صفحة 1
الكتاب: شرح قانون الأحوال الشخصية العُماني لمبارك الراشدي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد:
فإن أحكام الزواج والطلاق والتركات وهو ما يعرف بالأحوال الشخصية في العرف الأكاديمي بين الجامعات – من المواد الأساسية في كلية الشريعة والقانون بسلطنة عمان بقسميها الشريعة والقانون – إذ هي من المواد الهامة التي لا يمكن لطالب في أحد القسمين أن يجهلها فضلا عن غيره من طلبة الشريعة في أي تخصص آخر وذلك لأمرين:
الأول: كون هذا المجال من مجالات الفقه الإسلامي التي نظمها القرآن الكريم أحسن تنظيم وبينتها السنة النبوية الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام أفضل بيان بما لا مثيل له في النظم والقوانين بل إن القوانين الحديثة ذاتها في البلاد الإسلامية فضلا عن غيرها تستمد قواعدها في هذا الخصوص من أدلة التشريع الإسلامية الثلاثة أو غيرها مما يكملها. فلهذا لا يمكن إغفالها من قبل طلاب الشريعة الإسلامية أو الحقوق في أي قطر إسلامي.
أضف إلى ذلك أن هذه المادة مما يهم الإنسان في نفسه وفي أسرته ولذلك سميت بالأحوال الشخصية. فهي من هذا القبيل تعد من الأمور الأساسية في التدريس بالكلية لأننا ونحن نعد الطلاب لتحمل المسئوليات في مجالات الحكم بين الناس أو الدفاع عن حقوقهم لا يمكن أن نغفل هذا الجانب وأن نبين ما للإنسان من حقوق وما عليه من واجبات تجاه الأسرة التي يعيش فيها.
الثاني: إن طلاب العلم في الشريعة أو القانون بعد تخرجهم سوف يكونون من جملة المهتمين بمثل هذه الأمور، فالمتخرج من الكلية لا يعدو أن يكون قاضيا أو محاميا أو موظفا في مجال الحقوق والإدارة المحلية أو باحثا قانونيا، إذن لا بد له من الإلمام بهذه المادة التي سوف يواجه فيها أمورا يحتاج إلى البحث عنها أو معرفة الحكم فيها فلا بد من دراستها ضمن الأساسيات في التعليم بالكلية.
ومن هذا المنطلق : (1/1)
صفحة 2
فقد قررت اللجنة الأكاديمية التي وضعت النظام الأكاديمي للكلية أن تضع هذه المادة من جملة المواد التي تدرس لقسمي الشريعة والقانون، وقد حددت لها ثلاث ساعات معتمدة في ثلاثة مساقات لا يتخرج الطالب إلا بالانتهاء منها بنجاح.
ومن المعلوم أن تدريس هذه المادة مما يختص به قسم الشريعة الإسلامية بكلية الشريعة والقانون. إذ هي من الفقه المحض، وبالتالي فتدريسها بالدرجة الأولى من كتب الفقه الإسلامي التي ألفت أو تحدثت في هذا المجال مع الأخذ في الاعتبار أن مأخذ المادة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس أو العرف أو المصلحة المرسلة. وبطبيعة الحال فقد قررت اللجنة الأكاديمية بعض الكتب والمراجع الفقهية لتدريس هذه المادة وذلك قبل صدور قانون الأحوال الشخصية العماني الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 33/97 وبتاريخ 28 من محرم من عام 1418ه الموافق 4 من نوفمبر في عام 1997م الذي تحدث عن الزواج والطلاق والنفقات والتركة فقد نص المرسوم المشار إليه على وجوب العمل بهذا القانون بعد شهر من تاريخ صدوره، كما أناط بوزير العدل والأوقاف والشئون الإسلامية يومئذ إصدار القرارات واللوائح اللازمة لتنفيذ القانون والعمل به.
وبموجب النص على وجوب العمل به فمن الواجب على مدرس مادة الأحوال الشخصية في الكلية المشار إليها أن يقوم بتدريسه لجميع الطلاب وذلك لسببين :
السبب الأول : أنه جاء شاملا لمفردات المادة ابتداء من الخطبة لمن أراد الزواج وانتهاء بآخر حكم من أحكام الفرقة بين الزوجين وفي أحكام النفقات والتركات وبما أنه اشتمل على توصيف المقرر في هذه المادة فمن الأولى تدريسه.
السبب الثاني : أنه واجب التنفيذ، وبناء على ذلك فإنه لا بد من العمل به إن عاجلا أو آجلا. (1/2)
صفحة 3
وعليه : فقد أستوجب الأمر إيجاد شرح للقانون المشار إليه بما يتواءم مع أهدافه ومرجعيته التي أعتمد المقنن عليها في إخراجه إلى الوجود وبالتالي وجوب تطبيقه من قبل المختصين والمهتمين في مجال الأحكام.
ومما لا يدع مجالا للشك أن مرجعيته الفقه الإسلامي أولا والقوانين المشابهة ثانيا، وذلك لأجل تسهيل فهمه للطالب والمدرس ورد كل مادة فيه إلى أصلها الذي أخذت منه، ومن هذا المنطلق ، جاء قرار مجلس الأمناء الموقر المنعقد بتاريخ / / ، بتكليف لجنة مكونة من فريقين: الفريق الأول للتأليف ويتكون من المختصين في تدريس مواد الشريعة بالكلية والفريق الثاني للمراجعة ويتكون من ثلاثة أعضاء من وزارة العدل ووزارة الأوقاف والشئون الدينية والمحكمة الجزائية.
وها نحن نشرع في توضيح المواد التي جاءت في ذلك القانون ليكون سهل التناول من قبل طلبة كلية الشريعة والقانون وغيرهم ممن يسر الله لهم الإطلاع عليه.
وقبل أن نشرع في الموضوع نود أن نوضح ما يلي:-
أولا: خطة العمل:
اخترنا أن تكون خطة العمل على حسب ما جرى عليه القانون نفسه من حيث أنه قسم الموضوع على قسمين: الأول في الزواج والثاني في الطلاق وأحكامه. كما أننا سوف نسير على حسب الأبواب والفصول والفروع في الكتابين، وذلك من أجل التسهيل على الطالب في فهم الموضوع من ناحية، ولأجل الالتزام لمنهجية القانون نفسه من ناحية أخرى وذلك كما يلي:-
أولاً : المساق الأول : في الزواج وأحكامه .
الكتاب الأول
... الزواج
الباب الأول: الخطبة
الباب الثاني: أحكام عامة
الباب الثالث: الزوجان - تعريفهما
الفصل الأول: الأركان والشروط
الفرع الأول: الإيجاب والقبول
الفرع الثاني: الولي
الفرع الثالث: الصداق
الفرع الرابع: البينة
الفصل الثاني: المحرمات
الفرع الأول: المحرمات على التأبيد
الفرع الثاني: المحرمات على التوقيت
الفصل الثالث: حقوق الزوجين
الباب الرابع: أنواع الزواج
الباب الخامس: آثار الزواج (1/3)
صفحة 4
* الفصل الأول: النفقة – أحكام عامة
الفرع الأول: نفقة الزوجة
الفرع الثاني: نفقة القرابة
الفرع الثالث: نفقة اللقيط
* الفصل الثاني: النسب- أحكام عامة
الفرع الأول: الفراش
الفرع الثاني: الإقرار
الفرع الثالث: نفي النسب باللعان
الخاتمة
كما سوف نبدأ بسرد كل مادة على حدة ثم نتكلم على شرحها لأجل التوضيح والبيان.
ثانيا:
سوف نعتمد في هذا الشرح على ما يتيسر من كتب الفقه على مختلف المذاهب السائدة عندنا، ولا ننسى مقارنته بالقوانين المعمول بها في منطقة الخليج وخاصة قانون دولة الإمارات العربية المتحدة والقانون الموحد لدول الخليج العربي وقانون جمهورية مصر العربية إن شاء الله تعالى. وذلك كله في حال توفرها لدينا، لكي ترجع كل مادة إلى أصلها وكل مسألة إلى ما يناسبها.
ثالثا:
سوف نقوم بعمل توطئة للطالب عن أسباب صدور قانون للأحوال الشخصية الحالي لتكون مدخلا وبداية للموضوع كما يلي:
كان العمل في المحاكم الشرعية بعمان بما تقتضيه أحكام الفقه الإسلامي من حيث أن القاضي يلتمس حكما للدعوى المقدمة إليه من النصوص المدونة في كتب الفقه المنثورة أو المنظومة بعمان وإذا كانت المسألة خلافية فإنه يحاول أن ينظر إلى الأرجح منها إن استطاع وإلا استشار غيره في الواقعة ويكون الحكم نافذا أو مسلما به في الغالب حتى إذا جاء عصر النهضة المباركة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المفدى حفظه الله بقي الحال كذلك إلى صدور قانون الأحوال الشخصية الآنف الذكر. وقد دعت الضرورة إلى إصدار قانون للأحوال الشخصية بعمان لسببين: (1/4)
صفحة 5
1- انقراض معظم الفقهاء الكبار الذين كانوا يميزون الصحيح من السقيم من الأقوال ومارسوا عمل القضاء لفترة طويلة من الزمن، بحيث لا يُعييهم حدوث دعوى في أي مسألة من مسائل الأحوال الشخصية بل كانوا ممن يؤلفون الكتب فيها وخلفهم قضاة أقل منهم معرفة وصاروا يترددون في إصدار الأحكام، كما أنهم لم يكونوا على قدرة كبيرة من الإطلاع على أرجح الأقوال التي دونها الفقهاء في كتبهم، وكما أن كثيرا من المسائل لا يوجد فيها ترجيح بين الأقوال فصار الحكم في المسألة من قاض يختلف عن قاض آخر، حتى كثرت المطالبة بإيجاد قواعد قانونية فقهية جامعة لمسائل الأحوال الشخصية لكي تتوحد الأحكام ويسهل على القضاة الأخذ بها.
