صفحة 1
الكتاب: زكاة الأنعام
المؤلف: أحمد بن حمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] زكاة الأنعام
لسماحة الشيخ
أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ذي الفضل والآلاء ، والمنّ والعطاء ، الذي وسع الوجود جوده ، وشمل العالمين بره ، وغمر كل شيء إحسانه ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله ، الذي زكى الله به الأمة ، وأزاح بطلعته عنها دياجير الجهل المدلهمة ، وعلى آله السادة الأطهار ، وصحبه البررة الأخيار وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد ،،،
فإن الله تعالى الذي شرف الإنسان بأن بوأه مبوأ التكريم وناط به مسئولية الخلافة في الأرض غمره بآلائه الواسعة وهباته التي لا تقف عند حد بمقاييس البشر ، وكان من فضله عليه أن خلق له ما في الأرض وسخر له ما في الوجود لأجل أن تتحقق المسئولية الكبرى التي ينوء بأعبائها ويضطلع بأمانتها ، وهي الخلافة في الأرض والسيادة في الكون . وكان من بين ما خلقه الله له وسخره لمنفعته الكائنات الحية التي تشاركه الوجود في هذه الأرض والدبيب على ظهرها وفي مقدمتها بهيمة الأنعام التي جعلها الله سبحانه جامعة لما لا يحصيه الإنسان من منافعه وقضاء مصالحه ففي لحومها وألبانها غذاء طيب له تقوم به بنيته وتشتد به مُنته(1) ، وفي جلودها وأصوافها وأوبارها وأشعارها أثاث له ومتاع وسكن مع ما تقوم به في حياتها من مصالح شتى تنصب جميعا في خضم حياة الإنسان ، وقد امتن الله بهذه النعم العظيمة التي أثقلت جيد الإنسان قلائدها حيث قال تعالى : (2)2) . وقال : (3)3) . وقال : (4)4) . وقال : (5)5) . وقال : (6) ، إلى غيرها من الآيات التي تتحدث عن هذه النعمة الجسيمة .
__________
(1) مُنته : بضم الميم أي قوته .
(2) . سورة النحل 5 – 7(2)
(3) سورة النحل 66 . (3)
(4) سورة النحل 80 (4)
(5) . سورة المؤمنون 21 (5)
(6) سورة الزمر 6 (6) (1/1)
صفحة 2
ولئن كانت نعمة الأنعام بهذا القدر من الجسامة والشأن ، فلا غرو أن تكون مثار انتباه الناس جميعا ، ومطمحا لأبصارهم ومطمعا لنفوسهم ، إذ الحاجة إليها كالحاجة إلى سائر الأغذية الضرورية يشترك فيها الغني والفقير والقوي والضعيف فلا غرو إن غصت صدور الفقراء المحرومين بالحقد ، إن بقيت هذه الأنعام تتداول منافعها أيدي الأغنياء دونهم وتمتلئ بخيراتها بطون الأثرياء ، وما لهم فيها من نصيب ، لذلك جعلها الله تعالى من الأموال الزكوية ليشترك في خيرها القوي والضعيف ، توسيعا للفقراء ورحمة بهم وتربية للأثرياء وإحياء لضمائرهم وربطا بين الجانبين بوشيجة التراحم والوداد وحب الخير والإحساس.
هذا وقد تلقيت دعوة كريمة من أخي فضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ عجيل جاسم النشمي رئيس الهيئة الشرعية العالمية للزكاة ـ حفظه الله ـ بأن أشارك في أعمال هذه الهيئة المباركة ، ببحث يجمع بين العديد من القضايا المتعلقة بزكاة الأنعام ، فلم أجد بدا من الاستجابة لهذا الداعي والقيام بهذا الواجب وإن كانت الفرصة لا تواتيني لذلك إلا إن انتزعتها انتزاعا من بين قبضة يد الأيام والظروف المتحكمة في جميع الأوقات . ومن الله وحده العون والتوفيق وهو سبحانه خير مسئول بأن يمن علي بالتوفيق وأن يسعدني بالقبول إنه على كل شيء قدير .
خطة البحث : يتكون البحث من العناوين التالية :
مقدمة في التعريف بالأنعام .
الفصل الأول : في شروط زكاة الأنعام .
الفصل الثاني : في نصاب الزكاة من الأنعام وفروضها .
الفصل الثالث : في صفة ما يخرج في زكاة الأنعام وفيه تكملة في حكم إخراج القيمة في زكاة الماشية .
الفصل الرابع : في أثر الخلطة في زكاة الأنعام .
الفصل الخامس : في حكم الزكاة في سائمة الخيل وغيرها من الحيوانات.
الفصل السادس : في حكم زكاة الشركات المتاجرة بالثروة الحيوانية والشركات المتاجرة بالمنتوجات الحيوانية .
خاتمة في خلاصة أهم ما اشتمل عليه البحث . (1/2)
صفحة 3
وطريقتي في البحث أني أورد المسألة وأذكر ما للفقهاء فيها من أقوال حسب المذاهب الثمانية مع بيان دليل كل مذهب ومناقشته ومحاولة الجمع بينه وبين سائر الأدلة ثم ترجيحي ما تبين لي رجحانه بالدليل الشرعي . والله من وراء القصد ، وعلى الله قصد السبيل .
مقدمة في تعريف الأنعام
الأنعام جمع نَعَم بالتحريك ، ويراد بكل منهما الماشية المشهورة وهي الإبل والبقر والغنم . وقال ابن سيده : النعم الإبل والشاء يذكر ويؤنث ، ويجمع الجمع على أناعيم . وقال ابن الأعرابي : النعم الإبل خاصة ، والأنعام الإبل والبقر والغنم ، وهو خلاف ما قاله الأزهري فإنه يرى إطلاق النعم على الأجناس الثلاثة ، وهو لا ينافي أن العرب تطلقه غالبا على الإبل كما في الصحاح(1) لأنها المشهورة عندهم ، بل نقل الواحدي إجماع أهل اللغة على شمول النعم لجميع الأصناف الثلاثة ، ودليله ظاهر فإن الله تعالى قال : (2) ، وقال القرطبي : " وللعلماء في الأنعام ثلاثة أقوال :
أحدها : أن الأنعام الإبل خاصة .
الثاني : أن الأنعام الإبل وحدها ، وإذا كان معها بقر أو غنم فهما أنعام أيضا .
الثالث : وهو أصحها ، قاله أحمد بن يحيى : الأنعام كل ما أحله الله عز وجل من الحيوان ، ويدل على صحة هذا قوله تعالى :
(3)" (4) .
__________
(1) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية تأليف إسماعيل بن حماد الجوهري ( 5 / 2043 ) طباعة دار العلم للملايين الطبعة الثالثة 1404 هـ ـ 1984 م .
(2) سورة المائدة الآية 95 .
(3) سورة المائدة الآية 1 .
(4) لسان العرب ( 12 / 585 ) دار صادر للطباعة والنشر ، تاج العروس ( 9/ 79 ـ 80 ) دار مكتبة الحياة ، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ( 7 / 11 ) دار إحياء التراث العربي بيروت ـ لبنان . (1/3)
صفحة 4
وحكى المحقق الخليلي ـ رحمه الله تعالى ـ عن صاحب شمس العلوم أنه فسر الأنعام بالبهائم ، وعليه فهو قول رابع ، وذكر عنه أنه نقل عن ابن كيسان أن النعم الإبل وحدها ، والأنعام كل ما يرعى(1) ، وهو خامس الأقوال .
والراجح أنه لا فرق بين النعم والأنعام لما ذكرناه من قوله تعالى : مع أن فدية الصيد لا تنحصر في الإبل وحدها ، فكل منهما يصدق على الإبل والبقر والغنم بنوعيها الضأن والمعز ، بدليل أن الله تعالى امتن على عباده إذ قال : (2) ، وقد بين هذه الأزواج الثمانية في سورة الأنعام بقوله : (3) فلا وجه لحصرها في الإبل كما قال ابن الأعرابي ، ولا لإطلاقها على كل مباح من الحيوان كما قاله أحمد بن يحيى وصححه القرطبي ، فإنه يقتضي شموله الظباء والوعول وحمر الوحش وأنواع الطيور المحللة ، كما يقتضي شموله لصيد البر والبحر جميعا ، وكذلك السباع والخيل على القول بتحليلها ، ومثل ذلك ما قاله صاحب شمس العلوم من أنها مطلق البهائم ، وما نقله عن ابن كيسان من أن النعم الإبل والأنعام كل ما يرعى ، ولا يخفى ما في هذه الأقوال من الإفراط تارة والتفريط أخرى ، وما عولت عليه هو الذي قاله الزمخشري إذ فسر الأنعام بالأزواج الثمانية(4) ، ونهج نهجه المحقق الخليلي(5) .
__________
(1) شرح لطائف الحكم في صدقات النعم للمحقق سعيد بن خلفان الخليلي ص 5 الطبعة الأولى بومبي ، 1309 هـ .
(2) سورة الزمر الآية 6 .
(3) سورة الأنعام الآيتان 143 – 144 .
(4) الكشاف للإمام الزمخشري ( 1 / 416 ) توزيع دار الباز للنشر والتوزيع ، طبع دار المعرفة .
(5) شرح لطائف الحكم ص 5 . (1/4)
صفحة 5
ولفظ النعم يذكر ويؤنث كما ذكره ابن سيده ، أما الأنعام فالغالب فيها التأنيث كما في قوله تعالى : (1) ، وقد يعود الضمير إليها مذكرا كما في قوله تعالى : (2) ، وأوَّله الفراء بأن الأنعام بمعنى النعم ، والنعم تذكر وتؤنث "(3) .
وقال الزمخشري : " ذكر سيبويه الأنعام في باب ما لا ينصرف في الأسماء المفردة الواردة على أفعال كقولهم ثوب أكياش ، ولذلك رجع الضمير إليه مفردا ، وأما في سورة المؤمنين(4)3) فلأن معناه الجمع ، ويجوز أن يقال في الأنعام وجهان : أن يكون تكسير نعم كأجبال في جبل ، وأن يكون اسما مفردا مقتضيا لمعنى الجمع كنعم ، فإذا ذكر فكما في قوله :
في كل عام نعم تحوونه يلقحه قوم وتنتجونه وإذا أنث ففيه وجهان ؛ أنه تكسير نعم وأنه في معنى الجمع"(5).
__________
(1) سورة محمد الآية 12 .
(2) سورة النحل الآية 66 .
(3) لسان العرب وتاج العروس مصدران سابقان ، وانظر معاني القرآن الكريم لأبي زكريا الفراء ( 1 / 129 ـ 131 ) ، ( 2 / 108 ـ 109 ) عالم الكتب ـ بيروت .
(4) سورة المؤمنون الآية 21 (3)
(5) الكشاف ( 2 / 416 ) مرجع سابق ، وانظر التفسير الكبير للفخر الرازي ( 20 / 64 ) دار الكتب العلمية – طهران الطبعة الثانية ، والتحرير والتنوير للعلامة الطاهر بن عاشور ( 14 / 200 ) طبعة الدار التونسية للنشر 1984 ، ولطائف الحكم ص5 ، مرجع سابق . (1/5)
صفحة 6
وقال القرطبي : " اختلف الناس في الضمير من قوله تعالى : على ماذا يعود ؟ فقيل هو عائد إلى ما قبله وهو جمع المؤنث . قال سيبويه : العرب تخبر عن الأنعام بخبر الواحد ، قال ابن العربي : وما أراه عول عليه إلا من هذه الآية ، وهذا لا يشبه منصبه ولا يليق بإدراكه ، وقيل : لما كان لفظ الجمع وهو اسم الجنس يذكر ويؤنث فيقال : هو الأنعام ، وهي الأنعام جاز عود الضمير بالتذكير ، وقاله الزجاج ، وقال الكسائي: معناه مما في بطون ما ذكرناه فهو عائد على المذكور ، وقد قال : (1) ، وقال الشاعر : " مثل الفراخ نتفت حواصله " ، ومثله كثير ، وقال الكسائي : أن مما في بطون بعضه إذ الذكور لا ألبان لها وهو الذي عول عليه أبوعبيدة . وقال الفراء : الأنعام والنعم واحد ، والنعم يذكر ولهذا تقول العرب : هذا نعم وارد فرجع الضمير إلى لفظ النعم الذي بمعنى الأنعام ، قال ابن العربي: إنما رجع التذكير إلى معنى الجمع ، والتأنيث إلى معنى الجماعة ، فذكره هنا باعتبار لفظ الجمع ، وأنثه في سورة المؤمنون باعتبار لفظ الجماعة فقال : (2)2) . وبهذا التأويل ينتظم المعنى انتظاما حسنا ، والتذكير باعتبار لفظ الجمع أكثر من رمل يبرين وتيهاء فلسطين "(3) .
__________
(1) سورة عبس الآيتان 11 و12
(2) سورة المؤمنون الآية 21 (2)
(3) الجامع لأحكام القرآن ( 10 / 124 ) ، وانظر أحكام القرآن لابن العربي ( 3 / 1151 ـ 1152 ) طبعة دار المعرفة للطباعة والنشر – بيروت . (1/6)
صفحة 7
وقال أبو حيان : " إن التأنيث والتذكير باعتبار وجهين وأعاد الضمير مذكرا مراعاة للجنس ؛ لأنه إذا صح وقوع المفرد الدال على الجنس مقام جمعه جاز عوده عليه مذكرا كقوله : هو أحسن الفتيان وأنبله لأنه يصح هو أحسن فتى ، وإن كان هذا لا يقاس عند سيبويه وإنما يقتصر فيه على ما قالته العرب ، وقيل جمع التكسير فيما لا يعقل يعامل معاملة الجماعة ومعاملة الجمع فيعود الضمير عليه مفردا كقوله : مثل الفراخ نتفت حواصله .
وقيل : أفرد على تقدير المذكور كما يفرد اسم الإشارة بعد الجمع كما يقال :
فيها خطوط من سواد وبلق
كأنه في الجلد توليع البهق
فقال : ( كأنه ) وقدر بكأن المذكور ، قال الكسائي : أي في بطون ما ذكرنا ، قال المبرد : وهذا سائغ في القرآن ، قال الله تعالى : ، أي ذكر هذا الشيء ، وقال : (1) أي هذا الشيء الطالع ، ولا يكون هذا إلا في التأنيث المجازي ، لا يجوز جاريتك ذهب .
__________
(1) سورة الأنعام الآية 78 . (1/7)
صفحة 8
وقالت فرقة : الضمير عائد على البعض إذ الذكور لا ألبان لها ، فكأن العبرة إنما هي في بعض الأنعام ، ثم حكى ما نقلناه عن الزمخشري وقال على أثره : وأما ما ذكره عن سيبويه ففي كتابه هذا في باب ما كان على مثال مفاعل ومفاعيل ما نصه : " وأما أجمال وفلوس فإنها تنصرف وما أشبهها لأنها ضارعت الواحد ، ألا ترى أنك تقول : أقوال وأقاويل ، وأعراب وأعاريب وأيد وأياد ، فهذه الأحرف تخرج إلى مثال مفاعل ومفاعيل كما يخرج إليه الواحد إذا كسر للجمع ، وأما مفاعل ومفاعيل فلا يكسر فيخرج الجمع إلى بناء غير هذا لأن هذا البناء هو الغاية فلما ضارعت الواحد صرفت , ثم قال : وكذلك الفعول لو كسرت مثل فلوس لأن تجمع جمعا لأخرجته إلى فعائل كما تقول جدود وجدائد , وركوب وركائب " ولو فعلت بمفاعل ومفاعيل لم يجاوز هذا البناء ويقوي ذلك أن بعض العرب يقول : أتي للواحد فيضم الألف , وأما أفعال فقد تقع للواحد , من العرب من يقول هو الأنعام , قال جل ثناؤه وعز : (1) وقال أبو الخطاب : سمعت العرب يقولون هذا ثوب أكياش " اهـ .
والذي ذكره سيبويه هو الفرق بين مفاعل ومفاعيل وبين أفعال وفعول , وإن كان الجميع أبنية للجمع من حيث إن مفاعل ومفاعيل لا يجمعان , وأفعال وفعول قد يخرجان إلى بناء شبه مفاعل أو مفاعيل لشبه ذينك بالمفرد من حيث إنه يمكن جمعهما , وامتناع هذين من الجمع ، ثم قوى شبههما بالمفرد بأن بعض العرب قال في أتى أُتي بضم الهمزة , يعني أنه قد جاء نادرا فعول من غير المصدر للمفرد , وبأن بعض العرب قد يوقع أفعالا للواحد من حيث إفراد الضمير فتقول : هو الأنعام , وإنما يعني أن ذلك على سبيل المجاز , لأن الأنعام في معنى النعم كما قال الشاعر :
تركنا الخيل والنعم والمفدى وقلنا للنساء بها أقيمي
__________
(1) سورة المؤمنون الآية 21 . (1/8)
صفحة 9
ولذلك قال سيبويه : وأما أفعال فقد تقع للواحد دليل على أنه ليس ذلك بالوضع , فقول الزمخشري : إنه ذكره في الأسماء المفردة على أنه أفعال تحريف في اللفظ , وفهم عن سيبويه ما لم يرده ، ويدل على ما قلناه أن سيبويه حين ذكر أبنية الأسماء المفردة نص على أن أفعالا ليس من أبنيتها(1).
واعترض على أبي حيان بما يطول ذكره ، ومن أمعن النظر وجد أن تخريج الزمخشري وجه تذكير ضمير أنعام على ما قاله سيبويه سديد لا يعاب ، إذ هو مبني على استعمال للعرب سواء كان على وجه الحقيقة أو المجاز .
__________
(1) التفسير الكبير البحر المحيط ( 5 / 508 – 509 ) طبعة مكتبة ومطابع النصر الحديثة – الرياض . (1/9)
صفحة 10
وبما سبق تحريره يتضح أن الأنعام التي تجب فيها الزكاة هي هذه الأصناف المذكورة وهي : الإبل ، والبقر ، والضأن ، والمعز ، وتنقسم إلى ثمانية أزواج باعتبار انقسام كل صنف منها إلى ذكور وإناث ، ويصدق على الضأن والمعز معا اسم الغنم ولا خلاف في ذلك ، كما لا خلاف في أن حكم الإبل يصدق على جميع الأصناف التي يطلق عليها هذا اللفظ سواء كانت بختية أو عرابية أو نجبا أو مهارى(1) ، وكذلك حكم البقر يصدق على الجواميس
والدربانية(2) .
وإنما وقع الخلاف فيما كان وحشيا من البقر وغيرها إن امتلك، هل ينطبق عليه حكم الأهلي ؟ وكذلك ما تولد من أب أهلي وأم وحشية أو العكس ؟
__________
(1) البخت والبختية دخيل في العربية ، أعجمي معرب ، وهي الإبل الخراسانية ، تنتج بين عربية وفالج ، وهي جمال طوال الأعناق ، ويجمع على بخت وبخات ، وقيل الجمع بخاتي غير مصروفة . لسان العرب ( 2 / 9 ) . والمعرب من الخيل الذي ليس فيه عرق هجين ، والأنثى معربة وإبل عراب كذلك . المرجع السابق ( 1 / 589) وفيه الإبل العراب والخيل العراب خلاف البخاتي والبراذين . المرجع السابق ( 1 / 590 ) والنجيب من الإبل والجمع النجب والنجائب ، وقد تكرر في الحديث ذكر النجيب من الإبل مفردا ومجموعا . وهو القوي منها الخفيف السريع ، وناقة نجيب ونجيبة . المرجع السابق ( 1 / 748 ) ومهرة بن حيدان أبو قبيلة وهي حي عظيم ، وإبل مهرية منسوبة إليهم ، والجمع مهارى ومهار ومهارى مخففة الياء . المرجع السابق ( 5 / 186 ) .
(2) الجاموس نوع من البقر ، دخيل ، وجمعه جواميس فارسي معرب وهو بالعجمية كوميش . لسان العرب ( 6 / 43 ) . ومن أجناس البقر الدراب : ما رقت أظلافه وكانت له أسنمة ، واحدة درباني ، وأما العراب فما سكنت سرواته وغلظت أظلافه وجلوده ، وأحدها عربي ، وأما الفراش فما جاء بين العراب والدراب وتكون لها أسنة صغار ، وتسترخي أعيابها ، الواحد فريش . المرجع السابق ( 1 / 385 ) . (1/10)
صفحة 11
فالجمهور أن الزكاة في هذه الأنعام الأليفة دون ما كان وحشيا ، وروي عن أحمد أن الزكاة واجبة في بقر الوحش ، وهو مختار أبي بكر من الحنابلة ، وعنه لا زكاة فيها ، قال ابن قدامة : وهي – أي الرواية الثانية – أصح وهذا قول أكثر أهل العلم لأن اسم البقر عند الإطلاق لا ينصرف إليها ، ولا يفهم منه ، إذ كانت لا تسمى بقرا بدون الإضافة ، فيقال بقر الوحش ، ولأن وجود نصاب منها موصوفا بصفة السوم حولا لا وجود له ، ولأنها حيوان لا يجزئ نوعه في الأضحية والهدي ، فلا تجب فيه الزكاة كالظباء ، ولأنها ليست من بهيمة الأنعام فلا تجب فيها الزكاة كسائر الوحوش(1).
وذكر المحقق الخليلي ـ رحمه الله ـ ما يدل على أنه ورد في آثار أهل العلم جواز الأضحية بالبقر الوحشي , ورأى بناء عليه تخريج وجوب الزكاة فيه إذا اقتني , إلا أنه يفهم من قوله بعد ذلك أنه إنما هو في الأهلي إذا توحش (2).
وهذا هو الظاهر إذ لا معنى لمشروعية التضحية بالوحشي فإنه لو أجزى في الأضحية لأجزى في جزاء الصيد للمحرم : مع أن أسباب وجوبه إما صيد المحرم وإما صيد الحرم فيكون صيد الوحش مكفرا بوحشي من نوعه .
هذا ؛ ولا قائل بوجوب الزكاة في الظباء فيما رأيت , ولم يرو فيه عند الحنابلة ما روي في بقر الوحش كما نص عليه ابن قدامة في المغني(3) , وإنما مذهبهم – أي الحنابلة – وجوب الزكاة فيما تولد بين الأهلي والوحشي , سواء كانت الوحشية أمهاتها أم فحولها(4)2) .
__________
(1) المغني لابن قدامة ( 2 / 470 ) دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع ـ بيروت 1392 هـ ـ 1972 م .
(2) شرح لطائف الحكم ص48 .
(3) المغنى ( 2 / 470) .
(4) المرجع السابق . (1/11)
صفحة 12
وإلى عكسه ذهبت الشافعية , فلم يروا الزكاة فيها مطلقا , ونسبه النووي في المجموع إلى داود (1)3) وذهبت الحنفية إلى أن الزكاة تجب فيما تولد من أم أهلية وأب وحشي , وذلك بأن يكون الفحل من الظباء والأم من الغنم دون العكس وكذلك إذا كان الأب ثورا وحشيا والأم بقرة أهلية , لأن تبعيتها للأمهات(2)4) .
أما المالكية فمنهم من يقول كقول الشافعية وعليه اقتصر خليل
في مختصره(3)1) , وصدر به القرافي في الذخيرة(4)2) عازيا إياه إلى الجواهر , وعزاه الرهوني في حاشيته إلى ابن عبد الحكم ونسب إلى ابن رشد تصديره وإلى ابن عبد السلام تصحيحه(5)3) , ومنهم من يقول بوجوب الزكاة فيها ونسبه الزرقاني في شرحه على مختصر خليل إلى ابن القصار , ونسب الرهوني القول بالتفرقة بين أن تكون الأم وحشية أو أهلية – كما هو مذهب أبي حنيفة – إلى ابن بشير وابن الحاجب وابن عرفة , قال : وهي خلاف طريقة ابن يونس واللخمي(6)4) .
__________
(1) المجموع شرح المهذب للإمام النووي (5/339) , ط دار الفكر , وانظر المنهاج وشرحه زاد المحتاج للعلامة الكوهجي ( 1/425) الشؤون الدينية بدولة قطر الطبعة الأولى 1402 هـ ـ 1982 م .
(2) بدائع الصنائع للكاساني (2/872ـ873) الناشر زكريا علي يوسف , مطبعة العاصمة القاهرة , وانظر البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم ( 2/214) مطبعة رشيدية باكستان ، و المبسوط للسرخسي ( 2 / 183 ) ط دار الدعوة ت 1324 ، وحاشية ابن عابدين رد المحتار على الدر المختار (2/18) دار إحياء التراث العربي .
(3) مختصر خليل بشرح الشيخ عليش منح الجليل (2 / 4 ـ 5) ط دار الفكر 1409 هـ ـ 1989 م .
(4) الذخيرة للقرافي ( 3/ 95) دار الغرب الإسلامي الطبعة الأولى 1994 م .
(5) حاشية الرهوني على شرح الزرقاني على مختصر خليل (2/ 243) دار الفكر1398 هـ ـ 1978 م .
(6) المرجع السابق . (1/12)
صفحة 13
واستدل الحنابلة لوجوب الزكاة فيها مطلقا بكونها متولدة بين ما تجب فيه الزكاة وما لا تجب فيه , فوجبت فيه الزكاة كالمتولدة بين سائمة ومعلوفة , وزعم بعضهم أن غنم مكة متولدة بين الظباء والغنم . وفيها الزكاة بالاتفاق(1)5) , وبناء على وجوبها فإنها تضم إلى الأهلية من جنسها ويستتم بها النصاب , قال ابن قدامة: " والقول بانتفاء الزكاة فيها أصح , لأن الأصل انتفاء الوجوب , وإنما ثبت بنص أو إجماع أو قياس , ولا نص في هذه ولا إجماع , إنما هو في بهيمة الأنعام من الأزواج الثمانية , وليست هذه داخلة في أجناسها ولا حكمها ولا حقيقتها ولا معناها , فإن المتولد بين شيئين ينفرد باسمه وجنسه وحكمه عنهما كالبغل المتولد بين الفرس والحمار , والسبع المتولد بين الذئب والضبع , والعساري المتولد بين الضبعان والذئبة , فكذلك المتولد بين الظباء والمعز ليس بمعز ولا ظبي , ولا تتناوله نصوص الشارع , ولا يمكن قياسه عليها لتباعد ما بينهما باختلاف حكمها في كونه لا يجزي في هدي ولا أضحية ولا دية , ولو أسلم في الغنم لم يتناوله العقد ، ولو وكل وكيلا في شراء شاة لم يدخل في الوكالة , ولا يحصل منه ما يحصل من الشاة من الدر وكثرة النسل , بل الظاهر أنه لا ينسل له أصلا , فإن المتولد بين اثنتين لا نسل له كالبغال , وما لا نسل له لا در فيه فامتنع القياس ولم يدخل في نص ولا إجماع , فإيجاب الزكاة فيها تحكم بالرأي . وإذا قيل تجب الزكاة احتياطا و تغليبا للإيجاب كما أثبت التحريم فيها في الحرم والإحرام احتياطا لم يصح , لأن الواجبات لا تثبت احتياطا بالشك , ولهذا لا تجب الطهارة على من تيقنها وشك في الحدث , ولا غيرها من الواجبات ، وأما السوم والعلف فالاعتبار فيه بما تجب فيه الزكاة لا بأصله الذي يتولد منه ، بدليل أنه لو علف المتولد من السائمة لم تجب زكاته ، ولو أسام أولاد المعلوفة لوجبت زكاتها ، وقول من زعم أن
__________
(1) المغني (2/ 470 ـ 471 ) . (1/13)
صفحة 14
غنم مكة متولدة من الغنم والظباء لا يصح ، لأنها لو كانت كذلك لحرمت في الحرم والإحرام ووجب فيها الجزاء كسائر المتولد بين الوحشي والأهلي ، ولأنها لو كانت كذلك متولدة بين جنسين ما كان لها نسل كالسبع والبغال(1)1) .
هذا كلامه وهو من التحقيق بمكان فاشدد به يدا ، ويؤيده أن الزكاة إنما تجب في جنس الأنعام والوحشي ليس من الأنعام في شيء ؛ لأن الله تعالى حرم قتله على المحرم وجعل جزاء قتله من جنس النعم حيث قال : (2). والمتولد بين الوحشي والأهلي لم تتمحض فيه صفة الأنعام فليس له حكمها .
وبهذا يتحرر أن زكاة الأنعام إنما تجب في الأصناف الثمانية ، وفي دائرة هذه الأصناف سيكون بحثنا إن شاء الله تعالى ، إذ هي التي تجب فيها الزكاة بالإجماع مع استيفاء شروط الوجوب .
إن من فضل الله تعالى على عباده أن جعل فرض الزكاة مشروطا بشرائط فيها رفع الآصار الشاقة على العباد ، إذ لم تكن فرضا محتوما على الإطلاق ، وإلا لوجبت على كل مالك سواء كان ملكه قليلا أم كثيرا ، وإنما هي فريضة أريد بها تطهير نفوس الموسرين من آثار الشح والرغبة الجامحة في الاستكثار من الأموال ولو كان ذلك على حساب حاجات المعدمين ، كما أريد بها من جانب آخر إطفاء غليل الحقد والكراهية اللذين يتأججان في نفوس المعدمين عندما يرون الأموال دولة بين الأغنياء وقد حرموا خيراتها ، هذا بجانب سد حاجاتهم وتقليل معاناتهم بإيتائهم جزءا من هذه الثروات التي هي بأيدي الأغنياء ، وبهذا وذاك تردم الهوة بين الجانبين لتتراحم قلوبهما وتتلاحم ، ويحل الوئام محل النفرة والمودة محل الكراهية ، من أجل هذا كانت الزكاة منوطة بشروط لا تجب بدون استيفائها ، ونقتصر في هذا البحث على شرح خمسة منها في المباحث التالية ، وهي :
استكمال النصاب .
تمام الحول .
السوم .
ألا تكون عوامل .
الاستغناء عن الأمات .
__________
(1) المغني ( 2 / 471 ) .
(2) سورة المائدة الآية 95 . (1/14)
صفحة 15
وإليكها مفصلة ـ إن شاء الله ـ في مباحث .
المبحث الأول
في شرط استكمال النصاب
وهو شرط تجب مراعاته في جميع الأموال الزكوية ، من بينها الأنعام ، ودليله ما رواه الإمام الربيع – رحمه الله – في مسنده من طريق ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال : "ليس فيما دون خمسة أواق صدقة – والأوقية أربعون درهما – وليس فيما دون عشرين مثقالا صدقة ، وليس فيما دون خمس ذود صدقة – يعني خمسة أبعرة – وليس فيما دون أربعين شاة صدقة ، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " ، والحديث مروي عند أئمة الحديث من طرق متعددة مع الاختلاف في اللفظ(1)1) ، وسيأتي إن شاء الله بيان نصاب كل صنف من أصناف الأنعام .
المبحث الثاني
في شرط استكمال الحول
__________
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب الزكاة والصدقة باب في النصاب 332 ، وأخرجه البخاري في كتاب الزكاة : باب ما أدى زكاته فليس بكنز ( 1405 ) ، ومسلم في كتاب الزكاة ـ باب : ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ( 2260 ) من طريق أبي سعيد الخدري دون نصاب الغنم . (1/15)
صفحة 16
دليله ما روي عنه عليه أفضل الصلاة والسلام من قوله : ( لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول ) وهو مروي من طرق عن علي وعائشة وابن عمر وأنس رضي الله عنهم ، ولم يخل طريق منها من نقد عند أئمة الحديث(1) ولكن عمل الأمة عليه ، فقد اشترط الحول جمهور الصحابة رضوان الله عليهم ، ومنهم أبو بكر وعثمان وابن عمر كما أخرجه عنهم البيهقي وغيره(2) ، وإنما روي عدم اشتراطه عن ابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهما – وعزي إلى معاوية ، وعزاه صاحب الأزهار إلى الناصر والصادق والباقر من العترة(3) ، وقال المحقق الخليلي : ولعل مالكا يقول
ذلك أيضا(4) .
ولكن الذي وجدناه عن مالك خلافه ، فقد أخرج في الموطأ عن جماعة من الصحابة – رضي الله عنهم – عدم وجوب الزكاة إلا
__________
(1) حديث علي أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة : باب في زكاة السائمة ( 1573 ) ، وفي إسناده عاصم بن ضمرة والحارث الأعور ، ونقل الزيلعي عن النووي تصحيحه في الخلاصة وحسنه هو. أما حديث عائشة فقد أخرجه ابن ماجة في كتاب الزكاة : باب من استفاد مالا ( 1792 ) ، وفي إسناده حارثة بن أبي الرجال . أما حديث ابن عمر فرواه الدارقطني من طرق عنه في كتاب الزكاة : باب وجوب الزكاة بالحول ( 1870 ، 1871 ) ، وحديث أنس أخرجه الدارقطني أيضا ( 1874 ) وفيه حسان بن سياه .
(2) ينظر سنن البيهقي ( 4 / 95 ) .
(3) انظر المغني لابن قدامة مع الشرح الكبير ( 2 / 496 ) ، مجموع فتاوى ابن تيمية ( 25 / 14 ) مكتبة النهضة الحديثة 1404 هـ ، الأزهار وشرحه ( 1 / 452 ) وزارة العدل اليمنية ، نيل الأوطار ( 4 / 157 ) دار إحياء التراث العربي مؤسسة التاريخ العربي .
(4) شرح لطائف الحكم في صدقات النعم ص 67. (1/16)
صفحة 17
بحلول الحول(1) ، وهو المنصوص عليه في المدونة(2) ، وفي كتب أصحابه حتى أنهم نقلوا الإجماع عليه إذ ليس فيه في الصدر الأول خلاف إلا ما روي عن ابن عباس ومعاوية(3) .
وقد رأيت بعض علمائنا نحا هذا المنحى في نسبة القول بعدم اشتراط الحول إلى الإمام مالك ، ولا أرى منشأ هذا الظن إلا ما اطلعوا عليه من رأيه في المعادن حيث أوجب فيها الزكاة يوم إفادتها لأنها مما خرج من الأرض فأعطاها حكم الزروع والثمار
كما نص عليه في المدونة(4) .
هذا واشتراط الحول إنما هو في غير ما أخرجت الأرض من الزروع والثمار لأن زكاتها إنما تجب بحصادها . وإنما بقيت مسائل تتعلق بأحكام الحول فيما يشترط فيه الحول :
المسألة الأولى : فيما إذا استفاد مالا أثناء الحول بعد أن زكى الأصل ، أو بعد اكتمال نصابه ، هل يستأنف له حولا جديدا أو أنه يضمه إلى الأصل الذي عنده فيزكيه معه في ميقات زكاته سواء كان ذلك بإرث أو هبة أو ابتياع أو تناسل ؟ فقيل يضمه إلى الأصل الذي عنده ، وقيل يستأنف له حولا جديدا .
__________
(1) انظر الموطأ مع شرح الباجي المنتقى ( 2 / 92 ـ 94 ) دار الكتاب العربي مصورة عن الطبعة الأولى 1332 هـ .
(2) المدونة الكبرى للإمام مالك بن أنس ( 1 / 222 ـ 223 ) طبعة دار الفكر بيروت 1398 هـ ـ 1978 م .
(3) بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد ( 2 / 531 ) ، طبعة دار ابن حزم الطبعة الأولى 1416 هـ ـ 1995 م ، وانظر المنتقى للباجي (2 / 92 ) ، والاستذكار لابن عبد البر ( 9/31 ) طبعة دار قتيبة للطباعة والنشر دمشق – بيروت ، دار الوعي حلب – القاهرة الطبعة الأولى 1414هـ ـ 1993 م ، والذخيرة للقرافي ( 3 / 22ـ 25 ) .
(4) المدونة الكبرى ( 1/ 247 – 248 ) . (1/17)
صفحة 18
والأول هو قول جمهور الإباضية(1) ، وعليه الحنفية(2) ،
والزيدية(3) ، وذهب مالك هذا المذهب نفسه في الماشية خاصة دون غيرها ، ونص ما في المدونة : " إن المشتري والموهوب له والوارث كل مفيد فلا زكاة عليهم في فائدة إلا أن يضاف ذلك إلى إبل أو بقر أو غنم تجب فيها الصدقة تضاف الغنم إلى الغنم ، والبقر إلى البقر ، والإبل إلى الإبل ، ولا تضاف الإبل إلى البقر ، ولا إلى الغنم ، ولا تضاف الغنم إلى الإبل والبقر ، ولا تضاف البقر إلى الإبل والغنم "(4) ، وهو الذي نص عليه أصحابه (5) .
__________
(1) جامع أبي الحسن لإمام البسيوي ( 2 / 180 ) طبعة مطابع جريدة عمان للصحافة والنشر – عُمان 1404 هـ ـ 1984 م ، الإيضاح للشماخي ( 2 / 62 ) دار الفتح 1394 هـ ـ 1974 م ، قواعد الإسلام للجيطالي ( 2 / 37 – 38 ) المطبعة العربية ، الطبعة الأولى1977 ، الذهب الخالص لمحمد بن يوسف اطفيش ص 227 المطابع العالمية – عمان، شرح كتاب النيل وشفاء العليل لمحمد بن يوسف اطفيش ( 3 / 107 – 108 ) مكتبة الإرشاد جدة وغيرها الطبعة الثانية 1392 هـ ـ 1972 م ، ومعارج الآمال على مدارج الكمال للسالمي ( 14 / 172 – 174 ) , ( 15 / 202 – 203 ) مطابع سجل العرب 1404 هـ ـ 1984 م .
(3) المبسوط للسرخسي ( 2 / 164 ) ، وبدائع الصنائع للكاساني ( 2/ 919 – 920) ،
(2) حاشية ابن عابدين رد المحتار على الدر المختار ( 2 / 23 – 24 ) ، الاختيار لتعليل المختار ( 1 / 102 ) دار الدعوة .
(3) البحر الزخار الجامع لأقوال علماء الأمصار ( 2 / 141 ) الطبعة الأولى مطبعة السعادة مصر 1367 هـ ـ 1948 م ، وشرح الأزهار ( 1 / 454 ) .
(4) المدونة الكبرى ( 1 / 276 ) .
(5) مختصر خليل وشرحه منح الجليل ( 2 / 5 ) وحاشية الرَّهوني ( 2 / 243 – 244 ) ، بداية المجتهد ونهاية المقتصد ( 2 / 537 – 538 ) ، عقد الجواهر الثمينة ( 1 / 326 ) دار الغرب الإسلامي الطبعة الأولى 1415 هـ ـ 1995 م . (1/18)
صفحة 19
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن لكل فائدة حولا جديدا ولو تكررت فيما عدا أصول بهيمة الأنعام(1) وإلى هذا ذهب أبو محمد ابن بركة من علماء الإباضية في القرن الرابع الهجري ، وحكى عن شيخه أبي مالك أنه حكاه عن ابن محبوب(2) ، وذهبت الظاهرية والإمامية إلى عدم إلحاق الفائدة بالأصل في أي شيء سواء الماشية أو غيرها ، وسواء ما استفاده من الماشية بالنتاج أو بإرث أو ابتياع ، وتستقل عندهم كل فائدة بحولها(3) .
…فقد عول الذين اشترطوا الحول للفائدة اشتراطه للأصل ، على أدلة اشتراطه إذ لم يروا فرقا في المال بين أن يكون أصلا أو أن يكون فائدة .
__________
(1) الأم للإمام لشافعي ( 2 / 10 ) دار الشعب ، والمجموع ( 5 / 364 ـ 366 ) ، المناهج وشرحه زاد المحتاج ( 1 / 441 ) ، البيان في مذهب الإمام الشافعي للعمراني شرح كتاب المهذب ( 3 / 154 – 156 ) دار المنهاج ، المغني ( 2 / 496 ) ، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل للمرداوي ( 3 / 27 ـ 28 ) دار الكتب العلمية ـ بيروت ، لبنان الطبعة الأولى 1418 هـ ـ 1997 م .
(2) جامع أبي محمد ابن بركة ( 1 / 623 ) طباعة المطبعة الشرقية ومكتبتها – مطرح .
(3) المحلى لابن حزم ( 5 / 407 – 415 ) طبعة دار الاتحاد العربي للطباعة 1388هـ ـ 1968م ، جامع المقاصد في شرح القواعد للكركي ( 3 / 10 ) طبعة مؤسسة آل البيت لإحياء الثراث 1408 هـ ، محاضرات في فقه الإمامية ق 1 للميلاني ( 2 / 150 – 154 ) مؤسسة جاب. … (1/19)
صفحة 20
وأما الذين ألحقوها بالأصل في حوله ، فإنهم نظروا إلى أنه من المعهود في عهده - صلى الله عليه وسلم - وعهد خلفائه الراشدين أنه كان يخرج الساعي إلى الأموال فيزكيها زكاة واحدة من غير أن يفرق بين أصل وفائدة ، مع ما في ذلك من التيسير في ضبط أوقات الزكاة ، إذ قد تتواتر الفائدة على المال ، فلو ألزم صاحب المال أن يفرد كل فائدة بحولها لكان في ذلك من المشقة ما لا يخفى ، وعضدوا رأيهم هذا بما أخرجه مالك في الموطأ والشافعي في الأم وعبدالرزاق في مصنفه عن بشر بن عاصم بن سفيان الثقفي عن أبيه عن جده أنه كان مصدقا في مخاليف الطائف ، فشكا إليه أهل الماشية تصديق الغذاء ، وقالوا : إن كنت معتدا بالغذاء فخذ منه صدقته ، فقال عمر : فقل لهم : إنا نعتد بالغذاء كلها حتى السخلة يروح بها الراعي على يده ، وقل لهم : إني لا آخذ الشاة الأكولة ، ولا فحل الغنم ، ولا الربى ، ولا الماخض ، ولكن آخذ العناق الجذع والثنية ، وذلك عدل بين غذاء المال وخياره .
غير أن ابن حزم اعترض على الاستدلال بهذا الأثر المروي عن عمر بأنه لم يجمع عليه ، وفي الصحابة من خالفه : منهم أبو بكر وعلي وعائشة وابن عمر رضي الله عنهم ، فعن أبي بكر أنه لا يأخذ زكاة مال حتى يحول عليه الحول ، وعن ابن عمر مثله ، وعن عائشة قالت : لا يزكى حتى يحول عليه الحول(1) .
__________
(1) المحلى ( 5 / 410 – 411 ) . (1/20)
صفحة 21
أما المفرقون بين فائدة وأخرى فلا أعرف دليلهم ، ولعل الذين ألحقوا النتاج بأصله راعوا أنه لما كان ناشئا عنه أشبه أن يكون جزءا منه ، والذي أميل إليه هو أن حول الفائدة حول أصلها مراعاة للتيسير على المالك والساعي معا ، وقد أبان العلامة الشماخي - رحمه الله – في الإيضاح حكمة اشتراط الحول في زكوات الأموال وإلحاق الفائدة بأصلها حيث قال : " والذي عليه علماؤنا يرحمهم الله أن اشتراط الحول لأجل النماء إذ الزكاة إنما هي في الأموال النامية ، ولذلك لم يعتبروا في الفائدة الحول ، ولكن حكمها عندهم حكم الواردة عليه : إن وردت على مال وجبت فيه الزكاة ، أو تجب فيه حملت على حوله لأنه الأصل ، وإن وردت على مال لم تجب فيه الزكاة ولا تجب فيه استقبل لهما الحول إن كمل فيهما النصاب "(1) .
ولعلمائنا في المذهب الإباضي تفريعات جمة على القول الذي اختاروه في هذه المسألة ندعها لعدم الحاجة إلى أكثرها في موضوع البحث .
المسألة الثانية : هل بدل الشيء حكمه حكم عينه أو لا ؟ وذلك فيما إذا كانت لأحد ماشية بلغت النصاب فبادل آخر بمثلها من جنسها ، كأن يملك أربعين شاة فيبادلها بأربعين أخرى ، أو يملك خمسا من الإبل فيبادلها بخمس أخرى ، وكذا البقر على حسب الخلاف في نصابها ، فهل يستمر حول الأولى في بدائلها أوأنه يستأنف لها حولا آخر ؟ للعلماء في ذلك قولان :
ذهب الحنابلة إلى القول باستمرار الحول(2) ، وهو قول المالكية(3) ، وحكى ابن رشد في مقدماته عدم الخلاف
__________
(1) الإيضاح ( 2 / 62 ) .
(2) الشرح الكبير بذيل المغني ( 2 / 463 ) ، الإنصاف ( 3 / 32 ـ 31 ) .
(3) المدونة ( 1 / 272 ) ، مقدمات ابن رشد بذيل المدونة ( 1 / 288 ) ، مختصر خليل بشرح الزرقاني ، وحاشية الرهوني ( 2 / 247 ) . (1/21)
صفحة 22
فيه(1) ، وإليه ذهبت الزيدية(2) ، وذهبت الشافعية إلى انقطاعه
واستئناف حول جديد للبدائل(3) ، وهو قول الحنفية(4) ، إلا أن الكاساني حكى عن زفر عدم انقطاعه(5) ، وقالت الإمامية بالانقطاع(6) ، وعليه اقتصر أبو الحسن البسيوي من علمائنا الإباضية في جامعه حيث قال : " ومن بادل بماشية من نوعها استقبل حولها ، لأن زكاة السوائم باعتبار أعيانها "(7) . أما بقية كتب المذهب فقد نصت على الخلاف في ذلك مع إضافة قول آخر إلى القولين السابقين وهو التفرقة بين أن يكون قصد بالمبادلة الفرار من الزكاة أو لا ، فإن كانت له هذه النية فهي واجبة عليه بالحول الأول ، وإلا فلا .
وأشار المحقق الخليلي إلى الأقوال الثلاثة بقوله :
…وإن بدلت من قبل حول بمثلها
ولو هربا فالخلف ليس بمجتذم
وبيَّن الأقوال تفصيلا في شرحه للبيت(8) ، وصحح قطب الأئمة – رحمه الله – عدم انقطاعه ، وقد نص الحنفية ، والشافعية ، والإمامية على عدم الفرق بين أن يكون قاصدا الفرار من الزكاة أو لا(9) .
__________
(1) مقدمات ابن رشد مرجع سابق .
(2) البحر الزخار ( 2 / 141 ) ، شرح الأزهار ( 1 / 454 ) .
(3) الأم ( 2 / 20 – 21 ) ، المجموع ( 5 / 364 ) ، البيان ( 3 / 154 ) .
(4) البحر الرائق ( 2 / 204 ) .
(5) بدائع الصنائع ( 2 / 838 ) .
(6) جامع المقاصد ( 3 / 13 ) .
(7) جامع أبي الحسن البسيوي ( 2 / 196 ) .
(8) شرح لطائف الحكم ( 69 – 70 ) ، وانظر الإيضاح ( 2 / 63 ) ، ومعارج الآمال ( 14 / 185 ـ 186 ) ، وشرح النيل ( 3 / 105 ـ 106 ) .
(9) المراجع الحنفية والشافعية والإمامية المذكورة سابقا . (1/22)
صفحة 23
وأرى ضرورة التفرقة بين أن يكون قاصدا الفرار أو لا ، فإن قاصد الفرار هارب من الحق محتال على الله تعالى ، ساع إلى هدم دينه بإسقاط فرائضه وتعطيل حكمه من مشروعيتها ، ومن المعلوم أن إرخاء العنان لهؤلاء يؤدي إلى ميل ذوي الشح من الأغنياء إلى التحايل على إسقاط حقوق الله وحقوق عباده في أموالهم ، وذلك مخالف لمقصد الشرع ومناف للحكمة الربانية التي شرعت من أجلها الزكاة ، وهي تطهير النفس من أرجاس الشح وتحريرها من أغلال شهوة المال الجامحة وتفجير مشاعر الرحمة بين جنباتها حتى تفيض بالإحسان إلى ذوي الحاجات ، وردم الهوة بين طبقتي الأغنياء والفقراء وانتزاع ما عسى أن يكون في نفوس الفقراء من الموجدة والحقد على الأغنياء بسبب الحرمان .
هذا ، وأما بيع الماشية بالنقد مع ابتياع مثلها به في أثناء الحول ، فالجمهور أنه ينقطع به الحول إذ ليس الابتياع بالثمن كالمعاوضة بجنس الماشية ، و ذهبت الحنابلة إلى أنه إن قصد به الفرار من الزكاة عند قرب وجوبها فلا تسقط به كما لو أتلف من النصاب جزءا ليسقط النصاب لم تسقط وتؤخذ منه في آخر الحول ، وعزا صاحب الشرح الكبير على متن المقنع لابن قدامة المقدسي ذلك إلى مالك والأوزاعي وابن الماجشون وإسحاق وأبي عبيد(1) ، غير أن المرداوي حكى عن أبي يعلى الصغير في مفرداته عن بعض الحنابلة أن الزكاة تسقط بالتحايل وفقا لأبي حنيفة والشافعي ، قال المرداوي : " وقواعد المذهب وأصوله تأبى ذلك "(2) . قال ابن قدامة المقدسي ولنا قوله عز وجل : (3)، فعاقبهم الله بذلك لفرارهم من الصدقة ، ولأنه قصد إسقاط نصيب من انعقد سبب استحقاقه فلم يسقط ، كما لو طلق امرأته في مرض موته ، ولأنه لما قصد قصدا فاسدا اقتضت الحكمة عقوبته بنقيض قصده ، كمن قتل موروثه لاستعجال ميراثه عاقبه
__________
(1) الشرح الكبير ( 2 / 461 ) .
(2) الإنصاف للمرداوي ( 3 / 30 ) .
(3) سورة القلم الآيات 17 – 20 . (1/23)
صفحة 24
الشرع بالحرمان "(1) ، وحججه هذه من القوة بمكان .
ومع قصده الفرار قيل تجب عليه زكاة جنس المبيع ، وقيل بل زكاة ثمنه(2) وإن ادعى أنه لم يقصد الفرار قبل قوله عندهم فيما بينه وبين الله ، وأما في الحكم فوجهان ، اختار المرداوي عدم قبوله إن دلت عليه القرائن على خلاف قوله(3) .
ومثل هذا إذا أبدل الجنس بغير جنسه عندهم ، وأما المالكية فهم مختلفون في هذا ، قال ابن رشد الجد : " واختلف إن باع صنفا بصنف غيره إبلا ببقر أو بغنم ، أو بقرا بإبل أو بغنم ، أو غنما بإبل أو ببقر على قولين : أحدهما أنه يستأنف بالثاني حولا من يوم اشتراه وهو قول ابن القاسم ، وروايته عن مالك قياسا على الماشية تشترى بالدنانير والدراهم أنه يستأنف بها حولا لأنهما صنفان كما أنهما صنفان . والثاني أن يزكي الثاني على حول الأول وهو قول مالك في سماع أشهب من كتاب الزكاة ، وقول أصحاب مالك كلهم حاشا ابن القاسم على ما حكاه عن ابن حبيب قياسا على الماشية تباع بالعين ، لأنه إذا كان العين يزكى على حول الماشية وهو صنف آخر فأحرى أن تزكى الماشية على حول الماشية وإن كان صنفا آخر لأن الماشية بالماشية ما كانت أشبه من العين بالماشية ، وقول ابن القاسم لأن قياس المثمون على المثمون أولى من قياسه على الثمن ، ثم قال : والفرق بين بيع الماشية بالعين وشرائها بالعين أنه يتهم في بيع الماشية بالعين بالهروب بالزكاة عن الساعي ولا تهمة عليه باشتراء الماشية بالعين إذا كانت زكاة العين موكولة إلى أمانته ولم يكن مأخوذا بها "(4).
__________
(1) الشرح الكبير المرجع السابق ( 2 / 461 ) .
(2) الإنصاف ( 3 / 30 – 31 ) .
(3) المرجع السابق ( 3 / 31 ) .
(4) مقدمات ابن رشد ( 2 / 288 ـ 293 ) . (1/24)
صفحة 25
وأما إن باع ماشيته بعد وجوب الزكاة فيها فلعل أكثر علماء المذهب عندنا أنه يطالب بحق الزكاة ولا يبطل البيع ، وهذا الذي نص عليه أبو الحسن البسيوي في جامعه(1) ، غير أن كلام المحقق الخليلي يفهم أن لعلماء المذهب في ذلك من الآراء مثل ما قاله سائر علماء الأمة ، وهذا نص قوله : " اختلف أهل العلم في ذلك ، فقيل يثبت البيع والزكاة على البائع في ذمته ، وقول آخر أن البيع نقض لأن فيه ما يملك وما لا يملك لكون الزكاة شريكا ، وفاقا للشافعي في أحد قوليه ، وفي قول ثالث يثبت البيع في سهم البائع وللزكاة شقصها من المبيع وكذا عن الثوري من المبيع ، ورابعها قول أصحاب الرأي أن الساعي بالخيار إن شاء الصدقة من البائع أو المشتري ولا يبعد هذا ، فكأنه جمع بين الأصلين الشركة والذمة ، وقد يحسن عندنا أن الخيار للساعي إن شاء أتم البيع للمشتري في سهم الزكاة ، وبه يتم البيع في سهم البائع ، وقيل بل لا يتم على البائع ولا على المشتري إذا شاء أحدهما نقضه لأنه في الأصل غير ثابت على قول من لا يتمه في سهمه ، إن شاء المصدق أخذ سهمه من الأنعام ، فيكون البيع في سهام البائع على ما سبق من الاختلاف فيه ، وفي هذين الوجهين فلا يكون للمصدق على البائع سبيل ، إنما له الحق على المشتري إن أتم البيع أو أخذ منه سهمه لأنه شريك له "(2) .
ولما في هذا الكلام من فائدة تبيان خلاف أهل العلم من الأمة في هذه المسألة اقتصرت عليه واكتفيت به عن الإحالة على نصوص أقوال علماء المذاهب .
__________
(1) جامع أبي الحسن ( 2 / 196 ) .
(2) شرح لطائف الحكم ( 70 – 71 ) . (1/25)
صفحة 26
المسألة الثالثة : من ترك الزكاة عامين أو أعواما وكان عنده قدر نصاب ، وذلك بأن يملك مثلا أربعين شاة ولا يزكيها عامين أو أعواما ، فقيل : تجب زكاتها لكل عام فتخرج عن كل عام شاة ، وقيل بل يزكيها زكاة عام واحد فحسب ، وكذلك إن زادت على النصاب ، قيل تؤدى زكاتها إلى أن تنقص عن النصاب ثم لا يلزم فيها شيء ، وقيل : بل تزكى لجميع الأعوام ولو استغرقتها الزكاة جميعا ، والخلاف منصوص عليه عند كثير من علماء الأمة ، وهو مبني على تأصيل حكم الزكاة نفسها : هل هي شريك في العين المزكاة أو أنها حق في الذمة ؟
وفي هذا يقول المحقق الخليلي رحمه الله :
وفي تيعة عامين ما زكيت لهم
خلاف لأصلين التشارك والذمم
ومراده بالتيعة أربعون شاة ، وبما أن أكثر العلماء على أن الزكاة شريك للمالك فيما يملك ذهبوا إلى أنها إن لم تزد على النصاب لم تلزمه إلا زكاة عام ، قال الإمام الشافعي : " إذا كان لرجل أربعون شاة فلم يصدقها حتى مر بها أعوام ولم تزد شيئا فعليه فيها شاة ، وإن زادت شاة فعليه شاتان ، وإن زادت ثلاث شياه فعليه فيها أربع شياه إذا مرت بها أربع سنين "(1) . وهذا هو قول مالك حسب ما رواه ابن عبد البر(2) .
__________
(1) الأم ( 2 / 15 ) .
(2) الاستذكار ( 9 / 187 ) . (1/26)
صفحة 27
وذكر النووي في المجموع أن القول بتعلق الزكاة بالعين هو الجديد في مذهب الشافعي ، وأن القديم أنها في الذمة ثم قال : " هكذا ذكر المسألة أصحابنا العراقيون ، ووافقهم جمهور الخراسانيين على أن الصحيح تعلقها بالعين ، وذكر إمام الحرمين والغزالي وطائفة من الخراسانيين ترتيبا آخر في كيفية نقل المسألة ، فقالوا : هل تتعلق الزكاة بالعين أو بالذمة قولان ، فإن قلنا بالعين فقولان أحدهما أن الفقراء يصيرون شركاء لرب المال في قدر الزكاة لأن الواجب يتبع المال في الصفة ، فتؤخذ الصحيحة من الصحاح والمريضة من المراض ، ولو امتنع من إخراج الزكاة أخذها الإمام من عين المال قهرا ، والثاني أنها تتعلق بالمال تعلق استيثاق لأنه لو كان مشتركا لما جاز الإخراج من موضع آخر كالمشترك بين رجلين ، وعلى هذا القول في كيفية الاستيثاق قولان : أحدهما تتعلق به تعلق الدين بالرهن ، والثاني تعلق الأرش برقبة العبد الجاني لأن الزكاة تسقط بتلف المال قبل التمكن ، فلو قلنا تعلقها تعلق مرهون لما سقطت ، وحكى إمام الحرمين وغيره عن ابن سريج أنه قال لا خلاف في تعلقها بالعين تعلق شركة ، والثاني تعلق الرهن ، والثالث تعلق أرش الجناية ، والرابع تتعلق بالذمة ، قال صاحب التتمة : وإذا قلنا تتعلق بالذمة فهل المال خلو أو هو رهن بها ؟ فيه وجهان ، قال أصحابنا : فإن قلنا تتعلق بالعين تعلق الرهن أو الأرش فهل تتعلق بالجميع أم بقدرها فقط ؟ وجهان حكاهما إمام الحرمين وغيره ، أصحهما بقدرها ، قال الإمام : التخصيص بقدر الزكاة هو الحق الذي قاله الجمهور وما عداه هفوة ، وتظهر فائدة الخلاف في بيع مال الزكاة ، هذا كله إذا كان الواجب من جنس المال ، فإن كان من غيره كالشاة الواجبة في خمس من الإبل فطريقان حكاهما صاحب التتمة وغيره ، أحدهما القطع بتعلقها بالذمة لتوافق الجنس ، والثاني وهو الصحيح وبه قطع الجمهور أنه على الخلاف كما لو اتحد الجنس ، فعلى قول الاستيثاق (1/27)
صفحة 28
لا تختلف ، وعلى قول الشركة ثبتت الشركة بقدر قيمة الشاة والله أعلم "(1) .
وفي الشرح الكبير من كتب الحنابلة تأصيل القول في المسألة على ذلك الخلاف مع بيان أن مذهب الإمام أحمد وجوب زكاة واحدة في هذه الصورة المذكورة(2) . غير أن بعض الحنابلة بنوا القول بعدم تكرر الزكاة في هذه المسألة على أن ذلك من باب إسقاطها بالدين(3) .
وأكثر أهل العلم على أن القول بإسقاط الزكاة فيما زاد على الأعوام التي لا تنقص زكاتها المال المزكى عن مقدار النصاب إنما هو فيما إذا كان المؤدى في الزكاة من جنس المال المزكى ، كالشاة في الأربعين من الغنم . أما إن كانت من غير جنسه كالشاة في الخمس من الإبل فالحكم بخلافه فإن بقيت خمس من الإبل عامين لم تزك ولم تزد ففيها شاتان على هذا القول ، هذا الذي قالته الحنابلة كما في المقنع وشرحه والإنصاف(4) . إلا إن لم يجد الشاة التي يخرجها إلا بدين فالخلاف في ذلك عين الخلاف في الدين هل يسقط الزكاة أو لا ؟ وللشافعية في ذلك وجهان كما في المجموع(5) ، وقد تقدم فيما نقلناه من كلامه أن جمهورهم على أن ذلك لا يختلف عما إذا كانت الزكاة من نفس الجنس ، وحكى صاحب الشرح الكبير أيضا في ذلك قولين عن الشافعي .
__________
(1) المجموع ( 5 / 377 ـ 379 ) .
(2) الشرح الكبير ( 2 / 465 ـ 466 ) .
(3) الإنصاف ( 3 / 33 ـ 34 ) .
(4) الشرح الكبير ( 2 / 465 ـ 466 ) ، الإنصاف ( 3 / 43 ) .
(5) المجموع ( 5 / 381 ) . (1/28)
صفحة 29
وأما الحنفية فالمأخوذ به عندهم أن ما كان زكاته من غير جنسه كالذي زكاته من جنسه ، وهذا نص ما في المبسوط : " رجل له عشر من الإبل فحال عليها حولان فعليه للسنة الأولى شاتان وللسنة الثانية شاة " ، وقد بيَّن علة ذلك حيث قال : " في السنة الأولى وجب عليه شاتان فانتقص بقدرهما من العشر " إلا أنه حكى عن زفر وجوب الشاتين عليه في السنة الثانية أيضا بناء على أن دين الزكاة عنده لا يمنع وجوب الزكاة لأنه دين وجب لله كالنذور والكفارات ، وحكى عن أبي يوسف أنه سئل : ما حجتك على زفر ؟ فقال : ما حجتي على رجل يوجب في مائتي درهم أربعمائة درهم ؟(1) ، وحجة الحنابلة في ذلك هي أن الواجب من غير جنس النصاب فلم ينقص به النصاب كما لو أداه وفارق غيره من المال فإن الزكاة يتعلق وجوبها بعينه فتنقصه كما لو أداه من النصاب(2) .
وقد نحا المحقق الخليلي منحى الحنفية ومن وافقهم من الشافعية في جعل القول بشركة الزكاة مؤثرا على وجوبها حتى ولو كان الواجب فيها من غير جنس المزكى فقد قال : وإن تكن ست من الإبل مضت عليها أحوال فلكل حول شاة بلا اختلاف ما لم يستفرغ قيمة السادسة ويلحق الخامسة النقص بقدر قيمة شاة فيدخل الاختلاف فيما بعد ذلك من الأعوام ، فعلى قول أهل الذمة لا تنفك عن الزكاة لكل حول شاة ولو استفرغت قيمة الكل من الإبل ، وفي قول من يرى الشركة فمتى نقص من قيمة الخامسة شاة فليس عليها زكاة(3) .
هذا ونظرا إلى أن الأدلة تقتضي ترجيح رأي من يجعل الزكاة شريكا في المال كما يدل عليه أخذ الزكاة من مال اليتيم والمجنون فإنه يتعين ترجيح ما انبنى عليه من هذين الرأيين .
__________
(1) المبسوط للسرخسي ( 2 / 169 ) ، وانظر البحر الرائق ( 2 / 204 )
(2) الشرح الكبير ( 2 / 466 ) .
(3) شرح لطائف الحكم ( 73 – 74 ) . (1/29)
صفحة 30
المسألة الرابعة : يبدأ حساب حول الزكاة منذ اكتمال قدر النصاب لا قبله ، ولا بد من استمرار النصاب كاملا غير منقوص من أول الحول إلى آخره فإن نقص استؤنف الحول من جديد . هذا هو قول الشافعية(1) والحنابلة(2) والإمامية(3) وبه قال زفر من أصحاب أبي حنيفة(4) ، وهو رأي أصحابنا الإباضية(5) . وذهب الحنفية والزيدية إلى أنه يكتفى بإكمال النصاب في طرفي الحول ولو نقص في وسطه(6) ، وإنما يرى الإباضية أن المال الذي وجبت زكاته باستمرار نصابه حولا كاملا إن نقص بعد ذلك عن النصاب في عامه الثاني أو الثالث أو الرابع ثم عاد إليه فهو كما لم ينقص ، فتجب زكاته على حساب حوله عند تمام ذلك الحول ولو لم يبق من الأصل الذي يزكيه إلا شاة أو بقرة أو بعير(7) وصرح المحقق الخليلي أنه لا خلاف في الأنعام أنها لا ينقطع حولها ما بقيت واحدة إن زكيت من قبل(8) ، وليس كذلك ، ففي الإيضاح والنيل وشرحه قول بأنه ينقطع الحول في زكاة الأنعام إن لم تبق ثلاث من جنس النعم المزكى ، وقول آخر ما لم تبق اثنتان أي شاتان أو بقرتان أو بعيران(9) .
__________
(1) المجموع ( 5 / 159 ـ 160 ) ، البيان ( 3/ 152 ـ 153 ) ، زاد المحتاج ( 1/ 442 ـ443 ) .
(2) المغني ( 2 / 499 ) ، الشرح الكبير ( 2 / 460 ) ، الإنصاف ( 3 / 29 ) .
(3) جامع المقاصد ( 3 / 3 ) ، محاضرات في فقه الإمامية كتاب الزكاة ( ق 1 /142 ـ 14 ) .
(4) بدائع الصنائع ( 2 / 839 ) .
(5) الإيضاح ( 2 / 63 ) ، شرح النيل ( 3 / 104 ) ، شرح لطائف الحكم 68 .
(6) المبسوط للسرخسي ( 2 / 172 ) ، بدائع الصنائع ( 2 / 839 ) ، البحر الزخار ( 2 / 141 ) ، وشرح الأزهار ( 1 / 453 ) .
(7) جامع أبي الحسن ( 2 / 194 ) ، شرح النيل ( 3 / 108 ) ، الإيضاح ( 2 / 64 ) ، شرح لطائف الحكم 68
(8) شرح لطائف الحكم ( 68 ) .
(9) الإيضاح ( 2 / 64 ) ، شرح النيل ( 3 / 108 ) . (1/30)
صفحة 31
المسألة الخامسة : من كانت عنده أربعون شاة أو خمس من الإبل فحملت جميعا وولدت ثم ماتت الأمات كلها أو بعضها حلت فصائلها محلها ولم ينقطع بذلك حولها عند الشافعية(1) ، وهو مبني على حساب الكبار مع الصغار في زكاة الماشية وسيأتي بحث ذلك إن شاء الله قريبا .
المسألة السادسة : ما ولد قبل وصول الساعي هل يعد في النصاب أو لا إلى أن يتم الحول في النصاب ؟ ذهب إلى الأول مالك ، ففي الموطأ ما نصه : " قال مالك في الرجل تكون له الغنم لا تجب فيها الصدقة فتتوالد قبل أن يأتيها المصدق بيوم واحد فتبلغ ما تجب فيه الصدقة بولادتها ، قال مالك : إذا بلغت الغنم ما تجب فيه الصدقة فعليه فيها الصدقة ، وذلك أن ولادة الغنم منها "(2) ، وهو مروي عن أحمد(3) . وهو رأي جماعة من أصحابنا الإباضية .
وذهب آخرون منهم إلى اشتراط الحول بعد اكتمال النِّصاب ، وهو رأي جمهور أهل العلم منهم الشافعي وابن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر(4) .
ووجه القول الأول حديث : " لا يفرق بين مجتمع " ، ووجه القول الثاني ثبوت اشتراط الحول بعد النصاب وأن أخذ الزكاة قبله أخذ قبل وجوبها(5) .
__________
(1) الأم ( 2 / 10 ) ، المجموع ( 5 / 373 ) ، البيان ( 3 / 153 ) .
(2) الموطأ مع شرح الزرقاني ( 2 / 122) دار الفكر للطباعة والنشر 1413 هـ ـ 1992 م ، وانظر الاستذكار ( 9 / 18 ) .
(3) المغني ( 2 / 477 ) ، الإنصاف ( 3 / 28 ) .
(4) معارج الآمال ( 15 / 155 ) .
(5) المرجع السابق . (1/31)
صفحة 32
ولا يخفى ما في حجة الرأي الأول من الوهن ، فإن عدم التفرقة بين المجتمع إنما هو مع مراعاة سائر الشروط التي منها الحول والنصاب ، بل الحديث إنما هو في ماشية المالكين إذا اجتمعت واختلطت فلا يفرق بينها فرارا من الصدقة ، وليس ما نحن بصدده من ذلك في شيء ، والظاهر أن مالكا ناط وجوب زكاة الماشية بوصول المصدق بدليل ما في مدونته ونصه : " وقال مالك لو أن رجلا عنده غنم فحال عليها الحول فذبح منها وأكل ، ثم إن المصدق أتاه بعد ذلك وقد كان حال عليه الحول قبل أن يذبح أنه لا ينظر إلى ما ذبح ولا إلى ما أكل بعدما حال عليها الحول ، وإنما يصدق المصدق ما وجد في يديه ولا يحاسبه في شيء مما مات أو ذبح فأكل ، قال ابن وهب عن ابن أبي ذئب ألا ترى أن ابن شهاب قال إذا أتى المصدق فإن ما هجم عليه زكاه وإن جاء وقد هلكت الماشية فلا شيء له ، قال ابن وهب : وقال ابن شهاب ألا ترى أنها إذا ثنيت(1) لا يكون إلا من بقية المال ، أو لا ترى إلى حديث ابن الزناد عن أبيه عن السبعة أنه قال : كانوا يقولون لا يصدق المصدق إلا ما أتى عليه لا ينظر إلى غير ذلك "(2) .
وما قاله مسلم بالنظر إلى حكم الساعي فإنه إنما يصدق ما وجده في يد المالك ولا يحاسبه على ما لم يجد ، ولكنه لا يسلم بالنظر إلى حكم رب المال فإنه متعبد بتزكية ماله إن حال عليه الحول وقد بلغ النصاب ، أرأيت إن أهمله المصدق ولم يطالبه بشيء أتبرأ بذلك ذمته من هذا الفرض ؟ كلا فإنه حق واجب عليه لربه وللفقراء .
المبحث الثالث
في شرط السوم
__________
(1) كذا في المدونة ، ولعل صوابه إذا فنيت .
(2) المدونة الكبرى ( 1 / 280 ) . (1/32)
صفحة 33
وهو أن ترعى في المراعي المباحة ، يقال سامت الناقة أو الشاة إذا رعت ، وأسامها بمعنى تركها ترعى ومنه قوله تعالى : (1) والأصل لهذا الشرط حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون " الحديث رواه أحمد وأبو داود والنسائي وغيره من الأحاديث التي تقيد إطلاق وجوب زكاة الماشية بالسوم ، وبهذا أخذ جمهور العلماء .
وممن اشترطه الحنفية (2) والشافعية (3) والحنابلة (4) والزيدية (5)
والإمامية (6) .
__________
(1) سورة النحل الآية 10 .
(2) المبسوط ( 2 / 165 ) ، بدائع الصنائع ( 2/ 872 ) ، البحر الرائق ( 2/212 ـ 213 ) ، حاشية ابن عابدين رد المحتار ( 2 / 15 ) ، شرح فتح القدير لابن الهمام ( 2 / 171 ـ 172 ) دار الفكر الطبعة الثانية ، الاختيار لتعليل المختار ( 1 / 105 ) .
(3) الأم ( 2 / 20 ) ، المجموع ( 5 / 357 ) ، زاد المحتاج بشرح المنهاج ( 1 / 443 ) ، كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار ( 1 / 337 ) الشؤون الدينية بدولة قطر الطبعة الثانية ، البيان ( 3 / 149 – 150 ) .
(4) المغني ( 2 / 441 – 443 ) ، الشرح الكبير ( 2 / 444 ـ 445 ) ، الإنصاف ( 3 / 41 ـ 43 ) ، فتاوى ابن تيمية ( 25 / 32 ) .
(5) الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير لشرف الدين الحسين بن أحمد السياغي – ( 2 / 394 – 395 ) مكتبة اليمن الكبرى الطبعة الثانية 1405 هـ ـ 1985 م ، اليمن ، = = شرح الأزهار ( 1 / 487 – 488 ) ، البحر الزخار ( 2 / 157 ) ، التاج المذهب ( 1 / 198 ) مكتبة اليمن الكبرى أصله بتاريخ 1380 هـ ـ 1961 م .
(6) محاضرات في فقه الإمامية – كتاب الزكاة ( ق 1 / 125 – 126 ) ، المبسوط في فقه الإمامية لأبي جعفر الطوسي ( 1 / 191 ) الشرق الأوسط للطباعة والنشر 1412هـ ـ 1992 م . (1/33)
صفحة 34
وذهب إلى عدم اشتراط السوم مالك وأصحابه(1) ، واختلف في اشتراطه الإباضية (2) . وأكثرهم على عدم اشتراطه كما هو رأي مالك ، وبه قال الليث وربيعة ، وتردد في ذلك ابن بركة فأخذ بهذا الشرط تارة(3) وقال بخلافه تارة أخرى(4) ، وللظاهرية في ذلك أقوال ، منهم من أبطل هذا الشرط رأسا كمالك ، ومنهم من اعتبره في الغنم والبقر دون الإبل ، وهو مروي عن أبي الحسن ابن المغلس منهم ، ومنهم من قال بأن الإبل والغنم تزكى سائمتها وغير سائمتها وهو قول أبي بكر بن داود . قال ابن حزم : " ولم يختلف أحد من أصحابنا في أن سائمة الإبل وغير السائمة منها تزكى سواء سواء "(5) . وحجة من اشترط السوم الروايات الناصة على أن الزكاة في السائمة ، وهو قيد تقيد به الروايات المطلقة كما هو الأصل في حمل المطلق على المقيد ، واعترض عليه بأن هذا مفهوم ، والمنطوق وإن كان عاما هو أولى بأن يعمل به لأنه أقوى منه ، على أن مما يزيد هذا المفهوم ضعفا كون منطوقه واردا مورد الأغلب المعتاد ، وما كان كذلك فلا اعتداد بمفهومه ، كما في قوله تعالى : (6) ، وقوله : (7) إذ لا قائل بتقييد هذا النهي بحالة الإملاق أو خشيته ، ومن أجل هذا جرى العمل على عدم تقييد حرمة الربائب على أزواج أمهاتهن بكونهن
__________
(1) المدونة الكبرى ( 1 / 268 ) ، المقدمات بذيل المدونة الكبرى ( 1 / 263 ) ، الذخيرة ( 3 / 96 – 97 ) ، الاستذكار ( 9 / 148 ) مختصر خليل وشرحه منح الجليل ( 2 / 4 ) .
