صفحة 1
الكتاب: ربا النسيئة وربا الفضل لخميس العدوي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) الكاتب: الشيخ خميس بن راشد العدوي
ربا النسيئة وربا الفضل
الفهرس
مقدمة
الاقتصاد الإسلامي
القواعد العامة للاقتصاد
أدلة تحريم الربا
أقسام الربا
ربا الفضل
رأي المانعين
رأي المجيزين
توجيهنا للموضوع
الأصناف الممنوعة
الشروط في العقد
الخلاصة
----------------------------
مقدمة:
بسم الله الرحمن الرحيم
أنزل الله شريعته الغراء رعاية لمصالح عباده الدينية والدنيوية، وجعلها حنيفية سمحة، لا لبس فيها ولا تعقيد، ولم يجعلها طلسمات غامضة على الخلق، بل هي واضحة بينة، كما أنها لم تكن أوامر ونواهي جامدة، وإنما طرية ندية، تثير في الإنسان التقوى، وتبعثه على خوف الله تعالى، ولا يتأتى ذلك إلا بالمعرفة الحقيقية لأسرار الشريعة، أما إن نظرنا في النصوص نظرة خاملة بعيدة عن القراءة الحيوية للأحكام والأدلة فلا ريب أن ذلك يحول النص إلى مادة قانونية مسلطة على الرقاب، فيصبح الدين كأنما هو سجن وضيق، بعدما أراده الله تعالى فسحة وعطاء.
الاقتصاد الإسلامي:
والاقتصاد الإسلامي تحكمه تلك النظرة، فهو جاء محركا لآلية الحياة، مفجرا لطاقات الإنسان، ضابطا لتوجهه من الانحراف، ولذلك لا يكفي أن نقرأ النصوص الواردة في الاقتصاد قراءة مبتورة عن حيوية الحياة ومقاصد الشارع الحكيم في توجيه حركة الاقتصاد، إن هذا النوع من القراءة ينشئ أحكاما لا تستطيع أن تلاحق تغيرات الحياة وتحولات السوق، فينفلت الاقتصاد عن التوجه الإسلامي إلى غيره من التوجهات، لأن عالم السوق عالم دقيق ومحسوب وواعي، ولذلك لا يرضى أن يصدر له أوامر على قاعدة: "اغمض عينيك واحمل صليبك واتبعني" بل هذه القاعدة الفاسدة مرفوضة في كل جوانب الحياة والإسلام، ولذلك علينا أن ننظر في حقائق الأمور، واعين لمراميها، مدركين لمقاصدها، ونحن مطمئنون أن الشارع الحكيم، لا يأمرنا بشيء إلا فيه مصلحتنا، ولا ينهانا عن شيء إلا لدفع مفسدة عنا.
القواعد العامة للاقتصاد: (1/1)
صفحة 2
طرق الإسلام كل جوانب الحياة، ولم يفرط في الكتاب من شيء، وكان تبيانا لكل أمر، ونحن لو نظرنا بعين البصيرة إلى كل جانب من الجوانب لوجدنا أن هناك قواعد عامة تحكمه وتضبطه، فالسياسة لها قواعدها العامة التي تندرج تحتها مفرداتها، وللاجتماع كذلك، وللاقتصاد ... وهكذا.
وعندما ننظر في الشريعة الغراء، نجد أن الاقتصاد في الإسلام يحكمه ضابطان جليلان، لا تند عنهما المفردات الحكمية الجزئية في الكتاب والسنة، والضابطان هما: تحقيق العدالة ورفع الضرر.
على أن هذين الضابطين لا يطبقان بجفاف وخشونة، بل بنداوة التسامح، وشفافية التقوى، ورفع الحرج.
ولو تتبعنا الكتاب العزيز وأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته، لرأينا مدارهما في الاقتصاد على ذلك.
والربا في الحقيقة لا يخرج عن ذلك، فعندما حرمه الله تعالى، فإنما حرمه لأنه ينزع العدالة من بين الناس، ويلحق بهم الضرر وتسود بينهم الشحناء والتباغض والتقاطع والتدابر، إلا أن الله تعالى أباح لعباده البيع والقرض الحسن والدين، فالإسلام لا يعاكس الفطرة، بل يهذبها ويوجهها ويرشدها للتي هي أقوم
أدلة تحريم الربا:
نسوق هنا أدلة تحريم الربا لنضعها مقدمة في الحديث عن ربا النسئة وربا الفضل.
قال الله تعالى: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون).
وقال سبحانه: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم).
وقال عز من قائل: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون). (1/2)
صفحة 3
وقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون، واتقوا النار التي أعدت للكافرين).
وقال تبارك وتعالى: (وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون).
ومن هذه الأدلة فقد أجمع المسلمون على حرمة الربا.
ومن تعامل به فقد آذن الله ورسوله بحرب، وهو من الخاسرين، ومأواه جهنم وبئس المصير خالدا مخلدا فيها.