2- إن الأخذ بمسائل الفقه على ما هي عليه سابقا قد لا يتفق البعض منها مع ما يتلاءم وروح العصر، وهناك من المستجدات في الأمور ما يستوجب إيجاد نصوص لا يعتمد عليها القضاة المعاصرون وليس في ذلك ضير على اجتهادات الفقهاء الأقدمين ولكن شاب الفقه التطور ومجاراة العرف والاستصلاح إذا لم تصادم كل هذه الأمور نصا من الكتاب أو السنة أو الإجماع. لهذا اتجهت وزارة العدل والأوقاف والشئون الإسلامية إلى تشكيل لجنة من بين فقهائها المنتسبين إليها لصياغة مواد القانون المشار إليه ومن ثم تمت مراجعته واتخاذ إجراءات استصداره من الجهات المختصة الأخرى حتى صدر بالمرسوم السلطاني السامي تحت رقم32/97. (1/5)
صفحة 6
وإذا عرفت هذا تبين لك أن أسباب صدور هذا القانون واضحة فهي تأصيل وتقعيد للمسائل الفقهية فقط لأجل الالتزام بنصوصه ولكي تكون الأحكام الخاصة بالأسرة واضحة لكل من الرجل والمرأة والطفل والقريب والبعيد وكل من يهمه الشأن في الموضوع، فليس قانون الأحوال الشخصية مثل بقية القوانين الأخرى المستمدة من أعراف تلك الدول وتقاليدها كالقوانين الدولية والمالية المنبثقة عن أعراف تلك الدول وتقاليدها وما تمليه إرادة المجتمع بل إن القصد منه رفع الخلاف والتردد الواقع في الأحكام الصادرة من المحاكم الشرعية وليتلاءم مع متطلبات العصر الذي نحن نعيش فيه وليكون مناسبا مع حقوق الأسرة في ضوء المعطيات الحديثة.
بيد أن القانون المشار إليه اعتبر العرف في بعض الأمور، ولكن في حدود ضيقة جدا وسيأتي بيان ذلك في موضعه .
علما بأن ما ذكر من الفهرس آنفا إنما هو خاص بالمساق الأول ، وبعده المساق الثاني في أحكام الفرقة وما يتعلق بها والمساق الثالث في أحكام التركات .
والله الموفق ، ، ،
د. مبارك بن عبدالله الراشدي
الكتاب الأول: الزواج
قسم القانون المواضيع المشتمل عليها هذا الموضوع إلى كتابين، الكتاب الأول في الزواج وأحكامه والكتاب الثاني في الفرقة بين الزوجين وما يتعلق بها.
وهذا تقسيم منطقي، وذلك لأنه اعتبر الزواج عقدة تتم بين طرفين وعندما تتوفر جميع أركانها وشروطها وجب التمسك بها والقيام بحقها وذلك أمر يستوجبه العقد ويقتضيه تحقق الهدف المرغوب من الزواج ، وتندرج تحت هذا العنوان أبواب وفصول ومسائل كثيرة تتعلق بهذا الموضوع أيضا ، حتى إذا ما وقعت الفرقة بين الزوجين بأحد أمور ذكرها القانون، فلا بد من أن تترتب عليها التزامات وحقوق لا بد منها وهي متنوعة وتندرج تحت أبواب وفصول اقتضاها تقسيم الموضوع، ولهذا كانت كتابا مستقلا، فالعقد جعل في كتاب والفرقة في كتاب آخر. (1/6)
صفحة 7
والزواج في اللغة: اقتران الشيء بشيء آخر وبمعنى الاختلاط يقال زوج الأشياء تزويجا وزواجا قرن بعضها ببعض. وتزوج امرأة وبها اتخذها زوجة (1) ويدل على ذلك قوله تعالى : ( من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ) (2) وقوله تعالى : ( ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) (3) وغيرها من الآيات، وهذا إذا كان من جنس الشيء وقد يأتي الزواج لاقتران شيء بشيء ولو من غير جنسه كقوله تعالى : ( وإذا النفوس زوجت ) (4) (وزوجناهم بحور عي (5) .
والأزواج جمع زوج والمراد به المرأة بقرينة عود الضمير إليها في قوله تعالى: ( ولتسكنوا إليه ) لأنه هنا بلفظ المؤنث، وأما ذكرها بلفظ المؤنث (زوجة) فليس بفصيح في اللغة ولذلك ورد في القرآن الكريم بلفظ أزواج جمع زوج.
وهذا الكتاب يحتوي على خمسة أبواب.
.
0
0.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
الباب الأول: الخطبة
مادة (1) : الخطبة طلب التزوج والوعد به.
تتحدث هذه المادة عن تعريف الخطبة وكما هو معروف من أن القاعدة القانونية قاعدة مجردة لا تخص فردا دون فرد وكونها ناتجة عن العرف الاجتماعي ولهذا لم تهتم هذه المادة بتعريف الخطبة لغويا وكذلك غيرها من المواد التي تتصدر بها الأبواب أو الفصول أو الفروع وإنما تحدثت عن الخطبة حسب العرف السائد بين الناس، ولهذا لا بد من ذكر الخطبة في اللغة.
فالخطبة لغويا بضم الخاء وفتحها حديث الموعظة أو غيرها مما يقال في المنابر والفاعل لها يسمى خطيبا ومن هنا قيل خطيب الجمعة وخطيب القوم وهو من تعود على الخطبة بين قومه ، والجمع خطباء. (6)
__________
(1) المعجم الوجيز ، ص 295
(2) الروم ، آية 21
(3) الذاريات ، آية 49
(4) التكوير ، آية 4
(5) الدخان ، آية 54
(6) أنظر مجمع اللغة العربية ، المعجم الوجيز ص (1/7)
صفحة 8
وخطبة المرأة بكسر الخاء هي طلب الزواج بامرأة ويقال للقائم بها خاطب والجمع خطاب وعرفها الفقهاء بأنها طلب الرجل التزوج بامرأة خالية من الموانع أو هي إظهار الرجل رغبته في التزوج بامرأة يحل له التزوج بها وسواء كان هذا الطلب من راغب الزواج بنفسه أم من لسان من يبعثه ليقدم الطلب (1)
وقد قدم القانون ذكر الخطبة وتعريفها على الزواج مخالفا لما انتهجه الفقهاء المسلمون ولعل ذلك على اعتبار أن الخطبة تعتبر مقدمة للزواج فصدر بها القانون جميع المواد التي تنص على أحكام الزواج، ونص القانون على أن الخطبة لا تعتبر خطبة إلا إذا تركبت من عنصرين هما: طلب الزواج، والوعد به. أما إذا كان طلب فقط بدون وعد فليس بخطبة، أو هو من باب الترادف فقط على اعتبار أن هذا الوعد من الخاطب بالزواج.
وبما أن الخطبة من الأمور التي لها شأن وأهمية في الحياة الزوجية المنتظرة إذ بها يتبين كل من الخطيب وخطيبته مدى رغبة كل منهما بالآخر، وبها يتعرف كل منهما على طبيعة بعضهما أخلاقيا ودينيا واجتماعيا قبل إجراء الإيجاب والقبول اللذين بهما يتم العقد ، لذلك استحسن بعضهم أمورا في الخطبة نجملها فيما يأتي:
__________
(1) أنظر : بدران أبو العنين بدران ، الزواج والطلاق في الإسلام ص19 ، مؤسسة شباب الجامعة ، الإسكندرية ، 1985م . (1/8)
صفحة 9
1- أن يختار الخطيب خطيبته على أساس الأخلاق الحميدة والتمسك بالدين وأن لا يقف عند حدود الجمال الطاهر أو كثرة المال أو الجاه أو الحسب والنسب فهذه الأمور وإن كانت مكملة لحسن الاختيار إلا أنه ما ينبغي أن تكون هي الأصل في مقابل التمسك بالأخلاق والتدين. فقد وصى النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا في قوله : (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) (1)
2- ويحسن أن تكون الخطيبة من غير القريبات للخاطب لأن التزوج بالبعيدة أكثر قوة لإنجاب الأولاد وقد أثبتت التجارب أن التزوج بالقريبة غالبا ما يكون النسل فيه ضعيفا وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله (اغتربوا ولا تضروا) (2) أي اقصدوا الغرائب عند تزوجكم حتى لا تضعفوا.