(2) بيان الشرع ( 18 / 108 – 111) وزارة التراث سلطنة عمان ، معارج الآمال ( 15 / 140 ـ 144 ) ، الذهب الخالص ص220 ، شرح لطائف الحكم في صدقات النعم ( 62 ـ 65 ) ، قواعد الإسلام ( 2 / 8 ـ 9 ) .
(3) انظر جامع أبي محمد ابن بركة ( 1 / 610 – 611 ، 618 – 619 ) .
(4) المرجع السابق ( 1 / 620 – 621 ) .
(5) المحلى لابن حزم ( 6 / 46 ) .
(6) سورة الأنعام الآية 151 .
(7) سورة الإسراء الآية 31 . (1/34)
صفحة 35
في حجورهم نظرا إلى أن منطوقه وهو قوله تعالى : (1)وارد مورد الأغلب المعتاد .
والذي يفهم من كتب المذهب عند غالب علمائنا أن الزكاة تجب في غير السائمة كما تجب في السائمة ، وهو الذي نص عليه أصحاب الديوان ، كما حكى ذلك عنهم القطب في شرح النيل(2).
والمختار عندي أن ذكر السوم في بعض الروايات مخرج لما عدا السائمة من حكمها ، وإن جاءت روايات مطلقة لما تقرر في القواعد الأصولية من وجوب حمل الدليل المطلق على المقيد إذا تواردا على ما اتحد سببه وحكمه ، وليس هو من باب تعارض المنطوق والمفهوم حتى يرجح المنطوق بكونه أقوى دلالة ، وهب أنه كذلك ألم يخصص الأصوليون والفقهاء عموم الأدلة بدلالة المفهوم ، وما قيل إنه هنا وارد مورد الأغلب المعتاد فهو مدفوع بأن الأصل خلافه ، ولا دليل يقتضيه ، بل القرائن دالة قصد التقييد ، فإن التكاليف الشرعية مبنية على التيسير لا على التعسير : (3) وقد أمر الله بأخذ العفو وإنفاقه حيث قال : (4) ، وقال : (5) ، وهو دليل على أن وجوب الزكاة مبني على التيسير ، ولا يرتاب أحد أن فرضها في المعلوفة يقتضي مشقة وعسرا على الناس ، فقد يغلو العلف حتى يذهب بالنماء الحاصل أو يزيد عليه أو يكون قريبا منه ، وهو مما يقتضي أن يكون فرضها في السائمة التي لا كلفة فيها على صاحبها ، ويؤيده حديث حكيم بن حزام - رضي الله عنه - عند البخاري : " خير الصدقة عن ظهر غنى "(6) ، وحديث أبي هريرة عنده أيضا : " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى "(7) ، وفي التفاوت في زكاة الثمار والزروع بين ما سقي بالمؤنة وما كان بدونها
__________
(1) سورة النساء الآية 23 . (4)
(2) شرح النيل ( 3 / 211 ) .
(3) سورة البقرة الآية 185 .
(4) سورة الأعراف الآية 199 .
(5) سورة البقرة الآية 219 .
(6) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة ، باب : لا صدقة إلا عن ظهر غنى 1427 .
(7) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة ، باب : لا صدقة إلا عن ظهر غنى 1426 . (1/35)
صفحة 36
دليل على قصد الشارع التخفيف مع الكلفة إما بالإسقاط وإما بالنقل إلى الأيسر .
وإذا كانت الإبل تسام تارة وتعلف أخرى ففيها خلاف ، والذي يفهم من كلام الشافعي في الأم أن العلف يتنافى مع السوم ، وهو الذي رواه عنه ابن قدامة(1) ، ونص ما في الأم قول الشافعي : " وإن كانت العوامل ترعى مرة وتركب أخرى أو زمانا وتركب في غيره فلم ينضح عليها ، أو كانت غنما هكذا تعلف في حين وترعى في آخر فلا يبين لي أن يكون في شيء من هذه صدقة ولا آخذها من مالكها ، وإن كانت لي أديت عنها الصدقة إن شاء الله تعالى واخترت لمن هي له أن يفعل "(2) ، وهو كما ترى يرى أنه لا تجب الصدقة في مثل هذه ، ولكنه يختار إخراجها احتياطا ، وقال تقي الدين الحصني من الشافعية : " ثم إن علفت معظم الحول فلا زكاة لكثرة المؤنة ، وإن علفت النصف فما دونه فالصحيح إن علفت قدرا تعيش بدونه بلا ضرر بيِّن فلا زكاة لظهور المؤنة " ، ثم قال : " ثم محل الخلاف إن علفت بلا قصد ، فإن علفت على قصد قطع السوم فينقطع به بلا خلاف ، وقد نص على ذلك الشافعي ، ولو اعتلفت السائمة القدر المؤثر من العلف فلا زكاة لحصول المؤثر ، وقيل تجب لأنه لم يقصده " ، ثم قال : " واعلم أن الصحيح اشتراط قصد السوم دون العلف ، ولو علفت سائمة لامتناع الرعي بالثلج ونحوه وقصد الإسامة عند الإمكان فلا زكاة على الأصح لحصول المؤنة "(3) .
__________
(1) المغني ( 2 / 442 ) .
(2) الأم ( 2 / 20 ) .
(3) كفاية الأخيار ( 1 / 337 ) . (1/36)
صفحة 37
وقال النووي : لا تجب الزكاة عندنا في الماشية إلا بشرط كونها سائمة فإن علفت في معظم الحول ليلا ونهارا فلا زكاة بلا خلاف ، وإن علفت قدرا يسيرا بحيث لا يتمول ففيه خمسة أوجه ؛ الأربعة الأولى حكاها إمام الحرمين وغيره ، أصحها وبه قطع المصنف ـ يعني صاحب المهذب ـ والصيدلاني وكثير من الأصحاب إن علفت قدرا تعيش بدونه وجبت الزكاة ، وإن كانت قدرا لا يبقى الحيوان دونه لم تجب ، قالوا والماشية تصبر اليومين ولا تصبر الثلاثة ، هكذا ضبطه صاحب الشامل وآخرون ، قال إمام الحرمين : " ولا يبعد أن يلحق الضرر البيِّن بالهلاك على هذا الوجه " .
الوجه الثاني : إن علفت قدرا يعد مؤنة بالإضافة إلى رفق الماشية فلا زكاة وإن كانت حقيرا بالنسبة إليه وجبت ، وقيل إن هذا الوجه رجع إليه أبو إسحاق المروزي بعد أن كان يعتبر الأغلب ، قال الرافعي : فسر الرفق بدرها ونسلها وأصوافها وأوبارها ، قال ويجوز أن يقال المراد رفق إسامتها .
الوجه الثالث : لا يؤثر العلف وتسقط به الزكاة إلا إذا زاد على نصف السنة وهو محكي عن أبي علي ابن أبي هريرة تخريجا من أحد القولين في المسقي بماء السماء والنضح على قول اعتبار الغالب وهذا مذهب أحمد ، وقال إمام الحرمين : على هذا لو استويا ففيه تردد والظاهر السقوط ، والمشهور الجزم بالسقوط على هذا الوجه إذا تساويا .
الوجه الرابع : كل متمول من العلف وإن قل يسقط الزكاة فإن أسيمت بعده استأنف الحول . (1/37)
صفحة 38
الوجه الخامس : حكاه البندنيجي وصاحب الشامل أنه يثبت حكم العلف بأن ينوي علفها ويعلفها ولو مرة واحدة ، قال الرافعي : لعل الأقرب تخصيص هذا الوجه بما إذا لم يقصد بعلفه شيئا ، فإن قصد به قطع السوم انقطع الحول لا محالة كذا ذكره صاحب العدة أبو المكارم وغيره ، ولا أثر لمجرد نية العلف ، ولو أسيمت في كلأ مملوك فهل هي سائمة أومعلوفة ، وجهان حكاهما صاحب البيان(1) .
وفي كتب الحنفية أن السائمة هي التي تكتفي بالرعي في أكثر السنة(2) ، ومثله عند الحنابلة(3) وكذا الزيدية مع اشتراط أن يكون طرفا الحول شملهما السوم(4) .
ولم أجد لمتقدمي أصحابنا الإباضية شيئا يتعلق بتحديد السوم ، ولعله راجع إلى كون أكثرهم لا يشترطونه ، وإنما فصل القول في ذلك المحقق الخليلي من متأخريهم ، وكلامه يدل على أنه يتفق مع الحنفية والحنابلة والزيدية في اعتبار الأغلب وهذا نصه : " يستدل بالقرائن على ثبوت السوم حولا كاملا أو في ما معناه من حكم التغليب أنه شرط معتبر لأن مطلق التسمية بالسوم لو جاز بدون ذلك في الحكم لثبت من شهر أو ما دونه من يوم إلى مرة ، وذلك لا يصح ثبوته فدل على أن للحول عبرة في ذلك ، وكان مقتضى ما كان عليه أصحابنا يخرج أن المراد بالسائمة ما تركت لمجرد المرعى حولا مقصودا بها النماء والنسل ، فلا عبرة بالعلف
__________
(1) المجموع ( 5 / 357 – 358 ) ، وانظر فتح العزيز شرح الوجيز للإمام أبي القاسم الرافعي( 5 / 494 ـ495 ) بذيل المجموع ، وزاد المحتاج بشرح المنهاج ( 1 / 443 ـ 444 ) .
(1) المبسوط ( 2 / 166 ) بدائع الصنائع ( 2 / 872 ) ، حاشية ابن عابدين ( 2 / 15 ) ، البحر الرائق ( 2 / 212 ) ، الاختيار بتعليل المختار ( 1 / 105 ) .
(2) المغني ( 2 / 442 ) ، الشرح الكبير ( 2 / 468 ) ، الإنصاف ( 3 / 41 ) .
(3) الأزهار ( 1 / 487 ) ، البحر الزخار ( 2 / 157 ) . (1/38)
صفحة 39
ولو كثر ودام فإنه غير مخرج لها عن كونها سائمة في تلك الحال ، ولو علفت تارة وأياما وأسيمت تارات وأزمانا ولم تستقر على قصد ترك السوم بذلك وكان السوم فيها هو الأغلب . فهي سائمة بحكم التغليب بخلاف ما لو تجردت لأحدهما فانفردت به في زمان معتبر خاص بها ، فهي في ذلك الحال مختصة بما هي عليه فهو لها في اسم وحكم ، والمجردة للسوم لو امتنعت منه لغرض كمرض لم يكن لها إلا حكم أصل المقررة عليه(1).
ولا ريب أن إعطاء الأقل حكم الأغلب أمر معهود في الفقه الإسلامي ، وعليه فإن علفها في بعض العام لا يسقط عنها حكم السوم فتجب فيها الزكاة ولو قيل إن علفها وإن كان شيئا يسيرا يسقط فريضة الزكاة فيها لتسارع الفرار من الواجب إلى علفها ولو بالنزر اليسير هروبا من هذه الفريضة ، وأنى مع هذا يكون للزكاة أثر في تطهير هذه النفوس من أدران الشح وتزكيتها بمكارم الأخلاق ، لذلك أرى المعيار فيها هو الغالب في أحوالها .
وما ذكرناه من اختلاف الأحكام في الماشية بين أن تكون معلوفة أو سائمة إنما يرجع إلى وجود هذه الصفة أو تلك فيها سواء وجدت بقصد أو بدونه ، غير أن من العلماء المشترطين للسوم في وجوب الزكاة من يرون أنه لا بد في انتقالها من حكم السائمة إلى نقيضه أن تكون معلوفة بقصد ، فلو أنها اعتلفت
بنفسها لم تسقط زكاتها لأنها لا تخرج بذلك عن حكم السائمة وهذا قول طائفة من الشافعية والحنابلة .
أما الشافعية فقد بين النووي رأيهم في هذا حيث قال : لو اعتلفت السائمة بنفسها القدر المؤثر ففي انقطاع الحول وجهان أصحهما وبه قطع المصنف ـ يعني صاحب المهذب ـ والأكثرون الانقطاع لفوات شرط السوم ، فأشبه فوات شروط سائر الزكاة فإنه لا فرق بين فوتها قصدا أو اتفاقا ، ولو سامت بنفسها أصحهما على الوجهين لا زكاة والثاني تجب .
__________
(1) شرح لطائف الحكم 63 . (1/39)
صفحة 40
والطريق الثاني لا تجب قطعا ، وبه قطع المصنف وآخرون لعدم الفعل ، ولو أسامها بلا نية فالصحيح وجوب الزكاة لظواهر الأحاديث وحصول الرفق مع حصوله ولو علفها لامتناع الرعي بالثلج وقصد ردها إلى الإسامة عند الإمكان فوجهان أصحهما ينقطع الحول لانقطاع الشرط ، والثاني لا كما لو لبس ثوب تجارة لغير نية القنية فإنها لا تسقط فيه الزكاة باتفاق ثم قال : لو غصب سائمة فعلفها فإن قلنا لا زكاة في المغصوب فهنا أولى وإلا فثلاثة أوجه ؛ الصحيح عند المصنف والجمهور لا زكاة لفوات الشرط ، والثاني تجب على المالك لأن فعله كالعدم ، والثالث إن علفها بعلف من ماله وجبت وإلا فلا ، ولو غصب معلوفة وأسامها فطريقان حكاهما المصنف والأصحاب أصحهما عند الأصحاب لا زكاة قولا واحدا لعدم فعله فصار كما لو رتعت بنفسها ، والثاني أنه على القولين في المغصوبة كما لو غصب حنطة وبذرها يجب العشر فيما تنبت بلا خلاف ، فإن أوجبناها فهل تجب على الغاصب لأنها مؤنة وجبت بفعله أم على المالك لأن نفع خفة المؤنة عائد إليه فيه وجهان حكاهما البغوي وغيره ، فإن قلنا على المالك ففي رجوعه بها على الغاصب طريقان ؛ أحدهما القطع بالرجوع وبه قطع المتولى وغيره لأن وجوبها كان بغيره ، وأشهرهما على وجهين أصحهما الرجوع ، والثاني عدمه ، فإن قلنا يرجع فهل يرجع قبل إخراج الزكاة أم بعده فيه وجهان أصحهما بعده ، واستبعد الرافعي إيجاب الزكاة على الغاصب ابتداء لكونه غير مالك قال : والجاري على قياس المذهب أن الزكاة إن أوجبت كانت على المالك ثم يغرم له الغاصب(1) .
__________
(1) المجموع ( 5 / 358 – 359 ) ، وانظر فتح العزيز شرح الوجيز ( 5 / 495 ) ، البيان ( 5 / 151 – 152 ) المنهاج وشرحه زاد المحتاج ( 1 / 443 – 444) . (1/40)
صفحة 41
وأما الحنابلة فقد قال المرداوي منهم : لا يعتبر للسوم والعلف نية على الصحيح من المذهب نصره المصنف ورجحه أبو المعالي ، قال ابن تميم وصاحب الفائق وحواشي ابن مفلح لا يعتبر للسوم والعلف نية في أصح الوجهين ، وقيل تعتبر النية لهما ، قال المجد في شرحه : وهو الأصح وهو ظاهر كلام الخرقي وأطلقهما في الفروع والرعايتين والحاويين و الزركشي فلو اعتلفت بنفسها أو علفها غاصب فلا زكاة على الأول لفقد السوم المشترط ، وعلى الثاني تجب كما لو غصب حبا في أرض ربه فإن فيه الزكاة على مالكه كما لو نبت بلا زرع ، وفعل الغاصب محرم كما لو غصب أثمانا فضاعفها ولعدم المؤنة كما لو ضلت فأكلت المباح .
قال المجد : وطرده ما لو سلمها لراع يسيمها فعلفها وعكسه لو تبرع حاكم أو وصي بعلف ماشية يتيم أو صديق بذلك بإذن صديقه لفقد قصد الإسامة ممن يعتبر وجوده منه ، وقيل تجب إذا علفها غاصب اختاره غير واحد وفي مأخذه وجهان تحريم علف الغاصب أو لانتفاء المؤنة عن ربها وأطلقهما في الفروع وابن تميم وابن حمدان . (1/41)
صفحة 42
قلت ـ والقائل المرداوي ـ الصواب الثاني واختاره الأبهري والأول اختاره القاضي ورده المصنف وغيره ، ولو سامت بنفسها أو أسامها غاصب وجبت الزكاة على الأول لا الثاني ، لأن ربها لم يرض بإسامتها فقَد فُقد شرط الإسامة المشترط ، زاد صاحب المغني والمحرر كما لو سامت من غير أن يسيمها ، قال في الفروع فجعلاه أصلا وكذا قطع به أبو المعالي ، وقيل يجب إن أسامها الغاصب لتحقق الشرط كما لو كمل النصاب بيد الغاصب وإن لم يعتد بسوم الغاصب ، ففي اعتبار كون سوم المالك أكثر السنة وجهان وأطلقهما في الفروع وابن تميم وابن حمدان في الكبرى : أحدهما عدم اعتبار ذلك وهو ظاهر كلام المصنف في المغني والشارح وابن رزين ، وقال الأصحاب يستوي غصب النصاب وضياعه كل الحول أو بعضه ، وقيل إن كان السوم عند الغاصب أكثر فالروايتان ، وإن كان عند ربها أكثر وجب ، وإن كانت سائمة عندهما وجبت الزكاة على رواية وجوب الزكاة في المغصوب وإلا فلا(1) .
__________
(1) الإنصاف ( 3 / 42 – 43 ) . (1/42)
صفحة 43
وأنتم تدرون أن السوم هو كسائر الشروط في وجوب زكاة الماشية عند من اشترطه ، والشرط يلزم من عدمه العدم ، وهو بهذا الاعتبار يعد ضده – وهو العلف – مانعا من وجوبها ، والشروط والموانع مندرجة في خطاب الوضع ، والأصل في خطاب الوضع أن لا يلتفت فيه إلى قصد أو عدمه ، اللهم إلا في حالات بعينها وهي حالات نادرة ، وهي لا تعدو الشروط التي هي بنفسها تعبدية كالوضوء و الغسل من الحدث الأكبر ولا يترك بسببها ما هو الأصل ، لذلك لا أرى معنى لمراعاة القصد أو عدمه في حكم السوم والعلف فإنهما أمران غير تعبديين ، وعليه فلو وقع ذلك من فعل الأنعام نفسها أو من فعل غير مالكها من سارق أو غاصب أو من فعل من لا يملك أمره من طفل أو مجنون فهو كله سواء ، وكذا فعل مالكها لا فرق بين أن يكون بقصد أو بدونه ولهذا سكت أكثر العلماء المشترطين للسوم في وجوب زكاة الماشية عن التعرض لهذه المسألة والدخول في هذه التفاصيل بل نص الزيدية على عدم اشتراط النية فيه(1) .
المبحث الرابع
في شرط أن لا تكون عاملة
وهذا الشرط كثيرا ما يدرج عند الفقهاء مع الذي قبله ، لذلك جمعهما المحقق الخليلي في قوله :
وفي الأخذ من غير السوائم قرروا
خلافا لهم عم العوامل حين طم(2)
__________
(1) التاج المذهب ( 1 / 198 ) .
(2) لطائف الحكم 62 . (1/43)
صفحة 44
وفيها الخلاف الذي في المعلوفة ، بل جعل كثير من أهل العلم شرط السوم في زكاة الماشية يسقطها في المعلوفة والعوامل معا ، غير أن النووي حكى في السائمة العاملة خلافا عند الشافعية في وجوب تزكيتها حيث قال : " السائمة إذا كانت عاملة كالإبل التي يحمل عليها أو كانت نواضح ، والبقر التي يحرث عليها ففيها وجهان ، الصحيح وبه قطع المصنف ـ يعني صاحب المهذب ـ والجمهور لا زكاة فيها لما ذكره المصنف ، والثاني تجب فيها الزكاة حكاه جماعات من الخراسانيين وبه قطع الشيخ أبو محمد في كتابه مختصر المختصر كغير العوامل لوجود السوم وكونها عاملة زيادة انتفاع لا يمنع الزكاة بل هي أولى بالوجوب والمذهب الأول(1) ، وقد نص في المنهاج على أن عدم وجوب الزكاة فيها هو
الأصح ، وفيه إشارة إلى الخلاف المذكور(2) .
وقد اختلف علماؤنا في وجوب زكاة العوامل كاختلافهم في وجوبها في غير السوائم من الأنعام ، وأضافوا إلى القولين السابقين قولا ثالثا وهو التفصيل بين أن يكون ناتج عملها يصل إلى حد وجوب الزكاة فيه أو لا ، فإن كانت تؤخذ الزكاة من عملها فلا زكاة فيها وإلا زكيت(3) ، وقد ضعف كل من الإمامين أبي سعيد الكدمي ونورالدين السالمي ـ رحمهما الله تعالى ـ هذا القول لأن وجوب الزكاة في شيء لا يسقطها في غيره(4) .
__________
(1) المجموع ( 5 / 353 ) .
(2) انظر المنهاج للنووي وشرحه زاد المحناج ( 1 / 144 ) .
(3) بيان الشرع ( 18 / 110 – 111 ) ، معارج الآمال ( 15 / 140 – 141 ) ، لطائف الحكم 65
(4) بيان الشرع ( 18 / 111 ) ، معارج الآمال ( 15 / 141) . (1/44)
صفحة 45
وقد علمت مما مضى أن جمهور علماء الإباضية لا يرون اشتراط السوم فلا يسقطون الزكاة في المعلوفة ، وهكذا رأيهم في العوامل فزكاتها واجبة عندهم ، وقد نص ابن جعفر بأنه المأخوذ به(1) وهو خلاف ما عليه جمهور الأمة من السلف و الخلف ، فعن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - " ليس على عوامل البقر صدقة ". وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - " لا صدقة في المثيرة " ، قال ابن حزم ولا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف في ذلك(2) ، وقد روي هذا عن عمر وابن دينار وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ومجاهد والزهري وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وموسى بن طلحة بن عبيد الله وسعيد بن عبد العزيز والحكم بن عتيبة وطاوس والشعبي وشهر بن حوشب و ابن شبرمة والضحاك(3) .
__________
(1) جامع ابن جعفر ( 3 / 150 ) وزارة التراث القومي والثقافة ، سلطنة عمان .
(2) المحلى ( 6/ 47 ) .
(3) المرجع السابق ( 47 – 48 ) . (1/45)
صفحة 46
وروي وجوب الزكاة فيها عن عمر بن عبد العزيز أيضا ، وقتادة و حماد بن أبي سليمان ، وروي عن الأوزاعي التفرقة بين البقر العوامل والإبل العوامل فأوجبها في الإبل دون البقر(1) ، والصحيح أنها لا زكاة فيها للحديث الذي أخرجه الإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " ليس في الجارة ولا في الكسعة و لا في النخة و لا في الجبهة صدقة "(2) قال الربيع : الجارة الإبل التي تجر بالزمام وتذهب وترجع بقوت أهل البيت ،و الكسعة الحمير ، والنخة الرقيق ، والجبهة الخيل ، والحديث مخصص لعمومات الأدلة الموجبة للزكاة في الأنعام ، ولا يعترض بالعموم على الخصوص لقوة الخاص وضعف العام ، من أجل هذا أرى التعويل على رأي المسقطين للزكاة فيها أخذا بما دل عليه الدليل ولاحظ للنظر مع الأثر وقد حمل الإمام السالمي في شرحه على الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب ما ذهب إليه أصحابنا أنه مبني على الاحتياط في جانب الدافع دون الساعي ، لأن في الدفع منها ضربا من الاحتياط ومذهبهم ـ رحمهم الله ـ مبني على الاحتياط قال : " أما الساعي فلم أجد لهم نصا على أنه يأخذها وكان اللائق أن ينصوا على المنع لظاهر الحديث "(3) .
وفي حاشية الترتيب للبدر أبي ستة رحمه الله : " والعجب لأصحابنا كيف عدلوا عن هذا الحديث الصحيح على كلام القواعد مع أن الخاص والعام لا يتعارضان "(4)2) .
قال نور الدين السالمي رحمه الله : " لم يعدلوا عنه كلهم بل بعضهم ، ولعل العاملين بغيره لم يبلغهم الخبر "(5) .
__________
(1) المرجع السابق ( 48 ) .
(2) أخرجه الإمام الربيع في كتاب : الزكاة ، باب ما عفي عن الزكاة برقم 338.
(3) شرح الجامع الصحيح (2/68) الطبعة الثانية .
(4) حاشية الترتيب ( 2 / 118) دار البعث للطباعة والنشر – الجزائر .
(5) معارج الآمال ( 15 / 144 ) . (1/46)
صفحة 47
قلت : روى الإمام الربيع بن حبيب بعد ذكر الحديث عن شيخه أبي عبيدة ـ رحمهما الله ـ قوله : " ليس في شيء من هذا صدقة ما لم تكن للتجارة "وهو صريح في أنه لا يرى الزكاة فيها .
المبحث الخامس
في شرط الاستغناء عن الأمات
وهو مختلف فيه ، وقد ذكره المحقق الخليلي ـ رحمه الله ـ في قصيدته لطائف الحكم في صدقات النعم وشرحها ، وقد جمع في القصيدة الشروط الأربعة في بيت واحد وهو قوله :
نصاب وحول ثم سوم والاكتفا
عن الأم أشراط بها الفرض يلتزم
وقد سبق أن ذكرنا رأي الشافعية فيما إذا حملت الأنعام ونتجت ثم ماتت الأمات ولو في يوم ولادتها أنها تحل محلها ولا ينقطع الحول بموت أماتها ، ورأى الإمام مالك في أن الساعي يعتد بالسخال ولو ولدت قبل وصوله بساعة ، فيزكيها مع الأصل ، والرأيان كلاهما مبنيان على أن صغار الأنعام ككبارها لا يفرق بينها في الحكم ولو كان ذلك يوم ولادتها ، وهو قول الحنابلة كما في المغني والشرح الكبير(1) ونسبا ه إلى جمهور أهل العلم ، وعزاه المرداوي في الإنصاف إلى المذهب أي مذهب الحنابلة غير أنه عزا إلى أحمد أنها لا يعتد بها(2) .
وفي مقابل هذا الرأي رأى ابن حزم الظاهري الذي أوضحه
بقوله : " وما صغر عن أن يسمى شاة لكن يسمى خروفا أو جديا أو سخلة لم يجز أن يؤخذ في الصدقة الواجبة ولا يعد فيما تؤخذ منه الصدقة إلا أن يتم سنة ، فإن أتمها عد وأخذت منه الزكاة "(3) . ثم زاده إيضاحا بقوله : " وأما من ملك خرفانا أو عجولا أو فصلانا سنة كاملة فالزكاة فيها واجبة عند تمام العام ، لأن كل ذلك يسمى غنما وإبلا وبقرا "(4) ، وهذا هو رأي الحسن والنخعي فيما حكي عنهما(5) .
__________
(1) المغني ( 2 / 477 ) ، والشرح الكبير ( 2 / 501 ) .
(2) الإنصاف ( 3 / 28 ) .
(3) المحلى ( 5 / 407) .
(4) المرجع السابق ( 5 / 413 ) .
(5) المغني ( 2 / 477 ) . (1/47)
صفحة 48
ولسائر العلماء في ذلك أقوال : أما الحنفية فمتونهم تنص على أنه ليس في الفصلان والحملان والعجاجيل زكاة إن كانت مستقلة إلا أن تكون معها كبار ، وفي شروحهم وحواشيهم ما يدل على أن أئمتهم في ذلك مختلفون ، ففي المبسوط أنها لا زكاة فيها في قول أبي حنيفة ومحمد ، وذكر عن أبي يوسف أنها تجب فيها واحدة منها ، وعن زفر أنها يجب فيها ما يجب في المسان ، وحكي عن الطحاوي في اختلاف العلماء : أنه ذكر عن أبي يوسف أنه قال : " دخلت على أبي حنيفة فقلت ما تقول فيمن ملك أربعين حملا ؟ فقال فيها شاة مسنة ، فقلت ربما تأتي قيمة الشاة على أكثرها أو جميعها ، فتأمل ساعة ثم قال : لا ولكن تؤخذ واحدة منها ، فقلت أو يؤخذ الحمل في الزكاة ؟ فتأمل ساعة ثم قال : لا إذا لا يجب فيها شيء . فأخذ بقوله الأول زفر ، وبقوله الثاني أبو يوسف ، وبقوله الثالث محمد وعد هذا من مناقبه حيث تكلم في مسألة في مجلس بثلاثة أقوال فلم يضع شيء منها(1) .
__________
(1) المبسوط للسرخسي ( 2 / 157 – 158 ) ، وانظر البحر الرائق ( 2 / 217 – 218 ) ، وبدائع الصنائع ( 2 / 873 – 874 ) وحاشية ابن عابدين ( 2 / 20 ) ، وحاشية ابن الهمام شرح فتح القدير ( 2 / 186 – 188 ) ، والاختيار لتعليل المختار ( 1 / 109 ) . (1/48)
صفحة 49
وأما الزيدية ففي مجموع الإمام زيد أنها لا صدقة فيها ، ولكن نجد الإمام المهدي في البحر الزخار يذهب إلى أنها تبع لأماتها ، وأنها تحل محلها في الحول إن ماتت(1) ، وبهذا صدر صاحب الأزهار وشارحه إلا أن فيهما ما يدل على أن خلاف الزيدية في هذا يدنو تارة من خلاف الحنفية ويباينه تارة أخرى ، فقد حكي عن زيد أنها لا زكاة فيها إذا انفردت ، فأما إذا كانت معها واحدة من الكبار ففي الروضة عن المذاكرين أنها لا تجزي الصغيرة بل يخرج الكبيرة ، وقيده في البيان بما إن لم تكن مما استثني وإلا خير بين أن يخرجها وبين أن يشتري غير مستثناة ، وقيل يؤخذ الوسط فإن لم يجد أخذ المصدق الأعلى أوالأدنى ويترادان الفضل ، وذلك كأن تكون السخلة بعشرة والشاة بثلاثين أخذ المصدق الشاة ورد عشرة أو السخلة وأخذ عشرة ، وقال السيد إن لم يوجد وسط بل أدنى أو أعلى أخذ من الأعلى (2) ، وفي شرح المجموع "الروض النضير " أن جمهور الأئمة من أهل البيت على وجوب الصدقة في صغار المواشي كما حكى عن الإمام زيد ما حكي عنه في البحر وشرح الأزهار من أنها لا يجب فيها شيء إذا انفردت(3) .
أما الإمامية فقد وجدت لهم في ذلك قولين ذكرهما العلامة الميلاني ؛ أولهما اعتبار حولها من حين استغنائها عن أماتها ، وهو الذي صدر به وعزاه إلى جماعة من محققيهم ، ثانيهما اعتباره من ساعة ولادتها ونتاجها وكأنه يشير إلى أنه المشهور(4) .
وأما الإباضية فقد ذكرنا اشتراط المحقق الخليلي استغناءها عن أماتها، غير أنه أتبع ذلك قوله :
ففي عد صغر البهم خلف وأكثروا
إذا هي لم تستغن عن أمها البهم
وذكر في شرحه البيت أن لأهل العلم في هذا عشرة أقوال :
أولها : تعد صغارها وكبارها .
ثانيها : يعد ما تبع أمه .
ثالثها : يعد إذا خرج راعيا .
__________
(1) البحر الزخار ( 2 / 158 ) .
(2) شرح الأزهار ( 1 / 492 ) .
(3) الروض النضير 2 / 402 – 403 ) .
(4) فقه الإمامية كتاب الزكاة ( ق 1 / 126 ) . (1/49)
صفحة 50
رابعها : يعد إذا قطع الوادي .
خامسها : يعد إذا قطع الوادي راعيا .
سادسها : إذا خلط الشجر مع اللبن .
سابعها : يعد بشهر منذ وضعه .
ثامنها : كذلك لشهر أو لشهرين .
تاسعها : لا يعد إلا لشهرين .
عاشرها : لا يعد إلا ما استغنى عن أمه .
ثم قال : " وفي قول أبي سعيد ـ رحمه الله ـ لا يعلم بعد هذا شيئا يختلف فيه ، وقيل في العجاجيل يعد لشهرين والفصيل إذا تبع أمه ، قال : وعندي أنه تخرج فيهما الأقوال العشرة لاستوائهن في العلة المعتبرة بالحق لعدم ما بينهما من الفرق ، ثم قال : إن ربط البهم فلم يقطع الوادي ولم يرع ولم يخلط الشجر اكتفاء بالحليب فما الحكم فيه ؟ فالجواب : قد صرح بعض الفقهاء بأنه يعد إذا كان في حد ما يتصف بتلك الصفات من تبع أو قطع أو إذا أكل الشجر أو غيره ، وهو الحق لا محالة وكفى به عن الإطالة(1) .
هذا وذكر في المعارج الاختلاف في المراد بقطع الوادي ، قيل هو ما جاوز الوادي عرضا ، كان فيه ماء أو لا ، وقيل إذا جاوزه وفيه ماء يجري ، وقيل معناه أن يجوز على الغنم الصيف ويدخل الخريف فهو كناية عن هذا السن(2) .
وذكر في الإيضاح القولين الأولين من الثلاثة الأقوال التي ذكرهاالإمام السالمي في تفسير قطع الوادي(3) ومثله في النيل وشرحه(4) وذكر الشارح ثالثهما(5) ، وأضاف كل من صاحب الإيضاح وصاحب النيل وشارحه قولا آخر أنه لا يعتد في زكاة الأنعام إلا بما بلغ العام(6) ، وهو بعينه قول ابن حزم ، ويستفاد مما قالوه أنه قول في المذهب .
__________
(1) شرح لطائف الحكم في صدقات النعم ( 61 – 62 ) .
(2) معارج الآمال ( 15 / 152 ) .
(3) الإيضاح ( 2 / 82 ) .
(4) النيل وشرحه ( 3 / 160 ) .
(5) المرجع السابق .
(6) انظر المرجعين السابقين . (1/50)
صفحة 51
هذا وكثير من هذه الأقوال بعضها قريب من بعض ، ولم أجد الدليل الشرعي الذي يستند إليه أكثرها ، وإنما الصحيح عندي أنه يعتد بما استغنى عن أمه بدليل ما رواه أحمد وأبو داود والنسائي والدارقطني والبيهقي من حديث سويد بن غفلة قال : أتانا مصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلست إلى جنبه فسمعته يقول : إن في عهدي أن لا آخذ من راضع لبن شيئا(1) ومن المعلوم أن مفهومه
الأخذ مما جاوز حد الرضاع ، وذلك هو حد الاستغناء عن الأمات .
وقد استدل ابن حزم بالحديث لما ذهب إليه من اشتراط العام عليها منذ ولادتها(2) ولكن الحديث لا يدل عليه ، فإن المعهود في الماشية أن تستغني عن الرضاع قبل العام ، كما استدل أيضا بما روي عن جماعة من السلف من أنه لا زكاة في ما لم يحل عليه الحول ، وهو أيضا استدلال بعموم يمكن تخصيصه ، هذا مع التسليم لحجية هذا الدليل فإن مفهوم حديث سويد بن غفلة يخصص هذا العموم ، على أنه يجوز في التبعية ما لا يجوز في الاستقلال .
وقد يعترض علينا معترض بأن مراد هذا الحديث أنه لا يجزي في الصدقات أخذ ما كان رضيعا ، وإنما يجتزى بما جاوز الرضاع ، وجوابه ما قاله ابن حزم : " لو أراد أنه لا يؤخذ هو في الزكاة لقال أن لا نأخذ راضع لبن ، ولكن لما منع من أخذ الزكاة من راضع لبن ، وراضع لبن اسم للجنس صح بذلك ألا تعد الرواضع فيما تؤخذ منه الزكاة "(3) .
__________
(1) أخرجه النسائي في كتاب الزكاة : باب الجمع بين المتفرق والتفريق بين المجتمع 2457 ،= (5)
(2) = وأبو داود في كتاب الزكاة ، باب : في زكاة السائمة 1579 ، وأحمد في مسنده ( 4/ 315) ، والدارقطني ( 2 / 104 ) ، والبيهقي في السنن ( 2 / 170 )
(1) المحلى ( 5 / 413 ) .
(3) المرجع السابق 414 . (1/51)
صفحة 52
ويؤكده أن ما جاوز الرضاع لا يجتزى به في الصدقات ، وإنما يجتزى بالعناق الجذعة أو الثنية ، كما دل عليه حديث سعر ابن ديسم الديلي في قصة الرجلين اللذين بعثهما إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عند أحمد وأبي داود والنسائي(1) ، ولو حمل حديث سويد على قصد عدم أخذ راضع اللبن في الزكاة لدل مفهومه على الاجتزاء فيها بما جاوز حد الرضاع ، وهو يتنافى مع حديث سعر .
فإن قيل إنما لم يؤخذ لتغليب منطوق الحديث الآخر عليه ، لأن قوة المفهوم لا توازي قوة المنطوق ، فجوابه أن الأصل في الأدلة الشرعية عدم تعارض منطوقها ومفهومها ، على أن ذكر راضع لبن في ذلك الحديث دليل على أنه يستقل بحكم عما بعده ، فإن قيل ما ذكر في الشطر الأخير من روايته وهو " أن رجلا عمد إلى ناقة كوماء فدفعها إلى المصدق فأبى أن يقبلها " قرينة على أن المراد عدم قبول الراضع في الصدقات ، فجوابه أن هذه القرينة غير كافية لتشخيص مراده بذلك القول لأن هذا من كلام الراوي الذي يحكي ما اطلع عليه في موقفه من أفراد القضايا المتناثرة ، وإن لم ينتظمها معنى واحد .
وأما جمهور العلماء الذين حكموا في صغار الماشية بحكم كبارها من غير نظر إلى حد فاصل بينها فقد احتجوا بحجتين :
أولهما : ما أخرجه أحمد والبخاري والنسائي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن أبا بكر - رضي الله عنه - قال : " والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على منعها "(2) ووجه استدلالهم بهذا ما فيه من كونهم متعبدين بزكاة العناق وهي الصغيرة .
__________
(1) أخرجه النسائي في كتاب الزكاة ، باب : إعطاء السيد المال بغير اختيار المصدق 2462 ، وأبو داود في كتاب الزكاة – باب : في زكاة السائمة ، 1581 ، وأحمد في مسنده (3 / 414 ) .
(2) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة – باب : وجوب الزكاة 1399 ، والنسائي في كتاب الزكاة – باب : مانع الزكاة 2443 . (1/52)
صفحة 53
ثانيتهما : قول عمر - رضي الله عنه - : " إنا نعتد عليهم بالغذاء كلها حتى السخلة يروح بها الراعي على يده "(1) .
وجواب الأول أن العناق فسرت بما دون العام ، ومن المعلوم أن صغار البهم تستغني عن أماتها قبل العام ، على أن الحديث دل على أن المراد بها فيه هي الجذع أو الثنية ، وذلك واضح في رواية سعر بن ديسم المتقدمة ، ومما يعكر هذا الاستدلال أن المستدلين به لا يرون الاجتزاء بالسخال في زكاة الماشية ، مع أنه يلزمهم بموجب هذا الاستدلال أن يقولوا بالاجتزاء بها ، ومع هذا كله فإن كلام أبي بكر - رضي الله عنه - لا يعدو أن يكون خارجا مخرج المبالغة ، ويدل عليه ما في رواية مسلم والترمذي وأبي داود " لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه "(2) .
وجواب الثاني أن المروي عن عمر - رضي الله عنه -موقوف عليه كما سبق وإنما أغرب ابن أبي شيبة إذ رواه مرفوعا كما نص عليه الحافظ ابن حجر(3) وقد سبق أن عددا من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ خالفوا عمر في ذلك ، ومع عدم إجماعهم لا يكون قول بعضهم حجة على بعض خصوصا مع وجود دليل العدول عنه إلى غيره ، واستدلوا أيضا بالإطلاق الذي في كثير من الروايات كحديث : " في خمس من الإبل السائمة شاة "(4) .
__________
(1) أخرجه مالك في الموطأ ( 1 / 223 ) .
(2) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان – باب : كفر المرتدين بعد موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( 1/ 20) ، وأبو داود في كتاب الزكاة 1556 ، والترمذي في كتاب الإيمان – باب : ما جاء : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله 2607 .
(3) تخليص الحبير لابن حجر ( 2 / 162 ) الفاروق الحديثة للطباعة والنشر ، وانظر المصنف لابن أبي شيبة ( 2 / 368 رقم 9986 ) .
(4) ينظر حديث أنس الذي أخرجه البخاري في كتاب الزكاة – باب : إذا أخذ المصدق سنا دون سن 1800 . (1/53)
صفحة 54
وذكر أنهم قالوا إن الإبل جنس يصدق على الصغار والكبار كالآدمي يصدق على الصغير والكبير ، وجوابه أن السنة قيدت هذا الإطلاق ، ومع تعارض المقيد والمطلق يتعين الأخذ بالتقييد . واستدلال الحنفية لآرائهم لا يخرج عما ذكرناه فلا داعي إلى التكرار .
هذا ما تيسر تبيانه من شروط زكاة الأنعام ، وثم شروط أخرى تشملها وغيرها من الأموال الزكوية ، لم أجد متسعا لبحثها في هذه العجالة ، وقد أطال الفقهاء في بحثها وذكر أدلتها ، منها :
أن يكون من تؤخذ منه الزكاة مسلما لأن غير المسلم لا يطالب بها في الدنيا كالصلاة والصيام والحج ، إذ من شروط صحتها الإسلام وهذا مما لا خلاف فيه .
ومنها : أن يكون حرا بناء على أن العبد لا يملك , وقد
اختلف في هذا .
ومنها : أن يكون مكلفا أي بالغا عاقلا لأن ذمة الصبي والمجنون لا تشغل بفريضة لارتفاع القلم عنهما بالنص والإجماع ، وهذا الشرط مبني على أن الزكاة حق في الذمة ، أما على القول بأنها شريك في المال الذي تجب فيه فهي واجبة في مالهما وهو الراجح .
ومنها : استقرار الملك , وذلك بأن لا يكون المالك حيل بينه وبين ماله باغتصاب .
ومنها : أن لا يكون مستغرقا كله أو بعضه بحقوق الدائنين .
وللفقهاء في هذا آراء كثيرة , ولكل ذي رأي حجته التي يعول عليها , وبحث هذا الشرط وغيره مما ذكرناه يؤدي إلى خروج هذا البحث إلى الاتساع الذي لا يتسع له الوقت ولا يقتضيه الحال . (1/54)
صفحة 55
إن من فضل الله تعالى على عباده أن جعل تكليفهم سمحا فلم يفرض عليهم الزكاة في قليل مالهم وكثيره ، وإنما جعلها حقا في أموال الأغنياء ليواسوا بها إخوانهم الفقراء ، إذ خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى فلذلك جعل لكل عين تجب فيها الزكاة نصابا مقدرا تقديرا لا تجب فيما دونه ، ولئن كان القرآن أجمل أحكام الزكاة ، فإن السنة النبوية وسعتها تفصيلا ، فبينت نصاب كل عين ومقدار ما يؤخذ من كل صنف إذا بلغ حد النصاب وفيما زاد عليه ؛ والأنعام من ضمن هذه الأصناف ، فزكاتها مشروطة بالنصاب ، ولا خلاف في نصاب الإبل لقول النبي(- صلى الله عليه وسلم - : " ليس فيما دون خمس ذود صدقة " (1) ، ولا في نصاب الغنم لقوله (- صلى الله عليه وسلم -في نفس الحديث : " ليس فيما دون أربعين شاة صدقة " وإنما الخلاف في نصاب البقر ، وسيأتي إن شاء الله تفصيل ما يجب في كل صنف من هذه الأصناف في المباحث الثلاثة الآتية .
المبحث الأول
نصاب الإبل وفروض الزكاة فيها
__________
(1) تقدم تخريجه من حديث أنس الطويل في الصدقات . (1/55)
صفحة 56
لا تجب الزكاة في الإبل حتى تبلغ خمسا ، للحديث الذي تقدم فإذا بلغتها ففيها شاة ، ويستمر هذا الحكم فيما زاد على الخمس حتى تبلغ عشرا ، فإذا بلغتها ففيها شاتان ، وهكذا فيما زاد حتى تبلغ خمس عشرة ففيها ثلاث شياه ، وكذلك فيما زاد عليها حتى تبلغ عشرين ، فإذا بلغتها ففيها أربع شياه ، فإن زادت على ذلك حتى بلغت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض - وهي التي أتمت عاما ودخلت في تاليه ، وسميت بهذا لأن أمها غالبا تكون حاملا ـ فإن لم توجد فابن لبون ذكر ـ وهو الذي جاوز عامين ودخل في الثالث ، وسمي كذلك لأن أمه تكون غالبا والدة ذات لبن - ، فإن زادت حتى بلغت ستا وثلاثين ففيها بنت لبون أنثى ـ وهي التي جاوزت عامين ودخلت في الثالث كما سبق - ، فإن زادت على ذلك حتى بلغت ستا وأربعين ففيها حقة ـ وهي التي جاوزت ثلاثة أعوام وأخذت في الرابع ـ وسميت بهذا لاستحقاقها أن يطرقها الفحل ، أو لاستحقاق ظهرها أن يركب ويحمل عليه - ، فإن جاوزت ذلك حتى بلغت إحدى وستين ففيها جذعة – وهي التي جاوزت عامها الرابع وأخذت في الخامس ، وسميت بذلك لأنها جذعت مقدمة أسنانها أي أسقطتها ، وقيل لتكامل أسنانها - ، فإن زادت حتى بلغت ستا وسبعين ففيها بنتا لبون ، فإن زادت حتى بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان ، فإن زادت حتى بلغت مائة وإحدى وعشرين ففيها ثلاث بنات لبون ، ثم في كل أربعين بنت لبون ، وفي كل خمسين حقة ، ومعنى ذلك أنها إن بلغت مائة وثلاثين ففيها حقة وبنتا لبون ، وإن بلغت مائة وأربعين ففيها حقتان وبنت لبون ، وإن بلغت مائة وخمسين ففيها ثلاث حقاق ، وإن بلغت مائة وستين ففيها أربع بنات لبون ، وإن بلغت مائة وسبعين ففيها حقة وثلاث بنات لبون ، وإن بلغت مائة وثمانين ففيها حقتان وبنتا لبون ، وإن بلغت مائة وتسعين ففيها ثلاث حقاق وبنت لبون ، وإن بلغت مائتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون ، وهكذا فيما زاد وذكر الإمام نورالدين السالمي أن هذا مجمع (1/56)
صفحة 57
عليه بين جميع طوائف الأمة إلا في مسألتين(1) :
المسألة الأولى : أنه روي عن علي ـ كرم الله وجهه ـ أن في خمس وعشرين خمس شياه ، وفي ست وعشرين بنت مخاض ، ورد بأن ذلك لم يصح عن علي ، قال أبو عبيد : وهذا قول ليس عليه أحد من أهل الحجاز ولا من أهل العراق ولا غيرهم نعلمه ، وقد حكي عن سفيان بن سعيد أنه كان ينكر أن يكون هذا من كلام علي ، ويقول كان أفقه من أن يقول ذلك ، وحكى بعضهم عنه أنه قال : " أبى الناس ذلك على علي "(2) .
وحكى الإجماع على خلاف هذا جماعة منهم ابن عبدالبر(3) ، والسرخسي(4) ، وابن قدامة(5) ، وابن رشد(6) ، وحكى السرخسي إنكار سفيان الثوري أن يكون هذا رأي علي ـ كرم الله وجهه ـ قائلا : " إنه كان أفقه من أن يقول هكذا ، لأن في هذا موالاة بين الواجبين بلا وقص بينهما ، وهو خلاف أصول الزكاة فإن مبنى الزكاة على أن الوقص يتلو الواجب ، وعلى أن الواجب يتلو الوقص(7) ، وأشار إلى هذا الإمام السالمي في المعارج(8) .
__________
(1) معارج الآمال ( 15 / 119 )
(2) كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام 149 – مؤسسة ناصر للثقافة الطبعة الأولى 1981 م .
(3) الاستذكار ( 9 / 43 ) .
(4) المبسوط ( 2 / 150 ) .
(5) المغني ( 2 / 150 ) .
(6) المقدمات ( 1 / 271 ) .
(7) المبسوط ، المرجع السابق .
(8) معارج الآمال ( 15 / 119 ) . (1/57)
صفحة 58
قلت : هذا المروي عن الإمام علي - كرم الله وجهه ـ جاء برواية مسندة عند الزيدية ففي مجموع الإمام زيد : " حدثنا أبو القاسم علي بن محمد النخعي قال : حدثنا سليمان بن إبراهيم ابن عبيد المحاربي قال : حدثنا نصر بن محمد المنقري العطار قال : حدثنا إبراهيم بن الزبرقان التيمي قال : حدثنا أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي عن الإمام زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي ـ عليهم السلام ـ قال : ليس في أقل من خمس ذود صدقة ، فإذا بلغت خمسا ففيها شاة ، إلى أن قال : فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها خمس شياه فإذا زادت واحدة ففيها ابنة مخاض ... إلخ . قال شارحه السياغي : قال في التخريج " هذا الحديث قد روي عن أمير المؤمنين مرفوعا وموقوفا ، ثم ذكر السياغي روايات رفعه(1) وعندما جاء في شرحه إلى قوله : " فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها خمس شياه قال : هذه الرواية عن أمير المؤمنين قد ضعَّف نسبتها إليه ـ عليه السلام ـ بعض المحدثين كالبيهقي والخطابي ، وزعموا أنها خطأ وأن الصواب ما في الروايات الصحيحة عند الجماعة من أن في ذلك ابنة مخاض ، وقد عرفت من مجموع الروايات السابقة ثبوت ذلك عنه من غير طريق مع تصحيح ابن جرير ، والرواية الموقوفة عليه ـ عليه السلام ـ ها هنا لها حكم الرفع بدليل ما أخرجه المؤيد بالله ـ عليه السلام ـ بشرح التجريد وغيره عن شريك بن مخارق عن طارق قال : خطبنا علي ـ عليه السلام ـ قال : والله ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة قلنا : وما فيها ؟ قال : أسنان الإبل أخذتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وروي عن ابن عمر قال : بعث علي ـ عليه السلام ـ إلى عثمان بصحيفة فيها كتاب يقول : مر سعاتك يعملوا بما فيها فإن فيها سنن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال المؤيد بالله :
__________
(1) الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير لشرف الدين الحسين بن أحمد السياغي ( 2 / 290 ) ـ مكتبة اليمن الكبرى ـ صنعاء . (1/58)
صفحة 59
فيكون الموقوف عنه في هذا الباب
كالمسند إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - "(1) .
ولكن من العجب أن نرى أئمة الزيدية أنفسهم تركوا العمل بهذه الرواية وأخذوا برأي جمهور الأمة ، فقد قال السياغي نفسه : " وقال في التخريج : وقد جنح إلى عدم الأخذ برواية عاصم والحارث هذه عن علي ـ عليه السلام ـ الهادي إلى الحق يحيى بن يحيى ، ومال إلى رواية غير أبي خالد لضرب من الترجيح بين روايته ورواية غيره " ، ثم قال : " وفي شرح التجريد بإسناده إلى علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كتب لعمرو بن حزم بسم الله الرحمن الرحيم : فذكر ما يخرج من صدقة الإبل إذا كانت أقل من خمس وعشرين ففي كل خمس شاة ، فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض ... اهـ " ثم قال : " وهو من مراسيل علي بن الحسين ـ عليه السلام ـ وهو معتضد بما رواه المحدثون في كتبهم عن أنس في كتاب أبي بكر لعماله "(2) .
والأعجب أن في كتاب الأزهار وشرحه ـ من كتب الزيدية ـ عدم التعريج على الرأي الذي تدل عليه هذه الرواية رأسا والاقتصار على ذكر القول المشهور(3) ، وفي البحر الزخار للإمام المهدي منهم بعد أن ذكر فرائض الزكاة في الإبل قوله : " ولا خلاف إلا عن علي ـ عليه السلام ـ في الخمس وعشرين خمس شياه ، وقد غلط الثوري رواتها إذ روي عنه ـ عليه السلام ـ خلاف ذلك قولا وفعلا "(4) . غير أن السياغي ذكر أن هذه الروايات تفيد التخيير بين الأخذ بهذا الرأي أو بذلك قائلا : لأنه إذا ورد الدليل بما يخالف ما دل عليه الدليل الأول ولا تعارض بينهما ، ولا ما يوجب النسخ أو التخصيص أفاد التخيير بين الأمرين ، ولهذا نظائر كالتخيير في الحج بين الإفراد والقران
__________
(1) المرجع السابق ( 2 / 392 ) .
(2) المرجع السابق .
(3) شرح الأزهار ( 2 / 483 ) ، وانظر التاج المذهب لأحكام المذهب ( 1 / 195 ) .
(4) البحر الزخار ( 2 / 161 ) . (1/59)
صفحة 60
والتمتع ... "(1) .
ولكنا نجد أن الشيعة الإمامية هم الذين أخذوا بهذا المروي عن علي ـ كرم الله وجهه ـ كما نص عليه شيخ الطائفة الإمامية الطوسي(2) والمحقق الثاني الكركي(3) ، ومن المعاصرين السيد الميلاني(4) غير أن هذا الأخير قال : " لكن يحكى عن ابن عقيل وأبي الجنيد أنهما أسقطا النصاب السادس ـ أي الستة والعشرين ـ وجعلا أربعة نصب خمسا خمسا ثم جعلا الخامس مستقلا يغاير ما قبله "(5) . وعلى هذا فهما متفقان مع رأي الجمهور .
ومجمل القول أن ما ذكرناه هو الذي درج عليه السلف والخلف وأخذت به الأمة ، ما عدا هذه الرواية النادرة عن علي ، وقد أخذ بها بعض الشيعة ، وسيأتي إن شاء الله بيان الدليل الذي عول عليه جمهور الأمة .
المسألة الثانية : إذا زادت على مائة وعشرين ففيها خلاف ، ورأي الجمهور ما ذكرناه من أنه تجب في كل أربعين بنت لبون ، وفي كل خمسين حقة ، وفي المسألة أقوال أخرى :
__________
(1) الروض النضير ( 2 / 392 ) .
(2) المبسوط ( 1 / 191 ) . ،
(3) جامع المقاصد ( 3 / 14 )
(4) محاضرات في فقه الإمامية ـ كتاب الزكاة ( ق1 / 106 ـ 107 ) .
(5) المرجع السابق 107 . (1/60)
صفحة 61
أولها : قول أبي حنيفة والنخعي والثوري ، ورواه أبو عبيد في الأموال عن علي ـ كرم الله وجهه ـ(1) وهو أن الفريضة تستأنف بعد ذلك من جديد ، وقد فصل السرخسي كيفية هذا الاستئناف حيث قال : " فالمذهب عندنا استئناف الفريضة بعد المائة وعشرين ، فإذا بلغت الزيادة خمسا ففيها حقتان وشاة إلى مائة وثلاثين ففيها حقتان وشاتان ، وفي مائة وخمس وثلاثين حقتان وثلاث شياه ، وفي مائة وأربعين حقتان وأربع شياه ، وفي مائة وخمس وأربعين حقتان وبنت مخاض إلى مائة وخمسين ففيها ثلاث حقاق ، ثم تستأنف الفريضة فيجب في مائة وخمس وخمسين ثلاث حقاق وشاة ، وفي مائة وستين ثلاث حقاق وشاتان ، وفي مائة وخمس وستين ثلاث حقاق وثلاث شياه ، وفي مائة وسبعين ثلاث حقاق وأربع شياه ، وفي مائة وخمس وسبعين ثلاث حقاق وبنت مخاض ، وفي مائة وست وثمانين ثلاث حقاق وبنت لبون ، وفي مائة وست وتسعين أربع حقاق إلى مائتين ، فإن شاء أدى عنها أربع حقاق عن كل خمسين حقة ، وإن شاء خمس بنات لبون عن كل أربعين بنت لبون ثم تستأنف كما بينا "(2) ، ومثله ما في سائر كتب الحنفية(3) .
__________
(1) الأموال 149 .
(2) المبسوط ( 2 / 151 ) .
(3) انظر البحر الرائق ( 2 / 214 – 215 ) ، وبدائع الصنائع ( 2 / 864 ) ، وحاشية ابن الهمام شرح فتح القدير ( 2 / 174 – 176 ) ، وحاشية ابن عابدين ( 2 / 17 – 18 ) ، والاختيار لتعليل المختار ( 1 / 106 ) ، وإعلاء السنن لظفر أحمد العثماني ( 9 / 17 – 18 ) إدارة القرآن والعلوم الإسلامية باكستان . (1/61)
صفحة 62
ثانيها : قول مالك أن في مائة وعشرين حقتين ، فإن زادت واحدة فالساعي بالخيار بين أخذ حقتين أو ثلاث بنات لبون ، وخالفه في ذلك ابن القاسم فذهب مذهب الجمهور ، ونص ما في المدونة : " قلت فإن زادت على عشرين ومائة واحدة قال : المصدق يخير إن شاء ثلاث بنات لبون ، وإن شاء أخذ حقتين . قلت وهذا قول مالك ، قال : نعم ، قال : ابن القاسم : وكان ابن شهاب يخالف مالكا في هذه المسألة ويقول : إذا زادت واحدة على عشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون ، إلى أن قال : قال ابن القاسم : ورأيي على قول ابن شهاب لأن ذلك قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن عمر بن الخطاب " (1) .
وما في المدونة منصوص عليه في سائر كتب المالكية كمختصر خليل وشروحه ومقدمات ابن رشد الجد ، وعقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس والذخيرة والمنتقى للباجي ، وبداية المجتهد لابن رشد الحفيد(2) ، غير أن ابن شاس حكى رواية في المجموعة بعدم التخيير إلا باجتماعهما في المال ، وقال ابن عبد البر في الاستذكار : " وذكر ابن حبيب أن عبد العزيز بن أبي سلمة وعبد العزيز بن أبي حازم وابن دينار كانوا يقولون بقول مالك أن الساعي مخير إذا زادت الإبل على عشرين ومائة ففيها حقتان أو ثلاث بنات لبون "(3) ، وعزا ذلك إليهم ابن رشد الجد أيضا(4) .
__________
(1) المدونة ( 1 / 264 ) .
(2) انظر منح الجليل شرح مختصر خليل ( 2 / 7 ) ، والمقدمات ( 1 / 171 – 172 ) وعقد الجواهر الثمينة ( 1 / 278 ) ، والذخيرة ( 3 / 116 ) ، والمنتقى ( 2 / 130 ) ، وبداية المجتهد ( 2 / 512 ) .
(3) الاستذكار ( 9 / 143 ) .
(4) المقدمات ( 1 / 271 ) . (1/62)
صفحة 63
ثالثها : أنه ليس فيما زاد على عشرين ومائة إلا حقتان ، وهو قول أبي عبيد صاحب كتاب الأموال(1) وعزاه كل من ابن عبد البر وابن رشد إلى المغيرة المخزومي وابن الماجشون(2) ، وعزاه ابن عبد البر إلى محمد بن اسحاق(3) ومثله في مغني ابن قدامة(4) ، ونسب ذلك ابن رشد إلى مالك في رواية أشهب عنه(5) ، ونسبه ابن شاس إلى أشهب نفسه(6) وهو رواية عن أحمد كما في المغني(7) , ومثله ما في الإنصاف للمرداوي ، وقال هذا الأخير : " اختاره أبو بكر بن عبد العزيز في كتاب الخلاف وأبو بكر الآجري "(8) .
رابعها : أن في مائة وإحدى وعشرين حقتين وبنت مخاض ، نسبه صاحب الإنصاف إلى أحمد ، ثم قال : قال القاضي : " وذلك سهو من ناقله ، ونقل حرب أنه رجع عن ذلك ، قاله ابن تميم في بعض النسخ "(9) .
__________
(1) الأموال 147 .
(2) الاستذكار والمقدمات – المرجعان السابقان .
(3) الاستذكار المرجع السابق .
(4) المغني ( 2 / 450 ) .
(5) المقدمات المرجع السابق .
(6) عقد الجواهر الثمينة ( 1 / 278 ) .
(7) المغني ( 2 / 450 ) .
(8) الإنصاف ( 3 / 47 ) ، وانظر شرح لطائف الحكم 44 .
(9) الإنصاف ( 3 / 47 ) ، وانظر شرح لطائف الحكم المرجع السابق نقلا عن إشراف ابن المنذر . (1/63)
صفحة 64
وقول الجمهور هو الذي عليه أصحابنا الإباضية أجمع ، فقد ذكر المحقق الخليلي ـ رحمه الله ـ أنه لا يوجد خلاف قط لا بين مشارقتهم ولا بين مغاربتهم في ذلك(1) ، وهذا الذي تقتضيه آثارهم جميعا ، وهو القول الصحيح . وحجته حديثا أنس وابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ ، فأما حديث أنس فنصه أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - كتب هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين " بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المسلمين والتي أمر الله بها رسوله ، فمن سألها من المسلمين على وجهها فليعطها ، ومن سأل فوقها فلا يعط ، في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم في كل خمس شاة ، فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى ، فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى ، فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الفحل ، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة ، فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون ، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل ، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة ، ومن لم يكن له إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها "(2) .
هذا ما أردنا نقله منه هنا رواه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي والدارقطني ـ وقال هذا إسناد صحيح ورواته كلهم ثقات ـ والشافعي والبيهقي والحاكم وصححه ابن حبان وقال ابن حزم : هذا كتاب في نهاية الصحة عمل به الصديق بحضرة العلماء ولم يخالفه أحد(3) .
__________
(1) شرح لطائف الحكم 44 .
(2) تقدم تخريجه .
(3) المحلى ( 6 / 8 ) . (1/64)
صفحة 65
وأماحديث ابن عمر ففيه : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كتب الصدقة ولم يخرجها إلى عماله حتى توفي ، قال فأخرجها أبو بكر من بعده فعمل بها حتى توفي ، ثم أخرجها عمر من بعده فعمل بها ، قال : فلقد هلك عمر يوم هلك وإن ذلك لمقرون بوصيته ، قال : فكان فيها في الإبل في كل خمس شاة حتى تنتهي إلى أربع وعشرين ، فإذا بلغت إلى خمس وعشرين ففيها بنت مخاض ... إلى أن قال : فإذا زادت ففيها حقتان إلى عشرين ومائة ، فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة ، وفي كل أربعين ابنة لبون " ، وهو يتفق في معناه مع حديث أنس في كل شيء ، وقد أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والدارقطني والحاكم والبيهقي(1) ، وإنما قيل تفرد بوصله سفيان بن حسين وهو ضعيف في الزهري خاصة ، والحفاظ من أصحاب الزهري لا يصلونه ، رواه أبو داود والدارقطني والحاكم عن أبي كريب عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري قال : هذه نسخة كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي كتب في الصدقة وهي عند آل عمر ، قال ابن شهاب أقرأنيها سالم بن عبد الله بن عمر فوعيتها على وجهها ، وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز من عبد الله وسالم ابني عبد الله بن عمر ، فذكر الحديث ، وقال البيهقي تابع سفيان بن حسين على وصله سليمان بن كثير ، وأخرجه أيضا ابن عدي من طريقه ولكن الحافظ قال فيه : وهو لين في الزهري أيضا ، قال ورواه الدارقطني من طريق سليمان بن أرقم عن الزهري وهو ضعيف(2) ، قال الشوكاني : وقد اتفق الشيخان على إخراج حديث ابن كثير والاحتجاج به ، وأخرج مسلم حديث سفيان بن حسين واستشهد
__________
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة – باب : في زكاة السائمة 1568 ، والترمذي في كتاب الزكاة – باب : ما جاء في زكاة الإبل والغنم 621، وأحمد في مسنده ( 2 / 14 ) ، والحاكم ( 1 / 392 ) ، والبيهقي ( 4 / 88 ) ، والدارقطني في كتاب الزكاة ـ باب : زكاة الإبل والغنم .
(2) التلخيص ( 2 / 159 ) . (1/65)
صفحة 66
به البخاري ، قال الترمذي في كتاب العلل سألت البخاري عن هذا الحديث فقال أرجو أن يكون محفوظا وسفيان بن حسين صدوق ... انتهى(1) .
والحديث بمجموع طرقه صالح للاستشهاد به ، فضلا عن اعتضاده بحديث أنس - رضي الله عنه - والحديثان صريحان أن الإبل إذا زادت على مائة وعشرين ففي كل أربعين بنت لبون ، وفي كل خمسين حقة .
وأما القول الثاني ؛ وهو ما ذهب إليه الحنفية فقد استدلوا له بما رواه أبو داود في المراسيل وإسحاق بن راهويه في مسنده والطحاوي في مشكله عن حبان بن سلمة قال : " قلت لقيس بن سعد : خذ لي كتاب محمد بن عمرو بن حزم ، فأعطاني كتابا أخبر أنه أخذه من أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، وأخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتبه لجده ، فقرأته فكان فيه ما ذكر ما يخرج من فرائض الإبل فقص الحديث إلى أن بلغ عشرين ومائة فإذا كانت أكثر من عشرين ومائة فإنها تعاد إلى أول فريضة الإبل " ، وعضدوا ذلك بما روي عن علي ـ كرم الله وجهه ـ مرفوعا وموقوفا ، وكذلك ما روي عن ابن مسعود .
وقد دفع استدلالهم بذلك بأن حديث محمد بن عمرو بن حزم لا يقوى على معارضة حديثي أنس وابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ ، كيف وقد عمل بهما أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير نكير من أحد ، على أنه روي موافقا لهما كما رواه الأثرم في سننه (2) والأخذ بما وافق الصحاح والقياس أولى من الأخذ بخلافه .
أما ما روي مما يخالفه عن علي فقد أخرجه ابن أبي شيبة عن سفيان عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عنه ، ولكن اعترض عليه بأن شريكا روى عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي قال : إذا زادت الإبل على عشرين ومائة ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين ابنة لبون ، وإثبات ما وافق المرفوع المشهور أولى من إثبات ما خالفه .
__________
(1) نيل الأوطار وشرح منتقى الأخبار للشوكاني ( 4 / 148 ) .
(2) انظر المغني لابن قدامة ( 5 / 452 ) . (1/66)
صفحة 67
وأما ما روي عن ابن مسعود فقد أخرجه الطحاوي عنه ، إلا أنه أعل بالانقطاع من مكانين ، وضعف بخصيف(1) فضلا عن كون ما روي عن الصحابيين الجليلين لا يعدو أن يكون موقوفا عليهما ، والموقوف لا يعترض به على المرفوع ، والأخذ بما وافق الصحاح والقياس أولى من الأخذ بخلافه .
أما موافقته للصحاح فظاهرة ، وأما موافقته للقياس فمن حيث إن الأصل في تزكية المال أن تكون من جنسه ، وإنما عدل عن هذا الأصل في فرائض الإبل الأولى للضرورة ، إذ لو فرض البعير فيما دون الخمس وعشرين لكانت في ذلك كلفة على صاحب الماشية ، والله لم يكلف إلا يسيرا ولم يأمر إلا بإنفاق العفو ، وبكثرة المال ترتفع الضرورة ويتعين الرجوع إلى الأصل ، ومن ناحية أخرى فإن الانتقال من بنت مخاض إلى الحقة غير مألوف في الفرائض المتفق عليها بزيادة خمس من الإبل ، بل بزيادة إحدى وعشرين ، فما بالهم يقولون في مائة وخمس وأربعين بوجوب بنت مخاض وحقتين ، وفي مائة وخمسين بوجوب ثلاث حقاق ، على أنه مما ينافي استئناف الفريضة عدم فرض بنت لبون بين بنت مخاض والحقة .
والذي يبدو من كلام الحنفية في هذا ، أنهم راعوا ما جاء في الحديث الذي عولوا عليه من قوله : " فإنها تعاد إلى أول فريضة في الإبل " مع قوله فيه : " فعد في كل خمسين حقة " الذي يتفق مع سائر الروايات(2) .
__________
(1) انظر حاشية ابن الهمام شرح فتح القدير ( 2 / 176 ) .
(2) انظر المبسوط ( 2 / 153 ) ، وبدائع الصنائع ( 2 / 866 ) ، وشرح فتح القدير ( 2 / 176 – 177 ) ، وإعلاء السنن ( 9 / 18 ) . (1/67)
صفحة 68
ولكن يشكل على هذا كون الزيادة غير مطردة على وتيرة واحدة ، فتارة يكون الواجب فيها بنت مخاض وذلك فيما إذا كانت الزيادة من خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين كما هو أصل الفريضة ، فإن زادت واحدة كان الواجب فيها بنت لبون وذلك فيما زاد على مائة وخمسين وهي التي تجب فيها ثلاث حقاق ، وتارة تكون بنت مخاض فرض ما زاد بين خمس وعشرين إلى تسع وعشرين فإذا بلغت الزيادة ثلاثين ففيها حقة وذلك فيما زاد على مائة وعشرين وهي التي تجب فيها حقتان .
وبما أن الحنفية هم أصحاب الرأي ـ لذلك كثيرا ما يقدمون القياس على الأثر ـ كان حريا بهم على أصولهم ألا يأخذوا بهذه الرواية الخارجة عن سنن القياس ويدعوا الروايات الأخرى مع أنها أقوى سندا ومتنا ، على أن إعادتها إلى أول فريضة من الإبل قضية مجملة ، وبيان المجمل إنما هو بالمفصل ، وقد جاءت روايتا أنس وابن عمر بما يفصل هذا الإجمال فلا ينبغي العدول عنه ، ومن ثم وجدنا من العلماء من يحمل ذلك على إخراج بنت لبون في كل أربعين ، وحقة في كل خمسين حيث قال : " وهذا إن صح كان محمولا على الاستئناف المذكور في الحديث ـ أعني إيجاب بنت اللبون في كل أربعين والحقة في كل خمسين ـ جمعا بين الأحاديث " ، ثم قال : " لا يقال إنه يرجح حديث الاستئناف بمعنى الرجوع إلى إيجاب شاة في كل خمس إلى خمس وعشرين على حسب التفصيل المتقدم بأنه متضمن الإيجاب ـ يعني إيجاب شاة مثلا في الخمس الزائدة على مائة وعشرين ـ وحديث الباب وما في معناه متضمن للإسقاط لأنا نقول هو وهم ناشئ من قوله : " فإن زادت ففي كل أربعين " فظن معناه أن الأربعين من كل زيادة فقط وليس كذلك بل معناه في كل أربعين من الزيادة
والمزيد "(1) ، وكلامه واضح لا غبار عليه .
__________
(1) الشوكاني نيل الأوطار ( 4 / 144 ) . (1/68)
صفحة 69
هذا وقد ذهب ابن تيمية مذهبا آخر غير الترجيح في التعويل على حديث أنس دون حديث ابن حزم ، وهو أن استعمال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم على نجران كان قبل وفاته بمدة ، بخلاف كتاب الصديق فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتبه ولم يخرجه إلى العمال ، حتى أخرجه أبو بكر(1) ومعناه أن ما عول عليه الجمهور ناسخ لما عول عليه الحنفية ، وهو مذهب حسن لو كان الدليلان متكافئين ، ولكن لا يمنع أن يجعل هذا الاحتمال من مرجحات الأخذ بدليل الجمهور .
هذا وقد حكى النووي عن أصحابه أنهم حكوا عن ابن جرير الطبري التخيير بين مذهب الجمهور ومذهب أبي حنيفة ، ووهم النووي الغزالي في نسبة ذلك إلى ابن وسيط من الشافعية (2) ، وقد أعجب هذا الرأي الدكتور يوسف القرضاوي حيث قال : " وهو عندي رأي حسن ، لأن القول بالنسخ لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع والتوفيق بين النصين ، وتوفيق الطبري هذا مقبول لأن الملاحظ في تعيين هذه الأسنان والمقادير هو تيسير التعامل وتسهيل الحساب وتبسيط الإجراءات ، فكلما كان العامل على الزكاة مخيرا كان أقدر على التسهيل والتيسير "(3) .
__________
(1) انظر فقه الزكاة للدكتور يوسف القرضاوي ( 1 / 188 ) مؤسسة الرسالة الطبعة الثانية 1397 هـ ـ 1977 م نقلا عن القواعد النورانية لابن تيمية 87 .
(2) المجموع ( 5 / 400 – 401 ) .
(3) فقه الزكاة ( 1 / 189 ) . (1/69)
صفحة 70
وأنت تدري أن التخيير بين الفرضين لم يعهد في أنصبة الزكاة ولا في الواجب إخراجه فيها ، إذ الزكاة أمر تعبدي لم يكله الله سبحانه إلى اجتهاد عباده ، على أن نفس الانتقال فيها من فرض إلى آخر لا يجري على وتيرة واحدة ، فالغنم مثلا نصابها أربعون وفيها شاة ، ولكن إذا زادت عليها أربعون أخرى لم تجب فيها شاة ثانية بل الشاة الواحدة كافية لضعفي النصاب وهو مائة وعشرون ، وذلك بخلاف الواجب في الإبل فإن نصابها خمس فإذا زادت خمس أخرى وجب فيها ما وجب في الخمس الأولى ، وهكذا إلى خمس وعشرين ، فيبعد مع هذا أن يقال بالتخيير بين فرضين ، ولو كان ذلك كذلك لنص عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في كتابه الذي أملاه ليكون دليلا لأحكام الزكاة ، ولعدم تكافؤ الدليلين لا داعي إلى المصير إلى الجمع بينهما بل يؤخذ بالدليل الأقوى ، ومن ناحية أخرى فإن رد ذلك إلى نظر الساعي أمر مشكل فإن الماشية لا تبقى على مثال واحد في قيمها ، فقد تغلو الإبل وترخص الغنم أو العكس ، فيتردد الساعي بين الترفق بالمالك ومراعاة مصلحته ، أو بالفقراء والنظر إلى ما هو الأغبط في جانبهم ، فمن حكمة التشريع في مثل هذا الأمر أن يكون محسوما من قبل الشارع .