أقسام الربا:
من النصوص القرآنية السابقة لا يظهر أن للربا أنواعا، فالأصل الربا: هو الزيادة، والمعروف عند العرب المخاطبين بالقرآن الكريم، أن الربا: هو الزيادة على المال المقترض، وهو أي زيادة قلت أم كثرت، فالله تعالى يقول: (وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين)، وهذا هو الصنف المجمع على حرمته للنصوص أعلاه.
وهو لا بد أن يتوفر فيه ثلاثة شروط:
1 - الزيادة: كما بينا سابقا.
2 - الأجل: لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة).
- المثلية: لأن اختلاف الجنسين بيع، وقد رد الله تعالى على الذين ساووا بين البيع والربا بقوله: (وأحل الله البيع وحرم الربا).
ولكن من خلال الروايات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم نجد تارة مطابقة هذه الشروط، وتارة أخرى عدم المطابقة.
فمن المطابقة:
أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الأصناف المتماثلة إلا يدا بيد دون تأجيل، حيث قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الفضة بالفضة، ولا البر بالبر، إلا مثلا بمثل، ولا تبيعوا بعضها ببعض في التأخير). (1/3)
صفحة 4
وجاء في الحديث الصحيح أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل على خيبر رجلا، فجاء بتمر جنيب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكل تمر خيبر هكذا؟) فقال: لا والله، إننا لنأخذ الصاع من هذا بصاعين أو ثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه: (لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، وابتع بالدراهم جنيبا).
وأما من الأحاديث غير المطابقة:
عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه ابتاع بعيرا ببعيرين، وأجاز بيع عبد بعبدين إلا أن هذا يدا بيد) وهو حديث صحيح.
وكما قلنا قد أجمعت الأمة على أن المراد بالربا المحرم قطعا هو بيع النسيئة أي المؤجل، وكما هو معروف من اعتقاد أصحابنا رحمهم الله تعالى أن مرتكب الكبيرة إن لم يتب فهو في جهنم خالد مخلد، وبذلك نعلم تشدد أصحابنا في آكل الربا إن لم يتب إلى الله تعالى ويرجع ما أكله إلى أصحابه.
إلا أنه نتيجة الروايات الصحيحة التي ذكرناها يتضح لنا أن هناك نوعا آخر من الربا، أطلق عليه العلماء ربا الفضل، فما هو الموقف منه؟.
ربا الفضل:
قبل أن نسوق رأي المانعين لربا الفضل ورأي المجيزين له، علينا أن نعلم أن تسمية هذا النوع بربا الفضل هي تسمية اصطلاحية حادثة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما ربا النسيئة فقد جاءت بتسميته الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم حسبما يظهر لأول وهله، وإن كنا لا نرى ذلك تسمية منه صلى الله عليه وسلم، وإنما هو بيان لضابط من ضوابط تحريم الربا وهو الإنساء أي التأجيل.
ومن ناحية ثانية؛ كذلك علينا أن نؤكد أن الروايات المجيزة والروايات المانعة، هي صحيح ومعتمدة عند الفريقين.
ولم يبق لنا إلا أن نرى توجيه أصحاب كل فريق. (1/4)
صفحة 5
المانعون لربا الفضل جمهور أهل السنة وبعض أصحابنا، ولهم سلف من الصحابة، والمجيزون له جمهور أصحابنا ولهم سلف من الصحابة والتابعين؛ منهم ابن عباس وابن عمر وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم وابن الزبير وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وإمام الأكبر جابر بن زيد، وعيله الإمام مالك بن أنس من أئمة أهل السنة.
رأي المانعين:
يستند المانعون لربا الفضل بالأحاديث التي تمنع الزيادة في بيع المتماثلين، وأكتفي بما ذكرته سابقا، مع وجود الأحاديث المجيزة أيضا، وبعضها الناص على حصر الربا في النسيئة، كقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الربا في النسيئة).
إلا أنهم يردون على الاعتراض الأول بالقول بنسخ الأدلة المانعة للأدلة المجيزة، وهذا تحكم من غير دليل، إذ لا يوجد دليل على تقدم هذه الأحاديث على تلك، فالقول بالنسخ هو احتمال فقط، ولا يعتد بالنسخ مع الاحتمال.
وردوا على الاعتراض الثاني، بأن ذلك وارد لبيان الربا الأغلظ والأشد دون منع غيره، وأيضا هذا دليل احتمالي يسقط الاحتجاج به، بل استناد مخالفيهم إلى الاحتجاج بهذا الحديث أقوى من حيث اللغة ولا ريب، فـ"إنما" تدل على الحصر، فحصر الربا في النسيئة.
رأي المجيزين:
والذي نراه أن من حيث اللغة فمستند المجزين هو الأقوى، حيث إن القرآن الكريم نزل بلغة العرب، والنوع المعهود من الربا عندهم هو ربا النسيئة، وقد أكد هذا الرأي حديث: (إنما الربا في النسيئة)، ولا ريب أنه عند تعارض الأدلة المتساوية يبحث عن مرجحات لأحدها، وقد تعارضت هنا الأدلة، وحسمت اللغة وحديث ربا النسيئة الأمر لصالح الرأي المجيز.
