله عليه وسلم - ما إذا كان لزرع أو ضرع أو بنات يعني بذلك الحراسة قال في النّيل وشرحه:» وثمن كلب غير معلّم وذي مخلب أو ناب قال في الشّرح وحلّ ثمن المعلَّم بتشديد اللاّم وفتحها «قال وأجاز الشّيخ أن تأخذ ثمن الكلب إذا بعته لمن يكسبه لضرع أو زرع أو صيد ولا يشترط الشّيخ في بيعك إيّاه لمن يصيد به أن يكون يريد تعليمه إلى أن قال ومشهور مالك جوازا اتّخاذه لمنافع وأنّ النّبي للتّنزيه فقيل العلّة نجاسته وقيل حرمته وقيل ترويعه اهـ شرح النّيل ج3 من ص14 إلى 25. ومن ذلك بيع فضلا ت الحيوان الآكل للحم أمّا الآكل للعشب فلا خلاف في جواز بيع الرّوث الطّاهر إذ ينتفع به في الوقود والتّسميد أمّا إذا كان مائعا ففيه خلاف.
__________
(1) جمارهات: أذابوها. (1/15)
صفحة 16
أمّا بيع العرّة وهو العذرة من إنسان أو حيوان فلا تجوز إلاّ إذا كانت مخلوطة بسماد كما تقدّم من الإيضاح.
أمّا ما هو متنجّس فهو نوعان ما يمكن تطهيره كثوب أو إناء فيجوز مع اخبار لتطهر كما تقدّم في الطّهارات وما لا يمكن تطهيره فيجوز بيع ما ينتفع به نجسا في غير الأكل كزيت ودهن نجس لاستصباح مثلا قال في النّيل وشرحه وجاز استصباح بدهن نجس وبيعه لا لأكل قال في الشّرح كزيت وسمن وودك ليدهن به شيئا أو ليعمل بها الصّابون أو نحو ذلك بإعلام بنجسه وإلاّ فهو عيب (لاكاكل) وصلاة به ونحو ذلك ممّا يشترط فيه الطّهارة.
قال وقيل لا يجوز الاستصباح به وكذا لخلف هل يدهن به في رواية عنه - عليه السلام - في سمن ماتت فيه فأرة أنّه» إن كان جامدا فألقوه وما حوله وإن كان مائعا فأريقوه «فلو جاز الانتفاع به لم يأمر بإراقته إذ هو تضييع للمال وعقبه بقوله المراد بأريقوه النّهي عن أكله إلى أن قال وعن علي بن أبي طالب أنّه - صلى الله عليه وسلم - أمر باستصباح به فهل أنّ المراد تجنّبه للأكل اهـ ج3ص31.
قال الزّحيلي خلاصة في بيع المحرّمات العين قال إذا كان الفساد يرجع للمبيع فالبيع باطل كما إذا باع خمرا أو خنزيرا أو ميّتة أو دما أو صيدا الحرم أو الإحرام فلا يُفيد الملك أصلا وإن قبض لأنّ الخلل واقع على المبيع ذاته والميّتة والدّم ونحوها ليسا بمال مقوّم اهـ ج4 ص426.
قال الزّحيلي خلاصة في بيع المتنجّس أنّ فقهاء الحنفية والظّاهرية يجيزون بيع المتنجّس والنّجاسات لانتفاع بها فكلّ ما كان منتفعا به جاز بيعه إلاّ ما ورد النّهي عن بيعه لأنّ جواز البيع يتبع إلاّ الانتفاع أمّا فقهاء المالكية والشّافعية ومشهور الحنابلة فلا يجيزون بيع النّجاسات لأنّ جواز البيع يتبع الطّهارة اهـ ج4 ص448.
استدراك:
بعد أن شرعت في بيان أنواع باعتبار حكمه رأيت أن أرسم جدولا موضّحا لجميع أنواع البيع وكيفياته الجائز وغير الجائز ليسهل الرّجوع إليه وهو كما يلي:
جدول أنواع البيوع حسب جوازها ومنعها
صورة المبيع ... حالته عند البيع ... حكمه
مثمّن بثمن أو بثمن مجهول الصّفة أو العين ... حاضرا أو آجلا ... بيع غرر ممنوع
ثمن بثمن معلومين ... نقدا حاضرا بلا زيادة ... صرف جائز
ثمن بثمن أو مثمّن بمثمّن معلومين ... بزيادة نقدا حاضرا ... ربا الفضل جائز مع خلاف
ثمن بثمن معلومين ... عاجلا أو آجلا بلا زيادة ... قرضا جائز (1/16)
صفحة 17
ثمن بثمن ... عاجلا أو آجلا مع زيادة ... ربا صريح حرام
ثمن بمثمّن معلوم ... حاضرا أو عاجلا ... بيع عادي حلال
ثمن بمثمّن ... آجلا ... بيع سلم جائز بشروط
ثمن بمثمّن كلاهما معلوم ... حاضرا أو عاجلا ... بيع عادي حلال
مثمّن بثمن معلومين ... لأجل معلوم ... بيع دين حلال
مثمّن بمثمّن كلاهما ... مختلف جنسا نقدا أو عاجلا ... بيع عادي حلال
مثمّن بمثمّن متتّحد جنسا بلا زيادة ... عاجلا أو آجلا ... قرضا حلال
مثمّن بمثمّن متتّحد جنسا مع زيادة ... آجلا أو عاجلا ... ربا صريح حرام
غير واضح تماما؟؟؟
2. بيع الغرر:
الغرر من الغرور وهو الانخداع بالظّاهر دون التأمّل في الباطن، ومنه قوله تعالى: {فَلاَ تَغُرَنَّكُم الحَيَواةُ الدُّنيَا وَلاَ يَغُرنَّكُم بِاللهِ الغَرُور} [لقمان: 33]. والغرر في البيع أن يشتمل عقده على ما يخفى عن أحد المتعاقدين فيتولّد عنه نزاع أو ضرر لأحدهما ولا ينعقد البيع معه كما تقدّم، وما ذكره صاحب النّيل في قوله:» وورد في الشّرع مناهي مانعة من انعقاده وهي أربع: نهي تعهّد لا يعقل معناه كالرّبا وعن بيع محرّم وإن لا لعينه وعن غرر «اهـ ج3 ص15، والغرر في البيع يحصل من ستّة أوجه:
أ. مجهول الوجود، ب. مجهود العين، جـ. مجهول الصّفة، د. مجهول القدر ممّا اختفى في غيره، و. مجهول الأجل إن أجّل، وأصل النّهي عنها ما ورد من نهي رسول الله عن بعض أنواع من بيوع الجاهلية فيما ورد عن أبي عبيد عن جابر عن ابن عبّاس:» نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الملامسة والمنابذة وعن بيع حبل الحبلة، وعن الملاقيح والمضامين «، قال السّالمي (ح) في الحاشية ج3 ص156 - 160 الحديث على هذا الحال تفرّد به المصنّف وهو عن أصحاب السّنن قطع مروية عن متعدّد.
قوله بيع الملامسة قد اختلف العلماء فيها فقيل أن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة فيلمسه فيقول صاحب الثّوب بعته بكذا بشرط أن يقوم لمسك يقام نظرك ولا خيار لك. ثانيا: أن يجعلا نفس اللّمس بيعا من غير صيغة زائدة. ثالثا: أن يجعلا للّمس شرط في قطع خيار المجلس والبيع في التّأويلات كلّها باطل. (1/17)
صفحة 18
والمنابذة قال الرّبيع أن يرمي الرّجل ثوبه للآخر ويرمي له الآخر ثوبه ويكون ذلك بيعا من غير نظر ولا تراض (وفيه تفسيرات أخرى).
وعن حبل الحبلة اختلفوا في معناه كذلك وخلاصته قيل بيع ما في بطن النّاقة فهو مجهول غير محقّق أو بيع مؤجّل إلى أن تحمل النّاقة وتلد أو يحمل ولدها وتلد ففيها جهل الأجل.
والملاقيح جمع ملقوح قال الرّبيع الملاقيح ما في ظهور الفحول وهو ذكر الإبل قال وصورته أن يجعلا الثّمن على الضراب قلو لم تلقح من الأوّل فإلى الثّاني أو الثّالث.
والمضامين قال الرّبيع ما في بطون الإناث وإنّما نهي عن بيعه لأنّه غائب مجهول غير مقدور على تسليمه انتهى باختصار.
فنهي النّبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذه البيوع لما فيها من جهل فكلّ بيع اشتمل مثل ما فيها ممنوع شرعا وفصله صاحب النّيل قال في النّيل وشرحه:» ورد النّهي الغرر للجهل إمّا بصفة ثمن أو مثمّن أو بقدره أو أجله إن أجّل أو بوجوده أو تعذّر القدْرة عليه وإبقائه أو أجله إن أجّل أو بوجوده أو تعذّر القدْرة عليه وإبقائه «ورد في الشّرح مقدّمة صدّرها بحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:» من غشّنا فليس منّا «متّفق عليه قيل ليس من أهل ديننا ويردّه أنّ الغشّ لا يخرج من الملّة وقيل ليس من أخلاقنا وقيل ليس بولي لنا وهو الحقّ قاله ابن بركة أي أنّ أصحاب تلك الأقوال لم تصادف التّفسير اللاّئق ومراد تلك الأقوال ليس فعله من أخلاقنا أهل الوفاء وسبب الحديث أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرّ مع جبريل () بطعام فقال ما أطيبه فقال جبريل أدخل يدك فأدخلها فوجده متغيّرا فقال لربّ الطّعام:» أمّا أنت يا هذا فقد جمعت خيانة في دينك وغشا للمسلمين «ووردت أحاديث أخرى سيذكرها المصنّف حاصل حاصلها الغشّ والغرر وإنّما يكون الغرر للجهل الخ ممّا قيل في الأصل قال في الشّرح مثل أن يبيع ما تركه حيا وقد أكله الذّئب فلعلّ قد مات قيل أن يتسلّمه صاحبه المشتري ثمّ ذكر الحديث المتقدّم قال كنهيه عن بيع الملامسة كبيع ثوب بلا نشر وذرع إلى آخر ما تقدّم من تفسير السّالمي (ح) اهـ ج8 ص94 - 102.
فخلاصة بيع الغرر أن يقع الجهل بأحد تسع جوانب كما ذكرها صاحب مصادر الحق فأليك بيانها مع تمثيل: في التّعليق ج3 ص43:
أ. تعذّر التّسليم كبيع البعير الشّارد ومنه بيع الجنين في بطن أمّه دون بيع أمّه وكذا بيع ما لم يخلق كبيع حبل الحبلة وهو نتاج ولد ناقة وبيع المضامين كبيع ماء الفحل في ظهره.
ب. الجهل بجنس الثّمن أو المثمّن كقوله بعتك ما في كمّي أو داري في التّل وهو يجهلها أو بما آخذه من أجرة وهو مجهول. (1/18)
صفحة 19
جـ. الجهل بصفة أحدهما كبيع ثوب من أثوابي أو شاة من غنمي أو قطعة من أرضي من غير تعيين من رؤية أو وصف ويجوز بيع الشّيء بوصف أو رؤية سابقة ويشترط لبيع الصّفة خمسة شروط:
1. أن لا يكون بعيد بحيث لا يوصل إليه.
2. أن لا يكون قريبا جدا بحيث لا تمكن رؤيته.
3. أن لا يصفه غير البائع إلاّ إن كان وكيلا.
4. أن يحصر بالأوصاف المقصودة كلّها.
5. أن لا ينقد ثمنه فإن خرج كما وصف لزم البيع عندهم أمّا عندنا فللمشتري الخيار مطلقا وجاز نقد الثّمن إن كان من غير جنس البيع قال يجوز بيع الثّياب بالوصف ولو لم تر إن كانت معروفة المقاييس.
د. الجهل بمقدار أحدهما كالبيع بسعر اليوم أو السّوق أو بما يقومه فلان إلاّ بيع الجزاف ومنه بيع ما اختفى في أوراقه كما يأتي.
هـ. جهل الأجل إن أجّل» سواء كان ثمنا في سلم أو ثمنا في دين «فلا يجوز إلى قدوم فلان أو وقت الحصاد أو دخول المدارس وجاز للحصاد عندهم وكذا لا يجوز إلى شهر وكذا من غير تعيين يوم.
و. بيع ما لا ترجى سلامته كحيوان مريض أو شجر كذلك أو بنيان على خطر.
ز. بيع الحصاة: وهو أن يكون بيد المشتري أو البائع حصاة فيقول إذا وقعت لزم البيع ومنه ما يقع من بيع الحكومة للصدرات بالمزايدة مع إشعال شمعة يتم البيع مع إطفائها.
حـ. بيع المنابذة: بأن ينبذ كل للآخر سلعته من غير بشر ولا درع ولا بيان
ط. بيع الملامسة وقد تقدّم
بيع الثّمار وأحكامها
بيع الثّمار ممّا يلتحق ببيع الغرر في بعض صور نهى عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في الإيضاح ج 3 ص57 - 61 أمّا بيع الثّمار فقد ثبت عن طريق أنس بن مالك قال:» نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثّمار حتّى تزهو «قيل يا رسول الله وما زهوها قال:» حتّى تحمرّ «ثمّ قال:» أرأيتم لو منع الله الثّمرة فيما يستحلّ أحدكم مال أخيه «أخرجه البخاري ومسلم.
وعن طريق أبي سعيد الخذري قال:» نهى عن بيع الثّمرة حتّى يبدو صلاحها قال والنّهي واقع على البائع والمشتري «والحديث رواه الجماعة إلاّ التّرمذي وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» من باع نخلا مؤبرا فثمره لبائع إن لم يشترطها المشتري «رواه ابن ماجه من طريق أبي سعيد قال ويتعلّق بهذا مسائل:
وذلك أنّ بيع الثّمار إمّا قبل خلقها فكلّ العلماء متّفقون على منعه إذ هو من بيع ما ليس معك وهو من بيع المعاودة وبيع السنين المنهي عنه، ذكره الزحيلي قال رواه البخاري وكل أهل السّنن بطرق مختلفة أن (1/19)
صفحة 20
يكون بعد ... فلا خلاف في جوازه، وأمّا قبل ... وبعد الصّلاح فهو جائز مطلقا وأمّا أن تكون قبل الزّهو بشرط الإبقاء فلا يجوز أمّا إذا كان بشرط القطع فجائز وأمّا إن باعها ولم يشترط شيئا ففيه خلاف فمن حمل على القطع أجاز ومن حمل على البقاء منع وهو الصّحيح اهـ بتصرّف واختصار.
ونفس هذا التّقسيم مذكور في النّيل وشرحه ج8 ص104 - 117 بتفصيل ومثله عند الزّحيلي ج4 ص485 - 490 مع ذكر خلاف بين المذاهب في بعض صوره وإليك جدولا يبيّن صور بيع الثّمار وأحكام كل منها:
اكترى ثمار حديقة برتقال أعواما ... أعواما، فهو بيع معاومة ومن بيع الثّمار قبل خلقها ... غير جائز باتّفاق
باع ثمارا بعد صرمها أو قطعها ... بيع شيء حاضرا مرئيا ... بيع عادي جائز
باع ثمر ليمون وقد اصفرّ لونه وبدا صلاحه ... مأمون المنفعة غير داخل في النّهي ... جائز مطلقا للقطع أو الإبقاء
باع ثمارا على شجر لم يبد صلاحه بشرط الإبقاء ... غير مضمون الانتفاع داخل في النّهي ... غير جائز باتّفاق
باع زرعا قصيلا على أن يقطعه ... بيع شيء حاضر كما هو ... جائز
باع تمرا على نخل ولم يشرط قطعه أو بقاؤه ... فهو بيع غير واضح النّتيجة ... الصّحيح عدم جوازه إلاّ للقطع
بيع ما اختفى من الثّمار:
ممّا فيه غرر بيع ما اختفى من ثمار في الأرض كبطاطة ولفت وجزر، وما اختفى في أوراقه كحب في نه وفول ودحو في أوراقه للجهل بصفته ومقداره.
قال في النّيل وشرحه وجاز بيع النّبات الظّاهر إذا بدا صلاحه للأكل لا الباطن كلفت وبصل، وكذا بيع زرع بعد درس لاستتار حب بتبن قال في الشّرح بعد قوله لأكل أكل إنسان أو حيوان أو لصنعة كصبيغ ومل زجاج وذلك يحرثا الأرض مقسما في حينهما قبل أن ينبت كما يجيء إليه يجوز قسمة الأرض كما غرست قبل أن تأخذ الأرض قلت لا يجوز لأن المقصود الأرض بذاتها والغرس إنّما هو صنع لها.
وأمّا مسألة الجزر ونحوها فالمراد فيها الجزر مثلا لا الأرض وأيضا قد يسقي السّاقي سهمه ولا يخرج شيئا، وقال بعد قوله بصل وكوملة وبطاطا إلاّ إن كان المقصود ما ظهر من الورق أو البذر لحامله بشرط أن لا يكون قلبه مائلا إلى ما بطن. (1/20)
صفحة 21
قال بعد قوله لاستتار حب بتبن وهو ورق وجاز قبل درس وإن لم يكن المراد الحب جاز وبالحب تبيّنت السّنابل سواء حصد أو لم يحصد قال والذي عندي جواز بيع الحب مع التّبن الغليظ اهـ ج3/ 23.
بيع متلاحق البطون:
فيما يثمر من غلّة بطونا كتين وعنب خلاف، قال في النّيل وشرحه:
» وما يثمر من غلّة بطنا جاز بيعه كما مرّ والخلاف في مُثمِر بطونا كتين وعنب هل يمنع أو يجوز ما في الوقت والزّائد للبائع أو للمشتري غلّة سنة ولو زادت؟ خلاف «قال في الشرح:» هل يمتنع بيع غلّته مطلقا إلاّ إذا قطعت وبيعت، على القطع قبل أوان الزّيادة لئلاّ يختلط البيع بالمزداد «وقال بعد قوله والزّائد للبائع وهو الصّحيح لكن يجتهد في التّمييز بينهما والأوّل أحوط.
وللمشتري للغّلة بلا ذكر شيء إلى أن قال: وما جاز ذلك مع أنّ ما يزيد لم يكن بوجود حال البيع تبعا للموجود وكم شيء يصحّ تبعا ولا يصحّ استقلالا اهـ ج3ص124.
وكذا غلّة مثل قرع وقتّاء ممّا يتلاحق ثمره وهي أقرب للجواز لاتّصال بطونه اهـ نفس الصّفحة.
ج- بعض مناهي بيع وردت في الحديث:
هناك بيوع نهى عنها رسول الله فهي داخلة في المنهي عنها لذاتها وهي ثلاث:
1. نهي عن بيع وشرط وعن بيعتين في بيعة قال في النّيل وشرحه:» نهي عن بيع وشرط وعن بيعتين في بييعة «(حديث النّهي عن ذلك أورده الزّحيلي عن أبي هريرة) قال:» نهى رسول الله عن بيعتين في بيعة «وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» لا يحلّ سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا يصحّ ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك «قال رواه أصحاب السنتين إلاّ ابن ماجه، قال في النّيل: كبيع سلعة بدينار ونقدا أو بدينارين لأجل نسيئة برضا عن متبايعين لا على قطع ثمن معيّن وأجل أو نقدا فالمختار منعه، قال في الشّرح بعد قوله عن شرط في بيع مثل أن تبيع شيئا ويشترط عليك المشتري حمله إلى منزله على ما يأتي دخل فيه شرطان أو شروط وأمّا قولهم عن شرطين في بيع فهو ما يعبّر عنه» بيعتين في بيعة «وهو أولى من التّعبير بشرطين في بيع ولم يذكر المصنّف هذا قال بعد قوله برضا من متباعين على التّرديد والتّخيير» لا على قطع ثمن معيّن أو أجل أو نقدا «قال فكأنّه قال إن شئت فخذها بدينار أو بدينارين نقدا أو بأجل قال ففي صورة النّقد والأجل إذا قام من موضعه فقد فاته النّقد، وإذا جاء الأجل إذا قام من موضعه فقد فاته النّقد، وإذا جاء الأجل وجاء بالثّمن لم يجز إلى أن قال والواجب تجديد بيع» والمختار تجديده «وهو قول أبي الحسن لأنّه لم يقع على معيّن واقتصر عليه في الدّيوان في صورة الجمع بين النّقد والأجل والخلاف موجود في غيره من الصّور اهـ ج3ص129. (1/21)
صفحة 22
قال في الأصل:» وعليه فإن تل بيد مشتر «في صورة من تلك الصّور» دفع قيمتها يوم أتلفها لا يوم البيع إن قوّمت «اهـ.
قال في الأصل بعد وفسد كلّ بيع أجّل لأجل غير منضبط كحصاد عند الأكثر أو قدوم الأعراب أو المسافرين. ومن يعني شرطين في بيع أن يبيع له شيئا على أن يبيع له هو مثله فهل يمنع أو يجوز على متاممة أو على إبطال الشّرط خلاف قال في الشّرح أراد المماثلة في التملّك فدخل في ذلك ما إذا كان أحدهما أصل والآخر عرض أو العكس أو كانا أصلين أو عرضين مختلفين ثمّ عدّد صورا وقال كلّها من تلك التّسميات على الصّحيح قال بعد قوله فهل يمنع ذلك البيع فيبطل هو والشّرط لا سيما إن اتّحد الجنس نسيئة فهو تذرّع إلى الرّبا وما بينهما من ثمن حيلة وقال بعد قوله ومتاممة وأجازه بعد الكلام الأوّل وذلك أن يقع البيعان فيبطلانها بالنّية ويجيزاهما بعد لا على الشّرط ويقع البيع الأوّل ويبطل فيه الشّرط وإلاّ يمكن كذلك فسد اهـ ص135 وفيه صور أخرى كلّها تدور على بيع وشرط وذكر الزحيلي في تفسير الحديث نفس تلك الصّور والخلاف بين المذاهب.
2. بيع الشّيء قبل قبضه قيل مطلقا وقيل في الطّعام فقط.
قال في الإيضاح روي أنّه - صلى الله عليه وسلم - قال:» من اشترى طعاما فلا يبيعه حتّى يقبضه «رواه الجماعة وفي بعض الرّوايات:» نهي عن بيع ما لم تقبض، وربح ما لم تضمن «رواه أحمد ومسلم وأبو داود فهذا الحديث أعمّ من الأوّل لأنّ الأوّل مقصور على الطّعام والثّاني شائع والعلماء مختلفون منهم من منع بيع ما لم تقبض جميع الأشياء ومنهم من منعه في الطّعام فقط ثمّ ذكر خلافا فيما إذا اشتراه وتركه باختياره من غير قبض فصحّح جواز بيعه إلى أن قال ومن باع قبل القبض فهو داخل في النّهي وإن باعه بأكثر ممّا اشترى فهو ربح ما لم يضمن (ومعنى ضمانه أن يكون إذا ضاع أو تلف فهو على المشتري) إلى أن قال وكذا عندي أنّ ما كان في ذمّة الغير من دين وسلم وإجازة وصداق وجميع ما كان مضمونا في ذمّة الغير فلا يجوز بيعه حتّى يقبض ومن هذا ما ذكره بعد وهو النّهي عن بيع الكالي بالكالي وعن بيع وسلف وهو بيع الديّن وذاك أن تبيع مثلا طعام السلم لشخص بثمن في الذّمة اهـ ج3 ص35 - 40.
د- الرّبا
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنوُا لاَ تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم تُفلِحُون} [آل عمران: 130].
مقدّمة
الرّبا من أعظم المشاكل العالمية وهو عقبة كأداء أمام الاقتصاد العالمي اليوم بناء على ما هو عليه اليوم من الانغماس في الرّبا إلى قمّة رأسه سواء ما كان بيد الأمم الأوروبية أو الإسلامية حيث ضعف الوازع (1/22)
صفحة 23
الدّيني وتغلّب حبّ المادّة، وقد التمس الاقتصاد ديون في العالم مبرّرات لأعمالهم الربوية وإن خالفت كتاب الله وسنّة رسول الله، في نصوصه القطية.
فكأنّ من واجب الدّين والشّريعة أن توافق روح العصر المادّي فاعتبروا الرّبا ضروريا للاقتصاد الحاضر لا يستقيم إلاّ به وذلك خطأ محض إذ الشّريعة الإسلامية هي آخر الشّرائع السّماوية قد شرّعت ومن لدن حكيم خبير، وقد جعلها صالحة لكلّ زمان ومكان شاملة لكلّ جوانب الحياة دينيا واقتصاديا واجتماعيا.
فقد استطاع المسلمون الأوّلون تحقيق حضارة كاملة عندما كانوا متمسّكين بمبادئ الإسلام وطبّقوا تعاليمه أتمّ تطبيق من غير أن يفكّروا في الرّبا ولا فوائده فضلا أن يتعاملوا به وسأتناول موضوع الرّبا في ستّة محاور: 1. تعريفه وأنواعه، 2. حكمه، 3. الحكمة من تحريمه، 4. علله، 5. ما قال العلماء فيما ينبغي أن يكون عليه موقف الفقه من الرّبا في الوقت الحاضر، 6. حكم معاملات البنوك.
المحور الأوّل: تعريف الرّبا وأنواعه:
الرّبا في اللّغة الزّيادة والارتفاع ومنه قوله تعالى: {وَتَرى الاَرضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلنَا عَلَيْهَا المََاءَ اهتَزَّت وَرَبَتْ وَأَنْبَتَت مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج: 5]
وقوله: {وَمَا آتَيتُم مِنْ رِبًا لِتُربُوا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللهِ} [الروم: 39]
أمّا في اصطلاح الشّرع فهو واستبدال جنس من ثمن أو مثمّن بجنسه نسيئة مع زيادة من الجنس نفسه وهو أحسن تعريف شامل لكلّ أنواع الرّبا.
أنواعه: الرّبا نوعان:
1. ربا الفضل وهو استبدال جنس بجنسه حاضرا مع زيادة وفيه خلاف سيأتي في حكم الرّبا.
2. ربا النّسيئة وهو نوعان: ناشئ وطارئ:
أمّا النّاشئ فهو ما قصد به معاملة الرّبا من أوّل مرّة كمن اخذ من ملئ مائة ألف دينار على أن يردّ له مائة وعشرين ألفا بعد سنة فهو ربا صريح لا اختلاف في تحريمه.
أمّا الطّارئ فهو ما لم يكن مقصودا من أوّل مرّة كمن استقرض من شخص مائة ألف على أن يردّها بعد ستّة أشهر فعجز عن ردّها فقال لدائنه أنظرني سنة وأنا أزيدك عشرة آلاف مثلا، أو شخص استقرض سلعة وعجز عن ردّها فطلب من مستقرضه أن يوسّع له الأجل ويزيد في السّلعة نفسها فكلا النّوعين ربا صريح عليه نزل التّحريم.
المحور الثاني: حكمه:
أجمع العلماء أنّ الرّبا حرام بالكتاب والسنّة فالكتاب قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُم مُومِنِينَ وَإِنْ لَمْ تَفعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبتُم فَلَكُم رُؤُوسُ (1/23)
صفحة 24
أَمْوَالِكُم لاَ تَظْلِمُونََ وَلاَ تُظْلَمُونَ} [البقرة: 279]، وقوله: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنوُا لاَ تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم تُفلِحُون} [آل عمران: 130]، وقوله: {وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275].
ومن السنّة قوله - صلى الله عليه وسلم -:» اجتنبوا السّبع الموبقات وذكر منها الرّبا «أخرجه مسلم عن أبي هريرة وقوله:» لعن الله آكل الرّبا وموكّله وشاهده وكاتبه والرّاضي به إن علموا «رواه أبو داود ذكره في النّيل وشرحه قال في الإيضاح: بلغنا عن ابن عمر أنّه قال:» درهم واحد من الرّبا أعظم عند الله من اثنين أو ثلاث وثلاثين زنية «رواه أحمد وأبو داود والدارقطني.
قال في الإيضاح أمّا نهي التعهّد وهو الرّبا فقد حرّمه الله ورسوله وساق ما تقدّم من الآيات وحديث لعن الله آكل الرّبا إلى أن قال وقالوا أعظم الرّبا درهم بمثله سيّئة وأدناه أكل طعام الغريم، وكاتبه وحاكمه علم به أو لم يعلم فهو كافر إلاّ إن لم يحضروا المعاملة إلى أن قال ومن رضي بفعل المعصية فهو كفاعلها قال ومن طلبه فهو هالك وكذا من أعطاه بغير طلب.
ومن فعل الرّبا ثمّ تاب فليرد كلّ واحد منهما ما أخذ وما ربح ولا يصحّ التّقاضي لقوله تعالى: {وَإِنْ تُبتُم فَلَكُم رُؤُوسُ أَمْوَالِكُم لاَ تَظْلِمُونََ وَلاَ تُظْلَمُونَ} [البقرة: 229] اهـ ج3ص13 - 23.
قال الزّحيلي وأجمعت الأمّة على أنّ الرّبا حرام قال الماوردي حتّى قيل أنّه لم يحل في شريعة قطّ لقوله تعالى: {وَأَخْذُهُمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنهُ} [النّساء: 161].
قال والرّبا المحرّم في الإسلام نوعان: أوّلهما ربا النّسيئة الذي لم تكن العرب تعرف سواه، وهو المأخوذ لأجل تأخير قضاء دين مستحق إلى أجل جديد سواء كان الدّين ثمن مبيع أو قرضا، وثانيهما ربا البيوع في أصناف ستّة هي الذّهب بالذّهب والحنطة بالحنطة والفضّة بالفضّة والشّعير بالشّعير والملح بالملح والتّمر بالتّمر وهو المعروف بربا الفضل وقد حرّم سدا للذّرائع أي منعا من التوصّل به إلى ربا النّسيئة بأن يبيع أحد ذهبا مثلا إلى أجل ثمّ يؤدّي فضّة بقد زائد مشتمل على ربا والنّوع الأوّل محرّم بالكتاب وهو ربا الجاهلية وأمّا الثّاني فقد ثبت تحريمه في السنّة بالقياس عليه لاشتماله على زيادة بغير عوض وأضافت السنّة تحريم نوع ثالث وهو بيع النّساء
فنرى أنّ تحريم الرّبا متّفق عليه وإنّما الخلاف في علل ما يعتبره الشّيء ربويا وفي توسيع منطقة الرّبا لتشمل كلّ معاملة فيها أجل وزيادة أو تضييق فيما ورد النّص فيه وفي نسخ تحريم ربا الفضل وبقائه وسيأتي تفصيل ذلك بحول الله بعد بيان الحكمة من تحريم الرّبا.
المحور الثّالث: الحكمة من تحريم الرّبا: (1/24)
صفحة 25
اعتبر بعض العلماء أنّ النّهي عن الرّبا نهي تعهّد لم تدرك علّته ولمِا ورد من قول عمر - رضي الله عنه - مات النّبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يبيّن لنا علّة الرّبا.
ومن العلماء خاصّة المتأخّرين وقد ظهرت مضار الرّبا من يرى أنّ الرّبا وما فيه من مضار ظاهرة وما ورد فيه من وعيد من كتاب الله وسنّة رسول الله: لا يمكن أن يكون لمجرّد التعبّد واحتجّوا لذلك لتشمل عليه نصوص الشّريعة من آيات الرّبا من الوعيد الشّديد والعقاب الدّائم: {وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275]، وما فيها من تشنيع على متعاطيه واعتباره حربا لله ورسوله وما أثبت الرّسول - صلى الله عليه وسلم - من اللّعنة الشّاملة لكلّ من يمتّ له بصلة، لا يمكن أن يكون كلّ ذلك لمجرّد تحريم تعهّدي فقط والمألوف من شرع الله أن لا يمنع عن خلقه مكسبا إلاّ إذا كانت فيه مضرّة بدنية أو خلقية أو اجتماعية.
فقد حرّم الله الرّبا لما فيه من أضرار ظاهرة وباطنة وذلك: أنّ الله تعالى يربّي المسلمين على التّراحم والتّعاطف فيما بينهم فما كان لأحدهم من فضل مال أو غيره نفع به غيره ولا يأخذ من مال أخيه إلاّ ما كان في مقابل عناء أو منفعة.
وذلك ما أشار إليه في قوله في التّفرقة بين البيع والرّبا: {وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] فالبيع حلال لما فيه من عون والرّبا حرام إذ ليس فيه إلاّ الاستغلال.
فالحكمة من تحريم الرّبا تظهر فيما يلي:
1. إنّما جعلت الأثمان لتكون في مقابل المثمّنات التي يتحقّق بها الانتفاع عاجلا أو آجلا فإذا صارت هي المقصود من الاستغلال أصبح في ذلك مضرّة نقصانها من أيد النّاس حيث تبقى بيد من يستغلّها للرّبح الرّبوي عوض استغلالها في تجارة أو صناعة أو قرض.
2. أنّ المرابي يأخذ الفائض من ماله من ربح بدون أن يتعرّض لخسارة بل الآخذ للمال هو الذي يتحمّل وحده ما يمكن من خسارة فالمرابي يأخذ ولا يعطي، وليس هذا بعدل ولا مروؤة.
3. استغلال حاجة المحتاج فمن أخذ مالا بالرّبا في الغالب لا أخذه إلاّ وهو في أمسّ الحاجة إليه وربّما كان مضطرّا وعندما يصل أجل الدّفع ربّما لا يجد ما يدفع فيضطرّ إلى طلب التّأخير في الأجل والزّيادة في الرّبا وهكذا فربّما تأتي الزّيادة على كلّ ماله حيث في كلّ مرّة يعجز عن التّسديد إمّا لفقره وإمّا لعسر حاله وإمّا لآفة أتت على ماله والمرابي لا يرحم.
4. المضرّة الأخلاقية: حيث كان النّاس يقرض بعضهم بعضا من باب التّعاطف والإحسان فلمّا تعاطى النّاس الرّبا واستلذّوا الفائدة بلا تعب: انصرف النّاس إلى الرّبا تاركين كلّ خلق ودين. (1/25)
صفحة 26
هذه هي مضار الرّبا وهي واضحة خاصّة بعد ما عمّ استعماله فتبيّنت أضراره خاصّة فيما بين الأفراد وعامّة فيما بين الحكومات فهي اليوم تئنّ تحت وطأة الدّيون وتستغيث.
وما تجدر ملاحظته في هذا الباب نهي رسول الله عنه وهو قرض يجرّ منفعة، فهو ربا.
لكنّ الرّسول - صلى الله عليه وسلم - رغّب في حسن القضاء فقد ورد فيما رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عبّاس عن أبي رافع مولى رسول الله قال استسلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكرا فجاءت إبل الصّدقة فأمرني رسول الله أن أقضي له بكرة فقلت لم أجد إلاّ جملا رُباعيا خيارا فقال:» اقضه فإنّ خير النّاس أحسنهم قضاء «من الجامع الصّحيح قال في الحاشية الحديث رواه الجماعة إلاّ البخاري.
فيجوز لمن استقرض شيئا أن يردّ أحسن أو أزيد إن لم يكن باتّفاق سابق.
المحور الرّابع علل الرّبا:
المقصود بعلل الرّبا بيان علّة كون الشّيء ربويا وذلك مأخوذ من حديث عبادة ابن الصّامت قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» لا تبيعوا الذّهب بالذّهب ولا الفضّة بالفضّة ولا البر بالبر ولا الشّعير بالشّعير ولا الملح وبالملح إلاّ مثلا بمثل يدا بيد سواء بسواء عينا بعين «الحديث ذكره في الجامع عن أبي سعيد الخذري وعن طلحة بين عبيد الله وقال في الحاشية الحديث رواه أيضا مسلم والنّسائي من طرق متعدّدة فبناء على الحديث اختلف العلماء ما هي العلّة التي لأجلها كانت هذه الأشياء ربوية وهل يُقتصر عليها وهو قول الظّاهرية كما ذكر في مصادر الحق للسنبوري ويقاس عليها ما يشابهها حسب العلّة وهو رأي سائر المذاهب على اختلاف في علّة الرّبا.
فعندنا وعند بعض العلماء المتأخّرين المالية فكلّ مال يصحّ أن يملك لا يجوز بيع كل نوع منه بثمنه نسيئة مع زيادة.
قال في الإيضاح بعد ما قدّمنا من كلامه على الرّبا: والأصل فيه ... قال - عليه السلام -:» الذّهب بالذّهب «الحديث قال فقيّده عليه السّلام بالتّساوي واليد باليد فهذه الأحاديث تمنع التّفاضل في الصّنف الواحد سواء كان يدا بيد أو نسيئة وحجّتهم في ذلك حديث ابن عبّاس - رضي الله عنه -:» إنّما الرّبا في النّسيئة «رواه الدارقطني وأحمد وأبو داود والشّيخان وروي أنّ سلمة بن زيد وزيد بن أرقم كانا يأتيان وادي القرى» أي لبيع التّفاضل «ذكره في شرح النّيل فعاب عليهما ناس من أصحاب رسول الله فأتى أسامة بن زيد لرسول الله فسأله فقال النّبي يدا بيد فقال نعم ولم يربه بأسا وقال لا ربا إلاّ في النّسيئة قال بهذا يقول علماؤنا رحمهم الله والكتاب يؤيّد قولهم قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيكُم فِي الدِّينِ مِن حَرَجٍ} [الحج: 23].
وقيل إنّ أصل الرّبا الذي حرّمه الله أنّ الرّجل كان في الجاهلية يكون عليه دين أو قرض فإذا حلّ الأجل قال للدّيان أخّر لي وأزيدك أو يقول له الطّالب اربي لي وأؤخّرك وهذا فيما قالوا معنى الرّبا المحرّم ويؤيّد (1/26)
صفحة 27
ذلك ما روي أنّه - صلى الله عليه وسلم -:» ابتاع بعيرا ببعيرين وأجاز بيع عبد بعبدين «يدا بيد وعلى مذهبهم رحمهم الله أنّ الرّبا إنّما يكون إذا اجتمعت ثلاثة شروط الزّيادة والأجل والجنس لأنّ الزّيادة بلا أجل مع الجنس جائز لما قدّمنا من الأحاديث والأجل والجنس من غير زيادة سلف والأجل والزّيادة من غير جنس بيع لقوله - عليه السلام -:» إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم «متّفق عليه.
فكلّ ما اتّفق من جنس واحد فلا يجوز بيع بعضه ببعض نسيئة لكن العلماء اختلفوا ما المتّفق والمختلف في ذلك؟
فقال مالك وأصحابه كلّ ما يقتات ويدّخر لا يجوز فيه النّسيئة لأنّه عندهم جنس، وحجّتهم ما ذكر في الحديث من الأصناف الأربعة في كللها يجمعها الاقتيات والادّخار الخ اهـ ج3ص22 - 26.
هذا ما عندنا وسأورد أقوال المذاهب من كتاب مصادر الحق للسنهوري قال بد تفصيل:
والظّاهرية يقصرون الأموال الرّبوية على هذه الستّة (أي المذكورة في الحديث) ولكن جمهور الفقهاء لا يقفون عند هذه الأموال بل يبحثون عن المعنى الذي يتعدّى به الحكم إلى غيرها إذ ليس في الحديث حصر المال في الستّة.
ثمّ اختلفوا في تحديد هذا المعنى الذي يتعدّى إلى غيرها قال الحنفية والحنابلة في ظاهر مذهبهم أنّ العلّة عندهم أمران:
أ. الوزن كالذّهب والفضّة، والكيل كالحنطة والشّعير.
ب. أن يتّحد الجنس في المال فالعلّة عندهم القدر والجنس.
وعند الشّافعية العلّة في الحنطة والشّعير والملح والتّمر الطعم وفي الذّهب والفضّة الثّمنية.
وعند المالكية العلّة في الذّهب والفضّة الثّمنية، وفي غيرها الاقتيات والادّخار.
فعند الحنفية والحنابلة تجري المقابلة في كلّ مكيل أو موزون وعند المالكية في كلّ قتات مدّخر أو ثمن وعند الشّافعية في كلّ ثمن أو مطعوم اهـ ج3ص179.
وكلّهم متّفقون معنا في النّوع والنّسيئة ويعتبرون ربا الفضل في النّوع فيجيزون مثلا حنطة بتمر متفاضلا يدا بيد ولا يجيزونها نسيئة ولا يجيزون حنطة بحنطة متفاضلا يدا بيد.
ونحن نعتبر المالية قال في الإيضاح بعد أن ذكر أقوال المذاهب وكيف يعتبرون الجنس أنّ ما تبيّن خلافه من هذه الأشياء يجوز بيعه نسيئة وهذا القول عندنا الأصح لقوله - عليه السلام -:» البرّ بالبرّ، والشّعير بالشّعير .. « (1/27)
صفحة 28
الخ ذكره لهذه الأصناف دليل على أنّ كلّ واحد منها غير الآخر وأنّها مختلفة فيكون ذكرها تنبيها على غيرها أنّه لا يجوز بيع كلّ صنف بصنفه نسيئة أي مع الزّيادة وهو أقرب هذه الأقيسة وذكره (1)
لهذه الأشياء اجتاز عن غيرها كالزّبيب بالزّبيب، والزّيت بالزّيت، واللّبن باللّبن، والزّعفران بالزّعفران إلى أن قال وإجماع الجميع أنّ هذه الأصناف لا يجوز بيع بعضه ببعض نسيئة وفيه دليل أنّ ما اختلفت أجناسه جاز بيع بعضه ببعض نسيئة أو حاضرا لقوله - عليه السلام -:» إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم «متّفق عليه.
قال وأمّا ما قام من هذه الأصناف وتغيّر بالصّنعة فلا يجوز ولا يسمّى ذلك خلافا، مثل الشّعير بالدّقيق، أو الخبز أو اللّبن بالإقط والجبن أو الزّيت بالزّيتون الخ لأنّه ولو اختلفت أسماؤها فهي متّفقة المنفعة اهـ 3ص31 - 33.
المحور الخامس فيما ينبغي أن يكون عليه الفقه الإسلامي بالنّسبة للرّبا وتحريمه في الوقت الحاضر:
ذكر صاحب مصادر الحقّ في ذلك اتّجاهين مختلفين في محاضرتين ألقيتا في باريس 1951.
1. الاتّجاه المتحفّظ على أحكام الرّبا حسب المذاهب الفقهية وذلك في محاضرة الأستاذ محمّد دراز وسع من منطقة الرّبا فاعتبره في كلّ الأصناف الواردة في الحديث وما شاكلها وما ذكر في الحديث إنّما هي نماذج يتعامل بها النّاس، وقسّم ذلك إلى ثلاثة أضرب:
أ. أن يكون البدلان من نوع واحد كالذّهب بالذّهب والقمح بالقمح هنا يخضع التّبادل لشرطين أساسيين الفورية في التّبادل مع الاستواء في الكمّ وإلاّ كان ربا.
ب. أن يكون البدلان من نوعين مختلفين من جنس واحد (حسب اعتبار كلّ مذهب) هنا يخضع التّبادل لشرط واحد وهو الفورية فقط.
جـ. إذا كان البدلان من جنسين مختلفين فهنا لا يشترط في التّبادل إلاّ ما يراعى في البيع الصّحيح.
ثمّ تطرّق إلى نقطة أخرى وهي أن تحريم الرّبا مبني على دعائم من النّاحية الأخلاقية والاجتماعية وهذه لا تزال قائمة فلا يمكن أن يباح الرّبا بحال اللهمّ إلاّ لضرورة قصوى كضرورة أكل الميتة، ويقول أنّ هذه الضّرورة لا يكفي لتحديدها فرد عالم أو فتي بل لا بدّ أن تحظى بمجمع من العلماء يدرسون جوانب من النّاحية الاجتماعية والاقتصادية ثمّ لا يكفي لتطبيقها الاطّلاع على الشّريعة فقط بل لا بدّ مع ذلك من ورع يمنع الفاعل أو المفتي الإقدام عليها إلاّ مع تحقّق الجواز.
__________
(1) الإقِط: جبن يابس (إِكَرَّايَنْ).
القِجدَة: الياورت. (1/28)
صفحة 29
2. الاتّجاه المتحرّر ويمثّله الاستاذ معروف الدّوالي وقد تحرّر من اعتبار المذاهب الفقهية وضيق من منطقة الرّبا فهو يرى حصره في قروض الاستهلاك حيث أنّ المرابي يستغلّ حاجة المعوزّين والفقراء من المستهلكين ويرهقهم بما يفرض عليهم من الرّبا الفاحش، أمّا الآن ففي رأيه أنّ الاقتصاد قد تطوّر وأصبحت القروض بيد الشّركات الإنتاجية ويساهم فيها صغار المستفيدين، فيجب أن يتغيّر الحكم إذ ليس في ذلك استغلال القوي للضّعيف فالمسألة عنده لا تعدو من أحد أمرين إمّا تقرض الحكومات للمنتجين وإمّا إن صاح قروض الإنتاج بفوائد معقولة ويرى إمكان إخراج ذلك من باب الضّرورة.
تعليق على الرّأيين:
أمّا صاحب مصادر الحقّ الأستاذ عبد الرزّاق السنهوري فيعلّق على الرّأيين ويصرّح بتأييد الرّأي المتحفّظ وهو رأي الأستاذ محمّد دراز.
ويعلّق على رأي الأستاذ الدّوالبي ويقول: إنّ اعتبار الرّبا في قروض الاستهلاك فقط أمر يصعب تطبيقه، فكيف يستطاع التّمييز بين قروض الاستهلاك والإنتاج.
إذن فلا بدّ من حكم واحد إمّا الإباحة ففي الجميع أو المنع كذلك ويرى أنّ ما يجب أن يكون عليه الفقه في جميع العصور هو تحريم الرّبا كمبدأ عام إذ قد تظافر الكتاب والسّنة على تحريمه كأصل عام من أصول الشّريعة حيث أنّ تحريمه لحكمة مستمرّة وأغراض سامية لا تتحقّق عادة المجتمع الإسلامي إلاّ بها ولا يستقيم التّعامل فيها على أساس من الأخلاق إلاّ بتحريمه.
ويرى أنّ الرّبا ويات المحرّمة إذا استعملت في الرّبا خرجت عن المطلوب.
فالسّلع المختلفة سواء منها ما كان ضروريا أو حاجيا استعمالها في الرّبا خروج بها واحتكار لها عمّا جعلت له وهو استعمالها ... في ضروريات وحاجيات الحياة.
والثّمنيات إذا اتّخذت وسيلة للرّبا أصبحت قليلة في أيد النّاس واختصّت بطائفة من الأغنياء وكانت دولة بينهم.
ثمّ إنّ مشاركة المقرض أو الدّائن للمستقرض أو المدين في الرّبح والخسارة يبعث على تشجيع الاقتصاد، وذلك عمل مشروع ومباح في الشّريعة الإسلامية وهو المضاربة التي هي المخرج من معاملة الرّبا والإقراض بلا فائدة يجعل المال بيد المستقرض وتختصّ به المسؤولية يجعله ذلك يحرس على القضاء لمبادلة الإحسان بالإحسان كما ينشر عاطفة التّراحم والتّعاون بين المتعاملين ولا ينفى ما في الأمرين سواء القرض والمضاربة من التّضامن والتّعاون لا وجود لهما في قلب ولا عمل المرابي.
بل المرابي لا يفكّر إلاّ فيما يستنزف به دماء النّاس وأموالهم بأبشع صورة.
المحور السّادس: معاملات البنوك وأحكامها: (1/29)
صفحة 30
يرتكز الاقتصاد العالمي اليوم على معاملات البنوك لذلك كان من الواجب أن نأتي ببحث ولو متواضع في شأنها.
فمعاملات البنوك المشهورة خمس:
1. أن يودع الإنسان ماله في البنك قصد حفظه يضمّ إليه ويأخذ منه ما شاء متى شاء من غير أن يكون له من البنك فائض فهذا يعتبر راضيا بالرّبا معينا عليه حيث أنّ ماله لا يبقى في البنك مجمّدا بل البنك تستعمله وتأخذ عليه فائضا حسب نظام البنك، وربّما جعلت البنك لصاحبه فائدة بسيطة تشجيعا له فهذا يدخل تحت وعيده - صلى الله عليه وسلم - في قوله:» لعن الله آكل الرّبا .. «الخ كما تقدّم.
2. أن يتّخذ البنك كوكيل يقوم مقامه في الأخذ والعطاء بقبض له ودفع ما عليه لدائنه أو مداينه فيدفع للبنك ما تجمّع عنده من دراهم أو صكوك بنكية فيأخذ ممّا له لدفع ما عليه.
فهذا النّوع جائز إذا كان للضّرورة حسبما هو واقع الآن فبعض الشّركات الوطنية لا تتعامل مع زبائنها إلاّ بالصّكوك البنكية فيجب على المتعامل بذلك أن يحفظ التّوازن بين ما يضع في البنك وما يأخذ منه حتّى لا يكون له فائض ولا عليه فائض وإن اتّفق أن بقي له فائض رغم ذلك فليأخذه وليتصدّق به ولا عليه حيث لم يقصده.
3. أن يضع ماله في البنك قصد استثماره حسب نظام البنك فهذا ربا صريح حرام ولا يجوز بحال.
4. أن يأخذ من البنك مالا ليعمل فيه ويدفع للبنك فائضا حسب نظام البنك فهذا موكل للرّبا داخل تحت وعيد الحديث الذي تقدّم.
5. ما يقع من الحجّاج فهم يدفعون للدّولة عن طريق البنك المقدار المحدّد لكلّ حاج وتعطيهم صكا بذلك يأخذون به ريالات سعودية حسب فارق العملة فذلك جائز والصّك بمثابة ما دفعوا فهو كعملة بأيديهم يصرفونها.
ومثل ذلك ما يقع من صكوك السّفر الذي تعطيه البنوك لتصريفه بجميع العملات حسب مقاديرها فهو جائز.
هذا ما تيسّر ذكره عن البنوك وهي مسألة شائكة تحتاج إلى بذل جهد من العلماء المجتهدين.
النّوع الثّاني من البيع الممنوع أو المحرّم المنهي عنه لعارض:
البيوع المنهي عنها لعاض خارج عن العقد ثمانية وقد ورد ذكرها في أحاديث منها قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أبو عبيدة عن جابر عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:» إيّاكم والظّن فإنّ الظنّ أكذب الحديث ولا تجسّسوا ولا تحاسدوا ولا تنافسوا ولا تناجشوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا «قال في الحاشية الحديث رواه مالك والبخاري ومسلم وقال في شأن النّجش المقصود هنا قال عيّاض:» النّجش المنهي (1/30)
صفحة 31
عنه في البيع أن يزيد في السّلعة من لا يريد شراءها وفيه معان أخرى ومنها ما ذكر في وفاء الضّمانة ومنهاج الصّالحين أوّلها الغشّ قال - صلى الله عليه وسلم -:» من غشّنا فليس منّا «تقدّم ذكره وقال:» من احتكر على المسلمين طعامهم ابتلاه الله بالإفلاس والجذام «رواه ابن ماجه وقال فيما رواه ابن ماجه عن طاوس عن ابن عبّاس» نهى رسول الله عن بيع حاضر لباد وعن تلقّي الرّكبان «وعن ابن عمر نهى - صلى الله عليه وسلم - عن النّجش فقال:» ولا تناجشوا ولا يبع حاضر لباد دعوا النّاس ينتفع بعضهم من بعض «وقال فيما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة:» لا يبع بعضكم على بيع بعض ولا يَسِمْ على سوم أخيه «فهذه جملة مناهي سنأتي بها بالتّفصيل:
1. وهي أعظمها الغشّ: وهو إظهار حسن وإخفاء قبح عن البيع فإن كان بحيث يمكن تمييزه كخلط جيّد برديء كان غشا وإن كان بحيث لا يتميّز كخلط زيت عادي بزيت زيتون مثلا كان خديعة فمن فعل ذلك فهو ليس من المسلمين حسب الحديث أي ليس بولي لهم وليس ذلك من أخلاقهم، والتّوبة هي إرجاع الفارق إلى صاحبه.