ولا يعترض على هذا بالتخيير في الجبران بين أن يكون بشاتين أو بعشرين درهما عندما لا توجد الفريضة الواجبة ويوجد ما هو أدنى منها ، أو ما هو أعلى ، فيكون التراد بهذا بين الساعي ورب المال ، لأن ذلك ليس هو من فروض الزكاة وإنما هو جبر لما نقص من فرضها أو عوض عما زاد عليه فلا يحمل عليه أصل فرض الزكاة . (1/70)
صفحة 71
هذا ولم أجد لبقية الأقوال في زكاة الإبل دليلا يعول عليه ، اللهم إلا ما ذكره ابن رشد الحفيد من توجيه مذهب مالك حيث قال : " فمن رأى أن ما بين المائة والعشرين إلى أن يستقيم الحساب وقص قال ليس فيما زاد على ظاهر الحديث الثابت شيء ظاهر حتى يبلغ مائة وثلاثين وهو ظاهر الحديث " (1) .
وأنتم تدرون أن نص الحديث على أن " فيما زاد على مائة وعشرين في كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون " يقتضي وجوب ثلاث بنات لبون في مائة وإحدى وعشرين فلا وجه للعدول عنه إلى مجرد آراء لم تستق من السنة والله أعلم .
هذا وتتعلق بموضوعنا مسائل لها أصل في حديثي أنس وابن عمر :
المسألة الأولى : نص الحديثان على أن صاحب الخمس والعشرين إن لمن يجد ابنة مخاض فعليه ابن لبون ذكر إن وجده ، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم ، وإنما اختلفوا فيما إذا لم يكن في ماله أي من النوعين ، فهل تتعين عليه بنت مخاض بحيث يلزم إحضارها أو أنه مخير بينها وبين ابن لبون فإن جاء بأيهما كان مقبولا منه .
__________
(1) بداية المجتهد ( 2 / 514 ) . (1/71)
صفحة 72
ذهب إلى الأول مالك ، وهذا نص المدونة : " وقال مالك في الساعي إذا أتى الرجل فأصاب له خمسا وعشرين من الإبل ولم يجد فيها بنت مخاض ولا ابن لبون ذكرا إن على رب الإبل أن يشتري للساعي بنت مخاض على ما أحب أو كره ، إلا أن يشاء رب الإبل أن يدفع إليه ما هو خير من بنت المخاض، فليس للمصدق أن يرد ذلك إذا طابت بذلك نفس صاحب الإبل ، وهو قول مالك إلا أنه جعل الخيار للساعي في قبول ابن لبون إن كان ذلك بمجرد الشراء ، حيث قال : قلت أرأيت إن أراد رب المال أن يدفع ابن لبون ذكرا إن لم يكن في المال بنت مخاض ولا ابن لبون ؟ قال : ذلك إلى الساعي إن أراد أخذه أخذه وإلا ألزمه بابنة مخاض وليس له أن يمتنع من ذلك "(1) . وقد نص علماء المالكية في كتبهم على المنع إطلاقا(2) .
وإلى المنع ذهب أحمد وأصحابه ففي المغني : " فإن لم يكن في إبله ابن اللبون وأراد الشراء كلف شراء بنت مخاض "(3) ، ومثله في الإنصاف ، ولكنه ذكر عن بعض الحنابلة الجواز ، وحكاه عن أبي المعالي(4) ، والمنع هو مقتضى كلام ابن حزم(5) ، وهو يتفق مع مسلك الظاهرية ، وذهب إلى التخيير بين ابتياع بنت مخاض أو ابن لبون في مثل هذه الحالة الشافعية ، ففي الأم قال الشافعي : " وإذا كانت الإبل خمسا وعشرين فلم يكن فيها بنت مخاض أخذ منها ابن لبون ذكرا ، فإن لم يكن فيها فالخيار لرب المال يأتي بأيهما شاء ، وأيهما جاء به فهو فريضة ، فإن جاء بهما معا لم يكن للمصدق أن يأخذ إلا ابنة مخاض لأنها الفرض الأول الذي لا فرض غيره وهي موجودة "(6) .
__________
(1) المدونة ( 1 / 263 ) .
(2) المنتقى ( 2 / 127 ) ، منح الجليل ( 1 / 6 ) ، الذخيرة ( 3 / 116 ) .
(3) المغني ( 2 / 447 ) .
(4) الإنصاف ( 3 / 46 ) .
(5) المحلى ( 6 / 5 ) .
(6) الأم ( 2 / 5 ) ، وانظر المجموع ( 5 / 401 – 402 ) ، والبيان ( 3 / 179 ) . (1/72)
صفحة 73
ولا ريب أن توسع الحنفية في أخذ القيمة أو إيتائها بدلا من الأصل يقتضي جواز ذلك في مذهبهم ، وذكر صاحبا المجموع والبيان من الشافعية أن المنع هو قول صاحب التقريب فيما حكي عنه .
وحجة الذين خيروه بينهما أنه غير واجد لبنت مخاض فجاز له إخراج ابن لبون بمقتضى الحديث . قال في المغني : " ولنا على أنهما استويا في العدم ، فلزمته ابنة مخاض كما لو استويا في الوجود ، والحديث محمول على وجوده لأن ذلك للرفق به إغناء له عن الشراء ، ومع عدمه لا يستغني عن الشراء فكان شراء الأصل أولى "(1) .
وهذا كلام وجيه ، ولكن قد يتعسر عليه ابتياع بنت مخاض ويتيسر له ابتياع ابن لبون ، فكان الأقرب إلى السماحة واليسر أن يجتزى به في مثل هذه الحالة ، وما كان الاجتزاء به في حال عدمها ووجوده إلا لأجل مراعاة هذا الجانب .
المسألة الثانية : اختلف في اطراد هذه القاعدة ، وهي جواز أخذ البديل الأعلى عن الأدنى إن لم توجد الأنثى في الفريضة الواجبة كأخذ الحق عن بنت لبون ، والجذع عن الحقة ، والثني عن الجذعة ، فذهب إلى المنع المالكية كما نص عليه خليل في مختصره ، وعلل شارحه جواز ذلك في ابن لبون عن بنت مخاض بأن لابن لبون مزايا يختص بها على بنت مخاض وهي امتناعه عن صغار السباع ووروده الماء ورعيه الشجر بنفسه ، وليست هذه المزايا في الحق دون بنت اللبون(2) ، وبهذا قال كثير من الشافعية والحنابلة ، وعلى هذا عول المحقق الخليلي ـ رحمه الله ـ حيث قال :
ولا ذكر يجزي فيذكر فيهما
سوى الماضيين فالقياس قد انحسم
__________
(1) المغني ( 2 / 447 ) .
(2) منح الجليل ( 2 / 7 ) ، وانظر المغني ( 2 / 448 ) . (1/73)
صفحة 74
وقد أغرب في شرحه حيث قال : " ولا قائل بذلك ـ أي الاكتفاء بالذكر الأعلى عن الأنثى الأدنى ـ فيما انتهى إلينا فنرفعه لا عن أصحابنا ولا عن غيرهم "(1) ، وهو كلام غريب لأن الخلاف في ذلك مشهور سواء عند علماء المذهب أو غيرهم ، فقد عزا ابن قدامة جوازه إلى القاضي وابن عقيل من الحنابلة(2) ، وأشار المرداوي إلى الخلاف في ذلك في المذهب الحنبلي ، ولكنه نسب إلى القاضي وابن عقيل عكس ما عزاه إليهما ابن قدامة(3) ، وذكر النووي في ذلك طريقين عند الشافعية : عدم الإجزاء وعزاه إلى جمهورهم ثم قال : " وحكى صاحب الحاوي وجماعة في إجزائه وجهين ، وقطع الغزالي في الوجيز بالجواز وهو شاذ مردود "(4) . وفي البيان للعمراني من كتب الشافعية جواز إخراج الحق عن ابنة مخاض عند عدمها ، وعزاه إلى الشيخ أبي حامد وعدم إجزائه عن بنت لبون(5) ، وهو الذي نص عليه النووي في المنهاج حيث قال : ويؤخذ الحق عن بنت مخاض لا لبون في الأصح " ، وتابعه شارحه الشيخ عبد الله الكوهجي(6) ، وبجواز الاكتفاء بالحق عن بنت لبون قالت الزيدية كما في الأزهار وشرحه(7) ، وهو الذي ذهب إليه أهل المغرب من أصحابنا الإباضية ، ففي الإيضاح : " فإن وجبت عليه في موضع بنت لبون ولم يجدها في إبله فجائز أن يعطي حقا ذكرا ، كما أجاز له - صلى الله عليه وسلم - أن يعطي ابن لبون عن بنت مخاض ، وكذلك على هذا النسق يفعل في صدقة إبله ، ففي هذا دليل على أنه لا يعطى الذكور على الإناث إلا إذا كانت قيمة الذكور أفضل من قيمة
الإناث(8) ، ومثله في النيل وشرحه(9) .
__________
(1) شرح لطائف الحكم 87 .
(2) المغني ( 2 / 448 ) .
(3) الإنصاف ( 3 / 46 ) .
(4) المجموع ( 5 / 402 ) .
(5) البيان ( 3 / 180 ) .
(6) زاد المحتاج شرح المنهاج ( 1 / 430 ) .
(7) الأزهار ( 1 / 483 ) .
(8) الإيضاح ( 2 / 101 ) .
(9) شرح النيل ( 3 / 211 ) . (1/74)
صفحة 75
وكلامهم ظاهر في قياسهم بقية الأسنان على الاكتفاء بابن لبون عن بنت مخاض في حال عدمها ، وذلك أن الحديث وارد مورد التنبيه على أن للسن الأعلى من الذكور من الفضل ما يجعله يحل محل السن الأدنى منه من الإناث .
أما ما ذكره المانعون من مزايا ابن لبون التي لا توجد في بنت المخاض وهي التي أهلته عندهم لأن يحل محلها وليس للحق مثلها مما يميزه على بنت لبون ، فهي مجرد ظنون لم يقم عليها دليل ، فلذلك لم يرها هؤلاء مانعة من إلحاق الحق فما بعده بحكم ابن لبون في هذا .
وفي مقابل هذا التوسع عند هؤلاء نجد الإفراط في التشدد عند ابن حزم حيث قال : " فإن وجبت عليه بنت مخاض فلم يجدها ولا وجد ابن لبون ولا بنت لبون لكن وجد حقة أو جذعة ، أو وجبت عليه بنت لبون فلم تكن عنده ولا كان عنده بنت مخاض ولا حقة وكانت عنده جذعة لم تقبل منه ، وكلف إحضار ما وجب عليه ولا بد ، أو إحضار السن التي تليها ولا بد مع رد الدراهم أو الغنم "(1) .
__________
(1) المحلى ( 6 / 5 ) . (1/75)
صفحة 76
ولعل هذا مذهب الظاهرية جميعا ، فإنه مبني على أصولهم في الأخذ بالظواهر ، وحكى النووي عن صاحب الحاوي أنه ذكره وجها للشافعية(1) ، وهو مخالف لرأي سائر العلماء الذين أباحوا أخذ البديل الأفضل من نفس الجنس إن طابت به نفس رب المال ، وقد ذكر ابن قدامة أنه لا يعرف في جوازه خلافا(2) ، ولا ريب أنه أفضل لرب المال لأنه يكون به قد جاد بالكثير الذي تشح به النفس بدلا من القليل الذي يسهل عليها بذله ، فإن بنت المخاض لا تساوى بالحقة أو الجذعة ، وقد استدل لجواز ذلك أنه زاد على الواجب من جنسه ما يجزي عنه مع غيره ، فكان أولى أن يكون مجزيا عنه على انفراده ، كما لو كانت الزيادة في العدد ، هذا مع ورود النص عليه فيما رواه الإمام أحمد في مسنده ، وأبو داود في سننه ، والحاكم في مستدركه وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال : " بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصدقا فمررت برجل فلما جمع لي ماله لم أر عليه فيه إلا بنت مخاض فقلت له : أد ابنة مخاض فإنها صدقتك ، فقال : ذلك ما لا لبن فيه ولا ظهر ، ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة فخذها ، فقلت : ما أنا بآخذ ما لم أؤمر به ، وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منك قريب ، فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت علي فافعل ، فإن قبله منك قبلته ، فخرج معي وخرج بالناقة التي عرض علي حتى قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له : يا نبي الله أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي ، وأيم الله ما قام في مالي رسول الله ولا رسوله قط قبله فجمعت له مالي فزعم أن ما علي فيه بنت مخاض ، وذلك ما لا لبن فيه ولا ظهر ، وقد عرضت عليه ناقة فتية سمينة عظيمة ليأخذها فأبى ، وها هي ذه قد جئتك بها يا رسول الله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ذلك الذي وجب عليك ، فإن تطوعت بخير أجزل الله
__________
(1) المجموع ( 5 / 402 ) .
(2) المغني ( 2 / 449 ) . (1/76)
صفحة 77
فيه وقبلناه منك " ، فقال : ها هي ذه يا رسول الله قد جئتك بها . قال : فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقبضها ودعا له بالبركة "(1) .
قال ابن قدامة : " وهذا الحكم إذا أخرج أعلى من الواجب في الصفة ، مثل أن يخرج السمينة مكان الهزيلة والصحيحة مكان المريضة , والكريمة مكان اللئيمة , والحامل عن الحوائل فإنها تقبل منه وتجزيه وله أجر الزيادة(2) .
واستدل ابن حزم لما ذهب إليه بما تقدم من أحاديث فرض الصدقات في الإبل وعد ذلك من الشارع فرضا مقدرا تقديرا لا تجوز الزيادة عليه وأعل حديث أبي بأن في إسناده يحيى بن عبدالله وهو مجهول ، وعمارة بن عمرو بن حزم وهو غير معروف .
واعترض بأن يحيى ثقة تابعي روى له مسلم وأبو داود , وأما عمارة بن عمرو بن حزم فهو معروف أيضا وتابعي ثقة وعمه عمارة بن حزم صحابي قديم شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها ، وقتل يوم اليمامة شهيدا في خلافه أبي بكر سنة 12 هـ(3) .
وللجواز أدلة أخرى ، أوردها ابن حزم وحاول أن يتعقبها بما لا يجديه نفعا , وقد أعرضنا عن ذكرها اكتفاء بما ذكرناه .
هذا ومذهب الحنفية جواز إخراج الذكور إن كان ذلك بطريقة القيمة(4) .
__________
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة – باب : في زكاة السائمة 1583 ، وأحمد في مسنده ( 5 / 142 ) ، والحاكم في المستدرك ( 1 / 556 ) .
(2) المغني (2/449) .
(3) انظر تعليق الشيخ أحمد محمد شاكر رقم 3 على المحلى ( 6 / 18 ) .
(4) بدائع الصنائع (2/878) والمبسوط ( 2 / 156 ) . (1/77)
صفحة 78
المسألة الثالثة : من كانت عنده بنت مخاض فوق الواجب وذلك بأن تكون أعلى وأنفس من جنس الإبل الموجودة عنده ولم يكن عنده غيرها مما يتفق مع حال الإبل الموجودة عنده فلا يلزمه إخراجها . ولكن هل يجوز الانتقال عنها إلى ابن لبون أو أنه يجب عليه أن يشتري بنت مخاض من جنس ما عنده ؟ ذكر النووي في ذلك وجهين : أحدهما لا يجوز لأنه واجد بنت مخاض مجزية , والثاني يجوز لأنه لا يلزمه إخراجها فهي كالمعلوفة . قال : " ورجح المصنف ـ يعني صاحب المهذب ـ الإجزاء ونقله عن النص ووافقه على ترجيحه البغوي , ورجح الشيخ أبو حامد وأكثر الأصحاب عدم الإجزاء ونقله القاضي أبو الطيب في المجرد قال الرافعي : " رجحه الشيخ أبو حامد وأكثر شيعته وإمام الحرمين والغزالي "(1) .
وذكر ابن قدامة والمرداوي من الحنابلة عدم إجزاء ابن اللبون في هذه الحالة ونسب إليهم المرداوي القطع به وأنه يخير بين إخراج التي عنده وبين شراء أخرى بقدر الواجب , إلا أن المرداوي حكى قولا لهم بوجوب إخراج التي عنده(2) .
والمسألة محل للنظر , ولكل من القائلين بالإجزاء وعدمه وجه وجيه , إلا أن الذي يترجح عندي هو وجوب بنت مخاض عليه لوجودها عنده سواء أخرجها بنفسها مع ما بها من المزايا ويكون جزاؤه مزيد الثواب وارتقاءه أعلى مراتب البر , أو أنه اشترى أخرى بقدر الواجب الذي عليه , ودليله أن الحديث ناط الانتقال
عنها إلى ابن لبون بعدمها وهي هنا موجودة .
__________
(1) المجموع (5 / 402 ) وانظر البيان للعمراني ( 3 / 180 ـ 181 ) .
(2) المغني ( 2 / 484 ) والإنصاف ( 3 / 46 ) . (1/78)
صفحة 79
المسألة الرابعة : جاء في حديث الصدقة المروي من طريق أنس : - رضي الله عنه - " فمن بلغت عنده صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما , ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا جذعة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين , ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده وعنده ابنة لبون فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون وليست عنده إلا حقة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين ، ومن بلغت عنده صدقة ابن لبون وليست عنده ابنة لبون وعنده ابنة مخاض فإنها تقبل ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما "(1) . وهو نص في الجبران بين رب المال والساعي إن لم تكن عنده الفريضة المطلوبة وكان ما عنده أعلى أو أدنى وهذه مسألة وجد فيها خلاف في أصلها وفي بعض تفاصيلها , ذلك لأن مالكا لا يقول إلا بوجوب إحضار الفرض الذي تعين وجوبه في الأصل ولا يرى الانتقال إلى سن أعلى أو أدنى مع الجبران بشيء , ونص ما في المدونة عنه . " أرأيت إن لم يجد المصدق في الإبل السن التي وجبت فيها أيأخذ دونها ويأخذ من رب المال زيادة دراهم أو غير ذلك تمام السن التي وجبت له ؟ فقال : لا . قلت له : فهل يأخذ أفضل منها ويرد على صاحب المال دراهم قدر ما زاد على السن الذي وجب له ؟ فقال : " لا "(2) . وقد بين أشهب علة هذا المنع حيث قال : " ألا ترى أن المصدق اشترى التي أخذ بالتي وجبت له بالدراهم التي زاد ؟ "(3) .
__________
(1) تقدم تخريجه .
(2) المدونة ( 1 / 265 ) .
(3) المرجع السابق . (1/79)
صفحة 80
وحكى أبو سعيد ـ رحمه الله ـ في زياداته على الإشراف عن أصحابنا ـ الإباضية ـ قولا يوافق رأي الإمام مالك في هذه المسألة , وهو أنه ليس لرب المال أن يخرج غير الفرض الواجب عليه وليس للساعي أن يأخذ غيره وإن اتفقا على ذلك لم يكن ذلك لهما , وقولا ثانيا بجواز ذلك لهما مع الجبران , وقولا ثالثا بأن ذلك لا يتم إلا بالاتفاق بينهما , وقولا رابعا ذلك من حق رب المال خاصة دون الساعي لأن رب المال مأذون له في بيع ماله على المصدق وليس المصدق بمأذون له في بيع الصدقة قبل قبضها , لأنه يبيع مضمونا على غيره(1) .
ولا ريب أن ورود الحديث بجواز ذلك قاطع لحبل كل نظر يخالفه فإن ما علل به المنع لا يقاوم الحديث , إذ لا عبرة بالنظر مع ورود الأثر , وقد دل الحديث على أن هذا هو فرضه مع عدم وجود الفرض الأصلي وما هو إلا كإخراج ابن لبون عن ابنة مخاض مع عدمها , والقائلون بمنع هذا لا يخالفون في جواز ذلك .
هذا وقد اعتذر ابن رشد لمالك بأنه لعله لم يبلغه الحديث(2) , وهو اعتذار حسن . وفي حاشية الرهوني أن للمالكية في هذه المسألة ثلاثة أقوال : عدم الإجزاء ؛ وهو المشهور ، وهو قول مالك وابن القاسم وأشهب وأصبغ : والإجزاء مع الكراهة وبدونها وهو مروي عن مالك (3) .
__________
(1) بيان الشرع لمحمد بن ابراهيم الكندي ( 18 / 168 ـ 169 ) نقلا عن زيادات أبي سعيد على إشراف ابن المنذر , وانظر جامع ابن جعفر مع الزيادة المضافة إليه ( 3 / 149 ) .
(2) بداية المجتهد ونهاية المقتصد ( 2 / 515 ) .
(3) حاشية الرهوني ( 2 / 245 ) . (1/80)
صفحة 81
ومن الاختلاف في المسألة ما جاء في مجموع الإمام زيد من الرواية عن علي - كرّم الله وجهه - أنه قال : " إذا لم يجد المصدق السن التي تجب في الإبل أخذ سنا فوقها وزاد عليها شاة أو عشرة دراهم ، وقد أخرج عنه ذلك عبد الرّزاق وابن أبي شيبة ونقل السياغي في شرحه للمجموع عن الجامع الكبير رواية عن علي فيها : " فإن لم تكن في الإبل ابنة مخاض ولا ابن لبون فعشرة دراهم أو شاتان(1) , وهو قول الثوري كما حكاه ابن قدامة(2) .
وجمهور أهل العلم على اعتماد التقدير الذي في حديث أنس في جبران الزيادة أو النقصان ، وممن أخذ به الشيعة الإمامية كما نص عليه العلامة الطوسي منهم(3) .
__________
(1) الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير (2/395) ، وانظر المصنف لعبد الرزاق ( 4 / 39 ) رقم 6901 .
(2) المغني ( 2 / 457 ) .
(3) المبسوط ( 1 / 193 ) . (1/81)
صفحة 82
واختلف في هذا التقدير في الجبران هل هو منه - صلى الله عليه وسلم - أمر تعبدي لا يتفاوت بتفاوت الغلاء والرخص ، ولا يختلف باختلاف الزمان والمكان ، فلا نظر فيه لساع ولا لمخرج لأنه كسائر الفروض المقدرة من الشارع ، ذلك لأنه كما قيل إن الساعي يحصر الأموال على المياه وليس بجانبه حاكم ولا مقوم يتوسط بينه وبين رب المال مع اختلافهما في الفارق بين المدفوع والواجب ، فجعلت قيمة شرعية محدودة من قبل الشارع لاستئصال شأفة النزاع كما حدد العوض في خيار المصراة إن ردها المشتري ، أو أنها خاضعة للنظر والاعتبار بحسب اختلاف الأحوال ، فيرتفع مقدار الفارق تارة وينخفض أخرى لأنه الجاري على سنن قياس الأصول ، إذ حمله على المصراة إحالة على ما خالف القياس ، قيل وإليه أشار البخاري حيث أورد هذا الحديث في باب أخذ العرض ، وذكر قول معاذ لأهل اليمن : ائتوني بعرض ثياب خميس أو لبيس مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة(1) .
__________
(1) الروض النضير ( 2 / 395 – 396 ) ، وانظر صحيح البخاري كتاب الزكاة 33 باب : أخذ العرض في الزكاة . (1/82)
صفحة 83
وإلى الأول ذهبت الشافعية(1) ، وعليه الحنابلة(2) ، وهو قول الظاهرية(3) ، وذهب إلى الرأي الثاني الهادوية(4) ، قال الإمام المهدي : " التخيير بين الشاتين والدراهم يشهد أن القصد الجبر لا التعبد "(5) ، وبناء على هذا القول فإن تعيين الشاتين أو عشرين درهما في ذلك الوقت هو الأنسب بالأسعار المعروفة يومئذ ، فلا يعدو أن يكون من باب الإيالة والنظر في المصالح لا من باب التشريع التعبدي الذي لا مجال فيه للنظر ، وهذا هو معول الإباضية(6) ، والحنفية(7) ، وهذا الذي اختاره الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه القيم فقه الزكاة وحرره بقوله : " والذي يظهر لي أن تعيين النبي - صلى الله عليه وسلم - لبعض هذه التقديرات كان بصفة الإمامة والرئاسة التي له - صلى الله عليه وسلم - على الأمة حينئذ لا بصفة النبوة ، وصفة الإمامة تعتبر ما هو أنفع للجماعة في الوقت والمكان المعين وتأمر به وقد تأمر بغيره لتغير الزمان أو المكان أو الحال أو تغيرها كلها ، بخلاف ما يجيء بصفة النبوة . فهو يأخذ صورة التشريع
__________
(1) الأم ( 2 / 6 – 7 ) ، المجموع ( 5 / 403 – 409 ) ، المنهاج وشرحه زاد المحتاج ( 1 / 432 – 434 ) ، البيان ( 3 / 181 ) .
(2) المغني ( 2 / 457 ) ، الإنصاف ( 3 / 49 ) .
(3) المحلى ( 6 / 5 – 6 ) .
(4) الروض النضير ( 2 / 396 ) ، التاج المذهب ( 2 / 199 ) ، نيل الأوطار ( 4 / 144) .
(5) البحر الزخار ( 2 / 163 ) .
(6) انظر بيان الشرع ( 18 / 168 ) ، نقلا عن أبي سعيد ، وشرح النيل ( 3 / 209 ) ، والذهب الخاص 217 ، ومعارج الآمال ( 15 / 125 ) ، وجامع أبي الحسن ( 2 / 199 ) ، وقواعد الإسلام ( 2 / 11 ) ، وجامع ابن جعفر ( 3 / 149 ) .
(7) بدائع الصنائع ( 2 / 880 ) ، المبسوط ( 2 / 157 ) ، البحر الرائق ( 2 / 220 ) ، حاشية ابن عابدين رد المحتار ( 2 / 32 ) ، حاشية ابن الهمام فتح القدير ( 2 / 188 ) ، عمدة القاري ( 9 / 16 ) . (1/83)
صفحة 84
الملزم لجميع الأمة في جميع الأزمنة والأمكنة ، ويدخل في هذا عندي تحديد الفرق بين كل سن وسن بشاتين أو عشرين درهما مع أن الفرق في مثل هذه الأحوال لا يثبت على قيمة واحدة جامدة ، فإن النسبة بين الإبل والشياه ـ لو ظلت ثابتة ـ فإن تقويم الشاتين بعشرين درهما لا يثبت ، فقد تغلو قيمة الشياه أو تنخفض القوة الشرائية للدراهم ، أو يحدث العكس كما هو معلوم ومشاهد الآن ، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - حين قدر الشاتين بعشرين درهما ، قدرها باعتباره إماما ، حسب سعر الوقت فلا مانع عندنا من تقدير الفرق بغير ذلك تبعا لاختلاف القيم والأسعار ، وبناء على هذا الأساس جاء تقدير الإمام على الفرق بين السنين بشاتين أو عشرة دراهم فهذا يدل على أن الشياه رخصت في عهده وليس في ذلك مخالفة للأمر النبوي(1) .
وما قاله واضح جدا ويؤكده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو أراد بذلك تشريعا تعبديا ملزما لنص على شيء بعينه ولما خير بين شاتين وعشرين درهما ولكنه أراد التنبيه بذلك إلى هذا المعنى ، وليس ذكر الشياه والدراهم دون سائر الأموال من باب التعيين ، بحيث إن العوض لا يمكن إلا أن يكون أحد هذين الصنفين ، وإنما هو لأجل كونهما مالا ميسورا عند أولئك القوم في حال التعامل معهم بشأن الزكاة .
وبناء على لزوم هذين الصنفين على النحو الذي جاء في الحديث وقع الخلاف في أشياء :
أحدها : هل الخيار في ذلك إلى رب المال أو الساعي ؟
قولان :
عند الشافعية صحح الأول(2) ، وهو الذي نص عليه في الأم(3) ، وبهذا جزم صاحب المغني من الحنابلة(4) ، ونسبه المرداوي إلى أكثرهم وصححه وحكى عن القاضي والمجد منهم أن الخيار لمن أعطى سواء كان رب المال أو الآخذ وقيل بتخيير الساعي .
__________
(1) فقه الزكاة ( 1 / 190 ) .
(2) المجموع ( 5 / 405 ) ، البيان ( 3 / 183 ) .
(3) الأم ( 2 / 7 ) .
(4) المغني ( 2 / 457 ) . (1/84)
صفحة 85
ثانيها : الاختيار بين الصعود أو النزول مع فقدان السن الواجبة ، قيل هو إلى المالك يخير بين إخراج الأدنى مع دفع الجبران أو الأعلى مع أخذه ، وهو اختيار صاحب المهذب ، وصححه إمام الحرمين والبغوي والمتولي والرافعي وجمهور الخراسانيين وقطع به الجرجاني من العراقيين في كتابه التحرير ، وصحح أكثر العراقيين أن الخيرة للساعي وهو المنصوص في الأم(1) وإلى الأول ذهب الإمام السالمي واقتصر عليه في معارجه(2) ، وصحح النووي في المنهاج أن الخيار بين الشاتين والدراهم لدافعها ، وفي الصعود والنزول للمالك ، وتابعه عليه الكوهجي في شرحه(3) .
ثالثها : تبعيض الجبران بحيث يكون شاة وعشرة دراهم بدلا من أن يكون شاتين أو عشرين درهما ، اختار جوازه القاضي من الحنابلة ، ويظهر من كلام صاحب المغني الميل إلى منعه لأنه خلاف ما في الحديث ولأنه كتبعيض الكفارة الواحدة(4) . وقد نص على الخلاف فيه المرداوي ونقل عن ابن تميم تقديم المنع وصحح الإجزاء كما اختار القاضي ، قال : " وقال المجد في شرحه هو أقيس بالمذهب ، قال ابن أبي المجد في مصنفه : أجزاه في الأظهر ، وجزم به في الإفادات وصححه في تصحيح المحرر ، وقدمه في الكافي وابن رزين في شرحه ، وأطلقهما في المذهب والتلخيص والمحرر وشرح الهداية له والرعايتين والحاويين والنظم والفروع والفائق والزكاة والقواعد الفقهية(5) .
__________
(1) المجموع ( 5 / 406 ) .
(2) معارج الآمال ( 15 / 125 ) .
(3) زاد المحتاج بشرح المنهاج ( 1 / 433 ) .
(4) المغني ( 5 / 458 ) .
(5) الإنصاف ( 3 / 49 – 50 ) . (1/85)
صفحة 86
ونقل النووي عن الشافعية الاتفاق على عدم جوازه لرب المال إذا توجه عليه الجبران ، أما إن كان دافعه هو الساعي فالخيار في قبوله إلى رب المال ، فإن لم يرض به لم يجبر على قبوله وإن رضي جاز ، ونقله عن إمام الحرمين والمتولي والبغوي وآخرين ، ثم قال : ولا خلاف فيه لأن الحق له في الامتناع من التبعيض فإن رضي به جاز وحمل منع صاحب الحاوي والمحاملي والشيخ أبي محمد الجويني وآخرين منه على ما إذا لم يرض به رب المال(1) ، وقد نص على المنع العمراني في البيان(2) ، وهذا كله إنما في الجبران الواحد ، أما ما كان عليه أكثر من جبران كأن يلزمه جبرانان فله أن يعطي شاتين وعشرين درهما ، ولا خلاف في جوازه بين الشافعية(3) ، وبه جزم ابن قدامة والمرداوي من الحنابلة لأنهما جبرانان فهما كالكفارتين(4) .
رابعها : إن لم يجد السن الواجبة ولا التي تليها نزولا أو صعودا فهل يجوز الانتقال إلى السن الأعلى من ذلك أو الأدنى مع تعدد الجبران ؟ ذهب جماهير أهل العلم إلى جوازه وهو الذي نص عليه الإمام أبو سعيد الكدمي من أئمة المذهب الإباضي في زياداته على إشراف بن المنذر ونقله عنه صاحب بيان الشرع(5) ، وقال به معظم العلماء الذين قالوا بالجبران .
__________
(1) المجموع ( 5 / 409 ) .
(2) البيان ( 3 / 183 ) .
(3) المجموع ( 5 / 409 ) ، البيان ( 3 / 183 ) .
(4) المغني ( 2 / 459 ) ، الإنصاف ( 3 / 183 ) .
(5) بيان الشرع ( 18 / 169 ) . (1/86)
صفحة 87
ولم أجد بين الشافعية فيه خلافا إلا ما حكاه العمراني إذ قال : " وحكى ابن الصباغ أن من الناس من قال لا يجوز واختاره ابن المنذر "(1) ، واختلف في جوازه الحنابلة ، ونسب المرداوي إلى المذهب – أي مذهب الحنابلة – جوازه ، وقال : اختاره القاضي في المجرد ، قال المجد في شرحه : " هو أقيس بالمذهب ، قال ابن أبي المجد : وأومأ إليه الإمام أحمد وقال الناظم : هو الأقوى " وجزم به في الوجيز ، وابن عبدوس في تذكرته ، والمنور وابن رزين في شرحه ومنتخب الآدمي وقدمه في المحرر، والفائق ، والشرح ، ومال إليه المصنف في المغني ، وقال أبو الخطاب لا ينتقل إلا إلى سن تلي الواجب ، واختاره ابن عقيل في النهاية ، وهو المذهب – أي مذهب الحنابلة – وهوظاهر ما جزم به في الخلاصة وقدمه في المستوعب والرعاية الصغرى والحاويين وأطلقهما في المذهب والكافي والتلخيص وابن تميم والرعاية الكبرى "(2) . والمنع من ذلك هو مذهب الظاهرية كما نص عليه ابن حزم(3) .
__________
(1) البيان ( 3 / 183 ) .
(2) الإنصاف ( 3 / 50 ـ 51 ) ، وانظر المغني ( 2 / 458 – 459 ) ، والشرح الكبير ( 2 / 492 – 493 ) .
(3) المحلى ( 6 / 12 – 13 ) . (1/87)
صفحة 88
والقول بالإباحة مبني على القياس ، وبما أن المصير إلى الجبران لرفع الحرج عن صاحب المال عند عدم السن الواجبة عليه فإنه إن وجد السن الأقرب لم يكن له أن يدفع السن الأبعد مع دفع أكثر من جبران ، إذ المصير إلى الجبران إنما هو بمثابة الأمر الذي تقتضيه الضرورة ، والضرورات تقدر بقدرها ، فمن كانت عليه بنت لبون وكان واجدا لبنت مخاض أو لحقة لم يكن له أن يعطي الجذعة ويأخذ جبرانين ، وإنما عليه أن يعطي بنت مخاض ويدفع الجبران أو الحقة ويسترده وهو الذي نصت عليه كتب الحنابلة(1) . وللشافعية في ذلك وجهان : صحح عدم الجواز وبه قطع الفوراني وصاحب العدة والبغوي وآخرون وصححه الباقون ، إلا إن دفع الأعلى واكتفى بجبران واحد ، فذلك جائز وهو خير ، كأن تجب عليه بنت لبون ويجد حقة وجذعة فيؤدي الجذعة مع الاكتفاء بجبران واحد ولكنهم استثنوا من هذا ما إذا كان الذي أداه ليس في الجهة المعدول عنها . ومثال ذلك أن تجب عليه بنت لبون وعنده بنت مخاض وجذعة فيؤدي الجذعة مع أخذه جبرانين ، فقد صححوا في هذا الجواز وبه قطع الصيدلاني ، لأن الجذعة وإن كانت أبعد إلا أنها ليست في الجهة المعدول عنها(2) ، وقد نص الشافعي في الأم على جواز جبرانين وثلاثة(3) .
__________
(1) انظر المراجع السابقة : الإنصاف ، والمغني ، والشرح الكبير .
(2) المجموع ( 5 / 407 – 408 ) ، وانظر المنهاج وشرحه زاد المحتاج ( 1 / 434 ) ، والبيان ( 3 / 183 ) .
(3) الأم ( 2 / 6 ) . (1/88)
صفحة 89
خامسها : إذا لزمته جذعة فأدى ثنية من غير أن يطلب جبرانا كفته وكان ذلك خيرا إلا على مذهب أهل الظاهر ، وإن طلب الجبران فعند الشافعية في ذلك وجهان : الإجزاء لأنها أعلى منها بسنة فهي كالجذعة مع الحقة وهو المنقول عن الشافعي والأصح عند جمهور أصحابه ، وعدمه وهو الذي صححه الغزالي والمتولي والبغوي ، ووجهه أن الجبران على خلاف الدليل ولا يتجاوز به أسنان الزكاة التي ورد فيها الحديث ، ولأن الجذعة تساوي الثنية في القوة والمنفعة فلا يحتمل معها الجبران ، قال النووي : " والمذهب الأول "(1) .
والذي أراه عدم جواز الجبران في ذلك فإن الشارع حدد للزكاة أسنانا معلومة ولم يذكر فيها الثنية فما فوقها ، ومشروعية الجبران إنما هي للتفاوت في القيمة والمنفعة ، وقد يكون للجذعة من القيمة والمنفعة ما لا يقل عما للثنية ، ولو جاز هذا لجاز دفع الفصيل دون بنت المخاض مع الجبران ولا قائل به .
المسألة الخامسة : هل يكفي البعير في زكاة الإبل عن الشاة والشاتين والثلاث والأربع كأن يخرج بنت مخاض أو بنت لبون أو ابن لبون أو حقة أو حقا فيما دون الخمس والعشرين ؟
__________
(1) المجموع ( 5 / 407 ) . (1/89)
صفحة 90
قيل بعدم الإجزاء وهو المروي عن مالك وقال به كثير من فطاحل المالكية منهم ابن العربي(1) ، والباجي(2) ، وهو المنصوص عن أحمد وعليه جمهور أصحابه(3) ، وعليه اقتصر في المغني والشرح الكبير(4) ، وهو مذهب الظاهرية(5) ، وذهبت الشافعية إلى جوازه ، قال النووي هذا مذهبنا وعليه جمهور السلف والخلف(6) ، وهو مقتضى مذهب الحنفية لأنهم يعولون على القيمة في إخراج الزكاة ، وصحح القول بالإجزاء خليل من المالكية في مختصره وعزا شارحه تصحيحه إلى ابن عبد السلام وأنه قول عبد المنعم القروي(7) ، ومثله ما في حاشية الرهوني(8) ، وذكره المرداوي قولا للحنابلة إن كانت قيمته قيمة الشاة الواجبة فأكثر(9) أي قيمة الفريضة الواجبة من الغنم سواء كانت شاة أو أكثر ، وهذا الذي صححه الإمام نورالدين السالمي رحمه الله(10) .
__________
(1) عارضه الأحوذي في شرح صحيح الترمذي لابن العربي المالكي ( 3 / 112 ) – دار الكتب العلمية – لبنان .
(2) المنتقى ( 2 / 127 ) .
(3) الإنصاف ( 3 / 44) .
(4) المغني ( 2 / 444 – 445 ) ، الشرح الكبير ( 2 / 474 – 475 ) .
(5) المحلى ( 6 / 11 ) .
(6) المجموع ( 5 / 395 ) .
(7) منح الجليل ( 2 / 6 ) .
(8) حاشية الرهوني ( 2 / 245 ) .
(9) الإنصاف ( 3 / 44 ) .
(10) معارج الآمال ( 15 / 120 ) . (1/90)
صفحة 91
وأطلق الشافعية جوازه من غير تقييد بالقيد المذكور ، فهو يجزي عندهم سواء كانت قيمته قيمة الفريضة الواجبة أو لا وبه قطع صاحب المهذب ، ونسبه النووي إلى مذهب جمهور الشافعية بل إلى الشافعي نفسه(1) ، ثم قال : " وفيه وجه أنه لا يجزيه البعير الناقص عن قيمة شاة عن خمس من الإبل ولا الناقص عن شاتين عن عشر ، ولا الناقص عن ثلاث شياه عن خمس عشرة أو عن أربع شياه عن عشرين ، قاله القفال وصاحبه الشيخ أبو محمد ، ووجه ثالث إن كانت الإبل مراضا أو قليلة القيمة لعيب ، أجزأ البعير الناقص عن قيمة شاة وإن كانت صحاحا لم يجزه الناقص ، ووجه رابع للخراسانيين في خمس من الإبل حيوان إما بعير وإما شاة ، وفي العشر حيوانان بعيران أو شاتان أو شاة وبعير وفي الخمس عشرة ثلاث حيوانات وفي العشرين أربع شياه أو أربعة أبعرة أو ثلاثة : اثنان من الإبل والباقي من الغنم ... ثم قال : والصحيح ما قدمناه عن الشافعي ... ثم قال : وشرط البعير المخرج أن يكون بنت مخاض فما فوقها بحيث يجزئ عن خمس وعشرين نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب "(2) .
استدل المانعون من ذلك بأن السنَّة نصت على الشاة فلا يجوز تبديلها بغير جنسها ، كما لا يجوز إخراج قيمتها بخلاف ابنتي لبون عن الجذعة لأنهما من الجنس وذلك كنصاب الغنم(3) .
واستدل القائلون بالإجزاء بأن البعير يجزئ عن خمس وعشرين ، فأولى أن يجزئ عما دونها على أن الأصل في الزكاة أن
تخرج من جنس المزكى وإنما عدل عنه رفقا بالمالك ، فإذا تكلفه أجزاه(4) .
__________
(1) المجموع ( 5 / 396 ) .
(2) المرجع السابق .
(3) المغني ( 2 / 445 ) .
(4) المجموع ( 5 / 396 ) ، معارج الآمال ( 15 / 120 ) . (1/91)
صفحة 92
وهذا هو المختار عندي ، وحديث أبي السالف في إخراج الناقة الكوماء عن بنت مخاض دليل على صحته ، وذلك لأن المزكى من جنس الإبل فيجزى في أقلها ما يجزي في أكثرها ، وليس ذلك كإخراج البعير عن الشاة في زكاة الغنم ، ولكن لا بد من مراعاة القيمة بحيث لا يكون أقل قيمة من الفريضة الواجبة لئلا يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير .
واختلف المجوزون لذلك هل يكون المخرج في هذه الحالة كله فرضا ، أو يقع مقدار نسبة الواجب منه فرضا وما عداه تطوعا ؟ فإن كان عن خمس فالفرض خمسه وسائره تطوع ، قولان(1) ، أصحهما أن الفرض لا يتجزأ ولكن يضاعف أجره بقدر ما يكون فيه من زيادة .
__________
(1) المجموع المرجع السابق . (1/92)
صفحة 93
المسألة السادسة : نص حديث أنس - رضي الله عنه -في الصدقات على أنها إن زادت الإبل على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة ، وقد علمتم أن زيادة الواحدة على عشرين ومائة تجعل لها هذا الحكم عند من أخذ بهذه الرواية وهم جمهور أهل العلم ، واختلف في زيادة جزء منها وذلك بأن يملك مائة وعشرين ويشارك في واحدة بملك بعضها كأن يملك نصفها أو ثلثها أو ربعها أو خمسها ، فأكثر العلماء أن زيادة الجزء لا تعد شيئا حتى أن ابن قدامة قال : " إن زادت على مائة وعشرين جزءا من بعير لم يتغير الفرض عند أحد من الناس ، لأن في بعض الروايات : " فإن زادت واحدة " ، وهذا يقيد مطلق الزيادة في الرواية الأخرى ولأن سائر الفروض لا تتغير بزيادة جزء "(1) . وذكر كل من صاحب المهذب والنووي في ذلك وجهين للشافعية : أحدهما للجمهور وهو عدم تأثير هذه الزيادة فلا تنقل الفرض من حقتين إلى ثلاث بنات لبون ، ثانيهما للاصطخري وهو التأثير والنقل ، واحتج بقوله في رواية أنس والصحيح من رواية ابن عمر " فإن زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون " ، والزيادة تقع على البعير وعلى بعضه ، واحتج الجمهور بقوله في رواية ابن عمر " فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة " ولكنها غير متصلة الإسناد وإنما الحجة لهم أن المفهوم من الزيادة زيادة بعير كامل لأنه وقص محدود في الشرع لا يتغير الفرض بعده بأقل من واحد كسائر الأوقاص "(2) .
__________
(1) المغني ( 2 / 452 – 453 ) .
(2) المجموع ( 5 / 382 – 390 ) . (1/93)
صفحة 94
المسألة السابعة : دل حديث : " فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة ، وفي كل أربعين ابنة لبون " كما في رواية ابن عمر عند أحمد وأبي داود والترمذي ، ومثله " فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون ، وفي كل خمسين حقة " في حديث أنس المشهور ، على الحكم في الإبل عندما تكثر فوق الفرائض الأول المحددة ، وهو أن تزكى بأحد هذين السنين ، وقد يتعين أن يكون الأداء بأحدهما كما إذا كانت مائة وخمسين فلا تكون زكاتها إلا بجنس الحقاق لتعذر فرض بنت لبون في حسابها ، ومثله إن كانت مائة وستين لعدم إمكان الاعتداد بحساب الخمسين التي تجب فيها الحقة بينها ، فلا بد من إخراج أربع بنات لبون منها ، وقد يجتمعان معا كما إذا كانت مائة وثلاثين ففيها حقة عن الخمسين وبنتا لبون عن الثمانين ، أو مائة وأربعين ففيها حقتان عن المائة ، وبنت لبون عن الأربعين ، وقد يقتضي الأمر التخيير في إخراج أحد الصنفين لانقسام الإبل على حسابهما جميعا ، كما إذا بلغت مائتين بحيث يمكن أن يجعل الفريضة حقاقا بتوزيعها أرباعا ، أو بنات لبون بتوزيعها أخماسا ، وكذلك إن كانت أربعمائة أو ستمائة أو ثمانمائة أو ألفا ، ومقتضى الحديث في هذه الحالة التخيير في إخراج هذا الصنف أو ذاك لا فارق بينهما ، وهو الذي نص عليه المحقق الخليلي ـ رحمه الله ـ من أئمة الإباضية حيث قال : " ورابعها ما تعارض فيه النوعان بالسواء كالمائتين لأنها تنقسم إلى خمس أربعينيات أو أربع خمسينيات ، وهنا يقع التخيير بين أربع حقاق أو خمس بنات لبون ، كذا في أربعمائة يصح أن تقسم إلى عشر أربعينيات أو ثماني خمسينيات فيكون التخيير ما بين عشر من بنات لبون أو ثمان حقاق وما زاد فبالقياس(1) . ومثله في مدونة أبي غانم الكبرى(2) وهي من مراجع المذهب منذ القرن الثاني الهجري ، ونصت على ذلك كتب الحنابلة كالمغني
__________
(1) شرح لطائف الحكم 44 .
(2) المدونة الكبرى لأبي غانم الخراساني ( 1 / 249 ) . (1/94)
صفحة 95
والشرح الكبير والإنصاف(1) . وحمل صاحبا المغني والشرح قول أحمد " أن عليه أربع حقاق " أنه على سبيل التخيير , وحكى المرداوي في الإنصاف عن بعض الحنابلة الأخذ على ظاهر المنصوص عن أحمد ، واستثنى القائلون بالتخيير منهم ـ وهم الأكثر ـ ما إذا كان المال مال يتيم فإن على القائم عليه أن يخرج الأدنى(2) .
وذهب الشافعي في الأم إلى وجوب مراعاة مصلحة الفقراء في ذلك حيث قال : " فإذا بلغتها - أي مائتين ـ فعلى المصدق أن يسأل : فإن كانت أربع حقاق منها خيرا من خمس بنات لبون أخذها ، وإن كانت خمس بنات لبون خيرا أخذها ، ولا يحل له غير ذلك ، ولا أرى يحل لرب المال غيره ، فإن أخذ من رب المال الصنف الأدنى كان حقا عليه أن يخرج فضل ما بين ما أخذ منه وترك له فيعطيه أهل السهمان قال الشافعي : ثم هكذا كل ما اجتمع فيه الفرض في أربعمائة وغيرها ، أخذ المصدق الأفضل لأهل السهمان ، وأعطى ذلك رب المال فإن ترك له أخرج له رب المال فضله ، قال الشافعي : وإن استوت قيم أربع حقاق وخمس بنات لبون كان للمصدق أن يأخذ من أي الصنفين شاء ، لأنه ليس هناك فضل يدعه رب المال ، قال الشافعي : وإن وجد المصدق أحد الصنفين ولم يجد الآخر أخذ الصنف الذي وجد ولم يأخذ الآخر ، كأن وجد أربع حقاق ولم يجد خمس بنات لبون فيأخذ الحقاق ، فإن وجد خمس بنات لبون ولم يجد الحقاق فيأخذ بنات اللبون لأنه ليس هناك فرض ولا فضل يدعه . قال الشافعي : وإن كانت الإبل مائتين فوجد أربع بنات لبون وأربع حقاق ، فرأى أربع بنات لبون يقاربن الحقاق ، ولم يشك في أنه لو كانت معهن واحدة منهن في أنها أفضل من الحقاق ، لم يكن له أن يأخذ إلا الحقاق ، ولم يكن له أن يكلفه ما ليس في إبله وهو يجد فريضته في إبله ، قال : ولو كانت بنات لبون ـ كما وصفت ـ وهناك حق فأراد أخذها وحقا ، أو
__________
(1) المغني ( 2 / 453 ) ، الشرح الكبير ( 2 / 484 ) ، الإنصاف ( 3 / 48 ) .
(2) المراجع السابقة . (1/95)
صفحة 96
أخذها وبنت مخاض لأنها دون بنت لبون ، وكان مع بنات اللبون خيرا للمساكين لم يكن له ذلك ، لأنه حينئذ يصير إلى فراق الفريضة قال ولو كانت الحقاق مراضا أو ذوات نقص وعيب لم يكن له أن يأخذ إلا بنات لبون إذا كانت صحاحا(1) . وكلامه يدور على مراعاة ترجيح مصلحة جانب الزكاة من غير أن يكلف مؤديها ما ليس في يده .
هذا وقد نقل عنه أصحابه قولين في هذا : التخيير بين بنات اللبون والحقاق وهو الجديد ، وعليه فهو يتفق في ذلك مع مذهب أكثر الحنابلة ، وهو الذي اقتصر عليه أبو غانم الخراساني والمحقق الخليلي من علمائنا كما سبق . ثانيهما : تجب الحقاق وهو القديم ، لأنه إذا أمكن التغيير بالسن لم يكن بالعدد(2) .
وللشافعية في هذه المسألة خلاف عريض الحاشية ، منهم من قطع بالرأي الجديد وتأول القديم على أن الحقاق أنفع للمساكين ، لا أنها تجب مطلقا ، ومنهم من صحح أن الفرض أحدهما وهو ظاهر المذهب الجديد عندهم ، ومنهم من قال إن الفرض الحقاق فإن لم تكن صعد إلى الجذاع ، أو نزل إلى بنات لبون مع الجبران وهو من الضعف بمكان ، ولذلك لم يذكره صاحب المهذب .
وبناء على أن الواجب أحدهما ففي ذلك خمسة أحوال ، ذكرها الرافعي والنووي وهذا ملخص كلامهما :
الحال الأول : أن يوجد في المال القدر الواجب من أحد الصنفين دون الآخر سواء كان أيهما أنفع للمساكين ، وقد نقل الماوردي الاتفاق في هذه الحالة على أنه لا يجوز الصعود ولا النزول مع الجبران ، سواء عدم كل الصنف الآخر أو بعضه .
__________
(1) الأم ( 2 / 6 ) .
(2) المجموع ( 5 / 410 – 411 ) . (1/96)
صفحة 97
الحال الثاني : أن ينعدم الصنفان كلاهما ، أو يعابا بما لا يجزي في الزكاة ، فلرب المال أن يشتري ما شاء منهما من غير التفات إلى ما هو أنفع منهما للمساكين ، وعليه الجمهور ، وفيه وجه حكاه إمام الحرمين وغيره أنه يتعين شراء الأجود للمساكين ، كما سبق عن الخراسانيين أنه يتعين شراء بنت مخاض إن لم توجد هي ولا ابن لبون في ماله ، ويمكن الانتقال في هذه الحالة إلى بنات المخاض والجذاع مع الجبران ، على أن يكون النزول إلى بنات المخاض من بنات اللبون ، أو الصعود إلى الجذاع من الحقاق دون العكس ، لئلا يلزم جبرانان إلا أن الشيخ أبا محمد الجويني وصاحب الشامل وغيرهما حكوا وجها بالجواز ، كما لو لزمته بنت مخاض فلم يجد إلا حقة فدفعها وطلب جبرانين أو العكس ، قال أبو محمد : " والفرق على المذهب أن في صورتي الاستشهاد لا يتخطى واجب ماله ، وفي ما نحن فيه يتخطى ، وجوزوا مع عدم الفرضين وما يصعد إليه وما ينزل إليه أن يشتري ما شاء ، سواء كان أحد الفرضين أو الأعلى منهما أو الأسفل مع الجبران ، وشراء الفرض أفضل .
الحال الثالث : أن يوجد الصنفان من غير نفاسة ، فالمذهب أنه يجب الأغبط للمساكين وهو المنصوص للشافعي ، وبه قال جمهور المتقدمين من الشافعية ، وقال ابن سريج : المالك بالخيار لكن يستحب له إخراج الأغبط للمساكين ، إلا أن يكون ولي محجور عليه ، فيراعى حظه ، وعلى القول بالمذهب فإن أخذ الساعي غير الأغبط ففيه ستة أوجه :
أولها : وهو أصحها وبه قطع صاحب المهذب وكثيرون وصححه الباقون ، أنه إن كان بتقصير من المالك وذلك بأن يخفي الأغبط أو من الساعي بان علم أنه غير الأغبط أو ظنه بغير اجتهاد وتأمل أو بهما ، لم يقع المأخوذ عن الزكاة وإن لم يقصر واحد منهما وقع عنها .
ثانيها : إن كان المأخوذ باقيا في يد الساعي لم يقع عن الزكاة ، وإن لم يقصدا وإلا وقع عنها ، قاله علي بن خيران وقطع به البغوي . (1/97)
صفحة 98
ثالثها : إن فرقه على المستحقين من أهل الزكاة وظهر الحال حسب عن الزكاة بكل حال وإلا فلا .
رابعها : إن دفعه المالك مع علمه بأنه الأدنى لم يجزه ، وإن كان جاهلا أجزاه ولا نظر إلى الساعي .
خامسها : لا يجزيه بكل حال .
سادسها : يجزيه بكل حال ، حكاه القاضي أبو الطيب والماوردي وابن الصباغ وآخرون ، وحيث قيل لا يقع عن الزكاة لزمه إخراجها مرة أخرى , وعلى الساعي رد ما أخذه إن كان باقيا , وقيمته إن كان تالفا , وحيث قيل يقع عنها يؤمر بإخراج قدر التفاوت , وهل هو مستحب أو واجب ؟ فيه قولان مشهوران ذكرهما صاحب المهذب وغيره .
وتوجيه الاستحباب القياس بما إذا أدى اجتهاد الإمام إلى أخذ القيمة عن الزكاة فأخذها لم يجب شيء آخر ، وأصحهما الوجوب عند علماء الشافعية ، قال صاحب المهذب وغيره : وهو ظاهر النص لأنه لم يدفع الفرض بكامله فوجب جبر نقصه ، قال المتولي وغيره : إذا قيل يقع عن الزكاة وكان باقيا يستحب استرداده ودفع الأغبط للخروج من الخلاف وللرفق بالمساكين ، ويعرف التفاوت عندهم بالنظر إلى القيمة ، فإذا كانت قيمة الحقاق أربعمائة وقيمة بنات اللبون أربعمائة وخمسين وجب خمسون ، وإذا كانت أربعمائة وعشرة وجب عشرة ، فإن كان التفاوت يسيرا لا يحصل به شقص من ناقة دفع دراهم للضرورة . (1/98)
صفحة 99
هكذا قال صاحب المهذب وغيره ، إلا صاحب التقريب فإنه أشار إلى توقفه فيه وقد عدوه شاذا باطلا ، وإن حصل به شقص فوجهان مشهوران حكاه صاحب المهذب وغيره ، أحدهما وجوب شرائه لإمكان الوصول إلى جزء من الفرض ولا تجزي فيه القيمة ، وأصحهما عدم الوجوب بل يجوز دفع الدراهم بنفسها ، وقد اتفقوا على تصحيحه ، وممن صرح به صاحب الشامل والمستظهري والرافعي وآخرون ، ووجهوه بأنه يتعذر في العادة أو يشق ولأنه يعدل إلى غير الجنس الواجب في الزكاة للضرورة ، كمن وجبت عليه شاة في خمس من الإبل ففقد الشاة ولم يمكنه تحصيلها ، فإنه يخرج قيمتها دراهم ويجزئه ، وكذا إن لزمته بنت مخاض فلم يجدها ولا ابن لبون لا في ماله ولا بالثمن فإنه يعدل إلى القيمة . وإذا جوزت الدراهم فأخرج شقصا جاز باتفاقهم ، قال إمام الحرمين : " وفيه أدنى نظر لما فيه من العسر على المساكين " .
وإذا أوجب شراء شقص ففيه أربعة أوجه ، أصحها أن يشتريه من جنس الأغبط لأنه الأصل . ثانيها يجب من جنس المخرج لئلا يتبعض المخرج . ثالثها يتخير بينهما ، واختاره إمام الحرمين . رابعها يجب شقص من بعير أو شاة ولا تجزي بقرة لأنها لا تدخل في زكاة الإبل وبهذا قطع صاحب الحاوي .
وحيث قيل يخرج شقصا وجب تسليمه إلى الساعي إن أوجب صرف الأموال الظاهرة إلى الإمام أو الساعي ، وإن أخرج الدراهم ، وقيل بوجوب تسليم الظاهرة إلى الإمام أو الساعي فهنا وجهان حكاهما البغوي وآخرون ، أصحهما يجب صرفها إلى الساعي لأنه جبران المال الظاهر ، والثاني يجوز للمالك أن يصرفها بنفسه على الأصناف ، لأن الدراهم من الأموال الباطنة ، هذا كله على القول بوجوب دفع التفاوت وعلى استحبابه فله أن يفرقه كيف شاء ، ولا يتعين أن يكون الجبران بالدراهم بل يجوز بمطلق نقد البلد . (1/99)
صفحة 100
الحال الرابع : أن يوجد بعض كل واحد من الصنفين ، كأن يجد ثلاث حقاق وأربع بنات لبون ، فهو بالخيار بين أن يجعل الحقاق أصلا فيدفعها مع بنت لبون وجبران ، وبين أن يجعل بنات اللبون أصلا فيدفعها مع حقة ويأخذ جبرانا وجوز البغوي دفع بنات اللبون مع بنت مخاض وجبران ، وكذا الحقاق مع الجذعة وأخذه جبرانا ، وهل يجوز أن يدفع حقة مع ثلاث بنات لبون وثلاث جبرانات ؟ وجهان مشهوران ؛ أصحهما الجواز ، صححه إمام الحرمين والغزالي ، حتى قال إمام الحرمين : الوجه القائل بالمنع مزيف لا أصل له ، ووجه الجواز أن الشرع أقام بنت اللبون مع الجبران مقام الحقة ، ووجه عكسه أنه لا يصار إلى الجبران إذا أمكن الاستغناء عنه ، وهو الذي صححه البندنيجي ، ولو لم يجد إلا بنات لبون وحقة فدفع الحقة مع ثلاث بنات لبون ففيها الوجهان ويجريان في نظائرهما والأصح في الجميع الجواز .
الحال الخامس : أن يوجد بعض أحد الصنفين ولا يوجد من الآخر شيء بأن لم يجد إلا حقتين ، فله إخراجهما مع جذعتين ويأخذ جبرانين ، وله أن يجعل بنات اللبون أصلا فيخرج خمس بنات مخاض مع خمس جبرانات ، ولو لم يجد إلا ثلاث بنات لبون فله إخراجهن مع بنتي مخاض وجبرانين ، وله أن يجعل الحقاق أصلا فيخرج أربع جذعات ويأخذ أربع جبرانات ، هكذا ذكر البغوي الصورتين ، ولم يذكر فيهما خلافا ، قال الرافعي : " وينبغي أن يكون فيهما الوجهان السابقان في الحال الرابع ، قال ولعله فرعه على الأصح والله أعلم "(1) انتهى ملخصا .
__________
(1) فتح العزيز شرح الوجيز للرافعي ( 5 / 351 – 355 ) ، المجموع شرح المهذب للنووي ( 5 / 410 – 414 ) (1/100)
صفحة 101
وقد حرصت على استجماع ما في كلاهما من الفوائد ، مع أني أرى رأي من يخير بين إخراج خمس بنات لبون أو إخراج أربع حقاق ، فيما إذا انقسم الحساب على الصنفين كالمائتين ، كما هو ظاهر حديثي أنس وابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ وما ذكره الشافعي وأصحابه وإن كان مما يدخل في باب الاحتياط ـ وهو باب واسع ـ إلا أنه يفتقر إلى الدليل الشرعي ، حتى يمكن أن يرتقي إلى درجة الوجوب ولم أجد عليه دليلا قط ، بل الدليل قائم على عكسه كما ذكرنا ، ولئن كان حديثا الصحابيين الجليلين يدلان بظاهرهما على التخيير ، فإن رواية سالم بن عبدالله المرسلة عند أبي داود هي نص صريح في ذلك ، فقد جاء فيها : " فإذا كانت مائتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون أي السِّنين وجدت أخذت " ، وهي وإن كانت مرسلة – إذ لم يصرح سالم هنا بتلقي هذه الرواية عن والده – فإنها تقوى بكونه قرأها من كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال النووي(1) وهو قد كان محفوظا مصونا من أيدي العابثين ، وكان في أيدي آل الخطاب على أن الزكاة كغيرها من العبادات شرعت سهلة ميسرة : (2) ، فما كان ينبغي لأحد أن يتشدد فيما لم يتشدد فيه الشارع الحكيم ، لهذا كله أرى التعويل على الرأي الآخر وهو رأي لبعض الشافعية كما ذكره النووي في المجموع وحكاه العمراني عن أبي العباس ، وذلك أنه جعل الخيار لرب المال فيعطي أي الفرضين شاء إلا أن يكون ناظرا ليتيم فلا يجوز أن يعطى إلا أدونهما ، قال : وحمل النص عليه إذا خير رب المال الساعي(3) .
ولا غرو في تخيير الشارع بين أمرين أحدهما أيسر من الآخر ، تبرأ بكل واحد منهما الذمة ، كما خير في كفارة اليمين بين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة .
__________
(1) المجموع ( 5 / 415 ) .
(2) سورة البقرة الآية 185
(3) البيان ( 3 / 185 ) . (1/101)
صفحة 102
والمتشددون من الشافعية أجازوا إن كانت أربعمائة أن تؤخذ أربع حقاق من مائتين وخمس بنات لبون من المائتين الأخرى ، لأن كل مائتين مستقلة كما إذا لزمته كفارتان فله أن يطعم في إحداهما ويكسو في الأخرى ، وقال الاسطخري لا يجوز ، وتمسك بنصه في المختصر ولا يفرق الفريضة(1) .
وقد أشكل رأيهم هذا من حيث إنهم قالوا أن الساعي يأخذ الأغبط ، ويلزم من ذلك أن يكون أغبط الصنفين هو المخرج فكيف يخرج البعض من هذا والبعض من ذلك ، وقد أجاب ابن الصباغ عن هذا بأن ابن سريج لا يلزمه هذا إذ الخيار عنده لرب المال ، وأما على قول الشافعي فيجوز أن يكون لهم حظ ومصلحة في اجتماع النوعين ، قال الرافعي : " وهذا يفيد معرفة شيء آخر وهو أن جهة الغبطة غير منحصرة في زيادة القيمة ، لكن إذا كان التفاوت لا من جهة القيمة يتعذر إخراج الفضل وقدر التفاوت وقد أجاب النووي على اعتراضه على ابن الصباغ بأن التفاوت في أغلب الأحوال يكون في القيمة وقد يكون في غير القيمة "(2) ، وليس في هذا ما يدفع الإشكال ، وما كان أغناهم عن هذا كله لو أخذوا بظاهر الحديث وتركوا التكلف .
المبحث الثاني
نصاب البقر وما يجب من الزكاة فيها
__________
(1) فتح العزيز ( 5 / 356 – 357 ) ، وانظر المجموع ( 5 / 414 ) .
(2) انظر المرجعين السابقين . (1/102)
صفحة 103
إن من نعم الله على عباده أن سخر لهم هذه الأنعام ، وجعل لهم فيها منافع شتى ، ولئن كانت الإبل فيها من المنافع ما جعلها يضرب المثل بنفاستها ، ويتنافس أهل الثراء في اقتناء خيارها إذ كانت من أعز ما يملكه العرب ، فلحومها وألبانها غذاء ، وفي جلودها شتى المنافع وهي تحمل أثقالهم إلى بلد لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ، وتستخدم في سقي الجنان والزروع ، فإن البقر تليها في المنفعة ، فإن لحومها وألبانها غذاء طيب به قوام الأبدان ، كما أن شحومها وأسمانها غذاء ودهن ، مع ما تقوم به من أعمال الحرث والري بإثارتها الأرض واستخراجها الماء من أعماق الآبار ، وفي جلودها وعظامها وقرونها وأظلافها منافع شتى وهي كالإبل في أحكام الهدي والأضاحي ، لذلك شرعت الزكاة فيها كما شرعت في الإبل لتعميم منفعتها على أولي الفقر والمسغبة ، إذ هي من جنس المال الذي يشترك أصناف الناس في الافتقار إليه ، وهي مما تشح به النفوس وتتطلع إليه رغباتها ، ففي تزكينها تطهير للنفوس من رجس الأثرة والشح ، وتوسيع لدائرة منافعها لئلا تكون محصورة بأيدي طائفة من الناس ينعمون بها ، وجمهورهم يسيل لعابهم إلى خيراتها مع مكابدتهم غصة الفاقة وعنت الحرمان ، وقد نص الحديث على وجوب تزكيتها – ففي حديث أبي هريرة في وعيد مانع الزكاة أنه قيل : يا رسول الله فالبقر والغنم ؟ قال : ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئا ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما مر عليه أولاها رد عليه آخرها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة(1) ، وقد انعقد الإجماع على وجوب الزكاة فيها كسائر الأنعام .
ولئن كانت الزكاة حقا واجبا فيها فإنها لا بد لها من نصاب شرعي يناط وجوب الزكاة ببلوغه كسائر الأموال الزكوية وهذا من لطف الله تعالى بعباده .
__________
(1) رواه مسلم في كتاب الزكاة – باب : إثم مانع الزكاة . (1/103)
صفحة 104
ولئن كان الحديث جاء صريحا في تحديد نصاب الإبل والغنم ، ولذلك انعقد الإجماع على مقداره من غير نكير ؛ فإن نصاب البقر ظل مكتنفا بغموض لعدم ثبوت النص الصريح عليه ، وهو كما قال الدكتور القرضاوي : " ربما كان ذلك راجعا إلى قلة البقر في أرض الحجاز وما حولها في ذلك العصر فلم يبين الرسول حكمها في كتبه المشهورة في الصدقات كما بين غيرها ، وربما يكون تركها اعتمادا على ما بينه في شأن الإبل وهما في حكم الشرع متماثلان "(1) من أجل هذا نرى الأمة مختلفة في نصاب البقر وفي الفروض الواجبة فيها اختلافا كثيرا ، وإليك ما اطلعنا عليه من أقوالهم :
القول الأول : إن نصابها ثلاثون بقرة وليس فيما دونها زكاة ، فإن بلغت ثلاثين ففيها تبيع جذع - وهو ما له عام ـ ثم لا شيء فوق ذلك حتى تبلغ أربعين ، فإذا بلغتها ففيها مسنة - وهي التي لها عامان - ، وهكذا يكون الحساب في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة ، وعليه فإن زادت على الأربعين فلا شيء في الزيادة حتى تبلغ ستين ، فإن بلغتها ففيها تبيعان ، فإن زادت فلا شيء حتى تبلغ سبعين ، فإن بلغتها ففيها مسنة وتبيع ، فإن زادت فلا شيء حتى تبلغ ثمانين ، فإن بلغتها ففيها مسنتان ، فإن زادت فلا شيء حتى تبلغ تسعين ، فإن بلغتها ففيها ثلاثة أتبعة ، فإن زادت فلا شيء حتى تبلغ مائة ، فإن بلغتها ففيها مسنة وتبيعان ، فإن زادت فلا شيء حتى تبلغ مائة وعشرة ، فإن بلغتها ففيها مسنتان وتبيع ، فإن زادت فلا شيء حتى تبلغ مائة وعشرين ، فإن بلغتها ففيها ثلاث مسنات أو أربعة أتبعة ، وهل في ذلك تخيير أو لا ؟
__________
(1) فقه الزكاة ( 1 / 193) . (1/104)
صفحة 105
فعند الشافعية يتفرع هنا من الأحكام ما في الإبل إن كانت مائتين على نحو ما سبق شرحه من الخلاف والوفاق (1) وكذلك الحنابلة لهم هنا ما تقدم في الإبل ففي الإنصاف ما نصه : " نص الإمام أحمد هنا على التخيير وقدمه في الرعاية وقاله في مختصر ابن تميم وتجريد العناية ، فإن اجتمع مائة وعشرون فهل يتعين فيها ثلاث مسنات أو يخير بينها وبين أربعة أتبعة ؟ وجهان . وقال القاضي في أحكامه يأخذ العامل الأفضل ، وقيل المسنات "(2) ، وهذا قول أكثر أهل العلم منهم الشعبي والنخعي والحسن ومالك والليث والثوري وابن الماجشون والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وأبو ثور(3) ، ورواه الإمام زيد في مجموعه عن أبيه عن جده عن علي – كرم الله وجهه -(4) ، وقد رواه عنه ابن أبي شيبة أيضا كما رواه بأسانيده عن أبي سعيد الخدري ومكحول وسليمان بن موسى وبه أخذت الزيدية(5) والإمامية كما نص عليه الطوسي والميلاني(6) ، غير أن الكركي منهم نص في جامع المقاصد على أن النصاب اثنتان وثلاثون من البقر وفيها تبيع ، وفي الأربعين مسنة(7) ، ولعله قول ثان لهم .
__________
(1) المجموع ( 5 / 414 ) ، البيان ( 3 / 189 ) .
(2) الإنصاف ( 3 / 53 ) .
(3) المغني ( 3 / 467 – 468 ) ، ومثله في بيان الشرع ( 18 / 121 ) نقلا عن إشراف ابن المنذر .
(4) الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير ( 2 / 396 ) ، وانظر المصنف لابن أبي شيبة ( 2 / 363 – 364 ) .
(5) الروض النضير ( 2 / 397 – 398 ) ، شرح الأزهار ( 1 / 484 ) ، التاج المذهب لأحكام المذهب ( 1 / 196 ) ، البحر الزخار ( 2 / 164 ) .
(6) المبسوط ( 1 / 197 ) ، محاضرات في فقه الإمامية كتاب الزكاة ( ق 1 / 171 – 172 ) .
(7) جامع المقاصد ( 3 / 15 ) . (1/105)
صفحة 106
هذا وقد عزا الإمام أبو غانم بشر بن غانم الخراساني ـ وهو من أئمة الإباضية في النصف الأخير من القرن الثاني الهجري ـ رأي الجمهور هذا إلى أسلاف علماء المذهب ، فقد حكاه عن الربيع وابن عبد العزيز ، ثم قال وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا وعول عليه أبو غانم بنفسه(1) ، وتابعه على نقل ذلك عن السلف صاحب الإيضاح(2) وكذلك الإمام الثميني في النيل وأقره شارحه(3) .
هذا وقد بالغ ابن عبد البر عندما قال بأنه لا خلاف فيه بين العلماء ، وأنه النصاب المجتمع عليه في البقر(4) ، فإن الخلاف في ذلك مشهور كما سيأتي بيانه إن شاء الله ، ومثله قول الكاساني بعد ذكره ، وهذا مما لا خلاف فيه بين الأمة(5) .
هذا وقد وافق أبو حنيفة الجمهور في تحديد نصاب البقر بالثلاثين وأن فيها تبيعا وأنه لا شيء فيما زاد على ذلك حتى تبلغ أربعين ، ووافقهم فيما بين الأربعين والستين أيضا في رواية أسد بن عمرو عنه ، وهو قول أبي يوسف ومحمد(6) ، وذكر كل من ابن نجيم والكاساني أنها أعدل الروايات(7) ، وعليها الفتوى عندهم فإنها رأي صاحبيه ، وقال ابن نجيم : وفي جامع الفقه قولهما هو المختار ، وذكر الاسبيجابي أن الفتوى على قولهما كما ذكره العلامة قاسم في تصحيحه على القدوري(8) .
__________
(1) المدونة الكبرى لأبي غانم ( 1 / 250) .
(2) الإيضاح ( 2 / 102 – 103 ) .
(3) شرح النيل ( 3 / 215 ) .
(4) الاستذكار ( 9 / 157 ) .
(5) بدائع الصنائع ( 2 / 866 ) .
(6) المبسوط ( 2 / 187 ) ، بدائع الصنائع ( 2 / 867 ) ، البحر الرائق ( 2 / 215 ) ، شرح فتح القدير ( 2 / 180 ) ، الاختيار لتعليل المختار ( 1 / 107 ) .
(7) البحر الرائق ، وبدائع الصنائع ؛ مرجعان سابقان .