توجيهنا للموضوع:
ونحن لا نرى ذلك التعارض بين الأدلة، بل نرى أن الأمر واضح لا لبس فيه، لو تتبعنا الموضوع بخطواته المنطقية.
أولا: الربا المعهود هو الربا الذي ذكرنا شروطه الثلاثة سابقا وهي: الزيادة والأجل والمثلية. (1/5)
صفحة 6
ثانيا: لم يتم تنويع الربا عند منطوق الشارع الحكيم، لا ربا نسيئة ولا ربا فضل، وما ورد في الحديث: (إنما الربا في النسيئة) إنما لبيان ضابط الربا وهو التأجيل.
ثالثا: الأحاديث التي تساق في الربا، في الحقيقة هي ليست في باب الربا، وإنما هي في البيوع، فعلينا أن لا نخلط بين الربا بشروطه المذكورة وبين البيوع المحرمة والبيوع الجائزة.
رابعا: القواعد العامة للاقتصاد -ومنها التجارة والبيوع- هي تحقيق العدالة وإزالة الضرر.
خامسا: الأحاديث الواردة في إجازة بيع بعير ببعيرين وعبد بعبدين، ومنع بيع صاع التمر بصاعين، فهي أمثلة تطبيقية منه صلى الله عليه وسلم للقواعد العامة للاقتصاد، فقد أباح عليه السلام هذا النوع من البيع عندما رأى العدالة متحققة والضرر غير موجود، ومنعه عندما رأى عكس ذلك، ودليلنا على ذلك نص الحديث المانع وهو: (استعمل على خيبر رجلا، فجاء بتمر جنيب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكل تمر خيبر هكذا؟) فقال: لا والله، إننا لنأخذ الصاع من هذا بصاعين أو ثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه: (لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، وابتع بالدراهم جنيبا)، فكما هو واضح من الحديث تفاوت أنواع التمر، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يوقف الرجل على جانب العدالة والاحتياط في لزومها، أما عند تحققها فلا مانع من البيع ولو كانت هناك زيادة، إذا ليس تحريم الزيادة لذاتها، وإلا لحرمت التجارة، ولكن تحرم الزيادة عندما تغيب العدالة ويقع الضرر كما هو الحال في الربا
وأضرب مثالا على ذلك: لو كان لدينا آلة معينة تساوي مائة ريال فيجوز بيعها بآلتين تساويان مائة ريال؛ كل واحدة تساوي خمسين ريالا مثلا.
فالعدالة هنا متحققة ولا ضرر طبعا، فمن أين تدخل الحرمة، وقد سخر الله لنا ما في السموات والأرض نعما من عنده جل وعلا.
بهذا نرى عدم تعارض تلك النصوص النبوية.
الأصناف الممنوعة: (1/6)
صفحة 7
وبهذا نفهم أن الأصناف المذكورة في الروايات بعدم جواز بيعها إلا يدا بيد دون تفاضل؛ ومنها الذهب والفضة والشعير والبر والتمر والملح، هي أمثلة فقط، وإلا لما جاز الظلم في هذه الأصناف ولا في غيرها، وفي أحيان كثيرة نجده صلى الله عليه وسلم يذكر أمثلة على الأمور بما يقع بين الناس غالبا.
الشروط في العقد:
والشيء بالشيء يذكر، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه تارة منع أن تكون شروط عند العقد التجاري، وتارة أخرى رخص، وقد يحتار الإنسان في بعض الأحيان في كيفية الجمع بين الأدلة، وتارة يتكلف الجمع، أما لو رأينا هذه المعاملات النبوية على ضوء ما ذهبنا إليه سابقا، لانحل الإشكال، وتبين لنا أن الشرط أو الشروط التي تحرم هي التي تدخل ظلما على المتعاقدين أو أحدهم، وأما الشروط التي لا حيف فيها ولا ظلم والناس في حاجة إليها، فليس من شأن الإسلام أن يحجر على الناس ويضيق عليهم، إذ أن شريعة الله تعالى حنيفية سهلة سمحة لا لبس فيها ولا غموض ولا تكلف.
الخلاصة:
وخلاصة القول لا داعي لتقسيم الربا إلى ربا نسيئة وربا فضل، وإنما هو ربا واحد المعروف عند العرب بشروطه الثلاثة، وباقي الأدلة داخلة في البيوع نصا.
وهذا النوع أجمعت الأمة قاطبة على تحريمه، وأصحابنا رحمهم الله تعالى يرون خلود مرتكبه في النار إن لم يتب إلى الله تعالى. والاعتبار في الاقتصاد هو تحقق العدالة وارتفاع الظلم، وهذا ما دل عليه استقراء الشريعة الإسلامية، وظهور أي معاملة من المعاملات الاقتصادية إنما يحكم فيها هذا الأمر.
والشروط المصاحبة للعقد ينظر فيها هل تحقق العدالة وترفع الظلم فتجاز، أو توقع الظلم فتحرم.
هذا والله ولي التوفيق والسداد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
خميس بن راشد العدوي. (1/7)