2. الاحتكار: قال - صلى الله عليه وسلم -:» الجالب ينتظر الرّبح والمحتكر ينتظر اللّعنة «رياض الصّالحين وهو شراء مقيم طعاما وقت رخصه وانتظار غلائه والنّاس محتاجون ففيه الوعيد المتقدّم أمّا في الطّعام فهو نص وأمذا في غيره ففيه خلاف قال في النّيل وشرحه والاحتكار هو أشدّ لانتظار اللّعنة وساق الحديث المتقدّم في الشّرح وقال رواه ابن حبان قال في الأصل ومعناه شراء مقيم الخ وهل عام في كلّ ما يطعم أو خاص بالستّة قال في الشّرح ويجوز غير الطّعام لكن إذا نظرنا للعلّة وهي حاجة النّاس وجدناه ولو في غير الطّعام إلاّ أنّ جميع الفقهاء قصرته في الطّعام «
فيتحقّق بأربعة أركان:
أ. شراء الطّعام داخل الأميال فمن جلبه من خارج ليس محتكرا.
ب. ادّخار لوقت الغلاء فمن كان يبيع وزاد السّوق تلقائيا ليس بمحتكر.
جـ. اشتراه لتجر فمن اشتراه لحاجته ليس بمحتكر.
د. من اشترى الزّائد على حاجة النّاس ليس محتكر.
3. بيع حاضر لباد: وهو عمل السّماسرة فذلك غير جائز قال في النّيل وشرحه وقصد من نهي بيع حاضر لباد وإعانته الرّفق بأهل الحضر لقوله - عليه السلام -:» ذروا النّاس ينتفع بعضهم ببعض والبادي يبيع بما رزق من سحر «تقدّم ولا يتحكّم معينه بماله على النّاس قال في الشّرح ودخل في ذلك أن يبيّن السّعر للبادي لأنّ ذلك إعانة له وقد روي عن طلحة أنّه سأله بادي أن يبيع له فقال لا لنهيه - صلى الله عليه وسلم - ولكن ساوم وأشير عليك أي اعرض عليّ السّوم فأقول بع أو لا تبع اهـ ج8ص173. (1/31)
صفحة 32
4. تلقّي الرّكبان: وهو أن يخرج إليهم ليشتري ما أتوا به قبل أن يدخلوا البلد قال في النّيل وشرحه وهل قصد بمفهوم النّهي عن تلقّي الرّكبان نفع أهل البلد أو الجالب أو هما؟ أقوال، قال في الشّرح لأنّه إذا لم يتلقّوا اشترك أهل البلد فيما جلبوا وفي رخص السّعر (أو الجالب) فإنّه إذا وصل البلد ازدحم عليه النّأس وعرف السّعر فلا يغبن قال بعد قوله أقوال أصحّها عندي الثّالث ومن فعل ذلك صحّ بيعه وعصى عندنا اهـ ج8ص169.
قال في الأصل: ولا يتلقّوا بقصد الخروج إليهم لتجر دون فرسخين ولا ضير بمن وردوا عليه في طريق بلا قصد إليهم في شراء منهم وكره استحسانا إن علم بحاجة أهل البلد ولا يرد مسافرين عن منزل توجّهوا إليه لآخر، اهـ ج9ص172.
5. النّجش: وهو الزّيادة في سلعة ممّن لا يريد شراءها ليوقع غيره في غلاء قال في النّيل وشرحه ونهي عن النّجش وهو الزّيادة الخ قال وعصى به وإن كانت لغيره واستحسن الخيار للمشتري إن كانت لا لنجش أو اتّفق مع ربها ولم يعلم والمختار لزوم البيع مطلقا وثبوت العصيان ووجوب التنصّل اهـ ج8ص185.
6. سوم الرّجل على سوم أخيه: وبيعه كذلك ذكر في وفاء الضّمانة قال أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخذري قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» لا يساوم أحدكم على سوم أخيه، ولا يبع بعضكم على بيع بعض «رواه مسلم قال في النّيل وشرحه: نهي لضرر عن سوم الرّجل على سوم أخيه وعن بيعه كذلك وإن بتأخير أو خلاف ثمن أول أو لغيره بخلافة أو تولية أو إقالة.
قال في الشّرح لضرر يقع على بائع أو مشتر في البيع والشّراء والإجارة والكراء والنّكاح بأقلّ أو بأكثر مثل أن يقول: آخذه أنا بما رضيت به لهذا وهو معلوم أو مجهول أو يجده يساوم سلعة أو غيرها بثمن فيزيد عليه ليشتريها، (في غير محل مناداة كسوق) أو يأتي بثمن آخر فيوقع الضّرر على المشتري أو يجده يبيع فيقول للمشتري أنا أبيع لك بأقلّ أو بأجل أوسع أو أنا عندي سلعة أجود فهذا كلّه ممّا يورث العداوة أو ممّا يجلب الضّرر فهو ممنوع.
وفي الإجارة أن يتّفق شخص مع أجير مثلا على أن يعمل معه بألفي دينار للشّهر فتقول أنا أعطيك ثلاثا، أو أنا أعمل معك بأقلّ من هذا.
7. الرّضا بالثّمن الفاحش في البيع: قال في النّيل وشرحه:» وعن قيل وقال وكثرة السّؤال وإضاعة المال «وهل هو عدم صيانته وحفظه أو عدم القيام بالنّفس فيغبن في مبايعة أو نحوها قال في الشّرح:» وقيل وقال «بالكسر والتّنوين وهما فعلان من غير حكاية أو هما كناية عن كثرة الكلام في غير منفعة كما في الدّيوان وقيل المزاح وفحش» القول وكثرة السّؤال «طلب الحوائج إلى النّاس والإلحاح إليهم أمّا السّؤال القليل الذي تسمح به النّفس الجاري بين النّاس فلا بأس» وإضاعة المال «وهل هو عدم صيانته وهو عام (1/32)
صفحة 33
أو عدم القيام بالنّفس قال في البخاري قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» إنّ الله حرّم عليكم عقوق الأمّهات ووأد البنات ومنع وهات وكرّه لكم قيل وقال وكثرة السّؤال وإضاعة المال «قال في الشّرح يعد قوله تأويلان ثالثها أن يضعه في غير أهله رابعها عن سعيد بن المسيّب أن ينفقه في الحرام.
قال في الأصل:» وكرّه ترك القيام بها في مبايعة لا لقصد مسامحة وتفضّل وما يتغابن فيه النّاس جائز لمشتر على بائع ولو كان المبيع لغيره وضمن إن حابا قال في الشّرح وكذا يجوز لبائع على مشتر ولو كان ما اشترى به لغيره.
وهل جائز بيع غبن فيما لا يتغابن فيه النّاس وإن في ماله أو جائز وإن في مال الغير لا بمحاباة أو جوز بضمان الغبن لصاحبه خلاف قال في الشّرح قال ابن محبوب لا ينتقض البيع بالغبن فلو باع رجل رسن حمار بألف درهم لجاز عليه وذلك في السعة والضّرر وقيل لا يجوز في الضّرر إلاّ ما يسوّى الشّيء في ذلك الموضع من غير إضرار كبيع إناء ماء بمائة دينار وقد اشترى أبو الرجاج من منافق نخلة بألفي نخلة فثبت ذلك على يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستفذنا منه أنّه لا يكون الرّبا في الأصول ولو غابا وقال بعد وجوزان في مال الغير بمحياة مع ضمان الغبن لصاحبه لقوله - عليه السلام -:» المؤمن سمح إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى «رواه أبو داود والبيهقي وأحمد قال في الشّرح إن كان في ماله فلا إشكال وإن كان في مال الغير ضمنه إذ وقع، ولا يحسن تعمّده (خلاف) قال في الشّرح وإن لم يطلب المغبون الغبن حتّى مات فلا قيام لورثته وتقدّم أنّ الغبن لا يمضي على من لا يعلمه وسيأتي حكمه في باب الخيار وينتهي لنصف، ولا يجوز غبن بما زاد عليه عند أبي عبيدة وعليه فعلى ما ذكر المصنّف أنّ بيع شيء ونقص من قيمته نصفها أو أكثر انتقض البيع وإن نقص أقلّ من ثلث فغبن مختلف فيه اهـ باختصار ج3ص193 - 199.
جـ. ما يرجع للزّمان والمكان أنّه لا يجوز البيع وقت النّداء لصلاة الجمعة أو باللّيل في ظلمة لا يتبيّن ما بيع أو الثّمن.
وفي المسجد إذ هو محلّ العبادة واختلف في صحن المسجد والصّحيح فيه الجواز.
وحكم هذه البيوع كلّها أنّها صحيحة منعقدة وفاعلها عاص وهو ما اتّفق عليه كلّ الفقهاء في النّيل وشرحه والإيضاح وغيره.
فرش مسائل في نحو ما تقدّم:
أ. البيّع والشّرط فيه الجائز وغير الجائز خلاصة ما في النّيل والإيضاح أنّ البيع والشّرط ورد النّهي عنه في الحديث كما تقدّم لكن قيل أنّ الحديث ضعيف والعمل على قول النّبي - صلى الله عليه وسلم -:» المؤمنون على شروطهم إلاّ شرطا أحلّ حراما أو حرّم حلالا «وقد تقدّم متّفق عليه، ففي البيع والشّرط جائز وغير جائز فإذا كان الشّرط معلوما وفيه نفع للبائع وفي نفس المبيع جاز كما ورد أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - ابتاع جملا واشترط ظهره إلى (1/33)
صفحة 34
المدينة رواه أبو عبيدة عن جابر في وفاء الضّمانة وإذا كان الشّرط في غير البيع فلا يجوز مثل أن يبيع شيئا ويشترط أن لا يبيعها إلاّ لمعيّن وكذا إن كان الشّرط مجهولا كأن يبيع دارا ويشترط سكنها إلى الموت ففيه تعطيل الانتفاع بالمبيع وهو ضرر وما لا يحلّ كأن يشتري شيئا ويشترط أن يضع ثمنه بالبنك أو يدفعه عن طريقه أو يشترط البائع أن لا يبيع الشّيء إلاّ بإذنه.
وإذا كان الشّرط لا يحلّ تملّكه بطل الشّرط وتمّ البيع كأن يبيع شيئا ويشترط أن يكون كراؤه له فهو تصرّف فيما لا يملك.
ب. النّهي عن بيع الثّنيا ذكر في منهاج الصّالحين قال:» نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة والمعاومة وعن الثّنيا ورخّص في العرايا «رواه مسلم قال في النّيل وشرحه وعن بيع الثّنيا وهو بيع شيء جزافا واستثناء كيل أو وزن منه قال والمستثنى إمّا أن يكون معلوما شايعا أو معنيا والأوّل كبيع هذه الدابّة أو الأرض أو نحوها إلاّ ثلثها أو ربعها فهو جائز وفي النّصف قولان قال في الشّرح وأصحابنا على نفيه في أكثر من النّصف لكن اختلفوا هل يبطل البيع أو يصحّ ويبطل الاستثناء.
قال في الأصل والظّاهر إمّا أن يكون معلوما أو مجهولا فالمجهول ممنوع كبيع غنم إلاّ عددا منها أو نخلا إلاّ واحدة غير معيّنة.
والمعلوم جائز كبيع بستان إلاّ شجرة أو أشجارا معيّنة أو شجرة إلاّ ثمرها أو الأرض إلاّ زرعها والممنوع دابة إلاّ عضو منها أو دارا إلاّ فسحة أو حائطا إذ لا يمكن الانتفاع، وفي بيع شاة إلاّ حملها خلاف اهـ ج3ص150 - 156.
جـ. بيع العُربون فهو غير جائز وهو أن يدفع المشتري بعض الثّمن يكون بيد البائع لمدّة معيّنة في سلعة أو غيرها فإن تمّ البيع في تلك المدّة وإلاّ لم يرجع الثّمن فهو عقد غير جائز ذكره في النّيل والإيضاح وغيرهما منّا ومن غيرنا.
المطلب الثّاني في أنواع البيع باعتبار كيفياته:
البيع باعتبار كيفية عقده خمس كيفيات ففيه خمس محاور: أ. بيع المساومة وهو ما تقدّم، ب. بيع المرابحة، ج. بيع السّلم. د. بيع الدّين، ولكلّ أحكام، هـ. بيع الخيار.
المحور الأوّل: بيع المساومة
وهو ما تقدّم من البيع العادي بأن يتساوم البائع والمشتري إلى أن يتمّ على ثمن معلوم تراضيا عليه.
المحور الثّاني: بيع المرابحة.
بيع المرابحة أن يذكر البائع للمشتري ثمن ما اشترى به ويطلب ربحا ما وفيه ثلاث مسائل:
أ. حكمه: ذكره الفقهاء ممّا يتعامل به النّاس واعتبروه جائزا إذ لا يشتمل على مانع شرعي. (1/34)
صفحة 35
ب. ما يعتبر في بيع المرابحة: يصحّ بيع مرابحة كلّما دخل ملك إنسان بأيّ طريق إذا حدّد ثمنه ولو بإقالة أو تولية أو سلم بعد قبض سواء كان نقدا أو لأجل.
جـ. أحكامه: لبيع المرابحة أحكام أهمّها ما يلي: ملخّصة من كلام صاحب الإيضاح ج3ص487 - 497:
1. يصحّ أن يضمّ إلى رأس المال كلّ ما صرف عليه من كراء أو إصلاح فساد أو غرامة أو طوافة أو نحوها بشرط أن يخبر المشتري فيقول ايسقام لي كذا وأريد فيه كذا ربحا موافقا لما اشترى ومخالفا.
مثل أن يقول اشتريت هذه السيّارة بمائة ألف دينار وأعدت طلاءها بخمسة آلاف وأريد فيها اثني عشر ألفا زيادة.
2. يجب أن يذكر للمشتري أنّه اشتراها نقدا أو لأجل فيبيعها كذلك أو نقدا أو للمشتري الخيار.
3. يضمّ للمبيع مرابحة ما فيه من نماء أو إنتاج أو فائدة إن كان قائما وإلاّ فقيمته، وما استغلّه من مثل لبن أو صوف أو شعر فلا بأس أن لا يخب به إن كان مساويا لما صرف عليه.
4. يجوز أن يبيع مرابحة في ماله أو مال من وكّل عليه إن رأى صلاحا في ذلك.
5. إن زاد على ثمن ما اشترى به غلطا ردّ على صاحبه الزائد وإن جهله تصدّق به عليه وإن غلط بأرخص فله مطالبته بالفارق.
6. إن اشترى بغلا ورخصت أخبر كذلك.
المحور الثّاني: وفيقال رسول الله
المحور الثّالث بيع السّلم أو السّلف:
بيع السّلم أو السّلف بالفتح ما شاع استعماله في الجاهلية فأقرّه النّبي - صلى الله عليه وسلم - فهو مشروع بالسنّة والإجماع ومن العلماء من قال كابن عبّاس تشمله آية الدّين إذ فيه أحد العوضية حاضر والآخر في الذمّة فهو مشروع بالكتاب أيضا لكن يدخل في بيع ما ليس معك وهو ممنوع لذلك جعل الرّسول - صلى الله عليه وسلم - له شروطا خاصّة منعا لما يتولّد فيه من نزاع أو ضرر فالكلام حوله على أربع جوانب:
1. تعريفه: فهو تسليم ثمن نقدا في سلعة معلومة لأجل معلوم.
2. شروط الثّمن:
أ. أن يكون نقدا بيد البائع وإلاّ كان بيع دين بدين وهو ممنوع.
ب. يكون ذهبا أو فضّة أو عملة معمولا بها في زمان ومكان المتعاملين.
جـ. أن تكون معلومة الجنس مثلا دينار جزائري أو تونسي، أو ريال سعودي والنّوع أي قيمة تصريفها صحيحة أم مزيّفة.
3. شروط المثمّن: (1/35)
صفحة 36
أ. أن يكون معلوم الكيل أو الوزن أو العدد بشرط أن يكون متوازي الإفراد.
ب. معلوم الصّفة مثل قنطار من صوف التّل أو الصّحراء.
جـ. معلوم النّ, ع مثل كتّان قطن أو صوف من صنف كذا أو تمر عولة أو دقلة.
د. أن يكون مكان تسليمها معيّنا وأجل تسلّمها مضبوطا.
ف. ما لا يصحّ فيه السّلم لا يصحّ السّلم بعروض بال لا بدّ من عملية وأن لا يكون المسلم فيه من جنس المسلم كذهب مكسّر في ذهب مصنوع أو فضّة كذلك إذ يصبح ربا واختلف في الحيوان لتعذّر ضبط أفراده وكذا فيما يكون متلاحق البطون من تين ويقول وأن لا يكون ممّا ينقطع من أيد النّاس كرطب وفواكه أو ممّا لا يقدر على تسليمه كصيد قبل صيده.
4. أحكامه: لبيع السّلم أحكام:
أ. كيفية عقده: فيكون عقده بأن يحضر المسلّم والمسلّم له ومعه الثّمن نقدا كما تقدّم وحضرا شاهدين عدلين فيقول المسلّم له أمامهما قد تسلّمت من فلان بن فلان كذا ثمنا في سلعة كذا ذاكرا جنسها ونوعها وأجل تسليمها ومكانه وذلك لمنع النّزاع وقيل لا يشترط الإشهاد لحديث شهادة خزيمة وذلك أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابتاع بعيرا بثمن لأجل فأنكره بإشارة منافق فقال خزيمة أنا أشهد لك فقال رسول الله من أين علمت فقال أنت صادق لأنّنا نصدّقك في خبر السّماء فسمّي ذا الشّهادتين متّفق عبيه
ب. لا يكون السّلم في معيّن حيث أنّ رجلا من أهل المدينة أسلم لرجل في نخل فلم يخرج تلك السّنة فتخاصما إلى رسول الله فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» بما تستحلّ ماله؟ أردد عليه ماله «وفاء الضّمانة من غير إسناد.
جـ. إذا أسلم في شيء لا يصرفه إلى غيره لقوله - عليه السلام - (من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره) رواه ابن ماجه عن أبي سعيد.
ويجوز فيه التّقاضي إذا لم يجد ما أسلف فيه على قول وكلّ ما ذكر من أحكام وشروط السلم مذكور بتفصيل في الإيضاح والنّيل وشرحه في باب السلم وكذا في الزّحيلي ولا خلاف إلاّ في بعض جزئه.
مشروعية بيع السّلم: الأدلّة
مثل داخل في بيع الدّين كما قال ابن عبّاس وهو مشروع من السنّة لأنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة وهم يسلّمون في التّمار السّنة والسّنتين والثّلاث فقال:» من أسلم في شيء فليسلم في شيء معلوم إلى أجل معلوم «. وفاء الضّمانة، قال القطب معلّقا عليه: لا بدّ من نقد الثّمن وإلاّ كان بيع دين بدين وهو ممنوع قال ابن عبّاس إنّ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يصيبون المغانم وكانت تأتيهم أنباط الشّام فيسلّمونهم في الحنطة والشّعير والتّمر والزّيت فقال: أكانت لهم زروع؟ فقال: ما كانوا يسألون. (1/36)
صفحة 37
وقد تنازع رجلان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسلم أحدهم للآخر ص162.
المحور الرّابع: بيع الخيار.
من البيوع الشّائعة المشروعة وفيه خمس جوانب: أ. تعريفه ومشروعيته، ب. أحكامه، جـ. أنواعه وأقسامه، د. أحكامه.
الجانب الأوّل: تعريفه ومشروعيته
أ. تعريفه: تقدّم أنّ العقد قد لا يكون لازما لا رجوع فيه وقد يكون مخيّر فيه والخيار في البيع اثباته أو إبطاله من أحد المتعاقدين وهو ثلاث خيار مشروط وخيار مشروع وخيار طارئ ولكل أحكام.
ب. مشروعيته: بيع الخيار مشروع بالسنّة فمن ذلك ما ورد في الجامع الصّحيح قال أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عبّاس قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» البيعان بالخيار، ما لم يفترقا «قال أبو عبيدة الافتراق بالصّفقة أي يبيع هذا أو يشتري هذا لا بافتراق الأبدان قال في الحاشية الحديث رواه الشّيخان وأحمد من طريق حكيم بن حزام وقال في حديث آخر من اشترى شاة محفلة فهو بالخيار والنّظر إلى ثلاثة أيّام إن شاء ردّها وردّ معها صاعا من تمر متّفق عليه وقال في حديث آخر:» عهدة الرّقيق ثلاثة أيّام فإن وجد فيه عيبا ردّه بلا يمنة «رواه أبو داود وابن ماجه فهذه الآحاد تبيّن أنّ الخيار مشروع ما دام البيعان في المساومة ولم يقطعا البيع كما تثبت الخيار لما فيه عيب للمشتري.
وفي حديث آخر كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لمن يبيع في عقله خبل» إذا بايعت فقل لا خلابة ثمّ أنت بالخيار ثلاثة أيّام إن رضيت فامسك وإن سخطت فاردد على صاحبها «رواه أبو هريرة وفاء الضّمانة فهذا رواية البخاري ومسلم عن ابن عمر قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ابتاع رجلان فكلّ واحد منهما بالخيار ما لم يفترقا وكانا جميعا أو يخيّر أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع وفي رواية أخرى فإذا اختار وجب البيع اهـ من شرح النّيل باختصار ج3ص251 وذلك بعد ما قال في الأصل بيع الخيار بيع وقف بته الخ.
الجانب الثاني: حكمه
حكم بيع الخيار مختلف فيه قال في النّيل وشرحه وهل هو رخصة لاستثنائه من بيع الغرر وحجر المبيع؟ خلاف قال في الشّرح هو هنا إنّه لا يدري لمن يصير إليه (وحجر المبيع) الممنوعين وجاز مع ذلك بيع الخيار وهما فيه وقال بعد قوله خلاف فقيل جائز رخصة أي فيه غرر إذ الذي شرط عليه الخيار لا يدري هل يرجع إليه البيع أو لا يرجع وكذا المشتري لا يدري هل يثبت البيع أم لا وحجر المبيع منعه من الانتفاع والتصرّف فيه إلى أن قال وقيل جائز عزيمة إذ المؤمنون على شروطهم وقد فتح لهم الشّرط في سائر أمرهم اهـ ج9ص248. (1/37)
صفحة 38
فبيع الخيار حسبما تقدّم جائز وقد أقرّه النّبي - صلى الله عليه وسلم - بل أمر به لمن في عقله خبل، وأباحه في قوله في وفاء الضّمانة ابن ماجه إلى نافع عن ابن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا تبايع الرّجلان فكلّ منهما بالخيار ما لم يفترقا وكانا جميعا أو يخيّر أحدهما الآخر فإن غيّر فاختار فقد وجب البيع.
الجانب الثّالث: أنواع الخيار
أنواع الخيار المذكورة عندنا متفرّقة في الإيضاح وشرح النّيل سآتي بهام مجملة باختصار مع حكم كل منها للتّسهيل.
1. خيار المجلس والصّفقة: أمّا خيار المجلس فلا اعتبار له عندنا وعند مالك وفقهاء المدينة حسبما ذكره القطب رحمه الله في شرح النّيل وقد ذكره الزّحيلي عند بيع الخيار أمّا خيار الصّفقة فما دام البائعان في المساومة ولم يقطعا البيع فلهما الخيار وإذا قطعاه فلا خيار.
2. خيار العيب: فمن اشترى شيئا ووجد فيه عيبا (وهو ما نقص من قيمة المبيع وقلّل من منفعته) فله ردّه قبل مرور ثلاثة أيّام بلياليها حسبما ذكر في النّيل وشرحه بدون بيان وإذا مضت فلا بدّ من البيان أنّه اشتراه وفيه العيب وله أن يرضاه مع ردّ قيمة العيب.
3. خيار الغبن: حسبما تقدّم فمن اشترى شيئا ووجد نفسه مغبونا بأن اشتراه أكثر من قيمته أو باعه بأقلّ من قيمته فذلك غبن وهو ثلاثة:
- غبن غير معتبر ما كان من خمس فأقل فلا رجوع فيه.
- غبن من خمس إلى نصف فصاحبه بالخيار بين ثلاث إمّا يرضى به كما هو، أو إمّا يرضى البيع مع ردّ الغبن وإمّا أن يبطل البيع.
- ما كان من نصف فأكثر يبطل معه البيع.
4. خيار المعاينة: فمن اشترى شيئا بالوصف فله الخيار وعند رؤيته سواء وجده كما وصف أو غيره لما في الأثر: ''من اشترى قبل أن يرى فله الخيار بعد أن يرى'' وذلك عندنا وعند غيرنا يثبت البيع إن وجد كما وصف.
5. خيار الشّرط: بأن طلب أحد المتبايعين خيار لمدّة أو مشاورة فإن عيّنا المدّة فإلى مدّته وإن لم يعيّنا فله ثلاثة أيّام.
وإن كان لقدوم شخص أو حصاد أو جداد أو موت فلان بطل للغور إذ لا بدّ من تعيين المدّة حتّى لا تتعطّل مصالح النّاس إذ في تعطيلها ضرر وبعد التصرّف في البيع داخل مدّة الخيار رضا فيلزم البيع وإذا مضت مدّة الخيار ولم يرد المبيع مضى عليه. (1/38)
صفحة 39
6. خيار التّعيين: وذلك أن يبيع له هذا بكذا أو هذا بذا على أن يختار ما شاء منهما فيمضي البيع على ما يختار وهو جائز ويلتحق بذلك خيار تقدّم في بيع الطفل فلصاحب المبيع إمضاؤه أو إبطاله وبيع الطّفل المميّز على قول كما تقدّم.
الجانب الرّابع أحكام بيع الخيار:
لبيع الخيار أحكام أهمّها ما يلي:
1. يقع الخيار بين البلّغ الأحرار العقلاء أصالة عن نفسه أو بالنّيابة عمّن وكّل أو استخلف عليه.
2. لا بدّ من تعيين مدّة الخيار للبائع أو المشتري وإلاّ كان بيع غرر وهو ممنوع.
3. إن باع أو اشترى خيارا وعلّقه لنفسه في مال صبي أو مجنون أو غائب فبلغ الصّبي أو أفاق المجنون أو قدم الغائب قبل مدّة الخيار لا ينتقل إليهم وإن علّقه لهم انتقل إليهم.
4. إن مات المشترط للخيار انتقل الخيار إلى ورثته وإن تعدّد الورثة واختلفوا ألزموا الاتّفاق وإن مضت مدّة الخيار لزم البيع جميعهم.
5. إن شرط الخيار أحد الشّركاء كان لجميعهم.
6. لا دخل للمقارض فيما شرط العامل بالقراض بل له وحده الخيار.
7. إذا شرط لوكيل الخيار فهو للموكّل أيضا ويقوم أحدهما مقام الآخر.
8. جاز تجزئة الخيار في بيع من عاقدين أو أكثر فيشترط الخيار في أحدهما دون الآخر.
9. يعتبر الخيار عند العقد لا قبله ولا بعده.
10. مؤونة المبيع خيارا على البائع فإن تمّ البيع رجع بها على المشتري وذلك في مدّة الخيار.
أمّا غلّته ونماؤه فهي لمن بيده فإن تمّ البيع فهي للمشتري وإلاّ فهي للبائع ولمن استغلّ قدر ما صرف عليه.
11. أمّا جنايته فعلى من بيده إن ضيّع وإلاّ فعلى البائع.
12. يلزم المشتري البيع إن شرط خيارا بتصرّفه فب المبيع ولو قبل مضي مدّة الخيار إن انتفع به وفي البيع والكراء خلاف ويلزمه البيع ولو تصرّف ناسيا أو خطأ.
13. إن شرطه لمدّة لا تتحقّق أو فيها ضرر على أحدهما أو لم تتبيّن بطل البيع للضّرر وكذا إن كان لا يدركها المبيع إلاّ بفساد.
14. ولا تبطل الرّدة خيارا إلاّ فيما لا يباع للمشرك كمصحف وعبيد.
15. إن تلف المبيع في مدّة الخيار فعلى من كان الشّيء بيده ويضمن المشتري قيمته إن تلف بيده اهـ من النّيل وشرحه بتصرّف ج9ص250 - 289.
المحور الخامس: بيع الدّين: (1/39)
صفحة 40
بيع الدّين شائع ومشروع والبحث فيه على أربع محاور: تعريفه ومشروعيته، حكمه، أحكامه، قضاؤه.
المحور الأوّل: تعريفه ومشروعيته:
بيع الدّين هو ما كان فيه أحد العوضين حاضرا والآخر لأجل في الذمّة وهو مشروع بالكتاب والسّنة فالكتاب قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمى فَاكتُبُوهُ} الخ [البقرة: 283]. ففي الآية غالب أحكام الدّين وهي 18 حكما.
ومن السنّة أحاديث كثيرة ترغّب في التّيسير على المعسّر وتشير إلى جواز بيع الدّين من ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» من أخذ من أموال النّاس شيئا يريد أداءها أدّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله «، وقال:» نفس المؤمن معلّقة بدينه حتّى يقضى عنه «رواه ابن ماجه كلا الحديثين في وفاء الضّمانة ج2ص246.
المحور الثّاني: حكمه
بيع الدّين جائز كما تفيده الأدلّة السّابقة من الكتاب والسنّة والإجماع حيث أنّه من حسن معاملة النّاس بعضهم لبعض، وقد أجمعت الأمّة على جوازه قال في النّيل وشرحه صحّ بيع الدّين لأجل معيّن بشهادة عدلين أو واحد مع عدلتين وجوّز بدونهما، وجاز بكلّ ما جاز به البيع إن لم يكن من جنس ما بيع به اهـ ج9ص46 - 48.
المحور الثالث: أحكامه
أحكام بيع الدّين مذكورة في الإيضاح والنيل وشرحه موزّعة فها هي مجملة بترتيب:
تتنوّع أحكام الدّين حسب نوعيه وهما:
1. ما كان بتعدية في بدن أو مال من محاللة أو ارش جناية أو قصاص أو ضمان فيجب أداؤه متى أمكن من غير تأخير إن استطاع وإلاّ فباتّفاق مع المجني عليه أو المتعدّى عليه، وإن لزم على أدائه مؤونة فعلى الجاني.
2. ما كان بمعاملة وله أحكام وهي عشرة:
أ. يجب الاستيثاق فيه بالإشهاد أو الكتابة حسبما فصّلت الآية وحسب قوله - صلى الله عليه وسلم -:» ثلاث لا يستجاب لهم: رجل أعطى سفيها مالا وقد قال الله: {وَلاَ تُوتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ} ورجل له امرأة سيّئة الخلق ولم يطلّقها، ورجل له على رجل دين ولم يشهد عليه وأنكره «رواه الدارقطني، وقيل إنّ الأمر في الآية للنّدب أو الإرشاد إذ فيه مصلحة دنيوية.
ب. تعيين أجل الدّفع فيكون معلوما لا مجهولا وإلاّ كان غررا وكذا إذا كان غير ممكن.
جـ. أن لا يكون من جنس المبيع على من يقول بجواز الدّين بعروض وإلاّ كان ربا إلاّ في القرض. (1/40)
صفحة 41
د. إذا كان قرضا وجب الوفاء بلا زيادة ولا نقصان ولو من غير المقرِض إذ نهى رسول الله عن قرض جرّ منفعة وعن الوضع والتّعجيل.
هـ. تجوز فيه الحوالة إذا حلّ أجله لا قبله إذ يصبح بيع دين بدين وهو ممنوع.
و. يجوز بيع الدّين في مال البائع أو ولي أمره بخلافة أو وكالة كيتيم ومجنون وغائب أو موكّل على الصّحيح إذ بيع الدّين متعارف بين النّاس وقيل لا يجوز إذا كان بعروض وإن فعل فهو ضامن.
ز. ينفسخ بيع الدّين إن طلبه قبل حلول أجله ولو بطلب وكيل أو أب طفل في دينه وبطلب رهن أو حصيل لم يشرط عند البيع.
حـ. يجوز طلب حصيل أو رهن عند العقد لا بعده وإلاّ فلا حقّ له فيه.
ط. وجاز بكذا نقدا أو كذا لأجل أو أقساطا لآجال معيّنة.
ي. لا يحلّ الدّين بموت المدين أو الدّائن بل ورثة كلّ بمقامه على الصّحيح.
المحور الخامس: قضاء الدّين
قضاء الدّين أداؤه لصاحبه وهو نوعان:
1. قضاء دين الخالق كالكفّارات وما فوّت من صلاة أو صوم أو زكاة أو حج بعد وجوبه فيجب قضاؤه أو الإيصاء به في غير الصّلاة إن تعذّر القضاء.
فلا توبة لمضيّع شيء من ذلك إلاّ بقضائه وهو أفضل إذ المثل يقول: ''ما حكّ جلدك مثل ظفرك'' أو الإيصاء به بشرط أن يُشهد على وصيّته ويوكل أمينا ويترك له ما ينفّد به وصيّته فإذا فعل ذلك برئت ذمّته إذ الله يقول: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثمُهُ عَلَى الذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} [البقرة: 181]، وإن افتقر ولم يكن له ما يقضي به أو ما تنفّذ به وصيّته فليس عليه إلاّ الإيصاء إن تاب توبة نصوحا ونوى القضاء.
2. دين المخلوق وهو نوعان:
أ. ما كان بتعدية فهو مضيّق في أدائه إذ هو المتسبّب في ترتّبه من غير رضا صاحبه فليس على الموسر الذي يقدر على الأداء إلاّ الإسراع في أدائه مع المحاللة.
وإن افتقر فلا يجوز له أن ينتفع بماله إلاّ بقدر قوته وقوت عياله بمعروف حتّى يؤدّي.
كما يجب أيضا لصاحبه أينما كان وما لزم من مؤونة على ذلك فعلى المتعدّي، وإن غاب ولم يعلمه ولم يصل إليه وقد أيس من وجوده أوصى به لصاحبه إن علمه وإلاّ فبعثوا أنّ التنصّل من تباعة أموال النّاس (1) ولقضاء الدّين أحكام أهمّها ما يلي:
__________
(1) 1 - ما كان بمعاملة فهو موسّع في قضائه ما لم يطلبه صاحبه وإن طلبه وجب قضاؤه في أجله وإن غاب صاحبه طلبه حتّى يجده وإن أيس أوصى به كما تقدّم. (1/41)
صفحة 42
1. يجب قضاء الدّين في محلّ المعاملة أو باتّفاق مع الدّائن.
2. إن اختلفت السكّة المدفوعة باختلاف محلّ الدّفع فلا اعتبار لذلك على الصّحيح وإنّما يراعي رضا المدفوع له.
3. يجوز أن يقضي للدّائن خلاف ما عليه برضا إن لم يجد ما عليه ورضي المدفوع له.
4. يجوز التّقاضي في غير الرّبا بأن يقضي كل ما له على صاحبه مثل ذلك ثمن سلعة أو نحوها فيتقاضيان فيردّ من أخذ الزّائد على من أخذ النّاقص.
5. إن أمر الدّائن المدين أن يصرف ما له فيما عليه من كفّارات أو نحوها فلا يجوز ذلك إلاّ بعد القبض بنفسه أو بوكيل.
6. لا بأس أن يزيد المدين للدّائن أكثر ممّا عليه و لو كان قرضا إن لم يكن باتّفاق سابق لما مرّ من حسن القضاء.
7. تبرّأ ذمّة المدين إذا وصل الدّين يد المدين على المباشر إمّا مباشرة أو بواسطة من أرسله الدّائن للقبض ولو طفله أو عبده أمّا إن أرسله المدين مع طفله أو عبده أو غيرهما فلا حتّى يصل ولا يجوز للدّائن أن يمتنع من أخذ دينه أو حقّه إن كان وافيا بل لا بدّ من أخذه أو إبراء من عليه.
توابع بيع الدّين:
توابع بيع الدّين ثلاث الحوالة بالحمالة، الرّهن ففيه ثلاث محاور:
المحور الأوّل: الحوالة
الحوالة ممّا يتبع البيع والقرض والدّين ففيها ثلاث جوانب:
1. تعريفها ومشروعيتها:
فالحوالة تحويل دين من ذمّة إلى أخرى بصورة تبرّأ منها الأولى.
وهي مشروعة من السنّة لتسهيل المعاملات بين النّاس قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» مطل الغني ظلم وإذا أحيل أحدكم على مليء فليحل «رواه البخاري ومسلم.
2. حكمها:
حكمها الحواز من العلماء من يقول أنّها واجبة والصّحيح أنّ الأمر فيها للإرشاد فهي مباحة.
3. شروط صحّتها:
قال في النّيل وشرحه:» تصحّ الحوالة بين بلّغ عقلاء ولو عبيد بإذن سيّد أو مشركين أو مخالفين يرضى المحيل والمحال إليه وحضورهم.
قال في الشّرح لأنّها بيع والبيع لا يصحّ من غير بالغ ولا لغير بالغ ومن أجاز بيع الصّبي أجازها منه ولو (1/42)
صفحة 43
بكثير بإذن.
وتصحّ من عبيد وإماء بإذن سادتهم بأن يكونوا مأذونا لهم على الإطلاق أو في مخصوص فيكون أحدهم محيلا والآخر محال إليه برضى المحيل وهو الذي عليه الدّين والمحال إليه وهو من عليه دين للمحيل قال وإن لم يرضى لم تصح فتحصل أنّ شروط الحوالة أربع:
بلوغ المتعاقدين وكونهما:
- عاقلين ولو عبيد بإذن.
- برضى كل من المحيل والمحال إليه.
- حضورهما أو وكلاؤهما.
- ثبوت الدّين في ذمّة كلّ من المحيل والمحال إليه ولها أحكام. اهـ باختصار وتصرّف ج9ص278 - 281.
أحكامها: للحوالة أحكام تراعى في معاملتها أهمّها ما يلي:
1. لا حوالة في سلم عند الأكثر.
2. تصحّ في دين شخص أو طفل رجل أو مجنون لا في دين طفل بالغ.
3. إن كان على مستخلف عليه كيتيم أو غائب أن يحمله على غريمه لا أن يحيل غريمه إليه أو غريم هذا على غريم الخليفة وجوّز إن رأى صلاحا في ذلك.
4. ولا يحيل غريمه إلاّ لمن عليه مثل ذلك الدّين كدراهم في مثلها أو عملة جزائرية في مثلها لا في عملة أخرى حيث أنّ الحوالة رخصة من بيع دين بدين فلا تتعذّى مكانها.
وكذا لا يجوز الحوالة في مخالف من غير عملة كشعير على دين عليه قمح مثلا أو أرز في دقيق.
ولا يجوز أن تحوّل لمن ليس عليه شيء وقيل جازت وتصبح حمالة.
5. وتصحّ على الصّحيح ولو لم يذكر المحيل وجه ما له من دين على المحال إليه.
6. كيفية عقد الحوالة أن يحضر المحيل والمحال إليه أما شاهدين عدلين ويقول المحيل للمحال أحلتك على فلان لتأخذ منه ما لك عليّ فإذا رضي المحال والمحال إليه برئت ذمّة المحيل.
المحور الثّاني: الحمالة
الحمالة وهي من توابع إثبات الدّين وفيها ثلاث جوانب:
الجانب الأوّل: تعريفها ومشروعيتها
فهي شغل ذمّة بد أخرى بصورة لا تبرأ منها الأولى.
وهي مشروعة بالسنّة في قوله - عليه السلام -:» الزعم غارم «رواه أبو داود، فهي جائزة وفيها تسهيل المعاملات (1/43)
صفحة 44
وتفريج الكرب عمّن تحمّل عنه، ''ومنن نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدّنيا نفّس الله عنه كربة مكن كرب يوم القيامة وهي نوعان حمالة أداء وحمالة وجه''.
الجانب الثّاني: من تمضى حمالته
الحمالة كالهبة لا تصحّ إلاّ ممّن له أهلية الأداء أو بإذنه أهمّهم من يلي:
1. تمضي حمالة البالغ العاقل المستطيع الوفاء إذ هو معرّض للضّما.
2. وتصحّ من مريض ولو لورثته أو عن ورثته وتخرج من الكلّ إذ الأصل فيها أن تردّ لمتحمّلها.
3. وتصحّ من المرأة ولو بغير إذن زوجها عندنا وقيل لا بدّ من إذنه.
4. وتصحّ من عبد مأذون له في تجارة إذنا عاما أو خاصا بها وللمحمول له أن يتمسّك بالعبد أو بسيّده.
5. وتصحّ من طفل بإذن أبيه وتِؤخذ من مال الأب لا من مال الطّفل بلا رجوع على ما له.
وتمضي من خليفة مطلقا من ماله أو مال مستخلفه وفي لحوقها مُعْتَقًا وبالغا خلاف.
ولا تلحق سيّد عبد بعد بيعه وقد تحمّلها بإذن سيّده الأوّل.
7. وتصحّ ولو فيما لهم يعرف إذ هي كالهبة فقد ورد أنّ رسول الله إذا أراد الصّلاة على الميّت سأل هل عليه دين فإن قيل عليه دين قال صلّوا على صاحبكم إلاّ إن تحمّل أحد الحاضرين دينه فهو يتحمّله ولا يدري مقداره وهذا فيما إذا لم يترك وفاء ذكره في شرح النّيل.
8. وكذا تصحّ ولو فيما لم يعيّن أو يفرض كإرش جناية أو صداق.
9. وتصحّ من عقد أي شريك وفي شمولها شريكه خلاف.
الجانب الرّابع: أحكامها
للحمالة أحكام أهمّها ما يلي:
1. لزوم الغرم على الحميل إن عجز المحمول عنه أو امتنع.
2. للحميل الرّجوع عليه ليوفي ما تحمّل عنه.
3. يؤخذ ذلك من تركته إن مات إذ هو دين عليه.
4. تستمرّ الحمالة ولو مات المحمول عنه وأصبح الحميل خليفة على أولاده.
5. للمحمول له لزوم وكيل أو موكّل في حمالة.
6. لا تمضي في معين من مغصوب أو مسروق قائم بعينه إذ هو يردّ بعينه.
7. لا تصحّ الحمالة في القصاص أو الحدود إذ الاقتصاص من المعتدي والحدّ من المقترف لما فيه الحدّ {وَلاَ (1/44)
صفحة 45
تَزِرُوا وَازِرَةُ وِزْرَ أُخْرَى} [النّجم: 33] (1)
8. تزول الحمالة بدفع المحمول عنه وكذا إن وقتها إلى وقت معيّن.
9. وتلزمه إن قال إن لم يعطك فلان مالك في وقت كذا دفعت لك فلم يدفع.
10. إن تحمّلها إلى مال غريمه بأن قال إن لم يدفع لك دفع لك فلان ممّا لي عليه مضت لكن للمحمول له أن يطالبه بإلزام غريمه.
11. جازت حمالة اثنين لواحدة، أو عكس واحد لاثنين أو أكثر.
12. وكلّ ذلك مذكور في النّيل وشرحه بتصرّف من ص412 - 450 ج9.
المطلب الرّابع: البيع باعتبار صحّته وفساده:
عقد البيع باعتبار صحّته وفساده نوعان ففيه محوران:
المحور الأوّل: البيع الصّحيح:
العقد الصّحيح ما استكمل شروط لزومه وذلك بأن يترتّب عليه المقصود من شرع الحكم، كما ذكر ذلك السّالمي في الأصول ''سواء كان عقد بيع أو غيره''.
وذكره الزّحيلي في ج4 ص234 فقال هو الذي استكمل عناصره الأساسية من (صيغة وعاقدين ومحل عقد وموضوع العقد وحكمه ثبوت أثره في الحال فالبيع الصّادر من كامل الأهلية على مال متقوّم شرعا، ولغاية مشروعة يترتّب عليه ثبوت ملك المبيع للمشتري وملك الثّمن للبائع فورا انتهاء الإيجاب والقبول إذا لم يكن في البيع خياراهـ).
وذلك نفس ما تدلّ عليه نصوص النّيل وشرحه والإيضاح وغيرها من كتب المذهب متفرّقا فيما تقدّم.
فالبيع الصّحيح أنواع: أهمّها ما يلي:
1. العقد النّافذ وهو الصّادر من كامل الأهلية البالغ العاقل المالك للمبيع الصّحيح التصرّف فيه شرعا أصالة عن نفسه أو بالنّيابة عن ولي أمره من يتيم ومجنون وغائب أو وصية أو مسجد بخلافة أو وكالة.
2. العقد الموقوف وذلك أن يصدر من غير من هو كفضولي وصبي مميّز وحكمه لا تترتّب عليه أثاره إلاّ بإجازة من له الإجازة من أب أو مالك أو خليفة وهذا عندنا وعند المالكية والحنفية.
3. العقد اللاّزم وهو ما ليس فيه لأحد المتعاقدين خيار فيه إذ هو التّام الصّفقة ممّن ذكر الخالي من عيب أو استحقاق أو غبن فيجب الوفاء به بيعا أو غيره لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالعُقُودِ} أوّل
__________
(1) النّوع الثّاني من الحمالة هو حمالة وجه: أي يضمن الشّخص إحضار شخص جان لصديقة مثلا: يقول الضّامن لصديقه: دعه يذهب فأنا أضمن لك مجيئه إلى القاضي. (1/45)
صفحة 46
المائدة ويتمّ لزومه بمجرّد تمام الصّفقة.
4. غير اللاّزم ما شرط فيه أحد المتعاقدين خيارا، أو ظهر فيه موجب خيار ممّا تقدّم اهـ.
المحور الثّاني: العقد الفاسد:
العقد الفاسد ما لا يترتّب عليه المقصود من شرع الحكم حسبما ذكره السّالمي (ح) وله اعتباران:
1. إذا كان ممنوعا شرعا يترتّب عليه إثم فاسد وإذا ترتّب عليه عدم تحقّق المقصود منه فقط، كان عقدا باطلا لا عمل به.
فإذا كان العقد لا يجوز شرعا لذاته فهو فاسد، كالرّبا والغرر وبيع المحرّمات وإذا كان الخلل في العاقدين أو في صفة مبيع أو ثمن كبيع صبي أو مجنون أو طفيلي بلا قبول أو بيع مفلس فهو باطل.
وكلا العقدين لا يتمّ به بيع ولا إجازة ولا يترتّب عليه مقصود وإنّما اصطلاح في التّسمية وقد فرّق الزّحيلي بينهما بناء على قول الحنفية إذ هم يخالفون الجمهور في التّسمية والنّتيجة فاعتبروا العقود المنهي عنها لذاتها باطلة.
واعتبروا العقود المنهي عنها لعارض فاسدة وأدرجوا فيها جميع تلك العقود كبيع حاضر لباد وتلقّي الرّكبان والغشّ الخ.
فقالوا إنّ العقد الباطل ما اختلّ ركنه أو محلّه أو ما لم يشرّع أصلا أو أحد العاقدين لا أهلية له أو ما لا يعدّ ملكا الخ.
انتهى ما أمكن جمعه بالنّسبة للبيوع في الفصل الأوّل ويليه الفصل الثّاني الإجارات.
الفصل الثّاني
الإجارات وأنواعها وأحكامها
عقد الإجارة من العقود المالية الهامّة ففيها ستّ مباحث:
المبحث الأوّل تعريفها ومشروعيتها وأركانها
المطلب الأوّل: تعريفها
الإجارة حسبما عرّفها في النّيل وشرحه: ''بدل مال بعناء أو منفعة'' وعرّفها الشّافعية ''عقد الإجارة عقد على منفعة مقصودة معلومة ... قابلة للبدل بعوض معلوم''.
فخرج بقولنا بدل مال بعناء البيع إذ هو بدل مال بمنفعة والمراد بالمنفعة ما ينتفع به من أصول أو عروض من غير تمليك لمدّة.
المطلب الثّاني: مشروعيتها (1/46)
صفحة 47
الإجارة مشروعة بالكتاب والسنّة وإجماع العلماء، أمّا الكتاب فقوله تعالى: {فَإِنْ اَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطّلاق: 6] وقوله تعالى: {قَالَتْ اِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اِسْتَاجِرهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اِسْتَاجَرتَ القَوِيُّ الأَمِينُ} [القصص: 26]، وقوله: {وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنَ اَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ} [البقرة: 232].
ومن السنّة قوله - صلى الله عليه وسلم -:» أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه «رواه ابن ماجه وغيره من طرق متعدّدة، وقوله:» من استأجر أجيرا فليتمّ له أجره «قال في شرح النّيل رواه عبد الرزّاق عن أبي سعيد ووصل عن طريق أبي حنيفة وما روي أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم لاثني عشر ليلة من رمضان حجمه أبو ظبة (1) فسأله عمّا يأخذ من النّاس فأعطاه وزاده «رواه أحمد والبخاري ومسلم فهذه الأحاديث وغيرها كثير يدلّ على مشروعية الإجارة مع ما تقدّم من الآيات وقد أجمع الصّحابة في عهد النّبي وبعده على العمل بالإجارة.
وما يلحق بها الكراء للدّور وسائر الأصول وأنواع الدّواب والآلات وغيرها وهو متعارف بين النّاس.
المطلب الثّالث أركانها:
أركان الإجارة ما يتمّ به عقدها وهي أربع: أجير ومستأجر ولا بدّ أن يكونا بالغين عاقلين حرّين أو عبدين مأذون لهما في ذلك مسلمين أو مشركين قال في شرح النّيل: ''قال في الدّيوان الإجارة جائزة (أي ماضية) بين بني آدم كلّهم الأحرار البالغين العقلاء ذكورهم وإناثهم أحرارهم وعبيدهم موحّدهم ومشركهم ما دامت عقولهم صحيحة في الأوقات والأماكن كلّها وجاز أن يستأجر الواحد اثنين أو جماعة، وتستأجر الجماعة الجماعة والجماعة الواحد إلاّ ما يكره من استئجار مشرك موحّدا لما فيه من إذلال'' اهـ ج5ص4 ط. ق وصيغة إيجار وهي الاتّفاق بين الأجير والمستأجر مباشرة أو بواسطة ولا بدّ أن يذكر فيها جميع تفاصيل الإيجار وشروطهما وأجرة ومنفعة ولا أن تكونا معلومتين كما سيأتي التّفصيل.
