صفحة 1
الكتاب: رسالة أبي كريمة في الزكاة للإمام أبي الخطاب المعافري
المؤلف: الشيخ/ أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان.
تاريخ النشر: أغسطس 1982
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
رسالة أبي كريمة في الزكاة
للإمام أبي الخطاب المعافري
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف الشيخ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة
العدد الرابع والثلاثون (1/1)
صفحة 2
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
رسالة أبي كريمة في الزكاة
للإمام أبي الخطاب المعافري
تأليف الشيخ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة
أغسطس 1982 (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم:
وصلى الله على سيدنا محمد الني الأمين وعلى آله وصحبه وسلِّم تسليما.
أتانا كتابكم تذكرون فيه ما منَّ الله به عليكم، من جمع كلمتكم وائتلاف أمركم في كثرة من بحضرتكم من أهل الخلاف لكم ولعمري ما كثرتهم وإن كثروا بأكثر ممَّن كان قبلهم على من كان قبلكم من سلفكم، فاقتدوا بهم تهن عليكم كثرتهم.
نسأل الله لكم العون والتوفيق في جميع أموركم، وأن يكفينا وإياكم بأسهم، وأن يجعل لنا ولكم ولجميع المسلمين الدائرة عليهم، ويشفي صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم ..
فلعمري لقد سرني ما انتهيتم إليه من أموركم، وإن كان ذلك لم يخف عنا، غير أنا لم نظن الذي كتبتم به إلي، والله سيتم لكم الخير كله بعونه وتوفيقه.
أتانا كتابكم بمسائل، فمنها ما رأيت أن أجيبكم فيها، ومنها ما رأيت ألا أجيبكم فيها، من غير هوان ولا تقصير، إلا الذي رأيته أصلح لجماعتكم، وأقوم لشأنكم، وأرفق لضعيفكم، وأعطف لقويكم، وأجمع لأموركم، وما توفيقي إلا بالله. وفقنا الله وإيَّاكم لما يحبه ويرضاه. (1/3)
صفحة 4
فقد أجيبكم في الذي أجيبكم فيه، فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ، في رواية أو خبر أو غير ذلك، فمن نفسي، أستغفر الله من جميع ما ليس له رضاً.
ذكرتم في كتابكم العُشر وكيف جمعه؟ فاعلموا رحمكم الله أنَّه يجتمع أهل في الإقليم الذي هو فيه فيوكِّلوا لعشورهم رجالاً أمناء من قبلهم في كل منزل فينقله النَّاس إليهم حتى إذا اجتمع عن آخره نظر فيه خواص من أهل الفقه والفضل والمعرفة في الدين، واجتهدوا رأيهم فيه على ما أمر الله به من تفريقه لمن أمر الله بإعطائه، بلا حيف ولا ميل ولا أثرة قريب دون بعيد، ولا لاجتراز منافع الدنيا، ولا لرفع مضرتها، فما رآه المسلمون حسناً فهو كذلك إن شاء الله، وما رأوه سيئًا فهو سيء، فاحضرتم تفريقه حكم أولئك الرهط أمرهم، ولا يحظر عند تفريقه جماعة من يأخذ ولا من يعطى، فيقرَّق عشور كل قرية في فقرائهم. ومن كان من الأمناء في يده ما يغني به أهل قريته من مال يفضله فرَّقه على أقرب الفقراء إليه، وإن كان أقرب القرى إليه ممَّن يليه (1/4)
صفحة 5
ليس لهم عشور، وفي يده عشور ليس فيه ما يغني به فقراءه نظر فيه لهم إذا كان أهل القرى متحاورين يسمع بعضهم بعضاً، ونحو هذا، وإذا تباعدت القرى آلوا به على فقرائهم حتى يغنوهم، ليس لأحد معهم شركة إلا ابن السبيل إذا حضر، والغارم وفي الرقاب إذا حضر، وليس لأحد فيه سهم على التَّقسيم على عدد الثمانية، إنَّما ذلك من الله على الأمر بالعطاء لهم، والدلالة لمن يعطى، ليس ذلك سهماً مفروضاً من عدد الثمانية لكل ضنف، فمن حضر من هؤلاء أعطى، ومن غاب فلا شيء له، فبعيد بفضل ذلك من حضر حتى يغنوا عامتهم.