3- كما أنه يحسن بالخاطب أن يختار البكر الولود، فإن البكر أقرب إلى توثيق الصلة بالزوج وإن المرأة الولود تحقق المقصود من الزواج ولذلك وصى النبي - صلى الله عليه وسلم - بها فقال:( تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم) (3)
__________
(1) سنن النسائي ج6ص56 ط مصطفى الحلبي 1964 القاهرة والبخاري في كتاب النكاح 4802ج5 ص 1958ط3 دار إبن كثير بيروت ، داؤد في كتاب النكاح برقم 2047 ج2ص 219ط دار الفكر لبنان بلات.
(3) سنن النسائي ج6ص54ط مصطفى الحلبي 1964م القاهرة برقم 23227 إبن حبان في صحيحه برقم 4056 ج 9ص 363ص2 مؤسسة الرسالة لبنان 1993 ، أبو داؤد في سننه كتاب النكاح برقم 2050 ج2 ص220 دار الفكر لبنان بلات. (1/9)
صفحة 10
4- ومما دعا الإسلام إليه أن يرى الخاطب من يريد التزوج منها ما يحل له النظر إليه شرعا فقد روي أن المغيرة بن شعبة خطب امرأة فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل نظرت إليها؟ قال: لا، فقال له عليه الصلاة والسلام ( انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) (1) أي أجدر أن يدوم الوفاق بينكما. وينبغي أن تكون الرؤية ضمن الضوابط الشرعية بحيث لا يخلو بخطيبته وأن لا ينظر إلى ما لم تبح الشريعة النظر إليه وهو الوجه والكفان (2)
مادة (2) : تمنع خطبة المرأة المحرمة ولو كان التحريم مؤقتا ويجوز التعريض بخطبة معتدة الوفاة.
ما دامت الخطبة مقدمة لعقد الزواج فإن الشريعة الإسلامية وضعت لها ضوابط .
الضابط الأول: أن تتم الخطبة من امرأة صالحة لأن تكون زوجا للخاطب حالة الخطبة وبناء على ذلك فإن الفقهاء اشترطوا لإباحة الخطبة أن لا تكون المرأة محرمة على الخاطب حرمة مؤبدة ولا حرمة مؤقتة، فلا يجوز له أن يخطب أخته مثلا لأنها محرمة حرمة أبدية ولا زوجة رجل ما زالت في عصمته لأنها محرمة عليه حرمة مؤقتة، لأنه لا فائدة مرجوة من هاتين الخطبتين إذ هما لا تؤديان إلى الغاية المنشودة منهما وهو الزواج.
كما لم يجز الفقهاء بالاتفاق خطبة امرأة مطلقة طلاقا رجعيا وذلك لأنها ما زالت في عدته ، لا بطريق التصريح ولا بطريق التعريض، وذلك لأن المطلقة رجعيا ما زالت زوجيتها قائمة وللزوج مراجعتها في عدتها متى شاء فكانت خطبتها كخطبة زوجة الغير تماما.
__________
(1) ورد في صحيح مسلم بشرح النووي رقم 71/72 ج3ص 580 ، 581 ط دار الشعب القاهرة بلات ، النسائي 6ص57 ، 63ط مصطفى الحلبي – القاهرة 1964م ، الترمذي في سننه برقم 1087 ج 3ص 397ط دار أحياء التراث العربي لبنان بلات ، إبن حبان برقم 4043 ج 9ص 351 مؤسسة الرسالة لبنان 1993م.
(2) أنظر : تحفة المحتاج :3/191 ، فتح القدير 8/99 ، نيل الأمطار : 6/11 ، بداية المجتهد لإبن رشد ج2 ، ص3 (1/10)
صفحة 11
أما المعتدة من طلاق بائن فإن كانت مطلقة ثلاثا فإن جمهور الفقهاء يرون جواز التعريض لها لا التصريح، وإن كانت بائنة بينونة صغرى فإن كان الخاطب هو الزوج المطلق نفسه فإنهم أجازوا له خطبتها تصريحا أو تعريضا، وإن كان الخاطب غير الزوج المطلق فإنهم لم يجوزوا التصريح بخطبتها ، أما التعريض فإن الجمهور على جوازه وعللوا ذلك بأن الخطبة بطريق التعريض لا تركن إليها المرأة كما هو الحال في الخطبة الصريحة واستندوا فيما ذهبوا إليه إلى قوله تعالى: (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم ) (1)
بينما ذهب الحنفية إلى عدم جواز التعريض لها وحجتهم في ذلك: إن المطلق ما زال له الحق في أن يعيد امرأته بعقد جديد وقد يترتب على خطبتها من قبل غيره وجود عداوة بين الخاطب والزوج المطلق، كما أن في خطبتها مفسدة محتملة فقد تحملها تلك الخطبة على إخبارها بانقضاء عدتها تعجلا للزواج وقد تكون كاذبة بذلك، وقد حصروا الآية التي أستدل بها الجمهور بعدة المتوفى عنها زوجها دون غيرها تمشيا مع سياق الآية. (2)
أما المعتدة من وفاة زوجها: فإنه لا خلاف بين الفقهاء في جواز خطبتها تعريضا لا تصريحا واستدلوا على ذلك بالآية المتقدمة، وإنما جاز التعريض لها لأن الزوجية بينها وبين زوجها الأول انقطعت بالموت فلا عودة لها، ولا يحتمل حصول شقاق أو نزاع بين الخاطب وأهل الزوج، أما التصريح فإنه يبقى على أصل المنع إذ لا فائدة فيه ما دامت في عدتها لعدم إمكان العقد في الحال وربما يكون التصريح سببا في النزاع بينه وبين أهل الميت فلا يسوغ. (3)
الضابط الثاني: أن لا يكون الخاطب قد سبقه إلى خطبة هذه المرأة خاطب قبله.
__________
(1) سورة البقرة الأية ( 235) .
(2) تراجع المسأله في : الجناوني في كتاب النكاح ، ص 44 وما بعدها .
(3) يراجع شرح النيل : 6/72 وما بعدها. (1/11)
صفحة 12
فقد ورد النهي عن ذلك بصريح الأحاديث الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( لا يبع أحدكم على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها) وفي رواية أخرى عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:( لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك) (1)
وبالاستقراء وجد الفقهاء أن حالات الخاطب الأول أربع حالات:
الأولى: أن يجد قبولا لخطبته إياها وفي هذه الحال لا يجوز لخاطب آخر أن يتقدم للخطبة بالاتفاق لأنه اعتداء صريح على حق الأول.
الثانية: أن لا يجد قبولا لخطبته إياها وفي هذه الحال لا يمنع الخاطب الثاني من خطبتها بالاتفاق لأن الأول لم يثبت له شيء.
الثالثة: أن يكون الأمر ما زال قيد الدراسة بحيث جعل المخطوبة بين الرفض والقبول ولا ترجيح لأحد الحالين على الآخر، وهذا موقع خلاف بين الفقهاء في جواز أن يتقدم خاطب آخر لها.
فمن نظر إلى احتمال قبولها بالأول لم يجز للثاني التقدم لها. ومن نظر إلى أن سكوتها وترددها رفض له أجاز ذلك لعدم الاعتداء على حقوق الأول ، ولعل الراجح الرأي الأول إذ أنه من المعتاد أن تتردد المخطوبة طويلا في القبول أو الرفض فينبغي إعطاؤها الفرصة حتى تتوصل إلى قرار نهائي. بعدها يحق للخاطب الثاني أن يتقدم.
__________
(1) البخاري، النكاح 4747 ، الترمذي ، النكاح 1053 ، النسائي ، النكاح 3187 ، أبو داود ، النكاح 1781 ، أبن ماجة ، النكاح 1857 (1/12)
صفحة 13
الرابعة: أن تكون مترددة بين القبول والرفض إلا أنها تميل حالة من الحالتين. ففي حالة ميلها إلى الترك جوز الفقهاء خطبتها من خطيب آخر وفي حالة ميلها إلى الموافقة فقد منع أكثر الفقهاء خطبتها من خطيب آخر لما في ذلك من الاعتداء على حقوق الأول (1)
الشروط الواجبة في الخطبة:
1- أن تكون المرأة صالحة لأن يعقد عليها وقت الخطبة ويحل للرجل شرعا أن يتزوجها في الحال.
2- ألا تكون المخطوبة سبق لشخص خطبتها فإذا كانت مخطوبة للغير لا يحل لخاطب آخر خطبتها. ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - (لا يبيع الرجل على بيع أخيه ولا يخطب على خطبته) (2) وما روي عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:(لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك) (3)
*ولا يجوز خطبة:
أ- المحرمة على الخاطب شرعا سواء كان تحريما مؤبدا أو مؤقتا فلا يجوز له أن يخطب أمه أو بنته أو عمته أو خالته لأنهن محرمات تأبيدا. ولا يجوز له أن يخطب زوجة للغير ولا مشركة ولا معتدة ما دام سبب التحريم باقيا، فإذا زال جاز فلو أسلمت المشركة أو اعتنقت دينا سماويا أو طلق الغير امرأته وانقضت عدتها فإنه يجوز خطبتها. وإنما منعت خطبة المحرمة لأن الزواج بالمحرمة حرام، والخطبة وسيلة إلى الزواج، والوسيلة إلى الحرام حرام.