(8) البحر الرائق ؛ مرجع سابق . (1/106)
صفحة 107
القول الثاني : وهو المروي عن أبي حنيفة أن ما زاد على الأربعين ففي الزيادة بحساب ذلك ، كما في كتاب الزكاة ، ولم يفسر هذا الكلام ، وذكر في كتاب أبي حنيفة اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى أنه إن كانت إحدى وأربعون بقرة قال أبو حنيفة : عليه مسنة وربع عشر مسنة أو ثلث عشر تبيع ، وهذا يدل على أنهم لا نصاب عندهم في الزيادة على الأربعين وأنه تجب فيها الزكاة قلت أو كثرت بحساب ذلك(1) وهو المنصوص عليه في المختصر وقد رواه عنه أبو يوسف(2) ، وهذ القول نقله أبو غانم الخراساني عن الإمام ابن عباد من علماء المذهب عندنا في القرن الثاني الهجري إذ قال عنه فيمن ملك إحدى وأربعين بقرة كان ابن عباد يقول إذا حال عليها الحول ففيها مسنة وربع عشر مسنة ، وما زاد فبحساب ذلك حتى تبلغ ستين بقرة(3) ، وتابعه على هذا النقل صاحبا الإيضاح والنيل وأقر ذلك شارح النيل(4) .
القول الثالث : عن أبي حنيفة أيضا في رواية الحسن عنه أنه لا شيء في الزيادة حتى تبلغ خمسين ، فإذا بلغتها ففيها مسنة أو ثلث تبيع(5) .
__________
(1) بدائع الصنائع ؛ مرجع سابق ، المبسوط ( 2 / 187 ) .
(2) البحر الرائق ( 2 / 215 ) ، وانظر في حاشية ابن عابدين رد المحتار على الدر المختار ( 2 / 118 ) ، والهداية ، وحاشية ابن الهمام ( 2 / 187 ) .
(3) المدونة الكبرى ( 1 / 250 ) .
(4) الإيضاح ( 2 / 102 – 103 ) ، شرح النيل ( 3 / 215 ) .
(5) المبسوط ( 2 / 187 ) ، بدائع الصنائع ( 2 / 867 ) ، البحر الرائق ( 2 / 215 ) ، حاشية ابن الهمام ( 2 / 179 – 180 ) ، الاختيار لتعليل المختار ( 1 / 107 ) . (1/107)
صفحة 108
القول الرابع : أن النصاب خمسون في البقر وهو رأي ابن جرير الطبري ، فقد نقل عنه الحافظ ابن حجر في التلخيص قوله : " صح الإجماع المتيقن المقطوع به الذي لا اختلاف فيه أن في كل خمسين بقرة بقرة ، ووجب الأخذ بهذا وما دون ذلك فمختلف فيه ولا نص في إيجابه "(1) ، ونسب ابن حزم ذلك إلى عمل ابن الزبير وطلحة بن عبد الله بن عوف ، وعده مذهبا لهما وعول عليه هو بنفسه ، محتجا له بمثل احتجاج ابن جرير الطبري(2) .
القول الخامس : ذكره ابن رشد ولم يعزه إلى أحد وعزاه ابن أبي شيبة إلى شهر بن حوشب وهو أنه في كل عشر شاة إلى أن تصل
ثلاثين ففيها تبيع(3) .
القول السادس : أن في كل خمس شاة إلى خمس وعشرين فبقرة إلى خمس وسبعين فبقرتان ، فإذا جاوزت ففي كل أربعين بقرة وهو قول سعيد بن المسيب(4) ، ورواه ابن حزم عن الزهري وأبي قلابة(5) .
القول السابع : أن في كل خمس شاة إلى أن تصل ثلاثين ففيها تبيع ، حكاه المحقق الخليلي عن أبي قلابة ، ثم قال وروي عنه موافقة ابن المسيب(6) .
القول الثامن : وهو كالقول الأول إلا أنه اختلف عنه بأن ما زاد على الثلاثين إلى الأربعين أو على الأربعين إلى الستين فبحسابه، نسبه ابن حزم إلى إبراهيم النخعي وحماد ومكحول(7) .
القول التاسع : أن نصاب البقر من اثنتين وثلاثين ففيها تبيع ، وما زاد عليها فهو بحسب مذهب الجمهور وهو ما قاله الشيخ الكركي من علماء الشيعة الإمامية(8) ولم أجده لغيره ، وقد سبق
أن رأي غيره من علماء الشيعة كرأي الجمهور حسب اطلاعي .
__________
(1) التلخيص ( 2 / 160 – 161 ) .
(2) المحلى ( 5 / 424 – 437 ) .
(3) بداية المجتهد ( 2 / 516 ) .
(4) بداية المجتهد ( 2 / 516 – 517 ) ، شرح لطائف الحكم 47 .
(5) المحلى ( 5 / 417 ) .
(6) شرح لطائف الحكم 47 .
(7) المحلى ( 5 / 424 ) .
(8) جامع المقاصد ( 3 / 15 ) . (1/108)
صفحة 109
القول العاشر : أن البقر كالإبل في جميع الأحكام ما عدا الأسماء ، ففي الخمس شاة ، وفي العشر شاتان ، وفي خمس عشرة ثلاث شياه ، وفي عشرين أربع شياه ، وفي خمس وعشرين تبيعة وهي بنت سنة كبنت المخاض ، وفي ست وثلاثين جذعة ، وتسمى مسنة ـ وهي بنت سنتين كبنت لبون ـ وفي ست وأربعين ثنية ـ وهي بنت ثلاث سنوات كالحقة ـ وفي إحدى وستين رباعية ـ وهي بنت أربع سنوات كالجذعة من الإبل ـ وفي ست وسبعين جذعتان ، وفي إحدى وتسعين ثنيتان ، وفي مائة وإحدى وعشرين ثلاث جذاع ، وإن بلغت ثلاثين ومائة ففي كل أربعين جذعة وفي كل خمسين ثنية ، ففي مائة وثلاثين جذعتان ، وفي مائة وأربعين ثنيتان وجذعة ، وفي مائة وخمسين ثلاث ثنايا ، وفي مائة وستين أربع جذاع ، وفي مائة وسبعين ثلاث جذاع وثنية ، وفي مائة وثمانين ثنيتان وجذعتان ، وفي مائة وتسعين ثلاث ثنايا وجذعة ، وفي المائتين تستوي القسمة ؛ ففيها الخيار بين أربع ثنايا وخمس جذاع ، كما هو الشأن في الإبل إذا بلغت المائتين ، وهكذا الحساب فيما زاد(1) .
وهذا القول مروي عن جماعة من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ منهم عمر بن الخطاب وجابربن عبد الله الأنصاري ، فقد روى أبو عبيد في كتاب الأموال قال حدثنا يزيد عن حبيب بن أبي حبيب عن عمرو بن هرم عن محمد بن عبد الرحمن أن في كتاب صدقة النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي كتاب عمر بن الخطاب أن البقر يؤخذ منها كما يؤخذ من الإبل ، قال وقد سئل عنها غيرهم فقالوا فيها ما في الإبل(2) .
__________
(1) شرح لطائف الحكم 46 .
(2) كتاب الأموال لأبي عبيد 156 . (1/109)
صفحة 110
وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري وقتادة كلاهما عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : " في كل خمس من البقر شاة ، وفي عشر شاتان ، وفي خمس عشرة ثلاث شياه ، وفي عشرين أربع شياه "(1) ، ومثل هذا ما رواه أبو عبيد عن عبد الرحمن بن خالد الفهمي عن ابن شهاب عن عمر بن عبد الرحمن بن خلدة الأنصاري أن صدقة البقر مثل صدقة الإبل غير أنه لا أسنان فيها(2) ، ولكن الزيادة التي في آخر هذه الرواية وهي قوله : غير أنه لا أسنان فيها لا تتفق مع ما سبق بيانه من تحرير هذا الرأي ، ولعلها مدرجة من بعض الرواة .
وعلى هذا القول عول أصحابنا الإباضية ، ولا خلاف بينهم في العمل به ، جاء في مدونة أبي غانم : " أنه سأل أبا المؤرج عما يرويه الناس من حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - فقال الأثر عند فقهائنا الذين نأخذ عنهم ونعتمد عليهم أن السنة في زكاة البقر كالسنة في زكاة الإبل ، فيؤخذ منها ما يؤخذ من الإبل ويعمل فيها ما يعمل في الإبل ، وليس بينهما اختلاف ، وقد فرغت لك من هذه المسألة وفسرت لك ، وأما حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه -عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فالله أعلم به ، ولو نعلم أن ذلك عن معاذ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لأخذنا به واعتمدنا عليه غير أن أصحابنا وأبا عبيدة وجابر بن زيد لم يأخذوا به ، وقد بلغهم قول من وصفت "(3) .
__________
(1) المحلى ( 5 / 417 ) ، وانظر المصنف لعبد الرزاق ( 4 / 24 ) .
(2) الأموال 156 .
(3) المدونة الكبرى ( 1 / 248 – 249 ) . (1/110)
صفحة 111
ولا يخفى على القارئ أن هذا يتعارض مع ما نقله أبو غانم بنفسه عن الربيع وابن عبد العزيز وابن عباد بل ونسبه إلى أبي عبيدة والعامة من فقهائنا ، مما يدل على أنهم يأخذون في هذه المسألة بخلاف هذا الرأي ، وهو مما يدعو إلى التأمل ، على أن ما حكاه عن الربيع وابن عبد العزيز وما حكاه عن ابن عباد لا توجد إشارة إلى شيء منه في كتب أهل المشرق من أصحابنا ، ولذلك قال الإمام نور الدين السالمي : " وليس مع المشارقة فيه خلاف "(1) ، ثم ذكر ما أوردناه عن الإيضاح والنيل وشرحه من كتب أهل المغرب من حكاية هذا الخلاف ، وما من شك أن أولئك يحكون الخلاف في هذا من المدونة ، ومع هذا فإنه استقر العمل عند أهل المذهب جميعا على أن البقر كالإبل في أحكام الزكاة ، قال العلامة الجيطالي : " وأظنهم أنهم قاسوا ذلك على نصاب الإبل ، أو صح عندهم فيه حديث لم أقف أنا عليه "(2) . وقال المحقق الخليلي مثله(3) ، وسيأتي إن شاء الله بيان وجهه .
__________
(1) معارج الآمال ( 15 / 129 ) .
(2) قواعد الإسلام ( 2 / 12 ) .
(3) شرح لطائف الحكم 46 . (1/111)
صفحة 112
دليل القول الأول : استدل القائلون بالقول الأول ـ وهم جمهور الأمة - بما رواه أحمد وأصحاب السنن عن مسروق عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه -قال بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعا أو تبيعة ، ومن كل أربعين مسنة " ، ورواه أيضا ابن حبان في صحيحه ، والحاكم في مستدركه وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وحسنه الترمذي واعترض على تصحيحه . قال الحافظ بن حجر : وفي الحكم بصحته نظر فإن مسروقا لم يلق معاذا ، وإنما حسنه الترمذي لشواهده ، وذكر له شاهدين ؛ رواية الموطأ من طريق طاوس عنه ، قال وطاوس عن معاذ منقطع أيضا ، ورواية أبي داود عن علي(1) ، على أن الترمذي نفسه قال بعد تحسينه : وروى بعضهم هذا الحديث عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث معاذا إلىاليمن فأمره أن يأخذ ... وهذا أصح(2) ، ومثله أيضا عند الدارقطني في العلل(3) ، وقال ابن حزم : " وجدنا الآثار التي احتجوا بها عن معاذ وغيره مرسلة كلها إلا حديث بقية ، لأن مسروقا لم يلق معاذا ، وبقية ضعيف ولا يحتج بنقله أسقطه وكيع وغيره ، والحجة لا تجب إلا بالمسند من نقل الثقات "(4) . وهو يشير بذكره بقية إلى ما رواه البزار والدارقطني من طريق ابن عباس ، فقد ذكر قصة معاذ وفي مسنده بقية عن المسعودي وهو ضعيف(5) ، على أن لهذه الرواية شواهد ولكن لا يخلو شيء منها من علة(6) ولذلك قال عبد الحق ليس في زكاة البقر حديث متفق على صحته يعني في النصاب(7)
__________
(1) فتح الباري ( 3 / 388 ) .
(2) عارضة الأحوذي شرح صحيح الترمذي ( 3 / 116 ) .
(3) التلخيص ( 2 / 160 ) .
(4) المحلى ( 5 / 429 ) .
(5) التلخيص ( 2 / 160) .
(6) انظر التلخيص المرجع السابق ، ونصب الراية لأحاديث الهداية للزيلعي ( 2 / 346 – 347 ) دار إحياء الثراث العربي الطبعة الثانية 1393 هـ ـ 1973 م .
(7) التلخيص ( 2 / 160 ) . (1/112)
صفحة 113
على أن حديث معاذ غاية ما يدل عليه وجوب التبيع أو التبيعة في الثلاثين من غير تحديد النصاب .
وأما حجة القول الثاني : أن نصب النصاب بالرأي لا يكون ، وإنما يكون طريق معرفته النص ، فإذا تعذر اعتبار النص فيه أوجبنا الزكاة في قليله أو كثيره بحساب ما سبق(1) .
وإسقاط زكاة الأوقاص عند أولئك لأن معاذا - رضي الله عنه - امتنع عن أخذ شيء منها ، ولكن يلحظ على رأي هؤلاء أنهم أوجبوا زكاة الوقص الذي بين الأربعين والستين دون غيره ، مع أنه لا دليل لهم على هذا وهو تفريق بين متماثلين .
وحجة القول الثالث : نفس حديث معاذ مع مراعاة أن الأوقاص في البقر تسع وتسع ، بدليل ما قبل الأربعين وبعد الستين فكذلك ما بين ذلك لأنه يلحق بما قبله أو بما بعده(2) .
ولا يخفى على متأمل ضعف استناد هذين القولين لمخالفتهما المعهود ، وهو عدم حساب ما بين فريضتي الزكاة تيسيرا للعباد ، ولم يعهد في شيء من فروض الزكاة إيجاب الأشقاص ، ولذلك فرض فيما دون الخمس والعشرين من الإبل إخراج الشياه وهي من غير جنس المزكى ، ولكن لئلا تكون الزكاة شقصا من ناقة ، فالقياس يقتضي عدم إيجاب شيء فيما بين الفريضتين من البقر ، وقد كان حريا بأصحاب الرأي ألا يخرجوا عن سنن القياس .
وحجة القول الرابع : وهو إيجاب الزكاة في الخمسين لا فيما
دونها : ما سبق ذكره من أن الخمسين هي التي انعقد الإجماع على وجوب الزكاة فيها ، وما دون ذلك مختلف فيه والروايات مختلفة متباينة ولم تسلم من العلل والقوادح ، والأصل براءة الذمة حتى يصح شغلها فإيجاب شيء من الفروض لا يكون إلا بنص أو إجماع ، مع الاستئناس لهذا المذهب بعمل عمال ابن الزبير وعمال طلحة بن عبد الله بن عوف(3) .
واعترضه الدكتور القرضاوي بقوله : " ويرد هذا القول أمران ؛ الأول من جهة الخبر ، والثاني من جهة النظر :
__________
(1) المبسوط للسرخسي ( 2 / 187 ) .
(2) المرجع السابق .
(3) المحلى ( 5 / 427 ) . (1/113)
صفحة 114
أ ) أما الأول : فقد جاء في حديث عمرو بن حزم الطويل في الصدقات والديات وغيرها : " وفي كل ثلاثين باقورة تبيع جذع أو جذعة ، وفي كل أربعين باقورة بقرة ، والباقورة البقرة " ، وقد حسن هذا الحديث جماعة من الأئمة ، وبه تعقب الطبري الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في كتابه الإمام ، وكذلك حديث معاذ الذي أوجب الأخذ من الثلاثين والأربعين وقد صححه جماعة من الأئمة وإليه رجع ابن حزم .
ب) أما الثاني : من جهة النظر فيبعد عند من يقول بتعليل الأحكام ودورانها على مصالح الخلق – أن يوجب الشرع الحكيم العادل في خمس من الإبل وفي أربعين من الغنم زكاة و يسقطها مما دون خمسين من البقر وهي ـ إن لم تكن كالإبل ـ فهي حتما أعظم وأنفع وأنفس من الغنم "(1) .
وأما القول الخامس فلم يستدل له بشيء , غير أن الدكتور القرضاوي قال عقب إيراده : "والذي خطر لي أنه يمكن الاستدلال لهذا القول بما ورد من الأحاديث في تقدير الدية أنها مائة من الإبل أو مائتان من البقر , وقد روي ذلك موقوفا على عمر أو مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - و مقتضى هذا أن الواحدة من الإبل تساوي بقرتين , فإذا كان نصاب الإبل خمسا كان نصاب البقر عشرا , وإذا كان في كل خمس من الإبل شاة كان في كل عشر من البقر شاة "(2) .
ولا يبعد أن يكون هذا هو مرمى نظر قائله , غير أنه غير سالم من النظر فإن فرض الزكاة في الأموال الزكوية إنما هو تقدير شرعي محض لا يرجع إلى النظر في تفاوت قيم تلك الأموال , لأن تفاوتها لا ينضبط مع اختلاف الأزمان والأحوال , وفرض الزكاة غير محصور بزمان .
وأما القول السادس والسابع والتاسع فلم أجد دليلا عليها .
وأما القول الثامن : فهو يرجع إلى نفس استدلال أصحاب أبي حنيفة لقوليه في إيجاب الزكاة في الأوقاص .
__________
(1) فقه الزكاة ( 1 / 197 ) .
(2) المرجع السابق ( 1 / 201 ـ 202 ). (1/114)
صفحة 115
أما القول العاشر : فدليله من النظر والأثر , أما النظر فهو قياس البقر على الإبل , وذلك أن الإبل والبقر لا يختلف حكمهما في الهدي والأضحية , فالبقرة تجزي عن سبعة كالبعير , وهي تشعر كالإبل إن كانت لها أسنمة , ولا يجزي في الأضحية والهدي من هذه إلا ما يجزي من هذه(1) ، وعضد ذلك باقترانهما في الكتاب والسنة ، فقد قال تعالى في ذكر الأزواج الثمانية : (2) ، كما ذكرا معا في حديث الوعيد في ترك الزكاة (3) .
وأما الأثر فمنه ما تقدم من رواية أبي عبيد عن محمد بن عبد الرحمن أن في كتاب صدقة النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي كتاب عمر بن الخطاب أن البقر يؤخذ منها مثل ما يؤخذ من الإبل ، وما أخرجه أبو داود في مراسيله قال : " أعطاني سماك بن الفضل كتابا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمقوقس فإذا فيه : " وفي البقر مثل ما في الإبل " ، وما رواه ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد الأعلى عن داود عن عكرمة بن خالد قال : استعملت على صدقات عك فلقيت أشياخا ممن صدق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاختلفوا علي فمنهم من قال
اجعلها مثل صدقة الإبل ، ومنهم من قال في ثلاثين تبيع وفي الأربعين مسنة )3(4).
وقد أشير إلى تضعيف القياس المذكور بما سبق ذكره من أن الواحدة من الإبل جعلت في مكان بقرتين في الديات(5) .
__________
(1) المحلى ( 5 / 420 ) ، معارج الآمال ( 15 / 132 , 133 ).
(2) سورة الأنعام الآية 144 (2)
(3) انظر المرجعين السابقين ، وشرح لطائف الحكم 46 .
(4) سبق تخريجه .
(5) فقه الزكاة ( 1 / 203 ) . (1/115)
صفحة 116
وثم رأي آخر حري بأن يعد القول الحادي عشر في هذه المسألة قاله الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه فقه الزكاة هذا نصه : " ويبدو لي - والله أعلم ـ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك بعض الأمور قصدا في أنصبة الزكاة ومقاديرها ولم يحددها تحديدا قاطعا ليوسع بذلك على أولي الأمر من المسلمين ، فيختاروا لأمتهم ما يناسب الزمان والمكان والحال ، فقد يجد ولي الأمر في بعض البلاد وبعض الأزمنة البقر أعلى قيمة من الإبل وأعظم نفعا وأكثر درا ونسلا ، كما في بعض أصناف البقر العالمية المعروفة في عصرنا فيستطيع أن يحدد النصاب هنا بخمس ويوجب فيها شاة ، وفي العشر شاتين وفي العشرين أربع شياه ، ثم بعد ذلك يؤخذ بما في حديث معاذ ، ويترجح هذا الرأي إذا كان ملاك هذا النوع من البقر من كبار الأغنياء الموسرين ، كما يمكن الأخذ بقول شهر ابن حوشب في اعتبار النصاب عشرا ، وأما إذا كان البقر في بعض البلاد أدنى قيمة وأقل نفعا بحيث لا يعتبر ملك خمس أو عشر منه غنى يعتد به ، فالمعقول أن يكون النصاب هنا ثلاثين كما هو الرأي المشهور ، وهذا يفسر لنا قول الإمام الزهري في تقدير النصاب بالثلاثين : " أن ذلك كان تخفيفا لأهل اليمن " ، ولو صح ما قاله الزهري لم يكن ذلك نسخا بالمعنى الاصطلاحي المتأخر ، فإنما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك بوصفه إماما للمسلمين يدير أحكامه وفقا للمصلحة الزمنية التي قد تتغير فيتغير لها تبعا حكمه ، وما فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو قاله بوصف الإمامة والرئاسة غير ما يفعله أو يقوله بوصف النبوة وبينهما بون كبير "(1) .
والقول العاشر هو المختار عندي لقوة دليله من النظر والأثر :
أما النظر فهو ما ذكرناه من قياس البقر على الإبل لاتحاد حكمهما في كثير من الأمور التعبدية ، منها اشتراكهما في أحكام البدن من إجزاء الواحدة عن سبعة ، والإشعار ، ومراعاة السن .
__________
(1) فقه الزكاة ( 1 / 203 ) . (1/116)
صفحة 117
فإن قيل هذه عبادة وهي تتوقف على التوقيف ولا يجري فيها القياس ، وإنما القياس في أحكام المعاملات ، قلنا ليس هذا صحيحا فإن الشارع صلوات الله وسلامه عليه نبه على القياس في أمور العبادات ، ومن ذلك :
ما رواه أحمد وأبو داود وصححه ابن خزيمة والحاكم وابن حبان عن عمر - رضي الله عنه -قال هششت يوما فقبلت وأنا صائم فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت صنعت اليوم أمرا عظيما ، قبلت وأنا صائم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرأيت لو تمضمضت وأنت صائم ؟ قلت : لا بأس بذلك ، قال : ففيم ؟ "(1) . فقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى قياس القبلة وهي داعية للجماع وسبيله ، على المضمضة التي هي فاتحة الشرب .
ومنها ما أخرجه الإمام الربيع بن حبيب من طريق ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن امرأة خثعمية جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقالت يا رسول الله إن فريضة الله على العباد بالحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه ؟ فقال : " أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكنت قاضيته عنه ؟ " قالت : نعم ، قال : " فذاك ذاك "(2) .
ومثله ما في الصحيحين من طريقه أن امرأة أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : إن أمي ماتت وعليها صوم شهر ، فقال : " أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضينه ؟ " قالت : نعم ، قال : " فدين الله أحق بالقضاء "(3) .
__________
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الصوم ، باب : القبلة للصائم 2385 ، والنسائي في كتاب الصيام ، باب : المضمضة للصائم 3048 ، وأحمد في مسنده ( 1 / 21 ) ، وابن خزيمة في صحيحه 1999 ، وابن حبان في صحيحه 3536 ، والحاكم في المستدرك ( 1 / 596 ) .
(2) أخرجه الإمام الربيع في مسنده في كتاب الحج ، باب : في فرض الحج 392 .
(3) أخرجه البخاري في كتاب الصوم ، باب : من مات وعليه صوم 1953 ، ومسلم في كتاب الصيام ، باب : قضاء الصيام عن الميت ( 8 / 23 ) . (1/117)
صفحة 118
وكذلك في رواية أخرى من طريقه : " أرأيت لو كان على أمك
دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها ؟ "(1) .
إلى غير ذلك من الروايات العديدة التي فيها التنبيه على القياس في العبادات ، فما بالنا بعد ذلك نقول بعدم جواز القياس فيها ؟
على أن معظم الذين عولوا على أنه لا زكاة فيما دون الثلاثين من البقر أدخلوا القياس في باب الزكاة ، حيث ألحقوا الحبوب غير المنصوص عليها بالمنصوص عليها لما بينها من الشبه في العلل الموجبة للزكاة حسب ما يقتضيه نظر القائلين بذلك ، ولذلك رأى ابن حزم ـ وهو ينكر القياس بشدة وحدة ـ أن جميع القائلين بالقياس يلزمهم الأخذ به هنا حيث قال : " وأما احتجاجهم بقياس البقر على الإبل في الزكاة فلازم لأصحاب القياس لا انفكاك له ، فلو صح شيء من القياس لكان منه هذا صحيحا ، وما نعلم في الحكم بين الإبل والبقر فرقا مجمعا عليه "(2) . وقد عجب ابن حزم ممن يقيس ما يستحل به فرج المرأة المسلمة من النكاح في الصداق على ما تقطع به يد السارق ، ومن يقيس حد الشارب على حد القاذف ، ومن يقيس السقمونيا على القمح والتمر ، ويقيس الحديد والرصاص والصفر على الذهب والفضة ، ويقيس الجص على البر والتمر في الربا ، ويقيس الجوز على القمح في الربا ولا يقيس البقر على الإبل في الزكاة(3).
__________
(1) سبق تخريجه .
(2) المحلى ( 5 / 428 ) .
(3) المرجع السابق . (1/118)
صفحة 119
ولا يعترض على هذا القياس بكون الإبل تقدر بضعف البقر في الديات ، فإن في ثبوت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نظرا ، وإنما كان ذلك اجتهادا من عمر - رضي الله عنه - حسبما وصل إليه نظره في تفاوت الأسعار بين الجنسين آنذاك ، على أنه لو ثبت ذلك مرفوعا لم يكن قادحا في صحة قياسنا لأن الدية داخلة في المعاوضات ، إذ هي حق بشري محض ، ولذلك يجوز إسقاطها كسائر الحقوق ممن هو أولى بها ، بينما الزكاة أمر تعبدي محض فهي أولى أن تحمل على الأمور التعبدية التي لا دخل فيها للمعاوضات بين الناس ، ولا يحق لأحد إسقاطها كالهدي والأضاحي .
ومما يستأنس به لتقوية هذا القياس ما ذكرناه من ذكر الإبل والبقر مقترنين في الكتاب والسنة ، ودلالة الاقتران – وإن ضعفها كثير من الأصوليين ولا نراها وحدها حجة يعول عليها – يمكن للمجتهد أن يأخذ بها في باب الاستئناس لترجيح رأي على آخر ، أو تقوية دليل على غيره مع ضمها إلى حجة أخرى .
وأما الأثر فإن الروايات الدالة عليه ـ وإن أعلت بالإرسال ـ تقوى بكون مضمونها حواه كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في أمر الصدقات ، ومن المعلوم أن الثقة من التابعين لا يعزو كتابا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يتضمن حكما شرعيا إلا مع طمأنينته إلى كونه ثابتا عنه .
والكتابة وثيقة علمية يعول عليها الناس في شئونهم الخاصة والعامة ، ولم يعد عندهم ريب في الأخذ بها ، قال العلامة السيد محمد رشيد رضا : " والكتابة حجة علمية كما قال العلامة العضد ، وعليه جميع شعوب العلم والمدنية في هذا العصر ، لا حجة عندهم أقوى من حجة الكتابة الرسمية "(1) .
__________
(1) تفسير المنار ( 1 / 48 ) دار المعرفة الطبعة الثانية . (1/119)
صفحة 120
هذا وحديث معاذ الذي عول عليه الجمهور فيما ذهبوا إليه من تحديد النصاب بالثلاثين من أمعن فيه فكره ، ودقق نظره وجده غير بعيد الدلالة عن هذه الروايات التي عولنا عليها في أن للبقر حكم الإبل ، فهو يصلح أن يكون دليلا آخر مضموما إليها ، وتحرير ذلك أن في الخمس والعشرين جذعة أو تبيعة نظيرة بنت المخاض في الإبل ، وهذا الحكم نفسه يطرد فيما زاد على ذلك إلى خمس وثلاثين ، ففي الثلاثين تبيعة كما في حديث معاذ ، وفيما زاد على ذلك – أي على خمس وثلاثين مسنة كما تجب في الإبل بنت لبون ، ولا زكاة في الأوقاص فيطرد الحكم نفسه إلى خمس وأربعين ، وهذا لا يتنافى مع ذكر التبيع في حديث معاذ بصيغة التذكير ، لأن ذلك من باب الإجمال الذي يرد إلى التفصيل ، وقد دلت روايات أخرى أن التبيع يصدق على الذكر والأنثى ، من ذلك ما أخرجه أبو عبيد في الأموال قال حدثنا أبو الأسود عن ابن لهيعة عن يزيد بن حبيب عن سلمة بن أسامة أن معاذ بن جبل قال بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصدق أهل اليمن ، وأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا ... قال : والتبيع جذع أو جذعة ، ورواه أبو أحمد بن زنجويه في كتاب الأموال : حدثنا عبد الله حدثنا ابن لهيعة به ، إلا أنه قال عن سلمة بن أسامة عن يحيى بن الحكم أن معاذا ...إلخ ، قال ابن زنجويه وهذا التفسير من كلامه عليه السلام(1) .
__________
(1) نصب الراية ( 2 / 351 ) . (1/120)
صفحة 121
وروى ابن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان أن نعيم بن سلامة أخبره أن عمر بن عبد العزيز دعا بصحيفة زعموا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث بها إلى معاذ - رضي الله عنه -قال نعيم : فقرأت وأنا حاضر ، فإذا فيها من كل ثلاثين تبيع جذع أو جذعة(1) على أنه جاء في بعض الروايات تبيع أو تبيعة كما هو في رواية الترمذي وابن ماجة عن أبي عبيدة عن عبد الله ، والظاهر أن " أو " هنا للشك من الراوي فيتعين درء الشك باليقين ، وذلك بالرجوع إلى الأصل في أن الأنثى هي التي تخرج في الزكاة .
وليس ببدع مجيء فعيل صادقا على الذكر والأنثى ، فإنه وإن اشتهر ذلك فيما إذا كان بمعنى مفعول ، إلا أننا نجد أنه يتسامح فيه حتى أنه يطلق على معنى الجمع بصيغة الإفراد كظهير في قوله تعالى : (2) ، وكثير في قوله سبحانه : (3) ، وخبير في قول الشاعر :
خبير بنو لهب فلا تك ملغيا مقالة لهبي إذا الطير مرت
__________
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ( 3 / 19 ) .
(2) سورة التحريم الآية 4 .
(3) سورة الفرقان الآية 38 . (1/121)
صفحة 122
هذا ولا يستغرب من ذكر الثلاثين والأربعين في حديث معاذ ، لأنه كثيرا ما تذكر العقود في الأعداد ويترك ذكر غيرها ، وقد جاء نحو ذلك في زكاة الإبل وذلك فيما رواه أحمد والنسائي وأبو داود عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون ... الحديث " مع أن ابنة لبون تجب في ست وثلاثين ، فلا داعي أيضا للترجيح بين رواية معاذ والروايات الأخرى الناصة على أن حكم البقر كحكم الإبل وإنما تجعل مفسرة لها ، ومع إمكان الجمع لا يعدل إلى الترجيح ، على أن فيما روي عن الزهري أن هذا كان تخفيفا لأهل اليمن ، ثم كان هذا بعد ذلك كما في مراسيل أبي داود وسنن البيهقي ، وقد ألزم ابن حزم القائلين بالأخذ بالمرسل من الحنفيين والمالكيين أن يأخذوا بقول الزهري هذا ، وقال لو قبل مرسل أحد لكان الزهري أحق بذلك لعلمه بالحديث ، ولأنه قد أدرك طائفة من الصحابة رضي الله عنهم(1) .
فإن قيل إن هذه الروايات بأسرها في أسانيدها ضعفاء كابن لهيعة ، ومنها ما هو منقطع أو مرسل ، فكيف يعول عليها وتترك رواية معاذ ؟
قلنا إن رواية معاذ هي أيضا غير متصلة لما عرف أن طاوس الذي رواها عنه لم يلقه وكذلك مسروق ، ولذلك قال عبد الحق أنه لم يثبت حديث في زكاة البقر ، وإنما رأينا هذه الروايات أولى أن يؤخذ بها لعدة أمور :
أولها : موافقتها القياس ، ولا ريب أن القياس حجة شرعية نبه عليها الشارع وأخذت بها الأمة قديما وحديثا إلا ما كان من الظاهرية ومن رأى رأيهم ، ولئن كان هو حجة بنفسه فإنه أحرى أن يكون حجة مع غيره ، وإن كان ذلك الغير ضعيفا فلا غرو إذا أيدنا به رواية على أخرى ، على أن أصحاب الرأي إذا تعارض عندهم القياس والحديث الآحادي يأخذون بالقياس ، فما بالهم لا يرجحون به رواية على أخرى ؟!
__________
(1) المحلى ( 5 / 426 ) . (1/122)
صفحة 123
ثانيها : أن حديث معاذ لم يتعرض لما دون الثلاثين بشيء ، والسكوت عن الشيء لا يقتضي نفيه ، فهو من هذه الناحية مجمل بينما الروايات الأخرى مبينة والمبين مقدم على المجمل .
ثالثها : أنه لو سلم أن السكوت دليل على النفي ، فإن رواية الإثبات تقدم على رواية النفي والدليل المثبت مقدم على الدليل النافي .
رابعها : أن الدليل الشاغل للذمة أولى بأن يعول عليه من الدليل الذي يبرئها ، فإن البراءة أصل متى ارتفع ، كان ما دل على ارتفاعه أولى بالاعتبار ويؤيد هذا ما سبق ذكره عن الزهري من أن ما دل عليه حديث معاذ كان تخفيفا لأهل اليمن ، ثم كان هذا بعد ذلك .
خامسها : أنه أبرأ للذمة لما فيه من الاحتياط .
المبحث الثالث
نصاب الغنم وما يجب فيها
إن الغنم من نعم الله على الإنسان ، فقد سخرها الله تعالى له ليتغذى بلحومها وألبانها ، وهما من أطيب الغذاء وأنفعه ، ولينتفع بأشعارها وأصوافها وجلودها ، ولذلك كانت الزكاة فيها واجبة بالنص والإجماع .
أما النص ففي حديث أنس فيما كتبه أبو بكر - رضي الله عنه -في فرائض الصدقة التي فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة ، فإذا زادت ففيها شاتان إلى مائتين ، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه ، فإذا زادت ففي كل مائة شاة "(1) .
وأما الإجماع فإن الأمة على اختلاف طوائفها مجمعة ـ سلفا وخلفا ـ على وجوب الزكاة فيها ، كما أجمعت على أن صنفيها معزا وضأنا يحمل كل واحد منهما على الآخر ويزكيان زكاة الجنس الواحد ، من غير أن يستقل صنف منهما بنصابه .
__________
(1) سبق تخريجه . (1/123)
صفحة 124
هذا ولا خلاف أن النصاب فيها أربعون شاة ، فليس فيما دون أربعين شيء بالإجماع ، فإن بلغت أربعين ففيها شاة واحدة ، وليس فيما زاد على الأربعين إلى مائة وعشرين شيء غير الشاة ، فإذا وصلت إلى مائة وإحدى وعشرين ففيها شاتان ، وليس فيما زاد على ذلك شيء زائد حتى تصل مائتين ، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه ، ولا يجب على ذلك فرض زائد حتى تصل أربعمائة ، ففيها أربع شياه ، ثم في كل مائة شاة ، وقيل بل تجب في ثلاثمائة وواحدة أربع شياه ، ثم في كل مائة شاة ، ولا يجب فرض آخر فيما زاد على ذلك حتى تصل خمسمائة ، وعندئذ تكون فيها خمس شياه ، والقول الأول هو الذي عليه أكثر العلماء ؛ فهو قول الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية والزيدية ، وبه قال أصحابنا الإباضية .
وأما الرأي الثاني فهو رأي لبعض أصحابنا ، وهو قول الإمامية كما ذكره الطوسي(1) والميلاني(2) ، ولكن الكركي قال على رأي(3) وكأنه يشير إلى الخلاف عندهم . وفي كتب الحنابلة ما يدل على أن هذا القول عن أحمد(4) ، وهو قول النخعي والحسن بن صالح(5) .
وفيها قول ثالث وهو أنها إذا بلغت ثلاثمائة وواحدة ففيها أربع شياه فإذا بلغت أربعمائة وواحدة فخمس ، وهو منسوب إلى النخعي والحسن بن صالح أيضا(6) ، وظاهر كلام المحقق الخليلي أنه قول في المذهب(7) .
وقول رابع أن في أربعمائة وواحدة خمس شياه ، وفي خمسمائة وواحدة ست شياه فالزيادة المعتبرة إنما هي مائة كاملة ، وهو رواية عن أحمد(8) .
__________
(1) المبسوط ( 1 / 199 ) .
(2) محاضرات في فقه الإمامية ، كتاب الزكاة ( ق1 / 115 ) .
(3) جامع المقاصد ( 3 / 116 ) .
(4) المغني ( 2 / 472 – 473 ) ، الشرح الكبير ( 2 / 518 ) ، الإنصاف ( 3 / 850 ) .
(5) انظر المغني ، والشرح الكبير المرجعين السابقين .
(6) المجموع ( 5 / 417 ) .
(7) شرح لطائف الحكم 38 .
(8) الإنصاف ( 3 / 53 ) . (1/124)
صفحة 125
وقول خامس وهو أنه لا شيء إن زادت على المائتين حتى تصل مائتين وأربعين ففيها ثلاث شياه ، إلى ثلاثمائة وأربعين ففيها أربع شياه ، وهو محكي عن معاذ - رضي الله عنه -، قال ابن المنذر : وليس يثبت هذا الحديث عن معاذ بن جبل لأن الشعبي روى عنه وهو لم يلقه(1) .
والقول الأول هو أصحها ودليله ما ذكرناه من حديث أنس ، ونحوه ما في حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما - ، وقد جاء أكثر وضوحا في رواية للبيهقي وغيره من طريق ابن عمر ونصها : " فإذا كانت مائتين وشاة ففيها ثلاث شياه ، حتى تبلغ ثلاثمائة ، فإذا زادت على ثلاثمائة فليس فيها إلا ثلاث شياه حتى تبلغ أربعمائة شاة ، فإذا بلغت ففيها أربع شياه ، ثم في كل مائة شاة "(2) ، ومعظم الأقوال الأخرى لم أجد ما يستدل به لها ، وإنما استدل للقول الثاني بالقياس على تغير الفرض بواحدة ، وأجيب بأنه لا قياس في المقادير ولو سلم فهو مردود بالنص والإجماع(3).
تكملتان
أولاهما : في حكم الأوقاص والأشناق :
اختلف أهل العلم في الأوقاص والأشناق ، فقيل هي ما بين الفريضتين كما في القاموس(4) ، وغيره وعليه فمعناهما متحد ، وقيل بأن الأوقاص في البقر ، والأشناق في الإبل ، وهو الذي ذهب إليه الكركي ، وأضاف : وفي الغنم وباقي الأجناس عفو(5) .
__________
(1) بيان الشرع ( 18 / 137 ) نقلا عن إشراف ابن المنذر ، وانظر لطائف الحكم 38 ، والمغني ( 2 / 472 ) ، والشرح الكبير ( 2 / 518 ) .
(2) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ( 4 / 88 ) .
(3) البحر الزخار ( 2 / 165 ) .
(4) الفيروز آبادي : القاموس المحيط ( مادة وقص ) .
(5) جامع المقاصد ( 3 / 16 ) . (1/125)
صفحة 126
وحكى النووي عن الشافعي أنه استعمل الشنق في أوقاص الإبل والبقر والغنم ، وقد قال من قبل : قال أهل اللغة والقاضي أبو الطيب وصاحب الشامل وغيرهما من أصحابنا : الشَّنق بفتح الشين المعجمة والنون هو أيضا ما بين الفريضتين ، قال القاضي أكثر أهل اللغة يقولون الوقص والشنق سواء لا فرق بينهما ، وقال الأصمعي : الشنق يختص بأوقاص الإبل والوقص يختص
بالبقر والغنم "(1) .
ولا يخفى ما في هذا المحكي عن الأصمعي من التناقض ، حيث
جعل الوقص خاصا بالبقر والغنم مع إضافته الأوقاص إلى الإبل
في تفسير الشنق .
وذكر المحقق الخليلي ـ رحمه الله تعالى ـ قولا آخر وهو أن الشنقة ما دون خمسة وعشرين من البقر ، وهو ما تخرج زكاته من غير جنسه ، ونسبه إلى الشيخين أبي معاوية وأبي سعيد الكدمي رحمهما الله(2) .
وهذا الأخير ليس مما نحن بصدد بيانه ، والصحيح أن الأوقاص والأشناق لغة معناهما واحد ، وإنما غلب على الفقهاء استعمال الأول في البقر والثاني في الإبل ، وهو اصطلاح لا مشاحة فيه .
__________
(1) المجموع ( 5 / 392 ) .
(2) شرح لطائف الحكم 55 . (1/126)
صفحة 127
واختلف العلماء في اعتبار الأوقاص والأشناق في فرائض الزكاة , مع اتفاق الجميع أنه لا يؤخذ فيها أكثرمن الفرائض المحددة إلى أن تصل إلى النصاب الأعلى , إلا ما قاله الحنفية فيما بين الأربعين والستين من البقر , ونهج نهجهم ابن عباد من أصحابنا ـ حسب رواية أبي غانم الخراساني في مدونته الكبرى كما سبق ـ وإنما خلافهم في الفريضة السابقة , هل تتعلق به أو لا ؟ وبناء على تعلقها به , فالشاة في المائة والعشرين مثلا هي زكاة جميع هذا العدد وليست زكاة الأربعين وحدها وكذلك الشاة في التسع من الإبل , أما على القول بعدم التعلق بما زاد على النصاب بين الفريضتين فما زاد على الأربعين في الصورة الأولى معفو عنه إلى أن تصل إلى مائة وإحدى وعشرين , وهكذا ما زاد على الخمس في الإبل إلى أن تصل عشرا فهو معفو عنه , وهذا هو قول الحنابلة , ففي المغني : " قال أصحابنا : الزكاة تتعلق بالنصاب دون الوقص , ومعناه إذا كان عنده أكثر من الفريضة , مثل أن يكون عنده ثلاثون من الإبل فالزكاة تتعلق بخمسة وعشرين دون الخمسة الزائدة عليها "(1) , وبهذا قال أكثر الشافعية كما في المهذب والمجموع(2) , قال في المجموع : " وقد ذكرنا أن الأصح من مذهبنا أن الفرض لا يتعلق بها , وحكاه العبدري عن أبي حنيفة ومحمد وأحمد وداود وهو الصحيح في مذهب مالك , وعن مالك في رواية أنه يتعلق بالجميع وقال ابن المنذر : قال أكثر العلماء لا شيء في الأوقاص(3) . وفي الذخيرة من كتب المالكية " أن الماشية لها أوقاص غير معتبرة "(4) .
وهل هذا الخلاف نظري فحسب أو نظري وتطبيقي تبدو له ثمرة في العمل ؟ فرع الشافعية الخلاف على هذا الاختلاف كما يلي :
__________
(1) المغني ( 2 / 465 ـ 466 ) ، وانظر الشرح الكبير ( 2 / 488 ـ 489 ) .
(2) المجموع ( 5 / 390 ـ 391 ) .
(3) المجموع ( 5 / 493 ) .
(4) الذخيرة (3 / 99 ) (1/127)
صفحة 128
لو كان معه تسع من الإبل فتلفت منها أربع بعد الحول وقبل التمكن ، فإن قلنا التمكن شرط في الوجوب وجبت فيها شاة بلا خلاف ، وإن قلنا شرط في الضمان وقلنا الوقص عفو وجبت شاة أيضا ، وإن قلنا يتعلق به الفرض وجب خمسة أتساع الشاة وهذا الذي ذكرناه من وجوب خمسة أتساع الشاة على القول بأن الإمكان شرط في الضمان هو المذهب عندهم وبه قطع جمهورهم ، وحكى القاضي أبو الطيب ومتابعوه عن أبي إسحاق المروزي أن شاة كاملة تجب مع التفريع على هذين الأصلين ، ووجهه ابن الصباغ بأن الزيادة ليست شرطا في الوجوب فلا يؤثر تلفها وإن تعلق بها الواجب ، كما لو شهد خمسة بزنى محصن فرجم ، ثم رجع واحد وزعم أنه غلط فلا ضمان على واحد منهم ، ولو رجع اثنان وجب الضمان(1) ، ولا يخفى ضعف القول بإسقاط أربعة أتساع الشاة في هذه الصورة لأن الخمسة الموجودة نصاب كامل تجب فيه الشاة .
وأما الحنابلة فبناء على ما قالوه من عدم تعلق الزكاة بالوقص ، فرعوا على ذلك أنه لو تلفت خمس من الإبل بعد أن كانت ثلاثين قبل التمكن من أداء الزكاة – مع القول أن تلف النصاب قبل التمكن يسقط الزكاة – لم يسقط هنا شيء ، لأن التالف لم تتعلق الزكاة به ، وإن تلف منها عشر سقط من الزكاة خمسها ، لأن الاعتبار بتلف جزء من النصاب ، وإنما تلف منها من النصاب خمسه ، وأما من قال لا تأثير لتلف النصاب في إسقاط فلا فائدة في الخلاف عنده في هذه المسألة(2) .
__________
(1) المجموع ( 5 / 391 – 392 ) بتصرف .
(2) المغني ( 2 / 465 – 466 ) ، الشرح الكبير ( 2 / 489 ) بتصرف . (1/128)
صفحة 129
وأما الإباضية ففائدة الخلاف عندهم تظهر في الخلطة – بناء على القول بتأثيرها على أحكام زكاة الخليطين – وذلك فيما لو ملك أحد من الخليطين خمسا من الإبل والآخر أربعا ، فعلى القول بأن الفرض لا يتعلق بالأوقاص تجب الشاة على صاحب الخمس ، وليس على صاحب الأربع شيء ، لأن ما زاد على النصاب عفو ، وعلى القول بتعلقها بها فهي بينهما بقدر حصصهما ، فعلى صاحب الخمس خمسة أتساعها ، وعلى صاحب الأربع أربعة أتساعها ، وفي هذا يقول المحقق الخليلي :
وأوقاصها عفو كأشناقها أو
الزكاة فيها مع ما تلته على الأعم
ويظهر سر الخلف إن واحد من
الخليطين فيما يحتويه النصاب تم
وقد أسهب في شرح ذلك في شرحه على هذه المنظومة وكان مما قال فيه : وهذه المسألة المنظومة : خليطان لأحدهما خمس من الإبل وللآخر ثلاث ففي المسألة قولان : أحدهما أن الشاة على صاحب الخمس لأن الزكاة قد تمت فيها وليس على الآخر شيء , وفي قول الشيخ أبي معاوية عزان بن الصقر ـ رحمه الله ـ يعجبه ذلك , وثانيهما على صاحب الثلاث ثلاثة أثمان الشاة , وعلى صاحب الخمس خمسة أثمانها , وهذا القول أعدل وأصح ، كذلك الاختلاف يوجد في أثر مسائل عن الشيخ أبي الحواري في خليطين لأحدهما أربعون شاة وعنده شاة خليطة لصاحب تسع
وثلاثين , أن الشاة على صاحب الأربعين(1)1) .
ثم إنه أخذ يشرح تأصيل هذه المسألة وتعريفها , فقال : الزائد على النصاب الآخر إما عفو وإما زكاته مع الأول , فإن كان الوجه الثاني فمن له بقرة سادسة خليطة مع صاحب خمس فلا كلام فيها إلا أن سدس الشاة على صاحب تلك البقرة , لأن في الست من البقر شاة وهكذا إلى التسع ـ في قول من يثبت الخلطة في غير المشاع - و أما على القول الأول وهو أن الزائد شنق أو وقص عفو لا زكاة فيها فيخرج فيها أقوال :
أحدها : لاشيء على صاحب السادسة لأنها شنق والشنق عفو.
__________
(1) شرح لطائف الحكم ( 58 ـ 59 ). (1/129)
صفحة 130
وثانيها : لاشيء عليه لعدم المضرة منه والتراجع بالمضرة هكذا ظاهر تعليلهم , والقولان ضعيفان لما سيأتي في الثالث إن شاء الله.
والثالث : أنه عليه سدس شاة وعلى سائر الخمس سائرها ، لأن
الوقص إن ثبت أنه عفو ، فلكل من الخليطين قسطه من الزكاة والعفو معا وإلا فلا تحكم بلا دليل إذ لا موجب لكون الوقص لأحدهما والزكاة على الآخر ، وحكم المختلط كالشيء الواحد ، ولذلك شرعت الزكاة في الخلطة أيضا ، وبهذا يستدل على ركاكة قول من لا يوجبها عليه ، ويحتج بعدم المضرة فما أقربه إلى الانكسار على من تشبث به ، وإلا قدرنا ثلاثة خلطاء لكل واحد منهم أربعون شاة ، فعلى أيهم تكون الزكاة ؟ فالقول بها على واحد ظاهر الفساد وإذا بطل في الثلاثة بطل في الاثنين ، كذا لو أن لأحدهما ثمانين وللآخر أربعين فالزيادة لم تعتبر والمسألة بحالها ، إذ لا فرق ، فلا خصومة لأحدهما على الآخر بأن الوقص له فوجب أن الوقص لهما فالزكاة عليهما ، وما بين ذلك في التفريع هكذا له من الحكم ، وهنا ينكسر القول بالمضرة أيضا ويثبت التحاصص بينهما بنفس الخلطة ، وإذا ثبت ذلك في أربعين وتسع وثلاثين وما بينهما ، وما زاد عليهما كل بتقاسط فهو الأصل الصحيح المعول عليه ، ويؤيده قول الرسول صلوات الله عليه : " وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان فيه بالسوية "(1) .
__________
(1) رواه مالك في الموطأ كتاب الزكاة ، باب : صدقة الماشية 599 ، والبخاري في كتاب الزكاة باب : ما كان من خليطين حديث 1383 . (1/130)
صفحة 131
فإن قلت فعلى هذا فلم تظهر للخلاف فائدة ، لأن حكم الوقص وعدمه قد صار بالسواء ، فما فائدة البيت ؟ قلت ـ والقائل المحقق الخليلي ـ قد سبق ذكر الاختلاف في هذا عن أقوال شهيرة حكيت عن الراسخين في العلم ، ففائدة الخلاف تظهر في تلك الأقوال ولا سبيل لإبطالها لثبوتها في صحيح الرأي ، وإنما هذا ترجيح وتوضيح لا دفع لما ثبت في قوانين الصحيح ، لأنه مما لا سبيل إليه في الجائز(1) .
ومع ظهور قوة دليله فيما ذهب إليه من كون الخليطين يشتركان في العفو وفي الزكاة معا على السواء ، ولو استوفى نصيب أحدهما نصابا دون نصيب الآخر ، فإن الدليل الشرعي واضح في أن الوقص إنما هو تابع لما قبله من الفرض ، فبنت المخاض هي زكاة جميع الخمس والثلاثين إن اجتمعت ، وليست هي زكاة خمس وعشرين وحدها والعشر عفو كما تصور الكثير ، وكفى برواية أنس - رضي الله عنه - لكتاب الصدقة شاهدا عليه ، إذ جاء فيه : " فيما دون خمس وعشرين من الإبل الغنم في كل خمس ذود شاة ، فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض إلى أن تبلغ خمسا وثلاثين ، فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبون ذكر ، فإذا بلغت ستا وثلاثين ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين ، فإذا بلغت ستا وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل إلى ستين ، فإذا بلغت إحدى وستين ففيها جذعة إلى خمس وسبعين ، فإذا بلغت ستا وسبعين ففيها ابنتا لبون إلى تسعين ، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان طروقتا الفحل إلى عشرين ومائة "(2) .
فكم فيها من شاهد على صحة ما قلناه ، وإليك بيان هذه الشواهد :
أولها : أنه جعل الغنم زكاة لما دون الخمس والعشرين ، ولم يقل هي زكاة العشرين فما دونها .
ثانيها : أنه جعل بنت المخاض زكاة لما بين الخمس والعشرين
__________
(1) شرح لطائف الحكم ( 59 – 60 ) .
(2) رواه أبو داود في سننه : كتاب الزكاة ، باب : في زكاة السائمة 1567 ، والنسائي في كتاب الزكاة ، باب : زكاة الإبل 2447 ، والنص للأول . (1/131)
صفحة 132
إلى الخمس والثلاثين .
ثالثها : أنه جعل بنت اللبون زكاة لما بين الست والثلاثين والخمس والأربعين .
رابعا : أنه جعل الحقة زكاة لما بين الست والأربعين إلى الستين.
خامسها : أنه جعل الجذعة زكاة لما بين الواحدة والستين إلى الخمس والسبعين .
سادسها : أنه جعل بنتي اللبون زكاة لما بين الست والسبعين إلى التسعين .
سابعها : أنه جعل الحقتين فرض ما بين الواحدة والتسعين إلى المائة والعشرين .
وإن شئت المزيد على ذلك فانظر إلى قوله في نفس الحديث : ... وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة ، فإذا زادت ففيها شاتان إلى مائتين ، فإذا زادت ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة(1) ، كل ذلك يدل على أن الفرض إنما هو في النصاب فما بعده إلى النصاب الذي يليه صاعدا ، وليس بعد بيان الشرع من بيان ، ولا بعد فصله لأحد من مقال ، ونحوه ما في حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ فإن قيل إن مما يعكر على استدلالك هذا ما جاء في رواية ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ من قوله - صلى الله عليه وسلم - : " فيما زاد على ثلاثمائة شاة ، فإن زادت بعد فليس فيها شيء حتى تبلغ أربعمائة "(2) ، حيث لم يجعل في الزيادة شيئا ، فجوابه : أن مراده بقوله : " فليس فيها شيء " عدم وجوب شيء زائد على ما سبق ذكره من قبل ، ومما يدل عليه أنه لو أراد به إسقاط الزكاة في الأوقاص والأشناق لذكره من بعد الفرض السابق ، وهو هنا مائتان وواحدة ، ولما خصه بما زاد على ثلاثمائة ، فهذه قرينة تدل على المراد بجانب القرائن الكثيرة التي في هذا الحديث نفسه وفي حديث أنس .
التكملة الثانية : في بيان أسماء أسنان الأنعام وضبطها :
وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام :
القسم الأول : أسماء أسنان الإبل :
__________
(1) تقدم تخريجه .
(2) رواه أحمد في المسند ( 2 / 15 ) برقم 4634 . (1/132)
صفحة 133
الإبل اسم جنس يقع على الذكور والإناث لا واحد له من لفظه ، وهو لفظ مؤنث فيقال إبل سائمة ، ومثله البقر والغنم ، وإذا ولد المولود منها فهو رُبَع ـ بضم الراء وفتح الباء ـ والأنثى ربعة ، ثم هَبُع وهُبَعة ـ بضم الهاء وفتح الباء أيضا ـ فإذا فصل عن أمه فهو فصيل وجمعه فصلان ، والفصال الفطام كما قال تعالى : (1) ، وهو في جميع سنته الأول حُوار ـ بضم الحاء ـ فإذا استكمل السنة ودخل في الثانية فهو ابن مخاض ، والأنثى بنت مخاض ، وقد سبق بيان سبب هذه التسمية ، ثم لا يزال كذلك حتى يتم السنة الثانية ويدخل في الثالثة ، فإذا دخلها فهو ابن لبون والأنثى بنت لبون ، وقد سبق بيان منشأ تسميته بذلك ، ولا يزال كذلك حتى يتم السنة الثالثة ويدخل الرابعة ، فإذا دخلها فهو حق والأنثى حقة ، ولا يزال كذلك حتى يتم السنة الرابعة ويدخل في الخامسة ، فإذا دخلها فهو جذع وهي جذعة ، ولا يزال جذعا حتى يدخل في السادسة ، فإذا دخل فيها فهو ثني والأنثى ثنية ، ولا يزال كذلك حتى يدخل السابعة ، فإذا دخلها فهو رَباع ـ بفتح الراء ـ ويقال رباعي بتخفيف الياء ، والأول أشهر ، والأنثى رباعية بتخفيف الياء ، ولا يزال كذلك حتى يدخل السنة الثامنة ، فإذا دخلها فهو سديس ، ويقال أيضا سدس بالتحريك والذكر والأنثى فيه بلفظ واحد ، ولا يزال كذلك حتى يدخل في السنة التاسعة , فإذا دخلها فهو بازل ويستوي فيه الذكر والأنثى , وسمي بذلك لأنه بزل نابه ـ أي طلع ـ , ولا يزال كذلك حتى يدخل السنة العاشرة , فإذا دخلها فهو مُخْلِف ـ بضم الميم وإسكان الخاء المعجمة وكسر اللام ـ والأنثى مخلف وقيل مخلفة , ثم ليس بعد ذلك اسم مخصوص ولكن يقال بازل عام وبازل عامين , ومخلف عام ومخلف عامين , وكذلك مازاد , فإذا كبر فهو عَوْد ـ بفتح العين وإسكان الواو ـ والأنثى عودة , فإذا هرم فهو قَحِم ـ بفتح القاف وكسر الحاء المهملة ـ والأنثى ناب وشارف ,
__________
(1) سورة البقرة الآية 233 . (1/133)
صفحة 134
وعن بعضهم أنه قال بازل عامين إلى خمسة ومثله مخلف عام ومخلف عامين إلى خمسة أعوام ولم يقيده الأكثرون بذلك(1)1) .
القسم الثاني : أسماء أسنان البقر :
البقر اسم جنس واحده بقرة وتطلق على الذكر والأنثى , وإنما يخص الذكر باسم الثور , ويقال في البقر بقير وباقر وباقور وبيقور وباقورة , وإذا ولد المولود من البقر فهو عجل , ويقال عجول على وزن سنور , ويجمع الأول على عجال والثاني على عجاجيل , وأنثاه عجلة وعجولة , فإن أتم السنة الأولى ودخل في الثانية فهو تبيع وهي تبيعة والجمع تباع وتبايع , فإذا أتم الثانية ودخل في الثالثة فهو جذع وهي جذعة ـ ويقال مسن ومسنة ـ , فإذا دخل الرابعة فهو ثني وهي ثنية , وإذا دخل الخامسة فهو رباع وهي رباعية , فإذا دخل السادسة سمي سديسا ذكرا كان أو أنثى , وإذا دخل السابعة فكلاهما سالغ(2)2) ثم يقال سالغ عام وسالغ عامين كالبازل في الإبل , وفي هذه التسميات بعض الخلاف الذي لا يؤثر على الحكم .
القسم الثالث : أسنان الغنم :
__________
(1) المجموع ( 5 / 385 ـ 386 ) شرح لطائف الحكم ( 113 ـ 115 ) .
(2) انظر شرح لطائف الحكم ( 115 ـ 116 ) وسائر المراجع الفقهية واللغوية . (1/134)
صفحة 135
تقدم أن الغنم اسم جنس يصدق على الضأن والمعز , ويسمى المولود من الغنم سخلا والأنثى سخلة , ثم يقال للذكر جدي وللأنثى عَناق كسحاب , واختلف في الجفرة فقيل هي فوق العناق وقيل دونها وقيل ما بلغ أربعة أشهر وفي قول ما أكل واستغنى عن الرضاع , وقيل ما عظم واستكرش , وقد سبق أن في الحديث تفسير العناق بالجذعة والثنية , فإذا أتم الحول فهوجذع وهي جذعة , وقد سبق الخلاف فيه , وإذا أتم الحولين فهو ثني وهي ثنية وقد تقدم ذكر شيء من الاختلاف بينهما , فإذا أتما ثلاث سنوات ودخلا في الرابعة فهو رباع وهي رباعية ـ بتخفيف الموحدة والمثناة ـ , فإذا أتما الرابعة ودخلا في الخامسة فهما سديس , لا فرق بين الذكر والأنثى , ويقال فيما بعد ذلك سالغ مع الإضافة إلى الأعوام للتمييز , فيقال سالغ عام وسالغ عامين , ويقال لولد الضأن حمل في محل الجدي(1) .
قد سبق بيان الواجب المفروض في كل صنف من هذه الأصناف الثمانية العائدة إلى ثلاثة أجناس , وهي الإبل والبقر والغنم حسب نصبها المقدرة , وإنما بقي الكلام في أمور نبينها في المباحث التالية :
المبحث الأول
الشاة المجزية في زكاة الغنم وفي زكاة الإبل وفي
زكاة البقر ـ عند من يلحقها بالإبل ـ وفي الجبران
الشاة المجزية هي الثنية من الصنفين ـ أي الضأن والمعز ـ فما فوق بلا خلاف , إلا ما يأتي فمن وجبت عليه شاة فأخرج ثنية من الضأن أو من المعز كفته , وهكذا من لزمته شياه فأخرجهن ثنايا , وإن زاد فوق الثنية كأن يخرج رباعية فما فوق كان ذلك زيادة فضل له , وقيل تجزيه الجذعة من الضأن والثنية من المعز .
__________
(1) المرجع السابق ( 111 ـ 112 ) . (1/135)
صفحة 136
والذي صدر به في الإيضاح والنيل أن التي تجزي ثنية الضأن ورباعية المعز , قال صاحب الإيضاح : " وإنما يعطيه زكاة غنمه ذوات الأسنان الثنية من الضأن إلى ما فوق ذلك والرباعية من المعز إلى ما فوق ذلك , وإن أعطى الجذعة من الضأن والثنية من المعز على المعز فلا بأس "(1)1) ومثله في النيل وشرحه(2)2) .
وفي القواعد : وفي أثر أصحابنا يعطى عن الضأن ثنية أو رباعية أو سداسية أو بنت خمس سنين ويؤدى على المعز الرباعية والسداسية وبنت خمس سنين أو ست من السنين وقد رخصوا في الثنية من الماعز أن تعطى منها(3)1) ، وفي لطائف الحكم للمحقق الخليلي رحمه الله :
ويجزئ ثني الشا فما زاد والذي
يرى جذع الضأن السمين فلم يضم
وقال في شرحها : الموجود في آثار أصحابنا المشارقة لا نعلم بينهم اختلافا أن الفرض هو الثني فصاعدا واتفقوا على أن ما بعده من الأسنان يجزي عنه ويؤخذ في الصدقة ثم حكى كلام صاحب القواعد وأتبعه بقوله : ففي قوله ما يستدل به على أن الأصل في المعز الرباعية والرخصة في الثني فهو يجزي على حال(4) .
وما ذكره من عدم الاختلاف بين المشارقة في أن الفرض هو الثني إنما هو في الاكتفاء به في الصدقة ولا يعني أنه لا يوجد قول بكفاية ما دونه في الضأن كما ذكره في النظم والشرح وقد ذكر الإمام أبو سعيد الكدمي ـ رحمه الله ـ في زياداته على إشراف ابن المنذر أنه لا يجزي عند أصحابنا في المعز دون الثنية إلا إنه سوغ إخراج الجذع من الضأن ولكنه اشترط أن يكون سمينا قارحا مع إتباعه ذلك أن المعمول به هو أن يكون ثنيا فصاعدا من المعز والضأن(5) .
__________
(1) الإيضاح ( 2 / 96 ) .
(2) شرح النيل ( 3 / 201 ـ 202 ) .
(3) قواعد الإسلام ( 2/ 114) .
(2) شرح لطائف الحكم 82.
(5) بيان الشرع (18/175ـ 176) . (1/136)
صفحة 137
وأورد كلامه هذا المحقق الخليلي بنفسه وبحث في مراده بالقارح فجوز أن يكون لغة عمانية لأن معناها المذكور في كتب اللغة غير سائغ هنا وهو أن القارح من ذوات الحافر بمنزلة البازل من الإبل وسوغ أيضا أن يكون في إهمال رائه تصحيف وأنه في الأصل بالزاي المعجمة وهو بمعنى العالي(1) .
والمشهور عند أكثر علماء الأمة أن الذي يجزي من الضأن الجذع ومن المعز الثني هذا قول الشافعية(2) والحنابلة(3) وبه قال أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة في رواية الحسن عنه(4) ، وهو
قول الزيدية (5) والإمامية(6) ، وهو قول ابن حبيب من المالكية(7) .
واشترط الإمام أبو حنيفة في المشهور عنه أن تكون شاة الصدقة ثنية ، سواء كانت من المعز أو من الضأن وهو المأخوذ به عند الحنفية (8) .
__________
(1) شرح لطائف الحكم 83
(2) المجموع ( 5 / 397 ) وفي غيرها من الصفحات ، البيان ( 3 / 203 ) ، غاية الاختصار مع شرحها كفاية الأخيار ( 1 / 346 ) ، فتح العزيز بشرح الوجيز ( 5 / 337 ) ، المنهاج وشرحه زاد المحتاج ( 1 / 436 ) .
(3) المغني ( 2 / 479) ، الشرح الكبير ( 2 / 472 ) .
(4) المبسوط ( 2 / 182 – 183 ) ، بدائع الصنائع ( 2 / 877 ) حاشية ابن الهمام ( 2 / 182 ) .
(5) البحر الزخار ( 2 / 165 ) ، شرح الأزهار ( 1 / 486 ) ، التاج المذهب لأحكام المذهب ( 1 / 197 ) .
(6) جامع المقاصد ( 3 / 16 – 17 ) محاضرات في فقه الإمامية كتاب الزكاة ( ق 1 / 198 – 199 ) .
(7) حاشية الرهوني ( 2 / 246 ) .
(8) المبسوط ( 2 / 182 – 183 ) ، حاشية ابن الهمام ( 2 / 182 ) ، بدائع الصنائع ( 2 / 877 ) ، البحر الرائق ( 2 / 216 ) ، الاختيار لتعليل المختار ( 1 / 108 ) . (1/137)
صفحة 138
وذهب مالك وأكثر أصحابه إلى أن الجذع والثنية سواء في حكمهما ، وهما سواء في الضأن والمعز(1) .
وذهب ابن حزم إلى أن ما يجزي هو ما يعد في الصدقات من الأغنام ، وهو ما يسمى شاة سواء كان من الضأن أو المعز ولا
يكون إلا ابن عام(2) .
المراد بالجذع والثني :
اختلف العلماء في تحديد سن الجذع والثني ؛ فقيل في الجذع إنه ابن عام وهو الأشهر كما في شرح لطائف الحكم(3) ، وقال النووي : إنه الأصح عند جمهور الشافعية(4) ، وهو قول قطب الأئمة في شرح النيل(5) ، وعليه المالكية(6) ، ونسبه المهدي في البحر الزخار إلى الأكثر(7) ، وصدره الطوسي من أئمة الشيعة في المبسوط(8) ، واقتصر عليه شمس الدين السرخسي من الحنفية(9) .
وقيل هو ابن ستة أشهر ، وبه قال أكثر فقهاء الحنفية(10) ، وهو الذي ذهب إليه صاحب المهذب من الشافعية في التنبيه واختاره الروياني في الحلية(11) ، وهو قول الحنابلة(12) ، ونسبه المحقق الخليلي
إلى المغاربة(13) .
وقيل : هو ابن عشرة أشهر ذكره المحقق الخليلي ولم يعزه إلى أحد ، وإنما ذكر الخلاف عليه وعلى ما قبله هل هو جذع إلى أن تتم له سنة أو إلى أن تتم له سنتان ؟
__________
(1) المدونة ( 1 / 267 ) ، الذخيرة ( 3 / 109 ) ، الاستذكار ( 9 / 182 ) ، مختصر خليل بشرح الشيخ عليش ( 2 / 11 ) وبشرح الزرقاني وحاشية الرهوني ( 2 / 245 – 246 ) .
(2) المحلى ( 5 / 407 ) .
(3) شرح لطائف الحكم 84 .
(4) المجموع ( 5 / 397 ) .
(5) شرح النيل ( 3 / 201 ) .
(6) مختصر خليل بشرح الشيخ عليش ( 2 / 11 ) ، وبشرح الزرقاني ، وحاشية الرهوني ( 2 / 247 ) .
(7) البحر الزخار ( 2 / 165 ) .
(8) المبسوط للطوسي ( 1 / 199 ) .
(9) المبسوط للسرخسي ( 2 / 182 ) .
(10) البحر الرائق ( 2 / 216 ) ، بدائع الصنائع ( 2 / 877 ) .
(11) المجموع ( 5 / 397 ) .
(12) المغني ( 2 / 479 ) ، الشرح الكبير ( 2 / 472 ) .
(13) شرح لطائف الحكم 84 . (1/138)
صفحة 139
وقيل : إنه ما أتى عليه أكثر السنة وهو المنصوص عليه في الدر المختار من كتب الحنفية ، وعزاه ابن عابدين في حاشيته إلى الهداية والكافي والدرر(1) ، وهو مذكور أيضا في الاختيار من كتبهم(2) .
وقيل : ما أتم سبعة أشهر ذكره ابن عابدين أيضا ولم يعزه إلى أحد(3) ، وهو قول الكركي من الإمامية(4) .
وقيل ما أتم ثمانية أشهر ذكره ابن عابدين ولم يعزه أيضا إلى أحد(5) ، وقيل إنه يجذع لسبعة أشهر إن كان من شابين غير هرمين ، وإن كان من هرمين فلثمانية أشهر وهو رأي لبعض الشافعية(6) ، وذكره العمراني منهم وعزاه إلى ابن الأعرابي ، غير أنه أضاف أنه ما كان من هرمين فهو جذع من ثمانية أشهر إلى عشرة أشهر(7) ، وذكر الطوسي من الإمامية هذا التفريق بين ما كان من هرمين وما كان من شابين وعزاه إلى ابن الأعرابي أيضا ، ثم أتبعه قوله : " وإنما قيل جذع في الضأن إذا بلغ سبعة أشهر وأجزى في الأضحية ، لأنه إذا بلغ سبعة أشهر فإن له في هذا الوقت نزوا وضرابا ، والمعز لا ينزو حتى يدخل في السنة الثانية ، فلهذا أقيم الجذع في الضحايا مقام الثني من المعز ، وإنما يؤخذ في الصدقة الجذع من الضأن والثني من المعز "(8) . والخلاف مذكور في معاجم اللغة ، ونسب إلى ابن الأعرابي فيها ما نسبه إليه الفقهاء .
__________
(1) حاشية ابن عابدين رد المحتار على الدر المختار ( 2 / 19 ) .
(2) الاختيار ( 1 / 108 ) .
(3) رد المحتار المرجع السابق .
(4) جامع المقاصد ( 3 / 16 ) .
(5) حاشية ابن عابدين المرجع السابق .
(6) المجموع ( 5 / 397 ) .
(7) البيان ( 3 / 192 ) .
(8) المبسوط للطوسي ( 1 / 199 – 200 ) . (1/139)
صفحة 140
وأما الثني فالمشهور أنه ما أتم السنتين ودخل في الثالثة وهو الذي اعتمده المحقق الخليلي - رحمه الله -(1) واقتصر عليه شارح النيل قطب الأئمة ـ رحمه الله - (2) وعزاه النووي إلى جمهور الشافعية(3) ، وعليه اقتصر السرخسي من الحنفية(4) ، وصدره الطوسي من الإمامية(5) ، وعزاه الميلاني إلى الطبطبائي من الإمامية في العروة الوثقى(6) .
وقيل هو ما أتم سنة ودخل الثانية وهو قول الحنابلة(7) ، وعليه عول أكثر الحنفية(8) ، وذهب إليه بعض الإمامية(9) ، وعزاه المحقق الخليلي إلى الشيخ أبي إسحاق المغربي(10) ، ونسبه النووي إلى صاحب المهذب في التنبيه ، وذكر أن الروياني قطع به(11) .
ولم أجد دليلا شرعيا ولا لغويا يدل على تحديد المراد بالجذع أو الثني ، فإن معاجم اللغة تحكي الاختلاف بين اللغويين في ذلك كاختلاف الفقهاء ، ولعل ذهاب الأكثرين إلى أن الجذع ما كان ابن عام ، والثني ما كان ابن عامين يستأنس به مع عدم الدليل للأخذ بهذا الرأي ، ولعل رعاة الغنم يمكنهم بالممارسة أن يضبطوا سن الجذع والثني ، فإن الجذع هو ما ألقى أسنانه ، وضبط هذه الفترة ممكن لهم .
القول الراجح فيما يجزي في الزكاة :
__________
(1) شرح لطائف الحكم 82 .
(2) شرح النيل ( 2 / 201 ) .
(3) المجموع ( 5 / 397 ) .
(4) المبسوط للسرخسي ( 2 / 182 ) .
(5) المبسوط للطوسي ( 1 / 199 ) .
(6) محاضرات في فقه الإمامية : كتاب الزكاة ( ق1 / 200 – 201 ) .
(7) المغني ( 2 / 479 ) ، الشرح الكبير ( 2 / 472 ) .
(8) بدائع الصنائع ( 2 / 877 ) ، حاشية ابن عابدين ( 2 / 19 ) ، حاشية ابن الهمام ( 2 / 182 ) ، البحر الرائق ( 2 / 216 ) .
(9) جامع المقاصد ( 3 / 17 ) ، محاضرات في فقه الإمامية : كتاب الزكاة ( ق1 / 201 ) .
(10) شرح لطائف الحكم 82 .
(11) المجموع ( 5 / 297 ) . (1/140)
صفحة 141
أرى أن أصح الأقوال وأرجحها فيما يجزي أنه الجذع من الضأن والثني من المعز ، بدليل حديث سويد بن غفلة قال : " سمعت مصدق النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجذع من الضأن والثنية من المعز " ، وفي رواية قال : " أتانا مصدق رسول - صلى الله عليه وسلم - فقال إنما حقنا في الجذعة من الضأن والثنية من المعز " ، أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والدارقطني والبيهقي ، وقد سبق(1) ، ويقويه حديث سعر الديلي الذي سبق ، والحكمة في ذلك أن الجذع من الضأن يلقح والمعز لا يلقح إلا إذا كان ثنيا(2) وبهذا يمكن الجمع بين هذه الروايات وغيرها .