المبحث الثّاني: عقد الإجارة صفته وحكمه
عقد الإجارة مختلف فيه فقيل هو عقد لازم لا رجوع فيه فعلى المستأجر دفع الأجرة وعلى العامل العمل وهو بذمّته إلى أن يتمّ.
وقيل هو جائز ولكلّ رجوع مطلقا وقيل يلزم بنقد الأجرة وقيل بها مع البدء في العمل.
قال في النّيل وشرحه بعد ذكره صورا ممّا يطرأ على الأجرة وما يحكم فيها بناء على تلك الأقوال فتحصل
__________
(1) ابن عبّاد المصري
ابن عبد العزيز.
عبد الرّحمان بن أبي ليلى. (1/47)
صفحة 48
في عقد الإجارة أنّه لازم مطلقا أو جائز مطلقا وهو المعمول به في بلادنا أو لازم بالشّروع أو به ونقد الثّمن.
قال في الشّرح والصّحيح عندي القول باللّزوم مطلقا لا سيّما في كراء الدّور وغيرها وكون عدم النّقد يؤدّي إلى الشّبه ببيع الدّين لا يوجب بطلان العقد للإجماع على جواز الإجارة بلا نقد ولم نر أحدا منعها اهـ ج5 ص143 ط. ق.
واستحسن أبو اليقظان رحمه الله في سلّمه القول بالجواز بشرط أن يخبر كلّ من المتعاقدين الآخر بمدّة قبل إبطالها تلافيا لما يحدث من ضرر بالتوقّف فجأة.
المطلب الثّاني: حكمها:
للإجارة ثلاثة أحكام فهي إمّا جائزة مباحة، أو محرّمة، وإمّا مختلف فيها ففيها ثلاث محاور:
المحور الأوّل: الإجارة المحرّمة
فهي كلّ ما كان على شيء محرّم كعصر خمر أو حمله لقوله - عليه السلام -:» لعن الله الخمر وبائعها ومشتريها وحاملها وعاصرها «رواه الرّبيع عن ابن عبّاس وأبو داود ومثل ما رواه الرّبيع عن أبي عبيدة عن جابر عن ابن عبّاس أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن
فنقيس عليها كلّ أجرة على محرّم.
فالأجرة المحرّمة خمسة أنواع
1. ما كان على محرّم في ذات الأجير كزنى ولواط وغناء ونياحة ونحوه من نامصة وواصلة وواشمة.
2. ما كان على تعدية كقتل وإفساد مال للغير أو بدنه.
3. ما كان على عمل محرّم شرعا كعصر خمر أو حمله أو كراء محلّ لماخور.
4. ما كان على عمل واجب كصلاة وصوم وأداء حق وآذان وإمامة إذ لا يجتمع العوضان في مكان واحد والمراد ما فيه أجر من الله لا يصحّ أن يكون معه أجر مخلوق.
5. ما كان على مخاطرة وقمار وإليك بيان كلّ ذلك من النّيل وشرحه قال بعد أن عرّف الإجارة وهي إمّا على شيء محرّم كثمن خمر أو في محرّم كأجرة كاهن ونائحة ولعّابة وباغية.
قال في الشّرح أو من حلال في محرّم كأجرة كاهن نائحة ولعّابة وذات مزمار وباغية ومغنّية ومدّعي موضع السّرقة والدّفينة والسّاحر وكلّ ما يأخذ على مجرم كأخذ على غيبة أو نميمة أو على دلالة على مال الغير أو أنفسهم أو تعليم الغناء أو السّحر وكعصر الخمر وبيعها إلى أن قال ونهى رسول الله عن كلّ ذلك ومن فعل ذلك فعليه الأدب.
قال في لأصل وتصحّ توبة آخذها بالردّ لربّها إن علم وإلاّ فإنفاقها ومثلها قال في الشّرح على الفقراء ولو (1/48)
صفحة 49
غير متولّين قال ومثلها كفّارة على نفسه وقيل لا يلزمه إنفاقها مرّتين قال في الأصل وينفقها من أعطاها إن ردّت إليه وإلاّ فمثلها.
ثمّ قال ولا تجوز على طاعة الله ولو نافلة قال في الشّرح لما ورد أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أحد عمّاله أن يتّخذ مؤذّنا لا يأخذ على آذانه أجرا «
الحديث مذكور في وفاء الضّمانة وعند الخاري في باب الإجارة قال وقد مرّ الخلاف في الآذان إن هو فرض والأكل بالدّين حرام قال أبو عبد الله محمّد بن عمرو بن أبي ستّة: (ح) قال صاحب الدّخيرة من المالكية قاعدة لا يجتمع في الشّرع العوضان في باب المعاوضة لشخص واحد ولذلك منعنا الإجارة على الصّلاة ونحوها لحصولها مع عوض لفاعلها اهـ وفي الدّيوان لا يصلّى خلف من يأخذ الأجرة على صلاته فإن صلّى فلا إعادة عليه ولعلّ هذا مبني على أنّ صلاة الإمام غير مرتبطة بصلاة المأموم وإلاّ فالظّاهر أنّ صلاة الإمام باطلة ويحتمل أنّها غير باطلة ولكنّه عاص.
قال وفي القناطر ما يدلّ على جواز الأجرة على وجه صحيح حيث قال وفي كتاب الغزالي فإن أخذ رزقا من المسجد وقف على من يقوم بإمامة أو من السّلطان فلا يحكم بتحريمه لكنّه مكروه والكراهة في الفرائض أشدّ وتكون له أجرة لمداومته على حضور الموضع ومراقبته مصالح المسجد في إقامة الجماعة لا على الصّلاة اهـ قلت إن جعل ذلك أجرة فلا يجوز أخذه عندنا وفيه أبحاث فلتحرّر اهـ ج5/ 410ق وكذا لا تجوز على أداء شهادة إذا تحمّلها إذ أساءوها فرض عين إلاّ إذا كان يشغل عن قوته وقوت عياله، أو تكرّرت أو كانت خارج الأميال ولا تجوز على التحمّل إن تعيّنت عليه إذ الله يقول ولا: {وَلاَ يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعٌوا} [البقرة: آية الدّين] إلاّ إن شغل كما مرّ.
في المسألة أبحاث تجدها في الصّورة من شرح النّيل.
المحور الثّاني الإجارة المختلف فيها:
الإجارة المختلف فيها هي ما كان على فرض كفاءي مثل تعليم القرآن إذ يعتبر تبليغ للرّسالة فقال تعالى: {قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ لِلعَالَمِينَ} [الأنعام: 90] وقوله - صلى الله عليه وسلم -:» بَلِّغُوا عَنِّي وَلَو آيَة «رواه البخاري والتّرمذي وأحمد كما روي عن عبادة بن الصّامت قال علّمت القرآن لرجل فأعطاني قيسا أعاهد به فأعلمت رسول الله فقال أتريد أن تطوّق بطوق من نار وفاء الضّمانة قال رواه أبو داود.
وقال فيه أيضا وروى أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال علّمت الطّفيل عمرو الدّوسي القرآن فأهدى إليّ قوسا فذكرت ذلك لرسول الله فقال:» إن أخذتها أخذت قوسا من نار «رواه ابن ماجه قال ورواه غيره وزاد قلت يا رسول الله أناكل من طعام الأطفال الذين نعلّمهم فقال: أمّا طعام صنع لغيرك فحضرته فلا بأس أن تأكله وأمّا ما صنع لك فإنّك إن أكلته فإنّما تأكل بخَلاقك «قال: ثمّ رخّص بعد ذلك في أخذ الأجرة (1/49)
صفحة 50
على التّعليم والرّقية حين كثر أولاد المهاجرين والأنصار وصار المعلّم يتعطّل بتعليمهم عن الكسب وقال لهم إنّ أحقّ ما أخذتم عليه أجر كتاب الله.
وكذا كتابة المصحف قال في وفاء الضّمانة أيضا سئل ابن عبّاس - رضي الله عنه - عن أجرة كتابة المصحف فقال لا بأس إنّما هو مصوّرون وإنّما يأكلون عن عمل أيديهم قال القطب رحمه الله قلت وأيضا كثر النّاس الذين يقرأون الكتاب وكثر المتعلّمون والحمد لله بعد عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتّى لا يفي بهم الكتابة على ما وصف في زمانه - صلى الله عليه وسلم - اهـ ج2 ص270.
قال في النّيل وشرحه باب الاختلاف في أجرة تعليم القرآن وكتابة المصحف وقسمة الأرض وحساب بين قوم والحجامة والرّقيا وعلى بيوت مكّة وأرضين ومياه فقيل على القرآن سعت وقيل حلال إن لم تشترط قال في الشّرح بعد قوله أجرة تعليم القرآن وأجرة عرضه وكيفية الأداء وتجويده وإعرابه وكتابة المصحف بعضه أو كلّه أو قسمة الأرض والنّخيل والأشجار والدّور والبيوت والآبار والأنهار وغير ذلك والدواب والحب والسلعة وغيرها و (وحساب بين قوم) شركاء في الإرث أو بالشّراء أو الهبة أو غير ذلك وكان ابن سيرين لا يرى بأجرة القسّام بأسا وسواء يأخذ الأجرة من المقسوم له أو من بيت المال إذا جعل الأمان أو الحاكم قسّاما وفرض لهم من بيت المال أجرة وهذا لا يأخذ من أصحاب القسمة قال وتحمل الأجرة للقسّام ولو من مال اليتيم نصبه الإمام أو لم ينصبه وينبغي أن ينصب للنّاس من يقسم لهم ويكون عادلا وجاز أكل طعام القسام إن لم يكن رشوة لأنّ في القسمة شغلا عن الرّجوع للأهل قال وتكون الأجرة على الرّؤوس لا على السّهام إذ قد يكون حساب الأقلّ أشدّ والرقيا) الاعتصام في إزالة مرض أو جنون بالقرآن أو بكلام ذكر ولا تجوز بما فيه شرك وتكون بنفث أو بلا نفث وكلتاهما يجوز الأجر عليها وذكر ابن عبّاس روى أنّ نفرا مرّ بحيّ من أحياء العرب فيه لديغ فقال رجل منهم هل فيكم راق؟ فانطلق رجل منهم فجعل يقرأ الفاتحة ويجمع بزاقه ويثفل فيه فبرء فأتوهم بشاة فقالوا لا تأخذها حتّى نسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألوه فضحك فقال ما أذراك أنّها راقية أصبتم خذوها واضربوا لي بسهم منكم (إنّ أحقّ ما أخذتم عليه أجر كتاب الله) تقدّم وروى مثل ذلك عن جماعة قال وقومنا يستدلّون بظاهر الحديث على جواز الأجرة على قراءة القرآن وتعليمه وأقول يحتمل أن يكون المعنى أنّ أحقّ ما أخذتم عليه أجرا عمل وافق كتاب الله ومن ذلك المسح والنّفث.
قال بعد قوله فقيل على القرآن سحت بضمّ السّين أي حرام لأنّها تسحت البركة فيجب ردّها ومن لم يجد أن يتعلّم إلاّ بها حلّ له إعطاؤها وكذا ما ذكر في الباب وسائر الطّاعات وما يحتاج إليه لأنّ القرآن دين الله والأكل بالدّين حرام، وقيل حلال ولو اشترطت لحديث الرّبيع بن حبيب (ح) وغيره من الصّحاح أنّ امرأة وهبت نفسها للنّبي ولم يقبلها فزوّجها لرجل لا يجد ما يصدقها بسور من القرآن (1/50)
صفحة 51
فجعل تعليمه إيّاها صداقا وفي رواية لا تجزي لغيرك وبحديث أحقّ ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله (وقيل حلال إن لم تشترط) وهو قول ابن محبوب وقال أبو إسحاق تجوز الأجرة على تعليم القرآن على اشتراط أجرة معلومة ومقدار معلوم من القرآن قال ولو أهدى إليه من مال اليتيم على تعليم القرآن فلا بأس إن لم يشترط ثمّ ذكرا خلافا واسعا في الشّأن وكلّ ذلك على ما يظهر لتعارض الأدلّة وقد ذكر ذكرها.
وقال بعد أن ذكرا الجواز عن مالك وما استدلّ به وأمّا الوجه الذي تجوز به الإجارة على وجه الأجر أو الجعل على قولين الجواز والمنع وظاهر كلام أبي محمّد في الرّسالة الجواز لقوله ولا بأس بتعليم المعلّم على الحدق) وهو ظاهر المدونة.
قال في الأصل (وجوّزت على تعليم الصّناعات ولو خطأ) فقال في الشّرح لأنّ التّعليم من نطق اللّسان والنّطق من الأعمال وداخل في العمل الذي يثاب عليه (ومنعت) أي منعها بعضهم لأن ليس فيها عمل الجوارح.
والصّحيح جوازها لأنّ النّطق عمل فهو مؤثّر في البدن ويهزل بكثرة الصّياح ويكون منه الصّداع والمختار الجواز على حرز الأطفال وبري الأقلام وتسطير الألواح لا على التّعليم) وهي عليه ممنوعة قال في الشّرح وهو المذهب وأمّا الإهداء ولو مال اليتيم فجائز اهـ ج10ص34 - 47.
قال الإمام السّالمي (ح) في جوهر النّظام ج3 ص41.
وما يكون فعله مفروضا ... يكون أجره إذا مرفوضا
بلا خلاف والخلاف نقلا ... فيما يكون فعله نفلا
من ها هنا جاء الخلاف فاعلم ... بينهمُ في أجرة المعلّم
وقيل مهما علّم الأدابا ... فأخذ أجرة عليها طابا
لا يؤخذ الأجر على الرقاء ... وفيه ترخيص على العناء
وذاك مهما كان بالقرآن ... أو كان باسم الله والرّحمان
أحقّ ما تؤخذ الأجور ... عليه قرآن لنا ونور
معنى حديث في الصّحاح يوجد ... عليه من أجازها يستند
وإن يكن الرّقيا بنوع كفر ... فأجره الحرام دون شجر
قال في الإيضاح أمّا بيوت مكّة فهو من السّحت عند بعضهم، وفي الأثر إن أخذ شيئا من بيوت مكّة على أنّه كراء خشبها وبنائها الذي حوله فأرجو أن لا يلزمه ردّه وكرّه أيضا من كرّهه وفي الحديث»
مكّة مباحة لا توجد بيوتها ولا تباع رباعها «رواه مسلم والتّرمذي وأبو داود أمّا كراء الأراضين والمياه (1/51)
صفحة 52
فقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال قال بعض لا تجوز المزارعة إلاّ بجزء ممّا يخرج منها وقال آخرون لا تجوز إلاّ بأجر من ذهب وفضّة وقال آخرون لا تجوز وحجّة الأوّلين ما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنّه كتب إلى عامله من نجران في مزارعة مال المسلمين من دفع البدء فله النّصف ومن لم يدفع فله الثّلث وما روي من معاملة النّبي - صلى الله عليه وسلم - يهود خيبر في أرضهم على النّصف من ثمارها أمّا حجّة من لم يجوّز إلاّ بالذّهب والفضّة ما روي أنّه - صلى الله عليه وسلم - قال:» الزّرع ثلاثة بملك أو منحة أو بأجر من ذهب أو فضّة «رواه ابن ماجه
وحجّة الأخير قوله - صلى الله عليه وسلم -:» من كانت له أرض فليزرعها أو يمنحها أخاه، وما روي أنّه نهى عن المحاقلة «وهي الزارعة اهـ ج3 ص522 - 527.
الخلاصة أنّ هذه المذكورات كلّها وقع الخلاف فيها لما فيها من تعارض أدلّة الجواز والمنع والأقوال المعتمد حسب المأخوذ ممّا تقدّم كما يلي:
أمّا التّعليم فلا يجوز أخذ الأجر عليه عندنا إلاّ إذا كان على الاشتغال لا على التّعليم نفسه أو منحة وليست بأجرة أي لا محاسبة بين المعلّم ومستأجره بالتّدقيق أمّا إذا كانت من تبرّعات عامّة فهي أمعن في الجواز وكذا الأمر في القسمة والحساب بين قوم فيعطى القاسم والحاسب لما له عن عمل وتعطيل.
أمّا المزارعة فهي جائزة المعاملة أهل خيبر وقياسا على جوازها في المضاربة وحمل ما في ذلك من نهي على التّنزيه.
المحور الثّالث الإجارة الجائزة:
لم يحدّد الفقهاء فيما رأيت تعريفا للإجارة الجائزة وإنّما تعرّف بما لها من شروط وأركان فهي ما كان على عمل أو منفعة مباحة شرعا مضمون حصولها إلاّ لمانع قاهر بين متعاقدين بالغين عاقلين تامّي التصرّف فيما عقدا عليه من أجرة أو محل عمل أو منفعة أو كيلي تامّي التّوكيل ولصحّتها شروط وأحكام:
وكلّ ما تقدّم من أحكام الإجارة الثّلاث فهو مذكور عند غيرنا فالإجارة المحرّمة مثل ما عندنا على ما كان محرّما أو ما كان واجبا وكذا ما كان مختلفا فهو مثل ما عندنا وتفصيل ذلك كما ذكره الزّحيلي مثل ما عند الحنفية والشّافعية أمّا المالكية والحنابلة فيجيزونها على الآذان والقيام بالمسجد والتّعليم.
المبحث الثّالث: أنواع الإجارة
الإجارة الجائزة نوعان ففيها مطلبان: إجارة على منفعة وتسمّى كراء إجارة على عمل وتسمّى أجرة.
المطلب الأوّل: إجارة على عمل:
الإجارة على العمل مشروعة كما تقدّم ولصحّتها شرطان أساسيان:
أ. بيان أجرة الأجير فتكون معلومة معيّنة. (1/52)
صفحة 53
ب. بيان كيفية العمل ولكلّ أحكام أهمّها ما يلي:
المحور الأوّل تحديد عميل الأجير:
يحدّد عمل الأجير حسب اختلاف نوع العمل ومكانه وهو ثلاث:
1. إجارة في أشياء معيّنة محدودة.
2. في أشياء غير معيّنة.
3. في أشياء غير معيّنة ولا محدّدة ولكلّ أحكام.
الجانب الأوّل: أشياء محدّدة: فيشترط لصحّتها المعاينة كرعي هذا الغنم، وحصد هذا الزّرع، وتعليب هذه السّلعة، ونقل هذا الحجر، وقطع هذه الأشجار، وحمل هذا الرّدم، وخياطة هذا الثّوب، فتحديده بنهايته ولا بأس من اتّفاق على مدّة لا يتجاوزها ما يمكن إتمام العمل فيه حتّى لا تتعطّل الأعمال لما في ذلك من ضرر.
الجانب الثّاني: إجارة في أشياء محدودة غير معيّنة كأن يقطع له مائة لينة كلّ واحدة بكذا أو بناء حائط كلّ متر مربّع بكذا أو نقل تراب كلّ حافلة بكذا أو تأبير نخيل فللعامل ما زاد أو نقص فيحاسب حسب المقدار الذي عمل.
الجانب الثّالث في أشياء غير المعيّنة ولا محدّدة كأن يستأجره ليعمل معه في تجارته أو صناعته أو حقله من غير تعيين عمل، فيكون التّحديد حينئذ بالمدّة كسنة أو شهر أو أسبوع.
ويراعى في ابتداء العمل ونهايته كلّ يوم حسب العرف، كما يراعى في ذلك أوقات الأكل والفرض حسب العرف.
وعلى الأجير النّصح وأن لا يعمل لغيره في تلك المدّة إذ هو كمن اشتريت قوّته، ولا يجوز له العمل للغير ولو في وقت الرّاحة كاللّيل مثلا إذ يؤثّر ذلك في عمله.
وإن عمل للغير فله أجرته وللمستأجر أن ينقص له من أجرته ما نقص من عمله.
وإذا كان العمل غير موجود ويمكن تحديده حدّد بالوصف والمقدار كحفر بئر أو مطمورة أو بناء دار فيكون تحديدها بالأمتار طولا وعرضا وعمقا في الحفر وبيان وصف البناء وأشكاله في الدّور ونحوها وكذا في صناعة أبواب حديد أو خشب أو طيقان أو نحوها فحسب ما يحدّد من وصفها وقيمتها.
المحور الثّاني: تحديد الأجرة:
يشترط لصحّة الأجرة تحديد مقدارها وتعيينها وأن تكون معلومة وهي نوعان: إمّا بعملة أو أصول أو عروض، فالعملة يجب أن تكون معيّنة معلومة المقدار كثلاثة آلاف دينار لكّل دنانير جزائرية.
أو يستأجره سنة مائة شاة أو خمسين نخلة أو قطعة أرض أو كذا قنطارا أرزا أو قمحا فلا بدّ من تعيين (1/53)
صفحة 54
الغنم أو النّخيل أو الأرض أو نوع الأرز والقمح إذ لا تصحّ مع جهل.
وأجاز بعض العلماء أن يكون في بعضها جهل كأن يستأجر بثلاث مائة دينار للشّهر وطعامه ومبيته كما هو واقع في إيجار الصنّاع وكذا بأجر وكسوة أو بمقدار من غنم أو أرض وكسوة.
أمّا إذا كان يعمل بالسّاعة كلّ ساعة بكذا فليس بمقيّد كصاحب الشّهر واليوم إذ له أن يعمل ساعات لهذا أو أخرى لهذا ومن استؤجر شهر فهو نوعان:
فإن بدأ من أوّله أتمّ الشّهر باستهلال الآخر.
وإن بدأ بوسطه أتمّ ثلاثين يوما بغروب يوم ثلاثين.
ومقدار ساعات العمل حسب العرف والمكان الذي يعمل فيه.
المطلب الثّاني: إجارة على منفعة:
الإجارة على منافع يتحقّق وقوعها فهي مشروعة كسكنى دور أو استغلال دكّان تجارة أو حمّام أو انتفاع بدابّة أو سيّارة ويسمّى كراء إذ الإجارة فيما يعقل والكراء فيما لا يعقل ويشترط لصحّتها شرطان أساسيان كذلك:
أوّلا بيان مقدار الانتفاع، وبيان مقدار الكراء ففيها محوران:
المحور الأوّل: بيان مقدار الانتفاع وكيفيته:
يتعيّن مقدار المنفعة إمّا بالمدّة في سكنى الدّور والانتفاع بمحال التّجارة أو المصانع أو الحمّامات أو المخازن أو الآلات أو نحوها فلا بدّ من الاتّفاق على مدّة معيّنة كسنة أو شهر أو نحوها وتكون بالمسافة في نحو الدّواب والسيّارات من شاحنات وذلك إمّا بالكيلومترات أو من بلد إلى بلد معلوم المسافة أو من مكان إلى مكان كذلك.
كما يتعيّن معرفة نوع الانتفاع من سكنى أو مخزن أو تجارة ممّا يختلف أثره في المنتفع به فليس كراء محل للخزن ككراء محل للتّجارة وليس حمل التّراب على الدّابة كحمل الحجر مثلا.
كما يشترط في المنفعة أن لا تكون ممّا نهي عنه شرعا وإلاّ فهي حرام كما تقدّم ولكلّ أحكام أهمّها ما يلي:
1. من اكترى دارا لسكنى سكن فيها هو وعياله ولا يمنع من ضيف كما هو متعارف.
2. جاز أن يسكن هو أو مثله بتولية أو إعارة إن لم يكن في ذلك ضرر.
3. لا يجوز أن يكريها للغير بأزيد إلاّ إن زاد فيها شيئا أو أداة وفي مجال التّجارة مثل ذلك.
4. إن اكترى دابّة فله الرّكوب أو حمل ما هو مساو لما اتّفق عليه أو أخف.
5. وإن اكترى متعدّد محلا لخزن أو عمل وتفاضلا في المخزون ففي ذلك خلاف فقيل على مقدار (1/54)
صفحة 55
المخزون وقيل على قيمته والصّحيح على القيمة.
أمّا المركوب والحامل فحسب الثّقل في السّفينة والسيّارة والدّابة.
6. على المكتري نزع ما أحدث من ضرر عند كراءها وللكاري المطالبة بذلك.
7. مجاز لما يكترى منع الكاري من كرائه لمن يضرّ بكرائه.
8. يكون دفع الكراء حسب الاتّفاق إمّا مقدّما أو في آخر الشّهر أو عند تمام المدّة.
9. للمكتري استعمال مرافق المكتَرَى أو أدواته إن اكتراه موثَّقا وكذا استعمال مصطلح دكّان التّجارة من رفوف وموازين وثلاّجة ونحوها ممّا تستقيم به التّجارة إلاّ إذا استثنى الكاري شيئا.
وكذا كلّ ما فيه آلات أو أدوات كحمّام ومصنع حسب العرف.
وكلّ ما تقدّم مبسوط في النّيل وشرحه ج10 من ص160 إلى 177، وفي الإيضاح ج3 من ص530 - 572.
المحور الثّاني: بيان الكراء
أمّا مقدار الكراء فحسب ما تقدّم في الإجارة فلا بدّ من تعيينه وأن يكون معلوم المقدار وكيفية الدّفع.
المبحث الرّابع: أحكام الطّوارئ على الأجرة:
قد يطرأ على الإجارة ما لم يكن في الحسبان فتختلف أحكامه باختلاف ما طرأ عليه وهو أربعة:
أ. ما يطرأ على الأجر أو المكتري.
ب. ما يطرأ على المستأجر أو الكاري.
جـ. ما يطرأ على الأجرة.
د. ما يطرأ على محلّ العمل ففيه أربعة مطالب
والطّوارئ هو ما حدث ليمنع من مواصلة العمل أو المنفعة، ويتغيّر العاقد أو يفوت محلّّ العمل أو المنفعة وذلك كما يلي:
المطلب الأوّل ما يطرأ على الأجير أو الكاري:
وذلك أن يمنعه مانع من إتمام العمل بموت أو مرض فإن مات فلورثته الخيار في إتمام العمل أو ردّ ما بقي من الأجرة في مقابل ما بقي من العمل إن دفعت وإلاّ فلا إشكال وعلى المستأجر دفع أجرة ما أنجز من العمل.
أمّا إن مرض فللمستأجر خصم ما تعطّل فيه من الأجرة إن برئ واستمرّ وإلاّ ردّ على المستأجر مقابل ما بقي من العمل إن دفعت ويأخذ مقابل ما عمل إن لم تدفع.
وكذا إن تعطّل بآفة كعمى أو صمم أو فلج أو نحوه أو سجن إتمام الانتفاع بما اكثرى من دابة أو سيّارة أو دار ولا تدخل في القسمة حتّى تتمّ مدّة الكراء أو تقسّم بشرط الإتمام. (1/55)
صفحة 56
المطلب الثّاني ما يطرأ على المستأجر والمكتري:
وإذا حدث للمستأجر موت فورثته بمقامه فقيل لهم الخيار في إمضاء العقد ولا يجدون منعه إلاّ إن رضي وذلك بناء على لزوم العقد أو جوازه ولا اعتبار لمرض أو آفة إذ يمكن الإتمام مع ذلك.
أمّا المكتري إذا مات فورثته بمقامه ولهم الخيار في إتمام العقد أو نقضه ودفع مقدار ما انتفع موروثهم من الكراء، وإن مات وقد اكترى دابّة أو سيّارة أو نحوها من مركوب أو حامل فعلى صاحب الدابّة أو السيّارة أيضا المحمول إلى المكان المتّفق عليه.
المطلب الثّالث ما يطرأ على الأجرة:
تقدّم أنّ الأجرة نوعان فعلى المستأجر إبدالها صحيحة.
وأمّا أصول أو عروض فإن تلفت بيد الأجير فعليه إتمام العمل وعليه الضّمان أمّا إن تلفت بيد المستأجر بشل غصب أو ضياع ورجعت فهي للأجير وعليه العمل وإن لم ترجع فقيمتها وقيل له عناؤه.
وما لا يقبض كالأصول على من ضاعت بيده فإن سلّمت لأجير فعليه العمل ولا شيء على المستأجر وإن ضاعت قبل التّسليم أو الشّروع في العمل فعلى المستأجر بدلها أو قيمتها.
المطلب الرّابع ما يطرأ على محلّ العمل:
أمّا ما يطرأ على محلّ العمل فهو أوسع إذ له عدّة عوامل أهمّها ما يلي:
أ. إذا زال بآفة من قبل الله فلله ما مل من الأجرة بقدر ما عمل إلاّ إن أمكن تعويضه بمثل الفائت كرعي غنم أو حصد زرع ونقل سلعة فأتى المستأجر بمثلها للأجير.
وكذا إن ماتت الدابّة أو تلفت السيّارة أو الدّار فليس للكاري إلاّ بقدر ما انتفع به.
ب. إذا فوته المستأجر ببيع أو هبة أو نحوه فللأجير أجرته كاملة إذ هو المتسبّب في إخراجه وقيل ليس للأجير إلاّ ما عمل.
وإن أخرج دارا أو دكّانا أو نحوه بعد كرائها فلا يصحّ البيع أو الإخراج إلاّ بشرط إتمام المدّة.
جـ. إذا أخذت المرضع ولدا لإرضاعه فمات قبل تمام المدّة فليس لها إلاّ قدر ما أرضعت وكذا إن حدث ما منع إتمام الرّضاع كمرض معد به أو بها، أو لم يقبل ثديها.
د. وإن اتّفقا على أجرة لعمل حفر بئر فوجده محفورا أو على أنّه أصلب فوجد محفورا أو ألين فلهما الرّجوع لاتّفاق على الواقع وكذا إن وجد أصعب.
هـ. إن اتّفقا على ملئ حوض أو نحوه فملئ بمطر أو نحوه فلا شيء له وكلّ ما تقدّم راجع إلى قواعد عامّة من نحو قوله تعالى: {لاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ إلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}، وقوله - صلى الله عليه وسلم -:» لا يحلّ مال امرئ مسلم إلاّ ما كان عن طيّب نفس «وقوله:» لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ (1/56)
صفحة 57
لأخيه ما يحبّ لنفسه «.
المبحث الخامس أحكام عامّة في الإجارة والكراء:
بناء على ما تقدّم من الأدلّة فللإجارة أحكام غير ما ذكر أهمّها ما يلي:
1. تصحّ الإجارة على كلّ عناء ولو في مباح عام كجمع حطب أو حشّ حشيش أو حمل تراب على دابّة أو استقاء من غدير.
2. من آجر جماعة لحصد زرع أو نقل سلعة أو قلع أشجار أو نحوها فتفاضلوا في العمل فلكلّ من الأجرة بقدر عمله.
أمّا إذا كان في عمل مشترك لا يظهر التّفاضل فيه فالقسمة على رؤوسهم كحمل خشبة أو دفع عربة.
3. من آجر محلا فعليه إصلاح ما فسد فيه إن لم يكن من الكاري خاصّة ما لا يتمّ الانتفاع إلاّ به ككهرباء وماء إن دخل على ذلك وكذا ما يحتاج إلى أداة كسرج لحصان ومقعد لسيّارة وعجلة احتياط وأدوات حمّام وآلات مصنع وإصلاح بناء.
4. ومن غصب دارا أو أرضا أو نحوها وآجرها أو كراها لشخص، وأجاز صاحب الملك إيجاره وكان ذلك قبل تمام العمل فالكراء له وإلاّ فهو لغاصب ولربّ المحلّ أو الأرض الرجوع عليه ومطالبته.
5. إن أفسد الأجير عمل فإن كان خاصّا فلا شيء عليه إلاّ إن تسبّب في فساده ولو خطأ.
وإن كان عاما ضمن مطلقا حيث أنّه أخذ الأجرة على محلّه وقيل لا يضمن إن كان بقاهر كغاصب أو بآفة من قبل الله.
6. لا تصحّ إجارة ولا كراء فيما لا يمكن تسليمه للعمل أو الانتفاع وكذا ما لا يمكن الانتفاع المقصود به كسيّارة معطوبة ودابّة مريضة ودار منهدمة أو بعضها.
وجازت باتّفاق مع الكاري مع طرح قيمة الإصلاح من الأجرة.
7. تجوز على المسابقة بشروط وكذا الرّمي وهي في الجائز وغيره خمس:
أ. إذا كان الواضع للرّهان غير المتسابقين كإمام أو غيره فهذا جائز باتّفاق.
ب. أن يضع أحد المتسابقين رهنا على أن لا يرجع إليه إن سبق بالضّم فجائز.
جـ. أن يخرج كلّ واحد منهما سبقا ولا يجعلا بينهما محللا ويأخذه من سبق فهذا قمار غير جائز باتّفاق.
د. أن يخرج كلّ واحد سبقا ويجعلا بينهما محللا على أن يأخذه من سبق المحلل أو غيره واحدا أو متعدّد فهذا جائز ولا شيء عليه إن كان مسبوق فهذا جائز باتّفاق.
والخامس أن يخرج السّبق أحد المتسابقين ويجعلون بينهما محللا على أن يأخذه من سبق الجاعل أو غيره (1/57)
صفحة 58
فهذا مختلف فيه.
والباق جائز بين الخيل والإبل باتّفاق وفي غيره خلاف لقوله - صلى الله عليه وسلم -:» لا سبق إلاّ في خف أو حافر أو نصل «رواه أبو داود والنّسائي والنّصل السّهم والمراد به الرّمي فمن العلماء من قاس وأجاز ولو على الأقدام ومنهم من حصره فيما ذكر والمجيز نظرا للعلّة وهي التّشجيع على الجهاد ونحوه اهـ وهو مذكور بتفصيل أكثر في شرح النّيل ج10 ص31 - 32.
8. لا تجوز الأجرة أو الكراء في المشاع إلاّ إذا أمكن العمل أو الانتفاع بلا منازعة كأن يتّفقا على أن يسكن أحد فوقا والآخر أسفل أو يخزن في جانب أو بيت والآخر في غيرها باتّفاق.
أو يعمل في سهم أحدهم وهو معين.
الخطأ في الأموال والأنفس لا يزيل الضّمان على الصّحيح.
الفصل الثّالث
الشّركات وأنواعها وأحكامها
من المعاملات المالية الشّائعة، الشّركات وقد تعامل بها النّاس لما فيها من تضافر القوى وتعاضدها ماديا وبدنيا.
ولما فيها من تشغيل اليد العاملة ونموّ الاقتصاد الوطني الخاص والعام.
قال الله تعالى: {وَرَفَعْنَا بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضَكُمْ بَعْضًا سُخْرِيًا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 31] فمن حكمة الله أن جعل النّاس قسمين فقراء وأغنياء فلو كانوا كلّهم أغنياء لاستغنوا عن بعضهم ولأنف أحدهم أن يعمل تحت إمرة الآخر، لكن في الشّركات ممكن، ولو كانوا كلّهم فقراء لم تحقّقت من المشاريع الاقتصادية وتلك لازدواجية كانت سببا للتّعاون والتّضامن من عدّة جهات منها أنّ الغني يرغب في استثمار ماله ولا يستطيع ذلك بمفرده فلأن يلتمس من يعمل معه في ذلك فهذا بماله وذلك ببدنه تتحقّق المشاريع الاقتصادية وأحسن وسيلة لذلك تكوين الشّركات.
وسنتناولها بحول الله من جوانبها الشّرعية في أربعة مباحث:
المبحث الأوّل تعريفها ومشروعيتها:
الشّركة بالفتح والضّم لغة خلط أنصباء أشخاص في أمر مادّي أو معنوي من ذلك قوله: {قُلْ اَرآيْتُمْ شُرَكَاؤُكُمُ الذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الاَرْضِ أمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ} [أوّل الأحقاف]، وقوله يعيب عليهم أنّهم ينسبون لله ما لا يرضون لأنفسهم: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ اَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ اَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاء} [الروم: 23].
وقول عمر: ''لو اشترك أهل صنعاء في قتل امرأة لقتلتهم بها''. (1/58)
صفحة 59
وفي الاصطلاح عقد بين شخصين أو أشخاص في جمع قدر من المال قصد استثماره وتقسيم الفائدة أو اشتراك شخص بماله وآخر ببدنه مع تقسيم الفائدة واحدا أو متعدّدا.
وهي مشروعة بالكتاب والسنّة والإجماع:
أمّا الكتاب فهي في شرع اشتراك الورثة في تركة الميّت من ذلك قوله: {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ للذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُنْثَيَيْنِ} [النّساء: 11]، وقوله: {وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} [النّساء: 12]. أمّا السنّة فما روي في الحديث القدسي عن رسول الله يقول عن الله قال:» أنا ثالث الشّريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خانه خرجت من بينهما «رواه أبو داود والحاكم وصحيح إسناده.
وذكر القطب رحمه الله في وفاء الضّمانة أحاديث موقوفة منها قول علي في المقارضة:» الوضيعة على المال والرّبح على ما يتّفقان، ومن قاسم الرّبح فلا ضمان عليه «.
وذكر في شرح النّيل ما رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عبّاس عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - قال:» ثلاث فيهنّ البركة: البيع إلى أجل، وخلط البرّ بالشّعير للأكل لا للبيع، والمقارضة «رواه ابن ماجه.
هذه الأدلّة كلّها تفيد مشروعية الشّركات ثمّ إنّ ذلك كان معمولا به في زمن النّبي - صلى الله عليه وسلم - والصّحابة ولم يرد في ذلك نهي فهو إجماع.
المبحث الثّاني حكمها:
يختلف حكم الشّركات باختلاف أنواعها قال الزّحيلي ج4 ص4و7 والمسلمون أجمعوا على جواز الشّركة في الجملة، وإنّما اختلفوا في أنواع منها وهو ما ذكره القطب في شرح النّيل واعتبر الجواز في ثلاث شركة المضاربة، والعنان والمفاوضة عندنا قال الزّحيلي: الشّركة قسمان:
أ. شركة أملاك: وهي أن يمتلك شخصان فأكثر عينا من غير عقد الشّركة وهي نوعان:
1. شركة اختيارية: بأن يشتريا شيئا أو يوهب لهما أو يوصى لهما بشيء فيقبلا فيصير المشتري أو الموهب مشتركا شركة ملك.
2 - شركة جبر: وهي التي تثبت من غير فعل الشّريكين أو لأكثر بأن يرث اثنان أو أكثر فيكون الموروث مشتركا شركة ملك بين الشّركاء، وحكم هذه الشّركة أنّ كلّ واحد من الشّريكين أجنبي عن الآخر لا يجوز له أن يتصرّف في نصيب شريكه بغير إذنه.
ب- شركة العقود: هي عبارة عن العقد الواقع بين اثنين فأكثر للاشتراك في مال وربحه وهي أنواع خمسة عند الحنفية: شركة العنان، شركة المقارضة، شركة المفاوضة، شركة الأبدان، شركة الوجوه، وقسّمها الحنابلة إلى ستّ: شركة الأموال، شركة الأعمال، شركة الوجوه، وكلّها إمّا شركة عنان أو مفاوضة. (1/59)
صفحة 60
قال واتّفق العلماء إلى أنّ شركة العنان جائزة وأمّا الأنواع الأخرى فقد اختلفوا في مشروعيتها:
فالشّافعية والظّاهرية والإمامية يجعلون كلّ الشّركات ممنوعة ما عدا شركة العنان أو المضاربة.
والحنابلة أجازوا كلّ الشّركات ما عدا شركة المفاوضة.
والمالكية أجازوا كلّ الشّركات ما عدا شركة الوجوه والمفاوضة،
والحنفية والزّيدية أجازوا كلّ الشّركات إذا توفّرت شروط معيّنة،
أمّا عندنا فشركة العنان والمضاربة والمفاوضة، والباقي في خلاف اهـ وذكر القطب رحمه الله نحوا من ذلك في شرح النّيل مفرّقا ج10 ص303 - 304 قال: فتحصل أنّ الشّركة قسمان: شركة اختيار وشركة جبر، وشركة الاختيار ثلاثة: شركة أبدان، وشركة وجوه وشركة أموال، وشركة الأموال ثلاثة: شركة مفاوضة، وشركة عنان، وشركة مضاربة.
المبحث الثالث أنواع الشّركات: تقدّم أنّ الشّركة قسمان:
أ- شركة أملاك: وقد تقدّم أنّ حكمها يعتبر كلّ شريك أجنبي في نصيبه عن الآخر فلا يجوز أن يتصرّف في سهم شريكه إلاّ بإذنه.
ولكلّ منهما حقّ الشّفعة وطلب القسمة كما سيأتي إن شاء الله.
ب- شركة العقود: وهي المقصود من المبحث وأنواعها ستّة ففيها ستّة مطالب:
المطلب الأوّل شركة المضاربة والقراض:
سمّيت شركة مضاربة لوجهين إمّا لأنّ الآخذ للمضارب يضرب في الأرض ابتغاء الرّبح فيتّفق مع صاحب المال على ذلك، وإمّا لما فيه من الاتّفاق على ضرب من الرّبح وهو القسط المتّفق عليه.
وسمّيت مقارضة لما فيها من قرض مال يردّ أو ما فيها من جزء من الرّبح يقطع ويخصّص للعامل، ذلك ما بيّنه في حاشية الإيضاح بتصرّف ويشتمل الكلام فيه على ستّة محاور:
المحور الأوّل تعريفها وكيفية عقدها:
المضاربة أو القراض تقدّم تعريفها، أمّا كيفية عقدها حسبما ذكره في شرح النّيل ج10 ص309 وقال في الدّيوان رحم الله مؤلّفيه وغيرهم من أصحابنا: إذا أراد أن يعطي ماله مقارضة فإنّه يحضر الشّهود ويكتب اسم من دفع له المال ويسمّي أباه وقبيلته وأسماء الشّهود والمكان والتّاريخ وعدد المال وما اتّفقا عليه من ربح ويختم على بطاقته ويضعها في موضع حوز ثمّ إنّه يقول للمقارض أعطيتك مالي هذا على القراض ويسمّى نصيب المقارض من الرّبح اهـ. ويزيد لزيادة التّوثيق فيذكر جميع ما وقع عليه الاتّفاق من شروط سواء من المقارض صاحب المال أو العامل وكلّ ذلك أمام الشّهود.
فإذا تمّ ذلك برضا الطّرفين كان عقدا لازما لا رجوع فيه على الصّحيح إلاّ إن وجد صاحب المال أن لا (1/60)
صفحة 61
ربح أو لتهاون العامل. قال في شرح النّيل وفي التّاج: لا تنعقد المضاربة إلاّ بلفظ وهو أن يقول صاحب المال دفعت لك هذا المال على المضاربة، فيقول المضارب: أخذته مضاربة أو مقارضة أو ما يؤدّي ذلك اهـ ص310.
المحور الثاني حكمها:
المضاربة كان معمولا بها في الجاهلية وهي مشهورة فلمّا جاء الإسلام أقرّها لما فيها من تعاون ومنفعة مشتركة رغم ما فيها من جهل، وجوازها بالسنّة وإجماع الصّحابة أمّا السنّة قال في شرح النّيل: روي في الدّيوان عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال:» إذا أخذ الرّجل مالا للتّجارة جعل فيه جبريل - عليه السلام - حبّتين من البركة فلا يزال المال يزيد وينموا ويمنع من الشّيطان ما لم تدخله الخيانة فإذا زالت منه الأمانة نزع جبريل حبّتي البركة وجعل فيه حبّتي التّلف فلا يزال ينقص ويدخله الشّيطان فيمزّقه تمزيقا «رواه ابن ماجه.
ومن عمل الصّحابة قال ومن الموقوف ما روي عن حكيم ابن حزام أنّه كان يشترط على الرّجل إذا أعطاه مالا مقارضة أن لا تجعل مالي في كيل رطبة ولا تحمله في ريح، ولا تنزل به بطن واد فإن فعلت شيئا من ذلك ضمنت مالي، قال وكانت عائشة - رضي الله عنه - ا تبضع مال اليتيم في البحر وأجازه عمر اهـ ج10 ص300 - 301.
المحور الثالث شروطها:
يشترط لصحّة المضاربة ثلاث شروط:
1 - أن تكون بين بالغين عاقلين حرّين مالكين مسلمين، ولا بأس أن يكون المال للمشرك والعمل للمسلم إذ لا يؤمن المشرك من التّعامل بالحرام وأن يكون العاقدين غير محجور عليهما أو على أحدهما.
2 - أن لا يشترط عليه صاحب المال أو العامل أن يكون الرّبح له فإن فعل أحدهما بطلت المضاربة وأصبح الأوّل عاملا قيل متبرع، وقيل له عناؤه، وفي الثّاني يصبح المال قرضا لا قراضا.
3 - أن لا يشترط عليه صاحب المال ضمانا يعني كما يقولون: ''داخل ربحا خارج خسارة'' قال في شرح النّيل كان ابن عمر يقول لمن يعطيه مالا مقارضة وإن ضاع ضمنته، قال تبطل المضاربة بذلك عندنا.
المحور الرّابع ما للعامل وما عليه:
من أخذ مالا بالقراض فقد تحمّل مسؤولية تجعله يتحمّل واجبات كما أنّ له في ذلك حقوق أهمّها ما يلي:
1 - للمقارض أن يستعمل مال القراض في كلّ ما يظنّ أن يكون فيه الربح حسب العرف الجاري به العمل في مكان التّعامل من سفر أو إقامة أو نوع سلعة أو متجر أو سوق ما لم يحجر عليه في شيء من ذلك. (1/61)
صفحة 62
2 - وله في مال القراض نفقته من أكل وشرب ومبيت حسب العرف بمعروف من غير إسراف على خلاف في ذلك وقيل إن شرطه، أمّا اللّباس فلا إلاّ إن تعورف.
3 - له أن يستعمل من أملاكه أو آلاته أو دوابّه ما احتاج إليه. مال القراض بكراء مثله وكره عن عمل يده.
4 - له أن يشترط على ربّ المال مقدارا من مال يأخذه لنفقته يخرج من سهمه من الفائدة.
5 - له أن يشترط شروطا لسير العمل وأن يستعمل من شاء من صنّاع مع مراعاة الأمانة.
6 - وعليه النّصح والإخلاص في إنماء المال حسب استطاعته وعرف البلد.
7 - ليس له أن يتّجر بمال الغير بالقراض إلاّ بإذن منهما.
ويضمن ما كان من خسارة أن تعدى ما رسم له من شروط أو تهاون في حفظ مال القراض.
8 - ليس له أن يأخذ ربحه إلاّ بمحضر صاحب المال وكذا التّقويم.
المحور الخامس ما لصاحب المال وما عليه:
لصاحب المال أن يشترط على العامل ما شاء من شروط لا تعطّل عمل المضاربة كأن يشترط عليه نوعا من سلعة أو نوعا من النّاس أو طريقا له أن يشترط أن يكون مقدار الزكاة من قسط العامل
له أن يشترط عليه أن لا يبيع بالدّين أو لا يسافر بماله في بحر إذ المؤمنون على شروطهم.
ليس له أن يشترط عليه أن لا يبيع ولا يشتري شيئا إلاّ بإذنه أو يكون مال القراض بيده.
أو يشترط أن يعمل معه ولده أو أحد أقاربه إلاّ برضاه.
لا يجوز أن يشترط عليه مقدارا من الفائدة ثمّ يقسم الباقي.
له أن يبايعه بالبيع أو الشّراء كغيره من غير محاباة.
المحور السّادس أحكام المضاربة:
للمضاربة أحكام أهمّها ما يلي:
1 - محلّها العين كما قال في النّيل وشرحه وجاز عدد بعرف وفي غير مسكّك منهما وإن بوزن خلاف، وكذا في عروض وإن مكيلا أو موزونا بقيمة منها هل يوم الشّراء أو الاتّفاق عليها قولان وأكثر على المنع قال في الشّرح: ''ومحلّها النّقدان الذّهب والفضّة'' المسكّكان (بوزن) عند عقد المضاربة (وجاز عند بعض المضاربة بعدد معروف) بلا وزن وعلى هذا فتجوز المضاربة بسكّة الأندلس وسكّة فرنسا وسكّة الجزائر وسكّة تونس .. الخ والريالات والأرباع وغير ذلك وذلك إذا جاز العرف بها كما في بلادنا.
وقال بعد ''وكذا بعروض'' الخ الذي ضورب به بتقويم بعدول منها هل تعتبر القيمة يوم الشّراء بما يجوز (1/62)
صفحة 63
به القرض كالدّنانير وغيرها على ما مرّ ''أو الاتّفاق عليها عند المضاربة'' أي على قيمتها قولان والأكثر على المنع فيها أي في العروض والقول بالجواز قول ابن عبّاد تفرّع عليه القولان، وفي أثر قومنا فيكون رأس المال ذات العرض أي مثله وقيل ما بيع به وقيل لعلّ ابن عبّاد لم يثبت عنده حديث المنع قوله - صلى الله عليه وسلم -:» لا قرض إلاّ بعين «رواه ابن ماجه أو هو مؤول بحذف النّعت أي لا قرض كاملا إلاّ بعين وفي ذلك بحث واسع اهـ باختصار ج10 ص311 - 313، والمضاربة بالعروض هو ما يجري عليه العمل الآن بكثرة حيث يعطي أحدهم دكّانه للآخر بتقويم ما فيه على القراض فهو جار على قول ابن عبّاد من الإباضية قال في الشرح ص315 وفي الديوان، وقيل يجوز القرض بكلّ ما يكال ويوزن من الحبوب وغيرها من الذّهب والفضّة ويكون رأس المال ما دفع فيه ولا يجوز بما لا يكال ولا يوزن، وقيل يجوز به على ما اتّفقا عليه من قيمة ولا ينظر إلى ارتفاع القيمة أو نقصها بعد ذلك.
2 - لا يتحوّل قرض أو دين إلى قراض بأن يقول ما قرضتك اعمل فيه بقراض أو ما عليك من دين بل لابدّ من ردّه ثمّ أخذه على القراض.
3 - كره لمن أعطى قراضا أن يعطي للمقارض بضاعة يبيعها له مع القراض أو يقرض له عددا ليستعمله.
4 - إن مات العامل فليس لوارثه أن يتصرّف في مال القراض إلاّ بجمعه وردّه وله بيع ما يفسد ببقائه وذلك من باب حفظ مال المسلم ولا يلزمه إيصاله إليه إن غاب بل يحفظه أمانة.
وله أن يبيع إن خاف ضياعا أو غصبا أو سرقة ولا يأخذ ما فيه من ربح إلاّ بمحضر صاحب المال على الصّحيح.
وإن اتجر به أي الوارث فله منابه من ربح حسب الاتّفاق مع موروثه وضمن ما تلف إن علم بموت موروثه.
5 - إن مات ربّ المال واتّجر المقارض بعد موته فله منابه من ربح حسب الاتّفاق الأوّل، وضمن ما يحدث من خسارة إن اتّجر بعد علم موت ربّ المال هذا إن اتّجر به قبل موت المقارض أي صاحب المال وإلاّ فله عناؤه.
6 - إن غصب مال القراض بعد الشّروع في العمل وردّ إليه بعينه فهو على (1) ما اتّفق عليه، وإن كان قبل الشّروع أو عوض بقيمته جدّد الاتّفاق وإن ضارب فيه من غير تجديد فالرّبح كلّه لصاحب المال وللعامل عناؤه وضمنه إن تلف.
7 - تجب المحاصصة فيما لزم من مصارف على مال القراض إن تعدّدت أصحابه وكذا في نفقته.