ألا ترى أن العاملين عليها، ليس ذلك السهم المسمى لهم على القسم إن كان فيه أكثر من رزقهم وعلف دوابهم، وحرزوه هذا ما لا يجوز ولم يتقدم بذلك أحد من السلف، ولا للأئمة ليس للعاملين إلا نفقتهم وعلف دوابهم ما داموا سعاة، فإذا فرغوا من جميع ذلك لم ينالوا منه شيئًا وأدوا ما قبضوا إلى بيت مال المسلمين.
وأمَّا الوالي إذا كان للمسلمين فليس له من الحقوق إلا نفقته على أهله ونفسه كنفقته قبل أن يلي. (1/5)
صفحة 6
وأفضل قسمة الزكاة كلِّها أن تنصرف إلى الفقراء الذين أنت بين أظهرهم، وهؤلاء الذين سمينا من قبل، إنَّ الخبر جاء في الصدقات للمصدق أن يأخذ من خواص أموالهم، فيردها على فقرائهم، ليس للسعاة أن يأخذوا الثُّمن على سهم الأجزاء، من قبل أن الفرض لم يقع من الله على القسم، ألا ترى أنَّ الخبر جاء عن عمر (ض)، وأصحاب رسول الله (ص) حضور، أنَّه كان يجعل الصدقة في الصنف الواحد ممَّن سماه الله، وإنَّما للسعاة أجر مثلهم على التقسيط والقوام بالعدل.
ألا ترى أنَّه ليس للإمام متى ولَّى من فيئهم شيئًا إلا إخراجه إلى القوم بالمعروف، وقد جاء عن الصديق رحمه الله، لما استخلف اجتمع المسلمون فقالوا: افرضوا الخليفة رسول الله شيئًا يغنيه، فقالوا: ردتان إذا أخلقهما وضعهما، وأخذ مكانهما غيرهما، وظهر إذا سافر، ونفقته على أهله كما كان ينفق قبل أن يستخلف. فقال أبو بكر: رضيت، ولم يضنوا عليه بشملة ضناً بذلك عليه، ولكنَّهم أرادوا قطع الاحتجاج أن يكون للإمام فضل يستأثر به على المسلمين. (1/6)
صفحة 7
وقد جاء عن عمر (ص)، روى ذلك الأحنف بن قيس، ونافع عن ابن عمر، قالوا: قدم وفد من البصرة فيهم الأحنف بن قيس، وعمر يومئذ أمير المؤمنين، فسألوه: ما يحلُّ له من الفيء فقال عمر رحمة الله عليه: قوت عمر وأهله. قوت رجل من قريش، وحلة في الشتاء والصيف، وما حجَّ به واعتمر، وإنَّما كان ذلك من قبل أنَّ المسلمين يردون الموسم من الآفاق، فصار إليه ليستمتع من حجِّهم ويسألهم عن ولاتهم، ليقطع عنهم مؤنة العناء إليه في السير ولولا ذلك لم يكن ذلك.
وجاء عن عمر أنَّه كان يقول: أيُّها النَّاس ليس أحد إلا وله من هذا المال نصيب، إلا ما ملكت أيمانكم.
وجاء عن الصديق رحمة الله عليه أنَّه كان يستمتع بالناضح والشملة ومثل ذلك، وجاء عنه عند وفاته، أنَّه ردَّ الناضح الذي في يده، والشملة هو الحبشية واللقوح، وجاء عن عمر مثل ذلك أنَّه أصاب من فيء المسلمين مالاً استمتع به في حوائجه، فلمَّا حضرته الوفاة أمر عبد الله ابنه فكسر فيه ماله، وباع فيه رباعه، حتى جمعه فأدَّاه إلى بيت مال المسلمين، وعبد الله بن رافع على بيت مال المسلمين. (1/7)
صفحة 8
وجاء عن الصديق رحمة الله عليه، أنَّه قدم إليه مال احتمله من البحرين، فقسمه على النَّاس خمسة خمسة، ثم قدم مال فقسمه عشرين عشرين، ففضلت فضلة فقال أبو بكر: ألكم خدم يخدمونكم ويعالجون لكم، فلو قسمتموها بينكم؟ فقال النَّاس: أنت أولى بذلك يا خليفة رسول الله وبالأثرة، فقال: معاشر النَّاس الأسوة في هذا خير من الأثرة، التساوي بين النَّاس. والدليل أنَّ هؤلاء الثمانية في الزاكة ليس ذلك لهم على الفرض من الله، ألا ترى أنَّ الفريضة على تسعة أسهم لقوله تعالى في آية أخرى: {فإنَّ لله خمسه وللرَّسول} وذلك سهم تاسع غير الثمانية، وكل ذلك إنَّما هو على الإعطاء إليهم، أنَّ الله أمر رسوله أن يُعطى أقاربه كما يعطى الفقراء، إلا أنَّ ذلك محبوس عليهم دون غيرهم، فكلُّ مذكور في الآية، إنَّما هو على البيان بالإعطاء له، لا على الإسهام بالقسم، وجاء عن عمر أنَّه جعلها لصنف واحد وجماعة المسلمين لا ينكرون ذلك ولا يغيِّرونه.