ب- المعتدة من طلاق أو فرقة، فإذا كانت معتدة من طلاق رجعي لا تجوز خطبتها لا بطريق التصريح ولا بطريق التعريض لأنها في حكم زوجة الغير. فكما لا تجوز خطبة زوجة الغير لا تجوز خطبة المعتدة من طلاق رجعي. لأنه لا يجوز للمرأة أن تكون في عصمة رجلين ولأن في ذلك اعتداء على حق زوجها وإيذاء له.
__________
(1) تراجع المسأله في : الشرح اللبيب جمع حاشية الدسوقي ، 2/217 ، الجناوني كتاب النكاح : 44-46 ، مختصر الطحاوي : 178 ، المحلي لأبن حزم :10/22. (1/13)
صفحة 14
أما المعتدة من طلاق بائن بينونة كبرى أو صغرى فلا يجوز خطبتها تصريحا اتفاقا إلا من المطلق، أما الخطبة تعريضا فمنعها الحنفية. وأجازها جمهور الفقهاء لأن الخطبة بطريق التعريض لا تركن إليها المرأة كما في الخطبة الصريحة لوجود الاحتمال وهذا الاحتمال يضعف المحظور الذي من أجله حرمت الخطبة الصريحة.
فإن كانت معتدة من وفاة :فلا يجوز التصريح بالخطبة لأنه يولد عداوة بين الخاطب وأهل الزوج المتوفي ويثير حقدهم، وأيضا في المنع مراعاة حالة المتوفى عنها زوجها من الحزن والحداد على وفاة زوجها ،أما التعريض بالخطبة فجائز مع عدم جواز تزوجها في الحال اتفاقاً بدليل قوله تعالى ( ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم ) "سورة البقرة الآية 235" ، والمراد بالنساء في الآية المعتدات من وفاة لأن الآية السابقة في شأنهن ، وفي دلالة الآية على رفع الجناح والإثم في التعريض بخطبة معتدات الوفاة دلالة على عدم جواز خطبتهن بطريق التصريح.
والحكمة في جواز خطبة المعتدة من وفاة تعريضاً هي أن الزوجيه التي كانت بينها وبين زوجها قد إنقطعت بوفاة زوجها فلا عودة للزوجية مرة أخرى (1) وهو مذهب الأباضية: لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه وأن يساوم على سوم أخيه حتى يزوجوه أو يردوه. وإذا خطب الرجل امرأة فلا يتزوج أمها بعد ذلك ولا جدتها من قبل أمها فإن فعل فليس بمحرم وأما ابنة ابنها أو ابنة ابنتها فجائز له أن يتزوجهن أو يتسراهن.
__________
(1) أنظر : بدران أبو العنين ، الزواج والطلاق في الإسلام ، ص 25-27 ، 1985، وهبه الزجلي ، الفقة الإسلامي في أدلته ، ص7-11 ، ص15-17 ، منهج السنة في الزواج ، محمد الأحمدي أبو النور ، دار السلام للطباعة والنشر ، ص359-360 ، 1996م ، (1/14)
صفحة 15
وإذا خطب الرجل امرأة فلا يتزوجها ابنه بعد ذلك ولا يتسراها وكذلك ابن ابنه فإن فعل فليس بمحرم وجائز لأبيه أن يتزوجها أو يتسراها إذا كانت أمة وكذلك جده أبو أمه أو جده أبو أبيه وكذلك إن تزوج الابن على الأب بغير أمره فأنكر الأب النكاح فلا يستحب للابن أن يتزوجها بعد ذلك وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:(إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه) وقيل أيضا: ( دينه وأمانته إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير). (1)
وأيضا قد روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى أن تسأل المرأة طلاق أختها وذلك إذا خطب الرجل المرأة ليزوجها فتقول له:لا أتزوجك حتى تطلق امرأتك- لامرأة كانت عنده – وإذا خطب الرجل امرأة في عدتها فلا يتزوجها أبدا. وقد حرمت عليه أبدا ومنهم من يقول: إذا تركها حتى انقضت عدتها فتزوجها زوج غيره ثم طلقها أو مات عنها فله أن يتزوجها أو يتسراها إذا كانت أمة ومنهم من يقول تجري في عدتها مرتين ، تتم تلك العدة التي خطبت فيها ثم تعتد عدة أخرى فليتزوجها إن شاء ومنهم من يقول: إذا تركها حتى انقضت عدتها التي خطبها فيها فليتزوجها إن شاء وإن لم تعتد عدة أخرى ويتوب إلى الله تعالى من صنيعه ذلك ويستغفره وسواء في تلك العدة إذا طلقها الأول أو مات عنها أو خرجت عنه بالتحريم . (2)
مادة (3) :
أ - لكل من الخاطبين العدول عن الخطبة.
ب-يرد من عدل عن الخطبة دون مقتض الهدايا بعينها إن كانت قائمة وإلا فمثلها أو قيمتها يوم القبض ما لم يقض العرف بغير ذلك أو كانت مما تستهلك بطبيعتها.
ج- إذا انتهت الخطبة بالوفاق أو بسبب لا يد لأحد الطرفين فيه أو بعارض حال دون الزواج فلا يسترد شيء من الهدايا.
__________
(1) الحديث : الترمذي ، النكاح 1004 إبن ماجه ، النكاح 1957م.
(2) الإمام محمد أبو زهرة ، الأحوال الشخصية ، 1950 ، ص 28 – 32 الإمام زكريا يحيى بن الخير الجناوي ، كتاب النكاح ، ص 44-46. (1/15)
صفحة 16
يقرر الفقهاء أن الخطبة ليست زواجا بل هي وعد به لذا فإن الخاطبين بالخيار في عدولهما أو عدول أحدهما عن الخطبة، معللين ذلك بأنه لم يحصل عقد بين الزوجين ويبقى الجانب الأخلاقي الذي أكدت عليه الشريعة الإسلامية الذي يقتضي أن يفي الخاطب بوعده ولا يتراجع عنه إلا لضرورة. كما أن مراعاة حرمة البيوت وكرامتها تقتضي أن لا يعدل عن خطبته ألا لسبب معقول يتسم بالموضوعية. (1) وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بالوفاء بالعهد ( وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا (2)
وقد رغب النبي - صلى الله عليه وسلم - في أمور كان من بينها الوفاء بالوعد بقوله:( اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: أصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم وأدوا إذا ائتمنتم وأحفظوا فروجكم وغضوا أبصاركم وكفوا أيديكم) (3)
وإنتهاء الخطبة يكون بطريقين :
أحدهما: عدول الخاطب عن الخطبة من غير سبب أو بسبب من المخطوبة.
ثانيهما: انتهاؤها بالوفاة أو بسبب لا يد للخاطب ولا للمخطوبة فيه حال دون استمرارها أو دون تحقيق الزواج.
أما في الحالة الأولى: فإن الفقهاء اختلفوا في استرداد ما قدمه الخاطب لخطيبته من أموال"هدايا" على النحو الآتي:
أ فالحنفية يرون أن ما يقدمه الخاطب من قبيل الهدية ، والهدية يجوز أن يرجع فيها الواهب ما لم يوجد مانع كأن هلكت أو استهلكت ، فإنه في هذه الحال لا يرد شيئا فلو ضاع الخاتم أو أكل الطعام أو صنع القماش ثوبا فلا يحق للخاطب أن يسترد شيئا من ذلك أو بدلا منه ويبدو أن المادة (3) أخذت بهذا الرأي إلا أنها تركت للعرف مجالا لتحديد الواجب رده.
__________
(1) وهبة الزحيلي . الفقه الاسلامي وأدلته : 7/25
(2) الإسراء 34
(3) مسند احمد ، كتاب باقي مسند الأنصار ، حديث رقم 21695 (1/16)
صفحة 17
ب أما الشافعية والحنابلة: فإنهم يتفقون مع الحنفية في أن ما يقدمه الخاطب هو من قبيل الهبة لكنهم يرون الرجوع في الهبة أمرا محرما إلا ما يهبه الوالد لولده ، وبناء على هذا فإنهم لا يجوزون رجوع الخاطب في شيء مما أهداه لخطيبته سواء كان موجودا أو هالكا.
وقد استندوا في عدم الرجوع في الهبة إلى
أما المالكية فإن لهم تفصيلا في المسألة: فإن كان العدول من جهة الخاطب فإنه لا يرجع شيء حتى ولو كان موجودا. أما إذا كان العدول من قبل المخطوبة فإن للخاطب أن يسترد ما قدم لها من هدايا لا فرق في ذلك ما كان موجودا أو هالكا فالموجود يرد بعينه والهالك يسترد بقيمته.
أما في الحالة الثانية: وهي ما إذا انتهت الخطبة بالوفاة أو بسبب لا يد للخاطب ولا المخطوبة فيه حال دون استمرار الخطبة أو دون تحقيق الزواج فإن موقف فقهاء الحنفية في أن للخاطب الرجوع في هبته، وأن موقف الشافعية ليس له ذلك بناء على أصلهم في عدم جواز الرجوع في الهبة. أما الأباضية فإن لهم رأيين في المسألة فمنهم من يقول يترادان جميع ذلك ومنهم من يقول لا يترادان شيئا من ذلك (1)
والمادة أخذت بالرأي الثاني وهو عدم استرداد شيء من الهدايا المقدمة من الخاطب في مثل هذه الأحوال.