__________
(1) - عام 1956 أكل شخص حقّ عامل هو 70000 فأراد أن ينتصل في أيّامنا هذه فقوّمت له بـ:3.5 مليون أي تكرّر القيمة بـ50 مرّة (19 - 02 - 1990) (1/63)
صفحة 64
8 - لا يجوز أن يتصدّق أو يهب أو يتصرّف فيما يفوت مال القراض بغير إذن أصحابه.
9 - لا يخلط مال قراض ولا يستخدم مال أحد المقارضين لمال الآخر ولا يضارب به غيره وصحّ الكلّ بإذن وإن فعل بلا إذن ضمن التّلف.
10 - إن قسم الرّبح بغير محضر المقارض واتّجر بمنابه وربح فهو بينهما حسب الأوّل.
11 - إن داين المال القراض أو أعطى الدّين ضمن ما تسبّب من تلف والرّبح بينهما إلاّ إن أذن له بذلك.
12. كلّ مضاربة فسدت فالرّبح كلّه لربّ المال وللعامل عناء مثله اهـ بتصرّف بسيط من النّيل وشرحه متفرّقا ج10 من ص333 - 338.
المطلب الثّاني شركة العنان:
شركة العنان ممّا جرى به العمل في الجاهلية، وأقرّها الإسلام لما فيها من تضافر القوى المالية في تحقيق المشاريع الاقتصادية.
وتشمل غالب الشّركات الموجودة، وقد تحقّقت منفعتها في:
الاقتصاد الوطني، والكلام عنها في ثلاث محاور:
المحور الأوّل تعريفها ووجه تسميتها وحكمها:
شركة العنان هي أن يشترك شخصان فأكثر في جمع قدر من المال ليعملوا فيه لاستثماره وتقسيم الرّبح حسب اتّفاقهم.
وسمّيت بشركة العنان لما هو الأصل فيها من التّساوي كتساوي أعنّة الأفراس عند السّباق، وحكمها الجواز لما كان معمولا بها في زمن النّبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة، ولمّا تقدّم من الحديث القدسي» أنا ثالث الشّريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه «رواه أبو داود والحاكم.
قال في النّيل وشرحه:» جاز إجماعا شركة متعدّد في خاص متساو من جنس واحد كدنانير ودراهم وشهرت بشركة العنان «.
قال في الشّرح مثل أن يكون من هذا دينارا ومن هذا دينارا ومن هذا صاع من بر ومن هذا صاع ولابدّ من حضور ذلك.
» وشهرت بشركة العنان «بكسر العين أخذا من عنان فرسي الرّهان الخ قال في الأصل وهل جازت إن تخالفا برجوع بكلّ لأخذ رأس ماله ثمّ يقسم الفضل أو القولان. وجازت بغير النّقدين إن تساوى ما لكلّ من جنس، حاضر بكيل أو وزن أو قيمة ويخلط اهـ ج10 ص339 - 351.
المحور الثّاني كيفية انعقادها وشروطه:
تنعقد قيل باتّفاق بلفظ والصّحيح بخلط المال المشترك به ولها شروط لصحّته. (1/64)
صفحة 65
1 - ينعقد كغيرها بين بلّغ عقلاء أحرار مسلمين مالكين تامّي التصرّف فيما اشتركا أو اشتركوا به أصالة أو بوكالة أو خلافة.
2 - يشترط التّساوي في المشترك والعمل وهو الأصل لأنّ عدم التّساوي في المشترك يؤثّر في قسمة الرّبح فإن قسّما على السّهام غبن العامل وإن قسّما على الرّؤوس غبن صاحب الأكثر.
والمخرج من ذلك أن يخصّص للعاملين قسطا من الرّبح ثمّ يقسّم الباقي على السّهام وكذا إذا شارك بعض بماله وعمله وبعض بماله فقط.
3 - الأصل التّساوي في جنس المشترك به مالا أو غيره، وجازت إن اختلف ذلك مع مراعاة القيمة فمن اشترك مثلا بأرض لإقامة معمل أو مخزن تجارة وآخر ببنائه وآخر بآلات العمل وآخر بالمادّة الأوّلية مثلا جازت ويصبح رأس مال كلّ قيمة ما اشترك به وقسمة الرّبح حسب السّهام بعد طرح أجرة أو قسط العاملين.
ولما في غير ذلك من ضرر والضّرر لا يحلّ، أو غبن وهو غير جائز إذا كان فاحشا كما تقدّم في البيوع.
4 - إذا خلطت الأموال بعد الاتّفاق على الشّركة أمام الشّهود وكتابة ذلك أصبح ذلك عقدا لازما لا رجوع فيه.
المحور الثالث أحكامها:
لشركة العنان أحكام مذكورة في النّيل وشرحه أهمّها ما يلي:
1 - للشّركاء أن يتّفقوا على شروط لتسيير العمل كقانون داخلي يلتزم به الجميع، مثلا أن لا حقّ لأحدهم في أخذ منابه من ربح إلاّ بعد أن تشتدّ الشّركة بعد ثلاث أعوام مثلا.
أو الاتّفاق على ما لكلّ من العاملين من راحة سنوية.
2 - يجوز لمن يشترك بماله أو مال مؤكّله أو مستخلفه.
3 - لا يقع التّقويم أو التّقسيم إلاّ بمحضر الشّركاء أو وكلائهم أو بتفويض منهم.
4 - لكلّ الشّركاء الحقّ في التصرّف في مال الشّركة بما ينميه حسب اتّفاقهم.
إن أخلّ أحد الشّركاء بما شرط فهو ضامن لما تولّد على ذلك من خسارة.
5 - إن مات أحد الشّركاء أخذ ورثته سهمه بعد تقويم، ولا بأس أن ينزل الورثة أو أحدهم حسب رضا الشّركاء.
6 - للشّركاء حقّ الشّفعة فيما باع أحد الشّركاء من سهمه أو كلّه لأجنبي.
7 - لا بأس أن يخصّص لأحد الشّركاء مقدارا معيّنا من الرّبح في مقابل عمل خاص به أو آلته ثمّ يقسم الباقي. (1/65)
صفحة 66
8 - يجب أن يكون الرّبح مشاعا فيما تنتجه الصّناعة أو التّجارة فلا يجوز أن يكون لهذا ربح الكتّان ولهذا ربح القطن مثلا.
9 - لا بأس أن يتّفق الشّركاء على أن لا يبيع أحد الشّركاء سهمه إلاّ لباقي الشّركاء أو يرجع سهمه بعد موته لجميعهم إذ المؤمنون على شروطهم إلاّ شرط أحلّ حراما أو حرّم حلالا.
10 - إذا فسدت الشركة بوجه من الوجوه، واتّفقوا على إبطالها. رجع كلّ شريك لرأس ماله ويقسّم الرّبح أو الخسارة حسب السّهام.
11 - يمكن أن تتألّف من شركة عنان ومضاربة بأن يجمع أشخاص مالا للعمل فيه كما مرّ ثمّ يتّفقون مع آخر أو آخرين على تسييرها بقسط من الرّبح فيراعى في كل منها ما تقدّم من شروط وأحكام اهـ وكلّ ذلك مبسوط في النيل وشرحه والإيضاح.
المطلب الثالث شركة المفاوضة:
من الشركات المتداولة شركة المفاوضة والكلام عنها على ستّة محاور:
المحور الأوّل تعريفها ومشروعيتها:
هي كما عرّفها صاحب النيل أن يبيح شخصان كل لصاحبه ماله، قال هي بهذا المعنى تحتمل معنيين: إمّا أن يكون اشتراكهما في الفائدة فقط وأصل مال كلّ منها لصاحبه وإنّما يشتركان في استثمارهما.
وإمّا أن يشتركا في الفائدة والتصرّف المطلق كأنّ مالهما ملك لكلّ منهما وهو مختار الإمام الرّبيع رحمه الله.
وهي ممّا اختلف في جوازها فمن العلماء من أجازها مطلقا وهو الرّبيع وبعض علمائنا، ومنهم من منعها كالشّافعي ومنهم من أجازها في غير الطّعام كبعض المخالفين، وغالبهم يجيزها سواء كان ما اشترك به متّفقا أو مختلفا بشرط التّقويم لبيان رأس مال كلّ منهما ليكون عليه تقسيم الفائدة.
المحور الثاني موضوعها وفائدة التّعامل بها:
أمّا موضوعها حسبما ذكر في سلّم الاستقامة قال: يشمل مال المفاوضة جميع رأس مال كلّ من المتعاقدين وما تولّد عنه من فائدة على الدّوام ويدخل فيها ما لكلّ من المتفاوضين من مال وقت الاشتراك وبعده مباشرة أو ما كان قبل ولو لم يعلم به المفاوض أو صاحبه إلاّ بعد العقد إذ من شرطها العموم وما حدث من هدية أو هبة ثواب ولو لمال سابق وما يصيبه أحدهما من كنوز الأقدمين.
المحور الثّالث شروط انعقادها وصحّتها:
يشترط لصحّة انعقادها ستّ شروط أساسية:
1 - أن يكون لكلّ من الشّريكين أهلية الوكالة والكفالة (إذ يصبح كل منهما وكيلا وكفيلا في مال (1/66)
صفحة 67
عقيده) بأن يكونا بالغين عاقلين حرّين راشدين تامّي التصرّف فيما ملكا أي غير محجور عليهما أو على أحدهما.
2 - أن تكون الشركة شاملة لكلّ أملاك كلّ من المتعاقدين بأن يكون كل ما يصلح أن يكون رأس مال للشّركة لأحد المتفاوضين داخلا في الشركة.
3 - أن يتساويا في رأس المال عند بعض والصّحيح جواز التفاوت في رأس المال والتّفاوت في الربح حسب ذلك.
4 - يجب أن يتساويا في استثمار المال كلّه فلا يختصّ أحدهما بشيء دون الآخر.
5 - أن تكون بين مسلمين إذ المشرك لا يؤمن من التّعامل بالحرام.
6 - أن لا يختصّ أحدهما بانتفاع دون صاحبه.
المحور الرّابع ما يترتّب على الشّركة:
يترتّب على الشّركة إذا تمّت على الوجه السّابق وأصبح كلاهما كشخص واحد كلّ منهما له أن يتصرّف في ماله ومال صاحبه كنفسه ببيع وشراء وقبض ودفع وأخذ وعطاء ونقض وإبرام وإدانة وإبراء ومحاكمة ونحو ذلك من كلّ الحقوق وعليه إزاء ذلك كلّ ما يحصل من مسؤولية على أيّ تصرّف منه أو من صاحبه فكلّ ما التزم به أحدهما جرى أثره على الآخر.
وكلّ ما صرفه أحدهما من مال المفاوضة في أموره الخاصّة كزواج له أو لأحد أبنائه أو مداواة أو صداق أو هبة.
أو ما لزمه من أرش جناية أو ديّة أو ضمان أو غرامة خاصّة أو في حجّ أو عمرة أو سفر نزهة أو نحو ذلك من غير ما هو ضروري من أكل وشرب وسكنى ولبس وركوب متّفق عليه أخصم من رأس ماله خاصّة.
المحور الخامس بماذا تنفسخ:
الأصل في شركة المفاوضة أن لا تنفسخ إلاّ بموت أحد المتفاوضين وقد تنفسخ بحدوث ما يفسخها حكما وهو ما يلي:
1 - بدخول كلّ ما يختصّ به أحدهما دون الآخر في ملكه لما فعله سابقا ولو لم يعلمه أو علمه وتبرّأ منه.
مثل أن يرث شيئا أو يأخذ ديّة ممّن قتل وليّه أو جرحه، أو هدية لا لثواب.
قال في النّيل وشرحه ج10 ص410: وتنفسخ إن دخل لأحدهما إرث أو ديّة إن قتل وليّه أو جرح أو صداق لعقيدة إن تزوّجت ولو تبرّأ منها، وكذا إن قسما ولو يسيرا كلحمة أو قرصة إن أصاب أحدهما كنزا فهل هو له خاصّة أو بينهما قولان اهـ.
المحور السّادس ما يترتّب على الانفساخ: (1/67)
صفحة 68
إذا انفسخت الشّركة بأحد الوجوه المتقدّمة رجع كلّ إلى أصل ماله وقسما ما نتج من ربح أو خسارة حسب سهام كلّ وقيل أنصافا كما تقدّم.
المطلب الرّابع شركة الأبدان:
شركة الأبدان ممّا هو متعامل بها والبحث حولها على ثلاث محاور:
المحور الأوّل تعريفها وحكمها:
فهي أن يشترك شخصان فأكثر فيما يكتسبون بعرق جبينهما من صنعة (1) أو حرفة (2) أو عمل ما ويقسمون ما يحصّلون عليه من ذلك حسب اتّفاقهم.
فهي مختلف فيها بين العلماء منّا ومن غيرنا فهي جائزة عند بعض علمائنا وعند المالكية والحنفية والحنابلة والزّيدية واعتمد من أجازها على ما ورد عن ابن مسعود قال:» اشتركت أنا وعمّار وسعد يوم بدر فيما نحصّل عليه من أسارى فأصاب سعد أسيرين، ولم نحصل أنا ولا عمّار شيئا فلم ينكر النّبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك «رواه أبو داود والنّسائي.
قال في النّيل وشرحه: أجاز الأكثر منّا شركة الأبدان، واختير فسادها لأنّ الشّركة يصحّ جوازها في أعيان الأموال.
قال في الشّرح اختاره أبو محمّد قال: فتجر الربح بعد ذلك، ليس هذا تعطيلا للشّيء بنفسه، لأنّ المعنى أن الحرّ لا يكون لك نصف بدنه ملكا، ويصحّ جوازها في الرّبح دون عيان الأموال أيضا كما تُشرك إنسانا في ربح مالك وذكر أنواعا أخرى قال لانضباط ذلك قال في الأصل ويمتنع الحكم بها في مال وعمل بدن أو فيه فقط، ولعلّ مجيزهما قاسها على شركة المضاربة أو المساقاة في الأصول سواء قال في الشّرح إذ فيها عمل بدن قال ويبحث فيها أنّها خارجة عن الأصل.
قال وشركة الأبدان جائزة (سواء في مخصوص أو غيره).
المحور الثاني كيف تتحقّق:
تتحقّق هذه الشّركة في صور متعدّدة:
1 - أن يتّحدا في صنعة كنجّارين وحدّادين وخيّاطين.
2 - في صنعتين مختلفتين كنجّار وحدّاد أو خيّاط وحيّاك.
3 - في صنعتين متلازمتين كبناء وطلاّي وصانع تجهيز كهرباء.
4 - أن يشتركا فيما يسعيان بأبدانهما من غير تعيين عمل كعمل في بناء أو صانع تجارة أو حمّال.
__________
(1) الصّنعة: تحويل الأشياء من حال لحال.
(2) الحرفة: عمل يدوي (فلاحة تجارة .. ). (1/68)
صفحة 69
المحور الثالث أحكامها:
لهذه الشّركة أحكام لا بدّ من مراعاتها حتّى لا تولّد نزاعا أو ضررا أهمّها ما يلي:
1 - يجب أن يتوافقا على شروط بينهما في كيفية العمل وقسمة الرّبح والأصل فيه التّنصيف أو التّساوي.
2 - لا بأس من تفاضل باتّفاق لإتقان صنعة، أو لاختصاص أحدهم بمحلّ العمل أو بآلته.
3 - إن مرض أحدهم وتعطّل بسبب ما فللآخر خصم منابه عن تلك الأيّام إن لم يكن اتّفاق أو يستأجر شخص مكانه ويخصم أجرته من منابه.
4 - إذا طال زمن التّعطيل فللآخر فسخ الشّركة (إذ لا ضرر ولا ضرار).
المطلب الخامس شركة الوجوه:
شركة الوجوه ممّا يتعامل بها النّاس وقد أجازها بعض العلماء فالبحث فيها بمحورين:
المحور الأوّل تعريفها وحكمها:
قال الزحيلي شركة الوجوه هي:» أن يشترك وجيهان عند النّاس من غير أن يكون لهما رأس مال على أن يشتريا في ذمّتهما بالنّسيئة، ويبيعا بالنّقد بما لهما من جاه على أنّ ما فتح الله من رزق في بيعهما فهو بيننا «قال وهي جائزة عند الحنفية والحنابلة والزّيدية لأنّها شركة تتضمّن توكيل كلّ شريك صاحبه في البيع والشراء.
ومنعها المالكية والشّافعية لمخالفتها لما هو مألوف، وهي جائزة عندنا إذ ليس فيها مانع شرعي (1).
المحور الثاني كيفية قسمة الرّبح فيها:
فيقسم الربح فيها حسب التّساوي أو التّفاضل في ضمان المال المأخوذ فإذا تساويا فيما أخذاه بجاههما تساويا في الرّبح، وإن تفاضلا فعلى حسب التّفاضل ويمكن أن تتحوّل شركة عنان إذا توفّر رأس مال بين أيديهم واتّفقا على استمرار الشّركة بعقد جديد.
الفصل الرابع
الرهن وأحكامه
الرّهن من المعاملات المشروعة ويشتمل البحث فيه على أربع مباحث:
المبحث الأوّل تعريفه ومشروعيته وحكمه:
المطلب الأوّل تعريفه:
الرّهن لغة الثّبوت والدّوام يقال: نعمة راهنة راهنة أي دائمة، وأيضا الحبس نحو قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ
__________
(1) أنظر شركة الأولاد كمطلب سادس من كتاب الإيضاح ج4 من ص52 إلى 74. (1/69)
صفحة 70
بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثّر: 38].
أمّا في الشّرع فهو توثيق ديْن بأصل أو عرض يوضع بيد الدّائن ليستوفي منه دينه إن لم يسدّد المدين ما عليه.
المطلب الثاني مشروعيته:
الرّهن مشروع بالكتاب والسنّة، فمن الكتاب قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَة} [البقرة: 283].
ومن السنّة ما روى البخاري وغيره عن عائشة:» أنّ النّبي اشترى من يهودي طعاما ورهنه درعه «، وذكره في النّيل عن أبي رافع قال في فقه السنّة وقد أجمع العلماء على ذلك أي جوازه ومشروعيته إلاّ أنّهم اختلفوا في مشروعيته في الحضر وعمل النّبي - صلى الله عليه وسلم - يثبته.
المطلب الثالث حكمه:
حكمه الجواز قال في النّيل وشرحه: والرّهن جائز بالكتاب والسنّة وساق حديث أبي رافع (فائدة)
ذكر في الشرح قال وفي الحديث خمس سنن:
1 - جواز معاملة أهل الكتاب وفيه نقض قول من قال لا تجوز معاملتهم بما يُدخلون في تجارتهم ممّا كان محرّما.
2 - وفيه نقض قول من قال لا يجوز الرّهن في الحضر وقد رهن وهو بالمدينة، وفيه إباحة أن يمدح شخص نفسه عند من لا يعرف قدره وذلك لما في الحديث أنّ اليهودي أبى أن يعطيه الشّعير بلا رهن فقال:» إنّي لأمين في الأرض أمين في السّماء «.
وفيه نقض قول من قال لا يجوز للإنسان أن يدّخر أكثر من قوت يومه وفيه جواز اليمين بالله إذا علم أنّه حق اهـ ج11 ص6.
المبحث الثاني أركان الرّهن:
أركان الرّهن أربعة الرّاهن والمرتهن، ما فيه الرّهن والشّيء المرهون ولكلّ أحكام فلها أربع مطالب:
المطلب الأوّل الرّاهن:
الرّاهن هو من أخذ الدّين وأعطى الرّهن فيشترط لصحّة معاملته أن يكون بالغا عاقلا أو جائز التصرّف ولو طفلا مميّزا ما دون البلوغ أو عبدا بإذن سيّده حيث أنّ الرّهن كالبيع فمن أجاز بيعه جاز رهنه.
وقيل هو كالهبة فلا يباح إلاّ ممّن له تفويت المال.
قال في النّيل وشرحه فالرّهن هو الجائز فعله كما ذكر المباح التصرّف في المرهون وإن بخلافة أو توكيل أو إذن أو إجازة ولو بعد رهن. قال في الشّرح: الجائز فعله في المال مطلقا، أو فيما أريد رهنه، ودخل في (1/70)
صفحة 71
جواز الفعل رهن العبد مالا لغيره بإذن مالك المال سواء سيّده أو غيره، ودخل أيضا رهن الطّفل ما أذن له مالكه في رهنه عند مجيز أفعال الطّفل قال بعد (كما ذكر) في قوله بأنّه بدل من له البيع ما يباع الخ (المباح تصرّفه) وهو الرّاهن بأن يفعل في المرهون ما يشاء (وإن كانت بخلافة الخ) وجاء بأمثلة اهـ لكن لا يجوز تصرّف الخليفة إلاّ بما يضمن مال المستخلف.
قال في الإيضاح ولا يشارط المرتهن فيما تصيبه الآفات من الرّهن وإن شرط فهو ضامن، ولا يرهن رهن فيه فضل عن حقّ المرتهن، قال ولا يبيع من مال اليتيم والغائب والمجنون شيئا بدين فإن فعل وهلك فهو ضامن، ومنهم من يرخّص إذا رأى صلاحا في ذلك اهـ ج4 ص151 ومثل هذا الخلاف في الرّاهن موجود بين المذاهب.
المطلب الثاني المرتهن:
هو من أعطى الدّين وأخذ الرّهن فيراعى فيه ما يراعى في الرّاهن من الأهلية.
ويجوز أن يكون أصالة عن نفسه وعمّن وكّله ولا بدّ أن يكون بالغا عاقلا مالكا لما أعطى من دين، مباح التصرّف فيه بأن لا يكون محجورا عليه.
ولا بدّ أن يحتاط لما له من الضّياع ولا يجوز له التّهاون بأن يشترط على الرّاهن شروط تضمن ماله خاصّة إذا كان المال ليتيم أو نحوه فيشترط على الرّاهن أن لا تلحقه آفة تصيب الرّهن وأن يبقى الرّهن بيده إلى آخر حقّه، وأن يبيح الرّهن عند حلول الأجل أو بعده بنفسه أو من يوكله، وأن لا يبقى له فضل في نفس الرّهن بل بالقيمة فيبيعه ولو كان فيه زائد على حقّه وله أن يتمسّك بالرّهن أو الرّاهن.
المطلب الثالث الشّيء المرهون:
للشّيء المرهون أحكام أهمّها:
أ- بما أنّ الشّيء المرهون إمّا أن يكون أصل أو عرضا يكون بيد الدّائن كدار أو بستان أو حمّام أو حلي أو آلة أو أثاث أو حيوان فلا بدّ أن يكون معيّنا ذاتا وصفة فلا يصحّ رهن قطعة من أرضي أو إحدى دياري، أو شاة من غنمي، أو شيء من أثاثي بل لابدّ من تعيينه وإحاطة العلم به إذ جهل ذلك يعدّ غررا فكما لا يجوز الغرر في البيع لا يجوز في الرّهن، ولا يصحّ بالوصف إذ لابدّ في الرّهن من القبض.
ب- أن يكون ممّا يجوز بيعه فلا يصحّ رهن ما كان حرام لذاته كميتة من نحو علب لحم مستورد غير مذبوح ذبحا شرعيا، أو نحو شحم خنزير، أو خمر أو أيّ نوع من المخدّرات.
جـ- لا يصحّ رهن ما كان خفيا كحقل بصل أو بطاطا أو جزر أو ما لا يمكن قبضه كصوف على غنم أو ما في بطن حيوان أو ما لا يقدر على تسليمه كأصل أو عرض بيد غاصب أو ثمار غير ناضجة.
د- أن يكون ممّا أبيح التصرّف فيه للرّاهن حال الرّهن، فلا يصحّ رهن ما يحتمل دخوله يد الرّاهن مثل (1/71)
صفحة 72
حلي في صداق أو حيوان في أرش جناية، أو أرض جعلت لأجير في عمله ولما يتمّ أو لم يقبضها.
هـ- أن لا تكون من جنس ما رهن فيه كثياب صوف في صوف، أو حلي في دراهم أو دنانير، أو عملة فرنسية في عملة جزائرية.
و- يجب أن يكون مقبوضا بيد الدّائن حسا في عروض معنويا في أصول بتسليم مفتاح الأصل أو التخلّي عنه للمرتهن أو بتغيير العامل.
ولا بأس أن يكون بيد من ارتضاه المتعاملان ويسمّى السلط.
ر- لا يصحّ رهن ما كان بيد الدّائن بأمانة أو وديعة أو قراض حتّى يردّه ويمكنه للدّائن على وجه الرّهن.
حـ- أن لا يكون فيه حق للغير فلا يصحّ رهن ما هو مرهون إلاّ إن أمكن رهن تسمية منه لكلّ من المرتهنين برضا كل منهما واتّفاق على من يكون بيده.
ط- يجوز أن يكون المرهون للرّاهن أصالة أو بالنّيابة لوكيل أو خليفة مع مراعاة عدم التّفويت كما تقدّم.
ويصحّ رهن شيء للغير برضا صاحبه فيكون كحمالة.
ي- يجب أن يكون حسّيا لا معنويا فلا يصحّ رهن طلاق أو شفعة أو طرد من عمل أو نحو ذلك.
المطلب الرابع ما فيه الرّهن:
ما فيه الرّهن هو ما أخذ من مال يجب أن يكون مضمونا في ذمّة المدين.
كأثمان مبيعات أو أجرة عامل أو صداق امرأة أو ارش جناية محكوم بها، أو قراض للعمل فيه، أو قرض إحسان.
فإذا أخذ تاجر مقدارا من مال ليعمل فيه بالقراض ووضع بيد صاحب المال دارا بقيمة الدّين فالرّاهن هو التّاجر وصاحب المال هو المرتهن والدّار مرهونة، والمال هو ما فيه الرّهن وتلك هي أركان الرّهن.
المبحث الثالث عقد الرّهن
عقد الرّهن هو الاتّفاق ما بين الرّاهن والمرتهن، وكيفية عقده أن يحضرا شاهدين عدلين رجلين أو رجلا وامرأتين فيقول الرّاهن أمامهما: قد أخذت من فلان بن فلان مائتي ألف دينارا مثلا لا عمل فيها بالقراض على أن يكون لي ثلث الرّبح ورهنت له فيها داري الكائنة بالحي الفلاني من البلد الفلاني يحدّها قبلة كذا، وشمالا كذا، وجنوبا كذا، وشرقا كذا رهنا يباع عند الأجل وهو كذا إن لم أسدّد ما عليّ من دين، بهذه الصّيغة ونحوها سواء نطق بها الرّاهن أو المرتهن وصادق عليها معامله يتمّ عقد الرّهن، فإذا تمّ تسليم المال وأخذ الرهن أصبح عقدا لازما لا رجوع فيه.
ولابدّ من تعيين الأجل عند الدّقع أمام الشّهود. وإذا رهن الأصل فلا بدّ من ذكره بكلّه وكلّ ما فيه من بيوت أو مرافق، وإن كان حماما أو نحوه من دكّان تجارة أو معمل فلابدّ من ذكر ما فيه من أدوات أو (1/72)
صفحة 73
مصالح تجارة أو آلات.
وإن كان في الحديقة أو الحقل أو نحوه شيء للغير استثناه وإن حدث خصام أدّى الشّهود شهادتهم حسبما أخذوها من صفة أو بتات اهـ وكلّ ذلك مذكور في الإيضاح من ص149 - 172.
المبحث الرابع أحكام عامّة في الرّهن
للرّهن أحكام عامّة أهمّها ما يلي:
1 - الرّهن نوعان: سخريا وغير سخري:
أ- فالسّخري: ما لم يذكر عند عقده أجلا لبيعه للاستيفاء منه فلا يصحّ بيعا. ولا لاستيفاء منه إلاّ بموت الرّاهن أو المرتهن وقيل ولو بموت أحدهما.
ب- غير السخري وهو الذي حدّد أجله بأجل الدّين ويمكن أن يرجع سخريا إذا لم يشترط الدّائن بيعه عند الأجل أو بعده فإن لم يبعه عند الأجل أصبح سخريا إن لم يشترط بيعه عند الأجل أو بعده.
2 - يجوز رهن في دين عاجل يبيعه المرتهن متى شاء إن امتنع المدين عن أداء دينه إذا طلبه وإن أجّله بطل قال في النّيل وشرحه: ويرهن في عاجل رهنا يباع متى شاء المرتهن وإن وقت لبيعه لم يصح، وجوّز قال في الشّرح: لأنّ المعين لا تقبله الدة ولأنّه لا وقت لأصله قال (وجوّز) لأنّ المؤمنين على شروطهم. والشّرط هنا في تأخير الرّهن فقط، فللمرتهن طلب الرّاهن قبل أجل الرّهن لا بعده إلاّ إن شرط وهو الصّحيح عندي. اهـ ج11 ص80.
3 - لا ضمين مع الرّهن إذ الرّهن ضمان لماله فلا معنى للحميل.
4 - في الرّهن خلاف هل هو براءة للذّمة أو مجرّد تثبيت وهو الصّحيح فعلى الأوّل إن ضاع الرّهن بيد المرتهن أو هلك سقط الدّين بناء على قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» الرّهن بما فيه «،
والصّحيح أنّه مجرّد توثيق لقوله - عليه السلام -:» لا يغلق الرّهن عن صاحبه له غنمه وعليه غرمه «رواه الشّافعي والدارقطني وابن ماجه.
وبناء على ذلك فالرّهن ملك للرّاهن وهو بيد المرتهن أمانة لا يضمنه إلاّ إن ضيّع في حفظه.
5 - لا يجوز للمرتهن اشتراط بيع الرّهن قبل الأجل فإن فعل بطل كما في الديوان وكذا لا يجوز اشتراط الانتفاع به أو استغلاله مثل سكنى دوره، وركوب دوابه ونحو ذلك قال في النّيل وشرحه:
وجاز اشتراط ذلك لتقوّي الرّهن ولا أن يكون في دينه الرّهن إن زاد فله وإن نقص فعليه وهذا في غلّته.
ومن العلماء من لم يجوّز ذلك إذا كان استغلاله من غير أن ينقص من الدّين أمّا إذا كان ذلك ينقص من دينه وربّما كان وافيا بالدّين فلا يجوز له بيع الرّهن.
وكذا يجوز استغلاله بحسب ما صرف على الرّهن لقوله - عليه السلام -:» الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا ولبن (1/73)
صفحة 74
الذر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا وعلى الذي يركب ويشرب النّفقة «ذكره في فقه السنّة وقال رواه الجماعة إلاّ النّسائي ومسلم.
6 - نفقة ومؤونة الرّهن على الرّاهن لما تقدّم من الحديث.
7 - لا بأس أن يكون الرّهن بيد أمين متّفق عليه من الرّاهن والمرتهن.
أمّا مجرّد حفظه فإذا وصل الأجل سلّمه للمرتهن يبيعه إن لم يسدّد المدين أو للرّاهن إن سدّد.
وأمّا أن يسلّط عليه بأن يبيعه إن لم يسدّد المدين ما عليه عند الأجل فيتولّى حفظه وبيعه ودفع الدّين لصاحبه والزّائد للرّاهن.
8 - قيل لا يجوز رهن تسمية من مشترك إذ لا يصحّ فيها القبض مثل رهن نصف الدّار لهذا ونصفه الآخر فلمن يسلّمها، ولا بأس إن تراضيا على أحدهما، فيباع باتّفاقهما ويأخذ كلّ منابه منه.
وأجيز رهن تسمية لشريك بأن يأخذ من شريكه في أصل أو عرض مالا ويرهن له سهمه ويكون الكلّ بيده.
9 - ويمكن أن ينفسخ العقد باتّفاقهما معا لا بأحدهما ويتجدّد كذلك باتّفاقهما.
هذا هو الدّعاء الذي يقال عند عدم إمكانية سجود التّلاوة في الأوقات المنهي فيها الصّلاة:» سبحان الله ملئ الميزان، ومبلغ العلم ومنتهى الرّضا وزينة العرش وعدد كلمات الله التامة «.
الفصل الخامس
الأحوال الشخصية وأنواعها وأحكامها
مقدّمة
الأحوال الشّخصية لم تكن معروفة بهذا الاسم إذ هو اسم قانوني ظهر بعد أن فكّر العلماء في تقنين الفقه الإسلامي.
بعد أن ظهرت الضّرورة الملحّة لذلك عندما غزت القوانين الوضعية محاكم المسلمين إبّان الاستعمارات المختلفة للدّول الإسلامية، وبعد أن ظهر التّعارض بين أحكام القضاء في الدّول الإسلامية بناء على اختلاف المذاهب المعتمد عليها حسب كلّ من ولي الحكم في البلاد، وبعد أن ظهر الاختلاف في المذهب الواحد فكانت مجامع لدراسة الفقه الإسلامي خاصّة الأحوال الشّخصية التي تعتبر في أمسّ الحاجة للنّاس جميعا.
فتكوّنت من ذلك قوانين أسرة مستقاة من مختلف المذاهب الإسلامية عامّة وخاصّة وأطلق على ذلك اسم (1/74)
صفحة 75
الأحوال الشّخصية وتتناول حسبما ذكره الزحيلي وحسبما هو مترابط في فقه المذهب الإباضي كما يلي:
قال الزّحيلي الأحوال الشّخصية اصطلاح قانوني أجنبي يقابله الأحوال المدنية، وقسم الجنايات.
وأصبح لدى تدريسه في الجامعات عنوانا على أحكام الأسرة.
أ- أحكام الأهلية والوصايا (وسيأتي بيانها فيما بعد).
ب- أحكام الزّواج من الخطبة إلى انحلال الزّواج، وما يترتّب على ذلك من نفقات ورضاع وأنواع الفرقة.
ج- أحكام أموال الأسرة من ميراث ووصايا وأوقاف. اهـ باختصار ج7 ص6.
ويشتمل البحث في الأحوال الشّخصية على أربعة أبواب ومقدّمة.
المقدّمة (1)
عناية الإسلام بالمجتمع.
قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاسِ تَامُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ وَتُومِنُونَ بِاللهِ} [آل عمران: 110].
وقال: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمُ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوُنَ عَنِ المُنْكَرِ وَأُولاَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]
فالله يبيّن في هذه الآية رسالة الإسلام للنّاس جميعا بأنّ يحمل المسلمون هداية البشر، ولا يمكن هداية من ضال لذلك كانت عناية الله بالفرد المسلم في خمسة جوانب.
أ- إصلاح عقيدته بالتّوحيد باعتقاد وحدانية الله المبنية على توجيهه لإدراك عظمة الله ووحدانيته بالتأمّل في خلقه.
ب- تهذيب نفسه لتنقاد لعبادته بما فرض عليه من عبادات تجعله خاضعا لأحكام الله مشعرا بخلافته لله في الأرض.
جـ- تحميله لمسؤولية ما فيه ترابط المجتمع بما ألزمه من أداء حقوق الغير بدأ بالوالدين وانتهاء بابن السّبيل بما يجعل النّاس في ترابط اجتماعي من قرابة وجيران وأصحاب وإنسانية.
د- ترابط في معاملات ضرورية فأرشده إلى ما فيه تعايش النّاس في أمن وسلام لا غشّ ولا غرر ولا خديعة ولا استغلال.
زيادة على ذلك تحريم أكل أموال النّاس بالباطل.
هـ- تربيتهم على الأخلاق الفاضلة بما أوجب من العدل والإحسان وتحريم ما من شأنه إن ينبت
__________
(1) من المراجع في هذا البحث: الأحوال الشّخصية للشّيخ أبي زهرة. (1/75)
صفحة 76
الشّقاق والعداوة من غيبة ونميمة وكبر وحسد وتنابز بالألقاب.
وحضّ على التّعاون وإصلاح ذات البين وإصلاح المجتمع بما فرض من الأمر والنّهي حتّى يتكوّن من هؤلاء الأفراد مجتمعا صالحا في أمن وترابط وسلام مجتمعا نظيفا يكون مثالا يحتدى به.
ولمّا كان المجتمع البشري كسائر الحيوانات مؤلّفا من ذكر وأنثى وقد جعل الله للمجتمع الإنساني خصائص ميّزه بها عن سائر الحيوانات كان لزاما أن يكون له نظام خاص لربط ذكره بأنثاه لجلب ما في ذلك من نفع ودفع ما في ذلك من ضرر.
فخصّص لكلّ من الذّكر والأنثى منهجا في سلوكه لا يليق بالآخر وغالب ما في الكون من اضطراب وأحداث مؤلمة سببها انحراف الإنسان عمّا رسمه الله وإليك نبذة من الفوارق ذكرها عبد الرزّاق رمضون في كتابه خطر التبرّج والاختلاط قال:
الذّكر والأنثى
إنّ الله تعالى خالق كلّ شيء وإنّ من حكمة الله تعالى أن خلق من كلّ شيء زوجين فقال: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ} [الذاريات: 9]، وقال: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالاُنْثَى} [النّجم: 4، 5]
وقد جعل الله لكلّ جنس صفات يشترك بها مع الآخر وصفات أخرى يتميّز بها عن الآخر.
فجنس الذّكر من البشر مثلا موصوف بالخشونة والشدّة والبأس والقوّة والحزم والإقدام والتّأثير والتّوجيه والإخضاع والتّنفيذ.
أمّا الأنثى من البشر فموصوفة بالنّعومة واللّطافة والضّعف والجمال والأناقة والظّرافة وقوّة العاطفة ورقّة الفؤاد وشدّة التأثّر والانفعال، قال تعالى: {أَوَمَن يَنْشَأُ فِي الحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف: 13] اهـ باختصار كتاب خطر التبرّج والاختلاط 12 - 13.
الباب الأوّل
النّكاح وأحكامه وأركانه
مقدّمة
قال الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ اَنْفُسِكُمُ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُنَ} [الروم: 21] بعد أن هيّأ الله الفرد المسلم بتطهير باطنه من الشّرك وتنوير قلبه بالإيمان، وأصلح مظهره وجوارحه بما فرض عليه من أنواع العبادات فدرّبه في الصّلاة على المحافظة على النظافة، وطهارة البدن والثّياب كما تروّضه على تمام الانقياد لله.
وفي الصّوم تطويع النّفس على التحمّل والصّبر اللّذان هما أساس النّجاح ومراقبة سلوكها سرا وعلانية (1/76)
صفحة 77
لتمام التّقوى.
وفي الزّكاة تعويد الإنسان الكرم ونبذ الشحّ والأنانية وعلى التّعاطف مع المجتمع لتحقيق التّكافل.
وفي الحجّ توجيه المسلم إلى حبّ الاجتماع والتّرابط العام بين المسلمين واستشعار القوّة الإسلامية والمظهر الدّيني واستحضار سفر الأخوة.
وفي الجهاد بذل النّفس فيما هو أعزّ اعتبارا من قيمتها عنده وهو الدّين والوطن.
فيكون من هذه الأفراد مجتمع مترابط الأواصر صالحا في كلّه وأفراده نظيفا في أوساطه.
ولابدّ للمجتمع الإنساني من التّخالط، ولا يمكن أن يعيش كلّ فرد منعزلا عن غيره إذ الإنسان مدني بالطّبع.
والمجتمع الإنساني كسائر الحيوان مؤلّف من ذكر وأنثى كما تقدّم واختلاطهما ضروري لتكوين الذرّية والنّسل فإذا لم يكن اختلاطهما على الوجه الشّرعي تطرّق إليه الفساد.
فلذلك جعل الله لترابطهما أحكاما حتّى يكون اتّصالهما مبنيا على تحمّل المسؤولية لما ينتج من اختلاطهما واتّصالهما من ذرّية وأولاد ولا يمكن ذلك إلاّ إذا كانت الرّابطة صالحة فيها مقوّمات الدّوام والاستمرار.
لذلك شرع الله الزّواج ليبني به المجتمع المسلم بل البشري على أسس متينة وقواعد ثابتة وهي تكوين الأسرة إذ هي اللّبنة الأولى في المجتمع.
ويرتكز بناء الأسرة على اتّصال الرّجل بالمرأة وجعل لذلك الاتّصال قواعد يبنى عليها وأنظمة يسير بها وأحكاما تطبّق أثناءها ويعبّر عن كلّ ذلك بالنّكاح، وهو ما نشرع فيه بحول الله.
والبحث فيه على سبعة فصول:
1 - مقدّمات النّكاح، 2 - تكوين النّكاح، 3 - المحرّمات من النّساء، 4 - الأهلية والولاية في النّكاح، 5 - ما يترتّب على العقد بعد تمامه، 6 - حقوق الأزواج، 7 - الأنكحة الفاسدة.
الفصل الأوّل
مقدّمات الزّواج الخطبة وأحكامها
الخطبة في الزّواج إظهار الرّغبة في الزّواج بامرأة معيّنة وإعلام المرأة وليّها بذلك إمّا مباشرة أو بواسطة وفيها خمس مباحث.
المبحث الأوّل مشروعيتها:
الخطبة في النّكاح مشروعة بالكتاب والسنّة فالكتاب أشار إليها تعالى في قوله: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ اَوَكْنَنْتُمْ فِي اَنْفُسِكُمْ، عَلِمَ اللهُ أَنَّكُم سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لاَ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًا (1/77)
صفحة 78
إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفًا وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلهُ} [البقرة: 235].
ومن السنّة قوله - عليه السلام -:» لا يبيع أحدكم على بيع أخيه ولا يخطب على خطبته حتّى يترك أخاطب قبله أو يأذن «رواه أحمد ومسلم عن ابن عمر.
المبحث الثاني حكمة مشروعيتها:
قال الزّحيلي سبب اهتمام الشّرع بمقدّمات الزّواج هو الحرص على إقامة الزّواج على أمتن الأسس وشرعت الخطبة وهي طريق لتعرّف كلّ من الزّوجين على الآخر وهو سبيل إلى دراسة أخلاق كلّ منهما، ولكن بالقدر المسموح به شرعا فإذا وجد التّآلف والتّجاوب تمّ الزّواج الذي هو رابطة دائمة اهـ (وإنّما التعرّف بواسطة الأهل والأقارب أو بالنّظر المباح كما سيأتي، لا بالمخالطة التي قلّد فيها بعض المسلمين الأوروبيون فنجم عن ذلك كوارث وأمراض اجتماعية لا دواء لها (كالسيدا في عصرنا هذا).
المبحث الثالث المندوب فيها:
قبل الإقدام على الخطبة يستحسن أن يراعى في ذلك توجيهات النّبي - صلى الله عليه وسلم - في اختيار من تمضي معها الحياة في هناء واطمئنان، ومن تكون أم أولادك تربّيهم على الإسلام والأخلاق الفاضلة.
قال الزحيلي: حرص الإسلام على ديمومة الزّواج اعتمادا على حسن الاختيار الذي يحقّق الصّفاء والوئام والسّعادة وذلك بالدّين والخلق المتين.
لذا قال - صلى الله عليه وسلم -:» تنكح المرأة لأربع: لمالها، أو لحسبها، أو لجمالها، أو لدينها، فاظفر بذات الدّين تربت يداك «متّفق عليه.
وحذّر من اعتبار غير الدّين فقال:» لا تنكحوا النّساء لحسنهنّ فلعلّه يرديهنّ، ولا لمالهنّ فلعلّه يطغيهنّ، وانكحوهنّ لدينهنّ، ولأمة سوداء خرقاء ذات دين أفضل «أخرجه ابن ماجه والبزار. وقال:» إيّاكم وخضراء الدّمن «وسئل فقال:» المرأة الحسناء في منبت سوء «وقال:» تزوّجوا الودود الولود فإنّي مكاثر بكم الأمم «رواه أبو داود وغيره قال وحسن اختيار المرأة ذو هدفين:
إسعاد الرّجل وتنشئة الأولاد نشأة صالحة تتميّز بالاستقامة، قال في النّيل وشرحه: ندب لقادر أن يرغب في نكاح بكر وعفيفة وذات دين قال في الشّرح: وإنّما يرغب في نكاح البكر إن لم يكن شيخا أو آمن ضرّها، وعن عمر - رضي الله عنه -:» لينكحهنّ الرّجل لمته من النّساء والمرأة لمتها من الرّجال «أراد أن لا ينكح الشّيخ الشابّة ولا الشّاب العجوز وقال - صلى الله عليه وسلم -:» تزوّجوا الأبكار فإنهنّ أشدّ حبا وحياء «وفي رواية:» فإنهنّ أعذب أفواه وأنتق أرحاما «رواه ابن ماجه والطبري قال متورّعة عن الزّنا وذات دين، وساق الحديث (1/78)
صفحة 79
المتقدّم.
قال في الأصل وعن ذات جمال مفتن ومال وحسب مطغ وعن حسناء في منبت سوء اهـ وسيّئة خلق وقليلة دين وحياء قال في الشّرح ذلك لما روي من قوله - صلى الله عليه وسلم -:» اختاروا لنطفكم فإنّ النّساء يلدن أشباه إخوانهنّ وأخواتهنّ «رواه أبو نعيم اهـ ج6 ص19 - 20.
المبحث الرابع ما يترتّب على الخطبة:
قال الزحيلي: الخطبة مجرّد وعد بالزّواج فإنّ الزّواج لا يتمّ إلاّ بانعقاد العقد فيظلّ كلّ من الخاطبين أجنبيا عن الآخر ولا يحلّ له الاطّلاع إلاّ على المقدار الذي يباح شرعا من الوجه والكفّين اهـ ج7 ص10.
وزاد القطب رحمه الله أنّه يباح أن يرى رقبتها وشعرها في الذّهب الخالص قال في النّيل وشرحه تباح الهدايا بإباحة الخطبة وقبلها كالتعريض فمن خطب وأهدى وترك فليس له عليها ردّ ولزمها إن أبت، وكذا إن أهدت إليه وإن ظهر عيب ردّ المعيب ما أخذ اهـ.
ولا يحل لمن يخطبها وقد خطبت كما تقدّم في الحديث. وجاز التعريض بأن يقول: أنت صالحة للزواج أو هناك من يرغب لو أمكن الزواج.
المبحث الخامس من يمنع خطبتها:
يمنع من خطبة من لا يحل زواجه أو علم أنها مخطوبة لغيره أو كانت في عدة لصريح الآية المتقدمة.
الفصل الثاني
عقد النكاح وتكوينه
يشتمل البحث في تكوين عقد النكاح على خمسة مباحث:
المبحث الأول تعريفه وحكمه والحكمة من مشروعيته: ففيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول تعريفه:
النكاح في اللغة التداخل، يقال تناكحت الأشجار إذا تداخلت أغصانها ويطلق على الوطء والضم.
أمّا شرعا فهو عبارة عن عقد الزواج وهو ارتباط رجل بامرأة بعقد بينهما على الوجه الشرعي المبني على الرضا من الطرفين، وبإذن ولي المرأة ومحضر الشهود، والصداق المعلوم.
وعرّفه الحنفية بأنّه عقد يفيد إباحة الاستمتاع أو ملك المتعة، واختلف في معناه فقيل هو: حقيقة في الوطء مجاز في العقد وقيل الحكم وهو ما اعتمده المذاهب الأربعة والإباضية ذلك ما ذكره القطب في شرح النيل والزحيلي في تعريف النكاح اهـ. (1/79)
صفحة 80
وأطلق في القرآن على العقد والزواج: {فَانْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} أي تزوجوا {وَأَنْكِحُواْ الاَيَامَى مِنْكُمْ} أي زوّجوهم.
المطلب الثاني حكمه:
النكاح مشروع بالكتاب والسنة.
أمّا الكتاب فقوله تعالى: {وَأَنْكِحُواْ الايَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِيمَائِكُمْ} الخ [النور: 32]، وقال: {وَإِنْ خِفْتُمُ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} الخ [النساء: 3].
أمّا السنّة فقوله - صلى الله عليه وسلم -:» يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنّه أغضّ للبصر وأحصن للفرج «الخ متفق عليه عن البخاري ومسلم، وأجمع المسلمون على أنّ الزواج مشروع.
وقد اختلف العلماء في حكمه بناء على أنّ الأمر فيه من الله ومن رسوله هل هو للوجوب أو للندب واعتبره العلماء عندنا وعند غيرنا بحسب أحوال الناس فيكون واجبا إذا خاف العنت وهو الوقوع في الحرام إن لم يتزوّج وكان قادرا على النفقة وأداء الحقوق ذلك حسب قول النبي:» ومن لم يستطع فليصم «.
ومن يعلم من نفسه أنّه ولو لم يتزوج لا يقع في الزنا فهو في حقّه مندوب، ومن علم من نفسه أنّه عنين لا يستطيع أن يقوم بحقّ الزوجة في الفراش فهو في حقّه حرام إذ ربّما يعرّضها للزنا وكذا إذا تعدّدت أزواجه وهو يعلم أنّه لا يستطيع العدل ماديا أو معنويا، وكذا من عزم على تزوج أمة وهو يستطيع حرّة أو هو متزوج بحرة.
المطلب الثالث الحكمة من مشروعيته:
الحكمة من مشروعية النكاح إعفاف المرء نفسه من الوقوع في الحرام حسب ما يشير الحديث فإنّه أغضّ للبصر وأحصن للفرج.
وحفظ النوع الإنساني لتحقيق خلافة الله للإنسان في الأرض لعمارتها {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الاَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 20] وحفظ النوع الإنساني من الانقراض، بالإنجاب والولادة ولتكثير الأمّة المحمدية، ولإقامة الأسرة التي هي دعامة المجتمع ولنشر المحبة بين الأقارب والأصهار.
ولتخصيص مسؤولية الأولاد بآبائهم وأمهاتهم بما خلق من العطف والحنان في قلب الأبوين. يحملهما على العناية بالولد وكلّ ذلك هو ما تشير إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: {وَمِنَ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنَ اَنفُسِكُمُ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]. (1/80)
صفحة 81
فإذا تزوّج الإنسان سكنت نفسه وانصرف لعمله مطمئنا يتمنى الرجوع لبيته ليجد من يزيل عنه هموم العمل. ولا يمكن أن يكون ذلك في غير النكاح الشرعي.
المطلب الرابع أركان النكاح:
الركن هو الجانب القوي من الشيء أو ما لا يتحقّق الشيء إلاّ به، وأركان النكاح أو عقد الزواج أربعة ففي المطلب أربع محاور: بل خمس:
المحور الأول صيغة العقد:
من العلماء من اعتبر أركان النكاح هي: العقد والزوج والزوجة والولي والمعتبر عندنا ما تقدّم من أنّها أربعة، الرضا وإذن الولي والشهود والصداق إذ لا يعتبر العقد شرعيا إلاّ بها لذلك لابدّ من بيان صيغة عقد الزواج.
قال في النيل وشرحه: (جاز عقد النكاح بكلّ بقعة ووقت إن لم يشغل عن فرض خيف فوته وبوجوب إعلان. قال في الشرح لحديث:» فرق ما بين النكاح والسفاح الإعلان «رواه أبو داود. فلا يصحّ نكاح السر وقيل صحيح غير جائز إلى أن يقول: وصحّ بصيغة أخطبت وأملكت وأنكحت وزوجت وهما أفصح، وبكلّ لفظ ساغ بعرف ويجبر الزوج على قبول أو دفع إن أبى) وقال قبل: (وإن قال وليّها لرجل زوجتك فلانة أو وهبتها لك أو بعتها على وجه الزواج جاز وقد ورد:» ثلاثة جدّهن جدّ وهزلهن جدّ النكاح والطلاق والعتاق «) اهـ بتصرف بسيط 6ص 250 - 259).