أما الذين لم يجتزوا إلا بالثني من أي الصنفين كان ، فإنهم استدلوا بما روي عن علي – كرم الله وجهه – لا يؤخذ في الزكاة إلا الثني . قال الزيلعي : قلت غريب ، وأخرجه إبراهيم الحربي في كتابه غريب الحديث عن ابن عمر قال : لا يجزي في الضحايا إلا الثني فصاعدا(3) .
وأنت ترى أن هذه الرواية لا تعارض ما استدللنا به لضعفها ، فقد صرح الزيلعي ـ وهو من الحنفية ـ بغرابتها فضلا عن كونها
رويت موقوفة ، والموقوف لا يعارض المرفوع ، ومع هذا فإنها نافية وما سبق مثبت ، والمثبت مقدم على النافي .
__________
(1) تلخيص الحبير ( 2 / 153 ) برقم 815 .
(2) المغني ( 2 / 479 ) .
(3) نصب الراية ( 2 / 355 ) . (1/141)
صفحة 142
ولعل الذين اجتزوا بالجذع من كلا الصنفين يستدلون بحديث سعر عندما قال لمصدقي النبي - صلى الله عليه وسلم - أي شيء تأخذان ؟ فقالا : " عناقا جذعة أو ثنية " ، فإن ظاهره التخيير بينهما ، ويقوونه بحديث سفيان بن عبد الله الذي أمره عمر - رضي الله عنه - بأخذ الجذعة والثنية للعدل بين خيار المال وغذائه(1) . ومهما يكن فإن هذا مجمل وحديث سويد مبين ، ولا يترك المبين لأجل المجمل بل يحمل المجمل على المبين ، فيقيد الاكتفاء بالجذع بأنه في الضأن دون المعز .
وذكر المحقق الخليلي قولا بجواز الاكتفاء بالجذع من المعز إن كانت المصلحة في ذلك ، بل ذكر جواز ما دون الجذع من الضأن والمعز جميعا إن رأى المصلحة في ذلك ، ثم قال : " وفيها قول آخر أنه ليس له أن يتجاوز عما شرع فيها ، وليس للنظر في هذا مجال ، إذ هو ليس بمال للسعاة ، فيكون فيه النظر إليهم ، ولا ينحط عن رب المال فرضه إلا أن يأتي به كما أمر ، وهذا القول أشبه بالأحكام ، والأول يصح في معاني النظر للإسلام ، فإنه أصل كبير وباب واسع تدور عليه قواعد مطردة "(2) .
وأرى القول بجواز الجذع من المعز أو ما دونه لا يتخرج إلا على رأي من يسوغ إخراج القيمة في الزكاة ، وفي ذلك خلاف سيأتي في محله إن شاء الله .
المبحث الثاني
التوسط فيما يأخذه الساعي
__________
(1) مصنف ابن أبي شيبة ( 2 / 368 ) برقم 9985 .
(2) شرح لطائف الحكم 84 . (1/142)
صفحة 143
لا بد من مراعاة التوسط فيما يأخذه الساعي بين نفائس الأموال وخسائسها ، كما تدل على ذلك الآثار المروية ، فقد جاء في حديث أنس المذكور في كتاب الصدقة : " ولا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا أن يشاء المصدق "(1) ، وفي حديث عبد الله بن معاوية الغاضري الذي أخرجه أبو داود والطبراني وجود إسناده : " ولا يعطى الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة ، ولكن من وسط أموالكم فإن الله لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشره "(2) ، وفي حديث سويد عن مصدقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهما قالا : " نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نأخذ شافعا ، والشافع الذي في بطنها ولدها "(3) ، وفي حديث ابن عباس ـ رضي لله عنهما ـ عند البخاري ، فيما أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاذا عندما بعثه إلى اليمن : " وتوق كرائم أموال الناس "(4) ، وأخرج أبو داود في المراسيل ، والبيهقي وابن أبي شيبة والطحاوي عن هشام بن عروة عن أبيه عروة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا تأخذ من حزرات أموال الناس شيئا "(5) ، وأخرجه الطحاوي مسندا من طريق عائشة رضي الله عنها .
__________
(1) تقدم تخريجه .
(2) سنن أبي داود ( 2 / 103 ) ، برقم 1581 ، طبعة دار الفكر .
(3) سنن أبي داود كتاب الزكاة ، باب : في زكاة السائمة برقم 1581 ، والنسائي برقم 2462.
(4) صحيح البخاري : كتاب الزكاة ، باب : لا تؤخذ كرائم أموال الناس رقم 1389 .
(5) عون المعبود (7 / 266 ) طبعة 2 ، الدراي لابن حجر العسقلاني طبعة دار المعرفة . (1) (1/143)
صفحة 144
وفي كتاب الأموال لأبي عبيد عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال : " لا تأخذ الولود ولا الربى ولا الأكيلة ولا فحل الغنم ولكن خذ الجذع ، فذلك نصف بيننا وبينهم " ، قال أبو عبيد هكذا في الحديث الأكيلة وفي العربية الأكولة ، والأكولة هي التي تعزل للأكل وإنما الأكيلة أكيلة السبع(1) .
وقد تبين من هذه الروايات جميعا أن على المصدق أن يتوسط في تصديق الماشية ، فلا يأخذ نفائس الأموال ولا خسائسها ، فليس له أن يأخذ الهرمة ـ وهي التي سقطت أسنانها لكبرها ـ ولا ذات العوار ـ بفتح العين وضمها ـ وهي المعيبة ، وقيل بفتح العين وبالضم العَُور ، واختلف في ضبطها فالأكثر على أنها ما يثبت به الرد في البيع ، وقيل ما يمنع الإجزاء في الأضحية ، ويدخل في المعيب المريض ، والذكورة بالنسبة إلى الأنوثة ، والصغير سنا بالنسبة إلى سن أكبر منه(2) .
وتدخل فيها الدرنة وهي الجرباء ، والمريضة بأي مرض ،
والشرط اللئيمة كما جاء في حديث عبد الله بن معاوية ، وفسرت الشرط بالصغار الشرار ، واللئيمة بالشحيحة باللبن(3) .
وأما الكرائم فمنها الشافع ، وقد فسرت في الحديث بالتي في بطنها ولدها وهي الماخض ، ومنها الربى وهي التي تربي ولدها ، ومعنى ذلك أن تكون قريبة عهد بالولادة ، وفسرها أبو المؤثر بالتي ترضع سخلها(4) ، وعليه فالنهي عنها من أجل توقي الإضرار بالمالك بالحيلولة بينها وبين رضيعها ، وفيها مراعاة الرفق بها وبرضيعها .
__________
(1) الأموال ( 159 – 160 ) .
(2) فتح الباري ( 3 / 385 ) ، نيل الأوطار ( 4 / 145 ) .
(3) نيل الأوطار ( 4 / 151 ) .
(4) شرح لطائف الحكم 90 . (1/144)
صفحة 145
وأما الولود ، فالظاهر أنها المتميزة بكثرة الولادة ، وأما الفحل فهو الذي يطرقها لتحمل ، وفي أخذه إضرار بالمالك وهو التيس ، كما جاء في حديث أنس ، ولذلك استثنى فيه أن يشاء المصّدق ـ أي رب المال المتصدق ـ فإن رضاه بذلك بذل منه للأجود ، وهو مما يزاد عليه أجرا ـ كما سبق ـ وقد ضبط عند الأكثر بتشديد الصاد كما ذكره الحافظ ابن حجر(1) ، وعليه فالاستثناء خاص به دون سابقيه ، ومنهم من ضبطه بتخفيف الصاد بمعنى الساعي ، وكأنه يشير بذلك إلى التفويض إليه في اجتهاده لكونه يجري مجرى الوكيل فلا يتصرف بغير المصلحة ، فيتقيد بما تقتضيه القواعد(2) .
وعلى الوجه الثاني فإنه يحمل على النهي عن أخذ التيس لعيبه فلا يجزي ، وهو قول عند الشافعية ، وعلله ابن قدامة حيث قال : " التيس الذي لا يؤخذ لنقصه وفساد لحمه وكونه ذكرا ، وعلى هذا لا يأخذ المصدق ـ الساعي ـ أحد هذه الثلاثة ، إلا أن يرى ذلك بأن يكون جميع النصاب من جنسه ، فيكون له أن يأخذ من جنس المال "(3) .
__________
(1) فتح الباري ( 3 / 385 ) .
(2) المرجع السابق .
(3) المغني ( 2 / 473 ) . (1/145)
صفحة 146
هذا وقد ذكر النووي أن أصحابه الشافعية نقلوا عن داود أنه قال : لا تجزي الحامل ، لأن الحمل عيب في الحيوان ، بدليل أنه لو اشترى جارية فوجدها حاملا فله ردها بسبب الحمل ، وقال : الحامل لا تجزي في الأضحية ، قال النووي وأجاب القاضي أبو الطيب في تعليقه وسائر الأصحاب بأن الحمل نقص في الآدميات لما يخاف عليهن من الولادة بخلاف البهائم ، ثم قال : الحمل فضيلة فيها ، قالوا : ولهذا قلنا لو اشترى جارية فوجدها حاملا فله ردها بذلك ، ولو اشترى بهيمة فوجدها حاملا لم يكن له ردها به ، ولم يكن الحمل عيبا فيها بل هو فضيلة ، ولهذا أوجب صاحب الشريعة في الدية المغلظة أربعين خلفة في بطونها أولادها ، وأجاب الأصحاب عن الأضحية فقالوا إنما لا تجزي الحامل في الأضحية لأن المقصود من الأضحية اللحم ، والحمل يهزلها ويقل بسببه لحمها فلا تجزي ، والمقصود في الزكاة كثرة القيمة
والدر والنسل وذلك في الحامل ، فكانت أولى بالجواز(1) .
قلت والعجب من داود كيف قاس حمل الحيوان على حمل الجارية في عده عيبا مع الفارق الكبير بينهما ، فإن الجارية تشترى لأكثر من أرب ، ومن بينها الاستمتاع ، والاستمتاع بالحامل من الغير حرام لحديث : " لا تطأوا الحوامل حتى يضعن "(2) ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - فيمن أراد أن يلم بجاريته وهي حامل من غيره : " لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره ..." الحديث(3) فكيف تقاس عليها الدابة التي لا دخل لها في هذا ؟ والأعجب من ذلك أن من أصول مذهب داود عدم الأخذ بالقياس أصلا ، فكيف يمنعه في المتماثلين ويأخذ به في المتباينين ؟
__________
(1) المجموع ( 5 / 428 ) .
(2) رواه الربيع في مسنده 1 / 211 برقم 526 .
(3) مسلم 1441 كتاب النكاح باب : 23 تحريم وطء الحامل المسبية ، سنن أبي داود رقم 2156 ، كتاب النكاح ، باب ( 43 – 44 ) في وطء السبايا . (1/146)
صفحة 147
وقد ألحق العلماء بما ذكر في الروايات كثيرا ما يشبهه ، سواء كان من النفيس أو عكسه ، ومن ذلك الكزار وفسر بكبش الراعي يحمل عليه زاده(1) .
وقد فصل المحقق الخليلي أنواع العيوب الحيوانية التي يجب تجنبها من أجلها في الصدقات وإليك نص ما قاله : " العيب لفظ مجمل ، وفي شموله جنس لما تحته من الأنواع ، وكلها لا تعدو أصلين لأنه إما أن يكون مما لا دواء له ، وإما أن يكون من الطباع ، وكلها لا تخرج عن ثلاثة أحوال : إما مغتفر لقلته كالصحيح لا يعتد به في العيوب ، وإما عكسه فلا جواز له في حال ، وإما متردد النظر في الجهتين ، فالساعي فيه مخير ، وضابط ذلك أن الداء إما متلف كالقلاب فلا وجه لجوازه ، أو بالعكس كالعضباء الجائزة في الأضحية فلا وجه لمنعه ، وما قارب أحد الوجهين جاز إلحاقه بالحكم به ، وما توسط فالنظر للسعاة فيه فقد تختلف الأحكام في الداء الواحد قلة وكثرة فتشمله الأحكام الثلاثة من حيث تباين حالاته ، ولهذا ورد في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الضحايا : " أنه نهى عن أربع : العوراء البين عورها ، والعرجاء البين عرجها ، والمريضة البين مرضها ، والعجفاء التي لا تبقى " ، ففي توصيف العور والعرج والمرض بكونه بينا دليل على أن فيه شيئا مغتفرا إن كان غير بيِّن ، وقد تنقسم العيوب أيضا إلى حالات لأنها مضرة بنفس الدابة كالذبحة والجرب ، أو تنقص من الثمن كالبتر والصلم ، أو من المنفعة كالحد في الشاة - أي يباس الضرع ـ أو طبع مضر بالمالك كالعثار والعضاض ، أو طبع منها فيها كمص الحليب في ذوات اللبن ، وكذا قيل فيما تأكل الحبال طبعا في المواضع الخاصة بالربط ولا تأكل النوى خاصا بالبقر فيما هو موضع طعامها إلى غير ذلك من الأحوال التي تشاكلها مما وردت في الآثار أنه من العيب ، ثم قال : فنقول العيب أنواع ؛ فالنوع الأول من الأدواء والأمراض وهي كثيرة فمنها
__________
(1) شرح لطائف الحكم 90 ، بيان الشرع ( 18 / 155 ) . (1/147)
صفحة 148
العور ، وهو ذهاب حس إحدى العينين ، والعمى إن شملهما والعرج والظلع والقزل سواء ثلاثهن وزنا ومعنى ، وقيل القزل بالقاف والزاي : سوء العرج ، وقيل هو مع دقة الساق فلا يكون قزلا إلا بينهما ، والعرج قد يكون خلقة أو لشيء يصيبه في الرجل فيخمع كالظلع بالظاء المعجمة .
ومنها العَجَف ـ بفتح العين المهملة والجيم ـ وهو في القاموس ذهاب السمن, وفي شمس العلوم هو الهزال الذي ليس بعده , وهو أتم العبارات ، وفي قول بعض الفقهاء ما يؤيده , لقولهم إنه الهزال الذي لا يبقي ـ أي الهزال المتلف ـ , وأكثر القول أنه الهزال المفرط , وهو أعجف وهي عجفاء ـ بالمد ـ والجمع عِجاف ـ بالكسر ـ حملا على ضده وهو سمان , ولم يسمع غيره , ومنها الهرم , وقد فسر , ومنها الحلل ـ محركة والحاء مهملة ـ وهو رخاوة في قوائم الدابة , وقيل استرخاء في العصب مع رخاوة الكعب , وفي قول ثالث أنه خاص بالإبل .
ومنها القَفَد ـ بفتح القاف والفاء وآخر الدال المهملة ـ وهو أن يميل خف البعير إلى الجانب الأيسر , ومنها العضَد ـ بفتح الضاد المعجمة بين المهملتين ـ والأولى فتحه , وهو داء في أعضاد الإبل , وربما حطمها إن لم يبادر بعلاج , ومنه الضُّلاع ـ بضم المعجمة ـ داء في قوائم الإبل لا من مسير ولا من تعب , كذا في القاموس , ومنها الجَدَّاء ـ بفتح الجيم وتشديد المهملة والمد للتأنيث ـ وهي يابسة الضرع , وقيل صغيرة الثدي مقطوعة الأذن , وتجدد الضرع ذهاب لبنه . (1/148)
صفحة 149
ومنها الدَّبَر ـ بفتح المهملة والموحدة ـ وهو معروف ومنه المثل " هان على الأملس ما لاقى الدبر " , ومنها الذُِّبْحة ـ بضم المعجمة أو كسرها مع سكون الموحدة في الوجهين , وبعدها الحاء المهملة ـ وهو داء في الحلق , يخنق فيقتل , ويسمى بالذباح ـ بضم الذال أو كسرها ـ , ومنها الدِّئْبة ـ بكسر المهملة وسكون الهمزة قبل الموحدة ـ وهو داء يأخذ الدواب في حلوقها , وقرحة ما بين دفتي الرحل والسرج , كذا في القاموس بلفظه , والمشهور عند أهل عمان أن الدئبة طاعون الإبل .
والغُدة ـ بالضم ـ اسم لكل عقدة في الجسد , وربما قتلت , ومنه في الحديث " غدة كغدة البعير " , ومنه القُلاب ـ بضم القاف وفي آخره الباء الموحدة ـ داء يميت البعير من يومه ، قاله في القاموس , وأنا لا أدريه , ومنها القَرْح ـ بفتح القاف وسكون الأولى من المهملتين ـ وهو جدري الإبل , ـ ثم قال ـ وبالجملة فالأمراض كثيرة , موضعها لمن أراد الاستقصاء لها والمعرفة بها البيطرة . (1/149)
صفحة 150
ثم ذكر أنواع العيوب التي تكون بتفرق الاتصال , فقال : " وهو إما عام كالكسر والجرح والقطع مطلقا , وإما خاص باسم أو اسمين في لغة أو أكثر , وسنذكر منه ـ إن شاء الله ـ ما فسره أهل العقل والفضل , فمن ذلك إن كسر أحد قرني الدابة فعصب ـ بفتح إحدى المهملتين قبل الباء الموحدة ـ , أو القرن الداخل فعضب ـ بالضاد المعجمة ـ , أو القرنان فجَمَم ـ بفتح الجيم والميم ـ , أو قطعت الأذن فصلم ـ بفتح المهملة ـ , وقد يقال له جذع أو الأذنان معا فسَكٌّ ـ بتشديد الكاف بعد المهملة المفتوحة ـ , أو الأنف خاصا بالأرنبة , فشرم ـ بفتح المعجمة قبل المهملة ـ وإلا فجدع ـ بفتح الجيم قبل المهملتين ـ وقد يقال صلم أيضا , أو شققت أذن المعز فشرق ـ بفتح المعجمة قبل المهملة وبعدها القاف ـ ، وقد يقال له شرم , والناقة كذا فعضب ـ بالضاد المعجمة ـ , ومنه العضباء قيل لناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقبا لها وليست كذلك , أو قطعت الشفة فجذع أيضا أو اليد أيضا , أو ثقبت الأذن ثقبا كبيرا مستديرا فخَرق ـ بفتح المعجمة والقاف بعد المهملة ـ , أو قطع منها شيء فترك معلقا إلى قدام فإقبالة , أو إلى وراء فإدبارة , أوكسر الضرس فثَرَم ـ بفتح المعجمة والمهملة ـ, أو قطع الذنب فبَتْر ـ بفتح الموحدة وسكون المثناة من فوق ـ , وبهذا يفسر ما رواه علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نستشرف الأذن والعين وألا نضحي بشرقاء ولا خرقاء ولا مدابرة ولا بتراء " (1) , ومعنى الاستشراف في الرواية أن نتفقد ونتأملهما لئلا يكون فيهما نقص وعور أو جذر أو نطلبهما شريفتين بالتمام , كذا فسره بحر اللغة .
وفي حديث آخر يوجد في كتب الفقه : " نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن
__________
(1) رواه أحمد في مسنده برقم 1061 (1/128) ط . مؤسسة قرطبة , وأبو داود في سننه برقم 2804 . (1/150)
صفحة 151
نضحي بالشرماء والخرقاء والمدابرة والجذعاء "(1) , والمعنى كما تقدم ـ ثم ذكر ـ ما يكون من العيوب في الطباع والأفعال كالذعار وهو الجِفال , والعِثار وهو النعس , والانكباب , والعِضاض وهو النهش بالفم عن شره , والرِّباض وهو البروك في حال السير , والخِراط وهو جذب الرسن من يد الممسك ثم تمضي , فتلك خمسة , وضابطها في الوزن فعال ـ بالكسر ـ , ويختلف في كونه عيبا يرد البيع به , كذا في الأثر , ومنها الرِّكاض ـ بالكسر ـ وهو الدفع بالرجل رفسا كالرمح أو بالرجلين معا , فالقُِماص ـ بالضم والكسر ـ , أو الشِّماس ـ بالكسر ـ إن منعت ظهرها الركوب وهو خاص بالفرس , أو إذا اشتد جريها وقفت , فالحُِران ـ بالضم والكسر ـ أو خاص بذات الحافر ، والنطح معروف .
إلى أن ذكر العيوب التي تتعلق بالأطعمة كالبقر التي لا تأكل النوى , حيث ذلك غالب طعام دوابهم أو لا طعام لها غيره , ثم ذكر اختلاف الفقهاء في الأضحية إن بقي ثلث العضو الذاهب مثل القرن والأذن والذنب , وأن منهم من لا يجيزها في الأضحية ما لم يبق الأكثر , ومنهم من أجاز في القرن ما لم يبلغ المشاش ، وهو جمع مُشاشة ـ بالضم ـ وهي رأس العظم الممكن المضغ , وأن منهم من لم يجزها إذا أدمي القرن , إلى أن قال : " وكل ما جاز في الأضحية فجوازه هنا بلا اختلاف , وما منع ثم من صلماء وشرقاء وخرقاء وسكاء وعضباء وثرماء وجماء وجذعاء ومقابلة ومدابرة ونحوها , ففيه النظر إلى السعاة هنا , وكل عيب رد به البيع فكذا حكمه لثبوته عيبا , ثم قال : " وما أخذه الساعي ولم يعلم به عيبا ثم وجده فيه ولم يكن حدوثه عنده أو صح أن العيب فيه إذ هو عند ربه فله رده به ـ إن كان مما يرد البيع بمثله "(2) .
__________
(1) سنن النسائي كتاب الضحايا : باب الخرقاء , حديث رقم 4374 .
(2) شرح لطائف الحكم ( 92 ـ 96 ) . (1/151)
صفحة 152
وقد نقلت معظم ما قاله لأنني لم أجد عند غيره هذا التفصيل والاستيعاب لأنواع العيوب , ومما هو ظاهر بداهة أن هذه عيوب متفاوتة , فمنها ما يجوز للساعي أن يغض عنه طرفه , ومنها ما هو بخلافه , ومنها ما يتعين أن يرجع فيه إلى النظر لمصلحة الزكاة , وهذا كله يختلف باختلاف الأحوال , فلابد للساعي أن يكون ذا نظر وتأمل .
وهنا مسائل تتعلق بالمقام :
المسألة الأولى : إذا كانت الماشية كلها معيبة بمرض أو نحوه ففيما يجب في زكاتها أقوال :
قيل : يجب عليه إخراج الوسط ، وهو الذي نص عليه خليل في مختصره ، وتابعه عليه شارحه الشيخ عليش(1) ، وكذلك الزرقاني ومحشيه الرهوني(2) إلا أنهم استثنوا أن يرى الساعي المصلحة في أخذ المعيبة ، وهو منصوص عليه في المدونة عن مالك(3) ، ومثل ذلك عندهم لو كانت كلها خيارا ، وإنما اختلفوا في أخذ المعيبة ، هل يتوقف على إذن رب الماشية أو لا ؟ فبالأول قال محمد ، وبالثاني قال ابن القاسم(4)3) .
وقيل بل يخرج واحدة منها ، وهو الصحيح عند الحنابلة(5) ، وقال أبو بكر منهم : لا تجزي إلا صحيحة ، لأن أحمد قال : لا يؤخذ إلا ما يجوز في الأضاحي(6) ، وبإخراج واحدة منها قالت الزيدية(7) ، وهو قول الإمامية(8) .
وفي المذهب عندنا في ذلك قولان : رجح الإمام الثميني جواز إخراج واحدة منها ، وأقره شارحه القطب(9) ، وقال فيه صاحب الإيضاح بأنه أقوى في باب القياس(10) ، وعزاه المحقق الخليلي إلى
أصحابنا مع نصه على الخلاف في ذلك ، كما في قوله :
ومختلف في الأخذ منها أيجتزى
__________
(1) منح الجليل ( 2 / 11 ) .
(2) حاشية الرهوني ( 2 / 246 ) .
(3) المدونة الكبرى ( 1 / 267 ) .
(4) حاشية الرهوني ( 2 / 246 ) . (3)
(5) المغني ( 2 / 475 ) .
(6) المرجع السابق ، وانظر الإنصاف ( 3 / 54 ) .
(7) الروض النضير ( 2 / 406 ) .
(8) المبسوط للطوسي ( 1 / 195 ) .
(9) شرح النيل ( 3 / 206 ) .
(10) الإيضاح ( 2 / 97 ) . (1/152)
صفحة 153
…… به حيث عم العيب فيهن والسقم (1)
وهو قول الشافعية (2) ، وهو الصحيح لأن الله تعالى فرض الزكاة من المال حيث قال : (3) ، على أن الزكاة مبنية على التيسير ـ كما سبق ـ وفي تكليف رب المال إخراج الصحيحة عن المراض والسمينة عن العجاف من العسر ما لا يخفى ، فقد يؤدي ذلك إلى الإجحاف بماله ، حيث تكون الصحيحة السمينة التي يطالب بها تفي قيمتها بقيمة النصاب كله أو تكاد ، وقد تكون السنة مسنتة حيث لا توجد سمينة قط فمن أين يأتي بها ؟
هذا ، وأما إن كانت الصدقة الواجبة من غير جنس الماشية المزكاة ، كالشاة في الإبل وكانت الإبل مراضا أو عجافا ، فللعلماء في ذلك نظر .
وإليك ما قاله النووي في المجموع : "قال أصحابنا ـ الشافعية ـ الشاة الواجبة في الإبل يشترط كونها صحيحة بلا خلاف ، سواء كانت الإبل صحاحا أو مراضا لأنها واجبة في الذمة ، وما وجب في الذمة كان صحيحا سليما ، لكن إن كانت الإبل صحاحا وجبت شاة صحيحة كاملة بلا خلاف ، وإن كانت الإبل مراضا فله أن يخرج منها بعيرا مريضا ، وله إخراج شاة ، فإن أخرج شاة فوجهان مشهوران حكاهما المصنف – أي صاحب المهذب – والأصحاب ؛ أصحهما عند المصنف وغيره تجب شاة كاملة كما تجب في الصحاح ، لأنه لا تعتبر في صفة ماله فلم يختلف بصحة المال ومرضه كالأضحية ، والثاني هو قول علي بن خيران تجب شاة بالقسط ، فيقال خمس من الإبل قيمتها مراضا خمسمائة وصحاحا ألف ، وشاة الصحاح تساوي عشرة ، فتجب شاة صحيحة تساوي خمسة ، فإن لم توجد بهذه القيمة شاة صحيحة ، قال صاحب الشامل : فرق الدراهم على الأصناف للضرورة "(4) .
__________
(1) شرح لطائف الحكم 97 .
(2) المجموع ( 5 / 419 ) .
(3) سورة التوبة الآية 103 .
(4) المجموع ( 5 / 398 – 399 ) . (1/153)
صفحة 154
والقول الأول هو الذي ذهب إليه الشافعي كما في الأم ، ونصه : قال الشافعي : " ولو كانت الإبل معيبة وكانت فريضتها الغنم ، فكانت الشاة التي تجب فيها أكثر ثمنا من بعير منها ، قيل لو أعطيتها قبلت ، وإن لم تعطها فلك الخيار في أن تعطي بعيرا متطوعا مكانها أو تعطيها ، فإن أبى الخيار جبر على أخذ الشاة ، ومتى جبر فلم يعط الشاة حتى يختار أن يعطى البعير قبل منه(1) .
وما حكاه النووي عن ابن خيران في مراعاة التفاوت بقيمة الصحاح والمراض في الإبل في الشاة المخرجة عنها له وجه وجيه
في النظر .
أما الحنابلة فالشاة المخرجة عندهم في الإبل تكون كالإبل في الجودة والرداءة ، فإن كانت الإبل سمانا فسمينة ، وإن كانت هزالا فهزيلة ، وإن كانت كرائم فكريمة ، وإن كانت لئاما فلئيمة . فإن كانت مراضا أخرج شاة صحيحة ، فيقال لو كانت الإبل صحاحا كم كانت قيمتها وقيمة الشاة ؟ فيقال قيمة الإبل مائة وقيمة الشاة خمسة ، فينقص من قيمتها قدر ما نقص من الإبل ، فإذا نقصت الإبل خمس قيمتها وجبت شاة قيمتها أربعة ، وفي قول ثان تجزيه شاة تجزي في الأضحية من غير نظر إلى القيمة ، وعلى القولين لا تجزي المريضة لأن المخرج من غير جنسها ، وليس كله مراضا ، فينزل منزلة اجتماع الصحاح والمراض لا تجزي فيه إلا الصحيحة "(2) ، ورأيهم هذا يتفق مع قول ابن خيران المذكور .
__________
(1) الأم 2 / 6 ) .
(2) المغني ( 2 / 445 ) . (1/154)
صفحة 155
المسألة الثانية : إذا كانت الغنم متفاوتة ، فيها الصحاح والمراض والسمان والهزال والكرام واللئام ، فالواجبة في زكاتها من أوسطها على أن تكون صحيحة لا تعاب بما يمنع في الصدقات ، ومثله إذا كانت صغارا وكبارا فإنها تجب فيها كبيرة مع مراعاة قيمتي الصغار والكبار وذلك هو القسط ، ومثله إذا تفاوتت بحيث كانت صنفين معزا وضأنا ، وفي النيل : " واستحسن إعطاء ضأن بمعز وجاز عكسه إن تساوت قيمتهما ، قال شارحه : أو كانت المعز أكثر قيمة ، وكذا ناقص مع كامل(1) ، ومثله في الإيضاح(2) ، وفيهما أنه يخرج من صنف في عام ومن آخر في العام الثاني(3) .
وإخراج الوسط باعتبار القيمة هو رأي الشافعية – مع بعض الاختلاف بين علمائهم في طريقة ذلك – لو وجبت عليه شاتان وكانت مراضا وصحاحا ، هل يلزم كونهما صحيحتين بالقسط بحسب مراعاة قيمة الصحاح والمراض أو أنه يخرج صحيحة ومريضة (4) ؟ واختار العلامة الجيطالي من أصحابنا أن تكون من كل بقدر حصته(5) . وينطبق حكم ما مضى على الإبل والبقر إذا تفاوتت أحوالها ، وكذلك إذا اختلفت أصنافها كالبخت والمهاري والدهم في الإبل ، والجواميس والدربانية في البقر ، وقيل بل يراعي الأكثر عند اختلاف الأصناف ، وهو قول مالك(6) ، وبه قال عكرمة وإسحاق(7) ، وقيل بالتخيير وعليه الحنابلة(8) .
__________
(1) شرح النيل ( 3 / 205 ) .
(2) الإيضاح ( 2 / 98 ) .
(3) انظر المرجعين السابقين .
(4) انظر المجموع ( 5 / 419 – 420 ) ، البيان ( 3 / 195 – 196 ) .
(5) قواعد الإسلام ( 2 / 19 ) .
(6) المدونة ( 1 / 269 – 270 ) .
(7) المغني ( 2 / 480 ) .
(8) المرجع السابق . (1/155)
صفحة 156
وفي كتب المالكية أنه يأخذ من الأكثر إن تفاوتت ، ويخير من أي الصنفين إن تساويا ، وإن وجبت اثنتان أخذ من كل صنف واحدة ، ودونك ما نص عليه خليل منهم : "وضم بخت لعراب ، وجاموس لبقر ، وضأن لمعز ، وخير الساعي إن وجبت واحدة وتساويا ، وإلا فمن الأكثر ، وثنتان من كل إن تساويا أو الأقل نصاب غير وقص ، وإلا فالأكثر ، وثلاث وتساويا فمنهما وخير في الثالثة وإلا فذلك(1) ، ويفيد آخر كلامه أنه إن وجبت شاتان في الضأن والمعز فتخرجان من كلا الصنفين إن تساوى الصنفان في العدد ، وكذلك إن اختلفا وكان الأقل لو استقل بنفسه لكان نصابا كمائة وعشرين من الضأن وأربعين أو خمسين أو ستين من المعز ، وإن وجبت ثلاث فتخرج كذلك من كل صنف واحدة ، والثالثة يراعى فيها التساوي أو التفاوت(2) ـ على حسب ما سبق في الواحدة ـ وينطبق هذا عندهم على أصناف البقر والإبل .
وقد اشتد نكير ابن حزم عليهم فيما ذهبوا إليه حيث قال : " وهذا قول بلا برهان لا من قرآن ولا من سنة صحيحة ، ولا رواية سقيمة ولا قول صاحب ولا قياس ، بل الذي ذكروا خلاف للسنن المذكورة ، وقد اتفقوا على جمع المعز مع الضأن وعلى أن اسم غنم يعمها ، وأن اسم الشاة يقع على الواحد من الماعز أو الضأن ، ولو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علم في حكمها فرقا لبيَّنه كما خص التيس ـ وإن وجد في اللغة اسم التيس يقع على الكبش ـ وجب أن لا يؤخذ في الصدقة إلا برضى المصدق ، ثم قال : والعجب أن المانع من أخذ الماعزة عن الضأن أجاز أخذ الذهب عن الفضة والفضة عن الذهب وهما عنده صنفان يجوز بيع بعضهما ببعض متفاضلا "(3) .
__________
(1) مختصر خليل مع شرحه منح الجليل ( 2 / 12 / 13 ) .
(2) المرجع السابق ( 2 / 13 – 14 ) ، وانظر عقد الجواهر الثمينة ( 1 / 283 – 284 ) ، والذخيرة ( 3 / 112 ) .
(3) المحلى ( 5 / 402 ) . (1/156)
صفحة 157
وهو بهذا يوافق القائلين بالتخيير كما هو مذهب الحنابلة ، وبه قال الطوسي من الإمامية(1) : " وأرى أن هذا القول هو أقوى حجة وأوضح محجة ، فإن تقييد إطلاق النصوص الشرعية يتوقف على دليل شرعي ، وأين الدليل المقيد لإطلاق قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في أربعين من الغنم شاة ، مع صدق الغنم على المعز والضأن بلا خلاف بين الأمة ، وصدق الشاة على كل فرد من أفراد الصنفين ؟ فتقييد ذلك باعتبار الكثرة والقلة أو بفرض الأخذ من كلا الصنفين في حال التساوي تقييد غير مبني على دليل شرعي ، وإنما هو مجرد استحسان ، والاستحسان لا يعارض الدليل النصي ولا يقيد إطلاقه ، وإن مما اتفق عليه الأصوليون أن العام غير المخصص ، وأن المطلق غير المقيد يجري كل منهما في مجراه ، فالعام على عمومه والمطلق على إطلاقه ، فليت شعري كيف ساغ لهم تقييد إطلاق الحديث ، على أن التفاوت بين قيمتي المعز والضأن مراعى في الأحاديث ، فقد سبق بيان أن الراجح بالسنة اشتراط أن يكون المخرج في الزكاة من الضأن جذعا ، ومن المعز ثنيا ، وهو كاف لمراعاة ما عسى أن يكون من التفاوت بين شاة الضأن وشاة المعز ، وأرى مثل ذلك في أصناف الإبل والبقر ، على أن مراعاة الوسط واجبة على الساعي ، كما أن السخاء بالأفضل والأحب إلى النفس أجمل بحال رب المال ، لقوله تعالى : (2) ، ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ثلاث من فعلهن طعم طعم الإيمان ، من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا الله ، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه رافدة عليه كل عام " ... الحديث(3) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لمن أعطى أكثر مما يجب عليه : " ذاك الذي عليك وإن تطوعت بخير قبلناه منك وآجرك الله فيه "، وقد سبق .
__________
(1) المبسوط للطوسي ( 1 / 200 ) .
(2) سورة آل عمران الآية 92 .
(3) تقدم تخريجه . (1/157)
صفحة 158
هذا ولعلمائنا في المذهب رأيان آخران فيما إذا اجتمع الضأن والمعز ؛ أحدهما موافق للشافعي ، والآخر موافق لمالك(1) ، وفيه يقول المحقق الخليلي :
وتأخذ من كل بقسط وخيروا
إذا استويا والأخذ بالقسط لم يذم
هذا مع ما سبق عن الإيضاح والنيل وشرحه مع جواز إخراج المعز عن الضأن مع تساوي القيمة أو رجحان قيمة المخرج ، أو إخراج ضأن في عام ومعز في تاليه ، ولهم آراء كذلك في كيفية الأخذ من زكاة الغنم إن تفاوتت جودة رداءة ، فقيل يؤخذ من الوسط بحسب النظر وهو الذي يطالب رب المال بإحضاره ، وعليه الإمام أبو سعيد الكدمي ـ كما هو رأي الإمام الشافعي ـ ولعل أبا سعيد لم يسبق إليه من قبل أحد من علماء المذهب ، بدليل قوله : وإن كنت لم أعلمه من قول أصحابنا ، ولكنه لما أشبه العدل لم يبعد عندي(2) .
وقيل يعول فيه على التقسيم ، ولهم فيه طرائق :
الطريقة الأولى : أن تقسيم الغنم أثلاثا وفيه وجهان :
أولهما ما رواه ابن المنذر في إشرافه عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه لقي سعدا فقال له : إذا صدقتم الماشية فاقسموها أثلاثا ثم يختار رب الغنم الثلث ثم اختاروا من الثلثين الباقيين .
ثانيهما أن يختار المصدق من الثلث الأوسط ، حكاه ابن المنذر عن عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه - قال : وبه قال الزهري وأبو القاسم(3) وعزا ذلك العلامة الجيطالي إلى عمر بن الخطاب(4) .
__________
(1) معارج الآمال ( 15 / 150 ) .
(2) بيان الشرع ( 18 / 136 ) نقلا عن زيادات أبي سعيد على إشراف ابن المنذر .
(3) المرجع السابق.
(4) قواعد الإسلام (2/19) . (1/158)
صفحة 159
الطريقة الثانية : أن توزع على فرقتين ونسبه ابن المنذر إلى الحكم بن عينية وسفيان الثوري(1) , وذكره صاحب الإيضاح قولا لبعض الفقهاء ـ أي فقهاء المذهب ـ(2) ، وعليه عول أكثر أصحابنا المشارقة ، ولهم في ذلك وجهان أيضا :
أولهما : أن تصدع الغنم قسمين فيختار رب الغنم أحدهما ثم يختار من الصنف الثاني شاة ويختار المصدق شاة حتى يستوفي حقه ، وعليه اقتصر أبو الحسن البسيوي(3) .
ثانيهما : أن يكون الخيار من القسم الثاني للساعي أولا ثم لرب المال ، و قد ذكر هذين الوجهين كل من الإمام أبي سعيد في زياداته على الإشراف(4) ، والمحقق الخليلي في قصيدته لطائف الحكم و شرحها ونور الدين السالمي في معارج الآمال(5) وغيرهم ، وأضاف المحقق الخليلي إليهما القول بتقسيمها أثلاثا وهذا نص ما في قصيدته :
وللأخذ شطرين اصدعنها أو اقسما
كذاك وخير فيهما صاحب الغنم
ومن شطرها الثاني فتختار فذة
ويختار أخرى واجر هكذا بأم
وبعض يرى تقديم ذي المال أولا
بذي الشطر أيضا والتناسق ما انخرم
وقول من الثلث الموسط أخذها
وإن جاء رب المال بالفرض لم يلم(6)
وأنكر مالك تفريق الغنم من أجل الزكاة , ففي المدونة : " هل كان مالك يعرف أن المصدق يجمع الغنم ثم يفرقها فيختار رب المال أي الفريقين شاء , ثم يأخذ هو من أي الفرقة الأخرى , فقال لم يعرفه وأنكره "(7) .
__________
(1) بيان الشرع (18/135) نقلا عن إشراف ابن المنذر .
(2) الإيضاح (2/98) وانظر شرح النيل (3/205).
(3) جامع أبي الحسن (2/193).
(4) انظر بيان الشرع (18/135) نقلا عن زيادات أبي سعيد على إشراف ابن المنذر .
(5) معارج الآمال (15/173ـ174).
(6) انظر شرح الأبيات في شرح لطائف الحكم ( 79 ـ 82 ) .
(7) المدونة الكبرى ( 1 / 268 ) . (1/159)
صفحة 160
هذا , وليست هذه الطرق مقصودة لذاتها , وإنما هي وسيلة للوصول إلى الغرض وهو إيتاء الغرض من قبل رب المال وأخذه من قبل المصدق ولئن تحقق ذلك بأي وجه كفى , لذلك أجنح إلى ما ذهب إليه الإمام أبو سعيد ـ رحمه الله ـ وهو أن رب المال يؤمر بإحضار الفرض , وذلك معنى قول المحقق الخليلي رحمه الله : " وإن جاء رب المال بالفرض لم يلم " .
المسألة الثالثة : شدد أكثر الشافعية في إخراج شاة الزكاة , فقالوا بأنها لا تجزي إلا أن تكون من غنم بلده , وقال بعضهم يتعين أن تكون من غنم نفسه , وذهب آخرون منهم إلى أن تكون من غالب غنم البلد , وأجاز بعضهم من غير غنم البلد(1) .
وهذا القول الأخير نقل النووي عن صاحب التتمة أنه حكاه وجها وزعم أنه المذهب , قال النووي : " وهذا أقوى في الدليل لأن الواجب شاة , وهذه تسمى شاة , لكنه غريب شاذ في المذهب , وذكر أن الأول هو المنصوص الذي عليه الجمهور"(2) .
وهذا التقييد الذي ذهبوا إليه لم أجد عليه دليلا , ولا ينبغي أن يعدل عما دل عليه الدليل إلى ما سواه , فإن الأقوال إنما تعرف صحتها بقوة أدلتها , وقد نص النووي نفسه في المنهاج على عدم اشتراط أن تكون من غالب غنم البلد(3)3) .
المسألة الرابعة : لا خلاف بين أهل العلم أن المشروع إخراجه في زكاة الإبل الإناث دون الذكور , وإنما دل النص على الاجتزاء بابن لبون مكان بنت المخاض عند عدمها , وقد سبق نقل الخلاف في تطبيق هذا على ما كان أعلى منها في الأسنان , ومثل ذلك البقر عند من قال بأن زكاتها زكاة الإبل ـ كما هو رأي المذهب عندنا ـ , وكذلك عند الجمهور القائلين بوجوب التبيع في الثلاثين والمسنة في الأربعين منها , أجاز التبيع الذكر في الثلاثين ووقع خلاف أهل العلم في الغنم , هل يلزم في شاة زكاتها أن تكون أنثى , أو أن الذكر والأنثى في ذلك سواء ؟
__________
(1) المجموع ( 5 / 398 ) .
(2) المرجع السابق .
(3) المنهاج مع شرحه زاد المحتاج ( 1 / 429 ) . (1/160)
صفحة 161
ذهب الحنفية إلى أنه لا فرق في هذا بين الذكر والأنثى , لأن اسم الشاة يصدق عليهما معا(1)1) , وهو قول الزيدية(2)2) والظاهرية(3)3) والإمامية(4)4) , غير أن الطوسي منهم قال : " فإن كانت كلها ذكورا أخذ منه ذكرا , وإن كانت إناثا أخذ منه أنثى , فإن أعطى بدل الذكر أنثى أو بدل الأنثى ذكرا أخذ منه لأن الاسم تناوله "(5)5) , وعلى القول بعدم التفرقة بينهما أكثر المالكية , وممن نص عليه منهم خليل في مختصره وأقره شارحه الشيخ عليش(6)6) , وبه قال القرافي وعزاه إلى ابن القاسم(7)7) .
__________
(1) حاشية ابن الهمام ( 2 / 182 ) ، بدائع الصنائع ( 2 / 878 ) ، المبسوط للسرخسي ( 2 / 183 ) ، البحر الرائق ( 2 / 216 ) ، حاشية ابن عابدين ( 2 / 18 ) ، الاختيار لتعليل المختار ( 1 / 108 ) .
(2) الروض النضير ( 2 / 401 ) ، البحر الزخار ( 2 / 166 ) ، شرح الأزهار ( 1 / 485) ، التاج المذهب ( 1 / 197 ) .
(3) المحلى ( 5 / 399 ) .
(4) جامع المقاصد ( 3 / 13 ) .
(5) المبسوط للطوسي ( 1 / 200 ) .
(6) منح الجليل ( 2 / 11 ) .
(7) الذخيرة ( 3 / 109 ) . (1/161)
صفحة 162
وقال ابن شاس من المالكية : " اختلف في صفة الشاة الواجبة في الغنم والإبل , فقال ابن القاسم وأشهب : يجزي الجذع والثني من المعز والضأن ذكرا أو أنثى , وقال أبو الحسن : لا تجزي إلا الأنثى لكن تجزي جذعة كانت أو ثنية من المعز أو من الضأن , وقال ابن حبيب : حكمها حكم الضحية لا يجزي فيها إلا الجذع من الضأن ذكرا كان أو أنثى والثني من المعز إلا أن يكون تيسا . قال الشيخ أبو محمد : وليس بقول مالك وأصحابه فيما علمنا(1) , وهو يدل على الخلاف بينهم في هذا , وممن نص على الخلاف الرهوني(2) , على أن في مدونة مالك ما يدل على جواز أخذ الذكر , حيث نص على الجذع والثني بصيغة التذكير , ونصه قال مالك : " لا يأخذ إلا الجذع أو الثني إلا أن يشاء رب المال .. إلى آخره , وفيها : قلت أرأيت الذي يؤخذ في الصدقة من الغنم الجذع أهو في الضأن والمعز سواء ؟ قال : نعم , قلت : وهذا قول مالك قال : نعم " , غير أنه قال من بعد : " قال مالك لا يأخذ تيسا والتيس هو دون الفحل إنما يعد من ذوات العوار , وذكر من بعد ذلك جواز أخذ المصدق له إذا كان خيرا له "(3) .
__________
(1) عقد الجواهر الثمينة ( 1 / 280 ) .
(2) حاشية الرهوني ( 2 / 245 ـ 246 ) .
(3) المدونة الكبرى ( 1 / 267 ) . (1/162)
صفحة 163
وقال ابن رشد في المقدمات : وإن التيس المنهي عن إخراجه في الصدقة فقيل هو الذكر من المعز غير المسن الفحيل , فلا يجوز للساعي أن يرضى به لأنه أقل من حقه , إذ لا يؤخذ من المعز إلا أنثى على ما قاله ابن حبيب , وهو قوله في المدونة : " والتيس هو دون الفحل إنما يعد مع ذوات العوار والهرمة والسخال , وقيل هو الفحل الذي يطرق الغنم كان من الضأن أو من المعز , فنهى عن أخذه في الصدقة لأنه فوق السن الواجبة له فلا يأخذه إلا برضى رب الماشية "(1) , والخلاف في هذا أيضا بين الشافعية ، وملخص ما في المجموع أنه إذا أخرج الأنثى أجزاه بلا خلاف وهي أفضل , وإن أخرج الذكر ففيه وجهان مشهوران , الإجزاء وهو قول أبي إسحق المروزي , وهو المنصوص للشافعي كما يجزي في الضحية وعدمه لحديث سفيان ابن عبد الله الثقفي المتقدم ـ إلى أن قال ـ هكذا صرح الأصحاب , وشذ المتولي وغيره فحكوا فيها طريقين , أصحهما هذا , والثاني أن الوجهين إذا كانت كلها ذكورا وإلا فلا يجزي الذكر , والمذهب الأول ـ ثم قال ـ والوجهان يجريان في شاة الجبران(2) , وصحح في المنهاج إجزاء الذكر(3) .
وأما الحنابلة فلا يجزي عندهم الذكر في زكاة الغنم إلا أن يكون النصاب كله ذكورا(4) ، أما إذا كان النصاب كله ذكورا فيجزي الذكر عندهم ، وحكى المرداوي قولا أنه لا يجزي ، وعليه فتجب عليه أنثى بقيمة الذكر ، وذلك بأن يقوم النصاب من الإناث ، وتقوم فريضته ويقوم نصاب الذكور وتؤخذ أنثى بقسطه(5) .
__________
(1) المقدمات ( 1 / 167 ـ 268 ) .
(2) المجموع ( 5 / 397 ـ 398 ) .
(3) المنهاج مع شرحه زاد المحتاج ( 1 / 429 ) .
(4) المغني ( 2 / 473 ـ 474 ) ، والشرح الكبير ( 2 / 503 ـ 504 ) ، والإنصاف ( 3 / 53 ـ 54 ) .
(5) الإنصاف ( 3 / 53 ) . (1/163)
صفحة 164
وأما الإباضية ففي أخذ الذكور من الغنم في الزكاة عندهم خلاف ، قيل لا فرق بين الذكر والأنثى وهو رأي العلامة أبي الحسن البسيوي ، وهذا نص قوله : " وهي ـ أي الذكور والإناث ـ بمنزلة واحدة ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : في الأربعين شاة شاة وهذا اسم يشتمل الذكور والإناث ، لأن الذكر في الغالب بقيمة الأنثى(1)2) ، ثم قال بعد ذلك " وفي قول أصحابنا : لا يؤخذ ذكر ولا ناقص ولا ذات عوار ولا جذعة ولا هرمة إلا أن يشاء رب المال(2) ، وهذا نفسه في بيان الشرع(3) .
والظاهر من هذا الاستثناء أنه يرجع إلى الذكر إن كان تيس الغنم ، وما حكاه عن أصحابنا هو عين ما ذكره ابن جعفر إلا إنه اقتصر على ذكر الذكر والماخض(4) .
وقيد العلامة الجيطالي جواز أخذ الذكر بكونه أكثر ثمنا من
الأنثى(5) ، وأجازه صاحبا الإيضاح والنيل وشارحه إن كانت قيمته كقيمة الأنثى أو أفضل(6) ، قال في الإيضاح : " وكذلك الخصي والخنثى على هذه الحال(7) ، وفي النيل وشرحه : " ولا يعطى خنثى عن ذكر واضح أو نعجة واضحة ، فإن فعل وقيمته كقيمة الشاة فلا بأس ، ولا يكتفي ( بخصي ) وإن فعل فلا بأس(8) ، وفيه قال في الديوان : " وإن كان عنده الذكور من الضأن والإناث من المعز ، أعطى من أي شاء على المعز إن لم يجد غيرهما "(9) ، وأجاز الإمام أبو سعيد الكدمي أخذ تيس الغنم بشرطين : أولهما أن يرضى بذلك رب المال ، وثانيهما أن تكون قيمته قيمة الفريضة أو أفضل(10) .
__________
(1) جامع أبي الحسن ( 2 / 192 – 193 ) .
(2) المرجع السابق .
(3) بيان الشرع ( 18 / 156 ) .
(4) جامع ابن جعفر ( 3 / 150 ) .
(5) قواعد الإسلام ( 2 / 14 ) .
(6) الإيضاح ( 2 / 98 ) شرح النيل ( 3 / 205 ) .
(7) الإيضاح المرجع السابق .
(8) شرح النيل ( 3 / 206 ) .
(9) المرجع السابق (205)
(10) بيان الشرع( 15 / 186 ) نقلها عن زيادات أبي سعيد على الإشراف . (1/164)
صفحة 165
وقال قطب الأئمة ـ رحمه الله تعالى ـ في الذهب الخالص : " ولا له ـ أي للمصدق ـ تيس وهرمة ولا ذكر ومعيبة إلا لمصلحة بيت المال وإن أخذ ذلك لا لمصلحة بل جهلا أو غفلة أو محاباة لصاحب المال لزم صاحب المال أن يؤدي الناقصة ، ومن يعطي زكاة ماله بنفسه للفقير ، فالأولى إذا كان من يستحقها يذبحها أن يقصد إلى ما هو أعظم جسما وأسمن ولو ذكرا أو أعور أو نحو ذلك(1) ، وهو كما ترى مبني على مراعاة المصلحة .
وحكى الإمام السالمي الخلاف في جواز إخراج الذكر إن لم تكن ماشيته كلها ذكورا(2) ، وقد أتى المحقق الخليلي في شرحه لطائف الحكم على هذه الأقوال جميعا ، وأضاف إليها قولين ؛ أحدهما أن للساعي أخذ الذكر وليس ذلك عليه ، وثانيها أن أخذه ليس له ولا عليه(3) .
والخلاف في هذا مبني على اختلاف نظرهم في النهي عن أخذ التيس في الحديث , هل هو لخساسته أو لنفاسته ؟ وهل استثناء رضى المصدق يقصد به الساعي ، على أن يكون ناظرا للمصلحة في ذلك أو يقصد به المالك على أن يجود بالأفضل ؟ وهو مبني على اختلافهم في ضبط صاده هل بالتخفيف فيكون هو الساعي أو بالتشديد فيكون هو المالك ؟ هذا مع كسر داله ، وإن فتحت مع تخفيف الصاد فبمعنى المالك أيضا ، وقد اعتبر بعضهم جودة لحم الذكر من الغنم توازي قيمة الأنثى مع ما فيها من مصلحة النسل واللبن ، وآخرون ذهبوا إلى أنه فاسد اللحم وليس هو كالأنثى ، والمجيزون راعوا أن الشاة تصدق على الذكر والأنثى ، فإذا أمر بها مطلقا فالذكر والأنثى في ذلك سواء ، كما هو الشأن في الأضحية والهدي ، والمفرقون بينهما راعوا أنه حيوان تجب الزكاة في عينه فكانت الأنوثة معتبرة في فرضه كالإبل ، والمطلق يتقيد بالقياس على سائر النصب والأضحية معتبرة بالمال بخلاف مسألتنا(4) .
__________
(1) الذهب الخالص 220 .
(2) معارج الآمال ( 15 / 160 ) .
(3) شرح لطائف الحكم 86 .
(4) المغني ( 2 / 474 ) . (1/165)
صفحة 166
وأرى أن هذا القياس ضعيف لاختلاف جنسي الحيوان وعدم اتحاد حكمهما في أحوال الزكاة ، فإن الذكر في الإبل قد يكون له حكم آخر عندما يكون أسن من الأنثى ، وقد يكون الاختلاف في الفرض ما بين النصابين فيها باختلاف السن ، فإن الجذعة تجزي لما تجزي له الحقة ، والحقة تجزي لما لا تجزي له بنت لبون ، وبنت لبون تجزي لما لا تجزي له بنت مخاض ، وهذه الفوارق في أحكام الزكاة غير موجودة في الغنم ، إذ الفرق بين الفريضة والفريضة فيها يكون بالعدد لا بالسن ، وبما أن الحديث جاء بذكر الشاة المطلقة فلا داعي لتقييدها بمثل هذا القياس مع ما فيه من الضعف ، وكذلك لا أرى وجها لقياس الموسعين شاة الزكاة على شاة الأضحية والهدي للتباين بين أحكام الزكاة وأحكام الأضحية والهدي ، ومن ذلك عدم اشتراط الأنوثة فيما يهدى أو يضحى من الإبل ، بخلاف ما يجب منها في فرائض الزكاة ، وإنما الدليل الذي ينبغي أن يعول عليه هو إطلاق الحديث ، والمطلق على إطلاقه ما لم يثبت تقييده .
أما ما قيل من أن لحم ذكور الغنم فاسد بخلاف لحم إناثها ، فهو عائد إلى فساد ذوق قائله ، وليس له أن يحمل أذواق الناس على ذوقه ، وإنما يجدر به أن يعالج نفسه إن كان قد إيف ذوقه . (1/166)
صفحة 167
المسألة الخامسة : إن كانت الإبل أو البقر كلها ذكرانا ، فهل يجزي إخراج الذكر منها ؟ هذه المسألة لم أجد لها بحثا إلا عند الحنابلة ، ونص صاحب المغني في ذلك : " وإن كان النصاب كله ذكورا جاز إخراج الذكر في الغنم وجها واحدا ، وفي البقر في أصح الوجهين ، وفي الإبل وجهان ، والفرق بين النصب الثلاثة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على الأنثى في فرائض الإبل والبقر ، وأطلق الشاة الواجبة ، وقال في الإبل من لم يجد بنت مخاض أخرج ابن لبون ذكرا ، ومن حيث المعنى يتغير فرضها بزيادة السن ، فإذا جوزنا إخراج الذكر أفضى إلى التسوية بين الفرضين ، لأنه يخرج ابن لبون عن خمس وعشرين ، ويخرجه عن ستة وثلاثين ، وهذا المعنى يختص بالإبل ـ إلى أن قال ـ ومن جوز إخراج الذكر في الكل قال يأخذ ابن لبون من خمس وعشرين قيمته دون قيمة ابن لبون يؤخذ من ستة وثلاثين ، ويكون بينهما في القيمة كما بينهما في العدد ، ويكون الفرض بصفة المال ، وإذا اعتبرنا القيمة لم يؤد إلى التسوية كما قلنا في الغنم "(1) ، ومثله في الشرح الكبير ، وأضاف إليه : " ويحتمل أن يخرج ابن مخاض من خمسة
وعشرين ، فيقوم الذكر مقام الأنثى في سنه كسائر النصب "(2) .
__________
(1) المغني ( 2 / 474 ) .
(2) الشرح الكبير ( 2 / 504 ـ 506 ). (1/167)
صفحة 168
ومما نعجب منه أن نرى المرداوي يحكي عن صاحبي المغني والشرح أنهما صححا جواز إخراج الذكر في ذكور الإبل والبقر سواء كما عزا ذلك إلى غيرهما من الحنابلة ، ونص كلامه : " يجزي إخراج الذكر إذا كان النصاب كله ذكورا في الإبل والبقر ، في أحد الوجهين ، وهو الصحيح من المذهب صححه في النظم ، والمذهب ، والمغني ، والشرح ، والرعايتين ، وجزم به في الوجيز ، والعمدة وغيرهما ، وقدمه في الفروع ، والفائق ، وشرح ابن رزين ، وغيرهم "(1) . مع أن صاحبي المغني والشرح إنما صححا الجواز في البقر وحدها واقتصرا في الإبل على ذكر الوجهين من غير تصحيح كما سبق .
ثم إن المرداوي ذكر للحنابلة أقوالا أخرى في المسألة :
أحدها : لا يجزي فيها إلا أنثى ، فتقدم ـ كما تقدم في زكاة ذكور الغنم ـ على الوجه الثاني ، قال : " وأطلقهما في الهداية والمستوعب والتلخيص والحاويين " .
ثانيها : أنه يجزي عن البقر لا عن الإبل ، لئلا يجزي ابن لبون عن خمس وعشرين وعن ستة وثلاثين فيتساوى الفرضان .
ثالثها : أنه يجزي ابن مخاض عن خمس وعشرين ، فيقوم الذكر
مقام الأنثى التي في سنه كسائر النصب ، وحكاه ابن تميم عن القاضي وأنه أصح ، وقال القاضي : " يخرج عن ست وثلاثين ابن لبون زائد القيمة على ابن مخاض بقدر ما بين النصابين " ، وقال في المذهب : " إن كانت كلها ذكورا أجزى إخراج الذكر في البقر قولا واحدا ، وفي الإبل والغنم وجهان ـ قال ـ كذا وجدته في نسختين ؛ القطع بالإجزاء في البقر وإطلاق الخلاف في الإبل والغنم، ولم أر هذه الطريقة لغيره فلعله تصحيف من الكاتب"(2) .
__________
(1) الإنصاف ( 3 / 53 ـ 54 ) .
(2) المرجع السابق 54 . (1/168)
صفحة 169
هذا وأنت ترى أن الحنابلة في هذه المسألة يذهبون تارة إلى مراعاة القيمة كما في قولهم بالتفرقة بين ابن اللبون الذي يخرج في الخمس والعشرين والذي يخرج في الست والثلاثين , وتارة إلى إقامة الذكر مقام الأنثى في حالة كون جميع النصاب ذكورا , وكل ذلك إنما مرده إلى النظر , وليس له مستند من نص أو قياس , وأعجب ما في ذلك قول من ذهب إلى أن ابن مخاض يقوم مقام بنت مخاض فيما إذا كان النصاب خمسة وعشرين وكانت كلها ذكورا , مع أن الحديث نص على وجوب ابن لبون في هذا العدد إن لم توجد بنت مخاض , ولم يفرق بين كونها ذكورا أو إناثا , وقد كان أحرى بهم ـ وهم من المدرسة الأثرية ـ أن لا يعدلوا في ذلك عن النص إلى النظر , على أن للمشكلة حلا واضحا إذا أعملنا النص والقياس , فإن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر " , يدل على أن الفرق ما بين الذكر والأنثى في الفريضة لا يبقى له أثر عندما يكون الذكر أكبر من الأنثى الواجبة بعام , وذلك في حال عدمها , وبناء عليه يحل الحق محل بنت لبون , والجذع محل الحقة , والثني محل الجذعة , وهكذا يحل الحقان محل بنتي لبون , والجذعان محل الحقتين , والأخذ بهذا القياس أولى من إحلال الذكر محل الأنثى التي هي في سنه .
المبحث الثالث
في إخراج القيمة في زكاة الماشية : (1/169)
صفحة 170
…الزكاة فريضة محتومة كسائر فرائض الله على عباده , ويتنازعها جانبان : جانب تعبدي وهو حق الله على عباده , وجانب اجتماعي تكافلي , وهو حق الأمة بعضها على بعض . فباعتبار الجانب الأول تكون الزكاة كالصلاة والصيام والحج في وجوب عدم الخروج عن حدودها المرسومة , والجانب الثاني فيه مراعاة لما يترتب عليها من المصالح الفردية والاجتماعية , كسد حاجات المعوزين وانتشالهم من هوة الفقر , وعونهم على النهوض بالأعباء المادية في الحياة , مع ما يتبع ذلك من تربية الضمير وإيقاظ مشاعر الرحمة , وتعويد النفوس على الميل إلى البر والإحسان , وانتزاع ما عسى أن يكون فيها من الشح وحب الاستئثار , هذا في جانب ذوي اليسار .
وأما الجانب الآخر وهم الفقراء , فإنهم بجانب انتفاعهم ماديا بهذه الزكاة , تكون لها آثار إيجابية في تحويل نفوسهم إلى مشاعر تختلف عن مشاعرها التي تعتمل بين جنباتها لولا هذه الزكاة , فإنهم مع شعورهم بالحرمان تتأجج فيهم مشاعر الكراهية والأحقاد , تجاه الأغنياء الذين يعيشون في الترف والبذخ ولا يبالون بما عليه البؤساء المحرومون من نكد العيش ولأواء الفاقة والمعاناة من الحرمان , فبقدر سد حاجاتهم ودفع خصاصتهم تحل المودة محل الشنآن وحب الخير محل الحسد , والوفاق محل الشقاق , فلا يكون بين الجانبين إلا التراحم والتلاحم .
وبناء على مراعاة هذين الجانبين وترجيح أحدهما على الآخر , اختلف العلماء في جواز إخراج القيمة بدلا من إخراج الأصل الواجب في الزكاة , سواء في ذلك الماشية وغيرها : فمن رجح الجانب التعبدي منع ذلك لما فيه من التبديل , إذ العبادات توقيفية لا يسوغ تجاوز شيء من حدودها وتغيير شيء مما شرع فيها , بخلاف من راعى الجانب المصلحي . (1/170)
صفحة 171
والمنع من ذلك هو قول الشافعية(1) , غير أنهم استثنوا من ذلك ما كان للضرورة كالذي سبق نقله من كلام علمائهم في جواز إعطاء الفارق بين الحقاق وبنات اللبون إذا أخرج غير الأغبط للزكاة , في حال فقدان الأغبط , وذلك عند اجتماع الفرضين , وكذلك أجازوا إخراج قيمة الشاة الواجبة في خمس من الإبل إن لم يجدها , وإخراج قيمة بنت مخاض إن لم يجدها ولا بديلها ابن لبون لا في ماله ولا بالثمن , وقد ذكر النووي أمثلة عديدة لذلك(2) , والمنع هو قول المالكية أيضا(3) , ولذلك قالوا بعدم إخراج البعير عن الشاة ـ إن وجبت عليه في زكاة الإبل ـ كما تقدم , وهو قول الظاهرية(4)وعليه أكثر الحنابلة(5) , وروي عن أحمد جواز إخراج القيمة في غير زكاة الفطر(6) .
__________
(1) المجموع ( 5 / 428 ـ 431 ) , البيان ( 3 / 207 ) .
(2) المجموع ( 5 / 431 ) .
(3) الذخيرة ( 3 / 118 ) .
(4) المحلى ( 6 / 6 ) .
(5) الشرح الكبير ( 2 / 524 ) .
(6) المرجع السابق . (1/171)
صفحة 172
وحكى ابن تيمية عنه أنه منع القيمة في مواضع , وجوزها في مواضع , فمن أصحابه من أقر النص , ومنهم من جعلها على روايتين , ـ قال ـ والأظهر في هذا أن إخراج القيمة لغير حاجة ولا مصلحة ممنوع منه , إلى أن قال : وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل فلا بأس , مثل أن يبيع ثمر بستانه أو زرعه بدراهم , فهنا إخراج عشر الدراهم يجزيه , ولا يكلف أن يشتري تمرا أو حنطة إن كان قد ساوى الفقراء بنفسه , وقد نص أحمد على جواز ذلك , ومثل أن تجب عليه الشاة في خمس من الإبل , وليس عنده من يبيعه شاة , فإخراج القيمة هنا كاف , ولا يكلف السفر إلى مدينة أخرى ليشتري شاة ومثل أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة لكونها أنفع , فيعطيهم إياها أو يرى الساعي أن أخذها أنفع للفقراء , كما نقل عن معاذ بن جبل أنه كان يقول لأهل اليمن : أئتوني بخميص أو لبيس أسهل عليكم , وخير لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار "(1) .
__________
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية ( 25 / 82 ) . (1/172)
صفحة 173
وذهب إلى جواز إخراج القيمة في الزكاة طائفة من أهل العلم , وهو مروي عن عمر وابنه عبد الله وابن مسعود ومعاذ وابن عباس وطاوس والثوري(1) , وهو قول الحنفية(2) , والإمامية(3) , وقد سبق أنه رواية عن أحمد في غير زكاة الفطر , قال المرداوي : " وعنه تجزي للحاجة من غير تعذر الفرض ونحوه , نقلها جماعة ومنهم القاضي في التعليق , وصححها جماعة , منهم ابن تميم وابن حمدان , واختاره الشيخ تقي الدين وقال ابن البنا في شرح المحور: إن كانت الزكاة جزءا لا تمكن قسمته جاز صرف ثمنه إلى الفقراء ـ قال ـ وكذا كل ما يحتاج إلى بيعه , مثل أن يكون بعيرا لا يقدر على المشي وعنه تجزي عما يضم دون غيره , وعنه تجزي القيمة , وهي الثمن لمشتري ثمرته التي لا تصير تمرا أو زبيبا عن الساعي قبل جداده , والمذهب لا يصح شراؤه فلا تجزي القيمة على ما يأتي "(4) .
والقول بجواز القيمة فيها هو مذهب الإمام البخاري , كما يدل عليه صنيعه في صحيحه حيث بوب فيه ( باب العرض في الزكاة) , وصدره بأثر معاذ - رضي الله عنه - حيث قال : " وقال طاوس : قال معاذ - رضي الله عنه - لأهل اليمن : ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس عن الصدقة مكان الشعير والذرة , أهون عليكم وخير لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة "(5) .
قال ابن رشيد : وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم , لكن قاده إلى ذلك الدليل(6) .
أما أصحابنا ـ الإباضية ـ فلهم في ذلك رأيان مشهوران :
__________
(1) عمدة القاري ( 9 / 8 ) .
(2) المبسوط ( 2 / 156 ) , بدائع الصنائع ( 2 / 878 ) , حاشية ابن الهمام ( 2 / 191 ) , عمدة القاري ( 9 / 8 ) .
(3) محاضرات في فقه الإمامية : كتاب الزكاة ( ق1 / 190 ـ 196 ) .
(4) الإنصاف ( 3 / 59 ) .
(5) صحيح البخاري : كتاب الزكاة : باب (33) .
(6) عمدة القارئ (9/4) . (1/173)
صفحة 174
أولهما : المنع وهو الذي صححه العلامة الشماخي ـ رحمه الله ـ في الإيضاح قائلا : " والقول الأول ـ أي المنع ـ عندي أصح لأن الإجماع يعضده ، ثم قال وكذلك اختلف من أجاز القيمة , هل يعطي القيمة غير الصامة ؟ , قال بعضهم لا يعطي في القيمة غير الصامة , ولا يعطي التمر على الزبيب , ولا الزبيب على التمر , ولا الذرة على السلت , ولا السلت على الذرة , وقال بعضهم لا بأس إن لم يبق عليه شيء من قيمة ما عليه , وكذلك جميع أنواع الزكاة على هذا الحال(1) , وتابعه في تصحيحه هذا الرأي الإمام الثميني في النيل وأقره شارحه(2) .
وحكى الإمام السالمي ـ رحمه الله ـ في فتواه تصحيح صاحب
الإيضاح للمنع , ثم قال : وعلى هذا القول أيضا مشهور الفتوى من أشياخنا أهل المشرق , وإن كان عمل الناس على غيره(3) , وهذا عكس ما يفهم من كلامه في المعارج , فهو صريح في كونه ميالا إلى رأي المرخصين , وعزا ذلك إلى أكثر الأصحاب(4) , وسيأتي إن شاء الله .
__________
(1) الإيضاح (2/24) .
(2) شرح النيل (3/32) .
(3) العقد الثمين نماذج من فتاوى نور الدين ( 2 / 270 ) , مكتبة الضامري للنشر والتوزيع ، الطبعة اللأولى 1413 هـ ـ 1993 م . .
(4) معارج الآمال ( 16 / 109 ) . (1/174)
صفحة 175
والمتأمل لما في كتب المشارقة من أصحابنا يجد أن الغالب على آرائهم إجازة إعطاء القيمة مراعاة للمصلحة , وهم في ذلك بين موسع ومضيق , وإليك بعض ما جاء فيها : قال العلامة الشقصي في منهج الطالبين : " وسئل أبو الحواري ـ رحمه الله ـ عن رجل معه زكاة مثل حب أو تمر فيرى فقيرا أو يتيما عريانا فيأخذ له ثوبا فيعطي ثمنه من ذلك الحب أو التمر , كما يكون السعر في البلد , فإن كان الذي عليه الزكاة يشتري الثوب من عند غيره أو يعطي كراء النساج فلا بأس بذلك , وهو جائز في بعض القول , وإن أعطى الثوب من عنده أو عمله بيده وحسب ذلك من زكاته فلا يجوز , وقد قيل في بعض القول إن أعطى فقيرا ثوبا وحسبه من زكاته إن ذلك جائز , ويروى أن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قد فعل ذلك , وسواء كانت الزكاة من الحب أو التمر أو الورق , أشار بذلك على الفقير أو لم يشر عليه , أعلمه بذلك أو لم يعلمه إذا قبضه الفقير وصار إليه , وكذلك إن طحن من حب الزكاة وخبزه وأطعمه الفقراء وابن السبيل فجائز ذلك كله , ولو كان في يوم العيد واشترى لحما أو ضحية في يوم الأضحى جاز ذلك ـ إن اشترى من عند غيره ـ , وأما إن أعطاه من عنده وحسب ثمنه من زكاته فلا يجوز ذلك على القول الذي نأخذ به , وأما فيما يروى عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - فهو جائز كان ذلك من عنده أو من عند غيره , وقول أنه لا يجوز من هذا شيء إلا أن يسلم الزكاة للفقير كما وجبت ثم يفعل الفقير فيها ما يشاء "(1) .
وعن موسى بن محمد ما يشابه هذا المحكي عن أبي الحواري ومثله عن أبي محمد ، والخلاف محكي أيضا في كلام أبي سعيد(2) .
__________
(1) منهاج الطالبين وبلاغ الراغبين ( 5 / 190 ) , وزارة التراث القومي والثقافة . انظر أيضا المصنف ( 6 / 248 – 249 ) , وزارة التراث القومي , وبيان الشرع ( 19 / 205 ) .
(2) المراجع السابقة . (1/175)
صفحة 176
وذكر نورالدين السالمي ـ رحمه الله ـ اختلاف العلماء في جواز إعطاء القيمة ، ثم قال : " ثم اختلف هؤلاء ـ أي المرخصون ـ فقال بعضهم لا يعطى فيها غير الذهب والفضة ، وقال الأكثر يعطى باعتبار القيمة العروض وغيرها كالتمر والزبيب عن الحب "(1) ، وهو نفس الخلاف الذي حكاه صاحب الإيضاح في القيمة غير الصامة .
وقد أعاد كل من العلامة الشماخي والإمام السالمي ـ رحمهما الله ـ الخلاف في ذلك إلى ما ذكرناه من تغليب مراعاة جانب التعبد أو جانب المصلحة في الزكاة(2) .
وهذا الخلاف كله ينطبق على زكاة الأنعام كغيرها ، إذ لا فرق في هذا بين أصناف الأموال الزكوية .
والمتشددون نظروا إلى أن النصوص التي دلت على فروض الزكاة بجميع أصنافها جاءت مقدرة تقديرا ، كحديثي ابن عمر وأنس - رضي الله عنهم - فإنها جميعا ناصة على ما يجب في أي صنف ومن أي نصاب ، على أن الزكاة إنما وجبت لدفع حاجة الفقير من كل نوع ما تندفع به حاجته ، ويحصل شكر النعمة بالمواساة من جنس ما أنعم الله عليه .
__________
(1) معارج الآمال ( 16 / 209 ) .