الباب الثاني
أحكام عامة
مادة (4) : الزواج عقد شرعي بين رجل وامرأة غايته الإحصان وإنشاء أسرة مستقرة برعاية الزوج على أسس تكفل لها تحمل أعبائها بمودة ورحمة.
الزواج في اللغة: اقتران الشيء بشيء آخر وبمعنى الاختلاط وأيضا هو اقتران الزوج بالزوجة أو الذكر بالأنثى وكل شيئين اقترن أحدهما بالآخر فهما زوجان (2) . ويدل على ذلك قوله تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة }. (3) صدق الله العظيم
__________
(1) شرح النيل : الجناوني : 54 ، وهبة الزحيلي : 57
(2) المعجم الوجيز ص295
(3) الروم آية 21 (1/17)
صفحة 18
تعريف الزواج شرعا: هو عقد يتضمن إباحة الاستمتاع بالمرأة وعرفه الحنفية بقولهم: عقد يفيد ملك المتعة قصدا أي حل استمتاع الرجل من امرأة لم يمنع من نكاحها مانع شرعي بالقصد المباشر.
الحكم الشرعي للزواج: الزواج مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: (فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) (1) وقوله تعالى:( وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم) (2)
أما السنة: فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :(يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء). (3) وقد أجمعت الآية على مشروعية الزواج دون منازع في هذا.
حكم مشروعيته: إعفاف المرء نفسه وزوجه عن الوقوع في الحرام وحفظ النوع الإنساني من الزوال والانقراض بالإنجاب والتوالد، وبقاء النسل وحفظ النسب وإقامة الأسرة التي بها يتم تنظيم المجتمع، وإيجاد التعاون بين الجماعات وتقوية روابط الأسر وبه يتم الاستعانة على المصالح. (4)
فالإسلام شرع الزواج ووضع له نظاما محكما يقوم على أقوى المبادئ وأضمنها لصيانة المجتمع وسعادة الأسرة وانتشار الفضيلة وحفظ الأخلاق وبقاء النوع الإنساني.
الترغيب في الزواج: لقد رغب الإسلام في الزواج وحض عليه لما فيه من المصالح والفوائد التي تعود على الفرد والمجتمع. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة) (5)
حكمة الزواج:
__________
(1) النساء آية 3
(2) النور آية 32
(3) مسلم ، النكاح 2485 ، الترمذي ، النكاح 1001 ، النسائي النكاح 3156 ، أبو داود النكاح 1750 ، إبن ماجه ، النكاح 1835
(5) صحيح مسلم ، الرضاع 2668 ، إبن ماجه النكاح 1845 ، مسند أحمد كتاب مسند المكترين من الصماية 6279 (1/18)
صفحة 19
إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اعتبر الزواج سنة الإسلام فقال:(وإن من سنتنا النكاح) ، فإن الإسلام حث على الزواج ودعا الشباب إليه فقد جاء في صحاح السنة عن ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) (1) . وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:( الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة) (2) وعن أنس أن نفرا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال بعضهم لا أتزوج وقال بعضهم أصلي ولا أنام وقال بعضهم أصوم ولا أفطر فبلغ ذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال: ( ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) (3)
وقال المذهب الأباضي عن الزواج: النكاح جائز مرغب فيه والدليل على اباحته من كتاب الله عز وجل ومن سنة نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - . قال الله عز وجل:{فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} (4) فقد أحل النكاح بواحدة واثنتين وثلاثة وأربعة ولا يحل ما فوق ذلك أن يجمع.
مادة (5) :
أ. الأزواج عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا.
ب. إذا أقترن العقد بشرط ينافي غايته أو مقصده فالشرط باطل والعقد صحيح.
ج. لا يعتد بأي شرط إلا إذا نص عليه صراحة في عقد الزواج.
د. للمتضرر من الزوجين عند الإخلال بالشرط حق طلب التطليق.
مذاهب الفقهاء في الشروط المشترطة عند عقد النكاح:
__________
(1) سبق تخرجه.
(2) سبق تخرجه.
(3) البخاري ، النكاح 4675 ، النسائي النكاح 3165 ، أحمد ( باقي مسند المكتبة ) 13045
(4) النساء آية رقم (3). (1/19)
صفحة 20
الشروط في الزواج: هي ما يشترطه أحد الزوجين على الآخر مما له فيه غرض ويراد بها الشروط المقترنة بالإيجاب والقبول أي أن الإيجاب أو القبول يحصل ولكن يصاحبه شرط والشروط بين الزوجين أو بين أحدهما للفقهاء تفصيلات فيها. نذكر رأي كل مذهب فيها على حدة. وهذا بخلاف حالة الإيجاب المعلق على شرط. فإن الإيجاب لا وجود له قبل وجود الشرط.
1- مذهب الحنفية:
أ- إن كان الشرط صحيحا يلائم مقتضى العقد ولا يتنافى مع أحكام الشرع وجب الوفاء به كاشتراط المرأة أن يسكنها وحدها في منزل لا مع أهله أو مع ضرتها أو لا يسافر بها سفرا بعيدا إلا بإذن أهلها. أو تزوجها على مهر مسمى وشرط لها شيئا آخر بأن تزوجها بألف على ألا يخرجها من بلدها أو على ألا يتزوج عليها فإن وفى بالشرط فلها المهر المسمى.
ب-وإن كان الشرط فاسدا أي لا يلائم مقتضى العقد أو لا تجيزه أحكام الشرع فالعقد صحيح ويبطل الشرط وحده مثل اشتراط الخيار لأحد الزوجين أو لكل منهما أن يعدل عن الزواج في مدة معينة. (1)
2- مذهب المالكية: الشروط التي تقترن بعقد الزواج نوعان: شروط صحيحة وشروط فاسدة.
أ الشروط الصحيحة مكروهة وغير مكروهة.
غير المكروهة: هي التي تتفق مع مقتضى العقد كالإنفاق على المرأة أو حسن معاشرتها أو أن تطيع الرجل أو ألا تخرج من البيت ألا بإذنه.
المكروهة: هي التي لا تتعلق بالعقد أو لا تنافي المقصود من العقد وإنما فيها تضييق على الرجل مثل شرط عدم إخراجها من بلدها أو عدم السفر بها أو عدم نقلها من مكان كذا وشرط عدم التزوج عليها.
__________
(1) أنظر : الدار المختار :2/405 ، تبين الحقائق 2/248 ، فتح القدير 3/107 (1/20)
صفحة 21
ب الشروط الفاسدة: فهي التي تنافي أو تناقض مقتضى العقد أو المقصود من الزواج مثل شرط ألا يقسم بينها وبين ضرتها في المبيت أو أن يؤثر عليها ضرتها أسبوعا أو أقل أو أكثر تستقل بها عنها (1) وإلى مثل هذا التقسيم ذهب الشافعية. (2) إذ ذكروا أن الشروط إما صحيحة وإما فاسدة. فالصحيحة كشرط النفقة والقسم بين الزوجات أو أن لا تأكل كذا فهذه لاغية لأنها لا تأثير لها وأما الفاسدة كشرط أن لا يتزوج عليها أو لا نفقة لها، فإن العقد صحيح والشرط فاسد لقوله - صلى الله عليه وسلم - (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل). (3)
وفي المذهب الأباضي: أنه إذا تزوج الرجل امرأة واشترط عليها في عقد الزواج ألا نفقة عليه ولا كسوة ولا سكنى فهو شرط فاسد لا يجوز وكذلك إن اشترط عليها أن تكون نفقته وكسوته وسكناه عليها فهو شرط فاسد لا يجوز وكذلك إن اشترطت عليه ألا يملك شيئا من طلاقها وألا يمسها فهو شرط فاسد لا يجوز. وإذا تزوج الرجل امرأة واشترطت عليه في عقد النكاح ألا ينقلها من بلدها ولا يرحلها منه فهو جائز ولها شرطها ولا يدرك عليها الخروج من بلدها إلا برضاها.
وإن تزوجها على ذلك ثم نقلها من بلدها بأمرها أو بغير أمرها ثم رجعت إلى بلدها ثم طلبها مرة أخرى إلى النقل من بلدها فأبت فلها ذلك وليس في ارتحالها من بلدها في المرة الأولى ما يبطل عليها شرطها في عقد النكاح وإن تبرأت إليها من ذلك الشرط فقد خرج من يدها.
__________
(1) أنظر : القوانين الفقهية لإبن جوزي ص 218 – 220 ، الشرح الصغير 2 384 – 386 ، 595 ،
(2) أنظر مغني المحتاج 3/265 ، إبن قدامة – المغني 6/548 - 552
(3) صحيح مسلم ، العتق 2761 ، الترمذي ، البيوع 1177 ، أبو داود ، العتق 3428 ، إبن ماجه ، الدعاء 3825 مالك ، العتق والولاء 1275 (1/21)
صفحة 22
وإذا تزوج الرجل امرأة واشترطت عليه أن يكون طلاقها بيدها فهو جائز إذا كان معلقا إلى أمر معروف مثل التزويج عليها أو المكث عنها في السفر سنة فهو جائز، وأما إن اشترطت عليه ذلك في عقد النكاح ولم يكن معلقا إلى أمر معروف فمنهم من أجاز ذلك ومنهم من لا يجيزه. (1)
والحنابلة: يرون الشروط أنواع ثلاثة:
1- شروط صحيحة : وهي التي يقتضيها العقد أو لا يقتضيها ولكن فيها منفعة لأحد العاقدين ولم يرد في الشرع ما ينهى عنها وهذه يلزم الوفاء بها. مثل أن تشترط أن ينفق عليها أو يحسن معاشرتها أو أن لا يتزوج عليها أو لا يسافر بها .