قال الزحيلي: عقد الزواج عقد مدني وألفاظه منها ما هو متّفق على الانعقاد به ومنه ما هو مختلف فيه.
فالمتّفق فهو أنكحت وزوّجت لورودها في نصوص القرآن، قوله: {زَوَّجْنَاكَهَا} و {أَنكِحُوَاْ الاَيَامَى مِنكُمْ}.
أما المختلف فلفظ البيع والهبة أو الصدقة والعطية اهـ ج 7ص 33.
المحور الثاني الرضا:
من أركان العقد عندنا الرضى من المتعاقدين والبحث فيه على أربع مطالب:
المطلب الأول مشروعية الرضا:
لما كان عقد الزواج عقدا دائما يقتضي معاشرة كلّ من الزوجين للآخر والأصل فيه أن يكون على الدوام قرّر الإسلام أن لا يتمّ إلاّ برضا كلّ من الطرفين:
أمّا من ناحية الزوج فبطلبه من وليّ المرأة أن يزوّجه وليته فلو لم يرض لما طلب حيث أنّ الرضا يكون في القلب وإنّما يستدل عليه بتصرف يدلّ عليه. (1/81)
صفحة 82
أمّا المرأة فيختلف رضاها باختلاف حالها وهو مشروع من قوله - صلى الله عليه وسلم -:» البكر تستأمر في نفسها وإذنها صمتها، والثيِّب تعرب عن نفسها «رواه مسلم وقوله:» استأمروا النساء في أبضاعهن وألحقوهن بأهوائهن «رواه البيهقي والنسائي.
فالرضا مشروع لا يتمّ العقد إلاّ به. من العلماء من اعتبره ركنا ومنهم من اعتبره شرطا والمؤدى واحد.
المطلب الثاني كيف يتحقّق الرضا:
تختلف صفة الرضا باختلاف حال المرأة حسبما صرّح في الحديث، فيتحقّق رضا البكر بعدم إنكارها للنكاح بعد استئذانها، سواء صرّحت بالقبول أو سكتت أو هربت لقوله: وإذنها صمتها.
أمّا الثيِّب فلابدّ أن تصرّح بالرضا أو عدمه وذلك لما في الحديث» الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها والبكر تستأذن وإذنها صماتها «رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس، وما رواه أيضا عن عائشة قالت:» كانت خنساء بنت حزام الأنصارية زوّجها أبوها وهي كارهة، فأتت رسول الله فردّ نكاحها «.
قال في النيل وشرحه: إن تزوّجت امرأة بإذن وليها فأنكرت ثم وطئت غلبة ثم أجازت جاز عندنا وتحرم عند غيرنا، قال في الشرح: فأنكرت بعد العقد وقبل الوطء جاز عند جمهورنا، قال واعتبر غيرنا أن الخطأ في العقد يبطله وهو محرّما للمرأة، قال وهو الصحيح عندي ووجه قول الجمهور منّا فيما ظهر لي أنّ الزوج لم يجامعها على نية الزنا بل على رسم النكاح، وحرم على الزوج أن يقربها قبل أن تجيزه، فلا يصح العقد إلاّ برضا الطرفين فلو أرغم رجل وامرأة على زواج من غير رضا لا يصحّ.
المطلب الثالث تزويج الطفلة والأمة:
أمّا الطفلة و الأمة فيصحّ تزويجها من أبيها أو وليّها ولو من غير رضاها ولوليّها الحقّ في الردّ عند البلوغ أو العتق قال في فقه جابر قال أمّا لصغيرة غير بالغة فقد روي عن الإمام جابر أنّه لا يجيز تزويج الصبيان ويرى أن تزوّج النبي - صلى الله عليه وسلم - عائشة خاصّ به وأمّا ما عدا جابر وابن شبرمة فإنّهم اتّفقوا على أنّ للأب تزويج ابنته غير البالغة وليس عليه أن يستأذنها بل إنّ عبارتها ساقطة فرضاها وعدمه سواء.
وكذا الأمة فأمرها إلى سيّدها ولها أن تبطله إذا أعتقت.
المطلب الرابع أحكام الرضا:
للرضا أحكام عامّة أهمّها ما يلي:
1 - إن ادّعى الولي رضاها وأنكرت فله أن يحلفها على أنّها أقرّت بالرضا وكذا إن ادّعى إجازة عمله.
2 - إن أذنت لوليين أو أكثر فزوّجاها فبلغها زواج الأوّل فأجازته ثمّ بلغها أمر الآخر فرضيته فلها أن ترجع إليه. (1/82)
صفحة 83
3 - إذا تزوّجت بإكراه، فللحاكم أن يفرّق بينهما ولو بعد الدخول ولا يصحّ لا نسب و لا حقّ له عليها ولها صداقها وحرمت عليه.
4 - للحاكم أن يحجر على ولي الطفلة أن لا يزوّجها إلاّ بإذنه إن رأى إضرارها أو وضعها في غير كفؤ اهـ النيل وشرحه ج6، 121 - 129 باختصار.
5 - إن اختلفت هي ووليها نظر العدول أيهما أكفأ فإن استووا رجح مختارها.
6 - الرضا المعتبر هو ما بعد العقد أو عنده لا إذنها السابق فلابدّ من استشارتها قبل الدخول ولو أذنت أن يزوّجها بمن شاء.
المحور الثالث الشهادة في النكاح:
من أركان عقد النكاح الإشهاد عليه وقيل شرط والمؤدى واحد فلا يصح نكاح بلا شهود وفيه ثلاث مطالب:
المطلب الأوّل مشروعيته:
الإشهاد على النكاح مشروع بالكتاب والسنة، فالكتاب فيه حكم عام في قوله تعالى: {وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282] وقوله: {وَأَشْهِدُواْ ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ} [الطلاق: 03].
ومن السنة قوله - صلى الله عليه وسلم -:» لا نكاح إلاّ بولي وشاهدين «رواه الطبري وقوله» لا نكاح إلاّ بولي وشاهدي عدل «رواه البيهقي وما رواه أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس قال:» لا طلاق إلاّ بعد نكاح ولا عتق إلاّ بعد ملك ولا نكاح إلاّ بولي وصداق وبيّنة «ففي قوله نكاح أي لا نكاح صحيح، إلاّ ببيّنة وهم الشهود لإثباته.
فحيث أنّ النكاح تنبني عليه حقوق وواجبات على كلّ ولكلّ من الزوجين فلابدّ من إثباته لتبنى عليه تلك الحقوق إذ هي في المال والبدن والنسب.
المطلب الثاني عدد الشهود ونوعهم:
عدد الشهود حدّده الله في عدة مواضع لإثبات الحقوق والمسؤولية فقال في معرض إثبات الدّين {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] والآيات المتقدّمة كما ذكرها رسول الله في الحديث شاهدين.
فالشهادة في النكاح تتمّ بشاهدين عدلين رجلين أو رجل وامرأتين قال في النيل وشرحه يجب الإشهاد على النكاح وجاز أمين أو أمين وأمينتان أو ثلاثة من أهل الجملة أو واحد وأربعة نسوة منهم الخ وقال (1/83)
صفحة 84
بعد: ويتم النكاح بشهادة أهل الجملة عند الله لا في الحكم وفي الحكم حيث لا إنكار اهـ ج 6ص 33. لأنّ أهل الجملة يمكن تجريحهم إذا أثبت عليهم
أمّا نوع الشهود فهم الأمناء سواء كانوا ذكورا أو إناثا. وصحّت شهادة أبا الزوج على النكاح وأب الزوجة عليه إن وكّل غيره على التزويج وجازت شهادة متعدّد من الأولياء غير مزوجها منهم.
المطلب الثالث من تردّ شهادته في النكاح:
من تردّ شهادته في النكاح، أمّا عامّة ففي النكاح وغيره وأمّا في النكاح خاصّة.
أمّا العامّة فهي ما ذكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله:» لا تجوز شهادة خائن ولا زان ولا زانية ولا ذي غمرة على أخيه أي حقد ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت ولا ظنين في ولاء ولا قرابة «رواه أحمد وأبو داود، وفاء الضمانة.
فلا تصح شهادة الأقلف ولا المشرك ولا الفاسق لقوله تعالى: {ِمّمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}، ولا شهادة من أشار إليه الحديث وهو من ثبتت خيانته ومن شهد قبل بالزور ومجلود في رمي، لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً اَبَدًا}، قال في النيل وشرحه:» وتردّ من مملوك ومشرك وفاسق علّق عليه في الشرح قال في شأن العبد لنقصانه لكونه -وهو كلّ على مولاه- لا يقدر على شيء والمشرك والفاسق للآية المتقدمة «.
ومجنون وطفل ومن ذي ظنة وحنة الظنة التهمة في ميله والحنة العاطفة فلا تقبل شهادة أب الزوج على رضا البنت ولا أب الزوجة على الصداق، وعلى النكاح إذ هو جار لنفع ابنته ومثبت عمله. اهـ باختصار وتصرف. ج13 ص 122 - 128.
فلا يصح عقد شهادة من ذكر قال في النيل وشرحه، وتحرم ممسوسة إن علم بعد مسّ نكاحها بشهادة عبيد أو مشركين، ورخص تجديد لواطئها بلا عدّة وتأبد إن وطئها بعد علم بشهادة من ذكر أو بأطفال أو مجانين أو من تردّ شهادته إلاّ إن أسلم أو بلغ أو أفاق المشرك والطفل والمجنون قبل وطء فقيل جازت.
فلا يترتّب به شيء على عقد تمّ بلا شهود اهـ شرح النيل ج 6ص 90 - 93.
تذييل:
ممّا يلتصق بالإشهاد على النكاح وجوب الإعلان في النكاح إذ أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك قال في وفاء الضمانة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن طريق القاسم عن عائشة - رضي الله عنه - ا:» أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالغربال أي الدف «، رواه ابن ماجة وكذا روى بسنده إلى محمّد بن حاطب عنه - صلى الله عليه وسلم -:» فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح «وذلك استحباب نحو قصائد العلم بلا رقص ولا فحش وفي الأثر الدف ضربة أو ضربتين الخ، ج2 ص50. فنكاح السرّ ممنوع شرعا وهو الذي استكتم فيه الشهود (1/84)
صفحة 85
ذكر أبو اليقظان رحمه الله في سلّم الاستقامة أنّه منعه أهل الحلّ والعقد بوادي ميزاب في مجموع اتّفاقاتهم.
المحور الرابع إذن الولي:
مراعاة لمصلحة المرأة جمع الله في الإسلام بين حرية المرأة في قبول من ترضاه ورد من لا ترضاه وإذن الولي في تزويج وليته، حتىّ لا تقع المرأة في فخ غير كفئ لها فتجره لأنسابهم فيكون ذلك ربّما سبب عداوة بدلا ممّا هو مقصود من الزواج من توطيد المحبة والوئام.
فالبحث في إذن الولي على أربعة مطالب:
المطلب الأول مشروعيته:
إذن الولي ممّا لا يتمّ العقد إلاّ به وهو مشروع بالكتاب والسنّة فالكتاب قوله تعالى: {أَوْ يَعْفُوَ الذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة: 237].
ومن السنّة قوله - صلى الله عليه وسلم -:» لا نكاح إلاّ بولي وصداق وبيّنة «رواه أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس وقوله:» أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل، باطل، باطل «رواه البيهقي وقوله:» أيّما امرأة لم يُنكحها الولي فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن أصابها فلها مهرها فإن اشتجروا فالسلطان وليّ من لا وليّ له «رواه الترمذي وابن ماجة وأبو داود، وفاء الضمانة.
فنرى أنّه لا يصح العقد إلاّ بإذن الولي، وكلّ عقد بغيره فهو باطل إلاّ إن أجازه قبل الدخول كما يأتي.
المطلب الثاني من هو أولى من الأولياء:
قال في النيل وشرحه: أولى الأولياء بالنكاح الأب فالجد فالأخ فابنه فالعم فابنه.
قال في الشرح: الجد للأب الأقرب فالأقرب، فالأخ فابنه الأقرب فالأقرب، فالعم الشقيق فالأبوي فابنه كذلك الأقرب فالأقرب.
قال في الأصل والأكثر منّا على أنّ الأخ أولى وبالقتل من الولد، والدية له، قال في الشرح: المراد بالولد الابن، قال: ويؤخذ ولي فيها عند الحاكم على الترتيب اهـ ج6 ص 104 - 106.
المطلب الثالث أحكام إذن الولي:
لإذن الولي أحكام أهمّها ما يلي:
أ- يجب على الوليّ أن يزوّج وليته إذا طلبها كفؤ ورضيته لقوله تعالى: {وَأَنكِحُوا الاَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 26]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -:» إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه وإلاّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبيرين «رواه البيهقي وابن حبان. (1/85)
صفحة 86
وقال:» إذا خطب إليكم كفؤ فلا تردّوه فنعوذ بالله من بوار البنات «رواه أبو داود والنسائي، فيجب على الوليّ أن يراعي مصلحة المرأة لكن من غير أن يعضلها فينصرف عنها الخطاب فتبقى بائرة عرضة لمن يساومها في عرضها وربّما انزلقت.
ب- إذا امتنع الولي من غير عذر من تزويج وليته أجبر عليه، قال في النيل وشرحه: ويجبر الولي إن امتنع بلا عذر وقيل يضرب بلا عدد حتّى يزوّجها من كفئها إن حضر، وكذا السيّد إن طلبه مملوكه.
جـ- إن امتنع الولي رغم ما تقدّم أو كانت لا وليّ لها أو كان بحيث لا يصله الخبر، زوّجها الحاكم أو جماعة المسلمين بشرط أن تقيم لهم البيّنة على أن لا ولي لها غير الممتنع، وأن لا زوج لها وليست في عدّة ولا حامل.
د- يصح عقد ولي حاضر ولو كان أبعد من غائب، إلاّ إذا كان الولي أبا فلابدّ من حضوره أو توكيله إلاّ إذا كان بحيث لا يصله الخبر أو تعذّر حضوره.
هـ. لا يصح عقد متطفل إلاّ إن أجازه الولي قبل المسّ، وللوليّ أن يطالب من تعدّى في تزويج وليته عند حاكم فيؤد به، وكذا الزوج والشهود إن علموا أنّه ليس بولي، وإن لم يجز يفرق بينهما فهو باطل.
و- إن زوجها البعيد والقريب حاضر ودخل بها فلا يفرق بينهما بل يمضي ذلك وللوليّ القريب مطالبة البعيد كما تقدّم.
ز- إن تعدد الأولياء فمن زوجها منهم جاز إن استووا إلاّ إن كان عبدا.
حـ- ولي اليتيمة أولى من خليفتها ويستحسن أن يجتمعا عليه.
ط- لا يجوز الإشهاد على النكاح بدون محضر الوليّ إذ لا يصح العقد بدونه ولا بأس أن يحضر من شهد إذن الولي مع من شهد العقد.
ي- لا يجوز للولي أن يزوّج وليته من غير كفئ وممّن يعلم أنه يمكن أن يفتنها عن دينها وإن فعل فهو هالك، ولا من ظالم لا يؤخذ منه حقّها، ولا لقاتل ظلما وإن تزوّجت به فلا يجوز أن تخفيه ممّن طلبه لأخذ الحقّ منه، ولا لبدوي يبعدها عن آداب الإسلام. كلّ هذه الأحكام في النيل وشرحه ج6 ص100 - 120.
المطلب الرابع أحكامها إن تزوجت بلا ولي: (1)
أ- إن تزوّجت بلا ولي أو شهود فلا توارث بينهما إن مات أحدهما ولو في عدّة.
ب- لا صداق لها إن علمت بذلك وتحرم بتأبيد إن وطئت على ذلك، قال في شرح النيل ولو لم تعلم، وإن لم تعلم فلها صداقها.
__________
(1) - ثلاثة من الهلاك: من زوج وليته لمخالف فهو هالك، ومن نقل وطنه من الحضر إلى البادية، ومن نقل وطنه من بلاد الإسلام إلا بلاد الشرك .... ذكرت في شرح النيل عند اتخاذ الوطن. (1/86)
صفحة 87
جـ- في ثبوت النسب لشبهة العقد قولان، قال في شرح النيل: اختار أبو زكرياء عدم الثبوت وجزم في الديوان بثبوته إذا وقع المسّ على وجه النكاح لا الزنى.
د- يفرق بينهما ولو دخل بها وولدت إذا تبيّن أنّهما تزوّجا بلا ولي أو شهود، اهـ شرح النيل ج6 ص 94 - 95.
وذكر الولاية وإذن الولي في الزحيلي فقال: لا يصح نكاح الولية أي المرأة عند الحنابلة والمالكية والشافعية إلاّ بولي.
فلو زوجت نفسها أو امرأة غيرها كبنتها أو أختها أو وكلت امرأة غير وليّها في تزويجها ولو بإذن وليّها في الصور الثلاث لم يصح لأنها غير مأمونة على البضع لنقص عقلها وسرعة انخداعها قال وولاية الإجبار تثبت للأب عند تزويج الصغيرة ووصيّه وولاية الاختيار تثبت لسائر الأولياء عند تزويج امرأة حرة كبيرة بالغة ثيبا كانت أو بكرا وإذن البكر الصمت وإذن الثيب الكلام، وساق الحديث المتقدم فهذا كلّه موافق لما عندنا.
ويختلفون معنا في ترتيب الأولياء فهم يقدّمون الابن على الأب سوى الحنابلة فهم معنا في تقديم الأب والأخ على الابن.
قال اشتراط الولاية في عقد الزواج للفقهاء فيه رأيان رأي الحنفية يصحّح العقد بعبارتها ورأي الجمهور لا يصحّ العقد بدون ولي.
قال يزوج الرجل البالغ العاقل نفسه باتّفاق بالأصالة عن نفسه ويزوّج الوليّ الصغار والمجانين والمعتوهين.
واختلف الفقهاء في زواج المرأة البالغة العاقلة فقال الحنفية لها أن تزوّج نفسها، وقال الجمهور يزوّجها وليها لكن عند الحنابلة بإذنها سواء كانت بكرا أو ثيبا وعند المالكية والشافعية بغير إذنها إن كانت بكرا. اهـ ج 7 ص 190 - 193.
المحور الخامس الصداق:
الصداق ركن من أركان النكاح فلا يصحّ إن اتّفق على عدمه، والبحث فيه على أربعة مطالب:
المطلب الأول تعريفه وحكمه والحكمة من مشروعيته:
1 - تعريفه: المهر في اللغة والشرع بمعنى واحد، هو ما يدفعه الزوج للزوجة عند العقد أو بعده في مقابل ما تنازلت له من حقوق ولإباحة الاستمتاع، وعرف أيضا ما تستحقه المرأة على زوجها بالعقد وبالدخول بها حقيقة في مقابل البضع. (1/87)
صفحة 88
2 - مشروعيته: المهر أو الصداق مشروع بالكتاب والسنّة والإجماع، فمن الكتاب قوله تعالى: {وَآتُواْ النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً (1) فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 04]، وقوله {لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمُ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى المُوسِعِ قَدْرُهُ وَعَلَى الُمقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى المُحْسِنِينَ، وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُم} [البقرة: 236]، وقوله: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} [النساء: 24].
أما السنّة فقوله - صلى الله عليه وسلم -:» لا طلاق إلاّ بعد نكاح ولا عتق إلاّ بعد ملك ولا نكاح إلاّ بوليّ وصداق وبيّنة «رواه أبو عبيدة عن جابر عن ابن عباس. وقوله لمن أراد الزواج:» التمس ولو خاتما من حديد «متّفق عليه، وأجمع المسلمون على مشروعية الصداق.
قال في النيل وشرحه: فرض لمشقة الحمل والرضاع والتربية للنساء صداق، قال في الشرح لا للتلذّذ لأن للمرأة مثل الرجل قال - صلى الله عليه وسلم -:» فضل ما بين لذة الرجل والمرأة كأثر المخيط في الطين إلاّ أن الله يسترهن بالحياء «رواه الدارقطني والبيهقي وقال:» استحلوا فروج النساء بأطيب أموالكم «قال: والذي عندي أنّ الصداق للجماع بناء على الحديث وقال رواه يحي بن يعمر مرسلا ولو كانت للتربية والرضاع لوجبا عليها وهي غير واجبة إلاّ إن لم يقبل الولدُ غيرها. اهـ ج6 ص 141.
3 - حكم مشروعيته: شرع الصداق لتكريم المرأة وإظهار خطر هذا العقد ومكانته وإعزاز المرأة وتقديم الدليل على بناء حياة زوجية كريمة وتوفير حسن النية، وفيه توفير وتمكين المرأة من التهيؤ للزواج.
المطلب الثاني مقدار المهر والمندوب فيه:
لم يحدّد الشرع مقدارا للمهر وتركه للاتفاق الذي يقع بين الرجل والمرأة إمّا بنفسها وإمّا بواسطة وليّها، والمندوب فيه أن يكون يسيرا حسب قوله - صلى الله عليه وسلم -:» إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة «رواه أحمد وقال:» إنّ أعظم النساء بركة أيسرهن صداقا «رواه أبو داود وقد قال لمن استوهبه وطلب منه أن يزوّجه المرأة التي وهبت له نفسها:» التمس ولو خاتما من حديد «رواه أبو عبيدة عن جابر.
فنرى أنّ أكثر المهر لم يحدّد لقوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَاخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20]، أمّا أقلّه ففيه خلاف قيل نعتبر ما تزوّج به النبي وزوّج فقالوا أقلّه عشرة دراهم وقيل: ربع دينار قدر ما يقطع به يد سارق وهو قول مالك، والأوّل قول أبي حنيفة وقال الشافعية والحنابلة لا حدّ له وصحّح القطب رحمه الله ذلك.
__________
(1). النحلة: العطاء بدون مقابل. (1/88)
صفحة 89
وقد استنكر جل العلماء المغالاة في المهور واعتبروا عقد الزواج عقدا روحيا يربط بين رجل وامرأة قصد التعاون على مشاكل الحياة وليس بصفقة تجارية ينظر فيها لمكانة المرأة وما تسوى.
المطلب الثالث بعض أحكام المهر:
للمهر أحكام أهمّها ما يلي:
1. إنّ المهر حق للمرأة ولا يجوز للولي أن يتصرّف فيه بغير رضا المرأة إذ الله يقول: {وَآتُواْ النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} الخ تقدّمت، ويقول {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمُ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَافَا} الخ إلى قوله: {وَكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وَقَدْ اَفْضَى بَعْضُكُمُ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 31].
فيجب أن يصل يدها ولا يبرأ الزوج منه نهائيا حتّى يصل يدها وله أن يعطيه لوليّها إن أذنت إلاّ إن كان أبا فله أن يأخذه ما لم تمنع.
2 - الصداق ثلاثة أنواع: وكلها جائزة، فهو إمّا نقدا يدفع مع العقد، وإمّا عاجلا تأخذه متى طلبته، وإمّا آجلا فإلى أجله، وذلك حسب الاتّفاق.
3 - إن وقع عقد بلا صداق إمّا لغفلة أو أجّل الكلام فيه أو لنسيان، فلها صداقُ مثلها.
4 - تستحق المرأة نصف الصداق بالعقد، ونصفه عند الدخول، وذلك لقوله تعالى: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمُ إِلاَّ أَنْ يَّعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الذْي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحْ} [البقرة: 237]، والمعنى لها النصف إلاّ إن سمحت فيه أو ترك الزوج لها صداقها كاملا.
5 - من طلقت قبل المسّ وقبل تعيين الصداق فلها المتعة بتقدير العدول.
6 - إن اتّفق أن لا صداق فالعقد باطل لقوله - عليه السلام -:» لا نكاح إلاّ بولي وصداق وبيّنة «تقدّم ذكره.
7 - الصداق إمّا أصل أو عرض أو حيوان أو حلي أو عملة، فإن عيّن الصداق واتّجر به الزوج فلها ما فيه من فائدة ولا عناء بين الزوجين، وكذا ما في الحيوان من نتاج، وفي محال التجارة من فائدة كما تثبت عليها زكاتها من حين التعيين.
8 - يجب أن يكون الصداق معلوما معيّنا ممّا يمكن تملكه لا غرر فيه مقدور على تسليمه.
9 - إن أصدقها ظاهرا بعشرين دينارا مثلا وباطنا بأربعين، ثبتت العشرون في الحكم والأربعون بينه وبين الله.
10 - إذا اغتصبت ومسّت فلها العقر عشر ديتها على الغاصب وكذا إن طلّقها واستمر معها إن لم تعلم فقيل لكلّ مسّ من غاصب أو مطلق عقر وقيل واحد ما لم يدفع.
11 - لا شيء لمطاوعة بالغة بزنى.
12 - إن أصدقها حراما فقيمته من الحلال وقيل صداق مثلها، وكذا إن أصدقها معلوما ومجهولا فلها المعلوم وقيمة المجهول. (1/89)
صفحة 90
13 - إن أعطته مالا على أن يتزوجها فله أخذه بشرط أن يستمر، وإن طلّقها ردّه لها إن كان ناويا طلاقها من أوّل.
14 - إن تفاوضا في مقدار المهر مع الزوج هي أو وليها فقال بعشرة مثلا فقالت بل بعشرين ووطئها فلها العشرون.
15 - إن تزوج بلا فرض ومات ورثته ولا صداق لها ولا متعة، وكذا إن ماتت ورثها وسقطا عنه، وإن عين أخذته كاملا إذ يعتبر الموت بمنزلة الدخول.
16 - ويعتبر الدخول الذي يثبت به الصداق كاملا بخلوه بها بعد مجلس العقد قال في النيل وشرحه: تعتد مطلقة إن خلا بها بالغ عن مجلسه وشهوده مع لزوم الصداق والولد إن أتت به إلاّ إن طلّقت في المجلس، قال في الشرح: أو قعدا في موضع واحد ليلا وقت العقد ولا نارا وتركا في المجلس وحدهما وإن انتفيا من المسّ سقط نصف الصداق دون غيره، اهـ ج6 ص 437.
17 - يبطل الصداق فلا يدفع لها وتردّه إن أخذته إن فعلت ما تفوّت به نفسها عنه كزنى وارتداد وسحر قيل مطلقا، وقيل بسحرها إياه أو بزنا بأحد محارمه مما يحرمها عليه. وإن فعل بها ما يبطله قهرا كأن يزني بها أبوه أو ابنه قهرا فعلى المبطل إرجاعه وكلّ ذلك سواء علم أو لم يعلم.
الفصل الثالث
ما يترتب على العقد إذا تمّ
يترتب على العقد إذا تمّ عشرة أحكام حسبما ذكر الشيخ أبو اليقظان في سلّم الاستقامة وهي كما يلي:
أ- إباحة استمتاع كلّ من الزوجين بالآخر في حدود المباح، لقوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَاتُواْ حَرْثَكُمُ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] وقال: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لّهُنَّ} إلى قوله: {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ} [البقرة: 137].
فيباح لكلّ من الزوجين الاستمتاع بكلّ نوع من الاستمتاع إلاّ ما هو ممنوع شرعا إمّا مؤقتا كأن تكون في حيض أو نفاس فيحرم جماعها في الفرج لقوله تعالى: {فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222]
وإمّا تحريم مؤبّد وهو الجماع في الدبر لقوله - صلى الله عليه وسلم -:» لا ينظر الله إلى رجل أتى صبيا أو امرأة في الدبر «رواه الترمذي ثمّ الإشارة في قوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ}، يفيد أنّ الاتصال يجب أن يكون في موضع الحرث أي أين يكون الولد والدبر موضع فرث لا حرث كما في الحديث. (1/90)
صفحة 91
قال في النيل وشرحه: تحرم بتأبيد وتبين بلا طلاق إن مسّها بعمد في دبر أو فم. قال في الشرح ورخّص بعض أن لا تحرم كما في الديوان وكتاب الألواح، إلى أن قال: ورخّص أبو يحي الفرسطائي وألزم كلاّ منهما خمسة دنانير يصدقانها على أهل الولاية من أرحامهما. اهـ ج6 ص 456.
2 - يحرم عليه نكاح أمّهات الزوجة كأمّها وجدتها مهما علت من نسب أو رضاع لقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} كما يأتي.
3 - تحريم بنات الزوجة وحفيداتها مهما تسفلت إن وقع الدخول كما يأتي لقوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ الَّلاتِي فِي حُجُورِكُمْ} الخ.
4 - يمنع من الجمع بين امرأة وأحد محارمها كما يأتي ما دامت في عصمته.
5 - يمنع من نكاح خامسة عليها ما دامت في عصمته.
6 - يقع التوارث بينهما إن مات أحدهما ما دامت في عصمته لقوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمُ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمُ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِن بَعْدِ وَصِيَةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 12].
7 - يلحقها طلاقه وإيلاؤه ولعانه وظهاره ما دامت في العصمة لقوله تعالى: {لِلَّذِينَ يُولُونَ مِن نِّسَائِهِمْ} وقوله: {الذِينَ يَظَّهَّرُونَ مِنكُمْ مِن نِّسَائِهِمْ} {لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمُ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} ولا يعتبرن نساءهم لهم إلاّ بعد العقد. وقوله - صلى الله عليه وسلم -:» لا طلاق إلاّ بعد نكاح «الخ وقوله تعالى: {وَالذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاءُ اِلاَّ أَنفُسُهُمْ} الخ.
8 - تصير فراشا له يلحق بنسبه كلّ ما ولدت بعد ستة أشهر من يوم العقد أو الدخول على خلاف في ذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم -:» الولد للفراش وللعاهر الحجر «رواه أبو عبيدة عن جابر عن عائشة. وفاء الضمانة ج2 ص 115.
9 - يلزم الرجل جميع نفقة أزواجه، وحقوقها منذ جلبها أو طلبها وكذا جميع حقوقها كما ستأتي لقوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ وَللرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} الخ [البقرة: 233].
10 - يحرم عليها آباء الزوج وأبناؤه من نسب أو رضاع حسب ما سيأتي في ذكر من يحرم في آية النساء.
الفصل الرابع
ما يحرم تزوّجه من النساء
يحرم على الرجل أصناف من النساء ذكره الله في قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الاَخِ وَبَنَاتُ الاُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ (1/91)
صفحة 92
الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلآئِلُ أَبْنَائِكُمُ الذِينَ مِنَ اَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاُخْتَيْنِ إِلاََّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ الاّ مَا مَلَكَتَ ايْمَانُكُمْ كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأَحَلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمُ}.الخ [النساء: 24،23].
وهي نوعان: ما حرم لذاته وما حرم لعارض ففيها مبحثان:
المبحث الأول ما حرم لذاته وهو نوعان
ما حرم أبدا وما حرم مؤقتا ففيه مطلبان:
المطلب الأوّل: ما حرم أبدا:
له عدة جوانب منها:
أ- جانب النسب والرضاع وهنّ الأمّهات والجدّات مهما علت والبنات وبنات الابن وبنات البنت والأخوات من أيّ جهة كانت وبناتهن، وبنات الإخوة كذلك، والخالات والعمّات سواء كنّ من نسب أو رضاع لصريح الآية ولقوله - صلى الله عليه وسلم -:» الرضاعة تحرم كالولادة «وقوله:» يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب «رواه البخاري ومسلم وابن ماجة.
ب- جانب المصاهرة فيحرم به أمّهات الزوجة وجدّاتهما من نسب أو رضاع كما تحرم بناتها بعد الدخول لصريح الآية وكذا بنات بنتها.
ويحرم عليها آباء الزوج وأبناؤه وما علا منهم وما سفل من نسب أو رضاع.
جـ- جانب الديانة فيحرم على الرجل المشركة، وثنية أو مجوسية مطلقا، وكتابية غير معاهدة لقوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُومِنَّ وَلأَمَةٌ مُّومِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ} إلى قوله: {أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} [البقرة: 221] فهو ينهى ويبين العلّة من التحريم.
وقيل أنّ الكتابية يجوز زواجها مطلقا لإطلاق الآية حيث يقول: {اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الذِينَ أُوتُواْ الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ، وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ المُومِنَاتِ وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ الذِينَ أُوتُواْ الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} [المائدة: 05] الخ لكن في زواجهن خطر تسلّط المرأة بجمالها على زوجها وبالتالي على أولادها فتربيهم حسب أخلاقها ودينها، فلنحذر.
ويحرم تسرّي أمّة مشركة ولو كتابية.
المطلب الثاني ما حرم مؤقتا:
تشتمل الآية على ما حرم مؤقتا لسبب فيزول التحريم بزوال السبب وذلك لجانبين: (1/92)
صفحة 93
أ- لا يحلّ الجمع بين امرأة وذات محرم منها بحيث لو كانت إحداهما رجلا منع التزاوج بينهما، الآية صرحت بالأختين وفي الحديث فيما رواه ابن ماجة عن أبي هريرة:» لا تنكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها «وفاء الضمانة ج2 ص 129 علّق عليه القطب رحمه الله قال: وحاصله الإشارة إلى أنّه لا يجمع بين المرأة ومحرمتها، اهـ. وذلك عن طريق القياس أي قاسوا ما لم يذكر على ما ذكر إذ العلّة موجودة وذلك أنّ الغالب في الضرات التعادي، والجمع بين المحارم يفضي إلى ذلك بدلا ممّا يجب من التواصل بين ذوي الأرحام.
ب- جانب الزيادة على الأربع فيحرم تزوّج الخامسة على من بعصمته أربع، فإذا طلّق الرابعة أو طلّق المحرمة لا يحلّ أن يتزوج خامسة أو محرمة حتّى تتمّ عدّتها، وفي الموت خلاف والصحيح له أن يتزوّجها بعد الموت مباشرة ويعتبر ذلك في التسري أي عدم الجمع.
المبحث الثاني ما حرم لعارض:
ما حرم لعارض منه ما شملته الآية وهو جانبان والثالث ما ذكر في غيرها ففيه ثلاث مطالب:
المطلب الأول جانب الحرمة:
مراعاة لحرمة الأبوة حرم على الرجل أن يتزوّج ما تزوّج أبوه أو جده مهما علا واعتبر ذلك مقتا، وهو أحد الأنكحة الفاسدة فقال تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ الاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلاً} [النساء: 22].
المطلب الثاني جانب الابتعاد عن الخبائث:
قال الله تعالى: {الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ اَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الُمومِنِينَ} [النور: 03].
فهنا ذكر تحريم الزواج بالزانية مطلقا إذ ليس ذلك مما يليق بالمسلم إذ لا يؤمن جانبها ولو تابت، وفي الحديث ذكر تحريم المزنية على من زنى بها فقال في فقه جابر أنّ سبب نزول الآية السابقة أنّ رجلا يقال له مرتدا أراد زواج امرأة بغيا يقال لها عناقا فنزلت فقال له رسول الله:» لا تنكحها «وقال:» أيّما رجل زنى بامرأة ثمّ تزوّجها فهما زانيان أبدا «وقال:» لا نكاح بعد سفاح «، وفاء الضمانة ص 128. وقال: قال جابر بن زيد: من زنى بامرأة فلا يتزوّجها وليجعل بينهما البحر الأخضر، ذكره في فقه جابر أيضا فنرى أنّ الإسلام يرغّب المسلم أن يبتعد عن مواطن الفساد ومظان الانحراف ليهيأ لذريته منبتا طيبا تطيب به أرومته.
المطلب الثالث اختيار لحرة على الأمة: (1/93)
صفحة 94
ذلك من قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً انْ يَّنكِحَ المُحْصَنَاتِ المُومِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتَ ايْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ المُومِنَاتِ} الخ فلا تحلّ الأمة لمن تزوّج حرة أو يستطيع تزوّج حرّة وذلك لأنّه يعرض ذريته للعبودية حيث أنّ أولاد الأمة يكونون عبيدا لسيّد الأمة.
وكلّ ما تقدم مبسوط في النيل وشرحه ص 36/ 51.
المبحث الثالث بعض أحكام من تزوّج من يحرم عليه:
يترتب على زواج من يحرم زواجه أحكام أهمّها ما يلي:
أ- قال في النيل وشرحه: ويقتل حدا في ظهور متعمد نكاح محرمة منه أو تسريها وإن برضاع وينكل في كتمان حتّى يعتزل إن مسّ وإن بدونهما ولا يعذر بجهل التحريم إن علمها محرمته، ولا يثبت نسبه مطلقا ويكفر بعقد وقيل بمسّ وكفر الشهود والولي إن علموا.
ب- يجبر بحبس عاقدا على خمس بعقدة على عزلهن، وتؤبد تحريمهن إن مسّهن وثبت النسب ويجدّد لمن شاء ممن لم يمسّ ولهن الصداق إن لم يعلمن.
جـ- يجبر متزوّج أمتين أو أمة وحرّة بعقد على طلاقهما بضرب وحرمت ممسوسة منهما أبدا، وفي الشرح جواز ذلك في قول.
د- إن وقع وطء في طفولة بين طفل وطفلة جاز تناكحهما بعد بلوغ ولكلّ ما ولد الآخر لا إن بين بالغين وإن مجنونين أو بين متخالف بهما أي بين عاقل ومجنون، وكذا إن وقع لواط بين رجلين فلا يحل نسل أحدهما للآخر. وقيل حلّ.
هـ- حرم على الرجل نكاح ما ولدت مزنيته وما فوقها وحرم عليها ما ولد وما فوقه من آباء وأجداد.
و- يلزم العقر أو الصداق لمن أكرهت على زواج منفسخ أو بغير رضا اهـ النيل وشرحه ج6 ص 38 - 50.
استدراك:
بقي في من يحرم لعارض المرأة المتزوّجة فلا يحل نكاحها حيث أنّ فيها حقّ الغير وقد شملها الآية: {وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ الاَّ مَا مَلَكَتْ اَيْمَانُكُمْ} أي المسبيات فيجوز تسرّيهن وزواجهن بعد الاستبراء ولو أنّ لهنّ أزواجا سبين عنه من المشركين.
وحكمة تحريم المتزوّجة لسببين: أوّلا لأنّ حقّ الزوج متعلّق بها، ثانيا حتّى لا تختلط الأنساب لقوله - صلى الله عليه وسلم -:» من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين حرث غيره «رواه الجماعة إلاّ أبا داود، أي نكاح الحوامل.
وكلّ ما ذكر من المحرمات وأنواعها ذكرها الزحيلي وليس فيه خلاف إلاّ في المزني بها فقال يحلّ باتّفاق الزاني أن يتزوّج بالزانية التي زنى بها فإن جاءت بولد بعد ستة أشهر من يوم العقد ثبت نسبه منها. (1/94)
صفحة 95
أمّا نكاح المزنية لغير الزاني بها فالحسن البصري يحرّمها، أمّا الجمهور فيبيحونها على شروط مختلفة بين المذاهب اهـ ج7 ص 68.
الفصل الخامس
حقوق الأزواج وأحكامها
تقدّم أنّه إذا تم العقد على الوجه الشرعي فعلى كلّ من الزوجين للآخر حقوق، والكلام فيها على أربع مباحث.
المبحث الأوّل مشروعية الحقوق وإثباتها:
شرع حقوق الأزواج بالكتاب والسنة: أمّا الكتاب فقوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 223].
وقوله: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنَ اَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ} الخ [النساء: 34].وقوله: {وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِِ} [النساء: 36]. فقيل الصاحب بالجنب هي الزوجة.
ومن السنة قوله - صلى الله عليه وسلم - لما سأله رجل: ما حقّ زوجة أحدنا عليه؟، قال - صلى الله عليه وسلم -:» تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلاّ في البيت «رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة.
وقوله:» إنّ لنسائكم عليكم حقّا وإن لكم من نسائكم حقّا فأمّا حقّكم على نسائكم فلا يؤطن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، إلاّ وحقّهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن «رواه ابن ماجة والترمذي وقال أيضا:» خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي «و» أكمل المسلمين إيمانا أحسنكم خلقا وخياركم خياركم لنسائكم «رواه الترمذي وصحّحه عن عائشة - رضي الله عنه - ا. وقال الله أيضا: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} الخ وقال - صلى الله عليه وسلم -: في المعنى:» أولا أدلّكم عن خير ما يكنز الرجل، المرأة الصالحة إذا نظر إليها أسرّته، وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته في ماله ونفسها «. (1/95)
صفحة 96
فنرى أنّ لكلّ من الزوجين على الآخر حقوقا، ذلك ما تقتضيه العشرة الطويلة فلا يهنأ بال أحدهما ولا تطمئن نفسه للآخر حتّى يؤدي كلّ منهما حقّ الآخر فيشيع في البيت جو من السعادة والهناء به ينصرف كلّ منهما إلى عمله في سكون واطمئنان.
المبحث الثاني حقوق الزوج على الزوجة:
بناء على ما تقدم من الأدلة يتبيّن أن حقوق الزوج نوعان عملية وتركية فيه مطلبان:
المطلب الأول الحقوق العملية:
الحقوق العملية مأخوذة من النيل وشرحه بتصرف بسيط في فرزها وهي أن تعاشره بمعروف بأن لا يرى منها إلاّ ما يسره من نظافة بدن وثياب ولباقة، بحيث لا تقع عينه على ما ينفره منها، ولتحاول أن تزيل عنه هموم الحياة.
وأن تحفظه في شرفه بصيانة نفسها عن التبرج والتبذل وأن تقوم بشؤون بيتها من نظافة وترتيب، وإعداد طعام وفراش كما توفّر له أسباب الراحة مما يزيل عنه متاعب العمل.
ويحسن بها أن تقوم بتربية أولاده وإصلاح شأنهم من نظافة أبدانهم وثيابهم ومراعاة سلوكهم حسب إمكانها خاصّة الإناث، كما تمرضه إذا مرض بتهيئة الدواء وتغيير الثياب والفراش ونحو ذلك وإذا نزل به ضيف قامت بأمره بما يشرّف سمعته.
كما يجب أن تستجيب له في تمكين نفسها إذا أرادها مهما كانت الظروف إلاّ في حيض أو نفاس أو صوم فرض أو نافلة أذن به.
المطلب الثاني التركية:
أمّا التركية فهي ألاّ تخالفه في رغبة مما يتّصل بها، ولا تعصيه في مباح، ولا تصوم نافلة إلاّ بإذنه، ولا تفي سرّه، ولا تعبس في وجهه، ولا تخرج من البيت إلاّ بإذنه، ولا تعمل عملا يتغيّر منه، ولا تدخل منزلا رابه أ ومنعها منه، ولا تأتي ملها ولا ملعبا وإن بإذنه أو طلبه، ولا تضايقه في مصروف ولا تسأله الطلاق.
المبحث الثالث حقوق الزوجة على الزوج:
كما أنّ للزوج على زوجته حقوقا فللزوجة مثل تلك الحقوق وهي كذلك نوعان:
عملية وتركية ففيها مطلبان:
المطلب الأول الحقوق العملية: (1/96)
صفحة 97
ويتصدّر ذلك نفقتها وكسوتها وسكناها منذ جلبها أو طلبها، وسيأتي تفصيلها في النفقات إن شاء الله، كما يجب عليه أن يحميها من كلّ مكروه بما يحمي ويمنع نفسه لقوله - صلى الله عليه وسلم - في خطبة حجة الوداع:» استوصوا بالنساء خيرا فإنّكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله «، تاريخ الطبري.
ويجب عليه ما يصلح من شأنها كامرأة من دهن لشعرها وما به تتم نظافتها وغسل ثيابها وما به تحصل طهارتها.
وكلّ ذلك حسب معروف البلد وحال الزمان والمكان ويراعى في ذلك جانبه المادي.
وعليه تعليمها أمر دينها ودنياها، وواجباتها المنزلية حتّى تؤدّي ذلك على أكمل وجه وأحسن حال.
وليعاشرها بانبساط ومعروف وحسن معاملة.
ويراعي في سكناها مكانا هادئا بعيدا عن الضوضاء ممّا يوفّر الهناء والاطمئنان نفسيا وخلقيا.
ويؤدّي حقّها في الفراش حسب استطاعته بمعروف.
المطلب الثاني التركية:
أمّا التركية فهي كما يلي:
أ- أن لا يضيعها في نفقة ولا لباس ولا سكنى أو يقصر في ذلك مما ربّما يؤدّي بها إلى الطمع أو هتك العرض.
ب- أن لا يهينها بكلام بما ينقص من شرفها أو شرف ذويها بلا موجب، ولا يهاجرها في فراش إلاّ إن نشزت.
د- أن لا يمنعها عن الذهاب للسؤال عن دينها إلاّ إن قام هو بذلك أو استراب المسؤول.
هـ- أن لا يجامعها إن كانت حاملا بما يضرّ حملها، وإن كانت صغيرة بما لا تطيق أو في حيض أو نفاس أو اعتكاف أو صوم أذن به.
ولا يمنعها من زيارة أقاربها في مناسبات معقولة إلاّ ممّن خاف منه عليها.
المبحث الرابع ما يجب على من لم يؤدّ حقّ الآخر:
قد ينجم قرن الشقاق بين الزوجين فلا يجد أحدهما أداء حقّ الآخر إلاّ كراهة لدافع دين وقد جعل الله الحلّ لذلك في قوله تعالى: {وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنَ اَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً اِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا، وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنَ اَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنَ اَهْلِهَآ إِن يُّرِيدَا إِصْلاَحًا يُّوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء: 34، 35]، فإذا نجم قرن نشوز المرأة فللرجل ثلاثة حلول مرتبة: (1/97)
صفحة 98
أ- تذكير المرأة ووعظها بأن يبيّن لها أثر نشوزها في حلّ الرابطة الزوجية وما يترتب عليها من مشاكل وما عليها من ذنب فإن لانت ورجعت اكتفى بذلك ولا يزيد.
ب- هجرها في المضجع وذلك كناية عن الإعراض عنها ومكالمتها حتّى تلين وتنقاد لأمره وإن لم ينفع ذلك فالدواء الأصعب والأمر.
جـ- الضرب بعصى أو نحوها ضربا غير مبرح ولا مضر وكلّ ذلك داخل البيت في تستر لحفظ كرامتهما.
وإن لم تجد هذه الوسائل فربّما هناك حقّ للزوجة لم تستطع إبرازه تحت ضغط الزوج، فيؤلف مجلس عائلي من أقارب الزوج وأقارب الزوجة لبسط أسباب الخصام ليظهر الظالم أو لنتوصل إلى صلح يزيل النزاع وترجع المياه لمجاريها.
وإن كان الظلم أو التقصير من جانب الزوج فللزوجة أن ترفع أمرها للحاكم لينصفها ويستخلص منه ما أضاع من حقوقها.
والحكمان وكيلان على الزوجين، لكن لا حقّ لأحدهما في طلاق أو فراق إلاّ بإذن ويصحّ تفويضهما من الطرفين.
الفصل السادس
الأنكحة الفاسدة
النكاح الفاسد كلّ ما لم تتوفّر فيه الأركان أو الشروط المتقدّمة نذكر بعضها على سبيل التمثيل وهي سبع:
1 - نكاح الشغار:
نكاح الشغار محرّم لقوله - صلى الله عليه وسلم -:» لا شغار في الإسلام «رواه النسائي ومسلم وابن ماجة قال في النيل وشرحه:» وحَرُمَ نكاح الشغار، وهو أن يزوّج رجل وليّته لآخر على أن يزوّجه وليّته بدون صداق ويجعلان صداق هذه صداق الأخرى، وإن فعلا وجب لكلّ صداق مثلها وقيل حرمتا إن مسّ «قال في الشرح:» الشغار رفع الكلب رجله للبول وسمّي به للتنفير وقيل من شغر المكان بمعنى فرغ «قال:» والنهي عنه وتحريمه «رواه أبو عبيدة عن جابر عن أبي سعيد الخذري اهـ ج6 ص 322.
2. نكاح المتعة:
وهو أن يتزوّج الرجل المرأة بصداق إلى أجل.
قال في النيل وشرحه:» نسخ نكاح المتعة عند الأكثر بآية الإرث أو النهي «قال في الشرح:» بآية الإرث أو الطلاق بعد أن كان مباحا بقوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء: 24]، (1/98)
صفحة 99
وسمّي نكاح المتعة لأنّ القصد منه التمتّع إلى مدة (أو بالنهي) قال أبو عبيدة عن جابر عمّن روي له عن علي:» نهى رسول الله عن مِتعة النساء يوم خيبر وعن الحمر الأهلية «رواه البخاري وأحمد، فنكاح المتعة محرّم على الصحيح «اهـ ج6 ص 218. قال في نفس المكان فإذا تمّ خرجت بلا طلاق إن شاء زاد في الأجل بولي وشهود، ولا توارث بينهما إن مات أحدهما.
3 - نكاح البدل:
وهو أن يتبادل الزوجان زوجتيهما بلا طلاق ولا عدّة ففيه الإخلال بشروط العقد من وليّ وشهود وصداق وفيه اختلاط النسب.
4 - نكاح الاشتراك:
وهو أن يعمد رهط من الرجال لتزوج امرأة واحدة ويفوضونها أن تلحق الولد بمن شاءت منهم وكان شائعا في الجاهلية.
5 - نكاح الاستبضاع:
وهو أن يعمد رجل إلى رجل من الوجهاء يختاره من ذوي الخصال الممتازة مثل الشجاعة والكرم والحلم والإقدام فيأمر زوجته أن تمكّن نفسها منه، ليكون له ولد مثله فإذا حملت أصابها ليعتبرا الولد له. فمن فعل ذلك فهو ديوث وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» ليس في الجنة ديوث ولا مانع شفعة «.
6 - نكاح المقت:
وهو أن يتزوّج الرجل زوجة أبيه أو جده غير أمّه أو جدته وقد تقدّم أن سماه الله مقتا.
7 - اتخاذ الأخذان:
بإن يختص بامرأة يزني بها وقد حرّم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن فقال: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام: 151]
فهذه الأنكحة كلّها على غير ما شرعه الإسلام، ولا يترتب عليها إلاّ الخزي والعار.
الفصل السابع
تعدّد الزوجات وأحكامها
ممّا يعرض في النكاح مسألة تعدّد الزوجات ويشتمل الكلام فيه على مقدّمة وأربعة مباحث:
1 - المقدمة:
ذكر الشيخ أبو اليقظان في سلّم الاستقامة تعدّد الزوجات، فقال:» مسألة تعدّد الزوجات من المشاكل العالمية وقد وجد فيه أعداء الإسلام منفذا للطعن فيه، لما يترتّب عليه حسب زعمهم من ظلم للمرأة، وما فيه من العداوة الطبيعية بين الضرات، وما ينجرّ منه من التناحر بسبب الأولاد «. (1/99)
صفحة 100
لكن إذا قارنا ذلك بما في تعدّد الزوجات من فوائد خاصّة وعامّة وجدناه ضرورة لابدّ منها لحلّ مشاكل يتعرّض لها الشخص تارة والمجتمع أخرى وما يسدّه من حاجيات كما يأتي.