(2) الإيضاح ( 2 / 23 ) ، معارج الآمال ( 16 / 209 ) . (1/176)
صفحة 177
قال النووي : " استدل أصحابنا بأن الشرع نص على بنت مخاض وبنت لبون وحقة وجذعة وتبيع ومسنة وشاة وشياه وغير ذلك من الواجبات ، فلا يجوز العدول ، كما لا يجوز في الأضحية ولا في المنفعة ولا في الكفارة وغيرها من الأصول التي وافقوا عليها ، ولا في حقوق الآدميين ، واستدل صاحب الحاوي بقوله - صلى الله عليه وسلم - في صدقة الفطر : قال : صاعا من تمر ، أو صاعا من شعير ... إلى آخره "(1) ولم يذكر القيمة ، ولو جاز لبينها فقد تدعو الحاجة إليها ، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - قال : في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض ، فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون "(2)، ولو جازت القيمة لبينها، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - قال فيمن وجبت عليه جذعة : " فإن لم تكن عنده دفع حقة وشاتين أو عشرين درهما "(3) ، وكذا غيرها من الجبران على ما سبق بيانه في حديث أنس في أول باب زكاة الإبل ، فقدر البدل بعشرين درهما ، ولو كانت القيمة مجزئة لم يقدره بل أوجب التفاوت بحسب القيمة ، وقال إمام الحرمين في الأساليب المعتمدة في الدليل لأصحابنا : " إن الزكاة قربة لله , وكل ما كان كذلك فسبيله أن يتبع فيه أمر الله تعالى ، ولو قال إنسان لوكيله اشتر ثوبا وعلم الوكيل أن غرضه التجارة ولو وجد سلعة هي أنفع لموكله لم يكن له مخالفته وإن رآه أنفع ، فما يجب لله تعالى بأمره أولى بالاتباع "(4) .
__________
(1) أخرجه النسائي في كتاب الزكاة باب : مكيلة زكاة الفطر .
(2) أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة باب : في زكاة السائمة 1567 ، وابن ماجة في كتاب الزكاة باب : صدقة الإبل 1768 ، وأحمد في مسند أبي بكر 73 ، والنسائي في كتاب الزكاة باب : زكاة الغنم 2455 .
(3) سبق تخريجه .
(4) المجموع ( 5 / 429 ـ 430 ) . (1/177)
صفحة 178
وأما المترخصون فإنهم استدلوا بالأثر المروي عن معاذ وذكره البخاري تعليقا ، قال الحافظ ابن حجر : " هذا التعليق صحيح الإسناد إلى طاوس لكن طاوس لم يسمع من معاذ فهو منقطع ، فلا يغتر بقول من قال : ذكره البخاري بالتعليق الجازم فهو صحيح عنده ، لأن ذلك لا يفيد إلا الصحة إلى من علق عنه ، وأما باقي الإسناد فلا إلا أن إيراده له في معرض الاحتجاج يقتضي قوته عنده ، وكأنه عضده عنده الأحاديث التي ذكرها في الباب ، وقد روينا أثر طاوس المذكور في كتاب الخراج ليحيى بن آدم من رواية ابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة وعمرو بن دينار فرقهما كلاهما عن طاوس(1) .
والأحاديث التي عضد بها البخاري هذا الأثر هي حديث أبي هريرة الذي جاء فيه : " وأما خالد فقد احتبس أدراعه واعتده في سبيل الله " ، وحديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للنساء : " تصدقن ولو من حليكن " ، وحديث أنس في كتاب الصدقات الذي كتبه أبو بكر - رضي الله عنه - وقد تقدم ، واستشهاده منه بقوله : " ومن بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده وعنده بنت لبون فإنها تقبل منه ، ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين ، فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها وعنده ابن لبون فإنه يقبل منه وليس معه شيء ..."
ووجه استدلاله بقصة خالد أنه جعل صنيعه هذا مسقطا للزكاة الواجبة عليه ، لأنه عد هذا القول من النبي - صلى الله عليه وسلم - في مقام الدفاع عن خالد ، وأنه ظلم فيما نسب إليه من منع الزكاة ، دليلا على اعتبار منافع ماله الذي حبسه في سبيل الله سادة مسَد الزكاة الواجبة عليه ، فهو إذن دليل على جواز إخراج القيمة فيها ، فإن جواز ذلك في المنافع أدل على جوازه في العروض فضلا عن الأثمان .
__________
(1) فتح الباري ( 3 / 375 ) دار المنار . (1/178)
صفحة 179
وأما حديث : " تصدقن ولو من حليكن " ، فوجه استدلاله به ما قاله البخاري ـ نفسه ـ عقبه : فلم يستثن صدقة الفرض من غيرها ، فجعلت المرأة تلقي خرصها وسخابها ، ولم يخص الذهب والفضة من العروض(1) ، ومعناه أن ذلك شامل لما يجب عليهن من الزكاة المفروضة .
وأما موضع الاستدلال مما ذكره من كتاب الزكاة فهو قبول أنفس مما يجب على المتصدق ، وإعطاؤه التفاوت من جنس غير الجنس الواجب ، وكذا العكس(2) .
هذا وقد علمت مما تقدم انقطاع الأثر المروي عن معاذ ـ رضي الله عنه ـ لأن طاوس الذي رواه عنه ، لم يسمع منه كما نص عليه الحافظ ابن حجر إلا أن الإمام السالمي أجاب في المعارج عن هذا بما حكاه الحافظ نفسه في التلخيص عن الإمام الشافعي أنه قال : طاوس عالم بأمر معاذ ـ وإن لم يقله ـ لكثرة من لقيه ممن أدرك معاذا ، وهذا مما لا أعلم لأحد فيه خلافا(3) .
وأجاب البدر العيني عما قيل من انقطاع سند الأثر ـ وسماه إرسالا ـ بأن المرسل حجة عندهم ؛ أي الحنفية(4) .
وحمل بعض المانعين هذا الأثر على أنه في الجزية لا في الصدقة ـ كما ذكره البيهقي ـ وقال هذا هو الأليق بمعاذ ، والأشبه بما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - من أخذ الجنس في الصدقات وأخذ الدينار أو عدله من ثياب اليمن في الجزية ، وأن يرد الصدقات إلى فقرائهم ، لا أن ينقلها إلى الفقراء في المدينة الذين أكثرهم أهل فَيْء لا أهل صدقة(5) .
__________
(1) صحيح البخاري كتاب الزكاة 1379 و 1397 .
(2) فتح الباري ( 3 / 376 ) .
(3) معارج الآمال ( 16 / 212 ) ، وانظر تلخيص الحبير ( 2 / 152 ) ، والأم للشافعي ( 2 / 7 ) .
(4) عمدة القارئ شرح صحيح البخاري ( 9 / 4 ) .
(5) معارج الآمال ( 16 / 212 ) نقلا عن البيهقي . (1/179)
صفحة 180
قال الحافظ ابن حجر : وحكى البيهقي أن بعضهم قال فيه "من الجزية " بدل الصدقة ، فإن ثبت ذلك سقط الاستدلال ، لكن المشهور الأول ، وقد رواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس أن معاذا كان يأخذ العروض في الصدقة ، قال : وأجاب الإسماعيلي باحتمال أن يكون المعنى ائتوني به آخذه منكم مكان الشعير والذرة الذي آخذه شراء بما آخذه فيكون بقبضه قد بلغ محله ، ثم يأخذ مكانه ما يشتريه مماهو أوسع عندهم وأنفع للآخذ ، قال : ويؤيده أنها لو كانت من الزكاة لم تكن مردودة على الصحابة ، وقد أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ الزكاة من أغنيائهم فيردها على فقرائهم ، وأجيب بأنه لا مانع منه إن كان يحمل الزكاة إلى الإمام ليتولى قسمتها ، وقد احتج به من يجيز نقل الزكاة من بلد إلى بلد ، وهي مسألة خلافية أيضا(1).
هذا وقد نقل الحافظ ابن حجر عن عبد الوهاب المالكي قوله : كانوا يطلقون على الجزية اسم الصدقة ، فلعل هذا منها(2) ، ورد البدر العيني على من حمل الجزية على الصدقة بأربعة أوجه :
أولها : أنه قال مكان الشعير والذرة وتلك غير واجبة في الجزية بالإجماع ، وقد سبقه إلى هذا الوجه الحافظ ابن حجر(3) .
ثانيها : أن المنصوص عليه لفظ الصدقة كما في لفظ البخاري ، والجزية صغار لا صدقة ، ومسميها بالصدقة مكابر.
ثالثها : أنه قال حين بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأخذ زكاتهم ، وفعله امتثال لما بعث من أجله وسببه ، وهو الزكاة ، فكيف يحمل على الجزية ؟
__________
(1) فتح الباري ( 3 / 375 ) ، وانظر السنن الكبرى للبيهقي ( 4 / 113 ) . (1)
(2) فتح الباري مرجع سابق .
(3) المرجع السابق . (1/180)
صفحة 181
رابعها : أن الخطاب مع المسلمين ، لأنه يبين لهم ما فيه من النفع لأنفسهم وللمهاجرين والأنصار ، فلولا أنهم يريدون الخير للمهاجرين والأنصار لما قال : خير لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة وهم المهاجرون والأنصار ، لأن الكفار لا يختارون الخير للمهاجرين
والأنصار(1) .
ثم إن البدر العيني ذكر إيرادات تعقب بها على الاستدلال بأثر معاذ ، وأجاب عليها : منها قولهم : مذهب معاذ عدم جواز نقل الصدقات ، وأجاب عليه بأنه لا أصل له ، لأنه لا ينسب إلى أحد من الصحابة مذهب في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
ومنها ما نسب إلى الإسماعيلي بأنها لو كانت من الزكاة لم تكن مردودة إلى الصحابة ، وقد أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذها من أغنيائهم ويردها على فقرائهم ، أجاب عليه بأن ذلك ليس على إطلاقه ، وإنما هو خير للفقراء منهم ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ، وأعربه بإعرابه ، وما نقل الزكاة إلى المدينة إلا بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد بعثه لذلك ، لأنه لا يجوز نقلها إلى قوم أحوج من الفقراء الذين هم هناك وفقراء المهاجرين والأنصار هم أحوج للهجرة وضيق حال المدينة في ذلك الوقت(2) .
__________
(1) عمدة القارئ ( 9 / 4 ـ 5 ) .
(2) المرجع السابق . (1/181)
صفحة 182
وقد سبق فيما نقلناه من كلام الحافظ ابن حجر أنه أجيب على هذا الاعتراض بأنه لا مانع منه إن كان يحمل الزكاة إلى الإمام ليتولى قسمتها , وأنه احتج به من يجيز نقل الزكاة من بلد إلى بلد , ثم قال العيني : " فإن قلت قد قيل بأن الجزية كانت يومئذ من قوم عرب باسم الصدقة , فيجوز أن يكون معاذ أراد ذلك في قوله في الصدقة , قلت : قال السروجي : قال هذا القاضي أبو محمد ـ ثم قال ـ ما أقبح الجور والظلم منه وما أجهله بالنقل , إنما جاءت تسمية الجزية بالصدقة من بني تغلب ونصارى العرب بالتماسهم في خلافة عمر - رضي الله عنه - , فقال : هي جزية فسموها ما شئتم , وما سماها المسلمون صدقة قط , فإن قلت : قال الطرطوشي : قال معاذ للمهاجرين والأنصار بالمدينة , وفي المهاجرين بنو هاشم وبنو المطلب ولا تحل لهم الصدقة , وفي الأنصار أغنياء لا تحل لهم الصدقة , فدل على أن ذلك جزية , قلت : قال السروجي : ركة ما قاله ظاهرة جدا , وهو تعلق بحبال الهوى وخبط العشواء , لأنه أراد بالمهاجرين والأنصار من تحل له الصدقة , لا من تحرم عليه وكذلك الجزية لا تصرف إلى جميع المهاجرين والأنصار بل إلى مصارفها المعروفين فافهم , فإن قلت : إن قصة معاذ اجتهاد منه فلا حجة فيها , قلت كان معاذ أعلم الناس بالحلال والحرام , وقد بين له النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أرسله إلى اليمن ما يصنع به(1) . وقد أجاب بعين جوابه هذا على الاعتراض الأخير الحافظ ابن حجر(2) .
وحمل بعضهم ما فعله معاذ على أنه كان واقعة حال لا دلالة فيها لاحتمال أن يكون علم بأهل المدينة حاجة إلى ذلك , وقد قام الدليل على خلاف عمله هذا , وأجاب الإمام السالمي بأن الحاجة لا تبيح ما كان ممنوعا : على أنه يمكنه أن يبيع الحب ويشتري الثياب فتندفع الحاجة(3) .
__________
(1) عمدة القارئ :( 9/5 ) .
(2) فتح البارئ : (3 /375) .
(3) معارج الآمال : ( 16 / 213 ) . (1/182)
صفحة 183
هذا : ولم يبن لي وجه استدلال الإمام البخاري بحديث : " وأما خالد فقد احتبس أدراعه واعتده في سبيل الله " لما ذهب إليه من جواز دفع العرض , وإن وجهه البدر العيني بقوله : " ولولا أنه وقفهما لأعطاهما في وجه الزكاة , أو لما صح منه صرفهما في سبيل الله لدخلا في أحد مصارف الزكاة الثمانية المذكورة في قوله عز وجل : (1) فلم يبق عليه شيء "(2) : فأما الوجه الأول فإن دلالته على المراد بعيدة , كيف وهو أنه إن وجبت عليه الزكاة في عين عنده لا يسقطها ما صنعه من بر , لأن واقف جزء من ماله في وجه بر , لا تسقط عنه الزكاة فيما أبقى .
وأما الوجه الثاني فلأن دخول أي صدقة نفل في المصارف الثمانية لا يقتضي أن يكون مثلها مجزئا في الزكاة المفروضة , هب أن أحدا تصدق نفلا بحوار أو سخل أو ما لا يُجتزى به في صدقات الفرض لعيب به , أليس ذلك مما يتقبل منه ؟ ولكن لا يكون دليلا على جواز إخراج مثله في الزكاة المفروضة , ولعل الأقرب من هذا ما ذكره الحافظ ابن حجر ـ فيما نقله عن الجمهور في توجيه ذلك ـ أنه كان نوى بإخراجها عن ملكه الزكاة عن ماله , لأن أحد الأصناف سبيل الله وهم المجاهدون(3) , إلا أن ذلك غير متعين بل احتماله ضعيف وأقوى منه ما ذكره الحافظ ـ نفسه ـ عن الجمهور من أن معنى الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقبل إخبار من أخبره بمنع خالد صدقته لأنه لم يصرح بالمنع ، وإنما نقلوه عنه بناء على ما فهموه ، ويكون قوله تظلمونه أي بنسبتكم إياه إلى المنع وهو لا يمنع ، وكيف يمنع الفرض وقد تطوع بتحبيس سلاحه وخيله(4) ؟ !
__________
(1) سورة التوبة الآية (60) .
(2) عمدة القارئ ( 9 / 5 ) .
(3) فتح البارئ (3/400) .
(4) المرجع السابق ( 3 / 399 ) . (1/183)
صفحة 184
وأما حديث : تصدقن ولو من حليكن " فلا دليل فيه على الغرض ، لأن أقصى ما يستدل به منه الحث على الصدقة لاتقاء العذاب كما هو حديث : " اتقوا النار ولو بشق تمرة ، فإن الصدقة تطفئ النار "(1) ، وحديث أنس : " ردوا السائل ولو بظلف محرق "(2) ، وحديث " يا نساء المؤمنات لا تحقرن إحداكن لجارتها ولو كراع شاة محرق "(3) ، وهو معنى قول الإسماعيلي : " هذا حث على الصدقة ولو من أنفس مال ، وليس في ذلك فرض ، ولو كان من الفرض لقال أدين صدقة أموالكن " .
أما تعقب العيني له بقوله : " معنى تصدقن أدين صدقاتكن وهن أمرن بالصدقة وهو يتناول الفرض والنفل ، ولكن هذا اللفظ إذا أطلق يكون يراد منه الكمال ، وذلك لا يكون إلا في الفرض "(4) ، فلا يخلو من تكلف لأن المقام مقام حث على مطلق الصدقة لاتقاء النار كما في الأحاديث التي أوردناها من قبل .
__________
(1) البخاري 1417 كتاب الزكاة ـ باب : اتقوا النار ولو بشق تمرة ، رواه الإمام الربيع برقم 344 باب 59 في الصدقة .
(2) رواه الإمام الربيع برقم 347 باب 59 في الصدقة ، والنسائي في كتاب الزكاة 23 برقم 2566 ـ باب : رد السائل .
(3) رواه الإمام الربيع برقم 359 ـ باب : 62 جامع الصدقة والطعام .
(4) عمدة القارئ ( 9 / 6 ) . (1/184)
صفحة 185
وأما حديث أنس فدلالته كما قال العيني : " لأن ابن لبون لا مدخل له في الزكاة إلا بطريق القيمة ، لأن الذكر لا يجوز في الإبل إلا بالقيمة "(1) ، وقال الحافظ : " وموضع الدلالة منه قبول ما هو أنفس مما يجب على المتصدق ، وإعطاء التفاوت من جنس غير جنس الواجب ، وكذا العكس ، لكن أجاب الجمهور عن ذلك بأنه لو كان كذلك لكان ينظر إلى ما بين الشيئين في القيمة ، فإن العرض يزيد تارة و ينقص أخرى لاختلاف ذلك في الأمكنة والأزمنة ، فلما قدر الشارع التفاوت بمقدار معين لا يزيد ولا ينقص ، كان ذلك هو الواجب في الأصل في مثل ذلك ، ولولا تقدير الشارع بذلك لتعينت بنت المخاض ، ولم يجز أن تبدل بنت لبون مع التفاوت(2) .
وهذا مبني على أن تقدير الجبران حالة الأخذ مما هو أعلى من الفرض أو أدنى أمر تعبدي لا يتأثر باختلاف الأسعار بين زمان وآخر ، وقد علمت الخلاف في ذلك فيما تقدم ، والأولى أن يقال في الاعتراض على هذا الاستدلال بأنه يترخص في الجبران بجعله من غير الجنس من أجل الضرورة كما كان ذلك في إخراج الشياه فيما دون الخمس والعشرين في الإبل ، والأصل وجوب الجنس ، ولا يعدل عنه إذا ما ارتفعت الضرورة ، وأما ابن لبون فهو غير خارج عن جنس المال المزكى لأنه من جنس الإبل وإن كان الأصل في الفرض غيره .
__________
(1) المرجع السابق 8 .
(2) فتح الباري ( 3 / 376 ) . (1/185)
صفحة 186
هذا وكلام الإمام السالمي في المعارج صريح في كونه يذهب مذهب المجوزين لإخراج القيمة ـ كما أشرنا من قبل ـ ونصه : " والمقصود من الزكاة سد خلة المحتاج ، فالقيمة في ذلك تقوم مقام تلك الأجناس فوجب أن تجوز عنها ، فهو نظير تعيين الأحجار للاستنجاء ، ثم اتفق الجميع على جوازه بالخرق والخشب ونحوهما لحصول الإنقاء بها كما يحصل بالأحجار ، وإنما عين النبي - صلى الله عليه وسلم - تلك الأجناس في الزكاة تسهيلا على أرباب الأموال ، كما جاء في بعض الآثار أنه - صلى الله عليه وسلم - جعل في الدية على أهل الحلل حللا "(1) .
هذا , ولا يترتاب الناظر في هذه الأدلة التي عول عليها مجوزو إخراج القيمة أن أبينها وأقواها الأثر المروي عن معاذ ـ رضي الله عنه ـ لما في بقية الأدلة من البعد القاصي عن دلالتها على هذا الغرض , كما علمت وتكتنفها احتمالات عدة , والدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال , وقد يقال في أثر معاذ بأنه لا يعدو أن يكون اجتهادا منه , وقد اختلف في حجية مذهب الصحابي .
__________
(1) معارج الآمال ( 16 / 212 ـ 213 ) وانظر السنن الكبرى للبيهقي (4 / 113 ) . (1/186)
صفحة 187
والجواب : أنه وإن كان من حيث الظاهر موقوفا عليه , إلا أن كون ذلك في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وما كان يأخذ من ثياب من أهل اليمن عن الذرة والشعير يبعث به إليه صلوات الله وسلامه عليه بالمدينة يقتضي بطبيعة الحال معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - بشأنه , وإقراره له حجة لا مناص عن قبولها مع ثبوتها , على أن قول الصحابي كنا نؤمر أو كنا ننهى له حكم الرفع عند علماء الحديث ولو لم يصرح بالآمر أو الناهي , فما بالك بمثل هذا ؟ وإنما بقي الإشكال في الانقطاع بين طاوس راوي الأثر عن معاذ وبينه , وهو وإن قيل بأنه محلول بسبب ما كان من اطلاع طاوس على أحوال معاذ , فإن الانقطاع معلوم , وما ذكروه لا يعدو أن يكون ظنا واليقين لا يقاوم بالظنون , فالضعف في الدليل قائم , إلا أنه يمكن أن يقال بأن هذا الضعف ينجبر بالنظر الى مقصد الشارع , من مشروعية الزكاة فهي مشروعة لما ذكرناه من تطهير النفس من الشح المذموم , وتحريرها من ربقة العبودية للطمع , وإرهاف حسها وترقيق مشاعرها تجاه ذوي الحاجات , بتعويدها السخاء والبذل والسمو بها عن حضيض حب العاجلة ونسيان الدار الآخرة , مع ما فيها من سد حاجات المعوزين , وما يكون في نفوسهم من هواجس الشعور بالحرمان عندما يكابدون غصة الفقر , ولا يجدون من يأخذ بضبعهم , ويعينهم على لأواء الحياة وشظف العيش , وما يتبع ذلك من ثمرات يعم نفعها المجتمع بشقيه الغني والفقير , أهمها الربط بين الجانبين بوشيجة التلاحم والتراحم , حتى تتوحد الأحاسيس والمشاعر بينهما , فيصدق عليهما وصف الله تعالى للمؤمنين حيث قال : (1) ، ووصف النبي - صلى الله عليه وسلم - للمجتمع المؤمن بقوله " ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر "(2) وهذا كله يتحقق
__________
(1) سورة الحجرات الآية 10 .
(2) صحيح البخاري , باب رقمه الناس والبهائم حديث رقم 5665 . (1/187)
صفحة 188
بإخراج القيمة كما يتحقق بإخراج الأصل , ولما أن المصلحة مدار الأحكام الشرعية فإنني أختار جواز إخراج القيمة عن العين في حالين : عندما يكون ذلك أنفع للفقراء , وعندما يكون فيه رفع كلفة ومشقة عن صاحب المال أو الساعي .
المبحث الأول
في بيان أنواع الخلطة
الخلطة هي اندماج مالين لمالكين , أو أموال لجماعة مالكين , حتى يكون ملكهم جميعا كالمملوك للمالك الواحد , وهي ذات أثر في أحكام الزكاة ـ عند أكثر أهل العلم ـ وهي نوعان :
النوع الأول : خلطة الاشتراك : وتسمى بخلطة الشيوع , وخلطة الأعيان , وذلك بأن يكون المالان أو الأموال المتعددة للملاك لا يتميز بعضها عن بعض , بحيث يكون لكل واحد منهم نصيب في كل عين من أعيان الملك .
والنوع الثاني : خلطة الجوار , وتسمى بخلطة المنافع , وهي أن يشترك المالكان أو الملاك في الترفق بحيث تعود مصلحة هذا الاشتراك على كل منهم بتخفيف المؤنة والتكاليف ـ كما سيأتي بيان ذلك ـ ومع هذا فإن نصيب كل واحد من الاثنين أو الجماعة متميز ومعلوم .
المبحث الثاني
في تأثير خلطة الأنعام على أحكام الزكاة (1/188)
صفحة 189
اختلف في تأثير خلطة الأنعام على زكاتها , سواء كانت الخلطة مشاعة أو كانت خلطة جوار , فذهب الحنفية(1) وابن حزم الظاهري(2) والإمامية(3) إلى عدم الاعتداد بالخلطة مطلقا , وأن على كل واحد من الخليطين أن يزكي ماله إن بلغ النصاب , وذهب أصحابنا الإباضية من أهل المغرب إلى أنه لا تأثير في الزكاة إلا لخلطة المشاع دون المقسوم ولو حصلت فيه الخلطة(4) وهو مروي عن أبي بكر الموصلي من قدامى علمائنا العراقيين(5) وروي عنه أنه لا يعتد حتى بخلطة المشاع كما هو مذهب الحنفية ومن رأى رأيهم(6) .
وممن ذهب إلى عدم تأثير الخلطة في الزكاة مطلقا الإمام المهدي
__________
(1) عمدة القارئ ( 9 / 9 – 12 ) .
(2) المحلى ( 6 / 55 ) وما بعدها .
(3) المبسوط للطوسي ( 1 / 203 ) .
(4) الإيضاح ( 2 / 83 ) , شرح النيل ( 3 / 164 ) .
(5) معارج الآمال ( 15 / 179 ) , شرح لطائف الحكم ( 100 ) , الإيضاح ( 2 / 83 ) .
(6) معارج الآمال ( 15 / 175 ) , بيان الشرع ( 18 / 146 ) . (1/189)
صفحة 190
من الزيدية(1) ، وذهب أكثر أهل العلم إلى أن للخلطة أثرا في زكاة الأنعام , سواء كانت خلطة أعيان أو خلطة أوصاف , وهو قول المشارقة من علمائنا , وبه قالت الشافعية والمالكية والحنابلة وجماعة من الظاهرية ، غير أن هؤلاء اختلفوا أيضا في سريان حكم الخلطة على الخليطين إن لم يملك كل واحد منهما نصابا فذهب مالك في الموطأ والمدونة(2) إلى عدم الاعتداد بالخلطة إن لم يكن لكل واحد من الخلطاء نصاب , وهو الذي نص عليه أصحابه في كتبهم(3) , وهو قول الأوزاعي وأبي ثور وأبي عبيد وبه قال أبو الحسن ابن المغلس من الظاهرية(4) وذهب الشافعية والحنابلة والليث بن سعد وأبو بكر بن داود ومن قال بقوله من الظاهرية وهو المشهور عند أصحابنا المشارقة ـ إلى عدم اشتراط ذلك(5) وإلى ذلك ذهب ابن وهب من أصحاب مالك(6) وعزى هذا القول إلى عطاء بن رباح والليث وأحمد وإسحاق وداود(7)
__________
(1) البحر الزخار ( 2 / 166 ) ، وانظرنص ابن حزم على عدم الخلطة في المحلى (6 / 55) فما بعدها ، وقول الإمامية فيها في المبسوط للطوسي ( 1 / 203 ) ، وقول الحنفية في عمدة القارئ ( 9 / 9 ـ 12 ) .
(2) الموطأ شرح الباجي ( 2 / 138 – 139 ) , المدونة الكبرى ( 1 / 278 ) .
(3) انظر الاستذكار ( 9 / 172 ) , والذخيرة ( 3 / 127 – 128 ) , وعقد الجواهر الثمينة ( 1 / 248 ) , وحاشية الرهوني ( 2 / 251 ) .
(4) انظر المحلي ( 6 / 58 ) , والأموال لابي عبيد ( 163 ) .
(5) فتح العزيز بشرح الوجيز ( 5 / 390 ) , المجموع ( 5/ 432 ـ 435 ) , الأم ( 2 / 11 ـ 12) , البيان ( 3 / 208 ) , كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار ( 1 / 350 ـ 351 ) , المغني ( 2 / 481 ) , الشرح الكبير ( 2 / 531 ـ 532 ) , الإنصاف ( 3 / 20 ـ 21 ) , = = المحلى ( 6 / 57 ) , معارج الآمال ( 15 / 179 ) فما بعدها , شرح لطائف الحكم (100) , بيان الشرع ( 8 / 125 ) فما بعدها.
(6) حاشية الرهوني ( 2 / 251 ) .
(7) المجموع ( 5 / 433 ) . (1/190)
صفحة 191
والفرق بين القولين أن على قول مالك ومن معه إن كانت أربعون شاة بين خليطين أو عدة خلطاء فلا زكاة فيها لأن نصيب أي أحد منهم لا يصل إلى نصاب ، وأما على الرأي الآخر فتجب فيها الزكاة لأن المالكين فصاعدا كالمالك الواحد إذا بلغ ما ملكوه النصاب في مجموعه وكذلك إن اختلطت ماشية اثنين وكانت حصة أحدهما نصابا وحصة الآخر دون نصاب فالزكاة في مذهب مالك ومن معه إنما هي على صاحب النصاب دون خليطه , وعلى مذهب الآخرين هي عليهما معا ، مثاله : سبعون شاة اختلطت , وهي بين اثنين وحصة أحدهما أربعون وحصة الآخر ثلاثون ففيها شاة بالإجماع إلا أن مالكا ومن معه يجعلونها فريضة صاحب الأربعين وليس على صاحب الثلاثين شيء والآخرون يرونها على الجميع بقدر حصصهما فعلى صاحب الأربعين أربعة أسباعها وعلى صاحب الثلاثين ثلاثة أسباعها اللهم إلا على القول بالعفو عن الأوقاص والأشناق كما سبق بيانه .
هذا ويرى المالكية وجوب التراجع بين الخليط المالك للنصاب (1/191)
صفحة 192
وخليطه غير المالك له إذا كان قد أضره بخلطته وفي طريقة ذلك خلاف بينهم وإليكم ما قاله الباجي في تفصيل ذلك : " إذا اختلطت ماشية من يملك النصاب بماشية آخر دون النصاب فالأصل أن الزكاة على صاحب النصاب دون خليطه إن لم تسبب له الخلطة ضررا أما إن سببت له ضررا كأن يكون لأحد الخليطين مائة شاة وللآخر إحدى وعشرون شاة , فأخذ الساعي شاتين من غنميهما ففيه خلاف لأصحاب مالك اختار ابن المواز أن يتراجعا في الشاتين على قدر ماشيتيهما وبه قال ابن القاسم , وقال ابن عبد الحكم تكون الشاة الواحدة على رب المائة , ويتراجعان في الشاة الثانية بجميع مواشيهما , وجه قول ابن المواز أن هذا مذهب لبعض العلماء , وقد حكم به هذا الساعي وجعل الشاتين في المالين فيجب أن ينفذ حكمه على ما حكم به , ووجه قول ابن عبد الحكم أن الشاة الواحدة وجبت على رب النصاب ، والشاة الثانية لم تجب على واحد منهما , وقد أخذها آخذ بتأويل فيجب أن يتراجعا فيها "(1)وقد علمت أن رأي الجمهور وجوب التراجع بين الخليطين في هذا لأن الزكاة عليهما معا .
المبحث الثالث
في أدلة هذه الأقوال
…استدل القائلون بعدم تأثير الخلطة بأدلة من السنة , ودليل من الكتاب أما السنة فمجموع الأدلة الناصة على عدم وجوب الزكاة فيما دون النصاب الشرعي كقوله - صلى الله عليه وسلم - : " ليس فيما دون خمس ذود صدقة " , وقوله : " ليس فيما دون أربعين شاة شيء " .
__________
(1) المنتقى (2/138ـ139) , وانظر مختصر خليل وشرحه منح الجليل (2/17ـ18) . (1/192)
صفحة 193
وقد بين ابن حزم وجه هذا الاستدلال بقوله : وجدنا من لم يحل بالخلطة حكم الزكاة قد أخذ بجميع هذه النصوص ولم يخالف شيئا منها , ووجدنا من أحال بالخلطة حكم الزكاة يرى في خمسة لكل واحد منهم خمس من الإبل , أن على كل واحد منهم خمس بنت مخاض , وإن ثلاثة لهم مائة وعشرون شاة على السواء بينهم أن على كل امرئ منهم ثلث شاة , وأن عشرة رجال لهم خمس من الإبل بينهم , فإن بعضهم يوجب على كل واحد منهم عشر شاة وهي زكاة ما أوجبها الله تعالى وخلاف لحكمه وحكم رسوله - صلى الله عليه وسلم -(1) .
وأما دليلهم من الكتاب فهو قوله تعالى : (2) , وقد بين ابن حزم
وجه هذا الاستدلال حيث قال : " من رأى حكم الخلطة يحيل الزكاة فقد جعل زيدا كاسبا على عمرو وجعل لمال أحدهما حكما في مال الآخر وهذا باطل وخلاف للقرآن والسنن " )1 (3), وقد انتقد كل من ابن حزم والعيني ما قاله العلماء الذين عولوا على حكم الخلطة بأن الخلطة تكون بأسباب حددوها مع اختلافهم فيها ونص كلام العيني في ذلك , واشتراط الشروط التسعة وغيرها تحكم بلا دليل أصلا لا من قرآن ولا من سنة ولا من قول صاحب ولا قياس ولا من وجه معقول , وليت شعري من جعل الخلطة مقصورة على الوجوه التي ذكروها دون أن يريد به الخلطة في المنزل أو في الصناعة أو الشركة أو في المغنم كما قال طاوس وعطاء , ولو وجبت بالاختلاط في المرعى لوجبت في كل ماشية في الأرض , لأن المراعي متصلة في أكثر الدنيا , إلا أن يقطع بينهما نهر أو بحر أو عمارة(4) .
واستدل القائلون بالخلطة في الأنعام بما ثبت في كتاب الصدقة الذي رواه أنس من قوله : " لا يفرق بين مجتمع ، ولا يجمع بين
__________
(1) المحلى (6/61) .
(2) سورة الأنعام الآية (164) .
(3) المحلى ( 6 / 62 ) .
(4) عمدة القارئ (9/11) , وانظر المحلى لابن حزم (6/62) . (1/193)
صفحة 194
مفترق مخافة الصدقة , وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية " ومثله في رواية ابن عمر وقد سبق ذلك .
هذا وقد علمت أن أكثر القائلين بتأثير الخلطة يرونها تؤثر فيما بلغ النصاب وفيما دونه من حصص المختلطين , وإنما العبرة باجتماع النصاب في الكل وحجتهم هذا الإطلاق في الحديث , مع أن النهي شمل الجمع والتفريق .
وأما الذين قيدوا تأثيرها بما إذا كان لكل خليط نصاب , فقد استدلوا بأن النصاب هو السبب , ولا زكاة مع عدم السبب(1) وأن كل مال لا تجب فيه الصدقة إذا كان منفردا فإنه لاتجب فيه إذا خالط غيره , والأصل فيه إذا كان ذميا(2) وبناءعلى هذا الاختلاف بين الفئات الثلاث وقع خلافهم فيما يحمل عليه النهي عن الجمع والتفريق في الحديث , فالذين لم يروا للخلطة تأثيرا محمله عندهم " أن يكون لثلاثة مائة وعشرون شاة لكل واحد ثلثها , فيجب على كل واحد شاة فنهوا عن جمعها وهي متفرقة في ملكهم تلبيسا على الساعي أنها لواحد فلا يأخذ إلا واحدة , والمسلم يكون له مائتا شاة وشاتان فتجب عليه ثلاث شياه , فيفرقها قسمين لئلا يعطي منها إلا شاتين , وكذلك نهي المصدق أيضا أن يجمع على الاثنين فصاعدا مالهم ليكثر ما يأخذ وأن يفرق مال الواحد في الصدقة , وإن وجده في مكانين متباعدين ليكثر ما يأخذ , وقالوا ومعنى قوله عليه السلام : " كل خليطين يترادان بينهما بالسوية هو أن الخليطين في اللغة التي بها خاطبنا عليه السلام هما ما اختلط مع غيره , فلم يتميز , ولذلك سمي الخليطان من النبيذ بهذا الاسم , وأما ما لم يختلط مع غيره فليسا خليطين هذا ما لا شك فيه , قالوا فليس الخليطان في المال إلا الشريكين فيه , اللذين لا يتميز مال أحدهما من الآخر , فإن تميز فليسا خليطين ـ قالوا ـ فإذا كان خليطان كما ذكرنا وجاء المصدق ففرض عليه أن يأخذ من جملة المال الزكاة الواجبة على كل واحد منهما في ماله ،
__________
(1) الذخيرة (3/127) .
(2) المنتقى (2/138) . (1/194)
صفحة 195
وليس له أن ينتظر قسمتهما لمالهما ، ولعلهما لا يريدان القسمة وإن كانا حاضرين ، فليس له أن يجبرهما على القسمة ، فإذا أخذ زكاتيهما فإنهما يترادان بالسوية كاثنين لأحدهما ثمانون شاة وللآخر أربعون وهما شريكان في جميعها فيأخذ المصدق شاتين وقد كان لأحدهما ثلثا كل شاة منهما وللآخر ثلثها فيترادان بالسوية ، فيبقى لصاحب الأربعين تسع وثلاثون ولصاحب الثمانين تسع وسبعون(1) .
…وأما القائلون بتأثير الخلطة مطلقا من غير تقييدها بملك كل خليط نصابا فمثال النهي عن التفريق عندهم من جهة الملاك ، أن يكون لرجل أو لرجال أربعون شاة تقسط بينهم حسب حصصهم ، فليس لهم تفريق الماشية بعد الحول عند قدوم الساعي لئلا يأخذ زكاتها ، ومثاله من جهة الساعي أن يكون لكل واحد منهم أربعون شاة مختلطة ، فليس للساعي تفريقها ليأخذ من حصة كل واحد شاة ، وإنما على كل واحد ثلث شاة ، ومثال الجمع من جهة الملاك أن يكون ثلاثة لكل واحد أربعون شاة متفرقة فيجمعوها عند قدوم الساعي بعد الحول ، فليس لهم ذلك ، بل على كل واحد شاة ، ومثاله من جهة الساعي أن يكون لأحد رجلين عشرون شاة منفردة ولآخر عشرون منفردة ، فليس للساعي أن يجمعها ليأخذ شاة بل يتركهما متفرقين ولا زكاة عليهما ، أو يكون لأحدهما مائة شاة وشاة ولآخر مثلها ، فليس للساعي جمعهما ليأخذ ثلاث شياه ، بل يتركهما متفرقين وعلى كل واحد شاة فقط(2) .
__________
(1) المحلى ( 6 / 60 ) ، وانظر في هذا كلام العيني في عمدة القارئ ( 9 / 10 ـ 12 ) .
(2) المجموع ( 5 / 333 ) . (1/195)
صفحة 196
وأما القائلون بتأثيرها إن ملك كل منهم نصابا فتطبيق النهي عندهم كما قال مالك في الموطأ : " لا يجمع بين متفرق : أن يكون النفر الثلاثة الذين يكون لكل واحد منهم أربعون شاة وجبت على كل واحد منهم في غنمه الصدقة ، فإذا أظلهم المصدق جمعوها لئلا تكون عليهم فيها إلا شاة واحدة فنهوا عن ذلك وتفسير قوله : " لايفرق بين مجتمع " أن الخليطين يكون لكل واحد منهما مائة شاة وشاة ، فيكون عليهما فيها ثلاث شياه ، فإذا أظلهما المصدق فرقا عنهما فلم يكن على كل واحد منهما إلا شاة واحدة فنهوا عن ذلك "(1) .
وظاهره أن النهي خاص بالمالك عنده دون الساعي بخلاف تفسير ذلك على القولين السابقين ، ولا معنى لتخصيصه بالمالك مع احتمال أن يتوجه إليه وإلى الساعي معا ، وهذا هو المتعين بدليل حديث سويد بن غفلة عند أحمد وأبي داود والنسائي قال: " أتانا مصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسمعته يقول إن في عهدي أن لا نأخذ من راضع لبن ولا نفرق بين مجتمع ولا نجمع بين مفترق "(2) .
الرأي المختار :
بعد التأمل والإمعان في هذه الآراء وأدلتها أرى أن قول الجمهور ـ وهم القائلون بتأثير الخلطة حتى فيما دون النصاب ـ هو أقوى حجة وأصح دليلا .
__________
(1) الموطأ بشرح الباجي المنتقى ( 2 / 140 ) .
(2) سنن أبي داود حديث رقم 1580 ، كتاب الزكاة ، باب 5 في زكاة السائمة ، النسائي حديث رقم 2457 كتاب الزكاة باب 12 الجمع بين المتفرق والتفريق بين المجتمع . (1/196)
صفحة 197
أما استدلال أصحاب القولين الآخرين بأحاديث النصاب في الماشية فهو استدلال بإجمال جاء بيانه بخلاف ما يقتضيه استدلالهم ، فإن أي دليل منها لم ينص على وجوب أن يكون النصاب ملكا لواحد ، وإنما العبرة باجتماع النصاب سواء كان ملكا لواحد أو أكثر ، ودليله النهي عن الجمع بين المفترق والتفريق بين المجتمع ، وأن الخليطين يترادان بينهما على السواء ، على أنه يبعد كل البعد أن يكون للجمع بين ثلاثة أملاك بلغ كل منها نصابا تأثير حتى تكون كملك الواحد فلا يجب فيها إلا ما يجب على الواحد ، بحيث تكون حصة كل أحد منهم ثلث ما لو استقل بنصيبه ، ولا يجب عليهم شيء بسبب اجتماعهم مع أن ما اجتمع من أملاكهم بلغ حد النصاب ، فإن المغنم يجب أن يوازيه المغرم ، فكيف تكون الخلطة سببا لتخفيف الفرض عنهم ، ولا تكون سببا لإيجابه عليهم ، مع أن حكمة الشارع في جعل المالين أو الأموال كالمال الواحد بسبب الخلطة ما ينتج عنها من خفة المؤنة وقلة التكاليف المادية التي قد تكلف الواحد منهم إذا انفرد بماشيته .
وأما الاستدلال بقوله تعالى : (1) على عدم تأثير الخلطة فهو استدلال عجيب إذ ليست الآية من هذا الأمر في قبيل ولا دبير ، وإنما غاية ما تدل عليه أن كل نفس تتحمل تبعات كسبها ، ولا تحاسب إلا بما قارفته دون ما قارفته نفس أخرى ، وأين هذا مما نحن بصدده من أحكام الزكاة وتأثير الخلطة فيها ؟ فليت قائله أمعن في الآية نظره ، قبل أن يطلق ليراعه العنان إلى ان هوى به في هذه المتاهات السحيقة .
__________
(1) سورة الأنعام الآية 164 . (1/197)
صفحة 198
والقول بأن الخلطة هي بمعنى الامتزاج حتى لا يفرق بين شيء وآخر مما اختلط فليس ذلك على إطلاقه ، لأن خلطة كل شيء بحسبه ، ولذلك سمي الجليس خليطا والجلساء خلطاء ، مع أن كل واحد منهم ينفرد بشخصه ويستقل بأفكاره وأعماله ومزاياه ويدل عليه قوله تعالى فيما حكاه عن داود عليه السلام : (1) ، مع أن الخلطة المشار إليها في كلامه لم تكن خلطة شيوع قطعا ، بدليل قول أحد الخصمين : (2)2) ، فنعجة هذا الخصم معلومة متميزة عن نعاج خصمه .
المبحث الرابع
في شروط الخلطة
الخلطة كسائر الأمور تتوقف أحكامها على توافر شروطها ، وشروطها نوعان : أحدهما يتعلق بأوصاف الخلطاء ، والآخر بما تتحقق به الخلطه .
فأما النوع الأول فتشترط سبعة شروط في الخليط الذي تترتب أحكام الخلطة على مخالطته :
الشرط الأول : أن يكون مسلما ؛ فلا خلطة بين المسلم وغيره ، سواء كان غير المسلم يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا أو من الصابئة أو من عبدة الأوثان ، لأن أحكام الزكاة تتوقف على الإسلام وغير المسلم ، وإن قيل بأنه مخاطب بفروع الشريعة إلا أن ذلك حكم أخروي ، أما في الحياة الدنيا فلا يطالب بها حكما قبل إسلامه ، بل ولا تكون زكاة إن أداها لأنها عبادة كالصلاة والصيام والحج ، والعبادات تتوقف على الإسلام , من أجل هذا قلنا لا تصح الخلطة بين المسلم المتعبد بالزكاة وبين من لا تصح الزكاة منه , وقد حكى الإمام النووي عدم الخلاف في هذا الشرط(3) , وحكى الإمام السالمي الاتفاق عليه(4) .
الشرط الثاني :الحرية : فلا خلطة مع عبد لأنه لا يملك من أمره شيئا وهو مما اتفق عليه(5) , وإنما استثنى المحقق الخليلي ما لو أذن بذلك سيده لأنه هو الخليط عندئذ وإن كان العبد في التسمية(6) .
__________
(1) سورة ص الآية 24 .
(2) سورة ص الآية 23 (2)
(3) المجموع (5/434) .
(4) معارج الآمال (15/186) .
(5) انظر المرجعين السابقين .
(6) شرح لطائف الحكم (102) . (1/198)
صفحة 199
الشرط الثالث : البلوغ , فلا خلطة مع صبي .
الشرط الرابع : العقل , فلا تثبت من مجنون .
الشرط الخامس : النطق , فلا تثبت من أعجم .
الشرط السادس : الرضى والاختيار , فلا تثبت من مكره ولا مجبر .
الشرط السابع : الحضور والتصرف , فلا تثبت على مفقود أو غائب اختلطت أنعامهما بأنعام الغير(1) , وفي المعارج بعد ذكر طائفة من هؤلاء قال : لأن أمر الخلطة إنما يكون عن اختيار المالك ولا اختيار لهؤلاء ـ ثم قال ـ وقيل إذا كان اليتيم في حجر مخالط من والدة أو محتسب أو نحو هذا جازت الخلطة لقول الله تعالى : (2) فقد ثبت بنص هذه الآية جواز
الخلطة لليتامى في حق القائمين عليهم وهي مطلقة في كل خلطة فلا تقيد بشيء دون شيء(3) .
وحكى المحقق الخليلي ـ رحمه الله ـ جواز الخلطة مع هؤلاء جميعا ـ أي الذين لا يملكون أمرهم ـ عن طريق القائم عليهم , ففي قصيدته لطائف الحكم :
ولا يثبت التخليط من غير مسلم
وجر عليه الحكم يجريه من حكم
وبعض أجاز الخلط من أولياء من
تولى عليه كالصبي وذي البكم
وعزا في شرحها إلى الإمام أبي سعيد الكدمي أنه يعجبه جواز الخلطة مع هؤلاء جميعا وأخذ الزكاة من الجميع(4) .
وأرى ضرورة تقييد ذلك بأن تتحقق فيه مصلحتهم لقول الله تعالى : (5) ولكل من لا يملك أمره حكم اليتيم .
وأما النوع الثاني : وهو ما تتحقق به الخلطة فهو قسمان :
القسم الأول : الزمان .
القسم الثاني : ما يشترك فيه الخليطان من أسباب .
__________
(1) المرجع السابق .
(2) سورة البقرة الآية (220) .
(3) معارج الآمال (15/186) .
(4) شرح لطائف الحكم (102) ، وانظر كلام أبي سعيد في بيان الشرع (18/151) نقلا عن زيادات الإشراف .
(5) سورة البقرة الآية (220) . (1/199)
صفحة 200
فأما الزمان فقد اختلف في تحديده , فذهب الشافعي إلى اشتراط أن تكون الخلطة من أول الحول الزكوي إلى آخره وهذا نصه في الأم : " ولا يكونان خليطين حتى يحول عليهما حول من يوم اختلطا فإذا حال عليهما حول من يوم اختلطا زكيا زكاة الواحد , وإن لم يحل عليهما حول زكيا زكاة الاثنين "(1) وهو الذي أخذ به أصحابه(2) وهو مذهب الحنابلة(3) , وهو الذي نص عليه جماعة من علمائنا منهم العلامة ابن جعفر(4) والمحقق الخليلي(5) ونص عليه في بيان الشرع(6) .
وذهب مالك إلى أنه يكفي ما يكون من الخلطة قبل انقضاء السنة ولو بشهرين لسريان حكمها على الخليطين . ونص المدونة : " قلت أرأيت إن اختلطوا في أول السنة وافترقوا في وسطها واختلطوا في آخر السنة , فقال إذا اجتمعوا قبل انقضاء السنة بشهرين فهم خلطاء عند مالك , وقد وصفت لك ذلك في أول الكتاب , وإنما ينظر مالك في ذلك إلى آخر السنة , ولا ينظر إلى أولها ـ إلى أن قال ـ قلت أرأيت إن اجتمعت في آخر السنة , لأقل من شهرين لأني سمعتك تذكر شهرين ونحوهما فقال : إنما سألت مالكا عن الشهرين فقال أراهم خلطاء ولم أسأله عن أقل من ذلك , وأنا أرى أنهم خلطاء في أقل من الشهرين ما لم يتقارب الحول , ويهربا فيه إلى أن يكونا خليطين فرارا من الزكاة(7) .
__________
(1) الأم (2/11) .
(2) انظر المجموع ( 5 / 432 , 434 , 437) فما بعدها , وفتح العزيز ( 5 / 438 ) فما بعدها , والبيان ( 3 / 214 ) فما بعدها , وكفاية الأخيار ( 1 / 353 ) .
(3) المغني ( 2 / 484 ) , الشرح الكبير ( 2 / 534 ) , الإنصاف ( 3 / 60 ) .
(4) جامع ابن جعفر ( 3 / 152 ) .
(5) شرح لطائف الحكم ( 98 ) .
(6) بيان الشرع ( 18 / 154 ) .
(7) المدونة الكبرى (1/277ـ278) . (1/200)
صفحة 201
وحكى القرافي أقوالا للمالكية في تحديد مدة الخلطة , فعن ابن حبيب أنها شهر , وقال ابن المواز يجوز الاجتماع والافتراق فيما دون الشهر ما لم يقرب جدا , وقيل ذلك غير محدود بل يتجنب مورد النهي ـ ثم قال ـ هذا كله إذا كان الافتراق والاجتماع منقصا للزكاة وإلا فيزكيان على ما يوجدان عليه(1) .
وقد حكى الإمام السالمي في المعارج خلاف الإمامين مالك والشافعي في هذه المسألة ولم يزد على ذلك(2) . وبناء على اشتراط الشافعية الحول في ثبوت حكم الخلطة ذكروا العديد من المسائل المتفرعة عن ذلك :
المسألة الأولى : إذا لم تكن للخليطين حالة انفراد , وإنما وجد مالهما مختلطا من أول الأمر , وذلك بأن يرثا ماشية وتبقى كما هي غير مقتسمة إلى مضي عام كامل ، فإنهما يزكيان زكاة الخليطين باتفاق من يرى تأثير الخلطة في الزكاة(3) .
__________
(1) الذخيرة (3/129) .
(2) معارج الآمال (15/187) .
(3) المجموع ( 5 / 404 ) ، فتح العزيز ( 5 / 441 ) . (1/201)
صفحة 202
المسألة الثانية : إذا انعقد الحول على الانفراد ثم طرأت الخلطة ، فقد يتفق ذلك في حول الخليطين جميعا ، وقد يكون ذلك لأحدهما دون الآخر ، وإن اتفق ذلك لهما فقد يتفق حولهما وقد يختلفان ، فإن اتفقا بأن ملك كل واحد منهما أربعين شاة في أول المحرم ثم خلطاها في أول صفر ففي ذلك للشافعية قولان مشهوران : القديم ثبوت الخلطة ، فيجب على كل واحد في المحرم نصف شاة ، واحتج له صاحب المهذب وغيره بأن الاعتبار في قدر الزكاة بآخر الحول ، ولهذا لو كان له مائة وإحدى وعشرون شاة فتلفت واحدة منها ولو قبل انقضاء الحول بساعة لم تجب إلا شاة ، ولو كانت مائة وعشرون فولدت واحدة منهن قبل انقضاء الحول بساعة وجبت شاتان ، والثاني وهو الجديد الصحيح لا تثبت الخلطة في السنة الأولى بل يزكيان فيها زكاة الانفراد ، فيجب على كل واحد شاة عند انقضاء الحول ، واحتج له صاحب المهذب وغيره بأنه انفرد في بعض الحول وخالط في بعضه فلم تثبت الخلطة ، كما لو كانت قبل الحول بيوم أو يومين فإنها لا تثبت حينئذ بلا خلاف .
وأجابوا عن حجة القول الأول أن هناك لو وجدت زيادة الشاة
أو علفها قبل الحول بيوم أو يومين تغيرت الزكاة ، ولو وجدت الخلطة قبل الحول بيوم أو يومين لم تثبت بلا خلاف . (1/202)
صفحة 203
قال النووي : " ولم يضبط الجمهور الزمن الذي يعتبر من الحول لجريان القولين ، وقد ذكره صاحب البيان في كتاب مشكلات المهذب فقال : يجري القولان متى خلطا قبل انقضاء الحول بزمن لو علفت الماشية فيه صارت معلوفة وسقط حكم السوم ، قال : وذلك ثلاثة أيام ، وهذا اختياره وفيه خلاف سبق في موضعه ، قال : وإن خلط قبل انقضاء الحول بدون ثلاثة أيام لم تثبت الخلطة قولا واحدا ، وقد صرح صاحب المهذب وغيره من الشافعية بالاتفاق على أنه لم يبق إلا يوم لم تثبت الخلطة قولا واحدا . وأجاب القاضي أبو الطيب وغيره عن حجة القديم بأن الاعتبار بحال الوجوب إنما هو إذا كانت الفائدة والنماء من عين المال كالسخال المتولدة ، فأما ما حصل من غير المال كسخال اشتراها في أثناء الحول فإنها لا تضم وهذا هو نظير الخلطة في أثناء الحول فإنها ضم غيره إليه وليس هو من نفسه . (1/203)
صفحة 204
قال صاحب المهذب وغيره : " وأما في السنة الثانية فما بعدها فيزكيان زكاة الخلطة بلا خلاف على القديم والجديد ، وعند ابن سريج والشافعية ، ولا يجيء فيه خلاف ابن سريج الذي سيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ فيما إذا اختلف حولهما ، والفرق أنه هنا اتفق الحول ، أما إذا اختلف حولهما بأن ملك أحدهما في أول المحرم والآخر في أول صفر ، وخلطا في أول شهر ربيع فهو مبني على القولين السالفين عند اتفاق الحول ، فإن قلنا بالجديد لزم الأول عند أول المحرم شاة ولزم الثاني في أول صفر شاة ، وإن قلنا بالقديم لزم كل واحد عند تمام حوله نصف شاة ، وأما بعد السنة الأولى فيتفق القولان على ثبوت حكم الخلطة ، فيكون على الأول نصف شاة في أول كل محرم ، وعلى الآخر نصف شاة في أول كل صفر ، وفيه وجه ضعيف أنه لا تثبت الخلطة في جميع الأحوال فيزكيان أبدا زكاة الانفراد ، وهذا الوجه حكاه صاحب المهذب والجمهور عن ابن سريج وهو أنه خرجه من القول الجديد في السنة الأولى ، وقال المحاملي ليس هو لابن سريج بل هو لغيره ، واتفق الشافعية على ضعفه ، لأنهما ارتفقا بالخلطة سنة كاملة فصار كما لو اتفق حولهما . أما إذا اتفق لأحدهما حكم الانفراد دون الآخر ، بأن ملك أربعين في أول المحرم وملك الآخر أربعين في أول صفر وخلطها حين ملكها ، أو خلط الأول الأربعين التي له في أول صفر بالأربعين التي لغيره ، ثم باع الثاني حصته لثالث ، فقد ثبت للأول حكم الانفراد شهراً ولم ينفرد الثاني أصلاً ، فتبنى على المسألة قبلها ، فإذا جاء المحرم لزم الأول شاة في الجديد ، ونصفها في القديم ، وإذا جاء صفر لزم الثاني نصف شاة في القديم وعلى الجديد وجهان مشهوران ذكرهما صاحب المهذب وغيره ، أصحهما يلزمه نصف شاة لأن غنمه لم تنفك عما بعد الحول الأول ، فثبتت الخلطة في جميع الأحوال على القولين ، وعلى الوجه الضعيف المنسوب إلى ابن سريج لا تثبت أبداً ، وأجابوا عن حجة الوجه الثاني في (1/204)
صفحة 205
المشتري في صفر أنه تلزمه شاة لكون المالك في المحرم لم يرتفق بخلطته فلا يرتفق هو بأن هذا ليس بلازم ، لأنه قد يرتفق أحدهما دون الآخر كما في هذه المسألة إذا حال الحول الثاني على المالك في المحرم فإنه يزكي زكاة الخلطة على مذهب الشافعية ، خلافاً لابن سريج ، ثم لو تفاعلا وتفرقا قبل تمام الحول لزم الثاني شاة عند تمام حوله ، فقد ارتفق بالخلطة دون الثاني ، والله تعالى أعلم(1) .
والإشكال في هذه التفريعات هو ما نراه من التشقيص في الفريضة الواجبة مع أنه لم يقع عليه دليل قط كما سيأتي بيانه ـ إن شاء الله ـ وعدم انضباط الأوقات بسبب عدم ضم الفائدة إلى الأصل في حوله ، وقد سبق لنا فيما تقدم بحثه أن ذلك يؤدي إلى كثير من الإشكال ، فإن الفائدة قد تتكرر ، فإذا جعل لكل منها حول مستقل أدى ذلك إلى كثير من الاضطراب ، وهذا الذي نرى أثره في هذه التفريعات ، فقد أدى بهم ذلك إلى الاختلاف والاضطرار إلى القول بالتشقيص ، وسترى في المسألة الآتية ما هو أعجب مما تقدم .
المسألة الثالثة : لو ملك أربعين شاة أول المحرم ثم أربعين شاة في أول صفر ، فعلى الجديد إذا جاء المحرم لزمته للأربعين الأولى شاة ، وإذا جاء صفر لزمه للأربعين الثانية نصف شاة على أصح الوجهين ، وعلى الثاني شاة ، وعلى القديم يلزمه نصف شاة لكل أربعين عند تمام حولها ، ثم يتفق القولان في سائر الأحوال ، وعلى قول ابن سريج تجب في الأربعين الأولى عند تمام حولها شاة ، وفي الثانية شاة عند تمام حولها ، وهكذا أبدا ما لم ينقص النصاب ، والمقصود أنه كما تمتنع الخلطة في حق الشخصين عند اختلاف التاريخ ، تختلف في ملكي الشخص الواحد(2) .
__________
(1) المجموع ( 5 / 440 ـ 441 ) ، فتح العزيز ( 5 / 443 ـ 453 ) .
(2) المجموع ( 5 / 441 ـ 442 ) . (1/205)
صفحة 206
قلت : هذه الصورة أعجب ، لأن فيها أولا شاة ونصف شاة في زكاة ثمانين شاة في حول واحد ، أو شاتين وكل من ذلك خلاف ما دلت عليه الأحاديث الشريفة أن الشاة زكاة للأربعين ، فما زاد عليها إلى مائة وعشرين ، وكذلك تجزئة الشاة بحيث يجب نصفها في شهر ، ونصفها في شهر آخر ، وذلك كله مما لم نجد دليلا عليه ، بل الدليل قائم على خلافه .
المسألة الرابعة : لو ملك أربعين في أول المحرم ثم أربعين في أول صفر ، ثم أربعين في شهر ربيع ، فعلى القديم يجب في كل أربعين ثلث شاة عند تمام حولها وعلى الجديد الأولى في تمام حولها شاة ، وفيما يجب في الثانية لتمام حولها وجهان ؛ أصحهما ثلث شاة ، والثاني شاة ثم يتفق القولان في سائر الأحوال ، وعلى وجه ابن سريج يجب لكل أربعين لتمام حولها شاة كاملة(1) .
المسألة الخامسة : لو ملك أربعين أول المحرم وملك آخر عشرين أول صفر ، وخلطا عند ملك الثاني فإذا جاء المحرم لزم الأول شاة على الجديد وثلثاها على القديم ، وإذا جاء صفر لزم الثاني ثلث شاة على القولين ، لأنه خالط في جميع حوله ، وعلى قياس ابن سريج يلزم الأول شاة أبدا في كل حول ، ولا شيء على صاحب العشرين أبدا لاختلاف التاريخ (2) ، وفي هاتين المسألتين ما في المسألة السابقة لهما من الإشكال كما ترى .
المسألة السادسة : لو ملك مسلم وذمي ثمانين شاة أول المحرم ، ثم أسلم الذمي أول صفر ، كان المسلم كمن انفرد بماله شهرا ثم خالط(3) .
__________
(1) المرجع السابق 442 ، وانظر فتح العزيز 5 / 454 ـ 457 ) .
(2) المجموع ( 5 / 443 ) ، فتح العزيز ( 5 / 457 ـ 458 ) .
(3) المجموع ( 5 / 443 ) . (1/206)
صفحة 207
هذا وما أشرت إليه من الإشكال الذي يترتب على القول بالتفاوت بين حول الأصل وحول فائدته يتلاشى إذا جعلت الفائدة تبعا لأصلها وزكي الجميع زكاة واحدة ولن يؤدي هذا إلى تشقيص الفرض كما جاء في المسائل المتقدمة ولا إلى تكرار الزكاة في الحول الواحد ، وهذا الذي يفهم من منهج الأسلاف إذ كانوا يبعثون السعاة إلى الماشية فيزكونها زكاة واحدة ، ولئن كان الاختلاط بين الماشيتين يجعلهما في حكم الماشية الواحدة ، فإنه ينبغي أن يقال بأن حول السابقة هو المعتبر ، وحكم اللاحقة له حكم الفائدة المضمومة إلى أصلها ، فتزكى الماشيتان جميعا زكاة واحدة في حول واحد .
المسألة السابعة : إذا طرأ الانفراد على الخلطة انقطعت ، فيزكي كل واحد حصته إن بلغت نصابا زكاة الانفراد من حين الملك ، ولو كانت بينهما أربعون مختلطة فخالطهما ثالث بعشرين في أثناء حولهما ، ثم ميز أحد الأولين ماله قبل تمام الحول فلا شيء عليه عند مضي الحول لنقصان النصاب ، ويجب على الثاني نصف شاة عند تمام حوله ، وعلى الثالث أيضا نصف شاة عند تمام حوله ، وفيه وجه ابن سريج(1) .
وبالنظر فيما قلته قبل قليل تعرف رأيي في هذه المسألة كالمسائل المتقدمة .
المسألة الثامنة : لو كانت بينهما ثمانون مشتركة فقسماها بعد ستة أشهر ، فإن اعتبرت القسمة إفراز حق لزم كل واحد عند تمام حوله شاة ، وإن عدت بيعا لزم كل واحد عند تمام باقي الحول ، وهو مضي ستة أشهر نصف شاة ، ثم إذا مضى حول من وقت القسمة لزم كل واحد نصف شاة لما ملكه ، وهكذا أبدا في كل ستة أشهر ، يلزمه عند مضي ستة أشهر نصف شاة(2) .
ولا غبار على الوجه الأول ، وإنما أرى الإشكال في هذا الأخير ،
كيف تتحول الزكاة من فرض حولي إلى فرض يشقص بحيث يجب كل نصف منه عند منتصف الحول ؟
__________
(1) المرجع السابق .
(2) المرجع السابق ( 443 ـ 444 ) . (1/207)
صفحة 208
هذا وجميع المسائل المتقدمة إنما هي صور مما يتعلق بخلطة الجوار من الأحكام ، وثم مسائل تدور على خلطة الشيوع منها :
إن ملك أربعين شاة ستة أشهر ثم باع نصفها مشاعا ، ففي انقطاع حول البائع طريقان عند الشافعية ؛ أحدهما قاله أبو علي ابن خيران أنه على القولين السابقين فيما إذا انعقد حولهما على الانفراد ثم خلطا ، إن قيل يزكيان زكاة الخلطة لم ينقطع حوله ، وإن قيل زكاة الانفراد انقطع لنقصان النصاب ، والطريق الثاني , وعليه جمهور علماء الشافعية ـ وهو الصحيح عندهم ـ ونقله الربيع ، والمزني عن نص الشافعي أن الحول لا ينقطع لاستمرار النصاب بصفة الانفراد ثم بصفة الاختلاط فلم يتبعض النصاب في وقت ، وخطَّأوا ما قاله ابن خيران لأن الانتقال من الانفراد إلى الخلطة لا يقطع الحول ، وإنما القولان في زيادة قدر الزكاة ونقصه ، لا في قطع الحول ، فعلى المذهب ـ أي مذهب الشافعية ـ إذا مضت ستة أشهر من يوم الشراء لزم البائع نصف شاة لأنه تم حوله ، وأما المشتري فينظر ، فإن أخرج البائع واجبه ـ وهو نصف شاة ـ من المشترك فلا شيء عليه ، لنقصان المجموع عن النصاب ، وإن أخرج من غيره فعلى ما سبق شرحه من الخلاف المبني على الخلاف في الزكاة ، هل تتعلق بالعين أو بالذمة ، فإن قيل بالذمة لزمه نصف شاة عند تمام حوله ، وإن قيل بالعين فطريقان أصحهما عند صاحب المهذب وكثيرين الجزم بانقطاع حول المشتري ، فلا يلزمه شيء ، لأنه بمجرد دخول الحول زال ملك البائع عن نصف شاة من نفس النصاب فنقص ، والطريق الثاني ـ حكاه صاحب المهذب عن أبي إسحاق المروزي وهو مشهور في كتب الشافعية ـ ففيه قولان ؛ أصحهما هذا والثاني لا ينقطع حول المشتري بل يلزمه نصف شاة عند تمام حوله ، واستدل له بأنه إذا أخرج الزكاة من غير النصاب تبينا أن الزكاة لم تتعلق بالعين ، ولهذا قال الشافعي في أحد القولين إذا باع ما وجبت فيه الزكاة وأخرج الزكاة من غيره صح البيع ، وضعف صاحب (1/208)
صفحة 209
المهذب وغيره هذا الطريق ، بأن الملك قد زال ، وإنما يعود بالإخراج من غيره ، ومأخذ الخلاف أن إخراج الزكاة من موضع هل يمنع زوال الملك عن قدر الزكاة أم لا يمنعه ؟ وإنما يفيد عوده بعد الزوال ، وفيه خلاف(1) .
ولا غبار على شيء من الأصول التي بنيت عليها هذه المسألة ، إلا ما لاحظته من قبل من تشقيص فريضة الزكاة وتعدد حول النصاب الواحد ، وبناء على ما اخترته من قبل ، فإن الواجب إنما هو شاة غير مشقصة على رأس حول النصاب كله ، وبما أنه دخل في شركة مشاع في مال زكوي فهو كأحد ملاكه من أول الأمر .
هذا وقد ذكروا في مقابل هذه المسألة مسألة أخرى ، إذا باع من الأربعين عشرين بعينها أفردها قبل البيع أو بعده وسلمها إلى المشتري منفردة ، فإن الخلطة تزول إن كثر زمن التفريق ، فإن خلطها بعد ذلك استأنفا الحول ، وإن كان زمن التفريق يسيرا ففي انقطاع حول البائع وجهان ، أصحهما الانقطاع . قال الرافعي ـ وهو الأوفق لكلام الأكثرين ـ وإن لم يفردها بل ترك الأربعين مختلطة وباعه العشرين المعينة ، وسلم إليه جميع الأربعين لتصير العشرون مقبوضة فطريقان ، حكاهما المصنف ـ صاحب المهذب ـ وغيره ، والمذهب عندهم أنه لو باع النصف مشاعا فلا ينقطع حول البائع في العشرين الباقية على المذهب ، والطريق الثاني ينقطع للانفراد بالبيع وضعفوه بأن الاختلاط لم يزل حكمه(2) .
والذي أراه أن هذا الذي ضعفوه إنما هو من القوة بمكان ، فإن حق المشتري تعلق بمعين من الأربعين ، وقد كان اجتماعها من قبل على أساس الملك الواحد ، ثم زال الملك عن نصفها وخلطها هو حكم جديد تترتب عليه أحكام جديدة في الخلطة فلا بد من استئناف حول لها .
__________
(1) المرجع السابق ( 442 ـ 443 ) .
(2) المرجع السابق 443 . (1/209)
صفحة 210
وبجانب هذه المسائل ذكروا مسائل أخرى بنوها على نفس الأصول التي بنيت عليها هذه ، ويستطيع القارئ بإتقانه تلك الأصول أن يرد بقية الجزئيات إلى هذه الكليات ، كما أن بإمكانه أن يراعي الملاحظات التي ألمحت إليها ، فيبني عليها ما شابهها في سائر التفريعات ، ولهذا نمسك القول عن بقية المسائل معولين على ذلك ، والله ولي التوفيق .
وأما القسم الثاني : وهو ما يشترك فيه الخليطان من أسباب الخلطة ، فهو مجال رحب لآراء أهل العلم ، لعدم وجود نص شرعي يدل عليه ، وإنما أخرج الدارقطني والبيهقي من رواية سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " الخليطان ما اجتمعا على الفحل والرعي والحوض "(1) ، وفي لفظ : " والراعي "(2) بدلا من الرعي ، وقد عول على هذا الحديث جماعة من الفقهاء ، منهم صاحب المهذب(3) ، والرافعي(4) ، وابنا قدامة(5) ، ولكن المحدثين نصوا على ضعف هذه الرواية لأن في سندها ابن لهيعة ، وهو ضعيف باتفاق ، وممن نص على ضعفها النووي(6) ، والعيني(7) ، وابن حزم(8) . والحافظ ابن حجر ، وهذا نصه في التلخيص ، قال البيهقي : " أجمع أصحاب الحديث على ضعف ابن لهيعة وترك الاحتجاج به فيما ينفرد به " ، وقال ابن أبي حاتم في العلل : " سألت أبي عنه فقال هذا حديث باطل ، ولا أعلم أحدا رواه غير ابن لهيعة ، قلت ـ والقائل ابن حجر ـ وقد بين الخطيب في المدرج سبب وهم ابن لهيعة فيه ، فذكر عن أبي عبيد القاسم بن سلام عن أبي الأسود النظر بن عبد الجبار قال لم يسمع
__________
(1) رواه البيهقي برقم 106 في كتاب الزكاة ـ باب : صدقة الخلطاء .
(2) رواه البيهقي ( 4 / 106 ) .
(3) انظر المهذب وشرحه المجموع ( 5 / 434 ) .
(4) انظر فتح العزيز ( 5 / 394 ) .
(5) انظر المغني ( 2 / 483 ) ، والشرح الكبير ( 2 / 535 ) .
(6) المجموع ( 5 / 434 ) .
(7) عمدة القارئ ( 9 / 11 ـ 12 ) .
(8) المحلى ( 6 / 63 ) . (1/210)
صفحة 211
ابن لهيعة من يحيى بن سعيد شيئا ، وإنما كان يرويه من كتابه ، وروى عن سعيد بن أبي مريم أيضا أنه قال لم يسمع ابن لهيعة من يحيى بن سعيد شيئا ، ولكن كتب إليه ، فكان كتب إليه يحيى هذا الحديث ـ يعني حديث السائب بن يزيد ـ : " صحبت سعد بن أبي وقاص كذا وكذا سنة فلم أسمعه يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا إلا حديثا واحدا ، وكتب يحيى بعده لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق فظن ابن لهيعة أنه من حديث سعد ، وإنما هذا كلام مبتدأ من المسائل التي كتب بها إليه ، وقال ابن معين هذا الحديث باطل ، وإنما هو من قول يحيى بن سعيد ، هكذا حدث به الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد من قوله "(1) .
وقد جعل الرافعي هذا الحديث أصلا في معرفة أسباب الخلطة وحمل عليه بقية الأسباب المذكورة بطريق القياس(2) ، ومثله
صنيع ابني قدامة(3) .
وأرى أن عدم ثبوت شيء في السنة يدل على ما تتحقق به الخلطة من الأسباب هو الذي جعل أهل العلم تتفاوت أنظارهم وتتباين اجتهاداتهم في أسبابها ، ولعل الشارع الحكيم بسكوته عنها وكل الأمر إلى ما كان مفهوما عند الناس يومئذ من الخلطة ، غير أن هذا المفهوم الذي كان متعارفا عليه عند الرعيل الأول لم ينقل إلينا حتى نعول عليه ، ولما كانت الخلطة حسبما ارتأيت أمرا عرفيا يعود عندهم إلى عادة أهل الشأن ، أرى أن يعول على ذلك ، فيرجع إلى أهل الاختصاص وهم أصحاب الماشية فما كان معدودا عندهم اختلاطا في عرفهم كانت له أحكام الخلطة وإلا فلا .
__________
(1) تلخيص الحبير ( 2 / 164 ) .
(2) فتح العزيز ( 5 / 394 ) .
(3) المغني ( 2 / 482 ) ، الشرح الكبير ( 2 / 535 ـ 536 ) . (1/211)
صفحة 212
ومن حيث إن الشارع الحكيم سكت عن تحديد مفهوم الخلطة كان لأهل العلم مجال واسع في تحديدها وبيان أسبابها ، وتباينت أنظارهم فيها بين موسع لدائرة أسبابها ومضيق ، ولم يوجد مذهب إسلامي اتحد رأي علمائه فيها ولعل أكثر هذه المذاهب أقوالا فيها هو المذهب الحنبلي إذ تربو أقوالهم في أسبابها على عشرين قولا ذكر المرداوي منها في الإنصاف ثلاثة وعشرين وعبر عنها بالطرق وأوسعها بيانا وتفصيلا ، وإليكها حسب ترتيبها عنده :
الأول : وهو الذي ذكره ابن قدامة في المتن أنها تكون بالاشتراك في المراح والمسرح والمشرب والمحلب والراعي والفحل ، وعزاه المرداوي في شرحه إلى الهداية والكافي والنظم والتسهيل وإدراك الغاية .
الثاني : أنها تكون بالاشتراك في المرعى والمسرح والمبيت ـ وهو المراح ـ والمحلب والفحل لا غير ، وعزاه إلى المذهب ـ أي مذهب الحنابلة ـ وقال قدمه في الفروع وجزم بها الخرقي والمجد في محرره ، وابن عبدوس في تذكرته قال فزادوا على المصنف المرعى وأسقطوا الراعي والمشرب .
الثالث : أنها تكون بالاشتراك في المراح وهو المأوى والمرعى والراعي والمشرب ـ وهو موضع الشرب ـ والمحلب ـ وهو موضع الحلب ـ وآنيته والمسرح ـ وهو مجتمعها ـ لتذهب والفحل . قال : قدمه في الرعايتين والحاويين وابن تميم ، فزادوا على المصنف المرعى وآنية الشرب وآنية الحلب .
الرابع : أنها تكون بالمسرح والمرعى والمشرب والمراح والمحلب والفحل وبه جزم في التخليص والبلغة فأسقط الراعي .
الخامس : أنها تكون بالراعي والمرعى وموضع شربها وحلبها وآنيتها وفحلها ومسرحها ، وبه جزم في الوجيز فأسقط المراح وزاد الآنية والمرعى .