2- شروط باطلة مع صحة العقد: مثل أن يشترط الرجل أن لا مهر للمرأة أو أن لا ينفق عليها أو أن تشترط المرأة لا يطأها الرجل. فهذه وأمثالها باطلة مع أن العقد صحيح.
3- شروط تبطل الزواج أصلا: مثل أن يشترط تأقيت الزواج أو أن يشترط في العقد الخيار في الزواج لهما أو لأحدهما فهذه شروط باطلة في نفسها مبطلة لعقد النكاح. (2)
مادة (6) :
يوثق الزواج رسميا. ويجوز اعتبارا لواقع معين، إثبات الزواج بالبينة أو بالتصادق.
ذهب بعض الفقهاء إلى أن الزواج يثبت بواحد من أمور ثلاثة:
1- البينة: ومعلوم أن البينة من أقوى الحجج، إذ أن الثابت بها لا يثبت على المدعى عليه وحده بل عليه وعلى من يتعدى الحكم إليه والبينة لها شروطها المقررة فقهيا من مثل العدالة وأن لا يكون الشاهد من أصول المشهود له أو فروعه إلى غير ذلك من شروط البينة المعروفة لدى الفقهاء.
2- الإقرار: والإقرار حجة قاصرة على المقر لا تتعداه إلى من يتعدى إليه الحكم بالبينة، بل لا بد من إثبات جديد.
__________
(1) أبو زكريا – كتاب النكاح : 136 - 138
(2) أنظر : المغني / 6 / 548 – 522 ، كشاف القناع : 5/98 (1/22)
صفحة 23
3- اليمين: يقول أبو حنيفة: إن اليمين لا توجه في دعاوى الزواج لأن المدعى عليه إن نكل كان نكوله بذلا والبذل لا يجري في الزواج وأشباهه لكن الصاحيين قالا: إن اليمين توجه في الزواج لأن النكول عندهما إقرار لا بذل. وبناء على ذلك فإنه لو تداعى شخصان رجل وامرأة بشأن وجود الزواج فإن السؤال يوجه للمرأة فإن هي أقرت قضي بالزواج وهذا ما يطلق عليه التصادق وإن أنكرت كان على الزوج إثباته بالبينة فإن عجز عن البينة فعلى رأي أبي حنيفة لا يوجه اليمين إليها. وعلى رأي الصاحيين توجه اليمين إليها فإن حلفت رفضت دعوى الزواج وإن نكلت قضي عليها بالزواج لأن النكول إقرار عندهما. (1)
هذا وإن الزواج إذا استكمل شروطه وأركانه كان صحيحا نافذا لازما شرعا بل وقانونا سواء كان الزوجان صغيرين أو بالغين أو كان أحدهما بالغا أو صغيرا وسواء كتب عقد الزواج في ورقة رسمية أو غير رسمية أو لم يكتب في ورقة أصلا حيث لم تشترط الشريعة الإسلامية ولا القانون في صحة عقد الزواج بلوغ الزوجين أو كتابة عقد الزواج في ورقة رسمية أو غير رسمية.
ولكن حين أقدم الناس على تزويج أولادهم قبل أن يبلغوا حد التهيؤ والاستعداد لتحمل أعباء المعيشة الزوجية وقبل أن يحسنوا القيام بمسئولياتها وواجباتها وقد لا يوجد بالنسبة لهؤلاء الأولاد من الضرورات ما يدعو إلى هذا التعجيل والمبادرة إلى تزويجهم في سن مبكرة، لهذا وضع المشرع بعض القيود القانونية لعقد الزواج رسميا، يترتب على عدم تحققها أثر قانوني لا دخل له في الحكم الشرعي إذ هذه الشروط القانونية ليست شروط صحة ولا نفاذ ولا لزوم وإنما هي قيود وضعها المشرع لأسباب اقتضت ذلك.
وقد قصد المشرع من وضع هذه القيود والشروط القانونية أن يحقق الأغراض الأساسية الثلاث ذات الأثر الكبير في الحياة الاجتماعية وهي:
__________
(1) شرح النيل : 6/417 ، الجناوني : 177 (1/23)
صفحة 24
1- حفظ حقوق الزوجين وحماية مصالحهما الناشئة عن الزواج بصيانة عقد الزواج الذي هو أساس رابطة الأسرة عن العبث والضياع بالجحود والإنكار إذا ما عقد اثنان بدون وثيقة رسمية ثم أنكره أحدهما وعجز الآخر عن الإثبات فلو كان عقد زواجهما بوثيقة رسمية لم يكن هناك مجال لإنكاره.
2- منع ذوي الأغراض السيئة من أن يرفعوا دعاوي الزوجية أمام القضاء زورا وبهتانا فقد أثبتت الحوادث الكثيرة السابقة على وضع هذه الشروط والقيود القانونية أن بعض من لا خلاق لهم كانوا يرفعون قضايا زوجية أمام المحاكم لا أساس لها من الصحة للكيد من المدعي عليه أو للتشهير به، أو لغير ذلك من الأغراض السيئة اعتمادا على سهولة إثبات الزوجية بشهادة الشهود.
3- رفع الأضرار الاجتماعية والصحية المترتبة على تزويج صغار السن إذ قلما يحسن الصغار القيام بما يتطلبه تكوين الأسرة والمعيشة الزوجية وتربية الأولاد حيث لا يوجد لهم في الأعم الأغلب من الحالات الاستعداد الكافي للقيام بالحقوق والواجبات الزوجية وتحمل أعبائها على الوجه المطلوب شرعا كما تنقصهم القدرة على العناية بالنسل والقيام بتربية الأولاد، ورعايتهم على الوجه الأكمل. (1)
مادة (7) : تكمل أهلية الزواج بالعقل وإتمام الثامنة عشرة من العمر.
*إن بعض القوانين قد قيدت حرية الأولياء عند توثيق عقد الزواج للصغار إذ أنه في سبيل تنفيذ أحكامه منع الموثقون من توثيق العقد إلا إذا ثبت لديهم أن سن الزوجة لا تقل عن ثماني عشرة سنة وسن الزوج لا يقل عن ثماني عشرة. (2)
__________
(1) بدران أبو العينين بدران / الزواج والطلاق في الاسلام – ص 79
(2) محمد أبو زهرة / الأحوال الشخصية – ص 123 (1/24)
صفحة 25
*وفي المذهب الظاهري: أن للأب أن يزوج ابنته الصغيرة البكر- ما لم تبلغ- بغير إذنها ولا خيار لها إذا بلغت فإن كانت ثيبا من زوج مات عنها أو طلقها لم يجز للأب ولا لغيره أن يزوجها حتى تبلغ ولا إذن لهما قبل أن تبلغ. وإذا بلغت البكر والثيب لم يجز للأب ولا لغيره أن يزوجها إلا بإذنها. فإن وقع فهو مفسوخ أبدا فأما الثيب فتنكح من شاءت وإن كره الأب. وأما البكر فلا يجوز لها نكاح إلا باجتماع إذنها وإذن أبيها. وأما الصغيرة التي لا أب لها فليس لأحد أن ينكحها لا من ضرورة ولا من غير ضرورة حتى تبلغ ولا لأحد أن ينكح مجنونة حتى تفيق وتأذن إلا الأب في التي لم تبلغ وهي مجنونة فقط. ولا يجوز للأب ولا لغيره انكاح الصغير الذكر حتى يبلغ فإن فعل فهو مفسوخ. (1)
*أما بالنسبة للولاية في الزواج: إن الزواج يشترط لنفاذه أن يكون المتولي له ولاية إصداره وأنه إذا تحققت هذه الولاية كان العقد صحيحا نافذا. إن المرأة البالغة العاقلة مهما كانت درجتها من الرشد فقد اختلف الفقهاء في ثبوت الولاية لها. ففي مذهب أبو حنيفة وأبو يوسف بجواز انفراد المرأة بزواجها فلها أن تنشئ العقد بعبارتها من غير إذن وليها.
*وقال أكثر الإمامية أن البالغة الرشيدة تملك ببلوغها ورشدها جميع التصرفات من العقود وغيرها حتى الزواج بكرا أكانت أو ثيبا فيصح لها أن تعقد لنفسها ولغيرها مباشرة وتوكيلا إيجابا وقبولا سواء كان لها أب أو جد أو غيرها من العصبات. (2)
وكذلك أخذ القانون السوري بما يخالف رأي الفقهاء في تحديد سن البلوغ. ففي الأحوال المدنية على أهلية الشخص الطبيعي وهي بلوغ سن الثامنة عشرة للذكر والأنثى على السواء ونص المادة هو:
__________
(1) عبدالغفار سليمان البنداري / المحلى بالآثار – دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، 9/ص38 ، ص 44
(2) بدران أبو العينين بدران/الزواج والطلاق في الاسلام ، ص 134-136 ، وهبة الزحيلي / الفقه الاسلامي وأدلته ص 179 - 180 (1/25)
صفحة 26
1- كل شخص بلغ سن الرشد متمتعا بقواه العقلية ولم يحجر عليه يكون كامل الأهلية لمباشرة حقوقه المدنية.