وأمَّا ما ذكرتم هل لمن جمعه من أمناء المسلمين الذين بين أظهرهم قومنا سهم أو كرى؟ .. (1/8)
صفحة 9
فليس لهم سهم ولا كرى إلا أن يكون فقيراً فليأكل بالمعروف على نحو ما يأخذ غيره من الفقراء، ليس له غير ذلك، وله أجر ما نوى وقام وعنى لضعفاء المسلمين.
وأمَّا ما ذكرتم من أنَّ إمام المسلمين إذا لم يملك بلداً هل لمن به من المسلمين أن يبعثوا بعشورهم إليه؟ فليس لهم ذلك ولا له عليهم، ولا يجزي عنهم ما أدوا إليه من ذلك ما لم يجز عليهم حكمه، ويمنعهم من عدوهم القاهر عليهم الحاكم عليهم بغير ما أنزل الله.
أمَّا ما ذكرتم، هل يجوز أن يكرى عليه في جمعه؟ فجمعه على أصحاب الزرع حتى يوصلوا زكاتهم إلى إمامهم، ومن أدَّى منه الكرى كان عليه غرم ذلك حتى يردَّه، ولا يطعم منه الأجير إلا بحساب.
وأمَّا ما ذكرتم من العشور وغيرها من الزكاة يجمع في يد أمين القوم برأيهم، ثم يصيبه أمر فيذهب؟ فإن الذين أدوا عليهم أن يؤدُّوه ثانية، وما ذهب فهو من رؤوس أموالهم، فإن كتمهم الأمين ذلك فعلى الأمين ضمان ذلك. (1/9)
صفحة 10
وأمَّا ما ذكرتم من رجل يكون له زرع في قرى متفرقة؟ فإنَّ عليه أن يؤدَّى من عشور كل قرية في موضعها، فإن جمع في قرية فليتوخ، فيعطى أهل كل قرية ما يرى من عشورهم.
وأمَّا ما ذكرتم هل للقرابة في الزكاة من فضل؟ فقد بينَّا في أول كتابنا على ذلك ليس لذي قرابة فضل على غيرهم.
وأمَّا قولكم هل لأهل الفضل في الدين في الزكاة من فضل يخصون به؟ فأمَّا أبو بكر فقد ساوى بين النَّاس وأعطاهم على قدر فقرهم، وثقلة عيالهم، وأمَّا عمر رحمة الله عليه فقد فضل أهل الفضل في الدين والفقه، والسابقة في الإسلام، وأهل النكاية وأهل كل ذي فضل من فضله وهو أحب إلينا وبه نأخذ.
وأمَّا ما ذكرتم من رجل يأتي من بلد قاصداً إلى قوم في عشورهم وزكاتهم؟ فقد بينَّا ذلك في أول كتابنا، له سهم مثل من حضر من أهل البلد على نحو ما وصفت لك.
وأمَّا ما ذكرتم في قولكم في الغائب؟ (1/10)
صفحة 11
فلا يحبس له ولا ينظر به ولا يبعث به إليه.