السادس : أنها تكون بالراعي والمسرح والمبيت والمحلب والفحل ، قدمه في الفائق فأسقط المشرب .
السابع : أنها تكون بالراعي والفحل والمسرح والمراح ، جزم بها في الفصول وقدمها في المستوعب فأسقط المحلب والمشرب . (1/212)
صفحة 213
الثامن : أنها تكون بالفحل والراعي والمرعى والمأوى ـ وهو المبيت ـ وبه جزم في المذهب ، ومسبوك الذهب فزاد المرعى وأسقط المشرب والمسرح .
التاسع : أنها تكون بالمبيت والمسرح والمحلب وآنيته والمشرب والراعي والمرعى والفحل ، قدمها ابن أبي المجد في مصنفه فزاد المرعى وآنية الحلب .
العاشر : أنها تكون بالمراح والمسرح والمبيت والفحل ، وبه قطع في الإيضاح ، فجمع بين المراح والمبيت ، وأسقط المحلب والمشرب والراعي .
الحادي عشر : أنها تكون بالمراح والمسرح والفحل والمرعى ، وهي طريقة الآمدي فزاد المرعى وأسقط المشرب والمحلب والراعي .
الثاني عشر : أنها تكون بالفحل والراعي والمحلب فقط ، وهي طريقة ابن الزاغوني في الواضح ، فأسقط المشرب والمراح والمسرح .
الثالث عشر : أنها تكون بالمرعى والمسرح والمشرب والراعي ، وبه قطع ابن عقيل في تذكرته .
الرابع عشر : أنها تكون بالمراح والمسرح والمحلب والمبيت والفحل ، وبها قطع في المبهج ، فجمع بين المراح والمبيت كما فعل في الإيضاح إلا أنه زاد عليه المحلب وأسقط المشرب والراعي .
الخامس عشر : أنها تكون بالراعي فقط ، وهي طريقة بعض الأصحاب ـ الحنابلة ـ ذكره القاضي في شرح المذهب ، وعن أحمد نحوه .
السادس عشر : اشتراط المراح والمسرح والفحل والمشرب ، وبها قطع ابن البنا في الخصال والعقود .
السابع عشر : اشتراط الراعي والمرعى والفحل والمشرب ، وبها قطع في الخلاصة ، فزاد المرعى وأسقط المسرح .
الثامن عشر : اشتراط المسرح والمرعى والمحلب والمشرب والمقيل والفحل ، وبها قطع في الإفادات فزاد المقيل والمرعى وأسقط الراعي والمراح .
التاسع عشر : اشتراط المرعى والفحل والمبيت والمحلب والمشرب , وبها قطع في العمدة .
العشرون : اشتراط المرعى والمسرح والمشرب والمبيت والمحلب والفحل , وبها جزم في المنور , فزاد المرعى وأسقط الراعي . (1/213)
صفحة 214
الحادي والعشرون : اشتراط المراح والمسرح والمشرب والراعي والفحل وبها قطع في المنتخب , فأسقط المحلب .
الثاني والعشرون : اشتراط الراعي والمبيت فقط , وهو رواية عن الإمام أحمد ذكرها القاضي في شرحه .
الثالث والعشرون : اشتراط الحوض والرعي والمراح فقط , وهو أيضا رواية عن الإمام أحمد . وبعد هذا الإحصاء قال المرداوي : " لكن قد ترجع إلى أقل منها باعتبار ما تفسر به الألفاظ "(1) .هذا وفي كتاب المغني أن الخلطة إنما تتحقق بالاشتراك في خمسة أوصاف وهي المسرح والمبيت والمحلب والمشرب والفحل(2) ثم حكى عن أحمد زيادة شرط سادس وهو الراعي , وذكر صاحب الشرح الكبير أن للخلطة ستة شروط , وفي تعدادها لم يذكر إلا خمسة وهي المذكورة في القول الأول مما أورده المرداوي , ما عدا المشرب فلعله الشرط السادس الذي سقط في تعدادها(3) . وما ذكره في المغني لا يتفق مع أي قول من الأقوال الثلاثة والعشرين التي أوردها المرداوي , فهو إذا قول رابع وعشرون .
هذا وقد بنى كل من ابني قدامة في المغني , والشرح ما ذهبا إليه على حديث سعد كما تقدم ذلك عنهما , وإنما قاسا ما لم يذكر فيه على ما ذكر كما سبق , وبناء عليه انتقدا إسقاط أي شرط مما ذكر في الحديث(4) . من أجل هذا قال صاحب الشرح فيما حكاه ابن أبي موسى عن أحمد أنه لا يعتبر إلا الحوض والراعي والمراح , وهو بعيد لأنه ترك ذكر الفحل وهو مذكور في الحديث(5) .
أما الشافعية فتتحقق خلطة الجوار عندهم بعشرة شروط بعضها متفق عليه , وبعضها مختلف فيه .
أحدها : اتحاد المراح .
الثاني : اتحاد المشرب بأن تسقى غنمهما من ماء واحد أو نهر
__________
(1) الإنصاف ( 3 / 61 – 63 ) .
(2) المغنى ( 2 / 482 ) .
(3) انظر الشرح الكبير ( 2 / 534 – 535 ) .
(4) المغني ( 2 / 482 ) , الشرح الكبير ( 2 / 535 ) .
(5) الشرح الكبير ( 2 / 535 ) . (1/214)
صفحة 215
أو عين أو بئر أو حوض , أو من مياه متعددة بحيث لا تختص غنم أحدهما بالشرب من موضع وغنم الآخر من غيره .
الثالث : اتحاد المسرح , وهو الموضع الذي تجتمع فيه ثم تساق إلى المرعى .
الرابع : اتحاد المرعى وهو المرتع الذي ترتع فيه , فهذه أربعة متفق عليهما .
الخامس : اتحاد الراعي وفيه طريقان , أحدهما وبه قطع الأكثرون ومنهم صاحب المهذب – أنه شرط , والثاني حكاه جماعة من الخراسانيين : فيه وجهان ؛ أصحهما شرط , والثاني ليس بشرط فلا يضر انفراد أحدهما عن الآخر براع ، فأما إذا كان لماشيتهما راعيان أو رعاة لا يختص واحد منهما بواحد منهم فالخلطة صحيحة .
السادس : اتحاد الفحل ، وفيه طريقان أصحهما ـ وبه قطع جمهورهم ـ ومن بينهم صاحب المهذب أنه شرط ، والثاني حكاه جماعة من الخراسانيين : فيه وجهان أصحهما شرط ، والثاني لا يشترط اتحاده , لكن يشترط كون الإنزاء في مكان واحد , قالوا : والمراد باتحاده أن تكون فحولهما مرسلة في ماشيتهما لا يختص أحدهما بفحل , سواء كانت الفحول مشتركة أو لأحدهما أو مستعارة أو غيره , وسواء كان واحدا أو جمعا .
وحكى الخراسانيون وجها أنه يشترط كون الفحول مشتركة , واتفقوا على ضعفه , وهذا المذكور من اشتراط اتحاد الفحل هو فيما إذا أمكن ذلك , بأن كانت ماشيتهما نوعا واحدا , فلو كان مال أحدهما ضأنا ومال الآخر معزا وخلطاهما , ولكل واحد فحل يطرق ماشيته , فالخلطة صحيحة بلا خلاف , إذ لا يمكن اختلاطهما في الفحل , وصار كما لو كان مال أحدهما ذكورا , ومال الآخر إناثا من جنسه , فإن الخلطة صحيحة بلا خلاف .
السابع : اتحاد الموضع الذي يحلب فيه مالهما شرط كاتحاد المراح , فلو حلب هذا ماشيته في أهله وذلك في موضع آخر فلا خلطة .
الثامن : اتحاد الحالب وهو الشخص الذي يحلب , فيه وجهان أصحهما ليس بشرط . (1/215)
صفحة 216
التاسع : اتحاد الإناء الذي يحلب فيه , وهو المِحلب ـ بكسر الميم ـ فيه وجهان , أصحهما ليس بشرط كما لا يشترط اتحاد آلة الجز بلا خلاف , والثاني يشترط فعلى هذا ليس معناه أن يكون لهما إناء واحد فرد , بل معناه أن تكون المحالب فوضى بينهم , فلا ينفرد أحدهما بمحلب أو محالب ممنوعة من الآخر , وعلى هذا هل يشترط خلط اللبن ؟ فيه وجهان , أصحهما لا يشترط , بل لا يجوز لأنه يؤدي إلى الربا فإنه يأخذ أحدهما غالبا أكثر من حقه , فعلى هذا يحلب أحدهما في الإناء ويفرغه في وعائه , ثم يحلب الآخر فيه , والثاني يشترط , وبه قال أبو إسحاق المروزي , فيحلب لبن أحدهما فوق لبن الآخر , ولا تضر جهالة قدرهما , ويتسامحان فيه كما في خلطة المسافرين أزوادهم , فإنه جائز اتفاقا , وإن كان فيه المعنى الذي في خلط اللبن , ولهم أن يأكلوا جميعا , وإن كان بعضهم يأكل أكثر من بعض قطعا لكونه أكولا , والمانعون أجابوا عن ذلك , وفرقوا بين اللبن والأزواد بأن المسافرين يدعو بعضهم بعضا إلى طعامه فهو إباحة لا محالة , بخلاف خلط اللبن فإنه ليست فيه إباحة . (1/216)
صفحة 217
واحتج بعضهم للوجه الأصح , بأن اللبن نماء فلا يشترط الاختلاط فيه كالصوف , وذكروا سبب الخلاف في ذلك , أن الشافعي قال في المختصر وفي رواية حرملة والزعفراني في شروط الخلطة : وأن يحلبا معا , ولم يذكر ذلك في الأم ذكره القاضي أبو الطيب وغيره , قال القاضي أبو الطيب لا خلاف بين أصحابنا أن اتحاد الحلاب شرط , لكن اختلفوا في المراد به , فظاهر ما نقله المزني وعليه عامة أصحابنا أن معناه , ليس(1) اتحاد الإناء وخلط اللبن شرطا , لأنه يفضي إلى الربا , وهو الذي ذكره القاضي من الاتفاق على اشتراط اتحاد الحلاب هو المذهب وبه قطع الجمهور , وقال ابن كج في المسألة طريقان : أحدهما لا يشترط قولا واحدا , والثاني على قولين وهذا غريب ضعيف .
وذكر صاحب البيان في المسألة ثلاثة أوجه : أصحها قول أبي إسحاق المروزي واختلفوا في حكايته فنقل الشيخ أبو حامد عنه أنه قال : " مراد الشافعي أن يكون موضع الحلب واحدا " , ونقل المحاملي وصاحب الفروع عنه أنه قال : " مراد الشافعي الإناء الذي يحلب فيه " ونقل صاحب الشامل عنه أنه قال مراد الشافعي : أن يكون الحالب واحدا , فهذه ثلاثة أوجه في حكاية مذهب أبي إسحاق , وهو الصحيح عند الشافعية , والوجه الثاني يشترط أن يحلبا معا ثم يقتسمان , والثالث يشترط اتحاد الحالب والإناء وخلط اللبن , واختصر الرافعي حكم المسألة فقال يشترط الموضع الذي يحلب فيه , والأصح أنه لا يشترط اتحاد الحالب , ولا اتحاد الإناء , ولا خلط اللبن .
__________
(1) ليس ساقطة في المجموع ولكنا أثبتناها لأن سياق ما قبلها وما بعدها يقتضيها . (1/217)
صفحة 218
العاشر : نية الخلط , فيها وجهان وقد ذكر في المهذب وجه كل واحد منهما , فاشتراطها لأنها يتغير بها الفرض فلا بد من نية , وعدم اشتراطها لأن الخلطة أثرت في الزكاة للاقتصار على مؤنة واحدة , وحكى النووي عن أصحابه الشافعية أن الأصح عندهم عدم اشتراطها , ثم حكى عنهم أنه يجري الوجهان فيما إذا اتفقت الماشية في شيء مما يشترط الاجتماع فيه بنفسها أو فرقها الراعي , ولم يعلم المالكان إلا بعد طول زمان هل تنقطع الخلطة أم لا ؟ أما إذا فرقاهما أو أحدهما في شيء من ذلك قصدا فتنقطع الخلطة وإن كان ذلك يسيرا بلا خلاف لفقد الشرط , وأما التفريق اليسير بلا قصد , فلا يؤثر بالاتفاق , لكن لو اطلعا عليه فأقراها على تفرقها انقطعت الخلطة , ومتى انقطعت الخلطة وجب
على من بلغ نصيبه نصاب زكاة الانفراد من يوم الملك لا من يوم ارتفاعها(1) .
وأما المالكية فمنهم من قال : لا تشترط في الخلطة جميع أسباب الرفق التي هي الراعي والمسرح والمبيت والدلو الذي يورد به الماء , قال القرافي : والخلاف عند الشافعية خلاف لنا فيه ـ إلى أن قال : فلا يشترط اجتماع الجملة لعدم دلالة الدليل عليه , ولحصول الرفق في بعضها , وقال في الكتاب : يكفي بعضها من غير تعيين , وقال ابن القاسم وأشهب : لا بد من الاجتماع على أكثر الأوصاف , ولأن الأقل تبع للأكثر لا سيما في الزكاة , وقال ابن حبيب : الراعي وحده كاف تشبيها له بالإمام في الصلاة في تغيير حكم الجميع , وقال أيضا : الراعي والمرعى , لأن اجتماعهما يوجب اجتماع الفحل , وقال الأزهري : يكفي أي صفتين كانتا , يريد من الدلو والراعي والفحل والمراح والمبيت(2) .
__________
(1) المجموع ( 5 / 434 – 436 ) بتصرف , وانظر فتح العزيز ( 5 / 393 – 402 ) ، والبيان ( 3 / 210 – 213 ) .
(2) الذخيرة ( 3 / 13 ) . (1/218)
صفحة 219
وفي المدونة : " قلت ما الذي يكون به الناس في الماشية خلطاء ؟ فقال : سألنا مالكا عن أهل قرية تكون لهم أغنام , فإذا كان الليل انقلبت إلى دور أصحابها والدور مفترقة تبيت عندهم يحتلبونها ويحفظونها , فإذا كان النهار غدا بها رعاؤها أو راع واحد يجمعونها من بيوت أهلها , فانطلقوا بها إلى مراعيها فرعوها بالنهار وسقوها , فإذا كان الليل راحت إلى أربابها على حال ما وصفت لك ، أفترى هؤلاء خلطاء ؟ فقال : نعم وإن افترقوا في المبيت والحلاب ، إذا كان الدلو والمراح والراعي واحدا ، وإن افترقوا في الدور فأراهم خلطاء ، قلت لابن القاسم : أرأيت إن فرقها الدلو ، فكان هؤلاء يسقون على ماء يمنعون منه أصحابهم ، وأصحابهم على ماء يمنعونه منه ؟ قال : سمعت مالكا يقول : إذا كان الدلو والمراح والراعي واحدا وإن تفرقوا في المبيت والحلاب فهم خلطاء ، قال والراعي عندي وإن كانوا رعاة كثيرة يتعاونون فيها فهم بمنزلة الراعي الواحد ، وأما ما ذكرت من افتراق الدلو إذا كانت مجتمعة ، فذلك عندي بمنزلة المراح ، مثل قول مالك لي هي مجتمعة وإن فرقها الدلو بحال ما ذكرت ، قلت : فإن كان راعي هؤلاء أجره عليهم خاصة وراعي هؤلاء الآخرين أجره عليهم خاصة إلا أن المسرح يجمعهم فيخلطون الغنم ويجتمعون في حفظها ، فقال مالك : هي بمنزلة الراعي الواحد إن كان أربابها جمعوها أو أمروه بجمعها فجمعوها حتى كان المراح والدلو والمسرح واحدا فهم خلطاء ، وهو قول مالك(1) .
وأما الإباضية فهم أيضا مختلفون في أسباب الخلطة التي يعتد باجتماعها ، وقد ذكر هذا المحقق الخليلي ـ رحمه الله ـ في قوله :
وبالخلطة المجموع حلبا ومربضا
أو الماء والراعي مع الحلب اتسم
أو الما أو المرعى أو الفحل معهما
لدى الحلب أو بالحلب لو وحده سلم
ومأوى عديم الحلب فالخلط حكمه
__________
(1) المدونة الكبرى ( 1 / 277 ) . (1/219)
صفحة 220
كما الحلب فيما رسلها مرسل ديم(1)
وبالجملة فإنهم اختلفوا على نحو سبعة أقوال في هذا ؛ فقيل ماجمعه الماء والمحلب والمرعى ، ونسبه الإمام السالمي ـ رحمه الله ـ إلى الأكثر(2) . وقيل الماء والمرعى ، وقيل المحلب ، وقيل المراح والمسرح والمسقى والفحل واستحسنه الإمام أبو سعيد الكدمي ـ رحمه الله ـ إلى غير ذلك(3) .
هذا واختلفوا في النية هل تشترط في الخلطة والتفريق بعدها أو لا ؟ وقد تقدم أن للشافعية في ذلك وجهين ، أصحهما عدم اشتراطها ، وذكر الوجهين الإمام السالمي ـ رحمه الله ـ وأن الأصح عدم اشتراطها(4) ، وعند الحنابلة ليست شرطا ، ولكن حكى عن القاضي منهم اشتراطها ، ورده ابن قدامة بحديث : " الخليطان ما اجتمعا في الحوض والراعي والفحل " وبأن النية لا تؤثر في الخلطة فلا تؤثر في حكمها ، وبأن المقصود بالخلطة من الارتفاق يحصل بدونها فلم يتغير وجودها معه ، كما لا تتغير بنية السوم في الإسامة ولا نية السقي في الزرع والثمار ، ولا نية مضي الحول فيما يشترط الحول فيه(5) .
__________
(1) انظر شرح الأبيات في شرح لطائف الحكم ( 98 ـ 100 ) .
(2) معارج الآمال ( 16 / 183 ) .
(3) انظر معارج الآمال ( 15 / 183 ـ 187 ) ، وشرح لطائف الحكم ( 98 ـ 100 ) ، وبيان الشرع ( 18 / 149 ) فما بعدها .
(4) معارج الآمال ( 15 / 185 ) .
(5) المغني ( 2 / 483 ) ، وانظر الشرح الكبير ( 2 / 535 ) . (1/220)
صفحة 221
وقال المرداوي : قلت إن كانت خلطة أعيان لم تشترط لها النية إجماعا ، وإن كانت خلطة أوصاف ففيها وجهان ، وأطلقهما في المذهب ومسبوك الذهب والتلخيص والبلغة والمحرر وابن تميم والرعايتين والفائق والزركشي ، أحدهما لا تشترط وهو ظاهر كلام المصنف ـ ابن قدامة ـ هنا ، وهو الصحيح من المذهب ، وصححه في الكافي والخلاصة والنظم وشرح المجد ، وقدمه في الهداية والمستوعب والمغني والشرح ونصراه ، والحاويين وإدراك الغاية وشرح ابن رزين ، وقال عن القول الثاني : ليس بشيء . والوجه الثاني تشترط النية اختاره القاضي في المحرر والمجد وجزم به في المنهج والإيضاح ، والحلواني وغيرهما(1) .
وبما أن الخلطة تتوقف على أسباب ، فإن وجود أسبابها هو المؤثر في أحكامها ، والأسباب داخلة كما سبق في خطاب الوضع ، فلا تتوقف على النية وما احتج به ابن قدامة على القاضي كله له وجه وجيه ما عدا الحديث لثبوت ضعفه باتفاق صيارفة فن الحديث .
المبحث الخامس
المخالطة ببعض المال
وتجزئته بين العديد من الخلطاء
اختلف القائلون بتأثير الخلطة على ماشية الخلطاء في أحكام الزكاة ، هل يحصر هذا التأثير في الجزء الذي وقعت به المخالطة أو أنه يسري على سائر ماشية الخليط ، كما اختلفوا فيما إذا وزع المالك ماشيته بين العديد من الخلطاء .
__________
(1) الإنصاف ( 3 / 64 / 65 ) . (1/221)
صفحة 222
فعند الحنابلة يسري حكم الخلطة على الجميع ، قال ابن قدامة : إن كان بعض مال الرجل مختلطا وبعضه منفردا أو مختلطا مع مال رجل آخر ، فقال أصحابنا يصير ماله كله كالمختلط ، بشرط أن يكون مال الخلطة نصابا ، فإن كان دون النصاب لم يثبت حكمها ولو كان لرجل ستون شاة ، منها عشرون مختلطة مع عشرين لرجل آخر وجب عليهما شاة واحدة , ربعها على صاحب العشرين وباقيها على صاحب الستين لأننا لما ضممنا ملك صاحب الستين صار صاحب العشرين كالمخالط لستين ، فيكون الجميع ثمانين عليها شاة بالحصص ، ولو كان لصاحب الستين ثلاثة خلطاء كل واحد منهم بعشرين وجب على الجميع شاة ، نصفها على صاحب الستين ونصفها على الخلطاء ، على كل واحد منهم سدس شاة ، ولو كان رجلان لكل واحد منهما ستون فخالط كل واحد منهما صاحبه بعشرين فقط وجب عليهما شاة واحدة بينهما نصفين ، فإن اختلطا في أقل من ذلك لم يثبت لهما حكم الخلطة ، ووجب على كل واحد منهما شاة كاملة ، وإن اختلط في أربعين لواحد منهما عشرة وللآخر ثلاثون ثبت لهما حكم الخلطة لوجودها في نصاب كامل(1) .
إلا أن المرداوي حكى خلافا في هذا ، ففيما إذا خالط صاحب الستين ثلاثة خالط كل واحد منهم بعشرين وللآخر عشرون أيضا ، ذكر أربعة أقوال :
أولها : ما قاله صاحب المغني من أن في الكل شاة على صاحب الستين نصفها وعلى كل واحد من خلطائه الثلاثة سدسها ، قال : وعليه أكثر الأصحاب وجزم به في الوجيز وغيره ، وقدمه في الفروع وغيره ، وقال : هذا قول الأصحاب .
ثانيها : على الجميع شاتان وربع ؛ على رب الستين ثلاثة أرباع شاة ، لأنها مخالطة لعشرين خلطة وصف ، ولأربعين بجهة الملك ، وحصة العشرين من زكاة الثمانين ربع شاة ، وعلى كل خليط نصف شاة ، لأنه مخالط لعشرين فقط وعزاه إلى المجد في محرره .
__________
(1) المغني ( 2 / 483 ) . (1/222)
صفحة 223
ثالثها : قول الآمدي وهو كالذي قبله إلا أنه قال يلزم كل خليط ربع شاة ، لأن المال الواحد يُضم ، وعليه ففيها جميعا شاة ونصف .
رابعها : قول ابن عقيل أن في الجميع ثلاث شياه ، على رب
الستين شاة ونصف جعلا للخلطة قاطعة بعض ملكه عن بعض ، بحيث لو كان له ملك آخر منفرد اعتبر في تزكيته وحده ، وعلى كل خليط نصف شاة لأنه لم يخالط سوى عشرين(1) .
ثم إنه بنى على هذا ما إذا خالط صاحب ستين صاحب عشرين بعشرين ، فعلى الأول على الجميع شاة ؛ على صاحب الستين ثلاثة أرباعها وعلى صاحب العشرين ربعها ، وعلى الثاني على رب الستين في الأربعين المنفردة ثلثا شاة ضما لها إلى بقية ملكه ، وفي العشرين ربع شاة ضما لها إلى بقية ماله وهي الأربعون وإلى العشرين التي للآخر لمخالطتها بعضه وصفا وبعضه ملكا ، وعلى رب العشرين نصف شاة ، وحكاه عن صاحب التلخيص ، قال في الفروع : ويتوجه على الثالث كالأول هنا وعلى الرابع في الأربعين المختلطة شاة بينهما نصفان وفي الأربعين المنفردة شاة على ربها ، ثم ذكر مسألة أخرى وهي أن يكون لأحد خمسة وعشرون بعيرا كل خمسة منها مختلطة بخمسة لآخر ، فعلى الوجه الأول عليه نصف حقة وعلى كل خليط عشرها ، وعلى الوجه الثاني عليه خمسة أسداس بنت مخاض وعلى كل خليط شاة ، وعلى الوجه الثالث عليه خمسة أسداس بنت مخاض وعلى كل خليط سدس بنت مخاض ، وعلى الوجه الرابع عليه خمس شياه ، وعلى كل خليط شاة(2) .
ولا يخفى ما في بعض هذه الوجوه من الغرابة كالقول بأن على صاحب الخمس والعشرين من الإبل المتفرقة في الخلطة خمسة أسداس بنت مخاض ، وعلى كل خليط سدس بنت مخاض أو شاة .
__________
(1) انظر الإنصاف ( 3 / 74 – 75 ) .
(2) المرجع السابق . (1/223)
صفحة 224
وللمالكية أيضا خلاف في هذا ، ودونك ما قاله القرافي في الذخيرة : " إذا خلط مع أكثر من واحد ، عم الحكم الجميع ويتوزع الواجب على نسبة أموالهم ، قاله ابن القاسم وأشهب ، وقال ابن المواز : هو خليط لكل واحد ( بجميع )(1) ماله وليسوا خلطاء ، فيزكي كل واحد ما يخصه مع جملة ماشية خليطه ، وقيل هو خليط لكل واحد بالذي معه دون ما خرج ، فيزكى كل واحد بما يخصه مع خلطائه خاصة . واختلف القائلون بذلك في حكمه هو : فقيل يزكى على ضم ماله بعضه إلى بعض ، وقيل يفرد كل مال بالزكاة مع خليطه ، وسبب الخلاف اجتماع أمرين متناقضين : أحدهما الخليط الأوسط يجب ضم ماله بعضه إلى بعض مع عدم الخلطة ، والثاني الطرفان ليس بينهما خلطة فلا يجب الضم بينهما ، فمن غلَّب حكم الوسط ورأى أن كل واحد منهما يجب ضمه إليه وهو يجب ضم ملكه عمم الحكم ، ومن غلَّب حكم الطرفين أفرد حكم الوسط فجعله كمالين لمالكين ولم يضم بعضه إلى بعض وهذا هو القول الرابع ، ومن رأى أن الوسط جعل الطرفين خليطين ، والخليط يجب ضم ماله وهو القول الثاني ؛ وبيان ذلك بالمثال : من خلط عشرة من الإبل بعشرة وعشرة أخرى مع أخرى ، فعلى القول الأول تجب بنت مخاض على الوسط نصفها وعلى كل واحد من الطرفين ربعها ، وعلى الثاني يجب أيضا على الوسط نصفها ، وعلى كل واحد من الطرفين ثلث بنت مخاض ، وعلى الثالث على الوسط ثلث بنت مخاض وعلى كل واحد من الطرفين شاتان ، وعلى الرابع في الجميع يجب ثمان شياه ، على الوسط أربع ، وعلى كل واحد من الطرفين شاتان(2) .
ولي في ما ذكره أربع ملاحظات :
__________
(1) المطبوع في الذخيرة ( لجميع ) ولكن لم نجد لها معنى .
(2) الذخيرة ( 3 / 131 ـ 132 ) . (1/224)
صفحة 225
الأولى : لا أعرف وجها للتفريع على الوجه الأول بأن الواجب في الجميع بنت مخاض ، مع أن مبناه أن الخلطة ببعض المال كالخلطة بكله ، وأن خليط الخليط له حكم الخليط لترابطهما بالخليط الوسط ، وقد اجتمع للخلطاء الثلاثة هنا أربعون بعيرا للوسط عشرون ولكل واحد من الطرفين عشرة ، ولئن كانت الخلطة تجعل مال الخلطاء كالمال الواحد فإن الأربعين تجب فيها بنت لبون لا بنت مخاض لذلك أرى الصواب أن تجعل بنت لبون هنا محل بنت مخاض ويكون على الوسط نصفها وعلى كل واحد من الطرفين ربعها ، ويبدو لي أن ذكر بنت مخاض لا يعدو أن يكون سبق قلم من بعض النساخ ، وتناقل ذلك من نسخ من تلك النسخة التي وقع صاحبها في هذا الخطأ ، واعتمد ذلك المحقق من غير نظر وتمحيص على أن المحقق نفسه نبه في تعليقه على أن في نسخة ( د ) بنت لبون وذلك عين الصواب الذي كان واجبا عليه اعتماده .
الثانية : لا إشكال في الوجه الأخير ، لأنه مبني على استقلال كل خلطة عن الخلطة الأخرى فلذلك تفرع عليه أن فيها جميعا ثماني شياه ؛ على صاحب العشرين أربع ، وعلى كل صاحب عشر شاتان .
الثالثة : من العجيب أن في الوجه الثاني والثالث مراعاة الخلطة تارة وعدمها تارة أخرى ، فقد كان حريا على اعتبار أن الوسط خالط كل واحد منهما بجميع ماله أن يقال بأن على الوسط ثلثي بنت المخاض وعلى كل طرف ثلثها ، لأن ماله جميعا عشرون بعيرا ومال كل خليط عشرة فاجتمع ثلاثون بعيرا في الخلطتين معا والعشرون هي ثلثا الثلاثين ، وفي الثلاثين بنت مخاض .
الرابعة : بجانب ما ذكرته في الملاحظة السابقة عجبت مما في الوجه الثالث من جعل فرض صاحب العشرين ثلث بنت المخاض ، مع أن اختلاط ماشيته جميعا بعشرة يوجب عليه ثلثيها كما سبق بيانه .
هذا وقد ذكر الباجي في المنتقى مسائل فرعها على أقوال مالك وأصحابه في هذا الباب نذكرها من أجل الفائدة . (1/225)
صفحة 226
المسألة الأولى : إن خالط رجل ببعض ماشيته دون بعض فإن كانت غنما خالط منها بأربعين صاحب أربعين وكانت له أربعون بغير خلطة فقد قال مالك وابن القاسم وأشهب : يكون خليطه بالثمانين فتجب عليهما شاة عليه ثلثاها وعلى صاحب الأربعين ثلثها ، وقال ابن الماجشون وسحنون : لا يكون خليطه إلا بما خالطه به فيكون على صاحب الأربعين نصف شاة لأنه لم يخالطه إلا بها ويكون على صاحب الثمانين ثلثا شاة ، وجه القول الأول أن المالك للثمانين لما اعتبر في حقه ومخالطته بالتماس فكذلك صاحب الأربعين ، وهذا الجواب الذي جاوب به مالك على قوله : إن في الأوقاص الزكاة وعلى قوله إنه ليس في الأوقاص شيء . فعلى كل واحد منهما نصف شاة ، لأنه لو انفرد كل لوجب عليه مثل ما يجب على الآخر .
ووجه القول الثاني أن صاحب الأربعين لم يخالط من مال صاحب الثمانين إلا بأربعين , فلا تأثير لغيرها في حكمه , هذا الذي قاله عبد الملك , وأن صاحب الثمانين لم يخالط صاحب الأربعين من ماشيته إلا بأربعين فكان يجب أن لا تؤثر خلطته له في غيرها(1) .
المسألة الثانية : إن خالط ببعض غنمه رجلا وببعضها رجلا آخر وفي كل جزء منه نصاب فقد قال ابن المواز : من له ثمانون خالط بأربعين منها رجلا وبأربعين رجلا آخر , فإنه خليط لكل واحد منهما بثمانين فعلى صاحب الثمانين شاة وعلى كل واحد من صاحبيه ثلث شاة , وحكى ذلك عن ابن عبد الحكم وأصبغ(2) .
__________
(1) المنتقى (2/138) .
(2) المرجع السابق . (1/226)
صفحة 227
والذي يلاحظ في المسألة الأولى , إيجاب شاة وسدس في مائة وعشرين شاة على القول الثاني , مع أن الواجب فيها شاة واحدة , على أن التشقيص في فروض الزكاة لا أصل له , وقد تفاداه الشارع ولذلك عدل فيما دون خمس وعشرين من الإبل عن فرض الزكاة فيها من جنسها إلى فرضها من جنس آخر وهو الغنم لئلا يدخل التشقيص فيها . فذلك أعجب ممن يرجع إليه , وهو أمر لم يكد يتخلص منه مذهب من المذاهب الإسلامية التي تأخذ بحكم الخلطة في زكاة الماشية إذ ما منها مذهب إلا فيه قول بالتشقيص .
أما المسألة الثانية ففيها بجانب ما ذكرته إجحاف بحق الزكاة , فإن أغنام الخلطاء الثلاثة بلغت مائة وستين شاة وقد دل الحديث على أن في هذا العدد شاتين وعلى ذلك استقر الإجماع فكيف يرد الفرض إلى شاة وثلثي شاة .
أما بقية المسائل فستأتي إن شاء الله مع ذكر ما يناسبها .
وللشافعية في هذا الباب من الاختلاف مثل ما لغيرهم ولعلهم زادوا على غيرهم في تفريع وجوهه , فقد اختلفوا فيما إذا خالط ببعض ماشيته دون بعض أو خالط بكل جزء منها خليطا , ففي الصورة الأولى : من كانت له ستون شاة خالط بعشرين منها صاحب عشرين ففي ذلك عندهم قولان , أصحهما وعليه فرع الشافعي في المختصر , وذكر صاحب المهذب أنه المنصوص , وعزا النووي اختياره إلى ابن سريج وأبي إسحاق المروزي والجمهور أن الخلطة ملك ومعناه ثبوتها في الثمانين كلها فكأنها جميعا مختلطة لأن المال الواحد يضم بعضه إلى بعض وإن تفرق وتعددت بلدانه , والخلطة تجعل المالين كمال واحد فعلى هذا يكون صاحب الستين خليطا بها كلها لصاحب العشرين وعليهما شاة , على صاحب الستين ثلاثة أرباعها وعلى صاحب العشرين ربعها . (1/227)
صفحة 228
والقول الثاني أنها خلطة عين , ومعناه يقصر حكمها على عين المختلط لأنه المختلط حقيقة ، فعلى هذا يجب على صاحب العشرين نصف شاة بلا خلاف لأنه خليط عشرين , وفي صاحب الستين خمسة أوجه أصحها وهو المنصوص وبه قال ابن أبي هريرة أنه تلزمه شاة لأن له مالين مختلطا ومنفردا , والمنفرد أقوى فغلب حكمه فصار كمن له ستون شاة منفردة , والثاني يلزمه ثلاثة أرباع شاة لأن ماله يضم بعضه إلى بعض , وقد ثبت لبعضه حكم الخلطة فكأنه خلط ستين بعشرين , والثالث يلزمه خمسة أسداس شاة ونصف سدس , يخص الأربعين ثلثا شاة وكأنه انفرد بجميع الستين ويخص العشرين ربع شاة كأنه خالط بالجميع وهذا اختيار أبي زيد المروزي والحصري , والرابع يلزمه شاة وربع شاة يخص الأربعين ثلثان والعشرين نصف موافقة لخليطها حكاه عن ابن سريج , والخامس يلزمه شاة ونصف شاة كأنه انفرد بأربعين وخالط بعشرين وقالوا هو ضعيف أو غلط(1) .
__________
(1) المجموع ( 5 / 444 ) , فتح العزيز ( 5 / 469 – 473 ) بتصرف . (1/228)
صفحة 229
ولا غبار على القول الأول فإنه مبني على أصل ظاهر وتفريع سليم ولكن التفريعات المذكورة على القول الثاني فيها من الغرابة ما ترى , ولعل أغربها الوجه الثالث لما فيه من التباين بين ما يجب في الأربعين وما يجب في العشرين , حيث فرض في الأربعين ثلثا شاة وفي العشرين ربعها مع ما فيه من مراعاة الخلطة والانفراد في الأربعين ومثله أو قريب منه الوجه الرابع , وأرى أن الوجه الخامس ـ مع قولهم فيه ضعيف أو غلط ـ أسلم من الاضطراب وأوضح مأخذا فإنه مبني على أن المال المخلوط يستقل بالخلطة عن غير المخلوط فلذلك لزمه نصف شاة فيما خالط به وما لم يخالط به استقل بالنصاب فلذلك أوجبوا فيه شاة لأن الخلطة فصلته عن الخليط وهو غير بدع فقد قال بمثل ذلك بعض الحنابلة كما سبق في تعدد الخلطاء , ونحوه ما ذكرناه عن بعض المالكية وسيأتي إن شاء الله أن من أصحابنا من قال به على أن في بعض تفريعات الشافعية أنفسهم في غير هذه المسألة ما يدل على أنهم بنوه على نفس الأصل الذي بنيت عليه وهذا واضح في الوجه السابع من وجوه القول الثاني في المسألة الآتية وهي :
إذا خالط عشرين بعشرين ولكل واحد منهما أربعون منفردة ففي واجبهما القولان , فإن قيل بأنها خلطة ملك : فعليهما جميعا شاة على كل واحد منهما نصفها لأن الجميع مائة وعشرون , وإن قيل خلطة عين : ففيها سبعة أوجه ذكرها العلماء السابقون من الشافعية مفرقة وجمعها الرافعي وذكرها من بعده النووي :
أولهما ـ وهو أصحها ـ : أن علىكل واحد شاة تغليبا للانفراد .
ثانيها : على كل واحد ثلاثة أرباع شاة لأن له ستين مخالطة لعشرين .
ثالثها : على كل واحد نصف شاة وكأن الجميع مختلط كالقول بأنها خلطة ملك .
رابعها : على كل واحد خمسة أسداس ونصف سدس شاة حصة الأربعين منها ثلثان كأنه انفرد بكل ماله وحصة العشرين ربع كأنه خالط الستين بالعشرين . (1/229)
صفحة 230
خامسها : على كل واحد خمسة أسداس فقط حصة العشرين منها سدس كأنه خالطها بالجميع .
سادسها : على كل واحد شاة وسدس ثلثان عن الأربعين ونصف عن العشرين .
سابعها : على كل واحد شاة ونصف(1) . وهو مبني على ما ذكرناه من أن الخلطة تفصل غير المختلط عن المختلط وكأنما يستقل عنه بنصابه .
هذا ولا فرق عندهم في هاتين المسألتين بأن تكون الأربعون المنفردة في بلد المال المختلط أو في بلد آخر , ويجري القولان سواء اتفق حول الستين وحول الآخر أم اختلفا , وإنما يراعى عندهم فيما إذا اختلفا في الحول ما ذكرناه من التفاصيل المتعلقة بذلك . وقال ابن كج : " الخلاف فيما إذا اختلف حولاهما فإن اتفقا فعليهما شاة بلا خلاف : ربعها على صاحب العشرين وقد نصوا على شذوذ هذا وضعفه وأن المذهب أنه لا فرق "(2) .
أما إذا خالط ببعض ماله خليطا وببعضه آخر ولم يتخالط الطرفان فخلط عشرين منها بعشرين لمن لا يملك غيرها وعشرين بعشرين أيضا لمن لا يملك غيرها , فبناء على القول بأن الخلطة خلطة ملك ـ وهو الصحيح عند الشافعية ـ يجب على صاحب الأربعين نصف شاة , أما الآخران فمال كل واحد منهما مضموم إلى الأربعين وهل يضم إلى العشرين التي لخليط خليطه ؟ فيه وجهان أصحهما أنه يضم وبه قطع صاحب المهذب وسائر العراقيين فعلى كل واحد ربع شاة والثاني لا فعليه ثلث شاة .
__________
(1) المجموع ( 5 / 444 ـ 445 ) , فتح العزيز ( 5 / 373 – 476 ) بتصرف .
(2) انظر المرجعين السابقين . (1/230)
صفحة 231
وإن قيل الخلطة خلطة عين فعلى كل واحد من صاحبي العشرين والعشرين نصف شاة وأما صاحب الأربعين ففيه الأوجه السابقة لكن الذي يجتمع منها هنا ثلاثة أصحها هنا نصف شاة , والثاني شاة , والثالث ثلثا شاة ولو ملك ستين خلط كل عشرين بعشرين لرجل فإن قيل بخلطة الملك فعلى صاحب الستين نصف شاة وفي خلطائه الثلاثة وجهان : إن قيل بأنه يضم مال الخليط إلى مال خليط خليطه وهو الأصح فعلى كل واحد سدس شاة وإلا فربعها وإن قيل بخلطة العين فعلى كل واحد من الثلاثة نصف شاة , وفي الستين أوجه أحدها تلزمه شاة والثاني نصفها والثالث ثلاثة أرباعها والرابع شاة ونصف عن كل عشرين نصف شاة وقد سبقت , وسبق بيان مأخذها والأصح منها .
ولو ملك خمسة وعشرين بعيرا فخالط بكل خمس منها خمسا لآخر فإن قيل بخلطة الملك فعلى صاحب الخمس والعشرين نصف حقة , وفي واجب كل واحد من خلطائه وجهان أصحها عشر حقة , والثاني سدس بنت مخاض , وإن قيل بخلطة العين فعلى كل واحد من خلطائه شاة , وفي صاحب الخمس والعشرين الأوجه الأربعة : على الأول بنت مخاض , وعلى الثاني نصف حقة وعلى الثالث خمسة أسداس بنت مخاض , وعلى الرابع خمس شياه . (1/231)
صفحة 232
ولو ملك عشرة أبعرة فخلط خمسا بخمس عشرة لغيره وخمسا بخمس عشرة لآخر , فإن قيل بخلطة الملك فعلى صاحب العشر ربع بنت لبون وفي صاحبيه وجهان : إن ضم إلى خليطه فقط عليه ثلاثة أخماس بنت مخاض وإن ضم إلى خليط خليطه أيضا وهو الأصح لزمه ثلاثة أثمان بنت لبون ، وإن قيل بخلطة العين فعلى كل واحد من صاحبيه ثلاث شياه وفي صاحب العشر الأوجه الأربعة على الأول تلزمه شاتان , وعلى الثاني ربع بنت لبون , وعلى الثالث خمسا بنت مخاض وعلى الرابع شاتان كالوجه الأول ، ولو ملك عشرين بعيرا خلط كل خمس بخمس وأربعين لرجل فإن قيل بخلطة الملك لزمه الأغبط من نصف بنت لبون وخمسي حقة على أصل المذهب الشافعي , بناء على ما سبق أن المائتين من الإبل واجبها الأغبط من خمس بنات لبون أو أربع حقاق , وجملة الأصول هنا مائتان وفيما يجب على كل واحد من الخلطاء وجهان : إن ضممناه إلى خليط خليطه وهو الأصح لزمه بنت لبون وثمنها أو تسعة أعشار حقة , وإن ضممناه إلى خليطه فقط لزمه تسعة أجزاء من ثلاثة عشر جزءا من جذعة , وإن قلنا بخلطة العين لزم كل واحد من خلطائه تسعة أعشار حقة وفي صاحب العشرين الأوجه : على الأول أربع شياه , وعلى الثاني الأغبط من نصف بنت لبون وخمسي حقة , وعلى الثالث أربعة أجزاء من ثلاثة عشر جزءا من جذعة , وعلى الرابع أربع شياه كالأول , وكل هذه المسائل مفروضة فيما إذا اتفقت أوائل الأحوال , فإن اختلفت انضم إلى هذه الاختلافات ما سبق من الخلاف عند اختلاف الحول , مثاله في الصورة الأخيرة اختلف الحول فيزكون في السنة الأولى زكاة الانفراد كل واحد بحوله ، وفي باقي السنين يزكون زكاة الخلطة ، وهذا هو المذهب ، وعلى القديم يزكون في السنة الأولى أيضا بالخلطة , وعلى وجه ابن سريج لا تثبت لهم الخلطة أبدا. … (1/232)
صفحة 233
ولو خلط خمس عشرة شاة بمثلها لغيره ، ولأحدهما خمسون منفردة فإن قيل بخلطة العين فلا شيء على صاحب الخمس عشرة ؛ لأن المختلط دون النصاب وعلى الآخر شاة عن الخمس والستين كمن خالط ذميا . وإن قيل بخلطة الملك فوجهان : أحدهما لا أثر لهذه الخلطة لنقصان المختلط عن النصاب ، وأصحهما تثبت الخلطة وتضم الخمسون إلى الثلاثين فتجب شاة ؛ على صاحب الخمس عشرة فقط ثمن شاة ونصف ثمن والباقي على الآخر(1) . وكل هذا واضح على أصول الشافعية المتقدم ذكرها .
أما الإباضية فلعلهم أقل خلافا وتفريعا من غيرهم في هذا الباب ، والظاهر مما يحكى عن أسلاف المشارقة منهم أنهم لا يرون الخلطة إلا خلطة العين ، وبناء على ذلك فإنه لا يسري حكم الخليط إلى خليط خليطه وإنما تكون كل خلطة مستقلة كملك منفرد وهذا واضح فيما نقله ابن جعفر في جامعه عن أبي عبد الله محمد بن محبوب ونصه : " وعن أبي عبدالله ـ رحمه الله ـ في رجل له أربعون شاة وعنده شاة يتم بها الأربعين لرجل له أربعون شاة بتلك الشاة ، قال فيها شاتان ويطرح عن صاحب التسع والثلاثين شاة بقدر الشاة التي ليست له "(2) .
ومثل هذا في بيان الشرع عن أبي الحواري وغيره(3) ، غير أن الإمام نور الدين السالمي أتى في كتاب معارج الآمال بكل ما قاله الشافعية في هذا الباب تأصيلا وتفريعا من غير أن يبين للمذهب رأيا خاصا في شيء من ذلك ولم أجد مثله لغيره من علماء المذهب ، والظاهر من صنيعه هذا أنه أقر كل ما عندهم من تأصيل وتفريع في ذلك(4) .
__________
(1) المجموع ( 5 / 445 – 446 ) بتصرف ، وانظر فتح العزيز ( 5 / 476 ـ 481 ) .
(2) جامع ابن جعفر ( 3 / 152 ) .
(3) بيان الشرع ( 18 / 151 ـ 152 ) .
(4) انظر معارج الآمال ( 15 / 188 ـ 191 ) . (1/233)
صفحة 234
والذي أراه أن الخلطة لا تقع إلا بما خالط به الخليط خليطه ، وأن الخلطة لا تسري إلى خليط الخليط فإن نص الحديث : " وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية " ، ومن المعلوم أن خليط الخليط الذي استقل بخلطته مع خليطه ليس خليطا للخليط الآخر . والأحكام الشرعية تستقى من أدلتها بحسب المفاهيم اللغوية وليس في اللغة ما يدل على أن خليط الخليط خليط ، كما أنه لا يكون أخو الأخ أخا وإلا لزم عليه أن تحرم على الرجل أخت أخيه إن أعطيت حكم أخته ، ولزم منه أيضا أن يرث أخو الأخ ، وهذا ما لم يقله أحد قط ، وأثر الخلطة إنما هو فيما كانت المخالطة به ، ولا يسري إلى ما لم يقع به الاختلاط ، ومما يدل على ذلك أن السعاة في عهود السلف لم يذكر عنهم أنهم كانوا يسألون الخلطاء عما لهم من الأموال التي لم يخالطوا بها وإنما يأخذون الزكاة فيما وجدوه مختلطا ، وهذا مما يدل على أن من خالط أكثر من واحد كلا منهم ببعض ماله فكل خلطة منها تعد مستقلة عن الخلطة الأخرى ، وتخرج زكاة كل واحد منها كما لو كانت مالا مستقلا ، والله تعالى أعلم .
هذا وجمهور أهل العلم أن من كانت له ماشية في بلد وأخرى في غيره يحمل بعضها على بعض في الزكاة كما لو كانت مجتمعة، ولو تباعد البلدان فكان أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب ، إلا الإمام أحمد فعنه في ذلك روايتان : رواية وافق فيها الجمهور وعليها عول أكثر أصحابه ، ورواية أخرى أنه إذا كان بين البلدين مسافة القصر فكل ماشية تزكى زكاة منفردة ولا تضم إلى غيرها . قال ابن المنذر : " لم أعلم هذا القول عن غير أحمد " . (1/234)
صفحة 235
واحتج له بظاهر قوله عليه الصلاة والسلام : " لا يجمع بين مفترق ، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة "(1) ، وهذا مال مفرق فلا يجمع ، ولأنه لما أثر اجتماع مالين لرجلين في كونهما كالمال الواحد ، يجب أن يؤثر افتراق مال الرجل الواحد حتى يجعل كالمالين ، والرواية الثانية قال فيمن له مائة شاة في بلدان متفرقة لا يأخذ المصدق منها شيئا لأنه لا يجمع بين متفرق ، وصاحبها إذا ضبط ذلك وعرفه أخرج بنفسه زكاتها يضعها في الفقراء ، روي هذا عن ميمون وحنبل وهذا يدل على أن زكاتها تجب مع اختلاف البلدان إلا أن الساعي لا يأخذها لكونه لا يجد نصابا كاملا فعليه أداء الزكاة بنفسه وجمهور أهل العلم على أنه يضم بعضه إلى بعض ، ويؤخذ من أي البلدان ما يجب في الجميع وصحح ذلك ابن قدامة(2) ، وهو الصحيح لإطلاق الأحاديث وجوب الزكاة على كل من ملك خمس ذود أو أربعين شاة من غير تقييد ذلك بكونها في حوزة لا تقصر فيها الصلاة ، والنهي عن جمع المفترق وتفريق المجتمع إنما هو في المالين أو الأموال كما هو معلوم .
المبحث السادس
في تراجع الخليطين والخلطاء
__________
(1) سبق تخريجه
(2) انظر المغني ( 2 / 489 ـ 490 ) ، الشرح الكبير ( 2 / 545 ، 546 ) ، الإنصاف ( 3 / 75 ، 76 ) . (1/235)
صفحة 236
قد لا تدعو الحاجة إلى أن يتراجع الخليطان ، وذلك بأن تتساوى ماشيتهما ويكون في كل ماشية فرض مستقل كأن يملك كل منهما مائة شاة أو ثمانين شاة فإن الفرض الواجب فيها جميعا شاتان وليس من الصعب أن تؤخذ الشاتان من ماليهما جميعا هذا إن كانت الخلطة خلطة أوصاف ولم تكن خلطة شيوع وعندما يأخذ الساعي من كل منهما فرضه لا يكون هناك داع إلى أن يتراجعا فيما بينهما ، وهل ذلك واجب على الساعي مع إمكانه ليكفيهما كلفة التراجع بينهما ؟ فيه وجهان للشافعية : الوجوب ، وهو الذي حكاه صاحب المهذب ، والرافعي عن أبي إسحاق ، وعدمه وبه قال ابن أبي هريرة وصححه صاحب المهذب ونسب إلى جمهور الشافعية المتقدمين فله أن يأخذ من نصيب أي واحد منهما ، ولو تمكن أن يأخذ من مال كل بانفراد(1) . وبناء على هذا فسواء أخذ ممن له أقل الجملة أو أكثرها وهذا لأن المالين كالمال الواحد .
ومثل هذا الخلاف عند الحنابلة ؛ فجمهورهم كجمهور الشافعية يرون جواز أخذ الفرض من نصيب أي الخليطين ، ثم يكون بينهما التراجع سواء اقتضت ذلك الضرورة أو لا ، وذهب القاضي منهم مذهب أبي إسحاق من الشافعية وهو أن السعة تكون في حال الضيق وفي حال السعة يضيق الحكم(2) .
هذا وإن وجبت على خليطين شاة فأخذها الساعي من مال أحدهما فإن التراجع يكون بينهما فيها ، سواء كانت الماشية المزكاة كلها معزا أو ضانا أو كانت مختلطة فأخذها من أحد الصنفين فإنه يرجع من أخذت من ماله على خليطه بقدر حصته من الصنف الذي عنده .
__________
(1) انظر المجموع ( 5 / 447 ) ، فتح العزيز ( 5 / 408 ) .
(2) الإنصاف ( 3 / 77 ) . (1/236)
صفحة 237
وذكر الباجي أن أصحاب مالك اختلفوا فيما يأخذ الساعي من ماشية أحد الخليطين ، فالذي يجيء على مذهب ابن القاسم أنه بمعنى الاستهلاك فالواجب به القيمة خاصة دون العين ، والذي يجيء على مذهب أشهب أنه بمعنى السلف وجه القول الأول أنه غير موقوف على اختيار من أخذ منه فإذا وجبت عليه ماعزة وكانت في غنم أحدهما أخذها منه ولم يكن له الامتناع من ذلك ويكون له الرجوع بقيمتها على صاحبه لأن كل ما ثبت في الذمم من الحيوان من غير اختيار من ثبت له فإن الواجب له القيمة دون العين كالاستهلاك .
ووجه القول الثاني أن هذه الشاة إنما تؤخذ ممن كانت عنده من ماشية الآخر ، فصار ذلك سلفا عليه ولا يجوز أن يكلف إخراج شاة عما وجب على خليطه ولا يكون له عليه العين لوجهين :
أحدهما : أن القيمة لا تجب في الزكاة وإنما تجب في العين ولا خلاف في ذلك لأن من جوز إخراج الغنم في الزكاة إنما يوجب العين .
والوجه الثاني : أنه يجب أن يتساويا ، وإن أخذ من أحدهما عينا ومن الآخر قيمة لم يتساويا ، قال : فإن كانا إنما أخرجا عن الماشيتين شاة واحدة يجيء على قول من قال إنه يجب عليه نصف شاة وهو قول أشهب أيضا فإنما تجب عليه قيمة نصف الشاة .
فأما قول ابن القاسم فهو لمرد مذهبه ، وأما على قول أشهب فكان عليه أن يأتي بنصف شاة لكنه لو أحضر الشاة لكان له أن يأخذ حصته منها بالبيع ، وذلك يرجع إلى الثمن وهو القيمة ، فلما كان مرجعه إلى القيمة لم يكلف المستسلف غير القيمة لأنه يقول ليس علي أن أحضر غير حصتك من الشاة ، وأما حصتي فلا يلزمني إحضارها ، فلذلك رجع الأمر إلى القيمة وإن كان أدى عنه شاة فقال أشهب يلزمه دفع شاة إليه ويجيء على قول ابن القاسم أن عليه قيمة الشاة(1) .
__________
(1) المنتقى ( 2 / 139 ـ 140 ) . (1/237)
صفحة 238
وقد يبدو أن الخلاف بين أشهب وابن القاسم لا يعدو أن يكون نظريا فيما إذا كان المخرج شاة بين اثنين يتعين أن يعوض المخرج عنه نصفها إلى مخرجها لأن مآل القولين جميعا أن له عليه قيمة نصف شاة . وإنما تظهر للخلاف ثمرة عملية إن كانت حصة المخرج عنه شاة تامة بحيث تلزمه شاة مكانها ، فبناء على قول أشهب ـ أن ذلك يخرج مخرج السلف ـ تلزمه شاة مثلها ، وبناء على قول ابن القاسم إنه يخرج مخرج الاستهلاك لحق الغير تجب عليه قيمتها ولكن قد تظهر للخلاف فائدة عملية حتى في الصورة السابقة ، فالباجي نفسه قال : " ومتى تعتبر القيمة في نصف الشاة ، قال ابن القاسم فيها القيمة يوم أخذها المصدق ، وقال الشيخ أبو محمد بأثر قول أشهب : ولا تكون القيمة على هذا إلا قيمة نصف الشاة يوم أداء القيمة وذلك مبني على كلا القولين(1) .
وهذه التخريجات جيدة ، ويمكن أن يستفيد منها غير المالكية ، ويبدو لي رجحان قول أشهب فيما اختلف فيه مع ابن القاسم لأن الأصل وجوب إخراج العين فتكون هي المتعلقة بذمة الخليط , وإنما يصار إلى قيمتها مع تعذر إحضارها وذلك عندما تكون جزءا من شاة , أما عندما تكون شاة كاملة فيجب إحضار عينها , وبناء عليه فعندما يصار إلى القيمة تكون هي القيمة يوم وفاء الخليط ما عليه لخليطه , وإن كان المشهور عند المالكية ما قاله ابن القاسم , ففي الذخيرة " وإذا أخذ الساعي الواجب فالمشهور الرجوع بالقيمة سواء دفع رأسا أو جزءا "(2) .
__________
(1) المرجع السابق 140 .
(2) الذخيرة (3/131) . (1/238)
صفحة 239
هذا وعند الشافعية أن الرجوع في التناصف بنصف قيمة الشاة لا بنصف الشاة لأنها ليست مثلية , وعللوا ذلك أن نصف القيمة أكثر من قيمة النصف فإن الشاة قد تكون جملتها تساوي عشرين ولا يرغب أحد في نصفها بأكثر من ثمانية لضرر البعض فنصف القيمة عشرة , وقيمة النصف ثمانية وإنما قالوا بنصف القيمة لا بقيمة النصف لأن الشاة أخذت عن جملة المال فوجب أن تكون قيمتها موزعة على جملة المال ولو قيل بقيمة النصف لكان فيه إجحاف بالمأخوذ منه , هكذا قال النووي ثم أتبع ذلك قوله : " فاعتمد ما نبهت عليه ولا تغتر بقول بعضهم عن قيمة النصف فإنه مؤول على ما ذكره المحققون كما أوضحته "(1) .
وقد أفاد الرافعي في شرحه على الوجيز مثل هذا(2) ويفهم من كلام الحنابلة ما يؤيده وعندهم أنهما إذا اختلفا في القيمة فالقول قول المرجوع إليه , قال المرداوي : يعني مع يمينه إذا احتمل صدقه , لأنه منكر غارم وهذا المذهب ـ أي مذهب الحنابلة ـ وعليه الأصحاب , وقال الشيخ تقي الدين : يتوجه أن القول قول المعطى لأنه كالأمين "(3) , ونص الشافعي في الأم يتفق مع قول جمهور الحنابلة(4) .
والذي يتجه لي أن قول تقي الدين من القوة بمكان , فإنه أمين لاشتراكهما , فالقول قوله مع يمينه إن طلبها مخالطه .
وما ذكرناه عن الشافعية في وجوب مراعاة نصف القيمة لا قيمة النصف , له وجه وجيه وهو لا ينافي ما اخترته من قول أشهب فيما تقدم . ذلك لأن الذي يطالب به الخليط المخرج عنه نصف قيمة الشاة المخرجة يوم الأداء لا يوم الإخراج .
__________
(1) المجموع ( 5 / 447 – 448 ) .
(2) فتح العزيز شرح الوجيز ( 5 / 414 – 417 ) .
(3) الإنصاف ( 3 / 77 ) .
(4) الأم ( 2 / 12 ) . (1/239)
صفحة 240
وبناء على هذا التحرير المتقدم , فرع الشافعية أنه لو اشترك خليطان لأحدهما مائة شاة وللآخر خمسون فأخذ الساعي الشاتين الواجبتين من صاحب المائة رجع على صاحبه بثلث قيمة الشاتين لا بقيمة ثلثي شاة , وإن أخذ من صاحب الخمسين رجع بثلثي قيمتهما , ولو كان نصف الشياه لهذا ونصفها لهذا رجع كل واحد بنصف قيمة شاة فإن تساوت القيمتان ففيه أقوال التقاص الأربعة المعروفة عندهم أصحها يسقط أحد الدينين بالآخر من غير توقف على رضاهما ولا رضى أحدهما ، والثاني يشترط رضى أحدهما ، والثالث يشترط رضاهما والرابع لا يسقط وإن رضيا , ومحل الأقوال إذا استوى الدينان جنسا وقدرا وكذا لو كان أحدهما أكثر جرت الأقوال فيما اتفقا فيه , وفرعوا على ذلك فروعا في زكاة الإبل والبقر يرجع فيها إلى مظانها(1) . …
وإن ظلم الساعي فأخذ من أحد الخليطين أكثر من حق الصدقة الواجب عليهما لم يكن للمأخوذ منه أن يرجع على خليطه بأكثر مما يجب عليه شرعا سواء كان ظلمه إياه في العدد أو في الوصف , مثال العدد أن يأخذ شاتين مكان شاة , ومثال الوصف أن يأخذ ما لا يجوز له أخذها لنفاستها كالماخض والربى وفحل الغنم وقد نص على هذا الإمام الشافعي في الأم(2) وإنما يطلب حقه من الساعي الذي ظلمه فإن كان باقيا بعينه استرده وأعطاه ما يجب وإلا استرد الفضل وسقط عنه الفرض , قال النووي : " وهذا كله متفق عليه "(3) وهو قول الحنابلة قال المرداوي منهم : " وهذا المذهب وعليه الأصحاب ـ أي الحنابلة ـ إلا أن الشيخ تقي الدين قال : الأظهر أنه يرجع "(4) أي على خليطه .
__________
(1) انظر المجموع ( 5 / 448 – 449 ) , وفتح العزيز ( 5 / 417 – 430 ) .
(2) الأم ( 2 / 12 – 13 ) .
(3) المجموع ( 5 / 449 ) , وانظر فتح العزيز ( 5 / 431 – 433 ) , والبيان ( 3 / 225 ) .
(4) الإنصاف ( 3 / 77 ) . (1/240)
صفحة 241
وأرى أن رجوعه على خليطه بما كان من ظلم الساعي يعد إقرارا للظلم وتبريرا له وهو أمر مخالف للدليل الشرعي فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد "(1) وفي رواية : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"(2) وما كان مردودا فهو باطل لا تترتب عليه النتائج المترتبة على الصحيح المقبول .
أما إن كان الساعي متأولا في أخذه الكثير أو النفيس وذلك بأن يأخذ مثلا الكبيرة عن الصغار أو الصحيحة عن المراض , أو يأخذ الصدقة في المعلوفة أو ما أشبه ذلك وكان ذلك اجتهاده إن كان من أهل الاجتهاد أو كان مقلدا للإمام المجتهد الذي يرى ذلك الرأي إن كان من أهل التقليد فهو في ذلك كله معذور وفعله ماض وللمأخوذ منه الرجوع على خليطه بحصته مما أخذ , وهذا هو رأي جمهور الشافعية والحنابلة(3) .
وهذا هو قول المالكية حسبما يفهم مما نصوا عليه فيما إذا أخذ الساعي الزكاة من مال الخليطين ولم يكن أحدهما مستقلا
بنصاب فيه (4) .
__________
(1) الربيع في مسنده حديث رقم 49 ، و رواه البخاري ـ باب : إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ : حديث رقم 6918 , ومسلم في باب نقض الأحكام الباطلة حديث رقم 1718 .
(2) رواه البخاري باب إذا استصلحوا على صلح جور فالصلح مردود حديث رقم 2549 , ومسلم في باب نقض الأحكام الباطلة حديث رقم 1718 .
(3) انظر فتح العزيز ( 5 / 433 ـ 435 ) , والمجموع ( 5 / 449 ) , والإنصاف (3 / 78) .
(4) انظر المدونة الكبرى ( 1 / 278 - 279 ) والمنتقى ( 2 / 139 ) ، ومختصر خليل بشرح الشيخ عليش منح الجليل ( 2 / 18 – 19 ) وحاشية الرهوني ( 2 / 251 ) والذخيرة ( 3 / 127 – 128 ) . (1/241)
صفحة 242
وذهب أبو إسحاق من الشافعية وأبو المعالي من الحنابلة إلى أنه لا يرجع إليه إلا بمقدار فرضه ومثل ذلك ما لو أخذ منه القيمة بدلا من العين الواجبة في الزكاة(1) ولا يخفى أن القول الذي أخذ به الأكثرون هو الأرجح إذ ليس ما كان عن اجتهاد كما كان عن هوى , وليست الفروع كالأصول ولئن كان صنع الساعي اجتهادا منه فإن ذلك هو المتعين في حقه إذ ليس له أن يعمل بغير الراجح عنده بالدليل , وإن كان تقليدا لإمامه فإن ذلك هو الأسلم له ما لم يخالف إمامه دليلا لا تجوز مخالفته .
إن من نعم الله على عباده أن سخر لهم الحيوانات للانتفاع في شؤون حياتهم ، وقد آتى الله الإنسان من طاقة العقل وملكة التفكير ما تمكن به من استخدام ما هو أكبر منه حجما ، وأقوى منه جسما ، وأكثر منه جرأة وإقداما من هذه الحيوانات ، وذلك من معالم استخلاف الله سبحانه للإنسان في هذه الأرض كما ذكرنا من قبل .
__________
(1) انظر مراجع الشافعية والحنابلة السابقة الذكر . (1/242)
صفحة 243
والخيل من بين هذه النعم فهي " معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة "(1) كما في الحديث الصحيح ، لأنها عز ومنعة وزينة لصاحبها ورهبة وهيبة في قلب خصمه قال تعالى : (2) ، ولكن هل ذلك يقتضي إيجاب الزكاة فيها وفيما شابهها من الحيوانات المسخرة للإنسان ؟ هذا ما نتعرض له إن شاء الله في مباحث هذ الفصل.
المبحث الأول
في آراء العلماء في زكاة الخيل
__________
(1) صحيح مسلم دار إحياء التراث العربي بيروت ت محمد فؤاد الباشي برقم 1872 من طريق جرير بن عبد الله ، باب المسابقة بين الخيل وتضميرها ، وأحمد برقم 5200 من طريق ابن عمر مرفوعا طباعة مؤسسة قرطبة مصر ، وبرقم 8965 من طريق أبي هريرة ، ومن طريق أبي سعيد الخدري برقم 11364 ، ومن طريق عروة بن أبي الجعد بلاغا برقم ....، وأبو عوانة برقم 7272 من طريق باب فضل الخيل على غيرها من الدواب وما يكره من الخيل والدليل على أن الجهاد لا ينقطع إلى يوم القيامة ، دار المعرفة بيروت 1980 م طباعة 1 ت أيمن بن عارف الدمشقي ، والبيهقي في الكبرى برقم 7017 من طريق أبي هريرة باب ما ورد من الوعيد فيمن كنز مال زكاته ولم يؤد زكاته مكتبة دار الباز ، مكة المكرمة 1414 هـ ت محمد عبد القادر عطا ، والبخاري برقم 2694 باب الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة من طريق ابن عمر وعروة بن الجعد مرفوعا ، وبرقم 2697 باب الجهاد ماض مع البر والفاجر من طريق عروة الباروقي برقم 2951 باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أحلت لكم الغنائم ... وبرقم 3445 من طريق أنس باب سؤال المشركين أن يريهم النبي - صلى الله عليه وسلم - آية فأراهم انشقاق القمر .
(2) سورة الأنفال الآية 60 . (1/243)
صفحة 244
لا يماري أحد في أن الخيل وما شابهها ليست من بهيمة الأنعام ، لأن الله تعالى فصلها عنها حيث قال : (1) إلى أن قال : (2) . لذلك ذهب جمهور أهل العلم من لدن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ إلى عدم وجوب الزكاة فيها ، وحكى ذلك ابن المنذر عن علي ابن أبي طالب وابن عمر والشعبي والنخعي وعطاء والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والحاكم والثوري وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأبي خيثمة وأبي بكر ابن أبي شيبة وحكاه غيره عن عمر بن الخطاب والأوزاعي ومالك والليث وداود (3) ، هذا إن لم تكن للتجارة وعليه عوَّل علماء معظم المذاهب الإسلامية ـ ومنهم علماء مذهبنا ـ وتناقلته أسفارهم جيلا بعد جيل ، ولا أرى داعيا إلى الإحالة إلى شيء منها فإن شهرة ذلك طبقت الآفاق .
وذهب حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة إلى وجوب الزكاة فيها إن كانت ذكورا وإناثا ، أما إذا كانت إناثا محضا فقد ذكر السرخسي في المبسوط روايتين فيها عن أبي حنيفة(4) ، وذكر في بدائع الصنائع روايتين عنه أيضا إن كانت ذكورا محضا(5) ، والمشهور عنه أنه لا زكاة في الذكور وحدها إلا في رواية شاذة محكية عن كتاب الآثار(6) .
واختلف أصحابه في ذلك فمنهم من أخذ بمذهبه فأوجب فيها الزكاة ومنهم من أخذ بمذهب صاحبيه فأسقطها فيها كما هو مذهب الجمهور .
__________
(1) سورة النحل الآية 5 (1 )
(2) سورة النحل الآية 8 .
(3) المجموع ( 5 / 339 ) ، وانظر بيان الشرع ( 18 / 129 ) .
(4) المبسوط ( 2 / 188 ) .
(5) بدائع الصنائع ( 2 / 881 ) .
(6) انظر المبسوط ( 2 / 188 ) . (1/244)
صفحة 245
وممن نص على وجوب الزكاة فيها الكاساني قال : " وأما حكم الخيل فجملة الكلام فيه أن الخيل لا تخلو إما أن تكون علوفة أو سائمة ، فإن كانت علوفة بأن كانت تعلف للركوب أو للحمل أو للجهاد في سبيل الله فلا زكاة فيها ، لأنها مشغولة بالحاجة ومال الزكاة هو المال النامي الفاضل عن الحاجة لما بيَّنّا فيما تقدم ، وإن كانت تعلف للتجارة ففيها الزكاة بالإجماع ، لكونها مالا ناميا فاضلا عن الحاجة لأن الإعداد للتجارة دليل النماء والفضل عن الحاجة ، وإن كانت سائمة فإن كانت تسام للركوب والعمل أو للجهاد والغزو فلا زكاة فيها لما بيَّنّا ، وإن كانت تسام للتجارة ففيها الزكاة بلا خلاف ، وإن كانت تسام للدر والنسل فإن كانت مختلطة ذكورا وإناثا فقد قال أبو حنيفة تجب الزكاة فيها قولا واحدا ، وصاحبها بالخيار إن شاء أدى عن كل فرس دينارا ، وإن شاء قومها وأدى من كل مائتي درهم خمسة دراهم "(1) .
وإليه ذهب السرخسي في المبسوط(2) والموصلي في مختاره واختياره(3) ، وانتصر له العيني في عمدة القارئ(4) ، وعليه صاحب البداية وشارحها في النهاية والمحشي ابن الهمام في شرح فتح القدير(5) ، وقواه ابن عابدين في حاشيته(6) ، وأيده العلامة المحدث ظفر الدين العثماني في إعلاء السنن(7) ، ورجحه الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه فقه الزكاة(8) .
__________
(1) بدائع الصنائع ( 2 / 881 ) .
(2) المبسوط ( 2 / 188 ) .
(3) الاختيار لتعليل المختار ( 1 / 108 ) .
(4) عمدة القارئ ( 9 / 36 ـ 37 ) .
(5) انظر فتح القدير ( 2 / 183 ـ 184 ) .
(6) حاشية ابن عابدين رد المحتار ( 2 / 19 ) .
(7) إعلاء السنن ( 9 / 29 ) .
(8) فقه الزكاة ( 1 / 228 ـ 232) . (1/245)
صفحة 246
وذهب صاحب كنز الدقائق إلى عدم وجوب شيء فيها ترجيحا لمذهب الصاحبين ، وأقره شارحه ابن نجيم في البحر الرائق ، وحكى عن الخانية أن الفتوى على قولهما(1) ، واعتمده صاحب تنوير الأبصار وشارحه في الدر المختار ونسب أيضا إلى الخانية أن عليه الفتوى ، وقال ابن عابدين في حاشيته : " قال الطحاوى : هذا أحب القولين إلينا ، ورجحه القاضي أبو زيد في الأسرار وفي الينابيع ، وعليه الفتوى ، وفي الجواهر والفتوى على قولهما ، وفي الكافي هو المختار للفتوى ، وتبعه الزيلعي والبزاز تبعا للخلاصة ، وفي الخانية قالوا الفتوى على قولهما تصحيح العلامة قاسم ، قلت ـ والقائل ابن عابدين ـ وبه جزم في الكنز(2) .
المبحث الثاني
في أدلة القولين
أ : أدلة الجمهور :
استدل الجمهور القائلون بعدم الزكاة في الخليل بالعديد من الأدلة :
ماتقدم ذكره من رواية الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ليس في الجارة ولافي الكسعة ولا في النخة ولا في الجبهة صدقة " قال الربيع الجارة الإبل التي تجر بالزمام وتذهب وترجع بقوت أهل البيت ، والكسعة الحمير ، والنخة الرقيق ، والجبهة الخيل، قال الربيع قال أبو عبيدة : ليس في شيء من هذا صدقة مالم تكن للتجارة .
أخرج الربيع أيضا من طريق أبي هريرة قال ـ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ليس على الرجل في عبده ولا في فرسه صدقة " وأخرجه الشيخان وأصحاب السنن بلفظ " ليس على المؤمن في عبده ولا في فرسه صدقة " , ومثله عند الإمامين مالك وأحمد ورواه ابن حبان في صحيحه وزاد فيه " إلا صدقة الفطر " أي في العبد , وهي عند مسلم أيضا ورواه الدارقطني بلفظ " لا صدقة على الرجل في فرسه ولا في عبده إلا زكاة الفطر " .
__________
(1) البحر الرائق ( 2 / 216 ـ 217 ) .
(2) حاشية ابن عابدين ( 2 / 19 ) . (1/246)
صفحة 247
أخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي عوانة عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة " .
قال أبو داود : وروى هذا الحديث الأعمش عن أبي إسحاق كما رواه أبو عوانة ورواه أبو معاوية وإبراهيم بن طهمان عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - , وقال الترمذي سألت محمدا ـ يعني البخاري ـ عن هذا الحديث فقال : كلاهما عندي صحيح عن أبي إسحاق يحتمل أن يكون روى عنهما جميعا(1). وقال فيه الحافظ ابن حجر : إسناده حسن(2) .
أن الخيل تختلف عن بهيمة الأنعام لأن الأنعام تقتني لمنافعها الجمة التي يشترك في الحاجة إليها الأغنياء والفقراء ومنافعها تدور بين الضروريات والحاجيات كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله بينما منافع الخيل لا تعدو أن تكون من باب التحسينيات إلا إن استعملت للجهاد والحرب واستعمالها لهذا الغرض يقتضي التخفيف عن أهلها تشجيعا لهم على إعداد العدة لمقاومة أعداء الأمة والملة ورفع راية الحق وقطع شوكة الباطل .