2- وسن الرشد: هي ثماني عشرة سنة ميلادية كاملة. أما في الأحوال الشخصية أو الزواج فقد نص قانون الأحوال الشخصية على أن أهلية الفتى ثمانية عشر عاما والفتاة سبعة عشر عاما.
لقد أجاز هذا القانون أيضا للقاضي: أن يأذن بزواج الفتى بعد إكماله سن الخامسة عشرة والفتاة بعد إكمالها سن الثالثة عشر إذا طلبا الزواج وادعيا البلوغ وتبين صدقهما في ادعاء البلوغ وهذا مراعاة لمصلحة الشباب في التبكير بالزواج صونا لهم عن الانحراف.
أما رأي فقهائنا في سن الزواج: فإنهم اتفقوا على عدم انعقاد زواج الصغير غير المميز أما الصبي المميز فينعقد زواجه موقوفا عند الحنفية على إجازة وليه. ويبطل زواجه كسائر عقوده عند الجمهور وإنما يزوجه وليه فإذا بلغ خمسة عشر عاما تزوج بنفسه وعند أبي حنيفة إذا بلغ سن الثامنة عشر.
مادة (8) :
أ لا ينعقد زواج المجنون أو المعتوه إلا من وليه بعد صدور إذن من القاضي بذلك.
ب لا يأذن القاضي بزواج المجنون أو المعتوه إلا بعد توفر الشروط التالية:
1- قبول الطرف الآخر التزوج منه بعد اطلاعه على حالته.
2- كون مرضه لا ينتقل منه إلى نسله.
3- كون زواجه فيه مصلحة له.
ويتم التثبت من الشرطين الأخيرين بتقدير لجنة من ذوي الاختصاص.
*يجوز للولي أبا أو غيره أن يزوج المجنون أو المجنونة أو المعتوه أو المعتوهة صغيرا كان أم كبيرا، بكرا أم ثيبا وذلك عند الحنفية.
*وفي المذهب المالكي: للأب تزويج المجنون أو المجنونة ونحوهما في حال الصغر أو الكبر لعدم التمييز ولا كلام لولدهما معه إن كان لهما ولد رشيد إلا من يفيق أو تفيق من جنونها أحيانا. فتنتظر إفاقتها لتستأذن ولا تجبر وذلك إذا لم يلزم على تزويج المجنونة ضرر عادة كتزويجها من خصي أو ذي عاهة كجنون وبرص وجذام مما يرد الزوج به شرعا. (1/26)
صفحة 27
*ورأى الشافعية: أنه لا يزوج مجنون صغير أو كبير إلا لحاجة للزواج ويزوجه امرأة واحدة فقط الأب ثم الجد ثم السلطان دون سائر العصبات كولاية المال ويزوج الأب أو الجد لوفور شفقتهما المجنونة الصغيرة أو الكبيرة إن ظهرت مصلحة في تزويجها ولا تشترط الحاجة قطعا فإن لم يكن أب أو جد لم تزوج في صغرها فإن بلغت زوجها السلطان في الأصح للحاجة للزواج لا لمصلحة في الأصح كتوفر المؤن.
*وقال الحنابلة: لسائر الأولياء تزويج المجنونة إذا ظهر منها الميل إلى الرجال لأن لها حاجة إلى الزواج لدفع ضرر الشهوة عنها وصيانتها عن الفجور ويعرف ميلها إلى الرجال من كلامها وتتبعها الرجال وميلها إليهم وإن كانت علتها تزول بتزويجها فإن لم يكن لها ولي إلا الحاكم زوجها. وإن احتاج المجنون البالغ أو الصغير العاقل إلى الزواج أو لغيره كالخدمة زوجها الحاكم عند عدم وجود الأب والوصي. وليس لغير الأب ووصيه والحاكم التزويج ولا يجوز التزويج إن لم يحتج المجنون والصغير إليه لأنه إضرار بهما بلا منفعة . (1)
*وفي المذهب الأباضي: إذا عقد على الطفل وليه أو زوج الطفلة وليها فهو جائز. ومنهم من يقول بألا يعقد النكاح على الأطفال إلا الأبوان. وكذلك المجنونة إذا زوجها وليها أو خليفتها إن لم يكن لها ولي فهو جائز وإن كان لها ولي وخليفة فليجمعها أمرها على ذلك وسواء جنونها كان في الطفولة أو حدث إليهما بعد بلوغهما. (2)
مادة (9) :
__________
(1) البدائع : 12/241 ، الشرح الصغير : 2/355 ، مفتي المحتاج ، 3/168 وما بعدها . كشاف القناع : 5/46 وما بعدها.
(2) الإمام أبي زكريا يحيى بن الخير إبن أبي الخير الجناوني / كتاب النكاح – ص 158 – 159 ، أنظر محمد بن يوسف أطفيش / شرح كتاب النيل ودواء العليل – ج6-ص365-366. (1/27)
صفحة 28
لا يأذن القاضي بزواج المحجور عليه لسفه إلا بموافقة وليه وبعد التأكد من ملائمة الصداق لحالته المادية فإذا امتنع الولي طلب القاضي موافقته خلال مدة يحددها له فإن لم يعترض أو كان اعتراضه غير جدير بالاعتبار زوجه القاضي.
معنى كلمة "حَجَر" في اللغة: حجر عليه منعه شرعا من التصرف في ماله . (1)
*الحجر: معناه شرعا منع التصرف القولي أي أن العقود لا تنشأ نافذة تترتب عليها أحكامها التي رتبها الشارع( ) . وسبب الحجر ضعف في تقدير المحجور عليه إما لسفه أو صبا أو عته أو جنون وإما لحق غير بسبب استغراق الديون لأمواله. وعلى هذا المحجور عليهم هم: 1- الصغير. 2- المجنون والمعتوه. 3- السفيه ذو الغفلة. 4- المدين. فهؤلاء هم الذين يحجر عليهم وبعضهم لا خلاف بين الفقهاء في الحجر عليه وبعضهم فيه الخلاف.
والمادة تتحدث عن المحجور عليه لسفه: إذ قررت عدم إعطاء الإذن من القاضي بزواج المحجور عليه لسفه إلا بموافقة وليه، واشترطت لهذا الإذن التأكد من أن يكون الصداق ملائما لحالته المادية.
وفي حالة امتناع الولي من تزويج السفيه يطلب القاضي موافقته خلال مدة يحددها القاضي، فإن اعترض اعتراضا جديرا بالقبول أخذ به القاضي ويستمر منع المحجور عليه من الزواج، أما إن لم يعترض أو اعترض وكان الاعتراض غير جدير بالاعتبار فإن للقاضي تزويج ذلك السفيه والإذن له بذلك.
مادة(10) :
أ. إذا طلب من أكمل الثامنة عشرة من عمره الزواج وامتنع وليه عن تزويجه له رفع الأمر إلى القاضي.
ب. يحدد القاضي مدة لحضور الولي يبين خلالها أقواله فإن لم يحضر أصلا أو كان اعتراضه غير سائغ زوجه القاضي.
ج. مع مراعاة أحكام الفقرة (ب) من هذه المادة لا يزوج من لم يكمل الثامنة عشرة من عمر ه إلا بإذن القاضي وبعد التحقق من المصلحة.
__________
(1) مجمع اللغة العربية ، المعجم الوجيز ، ص135 (1/28)
صفحة 29
*قد تكون للقاضي ولاية التزويج مع وجود الولي الخاص ويكون ذلك إذا امتنع الولي الأقرب من تزويج من في ولايته بدون سبب مقبول لأن الولي في هذه الحالة يعد عاضلا أي ظالما وولاية رفع المظالم للقاضي. (1) وقد قرر فقهاء الأباضية أنه إذا دعت المرأة عند الحاكم إلى وليها أنه قد منعها من النكاح وقد كان من يبغي نكاحها حاضرا فإنه يجبر على نكاحها بالضرب حتى يزوجها. وإذا تزوجت المرأة بغير إذن وليها ثم أجاز الولي النكاح بعدما مسها الزوج أو قبل أن يمسها فهو جائز. وإذا امتنع الولي من انكاح وليته فإنه يؤخذ على انكاحها فإن لم يمكن ذلك فلحاكم المسلمين أو لجماعتهم أن يزوجوها بغير أمره إذا تبين منه الضرر الفاحش وامتنع من انكاحها وأما إذا امتنع من انكاحها بنظر منه لها لصلاحها ورغبة منه في منفعتها فلا يفعلوا شيئا من ذلك وإذا كان الولي غائبا ولم يكن لها ولي هو حاضر دونه فليستخلف من يزوجها أو يستخلفه ثلاثة نفر من جماعة المسلمين أو حاكمهم فيزوجها وكذلك إن لم يكن لها ولي هو غائب ولا حاضر وأما إن كان الولي بالقرب منهم فحتى يحضر لنكاحها. (2) الجناوني : 68 - 6922 &%$
مادة (11) :
أ الولي في الزواج هو العاصب بنفسه على ترتيب الإرث فإذا استوى وليان في القرب فأيهما تولى الزواج بشروطه جاز ويتعين من أذنت له المخطوبة.