وأمَّا ما ذكرتم من المجيب وماله من الحقوق بحقِّه؟ فأوَّل ما يعطى يرضخ له شيء ولا يلحق بالفقراء، وإن تمسَّك وظهر صلاحه ثم أدرك الحقوق سنة أخرى ألحق بأصحابه على قدر فقره، وإن نكث حتى إذا حضرت الحقوق رجع لم يعط شيئاً، وإن أنس منه رشداً بعد سنة أخرى فله حق كحق مثله، وإن كان قبوله للدعوة ودخوله فيها قبل أن تحضر الحقوق، وقبل أن تطلع ثم حضر فحقُّه كحقِّ الفقراء على قدر فقره.
وأمَّا ما ذكرتم من الوالدين هل لهما في عشور أولادهما شيء في جماعة أو فرادى؟ أمَّا في الجماعة فالجماعة تعطيهم من الجملة، وأمَّا فرادى فلا يحقُّ لهم أخذه ولا يجزي عن أولادهم إذا أعطوهم.
وأمَّا ما ذكرتم عن كم يستغنى المسلم والمسلمة فلا يأخذون الزكاة والذي يغنيهم من ذلك قوت كل واحد؟ أما الرجل ففي عياله، وأمَّا المرأة ففي بدنها، وليس الرقيق من اعيال، والقوت ما يكفيه من الطَّعام والإدام والكسوة (1/11)
صفحة 12
فربَّما كانت الدَّابة من القوت، وذلك في أهل العمود الذين لا قوام لهم إلا بالدَّابة، والدَّابة لها أولى من القوت، وإذا كان عليه دين أعطى بعد استغناء فقراء المحلة ما يؤدي به دينه، وإن كان إذا أخذ لم يؤد الدين غير أنَّه يجعل ذلك سبيلاً إلى الزكاة لم يعط شيئًا غير القوت، والقوت ما ذكرت لك.
وأمَّا ما ذكرتم من رجلين أحدهما يقدر على الحجارة ويعيش بوجهه، والآخر لا يقدر عليها وهما في الفقر سواء؟ فإن أخذهما من بيت مال المسلمين على قدر ما ترى الجماعة من العيال والفقر، لا يضر هذا اتجاره ولا ينفع هذا بتصغير نفسه.
وأمَّا ما ذكرتم من رجل يعطي لعساكر قومنا سبولاً وطعاماً، هل يحبسه على نفسه ويؤدي عشوره؟ أم يحبسه في عشوره؟ أم يحطُّه من جملته ولا يعطى به عشوراً؟ ذكر بعض أصحابنا أنَّه ليس عليه عشور، غير أنَّه لا يحبسه في عشوره والله أعلم إنَّه كذلك أم لا؟ وذلك أني أرى المنافق يظنُّ بأهل الدين، فإذا كان الأمر هكذا ويروا صاحب الزرع زرعه (1/12)
صفحة 13
لم يؤد عشوره إذا صار كلَّه إلى ما ذكرت فإذا كان لا يجوز في الكل فالبعض من الكل، وهذا الحق فيما نرى والله أعلم.
وأمَّا ما ذكرتم من رجل يكري على جميع زرعه بطعام أو بسبل أو بدراهم، هل يحط ذلك الكرى من جملة زرعه ثم يؤدي العشر بعد ذلك؟ القول أنَّه لا يحطُّ من جملة ما أخرجت الأرض شيئًا وغرمه من صلب ماله، وذلك أنَّ العشر لم يقع على الأرض كوقوعه على القابض، ألا ترون أنَّ القابض قد يكسب أربعين مثقالاً، وعليه فيها دين، فلا يؤدي الزكاة في قول بعض أصحابنا إلا بإذن الغريم، يستأذنه ويحاسب الغريم بها، أو يؤدي صاحب المال عنها.
وهو في قول العامَّة لا زكاة عليه فيها، وزكاته على صاحب المال إذا قبضها، وإن كان لم يماطله بها إلا أنَّه أذن له في حبسها، فعليه زكاتها مع جميع ماله فهو في إجماع الأمة إذا أصاب خمسة أوسق، فعليه عشرة، وإن كان عليه عشرة أوسق ديناً لم يجزه إلا أداء العشر قبل، وليس للدين فيها شيء، ولا عليه في العشور سبيل حياً كان أوميِّتاً، فأصلهما مختلف فافهموا واحمدوا الله. (1/13)
صفحة 14
وذكرتم أنَّ رجلاً له رقيق، ورجلاً له رباع، ورجلاً له ماشية ورجلاً له طعام، هل يعطون من الزكاة شيئًا؟ فالقول في ذلك: إن كانت الماشية إنَّما يعيش بفضلها، فإذا باع الفضل لم يضر معيشته بيع الفضل لم يعط، وكذلك إن كان من الرقيق ما يستغنى به من خدمتهم، وكان إنَّما يتخدهم ليستعملهم، باع فضل ما يخدمه، ولم يعط وأمَّا الرباع فمن حضر من المسلمين ينظرون في ذلك إلا أن الرباع وإن كثر لا يغني صاحبه عن أخذ الزكاة، وليس هو مثل صاحب الرقيق والماشية.