واعترض القائلون بوجوب الزكاة فيها على بعض هذه الأدلة فقالوا في حديث أبي هريرة بأنه في فرس الرجل لغزوه ولذلك أضيف إلى ضميره وهذا مما لا خلاف فيه أنه لا تجب فيه الزكاة كما لا تجب على الرجل الزكاة في عبيد خدمته مع أنه عليه زكاتهم إن كانوا للتجارة , وهكذا الخيل ففيها الزكاة إن كانت للتجارة أو للنسل(3) .
__________
(1) سنن الترمذي بشرح ابن العربي عارضه الأحوذي (3/103) .
(2) فتح الباري ( 3 / 191 ) .
(3) حاشية ابن الهمام ( 2 / 184 ) , فقه الزكاة ( 1 / 228 ) . (1/247)
صفحة 248
وعضدوا هذا التأويل بما في كتاب الأسرار للدبوسي أن زيد بن ثابت لما بلغه حديث أبي هريرة قال : صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما أراد فرس الغازي . قال الدبوسي : ومثل هذا لا يعرف بالرأي فثبت أنه مرفوع ولكن الزيلعي قال فيه غريب(1) , وشدوا على تأويلهم هذا بما رواه أحمد بن زنجويه في كتاب الأموال من طريق ابن طاوس عن أبيه قال : سألت ابن عباس عن الخيل أفيها صدقة ؟ قال : ليس في فرس الغازي في سبيل الله صدقة .
وأما حديث العفو عن صدقة الخيل والرقيق فقد حملوه على أن ذلك كان أمرا مبنيا على الرفق والنظر في المصالح , وليس هو من باب التشريع المطلق ويدور احتجاجهم في ذلك على ما حرره ابن الهمام بقوله : العفو لا يكون إلا في شيء لازم فممنوع بل يصدق أيضا مع ترك الأخذ من الابتداء تفضلا مع القدرة عليه ، فمن قدر على الأخذ من أحد وكان محقا في الأخذ غير ملزم فيه فتركه مع ذلك تكرما ورفقا به صدق معه ذلك ـ ثم قال ـ ويقدم ما في الصحيحين للقوة(2) ، وأيدوا ذلك بالآثار المروية عن
عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه أخذ الزكاة من الخيل وستأتي إن شاء الله .
ب ـ أدلة القائلين بوجوب الزكاة في الخيل :
استدل القائلون بأن الخيل تجب فيها الزكاة كما تجب في الأنعام بالعديد من الأدلة :
من الكتاب بقوله تعالى : (3) , قال الموصلي : وهذا من جملة الأموال(4) .
من السنة بالحديث المتفق عليه " الخيل لثلاثة : لرجل أجر، ولرجل ستر ، وعلى رجل وزر ـ إلى أن قال : ورجل ربطها تغنيا وتعففا ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي لذلك ستر " والحديث مروي في صحيح مسلم في سياق وعيد مانع الزكاة فهو دليل على أن حق الله في رقابها إنما هو حق الزكاة .
__________
(1) نصب الراية ( 2 / 357 ) .
(2) حاشية ابن الهمام (2/184) .
(3) سورة التوبة الآية رقم (103) .
(4) الاختيار لتعليل المختار (1/108-109) . (1/248)
صفحة 249
بالآثار المروية عن الصحابة في إيجاب زكاة الخيل ، ومن ذلك ما أخرجه الدارقطني عن الزهري أن السائب بن يزيد أخبره قال : رأيت أبي يقيم الخيل ثم يدفع صدقتها إلى عمر , وأخرج عبد الرزاق من طريق يعلى بن أمية يقول : ابتاع عبد الرحمن بن أمية ـ أخو يعلى بن أمية ـ من رجل من أهل اليمن فرسا أنثى بمائة قلوص فندم البائع فلحق بعمر فقال غصبني يعلى وأخوه فرسا لي فكتب إلى يعلى أن الحق بي فأتاه فأخبره الخبر فقال : إن الخيل تبلغ هذا عندكم ؟ ما علمت أن فرسا يبلغ هذا فنأخذ عن كل أربعين شاة ولا نأخذ من الخيل شيئا , خذ من كل فرس دينارا فقرر على الخيل دينارا دينارا , وروى أيضا عن ابن جريح أخبرني ابن أبي حسين أن ابن شهاب أخبره أن عثمان كان يصدق الخيل وأن السائب بن يزيد أخبره أنه كان يأتي عمر بن الخطاب بصدقة الخيل .
وأجيب عن الآية الكريمة بأنها ليس فيها أن في كل صنف من أصناف الأموال صدقة وإنما فيها : ولو لم يرد إلا هذا النص وحده لأجزأ فلس واحد عن جميع أموال المسلم لأنه صدقة أخذت من أمواله ثم لو كان في الآية أن في كل صنف من أصناف الأموال صدقة ـ وليس ذلك فيها لا بنص ولا دليل ـ لما كانت لهم فيها حجة لأنه ليس فيها مقدار المال المأخوذ ولا مقدار المال المأخوذ منه ولا متى تؤخذ تلك الصدقة ومثل هذا لا يجوز العمل فيه بقول أحد دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , قال تعالى : (1) "(2) .
__________
(1) سورة النحل الآية ( 44 ) .
(2) المحلى ( 5 / 338 ) . (1/249)
صفحة 250
وأجيب عن الحديث بأنه ليس فيه إلا أن لله حقا في رقابها وظهورها غير معين ولا مبين المقدار , ولا مدخل للزكاة في ظهور الخيل بإجماع منا ومنهم فصح أن هذا الحق إنما هو على ظاهر الحديث , وهو حمل على ما طابت نفسه منها في سبيل الله تعالى وعارية ظهورها للمضطر(1) , وأجاب الحنفية عن هذا بأن ما ذكر ندب ولا يسمى المندوب حقا(2) وأن غير الزكاة من الحقوق ولا تختلف فيه الحمير والخيل .
ومن العجيب استدلال الحنفية على وجوب الزكاة في الخيل بما أخرجه ابن أبي شيبة عن عمر ـ رضي الله عنه ـ في حديث طويل جاء فيه " فلا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء , ينادي يا محمد يا محمد , فأقول لا أملك لك من الله شيئا , قد بلغت ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسا له حمحمة ـ ينادي : يا محمد يا محمد , فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد بلغت .. الحديث "(3) وروي أنه ذكر أيضا " بعيرا له رغاء فدل على وجوب الزكاة في هذه الأنواع "(4) لأن الأقرب إلى الفهم أن الحديث إنما هو في الغلول , فإن القرآن ناص أن من غل يأتي بما غله ، قال تعالى : (5) فلا دلالة فيه على ما ذهبوا إليه , أما قول الشيخ العثماني : وليس الذم لكونه غل الفرس ولم يجاهد عليه ؛ لأن الغلول لا يختص بهذه الأنواع وترك الجهاد بنفسه يذم عليه أكثر مما يذم على تركه بفرسه(6) , فهو كلام لا يخلو من غرابة فإن التحذير من الغلول لا يستلزم ذكر كل ما يغل , وأيضا فإن الزكاة تجب في غير ما ذكر فَلِمَ لم يتعرض الحديث لجميع أصنافها ؟!
__________
(1) المرجع السابق .
(2) عمدة القارئ ( 9 / 37 ) .
(3) أخرجه البزار في مسنده ( 1 / 315 ) , وانظر مجمع الزوائد ( 3 / 85 ) .
(4) إعلاء السنن ( 9 / 29 ) .
(5) سورة آل عمران الآية ( 161 ) .
(6) إعلاء السنن ( 9 / 29 ) . (1/250)
صفحة 251
واستدل الحنفية أيضا بأن الخيل مال نام ، فتجب فيه الزكاة قياسا على الإبل ولا يعتد بما يقال من فرق بين الخيل وغيرها من بهيمة الأنعام ولكل حيوان مزايا تفضله على غيره ، وبين الإبل والغنم فروق كثيرة ومع هذا في كليهما الزكاة ، وهم بذلك يرون أن علة إيجاب الزكاة في المال معقولة وليست تعبدية وهي النماء ، فإذا تحققت العلة وجب تعدية الحكم إلى ما وجدت فيه حتى لا يفرق بين متماثلين(1) .
هذا وقد استدل الدكتور يوسف القرضاوي في ترجيحه لمذهب أبي حنيفة بأن حديث علي : " قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق " ، قال الدارقطني : الصواب وقفه على علي ، والدارقطني خبير بعلل الحديث يعتد برأيه على أن قوله : " قد عفوت لكم " قد يدل على أن الأصل وجوبها ثم تجاوز عنه لسبب من الأسباب ، ربما لأن الحاجة إليها كانت ماسة في ذلك العصر للجهاد والرباط وكانت هي أعظم عدة له ، وربما لأنها لم تكن ثروة منتشرة في بلاد العرب ثم قال : وعلى كل حال فإن السكوت عن إيجاب الزكاة فيها بلفظ صريح لا يدل على عدم الوجوب جزما فقد أوجب النبي الزكاة في نقود الفضة بالنص الصريح ولم يصح عنه في الذهب مثل ذلك لأن معظم نقودهم كانت فضة فإذا عرف حكمها ، عرف حكم الذهب بالقياس عليها(2) .
__________
(1) فقه الزكاة ( 1 / 225 ) .
(2) فقه الزكاة ( 1 / 228 ) . (1/251)
صفحة 252
هذا وقد عول الدكتور القرضاوي على قصة عمر - رضي الله عنه - مع يعلى بن أمية في اعتبار أن للقياس دخلا في أمور الزكاة وإمضاء حكمها في أصناف من المال لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يأخذها منها للشبه بينها وبين ما كان يأخذ منه ورأى أن عدم أخذه - صلى الله عليه وسلم - الزكاة منها لم يكن أمرا تشريعيا راجعا إلى منصب الرسالة ، وإنما كان إجراء سياسيا عائدا إلى منصب الإمامة لقصد مصلحة جزئية حينئذ كالتشجيع على اقتناء الخيل وركوبها للجهاد واستدل لذلك بلفظ : " قد عفوت لكم " فلو لم تكن من الأموال التي تصلح متعلقا للزكاة في الجملة ما قال : " قد عفوت لكم عنها " لأن العفو والتجاوز إنما يستحق أن يكون فيما يطلب ، ففيه إيماء إلى أن الأمر مفوض إليه ، كما قال بعض العلماء ، وكذلك أئمة العدل من بعده لهم أن ينظروا في مثل زكاة الخيل على ما تقتضيه المصلحة العامة إيجابا أو عفوا فإذا كانت في بعض البلاد تتخذ للنماء والكسب وتدر ثروة على أصحابها ربما كانت أعظم وأهم من ثروة الإبل فمن حقه بل من واجبه أن يأخذ زكاتها حتى لا يفرق بين الأغنياء فيأخذ من بعضهم ويدع بعضهم بلا مسوغ للتفرقة وهذا هو التفسير المقبول لأخذ عمر الزكاة منها إن صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عفا عنها(1) .
الرأي المختار عند الباحث :
بعد هذه الجولة بين معالم هذه الأدلة ومنعطفات استدلال الفريقين ومناقشتهم يبدو لي أن قول الجمهور أصح وأقوى سواء من ناحية النص أو من ناحية النظر .
__________
(1) المرجع السابق (228 ـ 232 ) بتصرف . (1/252)
صفحة 253
أما من ناحية النصوص فإن أدلة المانعين لوجوب الزكاة فيها لا غبار عليها من حيث الثبوت ولا من حيث الدلالة ، فحديث : " ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة " متفق على صحته وهو واضح الدلالة في أن الصدقة ساقطة عن كلا الجنسين جنس الأرقاء وجنس الخيل ، فإن التعريف بالإضافة يفيد العموم كما يفيده التعريف بآلة التعريف ، ولذلك قال ابن رشيد : أراد بذلك الجنس في الفرس والعبد لا الفرد الواحد إذ لا خلاف في ذلك في العبد المتصرف والفرس المعد للركوب ، ولا خلاف أيضا أنها لا تؤخذ من الرقاب وإنما قال بعض الكوفيين يؤخذ منها بالقيمة(1) .
وقال الباجي : " قوله - صلى الله عليه وسلم - : " ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة " يقتضي نفي كل صدقة في هذا الجنس إلا ما دل الدليل عليه ، ولا خلاف أنه ليس في رقاب العبيد صدقة ـ إلى أن قال ـ والنفي على الإطلاق يقتضي الاستغراق(2) .
أما ما قيل من أن هذا الحكم إنما هو خاص بفرس الركوب والغزو فهو تخصيص بغير مخصص ، ولو كان كذلك لزم أيضا أن تجب الزكاة في الأرقاء الزائدين عما تتطلبه الحاجة وتستلزمه الخدمة المألوفة ولا قائل بذلك ، فكيف يفرق بين متماثلين ؟ مع أن دليلهما واحد ، وقد جمع بينهما في الحكم والاستدلال لهذا التأويل بما رواه أبو زيد الدبوسي أن زيد بن ثابت ـ - رضي الله عنه - ـ قاله ، فهو غير مسلم لأمرين :
أولهما : أن أبا زيد روى ذلك عن زيد بدون إسناد ، وما كان كذلك فلا حجة فيه ولو كان مرفوعا فكيف بالموقوف ؟
__________
(1) فتح الباري (3 / 391 ) ، نيل الأوطار ( 4 / 153 ـ 154 ) .
(2) المنتقى ( 2 / 171 ) . (1/253)
صفحة 254
ثانيهما : أن ذلك رأي صحابي خالفه فيه غيره من الصحابة فلا تنهض به حجة إذ ليس هذا أولى بأن يؤخذ برأيه من ذلك وإنما رأيهم حجة فيما أجمعوا عليه لا فيما اختلفوا فيه ، ولا يستدل بقول بعضهم على بعض وناهيك بمخالفة أبي هريرة - رضي الله عنه - له وهو راوي الحديث ، ومن المعلوم أن راوي الحديث أولى بمعرفة
دلالته من غيره لأنه تلقاه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعرف ملابسات تحدث النبي - صلى الله عليه وسلم - به وأدرك من القرائن التي تمكنه من تشخيص معناه ما لم يدركه غيره .
والصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ وإن تفاوتت مراتبهم في الفقه إلا أن ثم قدرا مشتركا بينهم جميعا فيه فلذلك كانوا أهل اجتهاد جميعا ، فلا يرد مذهب راوي الرواية منهم لأجل مذهب غيره بدعوى أنه أفقه منه ، كيف وهو قد استند في مذهبه على ما يرويه ؟
ولئن كان الحنفية يرون تخصيص عموم الحديث بمذهب راويه من الصحابة ولو لم يكن له مخصص بل ربما عدلوا عن روايته إلى رأيه كما فعلوا في حديث أبي هريرة في ولوغ الكلب في الإناء فإنهم أولى بأن يستمسكوا برأيه المتفق مع روايته الثابتة الصحيحة
على أن الزيلعي وهو من محدثي الحنفية قال بغرابة ما رواه أبو زيد عن زيد في هذا(1) .
أما ما رواه ابن زنجويه عن ابن عباس رضي الله عنهما : " ليس في فرس الغازي في سبيل الله صدقة " فليست فيه دلالة على ذلك لوجوه :
أولها : أنه موقوف ، والموقوف كما قلنا ليس بحجة إن وجد له مخالف من الصحابة فكيف إن خالف المرفوع ؟
__________
(1) نصب الراية ( 2 / 357 ) . (1/254)
صفحة 255
ثانيها : أن دلالته على وجوب الزكاة في غير فرس الغازي إنما هي بمفهوم المخالفة والمفهوم لا يعارض المنطوق لأنه أقوى منه حجة هذا إن تساويا متنا فكيف إذا كان المنطوق حديثا ثابتا عن النبي- صلى الله عليه وسلم - وكان المفهوم موقوفا على أحد الصحابة مع عدم جواز معارضة المرفوع بالموقوف ؟! والحنفية المحتجون بهذا المفهوم هنا من أصولهم أن مفهوم المخالفة ليس حجة أصلا ولو كان مفهوم آية من كتاب الله أو حديث ثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكيف يحتجون بمفهوم قول صحابي عارضه منطوق من السنة الثابتة ؟
ثالثها : أن الموجبين للزكاة في الخيل لا يلتزمون العمل بهذا المفهوم فإنهم لا يوجبون الزكاة في الفرس المخصص لركوب الإنسان في قضاء سائر حوائجه التي لا تدخل في الغزو كطلب
العلم وصلة ذوي القربى وزيارة الأصدقاء وعيادة المرضى وتفقد المصالح وغير ذلك ، فكيف يلتزم العمل بدلالة المفهوم في أمر دون نظيره مع كونهما تتناولهما تلك الدلالة تناولا واحدا ؟!
وأما ما اعترض به على حديث : " عفوت لكم عن زكاة الخيل ... إلخ " من أنه كان إجراء سياسيا موقوتا ولم يكن أمرا تشريعيا ثابتا ، فهو مدفوع بما ثبت من الروايات الأخرى القاضية بخلاف هذا التأويل والأدلة الشرعية يجب أن يؤخذ بها جميعا فلا يتأول أحدها بما لا يتفق مع دلالة غيره على أن أمور العبادات من الأمور الثوابت ، فلا تحمل على النظرات السياسية المتبدلة
لأنها قائمة على تجريد عبودية الإنسان لخالقه سبحانه وتعالى ، والزكاة وإن كانت ذات بعد اجتماعي إلا أنها عبادة كالصلاة والصيام والحج لا تخضع للظروف السياسية ، ولذلك كانت مقاديرها ونصبها ثابتة بالنص الشرعي لم توكل إلى اجتهاد الحكام والنظر في تحولات الأحوال من الغلاء والرخص في الأسعار وتقلبات السياسة باختلاف الظروف والملابسات البيئية والاجتماعية . (1/255)
صفحة 256
ولو كانت الزكاة واجبة في الخيل وجوبها في بهيمة الأنعام لما كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يترك الناس في عمى من أمرهم وقد أكمل الله على يديه دين الأمة وأتم عليها النعمة ، فلو كان هذا العفو إجراء سياسيا موقوتا لكان محصورا في عدم جبايتها منهم مع حضهم بأن يتولوا بأنفسهم صرفها إلى مستحقيها لأنه من غير السائغ أن تعطل فيما بينهم مع أنها جزء من عبادة مقدسة وواجب ديني محتوم يعد ركنا من أركان الإسلام .
والعفو كما يكون بإسقاط ما وجب يكون بعدم الإلزام رأسا ، وقد يكون بمعنى التيسير ، وقد نصت معاجم اللغة على أنه يأتي بمعنى إعطاء المال أو غيره من غير مسألة ومنه قوله تعالى :
(1) ، وقول الشاعر :
خذي العفو مني تستديمي مودتي
ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
وأنشد ابن بري :
فتملأ الهجم عفوا وهي وادعة
حتى تكاد شفاه الهجم تنهدم
وقال حسان :
خذ ما أتى منهم عفوا فإن منعوا
فلا يكن همك الشيء الذي منعوا
والعافي عندهم ما أتى من غير مسألة ، ومنه قول الشاعر : يغنيك عافيه وعيد النخر(2) .
فالمراد إذا بعفوه - صلى الله عليه وسلم - تيسيره لأمته بأمر الله تعالى بإسقاط الزكاة عن الخيل لحكمة يعلمها الله عز وجل وكانت هذه مبادرة منه - صلى الله عليه وسلم - بدون سؤال منهم .
وأما قول الدارقطني بأن الصواب وقف هذا الحديث على علي فهو لا يعول عليه مع ثبوت رواية الحفاظ له مرفوعا وقد سبق أن الترمذي قال سألت محمدا ـ يعني البخاري ـ عن هذا الحديث فقال كلاهما عندي صحيح عن أبي إسحاق يحتمل أن يكون روى عنهما جميعا , ولا ريب أن البخاري أسبق زمانا وعلما من الدارقطني .
__________
(1) سورة الأعراف الآية 199 .
(2) انظر لسان العرب ( 15 / 75 ) . (1/256)
صفحة 257
وأما الاحتجاج لوجوبها بقوله تعالى : (1) فهو احتجاج بمجمل وقد جاءت السنة ببيانه , وفيها ما هو خلاف ما ذهبوا إليه على أنه لو أخذ بعمومه لكانت الصدقة واجبة في كل مال , وعليه فتجب في الحمير وهم بأنفسهم نصوا بأنه لا صدقة فيها كما يقتضي ذلك وجوبها في الطيور والدواجن كالبط والأوز والدجاج والحمام , وهم لا يقولون بذلك .
وكذلك استدلالهم بحديث " لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها " فإن الحق هنا مجمل وهو يحتمل الكثير من الاحتمالات . وبما أن الخيل مئنة للقوة ومعقل للعز فإن المتبادر أن يكون هذا الحق من جنس منفعتها , وذلك بأن يهيئها لنصرة الحق متى اقتضى ذلك الأمر , فيغيث بها الملهوف وينصر بها المظلوم ويعين بها الضعيف , وذلك كله مما يدخل في ضمن الواجبات الدينية فلا يعترض عليه بأنه من المندوب , والمندوب لا يرقى إلى أن يسمى حقا كما قيل , ومثل ذلك تسخيرها للجهاد إن تعين عليه فإنها من جملة المال والجهاد بالمال كالجهاد بالنفس كلاهما يطالب به المسلم وهما سبب لنجاته من العذاب وفوزه بنعيم الثواب قال تعالى : (2) .
وأنتم ترون كيف جعل الجهاد بالمال هنا قرين الجهاد بالنفس وجعلهما قرينين للإيمان بالله ورسوله ولا يتبادر فيها غير هذا الحق , إذ لو كان حق الله في رقابها الزكاة لما كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يسقطها أو يعفو عنها .
وبما أن هذا الاستدلال بمجمل , فالمجمل لا يقوى على معارضة المبين , وقد بينت الروايات المذكورة من قبل أنه لا زكاة فيها والدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال ولو مع عدم المعارض .
__________
(1) سورة التوبة الآية 103.
(2) سورة الصف الآيتان 10 و 11 . (1/257)
صفحة 258
على أن هذا الحديث رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أبو هريرة , ومذهب أبي هريرة كما تقدم أنه لا زكاة في الخيل , ولئن كان الحنفية يرون تخصيص عموم الحديث بمذهب راويه فأولى بهم أن يعولوا على بيان مجمله برأيه في مدلوله لأنه أعلم بما روى .
وأما الآثار المروية فقد قوبلت بآثار غيرها مروية عن صحابة أيضا , وقول الصحابي ـ كما قلنا ـ لا يكون حجة يدفع بها قول صحابي آخر فضلا عن كونه حجة يدفع بها ما ثبت عن المعصوم عليه الصلاة والسلام , قال ابن عبد البر : " وإذا كان الخلاف بين الصحابة في مسألة وكانت السنة في أحد القولين كانت الحجة فيه , على أن عمر قد اختلف عنه فيه ولم يختلف عن علي وابن عمر في ذلك(1) .
__________
(1) الاستذكار (9/283) . (1/258)
صفحة 259
وهو يشير بهذا إلى رفض عمر - رضي الله عنه - عرض أهل الشام أن يدفعوا إليه صدقة عن خيلهم , كما جاء ذلك في الموطأ عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار أن أهل الشام قالوا لأبي عبيدة بن الجراح : خذ من خيلنا ورقيقنا ، صدقة ، فأبى ، ثم كتب إلى عمر بن الخطاب فأبى عمر ثم كلموه أيضا فكتب إلى عمر فكتب إليه عمر "إن أحبوا فخذها منهم وارددها عليهم " ، قال مالك : " معنى قوله رحمه الله : (وارددها عليهم) يقول على فقرائهم" ، وروى نحوه أحمد في مسنده وفيه أنه قال : "ما فعله صاحباي حتى أفعله و استشار أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - وفيهم علي فقال علي وهو حسن إن لم تكن جزية راتبة يؤخذون بها من بعدك " ، وهذا كله يدل على أن هذه الصدقة كانت صدقة تطوع وقد قبلها منهم عمر - رضي الله عنه - بعد إلحاح وهو الذي نص عليه أكثر أهل العلم(1) . ويؤكده أن في مصنف عبد الرزاق وسنن الدارقطني أنه أخذ في الخيل عشرة دراهم ومن الرقيق عشرة دراهم ورزق الخيل كل فرس عشرة أجربة كل شهر ، ورزق الرقيق جريبين جريبين في كل شهر(2) ، وهو واضح في كونهم متطوعين بذلك فإن الزكاة المفروضة لا يعوض عنها على أن ذلك لو كان دليلا على وجوبها في الخيل لكانت واجبة أيضا في الرقيق لأن الرواية شملتهما معا .
هذا وقول السائب بن زيد : رأيت أبي يقيم الخيل ثم يرفع صدقتها إلى عمر , قال فيه ابن عبد البر : " هذا يمكن أن يكون خاصا بالخيل للتجارة "(3) وذلك أولى بأن يحمل عليه ما قاله ليتفق مع سائر الأدلة , ولأن عروض التجارة هي التي يرجع إلى قيمتها في زكاتها .
وأما قياس الخيل على الإبل فهو قياس مع الفارق الكبير وسيأتي إن شاء الله .
__________
(1) انظر المنتقى للباجي ( 2 / 171 - 172 ) والمحلى لابن حزم ( 5 / 339 - 340 )
(2) . مصنف عبد الرزاق ( 4 / 35 ) ، سنن الدارقطني ( 2 / 126 ) (1)
(3) الاستذكار ( 9 / 283 ) . (1/259)
صفحة 260
والقول بأن سكوت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إيجاب الزكاة فيها بلفظ صريح لا يدل على عدم الوجوب جزما , فقد أوجب النبي الزكاة في نقود الفضة بالنص الصريح ولم يصح عنه في الذهب مثل ذلك لأن معظم نقودهم كانت فضة , غير مسلم لوجوه :
أولها : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكتف بالسكوت عن إيجاب الزكاة فيها بل نص على عدم وجوبها .
ثانيها : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسكت عن الذهب ويترك التصريح بوجوب الزكاة فيه اكتفاء بما ذكره في الفضة فإن النص القرآني أولا قرن بين الذهب والفضة وذلك في قوله تعالى : (1) ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بينهما في قوله " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت بصفائح من نار " الحديث(2) .
والمتبادر أن الحق المراد هنا هو حق الزكاة المعهود , وقد حدد النبي - صلى الله عليه وسلم - النصاب الواجبة فيه الزكاة في كل منهما فقد أخرج الإمام الربيع بن حبيب من طريق ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال " ليس فيما دون خمس أواق صدقة وليس فيما دون عشرين مثقالا صدقة " والعشرون مثقالا هي نصاب الذهب , ومثله ما أخرجه أبو داود عن علي كرم الله وجهه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم وليس عليك شيء ـ يعني في الذهب ـ حتى يكون لك عشرون دينارا فإذا كانت لك عشرون دينارا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار " (3) .
__________
(1) سورة التوبة الآيات (34-35) .
(2) رواه مسلم باب إثم مانع الزكاة / حديث 987 , والبيهقي في السنن الكبرى 7206 .
(3) سبق تخريجه . (1/260)
صفحة 261
ثالثها : أن الذهب لم تأت فيه شبهة دليل قط على أنه لا زكاة فيه بل ما قال أحد بهذا القول من الأمة علمائها وجهالها فضلا عن وجود دليل يستند إليه دال على ذلك بخلاف الخيل فإن أدلة عدم وجوب الزكاة فيها ظاهرة شاهرة ولذلك عول عليها جمهور الأمة فلا تسوغ المقارنة بينهما .
وأما من ناحية النظر فإن الله أوجب الزكاة في المال إجمالا وجاءت السنة ببيان ذلك ففرضت الزكاة في كل مال لا يستغني عن منفعته الغني ولا الفقير لأنه إما أن يكون من ضروريات الحياة أو من حاجياتها فالحبوب المنصوص على الزكاة فيها يعتمد الناس عليها في معايشهم سواء كانوا من جنس الأغنياء أو الفقراء ولا تختلف حاجة الفقير إليها عن حاجة الغني ومثله الأنعام فإن التغذي بلحومها وألبانها مما يحتاج إليه الكل وكذلك الانتفاع بأدهانها وجلودها وأصوافها وأوبارها وأشعارها وهكذا النقدان تتوقف مصالح الناس عليهما في معاملاتهم وقضاء حاجاتهم ، فالفقير يسيل لعابه من أجلهما ولا يوجد مثل هذه الحاجة في الخيل والأحجار الكريمة وغيرها إذ هي من كماليات الحياة وتعد من جنس التحسينيات وبإمكان عامة الناس ودهمائهم الاستغناء عنها فلذلك لم تعط أحكام الأموال الزكوية على أن الفقير لا يغص بالحقد والكراهية إن وجد عند الغني ما لا تدعو إليه حاجته ولم يسخ عليه بشيء منه بخلاف ما إن كان ضانا عليه بما تتوقف عليه حاجته وضرورته وبهذا يتبين أن قياس الخيل على الإبل أو قياس الحمر على البقر إنما هو كقياس الضب على النون والبرد على الشهاب .
هذا وزكاة الخيل عند من يقول بها ليست من سنن الزكاة في شيء فهي :
أولا : لا تخرج من نفس جنس المزكى بل من جنس آخر بخلاف بهيمة الأنعام والحبوب والنقدين .
ثانيا : أنهم لم يحددوا لها نصابا من نفسها ، والذين حددوا ذلك اختلفوا اختلافا كثيرا كما سيأتي إن شاء الله . (1/261)
صفحة 262
ثالثا : أن أكثرهم قال لا زكاة فيها إن كانت كلها ذكورا ، ومنهم من قال أيضا بعدم الزكاة فيها إن كانت كلها إناثا .
وهي بهذا كله تخالف حكم زكاة الماشية وسائر الأموال المزكاة فكيف تقاس عليها ؟ على أن القياس وإن كان جليا مستوفيا لجميع شرائطه لا مكان له في مورد النص , والنص هنا صريح في إسقاط زكاة الخيل فكيف يترك ويعتمد على قياس لا يجمع فيه بين الأصل والفرع جامع ؟!! .
المبحث الثالث
في نصاب الخيل
وما يجب فيها عند من يرى زكاتها
اختلف القائلون بوجوب زكاة الخيل هل لها نصاب معين كسائر الماشية والأموال الزكوية أو لا ؟
فقيل لا نصاب لها وهو الشهير المصحح عندهم عن أبي حنيفة وقيل بل نصابها ثلاث وقيل خمس , نقل ذلك ابن عابدين في حاشيته عن القهستاني(1) .
قال الدكتور القرضاوي : ولعل التقدير بخمس هو الأقرب والأرجح قياسا على الإبل ولأن المفهوم من الشارع أنه جعل ما دون الخمسة عددا قليلا فأعفى ما دون خمس إبل وخمس أواق وخمسة أوسق(2) .
ومثل هذا الخلاف خلافهم في مقدار ما يخرج منها ، فروي عن أبي حنيفة أنها إن كانت من أفراس العرب خيِّر بين أن يدفع عن كل واحدة دينارا وبين أن يقومها ويعطي عن كل مائتي درهم خمسة دراهم ، وإن كانت من أفراس غيرهم فتقوم لا غير(3) ،
وخالفهم في ذلك الدكتور القرضاوي فرأى أن تقوم بخمس من الإبل أو بأربعين شاة من الغنم وذلك لأمرين :
أ ) أن قيمة النقود ليس لها ثبات لتغير قوتها الشرائية حسب الأحوال الاقتصادية وغيرها ، فقد تصبح العشرون مثقالا في وقت ـ كالآن ـ لا تساوي حيوانا واحدا ولا نصفه .
ب ) أن قياس نصاب حيوان على نصاب حيوان مثله منصوص عليه أولى من قياسه على نصاب من جنس آخر
كالنقود(4) .
المبحث الرابع
في حكم زكاة الحيوانات غير الخيل
__________
(1) حاشية ابن عابدين , رد المحتار ( 2 / 19 ) .
(2) فقه الزكاة ( 1 / 227 ) .
(3) حاشية ابن عابدين ( 2 / 19 ) .
(4) فقه الزكاة ( 1 / 235 ) . (1/262)
صفحة 263
لم أجد فيما سلف لعلماء الحنفية من أقوال ما يدل على وجوب تزكية شيء من الحيوانات الأخرى كالبغال والحمير والوعول ودواجن الطير ، بل نجد منهم من نص على عدم وجوب زكاة الحمير مع قوله بوجوب زكاة الخيل كما أسلفنا عن الموصلي ، وإنما وجدت الدكتور القرضاوي يجنح إلى إيجاب الزكاة في البغال والوعول وما شابهها وقوى ذلك بما عزاه إلى بعض كبار العلماء المجتهدين في العصر الحديث حيث قال : " لقد عرض أشياخنا الأساتذة محمد أبو زهرة ، وعبد الوهاب خلاف ، وعبد الرحمن حسن لهذا الموضوع في بحثهم عن الزكاة فاستنبطوا من الخبر الذي ثبت عن عمر أنه يسوغ لنا القياس في أمر الزكاة فليست نصوصها غير معللة بل هي نصوص لها علة تقبل التعددية "(1) .
وبعد الكلام في الموضوع قال : " ومما يؤيد ما ذكره أساتذتنا الأجلاء أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين سئل عن الحمر لم ينف وجوب الزكاة فيها نفيا صريحا بل قال : " ما أنزل الله علي فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة : (2) ، ثم بعد مناقشة خلص من كل هذا إلى قوله : " أقول أما إيجاب الزكاة في كل الحيوانات السائمة التي تتخذ بقصد النماء والاستيلاء(3) والكسب من ورائها فهو اجتهاد صحيح مبناه على القياس الذي نؤمن بإعماله في وعاء الزكاة ، حتى لا نفرق بين مال نام وآخر ، فيدخل في ذلك البغال والوعول وغيرها ، وكذلك تقدير الواجب بربع العشر من قيمتها(4) .
ولي على هذا التحرير تعقيب من وجوه :
__________
(1) فقه الزكاة ( 1 / 233 ) .
(2) أخرجه البخاري في كتاب التفسير ، باب تفسير سورة زلزلت رقم 4678 .
(3) كذا بالأصل ، ولعلها ( الاستيلاد ) .
(4) المرجع السابق 234 . (1/263)
صفحة 264
أولا : أن الحديث في الحمير لا يمكن أن يستند إليه بأن الزكاة غير منفية عنها لأن قوله - صلى الله عليه وسلم - : " ما أنزل الله علي فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة " لا يعني إلا أنها مما سكت عنه الله تعالى وما سكت عنه فهو عفو كما جاء في الحديث ، أما الآية الكريمة فهي حافزة إلى أن يجود المسلم بما تسخو به نفسه مما يملك من خير ، وهذا مما يدعو إليه القرآن الكريم ، وتدعو إليه السنة المطهرة ، وإن لم يكن ذلك من فريضة الزكاة فالله تعالى بعد ذكره الإيمان في آية البر ذكر الإنفاق حيث قال : (1)، وليس ذلك من الزكاة قطعا لأنه تبعه قوله : (2) ، والعطف يقتضي التغاير بين المتعاطفين ، فصاحب الحمير لا يعفى من فعل الخير بل يحث عليه كغيره فهو مطلوب بأن يتصدق من كسبها ، وإن لم تكن هذه الصدقة من الزكاة المعهودة كما هو الشأن في الأنعام .
ثانيا : قوله التي تتخذ لقصد النماء و( الاستيلاء ) والكسب لم أدر مراده بالكسب فيه ، فهل يعني أن البغال العوامل تجب الزكاة فيها فإن يكن هذا مراده فهو غريب ، لأن الشارع أسقط الزكاة في الإبل والبقر العوامل مع أنها في الأصل مال زكوي فكيف توجب في عوامل البغال ؟ وإن قصد بالكسب ما يباع من نسلها فهو أغرب لأن البغل لا نسل له لأنه هجين تولد من حمار وفرس فهو يولد ولا يلد .
ثالثا : لم أدر ما هو النماء الذي يعنيه في البغال مع أن طبيعتها كما ذكرنا ، وهذا عائد إلى ما قبله .
__________
(1) سورة البقرة الآية 177 . (4)
(2) سورة البقرة الآية 177 . (1/264)
صفحة 265
أما نحن فلا نرى ما يسوغ القياس المذكور ـ وذلك لما سبق شرحه ـ ونقول بأنها لو كانت مما يدخل في وعاء الزكاة لبين ذلك الشارع الحكيم ولما ترك الناس في عمى من أمرهم ، على أن ما قيل من رد زكاتها إلى قيمتها مخالف لسنة الزكاة المتبعة في الأموال الزكوية كلها ، فإن قيل روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أوجب زكاة الخيل حيث قال : " في كل فرس سائمة دينار أو عشرة دراهم " .
قلنا : هذا الحديث لا يصح باتفاق ذوي الخبرة بشأن الحديث ، فقد أخرجه الدارقطني والبيهقي في سننهما عن الليث بن حماد الاصطخري حدثنا أبو يوسف عن غورك بن الخضرم أبي عبد الله عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر فذكره ، قال الدارقطني : تفرد به غورك وهو ضعيف جدا ومن دونه ضعفاء .
وكذا قال البيهقي ونسب إليه الزيلعي أنه قال : لو كان هذا الحديث صحيحا عند أبي يوسف لم يخالفه (1) ومثل هذه الرواية لا تنهض بها حجة .
التجارة من نعم الله على عباده يتيسر بها درك مصالحهم وتبادل منافعهم ، فلولاها لتجمدت الأموال بأيدي أصحابها ، وتعطلت مصالحهم بعدم انتقال منافعها من يد إلى أخرى ، فقد يكون الشيء فائضا عن حاجة صاحبه ، ومن الناس من هو في أشد الافتقار إليه ، فلولا هذا التعامل التجاري والتبادل بين السلعة والقيمة لأدى ذلك إلى أن يبقى كل أحد قابضا على ما بيده لا يستطيع الوصول على ما بيد الآخر ، إلا إن سخت به نفسه فجادت به عليه ، وما كل نفس تميل إلى الجود ، ولا كل نفس تحتمل أن تقلد المنن من غيرها ، فكانت التجارة حلا طبعيا لهذه المشكلة ؛ فصاحب البضاعة يدفع ما بيده في مقابل ما يقبضه من الثمن ونفسه سخية راضية ؛ لأنه يتطلع إلى ما وراء ذلك من قضاء مصالحه الأخرى ، وصاحب القيمة يبذل القيمة لقضاء لبانته مما بيد غيره .
__________
(1) نصب الراية ( 2 / 357 ـ 358 ) ، وانظر سنن الدارقطني ( 2 / 26 ) ، وسنن البيهقي ( 4 / 119 ) (1/265)
صفحة 266
ولما في هذه التجارة من العائد المادي على التاجر ـ إذ هي من أهم سبل الإثراء ـ رأى السلف وجوب الزكاة فيها على التاجر كما تجب زكاة النقدين ، إذ هي نفسها الطريق الوحيد للنماء المطلوب من النقدين ، وحكى ابن المنذر الإجماع على ذلك ، بل ذكر الإمام السالمي أنه نقل الإجماع على ثبوتها غير واحد من العلماء(1) ، وعولت على هذا مذاهب الأمة جميعا إلا الظاهرية فإنهم رأوا عدم وجوبها(2) ، وكذلك أكثر الإمامية إلا أنهم قالوا باستحبابها ، وإنما قال بوجوبها بعضهم(3) ، وأشار الرافعي إلى أنه حكى عن الشافعي في قديمه حيث قال : وحكى عنه في القديم ترديد قوله : فمنهم من قال له في القديم قولان ، ومنهم من لم يثبت خلاف الجديد شيئا ، ثم قال : وذكر في النهاية أن نفي وجوبها يعزى إلى مالك ولا يكاد يثبت ذلك عنه(4) .
وبناء على رأي هؤلاء فإن الماشية لا ينتقل حكم زكاتها بالاتجار فيها ، فإن كانت من جنس ما تجب فيه الزكاة واستوفت شرائط وجوبها فزكاتها هي زكاة عينها الواجبة من قبل ، أما على رأي سائر مذاهب الأمة ـ وهم القائلون بزكاة التجارة ـ فإن هذه الماشية إن كانت من غير جنس ما يزكى من قبل فتزكى عندهم زكاة عروض التجارة بلا خلاف ، وعروض التجارة تقوم عندهم بالنقدين ونصابها نصابهما ويجب فيها ما يجب فيهما .
__________
(1) معارج الآمال ( 14 / 820 ) .
(2) انظر المحلى ( 5 / 347 ـ 357 ) .
(3) المبسوط للطوسي ( 1 / 220) فما بعدها ، جامع المقاصد للكركي ( 3 / 25 ) .
(4) فتح العزيز 6 / 38 ـ 39 ) . (1/266)
صفحة 267
وأما إن كانت من جنس ما يزكى وهو الأزواج الثمانية وكانت قد بلغت النصاب بكلا الاعتبارين اعتبار أصلها واعتبار ما آلت إليه بالاتجار فيها فهم في ذلك مختلفون ، فمنهم من قال تزكى كما كانت تزكى في الأصل قبل الاتجار فيها ـ أي زكاة الماشية ـ ويجب فيها ما كان يجب من قبل وهو الذي نص عليه مالك في المدونة(1) ، ويدل عليه كلام ابن رشد الجد(2) , وهو قول الشافعي في الجديد(3) ، وبه قال القاضي من الحنابلة(4) ، وقيل بل تزكى زكاة عروض التجارة وهو قول الحنفية(5) ، والحنابلة(6) ، وذكر الرافعي عن القفال أنه ذكر في شرح التلخيص قولين للشافعي في القديم أحدهما كالجديد والثاني تغليب زكاة التجارة قال : ورأيت لابن الصباغ من العراقيين رواية مثل ذلك(7) ، وقيل بل يراعى في هذا الأصلح للفقراء فإن كانت مصلحتهم في زكاة التجارة زكيت كذلك ، وإن كانت في زكاة الماشية فكذلك تزكى ، وهو قول بعض الحنابلة ، واختاره المجد منهم(8) ، وهو اختيار الإمام المهدي من الزيدية(9) ، وفي المذهب عندنا من الخلاف نحو ما تقدم(10) .
__________
(1) المدونة ( 1 / 268 ) .
(2) انظر المقدمات ( 1 / 199 ) .
(3) انظر فتح العزيز للرافعي ( 6 / 81 ) .
(4) انظر الإنصاف ( 3 / 142 ) .
(5) انظر المبسوط ( 2 / 170 ) ، حاشية ابن الهمام شرح فتح القدير ( 2 / 218 ) .
(6) المغني ( 2 / 619 ) ، الشرح الكبير ( 2 / 619 ) ، الإنصاف ( 3 / 142 ) .
(7) فتح العزيز ( 6 / 81 ) .
(8) الإنصاف ( 3 / 142 ) .
(9) البحر الزخار ( 2 / 156 ) .
(10) 10) انظر بيان الشرع ( 18 / 113 ـ 117 ) . (1/267)
صفحة 268
أما إن كانت دون النصاب بأحد الاعتبارين وهي في حكم النصاب بالاعتبار الآخر فتزكى زكاة ما بلغت نصابه عند الجميع مثال ذلك أن تكون التجارة بأربعين شاة ولكن قيمتها دون نصاب التجارة بحيث لا تبلغ عشرين دينارا ولا مائتي درهم , فإن زكاتها زكاة السائمة حتى عند القائلين بأنها تزكى زكاة التجارة لئلا يسقط حق الزكاة فيها وكذلك لو كانت ثلاثين شاة فحسب أو دون ذلك أو أكثر ولكنها دون نصاب السائمة وقيمتها تصل مائتي درهم أو عشرين دينارا فإنها تزكى عند الجميع زكاة التجارة لئلا تضيع الزكاة فيها وإن كانت لم تصل قدر النصاب بكلا الاعتبارين , فالزكاة فيها غير واجبة عند الجميع .
احتج القائلون بتزكيتها زكاة السائمة بحجتين :
أ ) أن ذلك هو الأصل فيها فلا ينتقل عنه إلى غيره لعارض . (1/268)
صفحة 269
ب) أن زكاة السائمة أقوى للإجماع عليها بينما زكاة التجارة لم تخل من خلاف ، واحتج القائلون بغير ذلك بأن الزكاة إنما شرعت لرفع ضائقة العيش ومحنة الفاقة عن الفقراء والمساكين , فينبغي أن يراعى الأوفر لهم فيها ، ومن المعلوم أن زكاة التجارة أجدى لهم للتفاوت الكبير بين فروض زكاة الأنعام . فالغنم فرض الأربعين فيها شاة واحدة وكذا ما زاد عليها إلى ضعفيها وهو مائة وعشرون وإنما تجب زيادة شاة أخرى عليها عندما تبلغ مائة وإحدى وعشرين وكذلك فيما زاد على ذلك حتى تبلغ مائتين فإن زادت واحدة زيد في زكاتها شاة ثالثة , والإبل زكاة الخمس إلى التسع منها شاة واحدة , فإن زادت واحدة زيد في زكاتها شاة أخرى وهكذا ما بين العشر والأربع عشرة لا تجب فيها إلا شاتان , بينما التجارة تقدر بقيمتها ويخرج منها دائما ربع العشر وهذا يعني أن حظ المساكين فيها أوفر وهذا عينه الذي راعاه من قال إنه يراعى ما كان أوفر لمصلحة الزكاة وأجدى للمساكين المنتفعين بها وهو رأي وجيه , غير أن فروض الزكاة كما روعي فيها حق الفقراء , روعي أيضا العدل بين الغني والفقير فلم يوفر لأحدهما على حساب الآخر ولذلك اشترط فيها النصاب وجعلت الأوقاص والأشناق فيها تبعا لما قبلها رفعا للكلفة وتيسيرا على أصحاب الأموال : لذلك أرى أن التزام نهج واحد في زكاة التجارة أولى لأنه أوفق مع مقاصد الشريعة ومن حيث إنه لم يرد بهذا نص ولا يمكن أن يحمل على قياس أرى ترجيح أحد الرأيين على غيره أمرا عسيرا ولكن بما أنها تحولت إلى تجارة فإني أجنح إلى أن تكون زكاتها كسائر عروض التجارة لئلا يفرق فيها بين عرض وآخر . (1/269)
صفحة 270
هذا وإن كانت الشركات التجارية لم تكن تجارتها في جنس ما يزكى من الماشية وإنما كانت في أصناف أخرى كالوعول والظباء والحمر الأهلية وحمر الوحش والخيل والبغال ودواجن الطير كالحمام والبط والأوز والدجاج فلا خلاف أن زكاتها زكاة عروض التجارة , لأنها لم تكن داخلة في وعاء الزكاة أصلا وليس فيها نصاب إلا نصاب العروض وهذا عينه حكم التجارة في أصناف المنتوجات الحيوانية سواء كانت من الأنعام أو غيرها كالألبان والأجبان والسمن والأقط والجلود والقرون والأصواف والأوبار والأشعار والريش والعظام , وكل ما يستخلص منها من الأغذية كالجيلاتين أوالأدوية السائلة أو الجامدة , وما استعمل للرياش والزينة , أو اللباس كالأحذية والنعال والأحزمة فحكم ذلك كله حكم عروض التجارة على رأي جميع الذين يوجبون الزكاة في التجارة .
هذا وإن اشترى سائمة للتجارة ففيها زكاة التجارة , لأن امتلاكها من أول الأمر مبني على هذه النية فإذا حال عليها الحول ففيها ما في عروض التجارة من الزكاة وتتحول من التجارة إلى السوم بمجرد النية : لأن التجارة عارضة والسوم هو الأصل فيها وتبدأ حولها من جديد منذ نوى سومها .
أما إن كانت سائمة فلا تتحول إلى التجارة بالنية وحدها بل حتى يبيعها ويستبدل بها غيرها وإن ظلت أعيانها باقية فزكاتها زكاة السائمة إلا عند ابن عقيل , وأبي بكر من الحنابلة فإنهما يريان أنها تنتقل إلى التجارة بنفس النية وحكوه رواية عن أحمد(1) وهذا كله إنما هو على مذهب جمهور الأمة القائلين بوجوب زكاة التجارة دون غيرهم ولا تجتمع زكاتان في عين في عام واحد باعتبارين ؛ اعتبار السوم من ناحية ، واعتبار التجارة من ناحية أخرى إذ " لا ثنيَ في صدقة "(2) كما روي في الحديث والله أعلم وبه التوفيق .
…
__________
(1) انظر بيان الشرع ( 18 / 115 – 117 ) , والمغنى ( 2 / 631 ) .
(2) نصب الراية ( 3 / 444 ) . (1/270)
صفحة 271
بعد هذه الرحلة الممتعة الشاقة , إلى عالم البحث والتدوين وتسريح الطرف في رياض المعرفة بين أفانين التحقيق , وثمار التدقيق , وأزهاره , أعود بالقارئ الكريم إلى خلاصة أهم ما احتوته هذه العاجلة :
الأنعام ـ على الراجح ـ هي الأزواج الثمانية المذكورة في القرآن الكريم وهي تعود إلى أربعة أصناف من الماشية وهي الإبل والبقر والضأن والمعز ولا يدخل فيها الوحشي كالظباء والوعول ، وقيل بل هي خاصة بالإبل ، وقيل تشمل كل ما أحل الله أكله من جنس الحيوان.
لا تجب زكاة الأنعام إلا بعد استيفائها شروطا منها ما هو مختلف فيه ذكرها الباحث إجمالا ما عدا خمسة فقد عنى بشرحها لقوة صلتها بموضوع البحث وهي :
أ – بلوغ النصاب .
ب – استكمال الحول .
ج – السوم .
د – أن لا تكون عاملة .
هـ - الاستغناء عن الأمات .
تجب الزكاة في الإبل إذا بلغت خمسا , وفيها في كل خمس شاة حتى تبلغ خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض أنثى , وهي التي أتمت عاما ودخلت في غيره , فإن لم توجد فابن لبون ذكر وهو ابن عامين دخل في الثالث , فإن بلغت ستا وثلاثين ففيها بنت لبون فإن بلغت ستا وأربعين ففيها حقة , وهي بنت ثلاث سنوات وقد دخلت في الرابعة , فإن بلغت إحدى وستين ففيها جذعة وهي بنت أربع سنوات وقد دخلت في الخامسة , فإن بلغت ستا وسبعين ففيها بنتا لبون فإن بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان , فإن زادت حتى جاوزت مائة وعشرين ففيها خلاف , اختار الباحث رأي الجمهور أن في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة فإن بلغت مائتين خُيِّر صاحبها بين أن يخرج خمس بنات لبون أو أربع حقاق إلا على رأي الشافعية القائلين بوجوب النظر في الأغبط للفقراء وهو الذي يخرج عندهم . (1/271)
صفحة 272
تجب زكاة البقر إجماعا وفي تحديد نصابها خلاف قيل هو ثلاثون وفيها تبيع وهو ابن عام إلى أربعين وفيها مسنة , بنت عامين ثم هكذا في كل أربعين مسنة وهذا رأي جمهور الأمة وفيها تسعة أقوال أخر أوردها الباحث واختار من بينها جميعا أن حكمها حكم الإبل في نصابها وفروضها وجميع أحوالها ولا تختلف عنها إلا بأسمائها , ورجح الباحث هذا القول بقياسها على الإبل وبالجمع بين الروايات الواردة فيها .
تجب زكاة الغنم إذا بلغت أربعين شاة وفيها شاة واحدة إلى مائة وعشرين ، فإن جاوزتها ففيها شاتان إلى مائتين ، فإذا جاوزتها ففيها ثلاث شياه ، واختلف فيما زاد على ذلك واختارالباحث قول الجمهور أن فرضها ثلاث شياه حتى تصل إلى أربعمائة ففيها أربع شياه ثم في كل مائة شاة .
تعرض الباحث لما إذا لم يوجد في المال الفرض الواجب في الإبل وبين أنه يعدل إلى السن الأعلى أو الأدنى مع عطاء الجبران أو أخذه وهل هو توقيفي فلا يخرج عن كونه شاتين أو عشرين درهما أو أنه بحسب الأسعار غلاء ورخصا ، بناء على أنه لم يكن ما ورد في ذلك حكما ثابتا وإنما كان تنبيها على أمر تراعى فيه الظروف والأحوال وهو الذي مال إليه الباحث .
اختلف مع عدم وجود الفرض الواجب في زكاة الإبل وعدم الذي يليه في السن الأعلى أو الأدنى في جواز تجاوز الفرض بدرجتين مع أخذ جبرانين أو عطائهما ورجح الباحث الجواز .
اختلف في إخراج البعير الكافي في زكاة الإبل عن الشاة أو الشياه الواجبة في زكاتها واختار الباحث الجواز .
اختلف في الوقص والشنق هل هما داخلان في زكاة ما قبلهما أو أنهما معفو عنهما ورجح الباحث الأول .
اختلف في الشاة التي تجزي في زكاة الغنم والإبل والبقر ـ بناء على أن حكمها حكم الإبل ـ وفي الجبران : فقيل لا بد أن تكون ثنية سواء كانت من الضأن أو المعز ، وقيل تجزي الجذعة منهما ، وقيل تجزي جذعة الضأن وثنية المعز وهو الذي اختاره الباحث . (1/272)
صفحة 273
يجب على الساعي تجنب الأخذ من نفائس الأموال وخسائسها فليس له أن يأخذ المعيبة كالهزيلة والمريضة ولا الغالية كالحامل واللابن وفحل الغنم ، ويجوز له أن يأخذ الأعلى مما يجب إن طابت به نفس صاحب المال .
إن كانت كلها هزالا أو مراضا ففي إخراج بعضها خلاف ، رجح الباحث جوازه .
اختلف في جواز إخراج الواجب من الغنم من غير غنم البلد ، ورجح الباحث الجواز .
الواجب في زكاة الإبل الإناث وإنما ورد النص بجواز إخراج ابن لبون عن بنت مخاض مع عدمها واختلف في جواز إخراج الحق عن بنت لبون والجذع عن الحقة في حالة عدمهما قياسا على ماورد به النص ، واختار الباحث جوازه .
زكاة البقر عند من يجعلها كالإبل لها حكمها في ذلك وعند الجمهور يجزي التبيع الذكر في الثلاثين .
اختلف في جواز إخراج الذكر في الغنم ورجح الباحث أن الذكر والأنثى فيها سواء .
سوغ الحنابلة إخراج الذكور من الإبل إن كانت كلها ذكورا ، واختار الباحث أن يكون الذكر في ذلك أعلى سنا من الأنثى الواجبة قياسا على إخراج ابن لبون عن بنت مخاض .
اختلف في جواز إخراج القيمة في زكاة الماشية ، واختار الباحث أن يكون جوازه مقيدا بإحدى حالتين : إما رفع كلفة ومشقة عن صاحب المال أو عن الساعي أو كونه روعي فيه مصلحة الفقير المنتفع بالزكاة .
اختلف في خلطة الماشية هل لها أثر في أحكام زكاتها ؟ فقيل لا تأثير لها سواء كانت خلطة مشاع أو خلطة جوار ، وقيل بل التأثير لخلطة المشاع وحدها ، وقيل تؤثران جميعا . وبناء على هذا فهل يشترط أن يكون نصيب كل واحد من الخليطين أو الخلطاء استوفى نصابا أولا يشترط ذلك ؟ في ذلك خلاف اختار الباحث أن للخلطة تأثيرا بكلا نوعيها ولو لم يكن لكل خليط نصاب .
اختلف فيما تتحقق به خلطة الجوار من الأسباب ، واختار الباحث أن ذلك عائد إلى عرف ذوي الاختصاص لعدم ورود النص عليه من الشارع . (1/273)
صفحة 274
اختلف في زكاة الخيل ؛ فالجمهور على أنها لا زكاة فيها ولا في غيرها من الحيوانات ما عدا بهيمة الأنعام وهو الذي اختاره الباحث ، وقيل تجب فيها زكاة إما بتقويمها ودفع ربع العشر من قيمتها ، وإما بإخراج دينار عن كل فرس ، وهو قول الإمام أبي حنيفة ، وقال به طائفة من أصحابه .
الماشية المتاجر بها إما أن تكون من جنس ما تجب فيه الزكاة أو لا ، فإن كان من جنسه ـ وذلك أن تكون من الأنعام ـ وكانت بلغت حد النصاب بكلا الاعتبارين فقيل زكاتها زكاة عروض التجارة ، وقيل زكاة السائمة ، وقيل تراعى مصلحة الفقراء فيها ، ومال الباحث إلى الأخذ بقول من يرى فيها زكاة التجارة ، وإن كانت بلغت النصاب بأحد الاعتبارين دون الآخر فإنها تزكى زكاة النصاب الذي بلغته بلا خلاف عند من يرى وجوب الزكاة في التجارة ، وإن كانت من جنس آخر فإنها تزكى زكاة عروض التجارة ، ومثل ذلك حكم الاتجار بالمنتوجات الحيوانية كالجلود والأصواف والأوبار والأشعار والعظام والقرون والألبان والأدهان والأجبان ، وكل ما يستخلص من ذلك فيستعمل في الأغذية أو في الأدوية أو اللباس أو الزينة .
وهذا ما يسر الله تعالى تدوينه في هذا البحث المتواضع ، وكل رجائي من قارئه أن يعفو عن زلله ، وأن يسد ما أمكنه خلله ، وأن يتحفني خالص دعواته بأن يتقبله الله مني ، وأن يجعله وسائر أعمالي خالصا لوجهه الكريم . والله أسأل أن يمن علي بالتوفيق لما يحبه ويرضاه من صادق القول وصالح العمل . وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
قائمة المصادر والمراجع
ابن أبي شيبة ، أبو بكر
المصنف
ابن بركة ، أبو محمد عبد الله بن محمد
الجامع ـ المطبعة الشرقية ومكتبتها ، سلطنة عمان
ابن تيمية ، أحمد بن عبد الحليم
القواعد النورانية
مجموع الفتاوى ـ مكتبة النهضة الحديثة 1404هـ .
ابن جعفر ، أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي .
الجامع ـ وزارة التراث القومي والثقافة ، سلطنة عمان (1/274)
صفحة 275
ابن حبان ، علاء الدين علي بن بلبان الفارسي
صحيح ابن حبان ـ مؤسسة الرسالة ، بيروت
ابن حجر ، أحمد بن علي العسقلاني
فتح الباري ـ دار المنار ، بيروت .
الدراية ـ دار المعرفة ، بيروت .
تلخيص الحبير ـ طباعة الفاروق الحديثة للطباعة والنشر.
ابن حزم ، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد .
المحلى ـ دار الاتحاد العربي للطباعة 1388 هـ ـ 1968 م .
ابن حنبل ، أحمد بن محمد الشيباني .
مسند الإمام أحمد ـ طباعة مؤسسة قرطبة
ابن خزيمة ، أبو بكر محمد بن إسحاق .
صحيح ابن خزيمة ـ
ابن دقيق العيد ، محمد بن علي بن وهب .
الكتاب الإمام ـ
ابن رشد ، محمد بن أحمد بن محمد القرطبي ( الحفيد ) .
بداية المجتهد ونهاية المقتصد ـ دار ابن حزم الطبعة الأولى 1416 هـ ـ 1995 م .
ابن رشد ، محمد بن أحمد ( الجد ) .
المقدمات ( بذيل المدونة )
ابن سلام ، أبو عبيد القاسم .
كتاب الأموال ـ مؤسسة ناصر للثقافة ـ الطبعة الأول 1981م
ابن شاس ، جلال أبو محمد عبد الله السعدي
عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة ـ دار الغرب الإسلامي الطبعة الأولى 1415 هـ ـ 1995 م .
ابن عبد البر ، أبو عمر يوسف بن عبد الله النمري .
الاستذكار ـ دار قتيبة للطباعة والنشر ، بيروت ، دار حلب القاهرة الطبعة الأولى 1414هـ ـ 1993 م .
ابن العربي ، أبو بكر محمد بن عبد الله .
أحكام القرآن ـ دار المعرفة للطباعة والنشر ، بيروت .
ابن عابدين ، محمد أمين .
رد المحتار على الدر المختار ـ دار إحياء التراث العربي
ابن عاشور ، الطاهر
التحرير والتنوير ـ الدار التونسية للنشر 1984 م .
ابن قدامة ، أبو محمد عبد الله بن أحمد المقدسي .
المغني ـ دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع ، بيروت 1392 هـ ـ 1972 م .
ابن المرتضى ، المهدي لدين الله يحيى .
البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار ـ مطبعة السعادة مصر ، الطبعة الأولى 1367 هـ ـ 1948 م .
الأزهار ـ وزارة العدل اليمنية ، اليمن . (1/275)
صفحة 276
ابن ماجه ، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني
سنن ابن ماجه ـ
ابن منظور ، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم .
لسان العرب ـ دار صادر للطباعة والنشر ، بيروت .
ابن نجيم ، الزين . ( أبو حنيفة الثاني ) .
البحر الرائق شرح كنز الدقائق ـ مطبعة رشيدية ، باكستان
ابن الهمام ، كمال الدين بن محمد بن عبد الواحد .
شرح فتح القدير ـ دار الفكر ، الطبعة الثانية .
أبو الحسن ، علي بن محمد بن علي البسيوي .
الجامع ـ مطابع جريدة عمان للصحافة والنشر ، سلطنة عمان 1404 هـ ـ 1984 م .
أبو الحسن ، عبد الله بن مفتاح .
شرح الأزهار ـ وزارة العدل اليمنية ، اليمن .
أبو حيان ، أثير الدين محمد بن يوسف الغرناطي
البحر المحيط ـ طبعة مكتبة ومطابع النصر الحديثة ـ الرياض
أبو داود ، سليمان بن الأشعث السجستاني
صحيح سنن أبي داود ـ مكتب التربية العربي لدول الخليج ، الرياض .
أبو زكريا ، الفراء
معاني القرآن الكريم ـ عالم الكتب ، بيروت .
أبو ستة ، أبو عبد الله محمد بن عمر .
حاشية الترتيب ـ دار البعث للطباعة والنشر ، الجزائر .
الأحوذي ، ابن العربي
عارضة الأحوذي على شرح صحيح الترمذي ـ دار الكتب العلمية لبنان .
الأزدي ، الربيع بن حبيب
الجامع الصحيح ـ دار الفتح للطباعة والنشر . توزيع مكتبة الاستقامة ـ سلطنة عمان .
اطفيش ، محمد بن يوسف
الذهب الخالص ـ المطابع العالمية ، سلطنة عمان .
شرح كتاب النيل وشفاء العليل ـ مكتبة الإرشاد ، جدة وغيرها ، الطبعة الثانية 1392 هـ ـ 1974 م .
البخاري ، محمد بن إسماعيل
39.صحيح البخاري .
البزار ، أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق .
البحر الزخار .
البيهقي ، أبي بكر أحمد بن الحسين
شعب الإيمان ـ دار الكتب العلمية ، بيروت .
السنن الكبرى ـ مكتبة دار الباز ، مكة المكرمة 1414 هـ .
الباجي ، أبو الوليد سليمان بن خلف.
43.المنتقى شرح الموطأ ـ دار الكتاب العربي ، نسخة مصورة عن الطبعة الأولى 1332 هـ . (1/276)
صفحة 277
الترمذي ، محمد بن عيسى
44.السنن الكبرى ـ دار الكتب العلمية ، بيروت .
الثميني ، ضياء الدين عبد العزيز .
45.كتاب النيل وشفاء العليل ـ دار الفتح ، بيروت .
الجرجاني ،
التحرير ـ
الجوهري ، إسماعيل بن حماد .
الصحاح ، تاج اللغة وصحاح العربية ـ دار العلم للملايين بيروت ، الطبعة الثالثة 1404 هـ ـ 1984 م .
الجيطالي ، الطاهر
قواعد الإسلام ـ المطبعة العربية ، الطبعة الأولى 1977 م .
الحميري ، نشوان بن سعيد
شمس العلوم .
الحاكم ، أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري
المستدرك على الصحيحين ـ
الحصني ، تقي الدين .
كفاية الخيار في حل غاية الاختصار ـ الشؤون الإسلامية قطر ، الطبعة الثانية .
الخرساني ، أبو غانم بشر بن غانم .
المدونة الكبرى ـ وزارة التراث القومي والثقافة ، سلطنة عمان 1984 .
الخليلي ، أبو محمد سعيد بن خلفان بن أحمد .
لطائف الحكم في صدقات النعم ـ الطبعة الأولى 1309 هـ .
خليل ، بن إسحاق الجندي .
مختصر خليل ـ دار الفكر
منح الجليل
الدبوسي ،
الأسرار .
الدارقطني ، علي بن عمر
سنن الدارقطني ـ دار إحياء التراث العربي ، مؤسسة التاريخ العربي ، بيروت .
الربيع ، بن حبيب بن عمر الأزدي البصري .
الجامع الصحيح مكتبة الاستقامة ـ سلطنة عمان .
الدارمي ، أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي .
سنن الدارمي ـ دار الكتب العلمية ، بيروت .
الرازي ، الفخر
التفسير الكبير ـ دار الكتب العلمية ، طهران ، ط 2 .
رشيد رضا ، السيد محمد .
تفسير المنار ـ دار المعرفة ـ الطبعة الثانية .
الرافعي ، أبو القاسم عبد الكريم بن محمد .
فتح العزيز بشرح الوجيز ( بذيل المجموع ) .
الرهوني ، ِ محمد بن أحمد
حاشية الرهوني على شرح الزرقاني على مختصر خليل ـ دار الفكر 1498 هـ ـ 1978 م .
الزبيدي ، محمد مرتضى
تاج العروس شرح القاموس ـ دار مكتبة الحياة .
الزرقاني ، محمد بن عبد الباقي
شرح مختصر خليل ـ دار الفكر (1/277)
صفحة 278
شرح الموطأ ـ دار الفكر للطباعة والنشر
الزمخشري ، أبو القاسم جار الله محمود بن عمر .
الكشاف ـ دار الباز للنشر والتوزيع ، طبع دار المعرفة .
الزيلعي ، جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف .
نصب الراية لأحاديث الهداية ـ دار إحياء التراث العربي ، بيروت الطبعة الثانية 1393 هـ ـ 1973 م .
السرخسي ، أبو بكر محمد بن أحمد
المبسوط ـ دار الدعوة .
السالمي ، نور الدين عبد الله بن حميد
معارج الآمال على مدارج الكمال ـ وزارة التراث ، سلطنة عمان . مطابع سجل العرب 1404 هـ ـ 1983 م .
شرح الجامع الصحيح ـ مكتبة الاستقامة ، سلطنة عمان ، الطبعة الثانية .
العقد الثمين ـ مكتبة الضامري للنشر والتوزيع ، سلطنة عمان الطبعة الأولى 1413 هـ ـ 1993 م .
السياغي ، شرف الدين الحسين بن أحمد .
الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير ـ مكتبة اليمن الكبرى ، اليمن الطبعة الثانية 1405 هـ ـ 1985 م .
الشقصي ، خميس بن سعيد بن علي .
منهاج الطالبين وبلاغ الراغبين ـ وزارة الثراث القومي والثقافة ، سلطنة عمان ، مطبعة عيسى البابي وشركاه .
الشافعي ، محمد بن إدريس .
الأم ـ دار الشعب ، مصر .
شاكر ، محمد أحمد .
تعليق على المحلى ـ دار الاتحاد العربي للطباعة ،
الشماخي ، عامر بن علي
الإيضاح ـ دار الفتح للطباعة والنشر ، بيروت 1394 هـ ـ 1974 م .
الشوكاني ، محمد بن علي اليمني .
نيل الأوطار ـ دار إحياء التراث العربي ، مؤسسة التاريخ العربي .
الطحاوي ، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة
عون المعبود ، الطبعة الثانية .
الطوسي ، أبو جعفر
المبسوط في فقه الإمامية ـ الشرق الأوسط للطباعة والنشرـ 1412 هـ ـ 1992 م .
العثماني ، ظفر أحمد
إعلاء السنن ـ إدارة القرآن والعلوم الإسلامية ـ باكستان .
عليش ، محمد بن أحمد المصري
فتح الجليل شرح مختصر خليل ـ دار الفكر ـ 1409 هـ ـ 1989 م .
العمراني ،
البيان في مذهب الإمام الشافعي ـ
العنسي ، (1/278)
صفحة 279
التاج المذهب في أحكام المذهب ـ مكتبة اليمن ، 1380 هـ ـ1961 م .
العيني ، بدر الدين أبو محمد محمود بن أحمد .
عمدة القارئ ـ دار إحياء التراث العربي ، بيروت .
الفيروز آبادي ، مجد الدين محمد بن يعقوب .
القاموس المحيط ـ المؤسسة العربية للطباعة والنشر ، بيروت
الغزالي ، أبو حامد محمد بن أحمد .
الوجيز .
القرضاوي ، يوسف
فقه الزكاة ـ مؤسسة الرسالة ، الطبعة الثالثة 1397 هـ ـ 1977…م .
القرطبي ، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري .
الجامع لأحكام القرآن ـ دار التراث العربي ، بيروت 1965 .
القرافي ، شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس .
الذخيرة ـ دار الغرب الإسلامي ، الطبعة الأولى 1994 م .
الكدمي ، أبو سعيد
زيادات أبي سعيد على إشراف ابن المنذر .
الكركي ، علي بن الحسين بن عبدالعالي
جامع المقاصد في شرح القواعد ـ مؤسسة آل البيت لإحياء التراث ، 1408 هـ .
الكاساني ، علاء الدين أبو بكر بن مسعود .
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ـ مطبعة العاصمة ، القاهرة ـ مصر ، نشر زكرياعلي يوسف .
الكندي ، محمد بن إبراهيم .
بيان الشرع ـ وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان
المصنف ـ وزارة التراث القومي ، سلطنة عمان ، المطبعة الشرقية ومكتبتها ، سلطنة عمان .
الكوهجي ، عبد الله
زاد المحتاج شرح المنهاج ـ الشؤون الدينية بولة قطر الطبعة الأولى 1402 هـ ـ 1994 م .
المرداوي ، علي بن سليمان بن أحمد
الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد ـ دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان الطبعة الأولى 1418 هـ ـ 1997 م .
مسلم ، أبو الحسين ابن حجاج القشيري النيسابوري .
صحيح مسلم ـ دار إحياء التراث العربي ، بيروت .
مالك ، بن أنس
الموطأ ـ دار الكتاب المصري ، القاهرة .
المدونة الكبرى ـ دار الفكر ، بيروت 1398 هـ ـ 1978 م .
الموصلي ، عبد الله بن محمود بن مودود
الاختيار لتعليل المختار ـ دار الدعوة . (1/279)
صفحة 280
الميلاني ، محمد الهادي الحسيني
محاضرات في فقه الإمامية ـ مؤسسة جاب ،
النسائي ، أبو عبد الله أحمد بن شعيب
صحيح سنن النسائي ـ مكتب التربية العربي لدول الخليج الرياض 1988 .
النووي ، أبو زكريا محي الدين يحيى بن شرف .
المنهاج ـ الشؤون الدينية ، قطر الطبعة الأولى 1402 هـ ـ 1992 م .
105.المجموع شرح المهذب ـ دار الفكر .
فهرس الموضوعات
الموضوع……… الصفحة………
مقدمة الكتاب………………… 3مقدمة في تعريف الأنعام ……………… 7
الفصل الأول : في شروط الزكاة …………… 21…المبحث الأول : في شرط استكمال النصاب …… 24…المبحث الثاني : في شرط استكمال الحول …… 25…المبحث الثالث : في شرط السوم ………… 46 …المبحث الرابع : في شرط أن لا تكزن عاملة…… 59…المبحث الخامس : في شرط الاستغناء عن الأمات 63
الفصل الثاني : في نصاب زكاة أصناف الأنعام ومقادير
فرائضها في كل صنف……… 75 المبحث الأول : نصاب الإبل وفروض زكاتها… 77المبحث الثاني : نصاب البقر وما يجب فيها…… 134 المبحث الثالث : نصاب الغنم وما يجب فيها … 160
تكملتان ………………… 164
الفصل الثالث : في صفة ما يخرج في زكاة الأنعام… 177…المبحث الأول : الشاة المجزية في زكاة الغنم وفي زكاة
………الإبل وفي زكاة البقر ـ عند من يلحقها
………بالإبل ـ وفي الجبران……… 179
…المبحث الثاني : التوسط فيما يأخذه الساعي… … 190…المبحث الثالث : في إخراج القيمة في زكاة الماشية … 224 الفصل الرابع : في أثر الخلطة في زكاة الأنعام ……… 245 …المبحث الأول : في بيان أنواع الخلطة …… 247…المبحث الثاني : في تأثير الخلطة على أحكام الزكاة …248…المبحث الثالث : في أدلة الأقوال…… 252…المبحث الرابع : في شروط الخلطة ……… 260…المبحث الخامس : المخالطة ببعض المال وتجزئته بين …… العديد من الخلطاء …… … 290…المبحث السادس : في تراجع الخليطين والخلطاء… 308
الفصل الخامس : في حكم الزكاة في سائمة الخيل وغيرها
من الحيوانات … ……… … 317 (1/280)
صفحة 281
المبحث الأول : في آراء العلماء في زكاة الخيل …… 321 …المبحث الثاني : في أدلة القولين……… 325…الرأي المختار عند الباحث………… 333
المبحث الثالث : في نصاب الخيل وما يجب فيها……… … عند من يرى زكاتها …… 346…المبحث الرابع : في حكم زكاة غير الخيل …… 348 …تعقيب الباحث……………… 349
الفصل السادس : في زكاة الشركات المتاجرة بالثروة
الحيوانية والشركات المتاجرة بالمنتوجات
الحيوانية ……………… 353
خاتمة في أهم ما اشتمل عليه البحث ………… 361 قائمة المصادر والمراجع…………… 369………………………… ………… ………
… (1/281)