ولمّا كان الإسلام دين الفطرة والاجتماع أباحه لكن تحت قيود ثقيلة قلّلت من وقوعه إلاّ للضرورة فلم يبحه إباحة مطلقة كما لم يحرمه بتاتا بل ترك الباب فيه مفتوحا بقدر الحاجة فحدّده بأربع ثمّ إنّه شرعه لمن له القدرة على العدل والنفقة.
المبحث الأوّل حكمه ومشروعيته والحكمة من مشروعيته:
ففيه ثلاث مطالب:
المطلب الأول حكمه:
حكم تعدّد الزوجات مباح لمن يستطيع العدل والقيام بأزواجه المتعدّدة حسب مدلول الآية.
المطلب الثاني مشروعيته:
شرع تعدّد الزوجات بالكتاب والسنّة، فالكتاب قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمُ ألاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ ألاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً اَوْ مَا مَلَكَتَ اَيْمَانُكُمْ} [النساء: 03].
ومن السنّة أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - تعدّدت أزواجه وإن اختصّ بأزيد من أربع، وما روي عن ابن عمر قال:» أسلم غيلان الثقفي وتحته عشر نسوة فأسلمن معه، فأمره النبي أن يختار منهنّ أربعا «رواه أحمد وابن ماجة وقوله - صلى الله عليه وسلم - عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:» من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما بعث يوم القيامة وشقه مائل «رواه الترمذي وابن ماجة. فتعدّد الزوجات مشروع ومباح لا حرج فيه.
المطلب الثالث الحكمة من مشروعيته:
من حكمة الإسلام أن شرع التعدّد فكان حلاّ لكثير من المشاكل وتتجلّى حكمته في أربع جوانب:
1 - الحاجة الطبيعية للتعدّد، فيوجد من الرجال من تتوفّر فيهم القوّة الجنسية بحيث لا تكفيهم امرأة واحدة فلو لم يكن التعدّد مباحا لأفضى بهم الحال إلى الحرام إلاّ من عصمه الله.
2 - الحاجة الشخصية فقد يكون الزوج في ظروف لا يمكنه معها أن يكتفي بامرأة واحدة ويظهر ذلك في ثلاث أحوال:
أ- إذا كان عمله يقتضي أن تطول غربته ولم يمكنه أن يصطحب معه زوجته فلابدّ من زوجة ثانية تقوم به في غربته. (1/100)
صفحة 101
ب- عندما يطول مرض الزوجة ولم يستطع تحمّل العزوبة ولا مفارقة زوجته إذ هي عزيزة عليه أو هي أمّ أولاده فالحلّ إضافة ثانية.
جـ- في حال عقم الزوجة وهو راغب في الإنجاب فلابد من زوجة ثانية تفي برغباته.
3 - الحاجة الاجتماعية، وذلك في حالتين:
أ- فيما إذا فقدت الأمّة شبابها بجوائح طبيعية أو بحروب قضت عليهم أو على معظمهم فلكي تسترجع الأمّة شبابها وقوّتها فلابدّ من التعدّد.
ب- فيما إذا فقدت الأمّة رجالها كما تقدّم فتبقى نساؤهم وأولادهم بلا عائل فالحلّ هو أنّ من أطاق التعدّد لوفرة صحّته وماله أن يتزوّج من تلك الأرامل لإعالتهنّ وأولادهن ولاسترجاع ما ضاع.
المبحث الثاني شروط التعدّد:
يشترط لمن أراد أن تتعدّد أزواجه شرطان أساسيان:
1 - توفّر القوّة الجنسية لأداء حقّهن في الفراش مع وجوب العدل في ذلك.
2 - توفّر أسباب المعيشة لأزواجه في النفقة والسكنى واللباس.
المبحث الثالث كيفية العدل:
علّق الله إباحة التعدد في الأزواج بإمكان العدل فقال: {فَإِنْ خِفْتُمُ ألاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَة} كما اشترط لذلك مقياسا حيث يقول: {وَإِنْ خِفْتُمُ ألاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ} الخ تقدّمت، يعني أنّ من يتحرّج من عدم العدل في اليتامى فله ذلك، والعدل الواجب فيما يمكن ويستطاع وله جانبان:
1 - العدل في الفراش فلا يغتسل من واحدة مرّة ثانية حتّى يغتسل من الأخرى، ولكلّ واحدة من النساء المتعدّدات ليلة من أربع، وإن جلب بكرا على ثيّب أعطاها سبعا ثمّ يعدل، وإن كانت ثيبا أعطاها ثلاثا ثمّ يعدل وذلك لما رواه ابن ماجة عن أبي قلابة عن أنس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:» إن للثيّب ثلاثا وللبِكر سبعا «وفاء الضمانة.
2 - العدل في النفقة واللباس والسكنى وإنّما يراعي في ذلك حال المرأة من طول وقصر وصحة ومرض فيعطي لكلّ من الأكل واللباس ما يليق بها، أمّا السكنى فله أن يسكنهنّ في محل واحد مع تخصيص فراش إن أمكن فلا يخصّص إحداهن بشيء من ذلك دون أخرى.
ولا يخزن مؤنته أو أشياءه في واحدة دون أخرى إلاّ أن يأتمنها، وكذا لا يخصّص إحداهن بنزول أضيافه إلاّ إن كانت تحسن القيام بهم دون غيرها.
وللمسلمة يومان وللكتابية يوم.
المبحث الرابع من لا يجب فيهن العدل: (1/101)
صفحة 102
قد لا يجب العدل بين الأزواج وذلك لعوارض أهمّها ما يلي:
لا يجب العدل عليه بين صحيحة ومريضة بأن تطالبه بما فاتها في شيء ممّا سيذكر.
ولا بين طاهر وحائض ونفساء، ولا بين حاضرة وذاهبة للحجّ مثلا ولو بإذنه ولا بين مقيمة معه وذاهبة لزيارة أحد أقاربها ولا بين بعيدة المنزل وقريبته.
وإن مرض في نوبة إحداهن بدأ بها بعد شفائه.
وإن سافر طويلا ونسي لمن الدور بدأ بأكبرهن سنا. اهـ شرح النيل ج6 ص 495، 503.
الباب الثاني
انحلال عقد النكاح وآثاره:
انحلال الرابطة الزوجية بعد انعقادها أمر طبيعي يحدث لجميع الأمّة فلابد من مراعاة ما يترتب عليه وهو نوعان:
أ- انفساخ العقد بزوال مفعوله بعد ظهور انفساخه إمّا أبدا وإمّا إلى حين وذلك لثمانية أسباب:
السبب الأوّل:
1 - إذا ظهر بأحد من الزوجين عيب من العيوب التي يردّ بها في النكاح وهي نوعان:
أ- ما يختص بالذكور وهو العنة أو الفتل أو ما في معناه.
أمّا العنة وهي من فقد القوة الجنسية فلا يشتهي النساء وهو المشار إليه في قوله تعالى: {أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الاِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} [النور: 31]، فإذا ظهر في الرجل أنّه عنين فللمرأة أن تختار نفسها منه ويعتبر ذلك فسخا لا طلاقا ولها صداقها إن دخل بها.
الفتل وهو استرخاء عضو الذكورية بحيث لا يتمكّن من تحقيق العملية الجنسية فهذا ينتظر لمعالجته سنة فإن برأ فذاك وإلاّ فللمرأة فسخ النكاح. وفي معنى العنين المجبوب والخصي إذ لا يمكن معهما أداء حقّ الزوجة في الفراش.
ويعتبر ما تقدّم إن لم تعلم المرأة بالعيب قبل العقد فإن علمت فلا حقّ لها في ذلك باالبقاء مع زوجها أو الفداء، وكذا إن حدث بعد العقد فلا ردّ.
ب- ما يختصّ بالإناث وهو العفل وهو لحمة تنبت فوق الفرج تمنع الجماع فللزوج إذا وجد بزوجته عفلا إفساخ العقد إن لم يعلم به قبل العقد ولا صداق لها وإن دلسه الولي بها رجع به عليه، وهو عليها.
أمّا الرتق وهو التحام مادون المبال فيعالج سنة فإن برأ فذاك وإلاّ فله الردّ.
2 - العيوب المشتركة بين الزوجين وهي: الجنون والعته والبرص الفاحش أو الجذام. (1/102)
صفحة 103
فإذا وجد أحد الزوجين بالآخر أحد هذه العيوب فله إفساخ العقد ذلك لما روي سعيد بن المسيب عن عمر - رضي الله عنه - أنّه قال:» أيّما رجل تزوج امرأة فوجدها برصاء أو مجنونة أو مجذومة فلها الصداق بمسيسة وهو له على من غرّه بها «، وفاء الضمانة، قال:» أخرجه سعيد بن منصور ومالك وابن أبي شيبة ورجاله ثقاة «
وقال سعيد عن علي:» نحو ذلك وزاد أو بها قرن فزوجها بالخيار، أمّا من ناحية العنين فقضى عمر أن يؤجّل للمداواة سنة «، وفاء الضمانة. ولعل باقي الأحكام عن اجتهاد لما فيها من ضرر والضرر لا يحلّ.
السبب الثاني:
اختيار البالغة نفسها عند البلوغ إذا تزوجت وهي طفلة بتسلّط أبيها وهو متّفق عليه عند جميع المذاهب.
السبب الثالث:
اختيار المجنونة نفسها عند إفاقتها كذلك.
السبب الرابع:
اختيار الأمة نفسها إذا عتقت وقد زوّجها سيّدها.
السبب الخامس:
إذا تبين بعد الزواج أنّ الزّوجة محرمة من الزوج.
السبب السادس:
فيما إذا زنى أحد آباء الزوج أو أبنائه بزوجته فتحرم عليه.
السبب السابع:
إذا زنت المرأة أو سحرت أو فعلت موجب التحريم، مثل: أن تتّصل بابن الزوج.
السبب الثامن:
إذا ارتدّ أحد الزوجين انفسخ عقدهما لقوله تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكَوَافِرِ} وقوله: {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10].
وحكم العقد إذا انفسخ يختلف باختلاف السبب ففي العيوب قد تقدّم أن الصداق يثبت بالمسيس لكن يرجع به على المدلس في المعيبة. أمّا في الطفلة والمجنونة والأمة فكلّ ما أخذت حين استمرار العقد فهو حقّ لها ولو ميراثا، إن مات، ولا يرثها إن ماتت ولا نفقة لها بعد اختيار نفسها ولو في العدّة.
أمّا التحريم فعلى من تسبب في تفويت الزوجة ردّ الصداق وما كان من نفقة بعد التحريم إن لم يعلم الزوج. (1/103)
صفحة 104
وفي ظهور المحرّمة يثبت ما سبق من صداق ونفقة وولد لا ما بعد. وكلّ هذه الأحكام مبسوطة في سلّم الاستقامة والنيل وشرحه من ص 337، 402.
بقية أنواع الفرقة وهي خمس: أ- الطلاق، ب- الفداء أو الخلع، جـ- الإيلاء، د- الظهار، هـ- اللعان. ففيه خمسة فصول:
الفصل الأول
الطلاق وأنواعه وأحكامه
يتصدّر أنواع الفرقة الطلاق والبحث فيه على خمسة مباحث ومقدمة:
1 - المقدمة:
رأيت من الضروري أن أجعل مقدّمة حول الطلاق في الإسلام وما جرّه من طعن أعداء الإسلام فيه ثمّ بيان خطر الطلاق بالنسبة لتفكيكه روابط العائلة وهو بحث أخذت غالبه من سلّم الاستقامة، مع زيادة من عندي حتّى يكون وافيا بالغرض المطلوب فأقول: من أخطر المشاكل العالمية والاجتماعية، وأبعدها أثرا في تقويض بناء الأسرة والمجتمع معا وزرع الشقاق فيهما، فضلا عما يولّده من مشاكل تبقى بعده مستمرة تتطلّب العلاج فكم من أرملة تبقى بعده بلا عائل، وكم من أولاد يعيشون يتامى وليسوا بيتامى، وكم من خصومات تأتي إثره بعواصف تقضي على كما كان من روابط فلا تبقي ولا تذر، وكم من نساء ترى تجر أبناءها قاصدة أبواب المحاكم تتطّلع إلى من يحنو عليها بعاطفة رحمة لما تنوء به من ثقل معيشتها ومعيشتهم تغدو وتروح وهي حائرة تطالب وتستغيث بالحكام علّهم يضعون حدّا لعبث أب بأولاده فيقوم بواجبه من نفقة ورعاية فضلا عمّا تستلزمه أبوته من تربية وتعليم وضروريات حياتهم من سكنى ولباس وعلاج.
لهذا ونحوه وجد أعداء الإسلام منفذا للطعن فيه لما أباح من الطلاق.
تلك الضرورة التي لابدّ ولا مفر منها إذا لم تجد الوسائل السلمية فقد نظروا إليه من ناحية سلبياته وغفلوا أو تغافلوا عمّا فيه من إيجابيات إذ هو مخرج حتمي إذا انعدمت أو ضعفت العلاقة الزوجية عن تحمّل استمرارها.
كيف وقد شرع من حكيم خبير وهو أدرى بما يصلح بنا منّا.
فقد سلك فيه الإسلام مسلكا وسطا كلّه عدل وسداد. (1/104)
صفحة 105
وذلك يظهر فيما قدّمه من احتياطات تتقلّل من وقوعه من وسائل سلمية فقد جعل بيد الرجل إذا نجم قرن نشوز المرأة تذكيرها ووعظها، ثمّ هجرها في المضجع، ثمّ ضربها ضربا غير مبرّح، وأخيرا عقد مجمع عائلي من أقاربه وأقاربها للنظر في ما بينهما من خلاف ولإرجاع المياه لمجاريها.
فإذا لم تجد هذه الوسائل السلمية فلا معنى لبقاء هذا الرباط ثمّ إنّه جعل الطلاق بيد الرجل لأنّه أضبط لعواطفه من المرأة وتحديده باثنتين لإمكان الارتجاع للحدّ من سلطة الرجل وتقليلا لعضله وتسلّطه عليها.
فنرى أنّه دواء لابدّ منه إذا توافرت دواعيه وقد ذكرها عبد الرحمن الصابوني الدكتور العميد لكلية الشريعة في جامعة دمشق قال:» شرع الزواج وسيلة للاستقرار والتناسل، ولهذا حرّم الزواج المؤقت لأنّه لا استقرار فيه، ولا تنشأ المودة والرحمة بين طرفيه «ثمّ قال:» هذا الزواج شرع لأغراض معيّنة ومقاصد بيّنها الشارع الحكيم وقد يعترض سبيله بعض ما يحول دون تحقيق أهدافه فقد يكون أحد الزوجين عقيما، فلا يحقّق الآخر هدفه من الرغبة في التناسل وقد يكون أحد الزوجين مريضا جنسيا يحول دون الاتصال بين الزوجي وقد طرأ بعد الزواج فلا يحقّق الزواج هدفه الغريزي وكثيرا ما تتباين طبائع الزوجين وتختلف أخلاقهما مهما بذل كلّ منهما لمعرفة أخلاق الآخر أثناء الخطبة فينشأ عن هذا تنافر وعدم انسجام بين الزوجين فتحلّ محل المحبة فلا يحقّق الزواج غرضه من محبة ووئام.
وقد يتضرّر أحد الزوجين بغياب زوجه أو سجنه أو عدم الإنفاق عليه مدّة طويلة ولم يعد الصبر كافيا لحلّ الأمر.
فما هو علاج هذه الحالات التي تتعرّض لها الحياة الزوجية؟ وساق أربع حلول:
1 - استمرار الحياة الزوجية رغم ذلك وما أصابها من وهن وتفكّك وأضرار وعدم استقرار، وعدم جواز التفرق مهما طرأ على ذلك من مشكلات.
2 - وهي التفريق بين الزوجين بحكم القاضي بناء على طلب أحد الزوجين.
3 - الطلاق باتّفاق الزوجين إذا أدرك كل منهما أن لا سبيل للبقاء على هذه الرابطة.
4 - الطلاق بالإرادة المطلقة المنفّرة من الزوج أو من الزوجة دون حاجة إلى حكم.
قال:» أمّا الحلّ الأول فلم يعد الآن موضوع اهتمام ولا ذا بال بعد أن أخذت جميع الدول –ما عدا الفتيكان- بمبدأ التفريق بين الزوجين بالنسبة للقانون «.
ثمّ انتقد هذا الحلّ بكلام مستفيض وأقرّ الحلول الأخرى إذ هي الحلّ الإسلامي المعقول والمقبول اهـ باختصار نظام الأسرة وحلّ ومشاكلها ص 114. (1/105)
صفحة 106
المبحث الأول تعريف الطلاق وحكمه ومشروعيته: يشتمل المبحث على ثلاث مطالب:
المطلب الأوّل تعريف الطلاق وحكمه: الطلاق في اللغة حلّ القيد، ومنه أطلق الناقة إذا حلّ قيدها وأطلق الأسير إذ فكّ أسره لكن العرف خصّ الطلاق بحلّ القيد المعني وهو في المرأة.
وشرعا حلّ قيد النكاح بلفظ الطلاق ونحوه وعرّفه في شرح النيل قال:» هو حلّ العصمة المنعقدة بين الزوجين، وهو موافق لمدلول اللغة أو بعض أفراده لأنّه لغة حلّ الوثاق أخذا من الإطلاق وهو الإرسال وألفاظه نوعان: صريح بلفظ أنت طالق، وكناية كانت بائن، أو الحقي بأهلك، أو هذا فراق بيننا، فإذا تلفّظ بالطلاق فهو ماض لا رجوع فيه، أمّا إذا كان بكناية فصاحبه يُدين فإن نوى الطلاق مضى وإلاّ فلا «.
المطلب الثاني حكم الطلاق: حكم الطلاق مختلف فيه، فمن العلماء من يرى أنّ الأصل فيه الإباحة إلاّ لعارض وهو طلاق البدعة كما يأتي وقيل الأصل فيه الحظر، لما يعتبر من الاحتياطات لعدم وقوعه ذلك ما ذكره الدكتور عبد الرحمن الصابوني في كتابه (نظام الأسرة وحلّ مشكلاتها) فقال:» لقد أوصى الله كلاّ من الزوجين بحسن معاملة الآخر، بل ذهب القرآن إلى الأمر بالمعاشرة الحسنة ولو مع كراهة فقال: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِير} [النساء: 19]، وقال - عليه السلام -:» لا يفرك مؤمن من مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها آخر «رواه مسلم، وجاء أعرابي إلى عمر فقال يستشيره: أأطلق زوجتي فقال عمر: لا تفعل فقال: لكنّي لا أحبّها فقال: ويحك ألم تبنى البيوت إلاّ على الحب؟ فأين الرعاية وأين التذمّم «وقال تعالى: {وَإِنِ اِمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوِ اِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَّصَّالَحَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 123] أي خير من الفراق وقال: {لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمُ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة: 236] فرفع الجناح قبل المسّ الخ مما طال به.
والقول الراجح أنّ الطلاق مباح إذا حصل لموجب ضروري لا عضل فيه ولا إضرار، وقد يكون واجبا إذا اتّفق أنّه لا يمكن استمرار العشرة بين الزوجين أو عدم إمكان القيام بحقوق أحدهما للآخر. ويكون مكروها إذا كان لأسباب بسيطة كعدم التلاؤم التام أو عدم لباقة المرأة في بعض الحالات، أو لها أولاد كثيرون ممّا يجعل زواجها بآخر متعذرا وقد قامت به ولم تقصّر في حقّه ويكون منذُوبا وذلك في طلاق غير العفيفة أو سيئة الخلق.
المطلب الثالث مشروعية الطلاق: الطلاق مشروع بالكتاب والسنّة.
فمن الكتاب قوله تعالى: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانْ} [البقرة: 229] وقوله: {لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمُ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة: 236]. (1/106)
صفحة 107
ومن السنّة قوله - صلى الله عليه وسلم -:» إنّما الطلاق لمن أخذ بالسّاق «رواه ابن ماجة وقوله:» أبغض الحلال إلى الله الطلاق «رواه أبو داود والنسائي.
الحكمة من مشروعيته:
ذكر الزحيلي قال إنّ الحكمة من مشروعيته ما هو متعارف ومعقول بين الناس الطلاق وذلك لحاجة النّاس إليه للخلاص إذا تباينت الأخلاق أو طرو البغضاء الموجبة لعدم استطاعة إقامة حدود الله فكان تشريعه رحمة من الله تعالى، أي أنّ الطلاق علاج حاسم وحلّ نهائي لما استعصى حلّه على الزوجين وأهل الخير والحكمين بسبب تباين الأخلاق، وتنافر الطباع وتعقّد سير الحياة المشتركة، أو بسبب الإصابة بمرض لا يحتمل أو عقم لا علاج له اهـ ج 7 ص 353.
ومن نكد الدنيا على المرء أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بدّ
المبحث الثاني شروط الطلاق:
للطلاق شروط لا يعتبر إلاّ بها ذكرها الصابوني في كتابه الآنف الذكر وهي موافقة لما عندنا قال إذا لم تجد محاولات الإصلاح التي قام بها كلّ من الزوجين والقاضي والحكمين فقد حدّد القرآن الطلاق بقيود وشروط تتعلّق بالأمور التالية:
1 - أهلية المطلق
2 - اللفظ الذي يقع به الطلاق
3. القصد من وقوع الطلاق
4. عدد الطلقات
5. الزمن الذي يقع فيه
6. الإشهاد عليه
ففي المبحث ست مطالب:
المطلب الأول أهلية الطلاق:
يشترط في الزوج المطلِّق أن يكون بالغا عاقلا فلا يصح طلاق من صبي ولا مجنون ولا معتوه سواء ذلك أصالة منه أو بواسطة خليفته أو وليّه رغم أنّه يصحّ تزويجه إذ التزويج منفعة والطلاق مضرّة قال في النيل وشرحه:» جاز أن يتزوّج على: كطفل وليّه أو خليفة أبيه أو عشيرته «إلى أن قال: والأبكم والمجنون والبكماء والمجنونة كذلك إلى أن قال ولا يصح طلاق طفل ومجنون ولا وليّ أو خليفة «اهـ ج 6 ص 265 - 267.
المطلب الثاني اللفظ الذي يتم به: (1/107)
صفحة 108
ذكر الله في القرآن ألفاظا عبّر بها عن الطلاق فقال: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 01]
وقال: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ َسَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 02] وقال: {فَمَتِّعُوهُنَّ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً} [الأحزاب: 49]. فهذه الألفاظ إذا نطق بها الزوج فهي ألفاظ صريحة في الطلاق، مضى طلاقه سواء كان جادّا أو هازلا لقوله - عليه السلام -:» ثلاث جدّهن جدّ وهزلهن جدّ: الطلاق والنكاح والعتاق «رواه أحمد وأبو داود فالفقهاء غير الظاهرية ومنهم أهل المذهب اتّفقوا على أنّ الطلاق يقع بالألفاظ الصريحة وهي المتقدمة أو الألفاظ بالكناية أمّا اللفظ الصريح فقد تقدّم حكمه أمّا الكناية فلابدّ فيه من قصد الطلاق وعندنا صاحبه يديُن فإن نوى الطلاق مضى وإلاّ فلا، وذلك مثل أن يقول: الحقي بأهلك، خذي متاعك واذهبي، لا أراك بعد اليوم ونحوها.
المطلب الثالث القصد:
لابدّ لإيقاع الطلاق من القصد والاختيار فمن نوى الطلاق ولم يتلفّظ به لا يقع وكذا من أكره عليه.
قال في النيل وشرحه: أجمعوا على أنّ اليمين واقعة إلاّ إن حلف مكرها فالمختار عندنا لا يلزم مقهورا طلاق لقوله - عليه السلام -:» ليس على مقهور عقد ولا عهد «رواه مسلم والترمذي وإن طلّق وعلّق طلاقه إلى شيء فلا يقع إلاّ إذا وقع ما علق إليه. كـ: أنت طالق أو حلف بطلاقها إن كلّمت ودخلت دار فلان واختلف في الإكراه فقال عمر:» ليس الرجل بأمين على نفسه إن أوجع أو ضرب. «
وقال شريح أنّ القيد كره والوعيد كره والسجن كره اهـ 7 ص 532.
أمّا طلاق السكران فقد اعتبره الصابوني غير واقع واحتج بقوله تعالى: {يَأَيُّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] فقد بيّن أنّ السكران لا يعلم ما يقول قال في النيل وشرحه:» وطلاق السكران واقع ومحكوم عليه «.
قال في الشرح:» لأنّ عقله موجود فيه ولو كان مغمورا إلى أن قال وقيل إنّ السكران لا يلزم طلاقه كالمجنون قلت التحقيق أنّه إن بقي له بعض تمييز لزم وإلاّ فلا وقيل السكران لدواء شربه لا يلزمه طلاق والسكران لنحو خمر لزمه «اهـ ج7 ص 504. وفي الطلاق بالكتابة خلاف قال في النيل وشرحه:» وإن كتب إليها إذا بلغك كتابي هذا فأنت طالق فلا تطلق حتّى يبلغها ومن كتب طلاقها في الأرض أو في غيرها فقيل أنّه طلاق ولو محاه إذا عُرف (بالضم) ما كتب، وقيل إذا قرء وقيل لا تطلّق والظاهر أنّ المدار هو النوى «اهـ ج7 ص 523.
المطلب الرابع التقيّد بالعدد فيه: حدّد القرآن الطّلاق بثلاث مرّات متفرّقات لقوله تعالى: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} إلى قوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} وسبب نزول الآية ما كان يفعل أهل الجاهلية يطلّق المرأة فإذا قرب تمام عدّتها زاد طلاقها فحدّده الله بالثلاث. (1/108)
صفحة 109
كما عيّنت وجوب التّفريق بين عدد الطلقات في قوله: {مَرَّتَانِ} ولم يقل تطليقتان قال في النّيل وشرحه طلاق السنّة واحدة في طهر لم تمسّ فيه فمن أراده اعتزلها حتّى تحيض وتطهر ثمّ يطلّق واحدة فإن شاء أخرى طلّقها إذا اغتسلت من حيضها ثمّ إذا اغتسلت من أخرى طلّقها ثالثة إن شاء.
وغير الحائض يعتزلها شهرا ثمّ يطلّقها بدخول آخر وهكذا مرّة كلّ شهر وعصي مطلّق أكثر من واحدة ولزمه ما طلّق إن سبق مسّ.
قال في الشّرح إن كان ذلك بكلمة أو بكلمتين أو كلمات ولو قبل المسّ لمخالفة السنّة ولو أنّه لا تلزمه إلاّ واحدة قبل المسّ إلى أن قال والمذهب فيمن طلّق ولم ينو يحكم عليه بواحدة إلى أن قال وقيل لا يلزم من الطّلاق بكلمة إلاّ طلاقا واحدا واحتجّوا أيضا بما في الصّحيحين عن ابن عبّاس أنّ الطّلاق الثّلاث على عهد أبي بكر ورسول الله وشطرا من خلافة عمر واحدة.
قال والجمهور على ما ذكره المصنّف اهـ باختصار ج7 ص450 - 468.
المطلب الخامس الوقت الذي يقع فيه الطلاق:
لقد بيّن القرآن الكريم الوقت الذي يقع فيه الطّلاق فقال: {يَاأَيُّهَا النَّبيءُ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} الخ أوّل الطلاق، فالخطاب موجّه للنّبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد أمته والمعنى إذا أرتم الطلاق فطلّقوهنّ وقت مكان عدّتهنّ وبدء العدّة أوّل الطّهر.
وجاء في كتب الحديث عن نافع أنّ ابن عمر طلّق امرأته وهي حائض فسأل عمر رسول الله عن ذلك فقال:» مره فليراجعها ثمّ ليمسكها حتّى تطهر ثمّ تحيض ثمّ تطهر ثمّ إن شاء طلّقها قبل أن يمسّ «فتلك العدّة التي أمر الله أن تطلّق إليه النساء وذلك ما يدلّ عليه ما تقدّم في النّيل وشرحه في المطلب السابق.
أمّا المرأة الحامل وغير المدخول بها فيطلق متى شاء وكذا الآيس على قول وقيل في أوّل الشهر قبل المسّ.
فمن طلّق زوجته بحيض مضى طلاقه وعصى عند الجمهور، قال الصابوني الجعفرية والظاهرية وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة والناصر والشوكاني من الزيدية وهو رأي سعيد بن المسيب وبعض المعتزلة أنّ طلاق الحيض باطل.
أمّا عن مراجعتها حسبما تقدّم في الحديث فبعض يستحب وهم أهل المذهب وبعض المذاهب ومنهم من يوجب كالحنفية والزيدية.
المطلب السادس الإشهاد على الطلاق:
الإشهاد على الطلاق صرّحت به الآية فهل هو واجب لا يصحّ الطلاق إلا به هو قول بعض الفقهاء والجمهور على أنّه أمر ندب في الطلاق واجب في الارتجاع وهو المذهب إذ الطلاق يقع بمجرّد التلفظ به لكن لإثباته لابدّ منه خاصّة عند الأبكار. (1/109)
صفحة 110
أمّا المراجعة فكالنكاح لا تصحّ بدونه.
وكلّ ما تقدّم من شروط الطلاق فهو باختصار من النيل وشرحه وكتاب الصابوني من ص 133، 143.
المبحث الثالث موقف المرأة من الطلاق:
كلّ الآيات التي وردت في شأن الطلاق تشير إلى أنّ الطلاق بيد الرجل إلاّ في حالات هي:
-1إذا اشترطت المرأة على الرجل شروطا عند العقد إن لم يوفّ بها رجع حكم الطلاق بيدها فلها أن تطلّق نفسها إن شاءت.
2 - إذا خيّر الرجل زوجته عندما يظهر منها ما لم يسوغه حسبما وقع عند تخيير النبي أزواجه في قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيءُ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً} (1)
3 - إذا لم تستطع الزوجة أداء حقّ الزوج لعدم التلاؤم معه أو سوء أخلاقه أو غير ذلك فلها أن تفتدي كما سيأتي.
المبحث الرابع إتمام الطلاق وأنواعه:
الطلاق قسمان طلاق سنّة وطلاق بدعة ففيه مطلبان:
1 - طلاق البدعة وهو نوعان تقدما وهو أن يطلّق الرجل زوجته وهي حائض فالطلاق ماض وفاعله عاص على الصّحيح، أو يطلق أكثر من واحدة بلفظ واحد وقد تقدّم الخلاف فيه.
2 - طلاق السنّة وقد تقدّم وهو ما حصل في طهر لم تمسّ فيه أو كانت حاملا أو في أوّل الشهر للتي لا تحيض أو الآيس وهو أربعة أنواع ففيه أربعة محاور:
المحور الأوّل الطلاق الرجعي:
إذا أطلق لفظ الطلاق بلا قيد انصرف إلى الرجعي وهو الذي يملك فيه الزوج مراجعة زوجته ما دامت في عدتها منه بأن يشهد شاهدان على مراجعتها ويبلغان ذلك للزوجة فيجب الرجوع ولا حقّ لها في الامتناع.
المحور الثاني الطلاق البائن:
الطلاق البائن هو الذي لا يملك فيه الزوج مراجعة زوجته إلاّ بتجديد العقد ولو في العدّة وهو أنواع:
أ- إذا علّقه المطلق بالبينونة بأن قال: أنت طالق بائنا أو بلا رجعة أو نحو ذلك.
ب- الطلاق المملك والثلاث والفدء والخروج بلا إيلاء أو الظهار.
__________
(1) - الأحزاب: 23. (1/110)
صفحة 111
ج- الطلاق قبل المسّ إذ لا عدّة فيه لقوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ المُومٍِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} (1) الخ وإذا لم تكن العدّة فلا رجعة.
وإذا وقعت الخلوة ولم يقع مسّ فلا بدّ من العدّة وإذا طلّق فهو طلاق بائن إذ العدّة احتياطا.
المحور الثالث الطلاق المملك:
وهو الذي ملكه الزوج لزوجته على شروط إن أخلّ بها صار حكم الطلاق بيدها، كما يقع عندنا بوادي ميزاب، فالمرأة تشترط بواسطة وليّها شروطا متعارفة أن لا يتزوّج عنها ولا يتسرى ولا يتنقلها من بلدها إلى بلد آخر، وأن لا يغيب عنها أكثر من حولين، وأن لا يفعل شيئا ممّا حرّمه الله فإن فعل شيئا من ذلك رجع حكم الطلاق بيدها، فإن شرط هذا أو نحوه فأخلّ بشيء من ذلك أو خيّرها في البقاء أو عدمه فطلّقت نفسها فهو طلاق بائن لا يملك فيه الزوج مراجعة زوجته إلا إن شاءت في العدّة.
المحور الرابع الطلاق الثلاث:
وهو أن يجتمع على المرأة ثلاث تطليقات متّفقة أو مختلفة، فلا يملك الزوج مراجعة زوجته منه حتّى تتزوّج زوجا آخر ويدخل بها مع جماع تامّ ذلك لقوله تعالى: {فَإِنْ طَلَقَّهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} (2) الخ. فإذا طلّقها الزوج الثاني وراجعها صارت عنده بثلاث ولا يهدم الزوج الثاني الواحدة والاثنتين بل الثلاث فقط. ويشترط في الزوج الثاني أن لا يكون غرضه التحليل للأوّل ولا تحلّ بذلك والمحلّل عاص لقوله - عليه السلام -:» ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ «قالوا: بلى، قال:» هو المحلّل، لعن الله المحلِّل والمحلَّل له «رواه أحمد والنسائي والترمذي.
ويشترط أن يطأها الزوج الثاني وطئا تاما لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لامرأة رفاعة:» أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتّى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك «رواه الجماعة عن عائشة.
قال في النيل وشرحه:» لا تحلّ مطلقة ثلاثا بإيلاء أو فداء أو طلاق لمطلقها حتّى تنكح غيره نكاحا تامّا بتذوّق العسيلتين «اهـ ص 370.
المبحث الخامس الطلاق المعلّق:
الطلاق المعلّق نوعان:
1 - إمّا بمجرد تعليق بأن قال إن دخلت دار فلان أو إن نزل المطر أو إن ولدت أنثى فأنت طلق فلا تطلّق حتّى يقع ما علّقه عليه سواء من فعله أو فعلها أو من غيره.
2 - الحلف بطلاقها بأن يقول وطلاق زوجته لا أ فعل كذا، فإن فعل طلقت، أو يقول زوجته طالق إن لم
__________
(1). الأحزاب: 49.
(2). البقرة: 230. (1/111)
صفحة 112
يفعل فذلك إيلاء وسيأتي وكلّها طلاق بائن لا يملك فيه مراجعة زوجته منه إلاّ بتجديد النكاح وإن قال زوجته حرام إن فعل كذا ففعله لزمته كفارة مغلظة، وإن قال إن لم يفعل فهو إيلاء.
الفصل الثاني
الفداء وأحكامه
الفداء من أنواع الفرقة وفي معناه الخلع والبحث فيه على ستة مباحث وهي كما يلي:
المبحث الأوّل تعريفه وحكمه ومشروعيته:
ففيه ثلاث مطالب:
المطلب الأول تعريفه:
الفداء لغة التخلص من مكروه بمال أو نحوه، ومنه: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} (1) ومنه: {لَوَ اَنَّ لَهُم مَا ِفي الاَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْاْ بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الحِسَابِ} (2).
وشرعا فرقة بين الزوجين بردّها إليه صداقها وقبوله إيّاه وهو طلاق بائن وفي معناه الخلع وهو لغة النزع والإزالة، وشرعا فرقة بين الزوجين بردّها بعض صداقه، وقد يطلق كلّ منهما على الآخر شرعا اهـ شرح النيل ج 7 ص 252. وذكر أيضا في معناهما قال:
» وقيل الخلع والفداء والفدية والصلح والمبارأة والبرآن سواء تقع بالبعض والكلّ وأكثر منه وهي بذل المرأة العوض عن طلاقها إلاّ أنّ اسم الخلع يقع بالكلّ والصلح ببعضه والفدية والفداء بأكثر والمبارأة والبرآن بإسقاطها عنه مالها من حقّ، ويكون بترك نفقتها عنه وهي حامل أو نفقة رضيعها أو القيام بنفقته «.
المطلب الثاني حكمه:
حكم الفداء جائز لصريح الآية في قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمُ أَنْ لاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} (3) ورفع الجناح يدلّ على الإباحة. وما ورد في قصّة ثابت بن قيس يدل على أنّ الزيادة من الصداق غير جائزة.
أمّا إذا تصالحا على أمر ممّا ذكر في التعريف من غيره إكراه كسقوط نفقة أو التزام بأيّ تعويض برضاها من غير إكراه فلا بأس لقوله تعالى: {وَإِنِ اِمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوِ اِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَّصَّالَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا} (4).
__________
(1). الصافات: 107.
(2). الرعد: 18.
(3). البقرة: 229.
(4). النساء: 128. (1/112)
صفحة 113
وكذا إن طلبت منه أن تشتري طلاقها وتراضيا على شيء لقوله تعالى: {فَإْن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا} (1) وكذا إن أبرأته من صداقها إمّا لما لم يدفع أو دفع فتردّه بشرط أن يكون ذلك بطلب منها من غير إكراه.
المطلب الثالث مشروعيته:
الفداء وفي معناه الخلع مشروع بالكتاب والسنّة أمّا الكتاب فالآية المتقدّمة من سورة البقرة والآية من سورة النساء. وأمّا السنّة فما روي عن ابن عباس عن امرأة ثابت بن قيس جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت يا رسول الله: إنّي ما أعيب على قيس خلقا ولا دينا ولكنّي أكره الكفر في الإسلام، لا أطيقه بغضا، فقال - صلى الله عليه وسلم -:» أتردّين له حديقته؟ «فقالت: نعم، وفي رواية ذكرها بوفاء الضمانة، نعم وزيادة، فقال رسول الله:» أمّا الزيادة من مالك فلا «ثمّ استشار ثابتا في أن تردّ له حديقته ويفارقها فرضي. فمن العلماء من أباح الزيادة كما تقدّم بناء على الرواية الأولى وهي في الجامع الصحيح ببسط وفيها بسط لحكم الخلع والفداء فأخذت صورة منه لعموم الفائدة.
المبحث الثاني كيفياته وأركانه:
ففيه مطلبان:
المطلب الأوّل كيفياته وحكم كلّ منها:
ذكر في النيل وشرحه كيفيات للفداء وحكم كلّ منها فقال:
1 - إن تبرأت لزوجها من صداقها فمات قبل أن يقبل ورثته.
2 - إن ردّه لها على مراجعة فماتت ولم تقبل أو مات فلا يتوارثان.
3 - إن أبرأته منه ولم يقبل ثمّ قبل فالأكثر منّا على جوازه.
4 - إن قال تبرئي إليّ منه على فداء فتبرأت ولم يقبل فلا فداء، وإن قال قبلته وحبستك وقع الفداء.
5 - إن قال قبلت الفداء وطلقتك واحدة جاز الفداء وسقط عنه وبانت ولا طلاق له بعد فداء، وإن قال قبلت بعد قوله طلقتك تمّ الطلاق وسقط الفداء، اهـ شرح النيل، ج7، ص 254، 258.
وذكر الزحيلي من كيفياته، قال:» الخلع في رأي المالكية معاوضة فلا يحتاج لصحته قبض فلو قبل الزوج فماتت أو أفلست أخذ العوض من تركتها «.
ومنه ما تقدّم من صور في حكمه وما في صورة الجامع الصّحيح.
المطلب الثاني أركانه:
قال الزحيلي أركان الخلع عند غير الحنفية خمسة وهي موافقة لما عندنا:
أ- القابل وهو الملتزم بالعوض وهي المرأة، بشرط قيام الزوجية حال الخلع.
ب- الموجب وهو الزوج أو وليّه أو وكيله بأن يصدر الإيجاب من الزوج أو وليه إن كان صبيا أو مجنونا أو وكيله إن كان سفيها.
ج- البدل من جانب الزوجة أو غيرها وهو كلّ ما يصلح أن يكون مهرا أو منفعة تقوم بالمال.
ويستحب أن لا يأخذ الرجل أكثر ممّا أعطى عند أكثر العلماء.
د- الصيغة وهي لفظ الخلع أو ما في معناه ممّا ذكر كالإبراء والفداء سواء كان صريحا أو كناية.
هـ- قبول الزوجة لأنّ الخلع من جانبها معاوضة وكلّ معاوضة يلزم فيها قبول دافع العوض.
ويشترط توافق القبول فإن قال الزوج طلقتك بألف فقالت بل بثمانمائة أو نحوه لم ينعقد.
المبحث الرابع شروط الفداء:
شروط الفداء نوعان شروط ثبوت وشروط صحّة:
المطلب الأوّل شروط الصحة:
يصح الفداء بثلاثة شروط:
أ- البلوغ والعقل والحرية، فلا يصح فداء صبي ولا مجنون ولو بإذن وليّهما إذ لا يملكان ذلك كما لا يصح فداء صبية أو مجنونة إلاّ إذا رأى وليّهما صلاحا في ذلك لتخليصهما من ضرر الزوج، أمّا الأمة فلابدّ من إذن سيّدها وعلى يده يكون، والعبد لا يصح قبول فدائه إلاّ بإذن سيّده.
ب- أن ترجع المرأة ما أصدقها زوجها كلّه أو بعضه وهو خلع برضى منها لا بإكراه.
ج- قبول الزوج للفداء بأن يأخذ ما افتدت به زوجته على طلاقها.
المطلب الثاني شروط الثبوت:
يثبت الفداء إذا كان برضا الطرفين من غير إكراه، وأن يكون ذلك بعد زواج صحيح وما دفع في الفداء ممّا يمكن إصداقه ممّا هو مباح تملكه.
المبحث الخامس حكم ما يقبض في الفداء:
يستحسن للزوج أن يقبل الفداء من زوجته إذا عجزت عن أداء حقوقه كما تقدّم في حديث ثابت ويجوز للزوج أخذه إذا كان عن رضا منها لقوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} (2) تقدّم وقوله: {فَإْن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا} (3) تقدّم، أمّا إذا أساء عشرتها أو ضايقها
__________
(1). النساء: 04.
(2). البقرة 229.
(3). النساء 04. (1/113)
صفحة 114
أو أهملها، أو تسلّط عليها بما لا تتحمّله لتفتدي منه فلا يحلّ له ذلك لقوله تعالى: {لاَ يَحِلُّ لَكُمُ أَن تَرِثُواْ النِّسَاءَ كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَّاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} (1) الخ وهل يحلّ له أن يأخذ أكثر من الصداق قيل نعم وقيل لا، لرواية حديث ثابت» أما الزيادة فلا «، ومن أجاز فلا طلاق، الآية.
قال في النيل وشرحه:» وإن قال بعت منك طلاقك بكذا فقبلت فهل هو فداء؟ وسقط عنه من الصداق مثل ما باعه به، وبقي لها ما فوقه، وإن أكثر فلا تلزمها زيادة أو لا يجوز بيع الطلاق وليس ذلك بفداء خلاف «وقال بعد:» وإن تغلّب على زوجته فحمّلها ما لا تطيق من تضييع حقوق وضيق معيشة، وسوء معاشرة حتّى افتدت منه لم يحلّ له أخذه، فيما عند الله «اهـ ج7، ص 286.
المبحث السادس بعض أحكام الفداء:
للفداء أحكام أهمّها ما يلي:
أ- الفداء طلاق بائن لا يملك فيه الزوج مراجعة زوجته منه إلاّ إن شاءت وأرجع لها ما أخذ على الفداء أو ما يتفقان عليه.
ب- إن أبرأته من صداقها فإذ هي محرمته فلا فداء إذ الزواج منفسخ ويبقى لها صداقها لأجل المسيس.
ج- إن قبضت الصداق ثمّ افتدت به وقد أهلكته ضمنته له.
د- إن أصدقها ما فيه نماء أو غلة أو فائدة كحيوان أو أشجار أو دكان تجارة فلا تردّ ما استفادت منه لما كان عندها إذ الخراج بالضمان.
هـ- إن افتدى أب طفلة من زوجها ولم تجز ذلك عند البلوغ أخذته من زوجها ورجع به على الأب.
و- وإن طلّق ثمّ فادا ثم أراد رجعة قدّمها على رجعة الطلاق ولا يمسّها حتّى يراجع للطلاق، وإن مسّها حرمت ولا يصح عكسه لأنّه إذا راجع للطلاق فهو كمراجع بائنة.
ز- صحّت مراجعة الفداء بإشهاد وردّ لما أخذ وقبول ورضى في عدّتها.
الفصل الثالث الإيلاء
الإيلاء في اللغة الحلف قال تعالى: {وَلاَ يَاتَلِ أٌولُواْ الفَضْلِ مِنكْمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُّوتُواْ أُولِي القُرْبَى} (2) الخ والبحث فيه على أربعة مباحث:
المبحث الأول تعريفه وحكمه:
ففيه مطلبان:
__________
(1). النساء 20.
(2). النور 22. (1/114)
صفحة 115
المطلب الأول تعريفه:
الإيلاء لغة الحلف كما تقدم وشرعا عندنا كلّ كلام يمنع من مسّ الزوجة غير الظهار إذا صدر من الزوج.
قال في النيل وشرحه باب الإيلاء قال في الشرح:» هو لغة اليمين وشرعا الكلام المانع من وطء الزوجة ولو أمة غير مدخول بها غير الظهار فدخل ما لا حلف فيه مثل أن يقول: عليّ أن أتصدق بكذا إن مسست زوجتي أو إن مسستها عليّ عتق أو إن لم أمسها عليّ كذا، ويطلق أيضا على خروجها بمضي أربعة أشهر لعدم الوطء أو لعدم الوفاء بما نذر أو حلف عليه «وهناك خلاف في تعريفه اخترت أن آخذ صورة منه للفائدة.
المطلب الثاني حكمه:
لم يتعرّض صاحب النيل ولا الشارح لحكم الإيلاء في حدّ ذاته فربّما يعتبر يمينا جائزا كسائر الأيمان وذكره الزحيلي فقال ليمين الإيلاء عند الحنفية حكمان:
1 - أخروي وهو الإثم إن لم يفئ إليها لقوله تعالى: {لِلَّذِينَ يُولُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَاءُواْ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمْ} (1) قال لأن الإيلاء مكروه تحريما.
2 - حكم دنيوي ويتعلّق به حكمان: حكم الحنث وحكم البراء الوفاء بيمينه، أمّا حكم الحنث فهو كفارة يمين حسب المحلوف به.
أمّا البراء فبأن يبقى حتّى تمضي أربعة أشهر فهو وقوع طلاق بائن ودليلهم على أنّه طلاق بائن هو العمل برأي بعض الصحابة ثمّ ذكر حكمه عند الجمهور خلاف الحنفية أنّهم يعتبرون الفيء قبل مضي أربعة أشهر وبعده، أمّا الحنفية فيعتبرونه قبله لا بعده ونحن الإباضية موافقين لقول الحنفية.
وكذا في اليمين إذ هو متّفق عليه.
المبحث الثاني صور الإيلاء وأحكامها:
ذكر في النيل وشرحه صورا من الإيلاء وأحكامها إذ يختلف حكم الإيلاء باختلاف صوره.
قال:» الحالف بالله لامرأته لا يمسّها يكفر يمينا إن مسّها متى شاء وهي بذمته على المأخوذ به إذ وجبت بحنث وجوز تأخيره عنها «قال في الشرح: مثل أن يقول والله أو الرحمن أو والودود أو وعزة الله قال: في الأصل وقولنا بانت عنينا به الإيلاء وهو طلاق بائن واحد لا يملك رجعتها ويخطب إن شاء «قال في الشرح كجملة الخطاب وإن لم يمسّها حتى مضت بانت فهل تتزوّج الأوّل متى شاءت بعد الأربعة بلا
__________
(1). البقرة 226. (1/116)
صفحة 116
عدّة أو تجب له كغيره بثلاثة قروء أو أشهر أو لغيره فقط أو له لا لغيره وهو أضعف الأقوال عندنا قال في الشرح بعد قوله فهل تتزوج الأوّل قال أو غيره ولو لم تحض لأنّ الماء له والولد إن كان فهو له وهذا أنسب بقول من قال أنّ العدّة للاستبراء. وقال ابن عباس وطائفة بشرط أن تحيضها إن كانت تعتدّ بالقروء وظاهر هذا القول أنّها إن لم تحض في الأربعة لم تتزوّج حتّى تتمّ الحيض الثلاث والمشهور الأوّل.
وإن حلف لها بالله لا يمسّها أو بطلاقها أو ظهارها أو بعتق عبده أو بما له للمساكين أو بمشي للبيت فلم يمسّ حتّى مضت، بانت قال في الشرح:» ومعنى قول المصنّف حلف بالله لا يمسّها، الخ، أن يقول والله لا أمسّها أو إن مسستها فطالق أو مظاهر منها أو عبدي حرّ «اهـ والقائل هي عليه حرام أو كميتة من محرّم شرعا إن لم يمسّها حتّى مضت أربعة أشهر بانت منه، وإن مسّ فعليه كفارة يمين.
وإن قال أنت عليّ حرام، أو كميتة إن فعلت كذا إن لم يمسّ حتّى مضت لا تخرج وإن فعلت كفر يمينا فإن مضت ولم يكفر لا تخرج أيضا (إذ ليس ممنوعا من مسّها وذلك مجرّد يمين).
وإن قال هي عليّ حرام إن لم أفعل كذا فلم يفعل حتّى مضت بانت، وإن مسّ قبل الفعل فيمين، وإن نوى بذلك طلاقا فهل لزمه أو تكفر أو كلاهما أقوال. اهـ بتصرّف بسيط، ج7، ص180 - 190.
هذه بعض صور من كثير ذكره والمدار فيه اعتبار ما نطق به فإن كان يمنعه من المسّ اعتبر الإيلاء، وإلاّ فلا.
المبحث الثالث أركان الإيلاء وشروطه:
1 - أركان الإيلاء: أربعة ولها أحكام:
أ- المولي وهو الزوج وهو من يصحّ طلاقه، بأن يكون بالغا عاقلا حرّا ولو عنينا عندنا، قادرا على الوطء عندهم. ويصحّ ولو كان مريضا أو مسجونا، مسلما أو كافرا أو سكرانا.
ب- المحلوف به عندنا كلّ لفظ يعتبر يمينا كما تقدّم في الصور وهو الله أو صفاته أو تعليق بحرمة أو طلاق أو عتق أو صوم أو نحوه من الالتزام ومن ترك الوطء من غير التزام بيمين فلا إيلاء خلافا لمالك والحنابلة.
جـ- المحلوف عليه هو المباشرة بأيّ لفظ يقتضي ذلك صريحا أو كناية.
د- مدّة الإيلاء عندنا وعند الحنفية أن يحلف أن لا يطأ زوجته من غير تحديد مدّة أو مدّة أكثر من أربعة أشهر فإن كانت أقلّ أو حلف أن لا يطأها لسبب معقول كانتهاء مرض أو لضرّ حمل أو غرض ما غير الأضرار فلا إيلاء.