وأمَّا ما ذكرتم عن الوالد له ولد أو أخ غنى، هل يعطون من الزكاة؟ فالقول في ذلك: أنَّه إن كان أبوه غنياً أعطى، ولا ينظر إلى غنى أبيه، وأمَّا إن كان ولده غنياً وكان يحمله لم يعط، وإن كان الولد لا يحمله وكانت أحكام الإمام ظاهرة يحكم عليه، فالسنة لا يعطى، وإن كان في دار تعطل فيها الأحكام، وكان الولد عاصياً، لم يقم بحق الوالدين أعطى الوالدان بجملة المسلمين، ولم ينظروا (1/14)
صفحة 15
إلى غنى ولده، هذا بمنزلة رجل غنى أحيل بينه وبين ماله في بلد لا يقدر عليه، وأمَّا الأخ الغني فلا يحرم أخاه الأخذ.
وأمَّا ما ذكرتم من رجل يكون عارفاً بالدعوة، فقيهاً مشهوراً بالفقه والصلاح، ثم مال إلى غير ذلك لإصابة دنيا بذلت له أو رجاها، أو للتررؤس ممَّن مال إليهم، وأتمُّوا به، ثم تقدَّم في أهل الدعوة الذين رجع إليهم ومال إليهم، ثم ندم ورجع إلى المسلمين باعتراف واعتلال، ما قولكم هل يجب على المسلمين قبوله وإظهار الحرمة له في الظاهر، وإعطاء الحقوق له وإثبات الحرمة؟ القول في ذلك: أنَّ الواجب عليهم قبوله وإظهار الحرمة له في الظاهر وهو عندهم في الحقيقة ضنين ما عاش، لا يعطى من الحقوق شيئاً وتوبته بينه وبين اله، فإن حذَّر المسلمون بأسه وكان ممَّن يدخل الوهن على ضعفاء المسلمين في خلافه لشبهة أو غير ذلك نظر فيه المسلمون، فإن رأوا أن يعطوا له شيئًا من صلب أموالهم ويعرفوه أنَّ ذلك من زكاتهم في جماعتهم فعلوا، وإن رأوا مباعدته فعلوا وإلطافه خير من مباعدته. (1/15)
صفحة 16
أمَّا ما ذكرتم من رجل من أهل الدعوة لم يحضر لعشوره جماعة وهو يفرِّقه، أو يقول إنَّه يفرِّقه، ولم يطلع المسلمين على ذلك، ولم يتقوَّل في الدعوة ولم يدع أهل الخلاف؟ فالقول في ذلك أنَّه يعطى إن كان فقيراً.
وأمَّا ما ذكرتم من رجل يعطى عشوره لبعض فقراء المسلمين ويمنع بعضاً، ويمتنع من الجماعة ولا يجامعهم بعشوره، ولا يجتمع بزكاته، ثم افتقر وتيسَّر الذين كان يمنعهم، هل ترى لهم أن يمنعوه مثل ما حرمهم؟ فالقول في ذلك: تعطى لمن منعك، ولا يجب على من حرمه الحرمان، فالعدل في ذلك أن تكافئ من عصى الله فيك بطاعة الله فيه، وهو أن تعطي لمن منعك.