2 - شروط الإيلاء:
يتحقّق الإيلاء بشروط أهمّها ما يلي:
أ- كون المرأة في عصمته ولو في عدّة طلاق رجعي أمّا إذا بانت بطلاق بائن بثلاث فلا إيلاء. (1/117)
صفحة 117
ب- أن يكون له أهلية الطلاق فيصحّ إيلاؤه ولو ذميا بما ليس فيه قربة.
جـ- أن لا يقيّده بمكان كأن يقول والله لا أقرب زوجتي في حيض أو في بيت أخي أو على السطح أو في غير الفرج إذ له أن يطأها في غيره، فلا إيلاء.
د- ترك قربها وجماعها أكثر من أربعة أشهر فإن جامعها قبل فلا إيلاء أو منع وأشهد، فلا إيلاء.
الفصل الثالث
الظهار وأحكامه
الظهار من تطليقات الجاهلية وهو ممنوع شرعا والبحث فيه على ثلاثة مباحث.
المبحث الأوّل تعريفه وحكمه:
الظهار في اللّغة إلفات الظهر للغير، وفي اصطلاح الشرع تشبيه المسلم المكلّف من يحلّ له نكاحه أو جزؤها بظهر محرم أو جزء آخر وإن بصهر أو رضاع هكذا عرفها في النيل وشرحه، قال في الشرح:» الظهار لغة النطق بالظهر مطلقا أو مسّه، وتولية أحد ظهره، ثمّ استعمل بمعنى قول أحد لزوجته:» أنت عليّ كظهر أمي «
واصطلاحا ما ذكره المصنّف وداود بن محمد المالكي في شرح الرسالة بقولهما تشبيه المسلم، الأولى إسقاطه فإنّ المشرك والموحّد في حكم الظهار سواء على الصحيح (المكلّف)، مخرج للطفل والمجنون فلا ظهار لهما إلى قوله ومدخل للمكره على الظهار فقيل يلزمه بقتل أو ما يؤدّي للموت أو إتلاف عضو وقيل ليس مكلّفا بحكم الظهار حينئذ كما ساغ له القول بلاهين اثنين قال وظاهر إطلاقه صحّة ظهار العبد وليس كذلك «اهـ.
2 - حكمه:
قال في النيل وشرحه:» وهو قيل طلاق الجاهلية وعصى قيل مظاهر لم يعلّق لشيء يفعله أو لا يفعله، فإن قال كأمّه أو مثلها وقال أردت محبّة أو برا أو شفقة أو نحو ذلك دين.
فالظهار حرام لقوله تعالى: {الذِينَ يَظَّهَّرُونَ مِنكُم مِن نِّسَائِهِمْ، مَا هُنَّ أُمَّهَاِتِهمُ إنُ امَّهَاتُهُمُ إِلاَّ اللاَّئي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ القَوُلِ وَزُورًا} (1).
المبحث الثاني شروطه وأركانه:
أركان الظهار ثلاثة:
المطلب الأول المظاهر:
__________
(1). المجادلة 02. (1/118)
صفحة 118
يشترط لصحة ظاهره أن يكون بالغا عاقلا حرًّا، فلا يصحّ ظهار صبي ولا مجنون ولو بمباشرة وليّه أو خليفته إذ هو ضرر وتفويت لا يملكانه ولا يصحّ من غير البالغ العاقل.
أمّا العبد فلا عبرة بأيّ عمل له لقوله تعالى: {عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} (1) فتصحّ مظاهرة سيّده أو ظاهر بإذنه أو إجازته.
المطلب الثاني المظاهَر منها:
هي الزوجة ويشترط لصحّته أن تكون في عصمة المظاهِر حال الظهار، فإن ظاهر من امرأة قبل زواجه لا يصحّ ظهاره وتجب عليه الكفارة من غير تعطيل لمسيسه. لما تقدّم:» لا طلاق إلا بعد نكاح «وكذا إن خرجت من عصمته بتمام عصمته، أمّا السرية فبأن تكون في ملكه وقد تسراها. قال في النيل وشرحه:» والأكثر على أنّ السرية فيه كالزوجة وقيل يمين كأمة لم يتسراها «، قال في الشرح:» كالزوجة الحرة لأنّ معنى التسرّي معنى النكاح لأنّ كلاّ منهما إباحة وطء، وقيل الظهار من الزوجة الأمة والسرية يمين كأمة له، لم يتسرّاها لقوله تعالى: {مِن نِّسَائِكُمْ} (2) أي من النساء التي من جنسكم الذي هو الحرية ولأنّ مساق الآية على الزوجة «إلى أن قال:» وقال ابن عباس: من شاء بأهلته عند الحجر الأسود، أن لا ظهار على الرجل من زوجته الأمة أو سريته «على أنّ النساء في آية الظهار الحرائر، قال: ومذهبنا ومذهب مالك والثوري وجماعة أنّ النساء فيها تشمل الأمة اهـ ج ص 106.
المطلب الثالث ألفاظ الظهار:
تقدّم في تعريف الظهار أن يقول لزوجته أنت عليّ كظهر أمي، هذا هو اللّفظ المشهور في الظهار ويصحّ ويعتبر بكلّ لفظ يشبهه كانت على كبطن أو كظهر أمي أو أختي أو عمتي من كلّ امرأة محرمة منه، والضابط أن يشبهها أو جزء منها بمن يحرم عليه نكاحه أبدا من محارم من رضاع أو نسب.
وإن شبهها بمن يمكن أن يكون حلالا زواجه أو بمحرم شرعا كانت عليه كمجوسية أو دُهرية أو وثنية فهذه يمكن أن يباح زواجها منه إذا أسلمن فهو يمين أمّا إذا شبّهها بجنس المشركات فهو ظهار إذ لا تحل وهي مشركة أبدا وإن قال كنساء الرجال فظهار وكذا إن قال كمزنيته أو مزنية أبيه أو ابنه فظهار. وإن قال كميتة أو دم أو لحم خنزير فيمين، وإن ظاهرت هي منه فلا ظهار لكن عليها الكفارة وله وطئها ولو قبل التكفير ولا تخرج بالإيلاء.
المبحث الثالث ما يترتب عن الظهار:
يترتّب على الظهار ولمن أراد ارتجاع زوجته حكمان ففيه مطلبان:
__________
(1). النحل 75.
(2). المجادلة 02. (1/119)
صفحة 119
المطلب الأوّل وجوب الكفارة:
النطق بلفظ الظهار يوجب الكفارة حسبما تدل عليه الآية في قوله تعالى: {وَالذِينَ يَظَّهَّرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ يَّتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَم يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يّتَمَاسَّا وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُومِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ} (1) الخ.
والكفارة في الظهار على الترتيب التالي:
1 - من وجد الرقبة وعنده ثمنها وجب عليه عتق رقبة مع خلاف هل يجب أن تكون مؤمنة حملا للمطلق على المقيّد في القتل أو تكفي ولو غير مؤمنة قال في النيل وشرحه: لزم غنيا لا تحلّ له زكاة عتق رقبة إن ظاهر، ولا يصحّ له صوم ولا إطعام ولا يجزي قادرا على صوم إطعام وتحرم إن مسّت على ذلك ولا تجزي مشركة، قال في الشرح عندنا وفي كتاب ''الدعائم'' يجوز عتق الذمي نصرانيا أو يهوديا وقال قوم يجزي للمسلم عتق مشرك ولو جاحدا أو مجوسيا، وفي ''الديوان'' تجزي غير الوثنية والمجوسية قال ولا مجنونة ولا فاقدة جارحة أو شلل أو عَسَم.
ولزمت نفقة معتق غير بالغ حتّى يستطيع القيام بنفسه وفي العتق تفاصيل نحن في غنى عنها إذ لا وجود للعبيد.
وقال باب لزم عاجزا عن عتق صوم متتابعين، فإن صام شهرا أو دخله مال أعتق ويجدّد الصوم إن هلك ما دخله من حينه لا بتضييع.
وإن صام شهرا فأكل نهارا بنسيان أو مرض أو اضطرار أو إكراها فهل يجدّد أو يبني، خلاف، قال في الشرح: أظهرهما عندي الثاني، وإن صام بعضا فاستقبله رمضان أو الأضحى جدّد وإلاّ فقولان قال في الأصل ورخص لمظاهر غشيه رمضان أن يسافر ويصومه على ظهاره.
إن قرب الإيلاء، وإن صام متتابعين ثم علم بمال دخله قبل الصوم لم يجزه ولا تحرم إن مسّ قبل علمه به.
قال ويطعم عاجز عن عتق وصوم ستين مسكينا غداء وعشاء أو يعطي لكلّ مدين ممّا مرّ ولا يجزي غذاء دون عشاء ولا عكسه.
قال في الشرح وإن أطعم غداء دون عشاء أو العكس ومسّ حرمت. ولا يشترط أن يكون العدد ستين مرّة واحدة بل لا بأس من إطعام ستّة، عشرة أيام مثلا أو عشرة ستة أيام، والمهم بلوغ الستين. قال ولا تطعم كفارتان لعدد واحد بيوم وجاز بكيل ولو أكثر.
__________
(1). المجادلة: 03 - 04. (1/120)
صفحة 120
المطلب الثاني وجوب المسّ قبل مضي أربعة أشهر:
الظهار نوع من الإيلاء كما تقدّم، فيجب على المظاهر شرطان أساسيان حسب تصريح الآية.
أ- التكفير قبل المسّ والمراد به الجماع فإن مسّ قبل التكفير حرمت عليه.
ب- وجوب المسّ بعد التكفير بأن يجامع زوجته قبل مضي أربعة أشهر، فإن منع من المسّ بأمر قاهر كمرض لم يتمكّن لم يتمكن معه من الجماع أو بسجن أو عدو مانع فليشهد على ذلك أنّه ناويا للمسّ لولا المانع فلا تبين.
فإن مضت أربعة أشهر كان ذلك طلاقا بائنا لا يجد فيه مراجعة زوجته إلاّ بتجديد النكاح.
وإن جدّد نكاحها استقبله التكفير قبل مضي أربعة أشهر مع المسّ.
الفصل الرابع
اللعان وأحكامه
مما تتمّ به الفرقة بين الزوجين اللعان: والبحث فيه على أربع مباحث:
المبحث الأوّل تعريفه ومشروعيته:
ففيه مطلبان:
المطلب الأوّل تعريفه:
اللّعان في اللغة مصدر لاعن وهو أن يلعن أحد آخر ويردّ عليه واللعن الدعاء بالإبعاد عن الرحمة، و في الشرع كما عرّفه في شرح النيل يمين الزوج على زوجته بزنى أو نفي نسب ما ولدت ويمين الزوجة على تكذيبه.
وإنّما اللعن في لفظ الزوج لكن المرأة توافقه.
قال: وخرج بالزوج السيّد فإنّه لا لعان بين سيّد وأمته، وخرج بالزنى ونفي النسب ما إذا رماها بمقدّماته.
المطلب الثاني مشروعيته:
اللّعان مشروع بقوله تعالى: {وَالذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهْمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} (1) الخ. فهو مشروع إذا رمى الزوج زوجته بزنى أو ما يلزم عنه صريحا أو كناية، ولا يقع إلاّ في زمن الإمام وقد ثبت بالسنّة أيضا فقد أقام اللعان بين هلال بن أمية وزوجته (وهو أوّل لعان في الإسلام).
المبحث الثاني صورته:
__________
(1) - النور: 03 - 07. (1/121)
صفحة 121
صورة اللعان محدّدة بالآية الكريمة، قال في النيل وشرحه:» إن رمى حر بالغ عاقل مسلم زوجته كذلك بزنى لاعنها «قال في الشرح: في المسجد الجامع عند المنبر بعد العصر بمحضر الإمام بمجمع من النّاس مستقبلا وذلك تغليظ مستحب اهـ. فيقول الزوج أشهد بالله الذي لا إله إلاّ هو أنّي لصادق أربع مرّات ويقول في الخامسة: لعنة الله عليّ إن كنت كاذبا. فإن اعترفت الزوجة رجمت وإلاّ فتقول: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو أنّه لكاذب تقول ذلك أربع مرّات وفي الخامسة تقول: غضب الله عليّ إن كان صادقا هذه هي صورة اللعان جعلها الله مخرجا للزوج وهي كما نرى أمر لا يقدم عليه من كان كاذبا إلاّ وهو مقدم على اقتحام حدود الله ومن فعله فعقابه عند الله شديد.
المبحث الثالث: ما يترتب على اللعان:
إذا تمّ اللِّعان بين الزوجين على الصورة المتقدّمة فرّق بينهما وحرمت عليه بتأبيد. قال في شرح النيل: وإذا تمّ اللعان بين متلاعنين فرّق الإمام أو نحوه بينهما قيل فبتفريقته تقع الفرقة، قلت بل افترقا بنفس اللعان وينسب إليها ما ولدت بعد ذلك وكذا ما أنكر من أولادها، إن أنكره عند ولادته مباشرة، وإلاّ ثبت نسبه إلاّ إن كان غائبا فأنكره عند قدومه ووقع اللعان.
الفصل الخامس
ما تحرم به الزوجة
تحرم الزوجة على زوجها ويفترقان أبدا بكلّ نكاح محرم عمدا مع خلاف في بعضها وذلك لثمانية جوانب، ففيه ثمانية مطالب:
المطلب الأوّل ما يتعلق بها:
تحرم الزوجة وتبين بلا طلاق إذا تعمّد بها نكاحا محرما وهي أربع:
أ- إذا جامعها مع غيوب الحشفة في دبرها أو فمها قال في النيل وشرحه: تحرم بتأبيد وتبين بلا طلاق إن مسّها بعمد في دبر أو فم.
قال في الشرح: ورخص بعض أن لا تحرم كما في الديوان وكتاب الألواح ولو تعمّد ذلك مرارا إذ لا فرق بين مرّة وأكثر.
ورخص أبو يحي الفرسطائي وألزم كلاّ خمسة دنانير.
ملاحظة:
أمّا بالنسبة لحكم ذلك فقد تقدّم أنّ من فعل ذلك فهو ملعون بنص الحديث وقد تقدّم.
وكذا في الشرح عند ذكر الفم قال لعلّه قاس على الدبر لأنّه لا يكون منه النسل وقيل لا ما لم ينزل فيه (1/122)
صفحة 122
وقيل لا ولو أنزل اهـ ج 6 ص 456/ 457.
ولا يخفى أنّ هذا عمل تستنكره العقول السليمة وهو ما استورد من أعمال منحرفي أوروبا وشذوذها فلنحذر ولا نفتي إلاّ بالتحريم إلاّ للضرورة.
ب- إذا مسّها في الظهار قبل التكفير وقد مرّ.
ج- إذا مسّها بعد طلاق وقبل مراجعة ولو في العدّة.
د- إذا مسّها في حيض وفي معناه النفاس وقيل لا تحرم وهو الصّحيح.
المطلب الثاني ما يتعلّق بمحارمها:
قال في النيل وشرحه مواصلا ما تحرم به بتأبيد قال أو تزوّج عليها ما ولدها من أمّهات أو جدّات أو ما ولدت أي من بنات أو حفيدات من بنيها أو بناتها أو تزوّج عليها ما يحرم الجمع بينها وبينه من عمّات وأخوات أو خالات.
المطلب الثالث: ما يحرم بالنظر واللّمس:
وذلك إذا نظر أو مسّ فرج من ولدها أو ما ولدت وإن علا أو سفل، قال في الشرح ولو دبرا عمدا أو بغير عمد وقيل لا تحرم بغير عمد أو ضرورة كتنجية أو مداواة وكذا إن مسّها بفرجه في أيّ موضع من جسدها.
أو تعمّد نظر فرج بنتها البالغة منه أو من غيره وإلاّ فقولان وكذا إن تعمّد مسّ فرج طفلتها وإن من غيره.
المطلب الرابع: ما يتعلّق بآبائه وأبنائه:
قال في النيل وشرحه قال تحرم إن وطئها ولده وإن سفل أو صغيرا أو والده وإن علا ولو بإكراه كما قال في الشرح أو كان الولد من غيرها قال والنّظر كاللّمس في ذلك كلّه وسواء في تلك المسائل النّسب أو الرّضاع وسواء علم أحد الزّوجين أو علما معا.
المطلب الخامس ما يترتّب عن الزّنا:
قال في النيل وشرحه، مواصلا من يحرم أو زنت بعلم منه أو زنى وعلمت لا إن أقرّ به قال في الشّرح إن زنت ولو ببهيمة أو زنى ولو ببهيمة أو طفل قال فإذا أقرّ أحد الزّوجين بالزّنى للآخر لم يحرم عليه ولا يصدّقه وإن وقع التّصديق في قلب أحدهم فلينفِه قال ولعلّ وجه ذلك أنّ إقرارهما إخبار بأمر لم يوضع للفرقة بل يترتّب عليه ولا سيّما المرأة فإنّه لا طلاق لها إلاّ أن يوضع بيدها.
وقد ذكر أنواعا من المشاهدات تحرم بها إذا كانا أطفالا أو مجانين.
المطلب السادس: ما يتعلّق بمحارمه هو:
قال في النيل وهل تحرم إن نظرت فرج والده عمدا وإن علا أو ولده البالغ وإن سفل وإن من غيرها أو لا قولان قال في الشرح أو ابن بنتها. (1/123)
صفحة 123
المطلب السابع: ما يحرم لعارض:
قال إن تزوّجت طفلا وأرضعته أو أرضعته أمّها أو بنتها فتصبح أمًّا مباشرة أو بواسطة أو بنت أختها أي من تصير به محرّمة منه مطلقا حرم عليها.
وكذا بالغ تزوّج طفلة فأرضعتها أمّه وإن علت أو ولده وإن سفل أو أخته أو من يصير به محرما منها حرمت عليه.
وإن تزوّج طفلتين فأرضعتهما امرأة واحدة حرمتا إذ يصبح جامعا بين أختين.
وكذا تحرم إن ارتدّ أو ارتدّت حتّى يقع رجوع للإسلام.
وكذا إن تزوّجت عبدا فملكته حرم عليها ولا تجديد إلاّ إن أعتقته.
وكذا من تزوّج أمة فأعتقها أو عتقت فاختارت نفسها وصحّ التّجديد.
المطلب الثامن: السّحر ونحوه ممّا يبطل الصّداق:
قال في النيل وشرحه إن ارتدّت زوجة أو سحرت أو قتلت نفسها أو زوجها أو غيره أبطلت صداقها قال في الشرح ولو إلى أهل الكتاب قال والسّحر كلّ فعل يحيل الشّيء لناظره على غير حقيقته وكلّ فعل تحاوله في الإضرار أو في الحب فبكلّ ذلك تقتل وليس الدّعاء وقراءة القرآن وكلّ ما تقدّم لأنّها تفوت نفسها عنه فتحرم به اهـ بشيء من اختصار وتصرّف من ص.
وإن علم أحد الزوجين أو فعل ما يحرم به أحدهما على الآخر فكلّما فعله بعد التّحريم فإثمه على من علم فيجب أن يفارق صاحبه بكلّ ما يمكن ولو بغير علم صاحبه.
(انتهى الشيخ من هذه الدّروس يوم الخميس 22 شوال 1410/ 17 ماي 1990)
الفصل السادس
العدّة وأنواعها وأحكامها
العدّة لازمة بعد كلّ مسّ من بالغ لأنثى ولو غير بالغة والبحث فيها على ثلاث أربع مباحث.
المبحث الأوّل: تعريفها ومشروعيتها، وحكمها: ثلاث مطالب.
المطلب الأوّل تعريفها:
العدّة في اللّغة العدد مثل قوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اِثْنَى عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ} [التوبة: 36] وفي الاصطلاح الشّرعي عندنا هي المدّة التي تمضيها المرأة إثر مسيس من بالغ زوجا أو غيره.
وعند غيرنا هي مدّة تمضيها الزّوجة حدّدها الشّارع بعد الفرقة يجب على المرأة الانتظار فيها بدون زواج حتّى تنقضي ذكره الزحيلي ج7/ 25.
المطلب الثاني: مشروعيتها وحكمته: (1/124)
صفحة 124
العدّة مشروعة بكتاب الله في عدّة مواضع منه، منها قوله: {وَالمُطَلًّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ} الخ [البقرة: 238]، وقوله: {وَاللاَّئي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ اِرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ واللاَّئي لَمْ يَحِضْنَ} الخ [الطلاق: 4] والحكمة من ذلك استبراء الرّحم من الولد حسب قوله تعالى: في الآية السّابقة من البقرة {وَلاَيَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يَومِنَّ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} ففيها أيضا التماس ما يرجى من رجوع المياه لمجاريها بين الزّوجين بالارتجاع.
ومن العلماء من يقول إنّها غير معقولة المعتنى لما جعل الله من عدّة الوفاة وفاء للزوج واستحضار لنعمته عليها بأربعة أشهر فالولد يظهر ولو قبل ذلك ثمّ ما في عدّة الأمة والكتابية.
المطلب الثالث: حكمها:
العدّة واجبة بالكتاب والسنّة والإجماع أمّا الكتاب فبما تقدّم من الآيات.
أمّا السنّة فقوله - صلى الله عليه وسلم -:» لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميّت فوق ثلاثة أيّام إلاّ على زوج فأربعة أشهر وعشرا «رواه البخاري ومسلم.
أمّا الإجماع فأجمع العلماء على وجوب العدّة في الجملة وإنّما اختلفوا في أنواع منها.
المبحث الثاني: أنواعها:
تتنوّع العدّة باعتبارين فلها مطلبان:
المطلب الأوّل: باعتبار نوع الفرقة. وهي ثلاث ففيه ثلاث محاور:
المحور الأوّل عدّة المطلّقة:
وهي نوعان مطلّقة حامل فعدّتها وضع آخر ما في بطنها، وغير الحامل سيأتي حكمه باعتبار آخر وهي إمّا طلاق رجعي أو بائن أو مملك أو ثلاث أو بفداء أو خلع أو ظهار أو إيلاء ولكلّ أحكام.
المحور الثاني: عدّة المتوفّى عنها زوجها:
عدّة المتوفي عنها زوجا مشروعة بكتاب الله وسنّة رسول الله أمّا السنّة فالحديث المتقدّم أمّا الكتاب فقوله تعالى: {وَالذِِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234].
فلا خلاف في عدّتها وإنّما الخلاف إذا توفّي عنها زوجها وهي حامل فهل تتمّ عدّتها بوضع حملها أو حتّى تتمّ أربعة أشهر.
فمن اعتبر العدّة استبراء للرّحم اعتبر عدّتها تمّت ومن راعى ظاهر الآية قال تعتدّ بأبعد الأجلين فإذا كان الحمل متّصلا بعد أربعة أشهر وعشرا فلا خلاف، أمّا إذا وضعت قبل الأربعة فإلى تمامها وهو القول الرّاجح عندنا، قال في النيل وشرحه تعتدّ مطلّقة حائض ثلاثة قروء إلى أن قال:» والمتوفّى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا لمغيب شمس الأخير وأبعد الأجلين إن كانت حاملا «. (1/125)
صفحة 125
قال في الشرح احتياطا عندنا وعند علي وابن عباس وبه قال مالك وفيه جمع بين آية الحوامل وآية الموت.
وقال فقهاء الأمصار مالك وغيره وأبو هريرة وأبو سلمة وابن عبد الرّحمان وجمهور علماء الأمّة إنّ عدّتها أن تضع حملها اهـ ج7 ص421/ 2 قال في الأصل والأمة المتوفّي عنها نصف الحرّة وإن طلّقت فحيضتان.
المحور الثالث عدّة الاستبراء:
عدّة الاستبراء لا تتقيّد بشيء بل بكون المرأة خلا بها بالغ سواء كان زوجا أو غيره بإكراه أو مطاوعة أو غلط أو تعمّد زنى، أو أمة اشتريت فلا بدّ من استبرائها حسب حالها كما سيأتي حتّى لا تختلط المياه ويتبنّ الولد.
المطلب الثاني: باعتبار حال المرأة.
تتنوّع العدّة أيضا باعتبار حال المرأة، أمّا الحامل فقد تقدّمت، أمّا غيرها سواء طلّقت أولا لاستبراء فتختلف مدّة العدّة باختلاف حال المرأة وهي ثلاث:
أ- المرأة التي تحيض: فعدّتها ثلاث حيض حسبما صرّحت الآية السّابقة في مشروعية العدّة لكن إذا كانت تحيض وانقطع عنها فلا بدّ أن تنتظر حتّى تحيض أو تيأس وقيل تنتظر سنة لأجل مدّة الحمل وثلاثة أشهر للعدّة وهو الصّحيح.
ب- المرأة الصّغيرة: قبل الحيض أو لا تحيض فعدّتها ثلاثة أشهر.
جـ- الآيس: وهي من انقطع الحيض عنها لكبرها وحدّد بستّين سنة حسب قوله تعالى: {واللاَّئي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيض مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ اِرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 04]،
المبحث الثالث أحكام العدّة:
تختلف أحكام العدّة باختلاف حال المرأة ونوع الفرقة ففيه مطلبان:
المطلب الأوّل: باعتبار نوع الفرقة.
تختلف أحكام العدّة باختلاف أنواع الفرقة وهي ثلاث ففيها ثلاث مطالب:
المطلب الأوّل: ما كان السّبب من الزّوج.
إذا كان سبب الفرقة من الزّوج فهو أربعة أنواع ففيه أربعة محاور:
المحور الأوّل الطلاق وهو ثلاث:
أ- الطلاق الرّجعي:
للعدّة في الطلاق الرّجعي أربعة أحكام:
1 - وجوب البقاء في البيت بإجماع فلا يجوز إخراجها كما لا يجوز لها أن تخرج إلاّ لضرورة حسب ظاهر الآية في قوله تعالى: {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إلاَّ أَنْ يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيّنة} [الطلاق: (1/126)
صفحة 126
01]، والظاهر أنّ المراد الخروج لأجل الطلاق أمّا إذا كان خروجا عاديا لزيارة قريب أو نحوه فلا مانع قال القطب رحمه الله في التيسير:» ومذهبنا ومذهب الشافعية جواز الخروج برضاه ورضاها بلا تضييق بعسر النّفقة وأجازوا خروجها لخوف أو بيع غزل أو وحشة «
2 - وجوب جميع أنواع النّفقة من أكل وشرب ولباس وسكنى حسبما يأتي في النّفقات.
3 - يصحّ مراجعتها لقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحًا} [البقرة: 228].
فإذا أراد وأشهد شاهدين عدلين ويبلغانها فيجب أن ترجع.
4 - يقع التوارث بينهما إن مات أحدهما ماداما في العدّة.
ب- الطلاق البائن:
الطلاق البائن يشمل ما إذا قيدّه المطلّق به أو خرجت بالإيلاء أو الظّهار ولها ثلاثة أحكام:
1 - يثبت لها السّكنى لصريح الآية عند جمهور العلماء، أمّا النّفقة فقيل لها النّفقة لكونها معطّلة عن الزّواج وقيل لا، بناء على حديث فاطمة بنت قيس وقوله - صلى الله عليه وسلم -:» إنّما النّفقة والسّكنى للمرأة إذا كان لها على زوجها رجعة «رواه أحمد والنسائي ذكر الخلاف القطب رحمه الله في التيسير ببسط واسع.
2 - لا توارث بينهما إن مات أحدهما إلاّ إذا طلّقها لا ضرار في
3 - لا يمكن مراجعتها إلاّ بتجديد العقد ولو في عدّة.
جـ الطلاق الثّلاث:
إذا طلّق الرّجل زوجته ثلاثا فلها الحقّ في السّكنى أمّا النّفقة فلا إن كانت حاملا كما يأتي ولا توارث بينهما ولا حقّ له في الرّجعة حتّى تتزوّج آخر كما تقدّم.
المحور الثاني: الإيلاء.
اختلف العلماء في المرأة إذا خرجت بالإيلاء فهل عليها عدّة؟ فمنهم من اعتبر الأربعة أشهر كافية لاستبراء الرّحم فلا عدّة عليها بعد ذلك وهو الصّحيح، وقيل تعتدّ فإذا اعتدّت فحكمها حكم عدّة البائن.
المحور الثالث: الظهار.
الخروج بالظهار كالإيلاء.
المحور الرّابع: الحرمة.
إذا حرمت الزّوجة على الزّوج وكان هو السّبب فلها نفقتها وسكناها على الخلاف المتقدّم لأجل التّعطيل ولا تصحّ مراجعة ولا تجديد نكاح ولو في العدّة
طلاقات بائنات يمكن المراجعة فيها في العدّة برضى المرأة وهو الطّلاق المملك والفداء أي لا يجدّد فيهما (1/127)
صفحة 127
العقد ويكتفى بشهادة شاهدين عند المراجعة.
المطلب الثاني: إذا كان السّبب من الزّوجة.
إذا كان سبب الفرقة من الزّوجة ففيه ثلاث محاور:
المحور الأوّل والثاني: الفداء والطّلاق المملك.
المرأة إذا افتدت من زوجها أو طلّقت نفسها في طلاق مملك أو بخيار فلا نفقة لها ولا سكنى إذ هي التي فوتت نفسها.
المحور الثالث: إذا فعلت موجب تحريم بأن زنت أو سحرت أو قتلت نفسها أو غيرها بالباطل فلا نفقة ولا سكنى وإن أخذت شيئا من ذلك أرجعت ما كان بعد التّحريم.
ولا توارث بينهما إن مات أحدهما في الحالات الثلاث.
المطلب الثاني: باعتبار حال المرأة.
يعتبر حال المرأة في أحكام العدّة فإذا كانت غير حامل فقد تقدّم ما فيها، أمّا إذا كانت حاملا فتجب نفقتها وسكناها إن كان رجعيا، أمّا إذا كان ثلاثا فلها النّفقة فقط لعموم الآية: {وَإِنْ كُنَّ أُولاَتُ حَمْلٍِ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}.
أحكام عامّة في العدّة:
للعدّة أحكام عامّة أهمّها ما يلي:
1 - لا عدّة على من طلّقت قبل المسّ ولها المتعة بتقدير العدول.
2 - يجب ضبط العدّة عند ابتدائها فتبدأ العدّة من حين الطّلاق ولو لم تعلم به وكذا المتوفّي عنها زوجها أمّا في النّكاح المنفسخ فحين العلم بانفساخه.
وتنتهي في الحائض عند وصول الماء لرجلها في الغسلة من الثالثة وفي المغرب من آخر الشهر الثالث لمن أعتدّت بالأشهر وفي مغرب اليوم العاشر بعد أربعة أشهر.
3 - لا يحلّ لمن يخطبها في العدّة لصريح الآية في قوله: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَو اَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ} إلى قوله: {وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235].
4 - تتغيّر العدّة بتغيّر حال المرأة فإن اعتدّت بالأشهر ثمّ حاضت قبل انقضائها رجعت للحيض وكذا إن اعتدّت بالحيض ثمّ دخلت سنّ الإياس قبيل الثالثة رجعت للأشهر وإن اعتدّت بعدّة أمة ثمّ عتقت قبيل انقضائها رجعت لعدّة حرّة وكلّ ذلك من غير بناء على سابق وإن اعتدّت بطلاق ثمّ مات قبل تمامها رجعت لعدّة الوفاة. (1/128)
صفحة 128
5 - لا نفقة لها بعد الوفاة وقبل انقضاء العدّة.
6 - تبتدئ عدّة المفقود بعد مرور مدّة الفقد فتعتدّ للوفاة.
7 - إذا طلّق في مرضه ومات اعتدّت عدّة وفاة وَوَرِثَتْهُ إلاّ إن رضيت بالطّلاق كما تقدّم.
8 - اختلف في تمام عدّة الحامل فهل تفوت زوجها بوضع الأوّل أو آخر ما في بطنها.
9 - يجب الإحداد على المتوفّى عنها زوجها قال في النيل وشرحه: فائدة، حكم الواهلة: تتزيّن الرجعية لزوجها ولا تخرج من بيتها إلاّ لما لابدّ منه ولا تخرج البائن ولا تتزيّن بكحل أو سواك أو خضاب إلاّ لعذر ولا بغير ذلك ولا تواكله أو تشاربه ولا يتداخلان إلاّ بإذن ولا تتزيّن المتوفّي عنها زوجها ولا تخرج إلاّ لما لا بدّ منه ما لم تتمّ العدّة وتلبس الثوب الأسود لأنّه علامة الحزن، وقيل لا يجوز لها ذلك ولا الأدكن إن وجدت سواه ولا تلبس خاتما ولا سوارا أو خلخالا ولا تدخل حماما ولا تطلي جسدها بالنورة ولا تتطيّب ولا تتبخّر ولا تمشط بدهن ولا بحناء حرة أو أمة، حرّة مسلمة أو مشركة .. الخ.
10 - هل على الرّجل عدّة؟ لا عدّة على الرّجل إلاّ فيما إذا طلّق امرأة وأراد زواج أختها فلا حتّى تتمّ عدّة مطلّقته، وكذا إذا طلّق رابعة، أمّا إذا توفّيت إحداهما فلا عدّة.
11 - يلحقها طلاقه وإيلاؤه لعانه ما دامت في العدّة إلاّ في الثلاث.
هذا ما تيسّر جمعه للمرحلة الثانية من التخصّص وبالله التّوفيق.
بسم الله الرّحمان الرّحيم
صلّى الله على سيّدنا محمّد
نشرع بحول الله في سير المرحلة الثالثة من التخصّص في الشّرعيات
في: 13 أكتوبر 1990/ 02 ربيع الأوّل 1411هـ.
وذلك بإتمام ما بقي من برامج المرحلة الثانية في الأحوال الشخصية.
الباب الثالث
حقوق الأولاد
مقدّمة
ممّا يمتاز به الإسلام مراعاة التّكافل الاجتماعي في جميع جوانبه وقد تقدّم بعض من ذلك في الزكاة وحقوق الأزواج ونظام تعدّد الأزواج وأحكام العدد والآن نأتي بأهمّ جانب منه وذلك: (1/129)
صفحة 129
فيما شرعه من مراعاة القوي للضّعيف فأوجب حقّه عامّا وخاصّا وقد بيّن ذلك فقال: {وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ ضُعْفٍ ثمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضُعْفٍ قُوَّةً ثمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضُعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ} [الروم: 54]، فاقتضت حكمة الله تطوّر الإنسان في مراحل حياته لكن شرّع ما يناسب ذلك لتقوى رابطة المجتمع فأوجب حقّ الضّعيف على القوي من ثلاث جوانب حسب أدلّة القرآن والسنّة.
1 - جانب الصّغر حيث أوجب مراعاته فقال: {وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنَ اَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ} الخ [البقرة: 232].
فالصّبي يولد ولا حول له ولا قوّة فشرع إرضاعه وجوبا أو ندبا حتّى لا يضيع فضلا عمّا أقرّ من حنان في قلب أمّه يجعلها لا تستطيع إهماله إلاّ لشذوذ أو أمر قاهر خارجي، وأوجب على من ولد في فراشه نفقة مرضعه إلى غير ذلك من نصوص الشّرع.
2 - ضعف الكبر فقال: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إيَّاه وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا} وذلك غني عن التّعليق.
3 - اليتيم فقد أوجب حقّه عامّة لفقدان من تعلّق به حقّه بالأولى فحرّم إضاعة ماله وأوجب مراعاته حتّى يبلغ أشدّه فقال: {وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إلاَّ بِالتِي هِيَ أَحْسَن} [الإسراء: 34].
فنرى أنّ الحكيم الخبير أوجب مراعاة الأسرة إذ هي اللّبنة الأولى في المجتمع ليقوم على أساس متين من مراعاة الصّبي ومراقبة نموّه بدنيا وعقليا وخلقيا، كما لا نهمل اليتيم والكبير الضعيف فشرعت الحضانة والحقوق والنّفقات ولمّا كان ذلك لا يثبت إلاّ بثبوت النّسب فلا بدّ من بحث حول ثبوته فيشتمل الباب على ثلاث فصول يتقدّمها تمهيد.
الفصل الأوّل
النسب
يشتمل الفصل على تمهيد ومبحثين:
تمهيد:
أتى الزحيلي في أوّل الكلام على النّسب بتمهيد مفيد رأيت أن آتي به وهو ضروري للبحث حول النّسب وثبوته فقال:
عناية الشّرع بالنّسب، وتحريم التبنّي والإلحاق من طريق غير مشروع.
النّسب أقوى الدّعائم التي تقوم عليها الأسرة ويرتبط بها أفرادها برباط دائم من الصّلة تقوم على أساس وحدة الدّم والجزئية والبعضية، فالولد جزء من أبيه والأب بعض من ولده.
ورابطة النّسب هي نسيج الأسرة التي لا تنفصم عراه وهو نعمة عظمى أنعمها الله على الإنسان، إذ (1/130)
صفحة 130
لولاهما لتفكّكت أواصر الأسرة وذابت الصّلات بينهما، لما بقي أثر من حنان وعطف ورحمة بين أفرادها، لذلك امتن الله على الإنسان بالنّسب فقال: {وَهُوَ الذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} [الفرقان: 54].
وقد منع الشّرع الآباء من إنكار نسب الأولاد وحرّم على النّساء نسبة ولد إلى غير أبيه الحقيقي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» أيّما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله الجنّة، وأيّما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الأوّلين والآخرين يوم القيامة «رواه أبو داود والنّسائي وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة وهو صحيح.
ومنع الأبناء من الادّعاء إلى غير آبائهم فقال:» من ادّعى إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنّة عليه حرام «رواه أحمد والبخاري ومسلم.
وحرّمت الشريعة نظام التبنّي وأبطلته بعد أن كان في الجاهلية وقد تبنّى النّبي - صلى الله عليه وسلم - زيد بن حارثة قبل النبوءة إلى أن نزل قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُم ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ أُدْعُوهُم لِآبَائِهِم هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ} الخ [الأحزاب: 4 - 5].
فالحقّ يدعو والعدل يقضي ويوجب نسبة الولد إلى أبيه الحقيقي لا لأبيه المزوّر والإسلام دين الحقّ والعدل.
والعنصر الغريب عن الأسرة لا ينسجم معها سواء أكان ذكرا أم أنثى فمن تبنّى لقيطا أو مجهول النّسب دون أن يدّعي أنّه ولده لم يكن ولده ولا يصحّ التّوارث بينهما ولا يجري عليه أحكام التّحريم بالقرابة، ومن كان له أب معروف دعي إلى أبيه، ومن جهل أبوه كان مولّى وأخا في الدّين منعا من تغيير الحقائق وحفظا لحقوق الآباء والأولاد من الضّياع.
لكن لم يمنع الإسلام تربية ولد لقيط وتعليمه ثمّ حجبه من الأسرة إذا بلغ أو قبله بقليل، وإنّما فتح باب الإحسان إليه من أوسع نطاق وعدّ ذلك إنقاذ للنّفس من الهلاك وإحياء النّفس البشرية، {وَمَنْ أَحْيَا نَفْسًا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}.
ونسب الولد لأمّه ثابت في كلّ حالات الولادة شرعية أو غير شرعية، أمّا نسب الولد لأبيه فلا يثبت إلاّ من طريق الزّواج الصّحيح أو الفاسد أو الوطء بشبهة أو الإقرار بالنّسب.
وأبطل الإسلام إلحاق الولد عن طريق الزّنا حسبما كان في الجاهلية فقال - صلى الله عليه وسلم -:» الولد للفراش وللعاهر الحجر «رواه الجماعة إلاّ التّرمذي، وقد دلّ ظاهر الحديث على أنّ الولد إنّما يلحق بالأب بعد ثبوت الفراش وهو لا يثبت إلاّ بعد إمكان الوطء في الزّواج الصّحيح أو الفاسد وهو رأي الجمهور (وسيأتي رأي المذهب قريبا) وروي عن أبي حنيفة أنّه يثبت مجرّد العقد وردّ بأنّه لا بدّ من إمكان الوطء اهـ. (1/131)
صفحة 131
وكلّ ما ذكره فهو موافق لما عندنا.
المبحث الأوّل ثبوت النّسب وأسبابه:
يثبت النسب بمثبوت وجود الولد في بطن أمّه من رجل ثبت اتّصاله بامرأة بوطء شرعي أو من غير قصد إنّما في مدّة ما بين أقل مدّة الحمل وأكثره المعتبرة شرط.
ولا بدّ قبل بيان أسباب ثبوت الحمل من توضيح ثلاثة أمور ذكرها الزحيلي فسآتي بها باختصار:
1 - بين أقل مدّة الحمل وأكثره:
أمّا بالنسبة لأقلّ الحمل فقد اتّفق الفقهاء على أقلّه وهو ستّة أشهر إلاّ أنّهم اختلفوا متى يبدأ الحساب فهل من تمام العقد أو بعد الدخول كما سيأتي فعند أبي حنيفة من تمام العقد، وعندنا وعند جمهور الفقهاء من وقت الدخول.
ودليل أبي حنيفة عموم حديث الولد للفراش وتصير فراشا بمجرّد العقد وعند الجمهور مع إمكان الوطء.
والدليل على أقلّ الحمل يثبت استنادا على قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا} وقوله: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} فإذا طرح عامين من ثلاثين بقيت ستّ أشهر قال والواقع والطّب يؤيّدان ذلك وكذا عمل الصّحابة. فقد روي أنّ رجلا تزوّج امرأة فولدت لستّة أشهر فرفع أمره إلى عمر - رضي الله عنه - فهمّ برجمها فقال ابن عبّاس أما إنّها لو خاصمتكم إلى كتاب الله لخصمتكم وآتى بالآيتين فدرأ عنها الحدّ (الواقعة في زمن عثمان أيضا)
لا عمر ......
أمّا أكثر مدّة الحمل ففيه خلاف وأقوال أشهرها ما يلي: باختصار.
أ- قول أبو حنيفة سنتان مستندا إلى رواية عن عائشة رواه الدارقطني (وهو قول الإباضية كما ذكر في شرح النيل بعد ذكره لأقوال المذاهب قال وقال الشيخ إسماعيل وغيره من أصحابنا: أقصى مدّة الحمل سنتان وكأنّه أراد أنّه يلحق الزّوج الذي فارقته ما لم تتم السّنتان) اهـ ج7 ص421.
ب- رأي الشافعية والحنابلة أربع سنين لأنّ ما لا نصّ فيه يرجع إلى الوجود وقد وجد حمل لأربع سنين.
جـ- قول المالكية المشهور عنهم واللّيث بن سعد: سنة قمرية وهو رأي محمّد بن عبد الحكيم.
د- رأي ابن حزم تسعة أشهر قمرية وهو رأي عمر (وفي فقهه غير ذلك) اهـ كلام الزحيلي باختصار وتصرّف.
قال في فقه عمر رفعت امرأة إلى عمر غاب عنها زوجها سنتين وهي حبلى فهمّ عمر برجمها فقال له معاذ: إن يك لك سبيل عليها فليس لك سبيل على ما في بطنها فتركها عمر فلمّا ولد رأى زوجها شبهه به قال عمر: (لولا معاذ لهلك عمر) رواه عبد الرزاق وشرح السراجية والمغني. (1/132)
صفحة 132
وفي القوانين الاعتماد على قول الأطبّاء.
2 - الخلاف في الولادة وتعيين المولود:
قد يقع اختلاف بين الزّوجين في ولادة المعتدّة وذلك أن تدّعي المعتدّة أنّها ولدت أثناء المدّة التي يثبت فيه النّسب وينكر الزّوج قائلا أنّها لم تلد.
فلا يثبت عند أبي حنيفة إلاّ إذا شهد رجلان بولادتها أو رجل وامرأتان لأنّ عدّتها انقضت بإقرارها بوضع الحمل.
وقال صاحباه يثبت ذلك بشهادة امرأة واحدة اهـ.
وهو المعوّل عندنا قال في النيل وشرحه أصل (وترد من نساء في الحدود وتقبل منهنّ فيما لا يباشره الرّجال كرتق وعذرة وقصاص وبيان حمل وحياة مولود عند ولادته أو موته ومن قابلة أمينة إن لم تجر لنفسها وتدفع قال في الشرح: ولا يقبل من قابلة أنّه ذكرا أو أنثى لأنّه ممّا يباشره الرّجال ويرونه.
واختلفوا في كلّ ما لا يباشره الرّجال فقيل بشهادة أمينة وقيل أمينتين كلّ واحدة بمنزلة رجل وقيل أربع قال في الدّيوان وأمّا شهادة الإماء فلا تجوز إلاّ في الولد المنفوس اهـ ج13 ص119 - 121
قال الزحيلي أمّا الاختلاف في المولود بين الزّوجين بأن يعترف بالولادة وينكر شخص المولود بأن يقول أنّها ولدت بنتا وهي تدّعي ذكرا فيتعيّن المولود بشهادة امرأة باتّفاق الحنفية.
وقال المالكية تعيين المولود يكفي فيه شهادة امرأة وعند الشافعية أربع نسوة في كلّ أمور النّساء اهـ أمّا عندنا فقد تقدّم.
3 - إثبات المولود بالقيافة:
قال الزحيلي: إذا تزوّجت المرأة من زوج آخر أثناء العدّة من زوج سابق وأتت بولد يمكن أن يكون منهما فمن الذي يلحق به؟
وإذا ادّعى رجلان أو ثلاثة لقيطا فمن الذي يحكم به له؟
هل يمكن إثبات الولد في هاتين الحالتين بالقيافة أو القافة، والقيافة تتبّع الأثر، والقافة قوم من العرب لهم معرفة بفصول تشابه النّاس: اختلف النّاس الفقهاء في الاعتماد على القافة فرأى الحنفية أنّ الأصل ألاّ يحكم لأحد المتنازعين في الولد إلاّ أن يكون فراشا له لقول النّبي - صلى الله عليه وسلم -:» الولد للفراش فإن عدم الفراش أو اشتركا فيه كان بينهما «، ولا يعمل بقول القائف.
ورأي الجمهور وهم (مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور والأوزاعي) أنّه يحكم بالقافة وذكر دليلا عن عائشة فيه اعتبار النّبي - صلى الله عليه وسلم - بالقافة وقصّة لعمر كذلك اهـ ج7 ص676 - 680.
والظّاهر أنّ أهل المذهب لا يعملون بالقافة قال في جوهر النظام للسّالمي رحمه الله: (1/133)
صفحة 133
فالابن للفراش فيما أخبرا ... نبينا والزاني يعطى الحجرا
وإن أقرّت أنّه لغيره ... أو أشبه الغير لدى تصويره
فكلّ ذاك ما به اعتبار ... وللفراش حكم المختار
اهـ ج2 ص205.
وقال في المدونة الكبرى لابن غانم الخراساني رحمه الله قلت فرجلان اجتمعا على امرأة في طهر واحد وادّعيا الولد قال إن عرف الأوّل فالولد للأوّل وإلاّ فالولد لهما يرثهما ويرثانه ويرث كلّ نصف الميراث.
قلت أيدّعى له القافة؟ كما روى هؤلاء عن عمر فعل ذلك، قال لو نعلم أنّ عمر فعل ذلك لأخذنا به ولأثرناه على سواه وما أحبّ لأحد أشفق عليه أن يأخذ بأمر القافة لأنّهم يخطئون خطأ كبيرا ثمّ ساق واقعة عمر مع أعرابيين ادّعيا ولد وأثبته القافي لهما معا. اهـ المدونة ج2 ص65.
ثبت النّسب وأسبابه
أسباب ثبوت النّسب:
يثبت نسب الولد من أمّه مهما كان حملها شرعيا أم غير شرعي.
1 - أسباب ثبوته من أبيه فهي نوعان:
متّفق عليهما وهي ستّ حالات:
أ- اتّصال الرّجل بالمرأة بوطء من بالغ بنكاح صحيح إذا أتت به من ستّة أشهر فما فوق ما لم يقع فراق وتتمّ العدّة.
ب- ما دامت المرأة في عصمة الرّجل ما لم يفارقها ولو مفقودا لم يثبت موته حقيقة أو حكما.
ج- إذا فارقها وأتت به في مدّة لا تتجاوز مدّة الحمل المعتاد تسعة أشهر.
د- إذا جاءت به بوطء بشبهة عن غير قصد زنا وذلك فيما يأتي:
- أن يقع النّكاح بزواج تام في أركانه لكن الشّهود عبيد أو مشركون.
- والزوج لا يعلم أو يزوّجها عاقد غير ولي متطفّل وهو يظنّ أنّه ولي فيفرّق بينهما ويثبت النّسب.
- أو يدخل عليها رجل بغلط في بيوت متسامية وهي لا تعلمه وهو لا يعلمها من قبل ثمّ يظهر ذلك بعد الوطء.
أن يجدها رجل في فراشه يظنّها زوجته فيطأها ولم تشعر إلاّ وقد وقع، فإن علمت وتركته فهي زانية.
هـ- أن يتزوّج رجل إمرأة ويدخل بها فيظهر أنّها محرمته فيفترقان ويثبت النّسب.
و- أن يزوّجها وليان فيدخل عليهما الزّوجان في ليلة ولم تميّزهما وقد ظنّت أنّه الأوّل رجع بعد خروجه عنها ثمّ يظهر ذلك فهو مشترك بينهما. (1/134)
صفحة 134
2 - مختلف فيه وهو أحوال كثيرة أهمّها ما يلي:
أ- ما أتت به بعد العقد ولم يثبت الدّخول إن أتت به من ستّة فما فوق فلا يلحقه عندنا حتّى يثبت الاختلاء بينهما بعد العقد.
ب- إن وقعت الخلوة وأنكر أو أنكرت المسيس فيلحقه عندنا.
جـ- أن يقع العقد واستبعد دخوله بها وقد تزوّجها وهو في مكان بعيد ولم يقدّم وولدت بعد ستّة أشهر من يوم العقد فهناك من ألحقه لإمكان الكرامات لكن اليوم يمكن بدون كرامة ووسائل النقل متوفّرة وسريعة فإن ادّعت اتّصاله ثبت نسبه أو يلاعن عند ولادته أو علمه بالحمل.
ورفض غير الشافعي ثبوت النّسب إن لم يثبت إمكان الوطء العادي.
د- أن يطلّق الرّجل زوجته قبل الدّخول والخلوة فإن أتت به قبل ستّة أشهر أثبته الزحيلي ولم ينسبه وهو غريب.
وعندنا لا يثبت النّسب إلاّ بعد الدّخول ومضي ستّة أشهر.
هـ- أن تأتي به بعد طلاق رجعي وقد مضى أقصى مدّة الحمل فعند الحنفية يثبت إذ يمكن اتّصاله بها واعتبروه رجعة.
أمّا عند غيرهم فلا يثبت بعد مضي أكثر مدّة الحمل على الخلاف المتقدّم فعندنا يثبت في سنتين فأقل بعد الطلاق بشرط أن يظنّ وجوده.
وأن تأتي به بعد طلاق بائن وقبل مضي أكثر مدّة الحمل:
يثبت نسبه عندنا كما تقدّم في الطلاق الرّجعي أمّا عند غيرنا فيثبت إن احتمل اتّصاله بها مدّة الفرقة.