وأمَّا ما ذكرتم من الضنين هل يعطى؟ فالقول في ذلك: أنَّه يعطى بقدر، ما لم يظهر منه ما يبرأ المسلمون منه. (1/16)
صفحة 17
وأمَّا ما ذكرتم من رجلين أصاب أحدهما زرعاً والآخر لم يصب شيئاً، وهما في الحاجة سواء أو متفاضلان فقلتم كيف يعطون؟ ذكر بعض أصحابنا أنَّه ينظر للذي أصاب الزرع كم هو فيحسب ببعض عياله، فيجعل في قوتهم، فإن كان فيه قوت واحد أو اثنين حط من عياله فيعطى مع صاحبه الذي لم يصب شيئًا بالسواء، وما بقي على قدر العيال والحاجة. وزعم بعض أصحابنا أنَّه يحاسب الذي أصاب بحملته، ويعطى للذي لم يصب مثله ويقسم عليهما ما بقي بالسواء. وقال بعض أصحابنا: يرد ذلك إلى الذين يحضرون ذلك الأمر في كل زمان، ويجتهدون رأيهم في العدل لفقرائهم، ثم ينفذون ذلك على ما رأوا وبالله التوفيق.
وأمَّا ما سألتم من أن امرأة تلعب بالدف ويحضرها رجال وتظهر ذلك، ولا تستر وهي شابة أو ذات سن؟ فالقول في ذلك: أنَّها من أهل الظنة ولا تعطى إذا كانت هذه متبرجة.
وأمَّا ما سألتم عنه من النائحة على ميتها؟ (1/17)
صفحة 18
فالنائحة المعلنة المؤذية لا تعطى إذا نهيت وعرفت عن أخطائها فلم تنه، وأمَّا التي تنوح على ميتها فتنهى عن ذلك فتقبل، فإنَّها تعطى.
وأمَّا ما ذكرتم من رجل كان على خلاف، وكان يفرق عشوره ثم رجع إلى المسلمين، وقلتم هل يلزمه ما كان أدى أن يؤديه ثانية من الحقوق؟ فإنَّا لا نرى عليه رد ذلك، وأمَّا المسلم الذي أعطى عشوره أهل الخلاف بجهل أو بعلم، فأرى أن يؤديه ثانية ولا يجزي عنه ما كان أدَّى، وإن رجع عن أهل الإسلام إلى أهل الخلاف ثم أدَّى فيهم، ثم رجع إلى الحقِّ فأراه غارماً ما كان أداه في خلافه أهل الإسلام، وأمَّا ما أخذه ولاة قومنا، فإنَّ ذلك لا يجزيه ولا يحاسب بشيء من ذلك.
وأمَّا ما ذكرتم من جماعة المسلمين يرون أن يحبسوا شيئاً من عشورهم لرأى رأوه؟ فالقول في ذلك: إذا كان حبسه لا لغائب ولا لضيف جائز لهم حبسه حتى ينفذوا فيه رأيهم. (1/18)
صفحة 19
وأمَّا ما سألتم عنه من الشريك يقول: لا أؤدي، أو يقول: لا أؤدي لمن تؤدي أنت إليه، أو يقول: أؤدي، ولا يذكر أحداً، ما قولكم هل يجب على الشريك الآخر غرم سهمه إذا لم يؤده؟ فالقول في ذلك: أنَّه إذا قال: يؤدي ولم يذكر شيئًا أنَّه يجزي شريكه ذلك ويتبرأ من ضمانه، وإن قال: لا نؤدي فالشريك ضامن ذلك، ويؤدي من ماله للفقراء مثله، وفيه قول آخر: أنَّه لا ضمان عليه ولا يلزمه فرض فيما ليس له، لأنَّ كل واحد منهم قد بان سهمه عن سهم صاحبه وبه نأخذ إن شاء الله.
وأمَّا ما ذكرتم من رجل قذف بالزنى أو اللواط فعل أو فعل به أو قذف بهيمة، ما قولكم هل يعطى من الزكاة شيئًا؟ القول في ذلك: لا يعطى وهو مضل ويفسق حتى يتوب.
وأمَّا ما ذكرتم من رجل فسق مسلمًا أو لعنه، أو ضلله، أو قال: يا عدو الله، أو قال ذلك لمخالف، هل يعطى من الزكاة شيئًا؟ القول في ذلك: أنَّه إذا قال ذلك لمسلم يضل به ويحرم من الزكاة، وإن قال ذلك لمخالف القول ما قال. (1/19)
صفحة 20
وأمَّا ما ذكرتم من رجل قال لمسلم: يا كلب أو يا خنزير، أو يا نجس أو يا جيفة؟ والذي ذكرتم من رجل قال لرجل يا خبيث يا خشكنان ويا نار ويا قواد ويا جهنم؟ فجملة ذلك أن يقال له مثل ما قال لمسلم.
وأمَّا ما ذكرتم من رجل قال لمسلم: يا خائن، يا كذاب، يا مرائي، هل يعطى من الحقوق شيئًا؟ فالقول في ذلك: عندنا أنَّه لا يحرم لقوله لمسلم يا خائن يا كذاب وأمَّا مرائي، فإنَّه يضل بذلك ويمنع من الحقوق حتى يتوب.
وأمَّا ما سألتم عنه من الشهادة بالزور في الفلس وما دونه عند الحاكم، وعند أخذ الحقوق بين المسلمين؟ فإنَّ الشهادة عندنا بالزور في القليل والكثير بالسواء يقبل بذلك عندنا ويفسق ويمنع من الحقوق حتى يتوب.
وأمَّا ما سألتم عنه من مسلم يأتي إلى أخيه ليسأله أن يشهد له على رجل بأنَّ له حقًّا عليه قليلاً أو كثيراً، ويحلف له على ذلك أنَه محق بثقته لصاحبه، وهو عنده من أهل الفضل والدين؟ (1/20)
صفحة 21
القول في ذلك: أنَّه يضل ويفسق ويبرأ منه ويمنع من الحقوق وهذه شهادة الزور بعينها.
وأمَّا ما ذكرتم من رجلين ادَّعى أحدهما على الآخر وتجاحدا، أو يدعى أحدهما ويجحد الآخر، ثم تحالفا جميعاً أنَّ كل واحد منهما محق، هل يعطيان من الحقوق شيئًا؟ القول في ذلك: أنَّهما يعطيان.
وأمَّا ما ذكرتم من رجل شهد وحده على مسلم فيما يضلل به المشهود عليه؟ فالقول في ذلك: أنَّه إذا كانت الشهادة في القذف، والقذف ما ذكرت قبل هذه المسألة، حرم هو وأعطى المشهود عليه، وإن كانت الشهادة من غير هذا الوجه لم يحرما جميعاً.
وأمَّا ما سألتم عنه من رجل يشرب النبيذ حتى يسكر أو غيره من الأشربة المختمرة فسكر منها هل يعطى؟ فالقول في ذلك: أنَّ كل من سكر من هذه الأنبذة لم يعط، وهو فاسق حتى يتوب. (1/21)
صفحة 22
وأمَّا ما ذكرتم من رجل من المسلمين كان يستطيع الحج ففرط حتى افتقر، هل يعطى؟ فالقول في أنَّه يعطى ولا يحرم بهذا.
وأمَّا ما سألتم عنه من مسلمة تكون تحت مخالف فقير، هل يعطى؟ فالقول في ذلك: أنَّها تعطى ويوفر عليها.
وأمَّا ما ذكرتم من امرأة أعجمية اللسان لا تفقه العربية ولا تقرأ ولا تتعلم، ورجل مثلها أجاب الذين يميِّزون شيئًا، هل يعطيان شيئًا؟ فالقول في ذلك: أنَّهما يعطيان على قدر فقرهما إن كان جهلهما بالتَّعليم للبلادة أو غير ذلك، وإن كان للتصييع لم يعطوا شيئًا.
وأمَّا ما ذكرتم من الأمين الذي يجمع الطعام في مواضع، فيعطي بعض الفقراء من موضع آخر، أترى له ذلك، وترى لمن جاء معهم الاشتراك في عطية الكل؟ فالقول في ذلك: أنَّهم شركاء الآخر، وإن كانت في مواضع متفرقة، وكذلك إذا كانوا أمناء ثم اتفقت الجماعة على ذلك فهم (1/22)
صفحة 23
شركاء في الآخر، وليس لهم شرك فيما تلف من بعض البيوت، وإذا عرف عشرة من ذلك كان على صاحبه رد مثله.
وأمَّا ما ذكرتم من أمين قوم يفرق بعضه قبل أن يجمع الطَّعام نم يجمع فيه فيجب عليه شيء آخر فيفرِّقه في ذلك السبيل؟ فالقول: أنَّه جائز له أن يفعل ذلك، وإن كان له موضع لم يطلع عليه الفقراء ولا ابن السبيل، فأحب ذلك إلى أن يجمع في مكان كما ذكرت لك برأي الجماعة، وإن احتمل ذلك ولم يخرج على من معه في الرأي والنظر جاز تفريقه وحده إذا أشهد وعدل ولم يخف الزلل والجماعة أحب إلي.