وإن أقرّت بانقضاء العدّة في مدّة تحتمل انقضاءها فلا يلحقه.
ز- ثبوت النّسب من العنين والخصي والمفتول فعندنا يثبت النّسب بوطء أي بالغ أو مراهق ولو كان أحد المذكورين وعند غيرنا بخلاف واسع.
وكلّ ما ذكرته من ثبوت النّسب عندنا فهو في أماكن متعدّدة من النيل وشرحه وفي أبواب مختلفة.
وأطلت الكلام فيه لما يترتّب عليه من أحكام فيما مضى وما يأتي ويثبت النّسب أيضا بالإقرار وفيه شروط ستأتي عند الكلام على الإقرار.
المبحث الثاني: طرق لثبات النّسب.
يثبت النّسب بالأسباب المتقدّمة وطرق إثباتها ثلاث:
أ- الزّواج الصّحيح أو الفاسد في بعضه إن طرأ عليه فساد من غير عمد فهو طريق لإثبات النّسب للزّوج ما دامت المرأة في عصمته منه.
ب- الإقرار بالنّسب أو إدّعاء الولد بأن يقرّ الأب بالولد أو الابن بالأب من امرأة لم تعرف فراشا لغيره (1/135)
صفحة 135
ولم يعرف نسب الولد ولو حكما وسيأتي زيادة إيضاح كما تقدّم.
جـ- البيّنة هو أن يشهد رجلان أو رجل وامرأتان من أنّ هذا ولد فلان أو أبوه أو أخوه أو أحد أقاربه مطلقا كأن يكونا من بلده وهو غير معروف النّسب أو طال غيابه ثمّ رجع أو نحو ذلك.
الفصل الثاني
الرضاع وأحكامه
يشتمل الكلام على الرّضاع على خمس مباحث:
المبحث الأوّل: تعريفه ومشروعيته. ففيه مطلبان
المطلب الأوّل: تعريفه.
الرّضاع والرّضاعة مصدر رضع يرضع الولد أن مصّ ثدي أنثى.
وفي الاصطلاح وهو مصّ ولد ذي سنتين فأقل ثدي امرأة ذا لبن مغذ ولو مرّة واحدة على الصّحيح.
المطلب الثاني: مشروعيته.
الرّضاع مشروع بالكتاب والسنّة ومعتبر إجماعا: فالكتاب قوله تعالى: {وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 232]،
والسنّة قوله - صلى الله عليه وسلم -:» الرّضاعة تحرم كالولادة «رواه البخاري ومسلم. فإرضاع الولد مشروع ولو لقيطا إذ لا يجوز ترك تنجيته مهما كان.
المبحث الثاني: أحقّيته.
حقّ الرّضاع يعتبر من جهتين ففيه مطلبان:
المطلب الأوّل: هو حقّ للولد.
والخلاف على من يجب إرضاعه:
فمن العلماء من اعتبر وجوب الرّضاع على الأم لأنّ الله يقول: {وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدهُنَّ}
فمن اعتبر أنّ الأمر للوجوب ألزمهنّ ذلك، ومن العلماء من اعتبر أن ّالأمر للنّدب لما في آية الطّلاق من قوله: {وَإِنْ تَعَاسَرْتُم فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} وهو قول القطب رحمه الله كما في التيسير قال: {وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدهُنَّ} في الحكم الشّرعي أو أرضعن يا والدات والأمر للندب عند قدرة الأب أو سيّد الزوج على الإجارة ووجود غير الأمّ وقبول الولد لغيرها.
وللوجوب عند فقد ذلك فيكون من عموم المجاز اهـ. ج1 ص331. (1/136)
صفحة 136
فإذا قامت الأم بإرضاع ولدها فهو الأصل وإن امتنعت لعذر أو غير عذر فلا يجبرها الحاكم إلاّ إذا لم يقبل غير ثدييها فعلى الأب أن يلتمس له مرضعة ويؤدّي أجرتها حسب صريح الآية: {وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ}
وإن لم يكن له أب فعلى أوليائه وإن كان لقيطا فعلى من وجده أو الحاكم ولا يجوز إهماله.
المطلب الثاني من له حقّ اللّبن:
قال في النيل وشرحه: (لا ترضع امرأة غير ولدها بلا ضرورة إلاّ بإذن زوجها) وإن لم تستأذنه فتباعة عليها، وجاز بلا إذن لضرورة ولو منع كأن تنجي طفلا بلبنها من الموت بأن لا يكون معها غيره أو لم يقبل عن غيرها أو يجبرها جائر.
أمّا أن تنجي من خرج من حدّ الرّضاع بلبنها فواجب عليها إن لم يجد ما يقوّته، وإن كان بالغا صبّت له في إناء وإن لم يوجد ففي يده إذ لا يجوز رؤية غير وجهها وكفّيها على ما مرّ اهـ ج7 ص5 - 6 فللرّجل أن يمنع زوجته من إرضاع غير ولده منها، ولو طلّقها، ولا يقطع لبن الزّوج الأوّل وإن تزوّجت غيره بعد العدّة حتّى يدخل الزّوج الثاني وله أن يأخذ على إرضاع زوجته أجر لبنه.
المبحث الثالث حكم الرّضاع: حكم الرّضاع يتناول جانبين:
الجانب الأوّل: بالنّسبة للمرضعة.
لا يجوز لها كما تقدّم أن ترضع غير ولدها وهو ما تقدّم من النيل وشرحه ثمّ قال وقد قيل:
(لإن تضع المرأة ثدييها في فم حيّة خير من أن تضعه في فم غير ولدها لا لحاجة كراهة تشبيك الأنساب) قال في الشرح وذلك زجر على إطلاقه ولو بإذن من له اللّبن إلى أن قال لكن لا إثم إذا كان بإذن وإشهاد وهو مع ذلك مكروه. اهـ ج7 ص6 - 7.
ويناسبه ما ذكره الدّكتور أحمد الشرباصي في كتابه يسألونك في الدّين والحياة. قال: وقد سئل أنّ امرأة أرضعت بنتا فهل يجوز أن ترضع أختها (وليس هناك مانع شرعي من أن تقوم بإرضاع البنت الأخرى كما يبدو أنّه ليس هناك داع يدعوا إلى ذلك)
ولكنّه يجب علينا أن نلاحظ هنا أنّ التوسّع في الإرضاع بغير الأمّهات يؤدّي إلى الوقوع في مشكلات كثيرة، وبخاصّة المشكلات التي تتعلّق بالزّواج بين المشتركين في الرّضاع من الأبناء والبنات.
وليس هناك ضرورة إطلاقا لكي تواصل الأمّ المذكورة إرضاع من يأتي من أولاد ولديها حتّى لا تنشأ بينهم علاقة التّحريم اهـ ج المستقل.
ولم أجد في غيره من تحرّج عن الإرضاع في كتب غيرنا.
المبحث الرابع: بماذا يتحقّق الرضاع: (1/137)
صفحة 137
فيما يتحقّق به الرّضاع خلاف فعندنا في المذهب أنّ قليله وكثيره يتمّ به الرّضاع حسب مدلول كلام النيل وشرحه حيث يقول: وإن صبّته في فيه من إناء أو من ثديها وإن قاءه بعد وصوله الجوف فرضاع وكلامه يعني صاحب الأصل كالنّص في أنّه لا حدّ للرّضاع فأقلّ قليل رضاع وهو الصّحيح، وبه قال أصحابنا ومالك وعلي وابن مسعود وابن عمر، وابن عباس، وابن المبارك وأحمد وفي رواية عنه وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي وطائفة من التّابعين وبعض الحجازيين والعراقيين لعدم التّحديد في قوله تعالى: {وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدهُنَّ}، {وَأُمَّهَاتُكُم اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُم} وروى البيهقي عن شريح أنّه قال: كان علي وابن مسعود يقولان يحرم من الرّضاع قليله وكثيره، وقال أبو عبيدة وأبو ثور وداود الظاهري وغيره من الظاهرية: لا يقع التّحريم بأقلّ من ثلاث، وروى مسلم عن عائشة - رضي الله عنه - ا وقال الشافعي وأحمد في رواية عنه لا تحرم بأقلّ من خمس وساق بحثا واسعا فليراجع اهـ ج7 ص8. ونفس الخلاف موجود ومذكور في فقه السنّة قال: والظاهر أنّ الإرضاع الذي يثبت التّحريم هو مطلق الإرضاع ولا يتحقّق إلاّ برضعة كاملة وهي أن يأخذ الصّبي الثدي ويمتصّ اللّبن منه ولا يتركه إلاّ طائعا من غير عارض.
فلو مصّ مصّتين فإنّ ذلك لا يحرم لأنّه دون الرّضاع ولا يؤثّر في الغذاء ثمّ ساق الرّوايات في ذلك.
قال وللعلماء في المسألة آراء نجملها فيما يأتي:
1 - إنّ قليل الرّضاع وكثيره يحرم أخذا بإطلاق الرّضاع في الآية ولما رواه البخاري عن عقبة بن الحارث قال: تزوّجت امرأة فقالت أمة سوداء أرضعتكما فأتت رسول الله فقال دعيها فترك الرسول السؤال عن عدد المرضعات وأمره بتركها دليل أنّه لا اعتبار للقليل والكثير فحيث وجد اسمه وجد التّحريم ولأنّه فعل يتعلّق به التّحريم فيستوي قليله وكثيره، كالوطء الموجب له، ولأنّ إنشاء العظم وإنبات اللّحم يحصل بقليله وكثيره.
وهذا مذهب علي وابن عبّاس وذكر من ذكرهم القطب رحمه الله.
2 - التّحريم لا يثبت بأقلّ من خمس رضعات متفرّقا وساق الأدلّة إلى أن قال وهذا مذهب ابن مسعود وإحدى الرّوايات عن عائشة وعبد الله بن الزّبير وعطاء وطاوس والشافعي وأحمد.
3. التّحريم يثبت بثلاث رضعات لأنّ النّبي قال لا تحرم المصّة والمصّتان وذكر من ذكره القطب اهـ ج2ص67.
الجانب الثاني: الرّضيع.
الذي يتحقّق فيه الرّضاع هو ذو سنتين فأقلّ إذ لا رضاع بعد حولين. رواه الدارقطني وابن عدي عن ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولما في قوله تعالى: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ}، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -:» لا رضاع إلاّ ما نشر العظم وأنبت اللّحم «رواه أبو داوود قال في فقه السنّة:» وإنّما يكون ذلك لمن هو في سنّ الحولين ينمو (1/138)
صفحة 138
باللّبن وينبت عليه لحمه «وعن أمّ سلمة - رضي الله عنه - ا قالت قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» لا يحرم من الرّضاع إلاّ ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام «رواه الترمذي ولو فطم الرّضيع قبل الحولين واستغنى بالطّعام عن اللّبن ثمّ أرضعته امرأة فإنّ ذلك تثبت به الحرمة عند أبي حنيفة والشّافعي اهـ فقه السنّة ج2 ص69 وكلّ ما ذكره فهو عندنا إلاّ أنّنا نعتبر مطلق الرّضاع قليل أو كثير.
المبحث الخامس: أحكام الرّضاع. للرّضاع أحكام أهمّها ما يلي:
1 - إذا ثبت الرضاع من امرأة ذات لبن مغذ أصبحت أمّا للرضيع وزوجها أبا وكلّ من يتّصل بهم من النّساء أو الرجال محارم يحرم تزوّجهم على الذّكر أو الأنثى كالنّسب وذلك إذا تحقّق حسب الأقوال المتقدّمة.
2 - يثبت الرضاع عندنا ولو بشهادة امرأة حسبما تقدّم في الحديث.
3 - يثبت الرضاع سواء وصل اللّبن الجوف بطريق مباشر أو غير مباشر كأن تخلطه بطعام أو ماء لطفل أو أطفال فشرب أو شربوا الكلّ، وكذا إن صبّته فيما يوصل الجوف إن ثبت وصوله وإلاّ فهو شبهة لا يصافح ولا يناكح وكذا إن كان من نساء متعدّدات لأطفال متعدّدين فشبهة.
4 - إذا تغيّر اللّبن بدم أو قيح فالحكم للأغلب فإن غلب اللّبن فرضاع وإن غلب غيره فليس برضاع وإن استويا فشبهة لا يصافح ولا يناكح.
5 - اللّبن للفحل أي للزّوج فلا يجوز أن ترضع إلاّ بإذنه ولو طلّقها ولا ينقطع لبنه ولو تزوّجت غيره ما لم يدخل الزوج الثاني.
6 - إذا تعاقد الولي مع المرضع في إرضاع ولد ولم يذكرا المدّة فلا بدّ من إتمام حولين إلاّ إذا استغنى الرضيع.
7 - أجرة المرضع إذا كانت غير أمّه على أب الرّضيع إن كان، وإلاّ فوليّه وإن كانت أمّه وهي زوجة فلا نفقة لها خاصّة إلاّ إذا طلّقت ولزمت إرضاعه.
8 - إذا كان اللّبن من طفلة قبل النّكاح فلا اعتبار له وقيل يعتبر، وكذا لبن امرأة طال عهدها بالولادة.
9 - فيمن أرضعت ولدا في السنة الثالثة قيل شبهة لا يصافح ولا يناكح.
10 - اللّبن تابع للحرّية والإسلام فإذا أرضعت مشركة مسلما اقتصرت الحرمة عليها ولا يجاوزها وكذا أمة أرضعت حرا.
11 - ومن كان له أكثر من زوجة فما أرضعته إحداها من لبنه لا يتزوّج رضيع أخرى لاتّحاد الفحل لأنّ اللّبن له.
12 - ويعتبر لبن الزّاني في أولاده فلا يتزوّج أحدهم رضيع من زنى بها.
13 - إذا تصوّر إرضاع ولد من ميتة فهو رضاع إلاّ أنّه يحرم تعمّد ذلك. (1/139)
صفحة 139
كلّ هذه الأحكام مأخوذة من النيل وشرحه ج7 ص6 - 24 وغالبها معتبر عند غيرنا ذكرها الزحيلي على خلاف بين المذاهب.
الفصل الثالث
الحضانة وأحكامها
البحث في الحضانة على ستّة مباحث:
المبحث الأوّل: تعريفها ومشروعيتها وصاحب الحقّ فيها ففيها ثلاث مطالب.
المطلب الأوّل: تعريفها ومشروعيتها.
1 - تعريفها:
الحضانة مأخوذة من الحضن ما بين الإبط إلى الكشح وحضن الشّيء جانباه، وحضن الطائر بيضه إذا ضمّه إلى نفسه تحت جناحيه، وكذا المرأة إذا ضمّت ولدها إلى جنبيها.
وفي اصطلاح الفقهاء له تعاريف اختصرت منها ما يلي:
هو القيام بأمر الولد بدنيا وخلقيا إلى أن يستطيع القيام بنفسه لنفسه، وتجد الأنثى كافلا يراعي مصلحتها.
2 - مشروعيتها:
شرعت الحضانة لما تقدّم من العناية بالأسرة لتقوم على أسس من التّربية الخلقية والدّينية قال السالمي رحمه الله:
باب الحضانة
وهي عبارة عن التربية ... لولد من ذكر أو ابنة
قد شرعت لحفظ هذا النسل ... من الهلاك لبقاء الشكل
وحكمة الباري اقتضت لذاكا ... لو شاء لم يوقع الهلاكا
لكنّه قد وضع الأسبابا ... لتقضي الثواب والعقاب
فتارك الأسباب حيث تجب ... عليه فهو عنده معذب
وقائم بها يثاب حتما ... وحكمة الله أتم حكما
من هاهنا رغّب في البنات ... بكونها للنّار سَاتِرات
فمن يلي بهن ثمّ أحسنا ... كنّ له منها حجابا بيّنا
لكنّه قد تخرق الحجابا ... كبيرة إلاّ إذا ما تابا
فقد بيّن مشروعية الحضانة كما شرعت من الله في قوله: {يَاأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا قُو أَنْفُسَكُمْ وَأهْلِيكُم نَارًا (1/140)
صفحة 140
وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ} [التّحريم: 6]، ومن السنّة قال في فقه السنّة روى أبو موسى عن ابن عباس قال جاء رجل إلى رسول الله فقال: إنّ لي بنات أدعو عليهنّ بالموت فقال رسول الله:» يا ابن ساعدة لا تدع عليهنّ فإنّ البركة في البنات هنّ المجملات عند النعمة والمعينة عند المصيبة، الممرّضات عند الشدّة ثقلهن على الأرض، ورزقهنّ على الله «.
المطلب الثاني: حكمها.
حكم الحضانة واجب إذ ترك الولد يضيع ممنوع شرعا كما تقدّم في الرّضاع ولم أجد فيما عندي من كتب المذهب من تعرّض لحكمها.
قال الزحيلي وتتطلّب الحضانة الحكمة واليقظة والصّبر والانتباه والخلق الجم فيكره للإنسان أن يدعو على ولده كما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:» لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على خدمكم ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب «رواه مسلم وأبو داود.
المبحث الثاني: من له حقّ الحضانة.
اختلف الفقهاء فيمن له حقّ الحضانة فمنهم من يرى أنّها حقّ للحاضن وهم الحنفية والمالكية لأنّ له أن يسقط حقّه منها إن طلبها غيره فهي واجب عليه كما تقدّم.
وقيل إنّها حقّ للمحضون فلو أسقطها لسقطت (هكذا قال الزحيلي وفيه نظر) إذ المحضون خاصّة الأنثى لا يملك حقّ التصّرف في نفسه وأمره بيد وليّه اهـ قال: والظّاهر أنّ الحضانة تتعلّق بها ثلاثة حقوق معا حقّ الحضانة وحقّ المحضون، وحقّ الأب أو من يقوم مقامه.
فإن أمكن التّوفيق بين هاته الحقوق صير إليه، وإلاّ قدّم حقّ المحضون ويتفرّع عن ذلك الأحكام الآتية:
أ- تجبر الحاضنة على الحضانة إذا تعيّنت عليها ولم يوجد غيرها.
ب- لا تجبر عليها إن كان هناك من المحارم من يقوم بها وامتنعت خاصّة إذا كان لا ضرر على المحضون من غيرها.
جـ- إذا اختلعت المرأة من زوجها على أن يكون الولد عند المزوج فالخلع صحيح والشّرط باطل عند الحنفية (أمّا عندنا فذلك صحيح عند بعض منَّا).
قال المانع فذلك حقّ للولد يبقى عند أمّه مادام محتاجا إليها.
د- لا يصحّ للأب أن يأخذ الطّفل من يد الحاضنة صاحبة الحقّ فيه ويعطيه لغيرها إلاّ لمسوّغ شرعي كما يأتي اهـ بتصرّف بسيط (ج7 ص719).
المبحث الثالث: من هو أولى في الحضانة. (1/141)
صفحة 141
إنّ السّنة حسبما ذكر في الأحاديث الواردة في الشّأن تقدّم الإناث ما أمكن إذ هنّ أشفق وألين قلوبا وأهدى إلى التربية، وأصبر على القيام بها، وألصق بالأطفال من الرّجال.
1 - فأولى الإناث بالحضانة الأم حسبما ورد في الحديث أنّ امرأة جاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: (إنّ ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلّقني وأراد أن ينتزعه منّي) فقال - صلى الله عليه وسلم -:» أنت أحقّ به ما لم تنكحي «رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
وروي أنّ عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - طلّق زوجته أمّ عاصم ثمّ أتى عليها وفي حجرها عاصم فأراد أن يأخذه منها فتجاذباه بينهما حتّى بكى الغلام فانطلق إلى أبي بكر - رضي الله عنه - فقال أبو بكر: (مسحها وحجرها وريحها خير من الشّهد عندك يشبّ الصّبي فيختار لنفسه).
2 - أمّ الأم (الجدّة لأم) وإذا لم تكن فالجدّة للأب.
3 - الخالة لما روي أنّ زيد بن الحارث جاء من المدينة بابنة حمزة فقال علي أنا أحقّ بها بنت عمّي وبنت رسول الله تحتي وهي أحقّ بها.
وقال جعفر أنا آخذها بنت أخي وخالتها تحتي، وقال زيد أنا أحقّ بها فتخاصموا إلى رسول الله فقضى بها للخالة وقال الخالة بمنزلة الأم، ذكر ذلك في وفاء الضّمانة وقال رواه البخاري وأحمد.
4 - تخيير الولد إذا كان أحد الأبوين مشركا لما روي في وفاء الضمانة بأنّ جعفر الأنصاري قال إنّ أبي أسلم وأبت أمّي فتخاصما بسببي إلى رسول الله فخيّرني بينهما وكنت مائلا إلى أمّي» فقال اللهمّ اهده «فذهبت فأخذت بيد أبي.
ممّا تقدّم يتبيّن أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - اعتبر الأصلح للولد حسب ظنّه فيراعى ذلك عند اختيار الحاضنة وقد ذكر القطب رحمه الله كلاما طويلا في الحضانة ومن أحقّ بها ورجّح ما تقدّم وقال هو المذهب.
وذكر الزحيلي أنّ المذاهب اختلفوا في تقديم أمّ الأم وأمّ الأب فقدّم المالكية أمّ الأم والشّافعية والحنفية أمّ الأب.
وقدّم الشافعية والحنفية والحنابلة أخت المحضون على الخالة والعمّة وقدّم الحنابلة الأب ثمّ أمّهاته بعد الجدّة لأم ثمّ الجد ثمّ أمّهاته وذكر خلافا واسعا في بقيّة الأقارب، وعندنا في المذهب يرجّح الأمر للحاكم ليرى من هو أصلح وترجع الحضانة للأب عندنا بعد المذكورات في الحديث، خاصّة إذا تعدّد المستحقّين لها كخالات وعمّات.
المبحث الرابع: وقت الحضانة.
يرجع تحديد الحضانة ووقتها لما فيه مصلحة المحضون وعدم ضياعه إذ لم يرد نص في تحديد الوقت فعندنا أنّ الذّكر إلى أن يطيق لبس ثيابه وحدّد ذلك سبع سنين، أمّا البنت فإلى أن تتزوّج وبعد تمام المدّة يرجع (1/142)
صفحة 142
أمره للأب أو الولي الأقرب فالأقرب حسبما يأتي في النّفقات.
المبحث الخامس: شروط الحضانة ومن لا يليق لها وانتقالها. ففي ذلك ثلاث مطالب.
المطلب الأوّل: شروط الحضانة.
شروط الحضانة نوعان ففيه محوران.
المحور الأوّل: ما يشترط في المحضون.
ذكر الزحيلي شروطا للحضانة وهي مستقاة من القواعد العامّة فسآتي بها باختصار قال:
يشترط في المحضون أن لا يستطيع الاستقلال بنفسه (1) وبأمر عمّا لا يؤذيه لعدم تمييزه كطفل ومجنون ولو كبيرا أو معتوه.
أمّا البالغ الرّاشد فلا حضانة عليه فهو يختار الإقامة عند من شاء من أبويه أو الاستقلال بنفسه إن كان ذكرا ويستحبّ أن لا ينفرد عنهما ولا يقطع برّه لهما.
وإن كان أنثى لم يكن لها الإنفراد ولأبيها منعها إن كان لأنّه لا يؤمن أن يدخل عليها من يؤذيها ويلحق العار بها وبأهلها وإن لم يكن الأب فلوليّها منعها من الانفراد.
المحور الثاني: ما يشترط في الحاضن.
شروط الحاضن تنبني على تحقيق مهمّة الحاضن: الحقيقة أنّ مهمّة الحاضن مشتركة بين الأم والأب لكن لا يتيسّر ذلك أحيانا لعوامل منها غياب الأب أو طلاقه لأم المحضون لذلك كانت عناية الإسلام بالولد فأوجب العناية به، ومهمّة الحاضن رعاية المحضون بدنيا بحسن تغذيته ونظافته والحرص على صحّته وفكريا بتعليمه وتأديبه العلم الصحيح النّافع لدينه أولا ولدنياه ثانيا وخلقيا بمراقبة سلوكه وتقويمه حتّى ينشأ صالحا مستقيما معتمدا على نفسه نافعا لأمّته وذلك يقتضي أن نراعي في الحاضن الشروط التّالية وهي ثلاثة أنواع: ما يختصّ بالنّساء، وما يختصّ بالرّجال، وما هو مشترك:
أوّلا ما يختصّ بالنساء:
ذكر الزحيلي لذلك أربع شروط وهي موافقة لما عندنا.
1 - أن تكون الحاضنة ذات محرم من المحضون كأمّه وأخته وجدّته أو خالته فلا حقّ لبنات العمّ أو الخال أو العمّة أو الخالات.
2 - أن لا تكون قد امتنعت من حضانته مجانا والأب معسر وقد وجد من يحضنه مجانا ولو بعيد مع
__________
(1) 1 - وهو من لا يستقّل بأمور نفسه عمّا يؤذيه. (1/143)
صفحة 143
مراعاة المصلحة للولد.
3 - أن لا تكون الأم متزوّجة من أجنبي عن المحضون أو بقريب غير محرم للحديث السّابق» أنت أحقّ به ما لم تنكحي «فيثبت حقّها إذا تزوّجت ذا محرم من الصّبي مراعاة للشّفقة المطلوبة.
4 - أن لا تقيم الحاضنة في بيت من يبغضه (أي الصّبي وصاحب البيت) وزاد الشّافعية شرطا وهو أن تكون الحاضنة مرضعة للمحضون إذا كان رضيعا.
ثانيا ما يشترط في الرجال:
1 - أن يكون محرما للمحضون إذا كان أنثى مشتهاة وهي التي حدّد الحنابلة والحنفية بسبع سنين حذرا من الاختلاء بها وإلاّ أعطيت له بالاتّفاق لأنّه لا فتنة فلا حضانة لابن العم لابنة عمّه ومنهم من أجاز إذا كان مأمونا.
ومنهم من أجاز ولو لغير محرم إذا كان معه مثل بنته أو أخته إذا تعذّر غيرها وسيأتي ما عندنا في النّفقات.
2 - أن يكون عند الحاضن أبا أو غيره من يصلح للحضانة من النّساء كزوجة أو أم أو خالة أو عمّة إذ لا صبر للرجال على أحوال الأطفال.
ثالثا: ما يشتركان فيه: وهي نوعان
1 - ما هو متّفق عليه وهو الحرّية والعقل والبلوغ، والقدرة والأمانة وكون الأنثى غير متزوّجة بأجنبي عن الصّغير وكونها ذات محرم منه والمختلف فيه الرشد والإسلام وإليك التفصيل:
1 - البلوغ: فلا حضانة للصّبي إذ هو عاجز عن نفسه فضلا عن غيره.
2 - العقل: فلا حضانة لمعتوه أو مجنون إذ لا يحسن أحدهما القيام بمصالحه فكيف بمصالح غيره.
3 - الرشد: وقد اشترطه المالكية فلا حضانة لسفيه مبذّر لئلاّ يتلف مال المحضون، أو ينفق عليه ما لا يليق، (وعندنا كذلك).
واشترط الحنابلة عدم مرض منفر معد كجذام وبرص وكذا عندنا.
4 - القدرة على تربية المحضون وهي الاستطاعة على صون الصّبي في خلقه وصحّته.
فالمرأة المحترفة والعاملة إن كان عملها يمنعها من تربية الصّبي والعناية به لا تكون أهلا للحضانة.
وكذا العاجز لكبر أو مرض أو عمي أو شغل.
5 - الأمانة على الأخلاق والمال فلا حضانة لغير أمين على تربية الولد وتقويم أخلاقه كالفاسق رجلا أو امرأة من سكير أو مشهور بالزنا أو اللّهو الحرام.
6 - اشترط المالكية أمن المكان فلا حضانة لمن بيته مأوى للفسّاق (وكذا عندنا). (1/144)
صفحة 144
7 - الإسلام شرط عند الشّافعية والحنابلة (والإباضية) فلا حضانة لكافر على مسلم إذ لا ولاية له عليه، ولأنّه لا يؤمن أن يفتنه في دينه (ونزيد ولا لمخالف كذلك)
وأجاز الحنفية والمالكية حضانة الكتابية أو الكتابي إذ خيّر النّبي الولد بين أبيه المسلم وأمّه الكتابية.
واختلفوا في المدّة التي يبقى عند الكتابي فقيل إلى أن يعقل الأديان وقيل إلاّ إن خيف عليه خطر اهـ بتصرف بسيط. ج7 ص727 - 730 وإذا انتفت الحضانة ممّن هو أولى لاختلال شرط أو حدوث مانع انتقلت إلى من بعده وقيل للأب إن كان.
وكذا إن تخلّى من هو أولى أو وجد من يحضنه تطوّعا ولو كان أبعد.
الفصل الرابع
النفقات أنواعها وأحكامها
الكلام في النفقات على خمس مباحث: وفي كلّ مبحث مطالب وهي كما يلي:
المبحث الأوّل
تعريفها، مشروعيتها، حكمها، أنواعها، ففيها أربع مطالب
المطلب الأوّل: تعريفها
النفقات جمع نفقة وهي في اللّغة من نفق الشيء بمعنى نفذ والنفقة اسم مصدر من الإنفاق وهو إنفاذ المال وصرفه ومنه {وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} وفي الاصطلاح الشرعي إعطاء ما يقيم أود الإنسان عرفيا وتستقيم به حياته من أكل وشرب ولباس ويلتحق بها السكنى وما يحتاج إليه من مستلزمات النّظافة ونحوها.
المطلب الثاني: مشروعيتها.
النفقات بأنواعها مشروعة بالكتاب والسّنة وهي نوعان:
1 - نفقة مستحبّة: رغّب الشرع فيها لتحقيق التّكافل الاجتماعي وربط أواصر الأخوّة والمحبّة وهي ثلاث:
أ- صلة أقارب غير محتاجين: في قوله - صلى الله عليه وسلم -:» يد المعطي العليا وابدأ بمن تعول أمّك وأباك أختك وأخاك ثمّ أدناك فأدناك «رواه أبو داود.
ب- الصدقة للمحتاج: في قوله تعالى {وَآتِي المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابنِ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة:177].
الهبات لمناسبات الأفراح والأطراح بين الأقارب وغيرهم قال - صلى الله عليه وسلم -:» تهادوا عباد الله فإنّ الهديّة تثبت المودّة وتذهب الحفيظة «.
2 - نفقة واجبة: وسيأتي أنواعها فمن الكتاب قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34] (1/145)
صفحة 145
وقوله: {وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ} إلى قوله تعالى: {وَعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 233]
وقوله: {وَإِنْ كُنَّ أُولاَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 06] إلى غير ذلك.
ومن السنّة قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث هند بنت عتبة حيث سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل لها أن تأخذ من مال أبي سفيان وهو لا يعلم لتنفق على نفسها وأولادها فقال:» خذي ما يكفيك وبنيك بمعروف «والحديث المتقدّم.
المصدر: ما اشتمل على حروف فعله، قاتل: قتالا. اسم مصدر: ما نقص عن حروف فعله بدون عوض: قيتال
وقوله لمّا سئل ما حقّ زوجة أحدنا عليه قال:» تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت «الخ رواه مسلم في أحاديث كثيرة ذكرها في شرح النيل سنأتي ببعضها في مناسبتها بحول الله اهـ ج14 ص6 - 7.
المطلب الثالث حكمها:
حكم النفقة واجب إذا توفّر موجباتها كما يأتي حسبما تفيدها النصوص المتقدّمة، وهي من جملة الحقوق الواجبة على النّاس بعضهم لبعض.
المبحث الثاني: أسباب وجوب النفقة
تتنوّع أسباب وجوب النفقة حسب اعتبار ما تترتّب عليه فذكر الزحيلي ثلاثا وهي حسب ما ذكر متفرقا في النيل وشرحه أربع قال في شرح النيل تجب النفقة على الإنسان لمن يرثه، وللزّوجة والعبد والدّابة إن لم يكن مرعى اهـ. ج14 ص11.
ويؤخذ من غيره نفقة الحضانة والتعطيل فهي خمس ففيها خمس مطالب:
النكاح، والقرابة، والملك، والحضانة، والتعطيل.
المطلب الأوّل: النكاح.
السّبب الأوّل لوجوب النفقة النكاح فإذا تمّ العقد على الزوجة بصورة شرعية وجبت نفقتها وقد تقدّمت في حقوق الزوجة وحسب ما تقدّم في الأدلة السابقة.
فيجب على الزوج نفقة زوجته مادامت في عصمته، وقد جلبها أو طلبها.
وهي كما يلي:
1 - أكلتين مادوتين غذاء وعشاء حسب معروف البلد وحسب حال المنفق، إمّا أن يقدّم لها طعاما جاهزا أو يأتي لها بأواني الطبخ والأكل ووسائل ذلك.
2 - حلّة كاملة من لباس في الصّيف وأخرى في الشّتاء حسب معروف الزّمن وحال المنفق.
3 - مسكنا صحيا لائقا غير موحش ولا بعيد عن العمران بحيث يتحقّق فيه الأمن والطمأنينة على نفسها (1/146)
صفحة 146
وأخلاقها ودينها.
وله أن يسكنها مع والديه أو غيرها من نسائه إن لم يكن عليها ضررا مادّي أو معنوي.
4 - ما يكفي من ماء لشربها ونظافة بدنها وثيابها وتتحقّق به طهارتها لأداء ما عليها من فرائض.
5 - ما به قوام شعرها ممّا يحفظه من فساد من دهن غير نجس واختلف في مداواتها إن مرضت.
قال في النيل وشرحه قد علمت ممّا تقدّم نفقة النساء وكسوتهنّ وسكناهنّ ولزمت لبكر إن جلبت أو منعها الأب حتّى يأتي بصداقها قال في الشرح إذ قال: لزمت نفقة زوجة وسكناها وكسوتها كجلباب ومَقنعة ووقاية وخف بمعروف ممّا قدر له إن جلبها أو طلبت.
وقال إنّ نفقة الزوجة والعبد والولي من غالب طعام البلد بنظر العدول، وإن طلبت حبا لا طحينا أو دقيقا أو تمرا فلها ذلك فإن أعطاها خبزا وزعمته رديئا أراه أمينا فإن قال رديئا أبدل قال وعليه أن يؤنسها ويسكنها مسكنا غير موحش ولا له جار يؤذيها كصانع يُجتمع عنده أو معصرة أو قرب سوق أو في طريق غير مستتر ولزمه إناء تغسل به ومغسلها وإن لثيابها وفرشها ومصباحها وقال قبل ذلك ليس لها عليه حرير إلاّ إن تبرّع اهـ ج14 ص152 وللزّوجة على زوجها نفقة ولو كانت غنية فترى أنّ كلامه يدلّ باختصار على ما تقدّم ببسط ثمّ ذكر مقادير حسب ذلك الزمن مع تفاوت بين ما يجب على الغني والمتوسط والفقير فكلّ ذلك يكون تقديره بعدول حسب حال الزمان والمكان.
2 - المطلب الثاني: التعطيل.
من أسباب وجوب النفقة التعطيل أي عن الزواج وذلك عند وقوع فرقة بين الزوجين وهي نوعان: منها ما يوجب النفقة، ومنها ما لا يوجبها فالتي لا توجب النفقة هي التي سببها من الزوجة الفداء والخلع والطلاق المملك ولو كانت حاملا على الصحيح.
وغير الحامل في الطلاق البائن أو الثلاث وكذا الخارجة بإيلاء أو ظهار أمّا ما يوجبه فهو نوعان:
أ- ما يوجب نفقة كاملة باتّفاق وهو الطلاق الرجعي لقوله تعالى: {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيّنَةٍ} [الطلاق: 01] وقوله: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} [الطلاق: 06]، فتجب نفقة المطلّقة رجعيا بإجماع.
كما تقدّم في النيل وشرحه في الكلام على العدّة:
قال الزحيلي: أمّا نفقة المعتدّة فواجبة على الزوج حسب التفصيل الآتي:
1 - إن كانت المطلّقة طلاقا رجعيا وجبت لها النفقة بأنواعها المختلفة لأنّ المعتدّة زوجة ما دامت في العدّة.
2 - إن كانت معتدّة من طلاق بائن:
فإن كانت حاملا وجبت لها النفقة بأنواعها بالاتّفاق لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولاتُ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ (1/147)
صفحة 147
حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 06]
وإن كانت غير حامل وجبت لها النفقة بأنواعها أيضا عند الحنفية بسبب احتباسها.
وكذا عندنا تجب لها النفقة دون السّكنى لعموم الآية.
ولا تجب لها عند الحنابلة لأنّ فاطمة بنت قيس طلّقها زوجها البتة فلم يجعل لها رسول الله نفقة وقال:» إنّما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة «رواه أحمد وقد رد ذلك عمر - رضي الله عنه - كما في فقهه كما ذكر ذلك القطب في النيل وشرحه ج7 ص398 الزحيلي ج7 ص658 أمّا إذا طلّقت قبل المس فلا عدّة عليها ولا نفقة بل المتعة كما تقدّم.
المطلب الثالث: الحضانة.
من أسباب وجوب النفقة الحضانة والرّضاع فقد شرّعت نفقة الحاضن بكتاب الله في قوله تعالى: {وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ} والحاضن التي تجب لها النفقة نوعان:
1 - الزوجة إذا كانت مطلقة ولم تتبرّع بإرضاع ولدها وذلك مصداقا لقوله تعالى: {فَإِنَ اَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَاتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} [الطلاق: 06] فنفقة المرضع على والدة الرضيع حقيقة أو حكما أي ما ولدت زوجته وهي فراش له.
2 - إذا كانت الحاضنة غير الزوجة أي غرام الولد سواء من له حقّ الحضانة من خالة أو جدّة أو مرضعة وحاضنة غيرها فلها نفقتها وكسوتها حسب صريح الآية على والد الصّبي وإن لم يكن فوليّه وإن كان لقيطا فعلى كفيله من متبرّع أو حكومة.
المطلب الرابع: القرابة.
من أسباب وجوب النفقة القرابة وهي عندنا كلّ من ترثه سواء يرثك أو لا يرثك، وذلك مشروع من قوله تعالى، {وَعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 233]، وقوله: {وَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ} في كثير من السّور وقوله - صلى الله عليه وسلم -:» يد المعطي العليا وابدأ بمن تعول أمّك وأباك أختك وأخاك ثمّ أدناك فأدناك «المتقدّم قال في النيل وشرحه: (فيما تقدّم تجب عندنا الإنسان على من يرثه وعلى معتقه ومالكه وعلى الزوج).
قال وسواء فيمن تجب نفقته أن يكون مسلما أو مشركا إلى أن قال وعندنا تجب عليك نفقة كلّ من ... ترثه وساق الحديث المتقدّم والأصل بمن تعول أن يحمل على العول الواجب، وفسّره صاحب ''إرشاد الساري'' بنفقة الواجب والتطوّع، ولا تجب للرّحم إلاّ إن لم يكن له وارث سواك، وذكر قول الشافعية وهو موافق لما عندنا.
ثمّ ذكر غالب تفاصيل أقوال المذاهب اهـ ج14 ص14 - 15.
ونفقة الأقارب تختلف باختلاف درجة المنفق بالفتح وذلك فيما يلي: (1/148)
صفحة 148
1 - نفقة الأولاد: وهي نوعان:
أ- غير البالغين: قال في النيل وشرحه لزم أبا نفقة أطفاله ومجانينه وإن لهم مال، وله إنفاقهم من مالهم إن كان، قال في الشرح وإذا أنفق من ماله ولهم مال فله الرّجوع عليهم بما أنفق وقيل لا يدرك ذلك في الحكم إن لم يشهد على الإدراك.
فهؤلاء تجب نفقتهم كاملة من أكل وشرب ولباس وسكنى، الذكور إلى بلوغهم واستطاعة القيام بأنفسهم، أمّا الإناث فإلى أن يتزوّجن.
ب- نفقة كبارهم المعدمين ونفقة بني بنيه كذلك.
2 - نفقة الآباء والأجداد:
فهؤلاء تجب نفقتهم إن أعدموا هم وما لهم من أزواج قال في النيل وشرحه ونفقة بنيه وبني بنيه وأبويه وأجداده من أبيه إن أعدموا قال في الشرح أراد ما يشمل الإناث من بنات وجدّات قال وإن كان لهم مال فلا نفقة، قال في الأصل وأزواج أبيه وزوجة جدّه.
فهؤلاء تجب نفقتهم فقط من أكل وشرب ولباس لا سكنى إلاّ إن كانت أنثى.
قال في الأصل ونفقة من يتوارث معه من ولي وإن أنثى وتلزم امرأة لأبويها وجدّتها من أبيها ولأخيها وأختها لا لولدها ولا لابن أخيها قال في الشرح وكذا تلزم الطفلة في مالها لمن ذكر قال في الأصل لا لعمّها أو ابنه ونحوهم من صبيتها ولا يتداركها كلا ... فيما بينهم ولا لأخوة أب مع وجود أشقّاء اهـ ج14 ص14 - 19 وخلاصة ما فيه أنّها لا تجب إلاّ على من يرث فعلا، أمّا إذا كان لا يرث أو كان محجوبا فلا.
المطلب الخامس: الملك.
من أسباب وجوب النفقة الملك وتجب به لكلّ من تملّكته من إنسان أو حيوان فالرقّ لا وجود له.
أمّا الحيوان فهو ممّا أوصى بالعناية به رسول الله فقال:» استوصوا بالنساء وما ملكت اليمين «وذلك ما ورد في آخر وصاياه.
والعناية بالحيوان ممّا تقتضيه الرّحمة والإحسان فقد روي عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال بينما رجل يمشي في الطريق إذا اشتدّ عليه العطش فوجد بئرا فنزل فيها وشرب ثمّ خرج فإذا بكلب يلهث ويأكل الثرى من العطش فقال الرجل بلغ هذا الكلب مثل الذي كان بلغ منّي فنزل البئر وملأ خفّه ماء ثمّ أمسكه بفيه حتّى خرج فسقى الكلب فشكر الله له ذلك فغفر له، فقالوا يا رسول الله إنّ لنا في البهائم أجر فقال:» في كلّ ذي كبد رطبة أجر «ذكر ذلك في شرح النيل وقال رواه الربيع معضلا ورواه قومنا موصول، قال في ''الذهب الخالص'' ويطالب الله به غدا أو هي مؤذيها بما لا يحل فليحسن إليها، ويرفق ويلين أداة (1/149)
صفحة 149
رجلها ويعرضها للماء إذا مرّ به، وعذّبت امرأة في هرّة حبستها ولم تطعمها ولم تطلقها لتأكل من الحشرات اهـ ص313.
والخلاصة أنّه يجب العناية بالحيوان من جهتين:
1 - إطعامها وشربها وتنظيف محلّها والرّفق بها عند الاستعمال.
2 - عدم إضرارها فلا يحمّلها ما لا تطيق ولا يضربها إلاّ بمقدار زجرها ولا يحرم أولادها من لبنها وله الفضل من ذلك.
وما ذكره القطب رحمه الله عن الهرّة مروي عن رسول الله قال:» دخلت النّار امرأة في هرّة حبستها فلا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض «ذكره الزحيلي وقال متّفق عليه من طريق ابن عمر.
المبحث الثالث: شروط وجوب النفقة
شروط وجوب النفقة ثلاث ففيه ثلاث مطالب.
المطلب الأوّل: الاحتياج وعدم الاستطاعة على الكسب.
وذلك أن يكون المطلوب نفقته فقيرا لا مال له ولا قدرة له على الكسب في غير الزوجة والولد وذلك فيما إذا كان غير بالغ أو كان كبير السنّ أو مريضا بمرض مزمن أو مجنونا.
ويستثنى الأبوان فتجب لهما النفقة ولو لهم قدرة على الكسب إن احتاجوا أمّا غيرهم فلا نفقة له إن كان قادرا على الكسب إلاّ إذا لم يجد من يؤجره ولو ببطنه إذ هي واجبة على سبيل المواساة.
المطلب الثاني: القدرة على الإنفاق.
فيشترط أن يكون الملزم بالنفقة موسرا مالكا نفقته ونفقة عياله وله ما يفضل عن ذلك إمّا من ماله وإمّا من كسبه بأن يستطيع أن يحصل على الفضل.
ويستثنى الأب إذ تجب عليه نفقة أولاده حتما سواء كان موسرا أو معسرا فهو يسعى لتحصيلها وكذا الزوج كما تقدّم.
والدليل حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» ابدأ بنفسك ثمّ بمن تعول «عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» إذا كان أحدكم فقيرا فليبدأ بنفسه فإن فضل فعلى عياله «نيل الأوطار ج6 ص220.
المطلب الثالث: لا بدّ من علاقة تثبت النفقة.
فيشترط لوجوب النفقة ثبوت موجبها من العلاقات المتقدّمة وفي القريب أن يكون موروثا للمنفق لقوله تعالى: {وَعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} كما تقدّم ولا تلزمه لمن لا يرثه ولو كان هو وارثا فلا تلزم المرأة لعمّها ولا لابن أخيها وتلزمهم لها وتلزم للموروث ولو كان مشركا عندنا.
فعلى الولد إنفاق والديه ولو كافرين لقوله تعالى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}. (1/150)
صفحة 150
قال في النيل وشرحه وسواء من تجب نفقتهُ أكان مسلما أم مشركا.
المبحث الرابع: أحكام عامّة في النفقات.
للنفقة أحكام أهمّها ما يلي:
أ- يراعى في النفقة حال المنفق من صغر ومرض فيعطي له حسبما يقتضيه حاله من طعام يغذّيه ويستسيغه حاله.
ب- تجب السّكنى لأنثى إن لم يطلبها وليها أن تسكن معه ولا ضرر لها في سكناها معه.
ج- يعتبر في اللّباس أن يكون ساترا ممّا تصّح به الصّلاة مع مراعاة حال المنفَق من طول وقصر وبدانة.
د- المركوب لصغير وكبير لا يطيق مشيا عند اقتضاء تنقّل لبداة ونحوهم.
هـ- يرد المنفق الباقي والفاضل عن احتياجه إن استغنى عنه ولو بما يتصدّق به عليه من المحسنين أو بإرث أو حادث مال وكذا ما يبقى بعد موته إن كانت بحكم حاكم.
وإن أخذها لا بوجوب وإنّما بإحسان من المنفق أصبحت ملكا له يتصرّف فيها ولو بتجر وتورث بعد موته.
و- إن تلفت من يده بغير تضييع جدّدت له وإلاّ فلا.
ز- إن غاب وليّه وخلف مالا استخلف الحاكم أو جماعة المسلمين من يأخذ من ماله وينفق عليه ولا يمنعه من بيده المال ولا يأخذها بنفسه ولو كان المال بيده.
ح- ويدركها على ولي حاضر له مال يمكن أن يصل إليه إن غاب ماله.
ط- ويدركها من وليه ولو له مال لا يصل إليه لبعد أو تسلّط ظالم ولم يجد من يقرضه أو يداينه حتّى يصل إن كان ممكنا ولا يغرمها بعد.
ي- ولا يدركها على من له مال بيد غيره ولم يجد حاكما يستخلصه ممّن ماله بيده.
أ. ي- من أخذ النفقة بحاكم ثمّ تبيّن أنّه ليس بولي أو غير محتاج أجبر على ردّها.
ب. ي- يدرك على وليّه حميلا لتضمين نفقته إن أراد سفرا.
ج. ي- يلزم الحاكم إقامة الدعوى بين من يطالب بالنفقة والمنكر لولايته له أو من يدّعي أنّ وليّه غير محتاج لإثبات الحقّ في ذلك ببيّنة عادلة ولا يمين على المنكر، وكذا لإثبات وجود المال عند المطلوب للنفقة، ولا يمين عليه إن جحد.
د. ي- لا تجب النفقة على من ملك مالا حراما من نحو خنزير أو خمر أو ما في معناهما.
هـ. ي- لا تجب على مفلس أو له مال مرهون إلاّ إن كان فيه فضل. (1/151)
صفحة 151
و. ي- تجب عليه لا له إن كان له دين يكفيه هو ووليه إن كان على غنى يمكن استيفاؤه منه.
هذه الأحكام موجودة ببسط في النيل وشرحه ج 14 من ص20 - 62.
المبحث الخامس: كيفية النفقة وسقوطها
ففيها مطلبان:
المطلب الأوّل كيفية النّفقة: نفقة المحتاج نوعان:
1 - أن يمكّنه ممّا يحتاج إليه نقودا فيراعى فيه كلّ ما يلزم لتحضيرها بعدول أي خبراء في ذلك حسب حال المنفق من يسر وعسر وحال الزّمان من جذب وقحط وحال المنفق من صحّة ومرض وكبر وصغر كما تقدّم.
2 - أن يقدّم له طعاما وكسوة ولا يخلوا أن تكون جاهزة فيراعا فيها الجودة والرّداءة وللمنفَق بالفتح أن يرفض الرّديء فيعوّض {وَلاَ تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267].
وإمّا أن تكون غير جاهزة فلا بدّ من تمكينه ممّا يحتاج لتجهيزه كما يراعى حال المنفق كما تقدّم.
ويراعى في الجاهز وقت تقديمه فوقت الغذاء من الطلوع إلى الظّهر ووقت العشاء من غروب إلى العشاء مع تباعد في تقديم الوجبتين وفي اللّباس أن يكون ساترا تمكن الصّلاة به واقيا من حرّ في الصّيف لائقا به ومن برد في الشتاء كذلك.
المطلب الثاني: سقوط النفقة.
سقوط النفقة على المنفق نوعان:
1 - سقوطها من غير إرجاع للماضي وذلك فيما إذا تبيّن أنّ المنفق بالفتح غير أهل لها وقد كان أهلا مثل أن تتبيّن الزوجة أنّها محرمة منه، ويتبيّن أنّ العقد فاسد فيفترقان ولا رجوع لما مضى حيث أنّ استمتاعه السّابق سائغ وكذا ما أخذت من النفقة إن لم يتعمّد سبب فساده وكذا ما أنفق على ولد يظنّه منه ثمّ تبيّن فلاعن زوجته فتنقطع نفقته من حينه.
إذا تمّت عدّة الطّلاق ولم يراجع الزوج أو مضت مدّة الإيلاء أو الظهار.
2 - سقوطها عن المنفق مع وجوب الردّ لما مضى وذلك في أحوال منها:
أ- إذا تبيّن أنّ المنفَق بالفتح له مال وقت إنفاقه وقد ألزم عليها المنفِق بالكسر، فيجب على من أخذها بغير حقّ إرجاعها.
ب- فيما إذا زنت الزوجة أو سحرت فحرمت على زوجها وبقيت معه وهو لا يعلم ثمّ تبيّن ذلك وتفارقا فيجب عليها ردّ ما أنفق عليها وهي حرام عليه إلاّ إن عفا أو تنازل عنها.
ج- إذا حملت بولد من غيره ونسب إليه وهو لا يعلم ثمّ اعترفت بذلك وجب عليها ردّ ما أنفق عليه (1/152)
صفحة 152
قبل اعترافها وما أنفق عليها.
د- إذا أنفق على عبد ثمّ تبيّن انفساخ شرائه فيردّ بائعه نفقته. (1/153)