وأمَّا ما ذكرتم من رجل يأمر الأمين أن يعطى عشوره كلَّها لابن السبيل أو لغيره من المسلمين، أترى له جائزاً؟ وترى الذي أعطاه شريك الجماعة؟ فإنَّا نرى ذلك وهو حسن جميل.
وأمَّا ما ذكرتم من رجل أرى الجماعة حرمة رجل، والأمين يحرم الرجل من غير ريبة ظاهرة، أترى له أن يعطيه عشوره؟ (1/23)
صفحة 24
فالرأي: إن كان ذلك من رأي الجماعة بعد اجتهادهم، فإن حرموا قرابته أو غير قرابته فلا أرى له مخالفة الجماعة لعدل رأوه، لأنَّ الجماعة بذلك أمرت، وبذلك قامت السنَّة، فلا أرى له مخالفة السنَّة، وإن غلطت الجماعة في قرابته أو غير قرابته ناظرهم، فإن كان القول قوله رجعوا إليه، وإن كان الأمر كما رأوا ليس له أن ينازعهم، وإن كان من نسيان ألحقوه بالعطيَّة. وأمَّا ما ذكرتم من أطفال في حجر المسلم وهو خليفتهم أو غير خليفة، أترى له أن يزكى عنهم؟ فأصحابنا يأمرون الخليفة أن يزكي عنهم، ويروون ذلك عن عائشة وعمر بن الخطاب رحمة الله عليهما، وعن علي بن أبي طالب وجابر بن زيد وجميع فقهائنا على ذلك. وزعم بعض أهل العلم أنَّه لا زكاة على الطفل حتى يبلغ. واحتجَّ الذين قالوا على اليتيم الزكاة بقول عمر وعلي وعائشة. واحتجَّ الذين قالوا لا زكاة على الطفل حتى يبلغ وهذا في العين نفسه عن ابن عباس وجابر بن عبد الله وبالكتاب نصاً، قال الله عزَّ وجل: {خذ من أموالهم صدقة (1/24)
صفحة 25
تطهرهم وتزكيهم بها} والتطهير إنَّما يكون من الذنوب ويكون أيضاً على التَّقرُّب، ولا ذنب على طفل ولا تقرُّب منه، وأمَّا غير الخليفة فلا يزكى عنهم شيئًا من العين. وأمَّا ما ذكرتم هل يبنى بها مسجداً إذا استغنى عنها الفقراء أو داراً للحرب أو إصلاح طريق أو غزاة، وما أشبه ذلك ممَّا يراه الإمام والمسلمون أو داراً للإمام؟ فالقول في ذلك: أنَّه لا يحل بناء المسجد من زكاة المسلمين، لأنَّها لا تنصرف مصرفاً عمَّا سماه الله في كتابه نصًّا ممَّا أمر الله به، وإنَّما سبب توجيهها من الله وفرضها، لتقوية الفقراء لا لاتخاذ وغيرها. تمت رسالة الشيخ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في الزكاة رحمة الله ومغفرته ورضوانه عليه، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلِّم تسليماً. (1/25)
صفحة 26
قال المحقق:
تم نقل هذه الرسالة من مخطوطة بدار الكتب المصرية، القاهرة رقم (21582 – ب) وهي بخط مغربي قرأته وتتبعته ويحتاج إلى جهد لدقة الخط ولعدم خلوه ممن الغلطات وقد ذكر الدكتور عوض خليفات في كتابه " نشأة الحركة الإباضية " بصفحة رقم 149 من كتابه، أن الرسالة أتت من الشيخ أبي عبيدة جوابا للإمام أبي الخطاب الإمام الإباضي، العام الذي تمت البيعة له عام 140 هـ. وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة الإمام الثاني والقدوة الأعظم للإباضية من أئمة التابعين أو تابعي التابعين.
بقلم: سالم بن حمد بن سليمان الحارثي
30 شوال سنة 1402 هـ
20 أغسطس 1982م (1/26)