إن الولاية حق شرعي ينفذ بمقتضاه الأمر على الغير جبرا عنه وهي ولاية عامة وولاية خاصة. والولاية الخاصة: ولاية على النفس وولاية على المال ، والولاية على النفس هي الولاية على النفس في الزواج وفي الأمور الشخصية.
*الولاية على النفس: هي الإشراف على شئون القاصر الشخصية كالتزويج والتعليم والتطبيب والتشغيل وهي تثبت للأب والجد وسائر الأولياء.
__________
(1) بدران أبو العينين بدران/ الزواج والطلاق في الإسلام-ص 148. (1/29)
صفحة 30
*الولاية على المال: هي تدبير شئون القاصر المالية من استثمار وتصرف وحفظ وإنفاق. وتثبت للأب والجد ووصيهما ووصي القاضي . (1)
* فإذا كان للقاصر ولي عاصب واحد انفرد هو بالولاية وإن تعدد الأولياء قدم الفروع على الأصول. ثم الأصول على الأخوة وأولادهم وهؤلاء على الأعمام وأولادهم فإن اتحدت الجهة قدم أقربهم درجة فيقدم الأب على الجد والابن على ابن الابن والأخ ولو كان لأب على ابن الأخ ولو كان الأخ شقيقا لأنه أقرب درجة فإن اتحدت الجهة والدرجة قدم أقواهم قرابة، والأقوى قرابة هو من تكون قرابته لأب وأم فيقدم الأخ الشقيق على الأخ لأب ويقدم العم الشقيق على العم لأب وهكذا وإن اتحدت الجهة والدرجة وقوة القرابة كان كلا هما وليا. وأيهما زوج صح زواجه فإن زوج كلاهما اعتبر زواج المتقدم فإن لم يعرف المتقدم أبطل زواجهما لعدم ترجيح أحدهما على الآخر. (2)
وهذا الترتيب في الميراث قد حصل خلاف فيه وفي بعض الأحكام وهي:
1- جرى خلاف في تقديم ابن المعتوهة على أبيها في زواجها فقد قال بعضهم إن الابن وفروعه يقدمون على الأب والجد لأن ذلك هو ترتيب العصبات في التوريث وهو مبني على مقدار قوة العصوبة في كل جهة من هذه الجهات وكل درجة من درجاتها وعلى ذلك تكون قوة التعصيب في الابن أكثر من الأب والتعصيب سبب الولاية. فيكون الابن أسبق.
وروي عن أبي يوسف أنه قال: أيهما زوج فزواجه صحيح أي أنه اعتبرهما في درجة واحدة. لأن كل واحد منهما قام به سبب من أسباب الترجيح فالأب أوفر شفقة وهو ولي المال والابن أسبق في الميراث الذي هو أمارة قوة التعصيب فتعادلا فكانا في درجة واحدة وإذا اجتمعا قدم الأب. (3)
__________
(1) بدائع الصنائع : 2/241-247 ـ الدر المختار : 2/406 وما بعدها .
(2) البدائع : 2/240 وما بعدها ، فتح القدير 20/405 ، الدر المختار 2/429 - 431
(3) المصادر السابقة. (1/30)
صفحة 31
2- إذا كان هناك وليان في درجة واحدة وقوة قرابة وجهة واحدة فإنهما يكونان وليين. وأيهما زوج فزواجه صحيح. والزواج للسابق منهما أي أن الولاية تثبت كاملة لكل واحد منهما وقد قال بعض العلماء إن الولاية تثبت لهما مجتمعين أي أنه لا يحل لواحد منهما أن يزوج وحده بل لا بد من اجتماع رأيهما لأن مصلحة القاصر في أن يجتمع رأيهما ولأن الولاية لأجل المصلحة وعند اختلا فهما لا تتأكد هذه المصلحة.
وحجة الرأي الراجح في المذهب الحنفي هو أن الولاية لا تقبل التجزئة لأن سببها القرابة وهي لا تقبل التجزئة فإذا أثبتت ثبتت كاملة وإن ثبتت كاملة يكون لكل واحد منهما حق الانفراد.
3- ومن المقرر أن الأقوى قرابة مقدم على من دونه فالأخ الشقيق مقدم على الأخ لأب وهذا رأي أبي حنيفة والصاحبين ولقد قال رفر: إن الأخ لأب في ولاية الزواج كالأخ الشقيق تماما لأنهما قائمان مقام الأب وصلة الأخ الشقيق والأخ لأب فالأب واحد لا رجحان لأحدهما على الآخر في النسبة إليه ولأن أساس الولاية في الزواج القرابة الأبوية فلا عبرة فيها بقرابة الأم فتعتبر هنا في حكم اللغو فلا تفيد قوة ولا ترجيحا.
وحجة الإمام والصاحبين أن الولاية للعصبات وهي في ترتيبها كالميراث والأخ الشقيق مقدم على الأخ لأب في الميراث فيقدم هنا والأم ليست ملغاة في تقوية القرابة الموروثة فكذلك هنا لا يلغى اعتبارها مرجحة.
4- من البيان السابق في الترتيب يتبين أن الجد الصحيح ( وهو أبو الأب وإن علا إذا لم تتوسط أنثى) مقدم على الأخوة الأشقاء أو الأب وظاهر عبارات الفقهاء أن ذلك بالاتفاق ولكن ذكر أبو الحسن الكرخي أن تقدمه على الأخوة هو رأي أبي حنيفة، أما الصاحبان فرأيهما أنه معهم على سواء فهو يشارك في الولاية الأشقاء أو الأخوة لأب وذلك لأن أبا حنيفة يقدمه عليهم في الميراث فيحجبهم والصاحبان يجعلانه معهم عصبة والترتيب في ولاية الزواج يسير مع الميراث تماما. (1)
__________
(1) المصدر السابق (1/31)
صفحة 32
*وعند المذهب المالكي: أن الولاية معتبرة بالتعصيب إلا الابن فمن كان أقرب عصبة كان أحق بالولاية والأبناء عنده أولى وإن سلفوا ثم الأباء ثم الأخوة للأب والأم ثم للأب ثم بنو الأخوة للأب والأم ثم للأب فقط ثم الأجداد للأب وإن علو. (1)
*وعند المذهب الشافعي: " وأقرب العصبة الابن ثم ابنه ثم الأب ثم أبوه ثم الجد ثم الأخ للأب والأم ثم الأخ للأب ثم ابن الأخ للأب والأم ثم ابن الأخ للأب ثم العم على هذا الترتيب ثم ابنه ثم إذا عدمت العصبات فالمولى المعتق" .
إن أولى العصبات الابن فإن البداية بالأولاد لأن العرب تبدأ بأولادهم ولأن الله تعالى اسقط به تعصيب الأب لقوله تعالى:{ ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد} (2) وإذ اسقط به تعصيب الأب فغيره أولى لأنه إما مدل بالابن أو بالأب ثم إن الابن بعد الابن وإن سفل كالابن في سائر الأحكام ثم الأب لأنه يعصبه وله الولاية عليه بنفسه ومن عداه يدلى به فقدم لقربه ثم الجد أبو الأب وهو الأخ من الأبوين ثم الأخ من الأب يقدم على ابن الأخ من الأبوين ثم يقدم بنو الأخوة من الأبوين ثم من الأب على الأعمام وإن تباعدوا لأن القريب من نوع مقدم على نوع متأخر عنه وإن كان أقرب منه. (3)
__________
(1) أبي الوليد محمد بن محمد ابن رشد ، بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، ص 22-23
(2) سورة النساء ، آية 11
(3) تقي الدين أبي بكر بن محمد الحسيني الدمشقي الشافعي ، كفاية الأخبار في غاية الاختصار ، ج2 ، ص 20-21 (1/32)
صفحة 33
*وفي المذهب الأباضي: في هذا المذهب يقول أن أولى الأولياء بالنكاح الأب ثم الجد ثم الأخ ثم ابن الأخ ثم العم ثم ابن العم واختلفوا في الولد والأخ فأكثر القول بأن الأخ أولى بالنكاح من الولد وكذلك في القتل وأما الدية فهي للولد دون الأخ ومنهم من يقول بأن الولد أولى بالنكاح من الأخ وكذلك القتل وأما ابن الأخ والعم وابن العم فالولد أحق بالنكاح منهم وكذلك القتل والأخ من الأبوين أحق بالنكاح من الأخ للأب وكذلك القتل وأما الأخ من الأم فليس له شيء من أمر النكاح ولا القتل وكذلك من يؤخذ عنها عند الحاكم من الأولياء فالأب أولاهم ثم الجد ثم الأخ ثم ابن الأخ ثم العم ثم ابن العم ثم الابن. وإذا كان للمرأة وليان أو ثلاثة أو أكثر من ذلك في منزلة واحدة مثل الأخوة أو بني الأخوة أو الأعمام أو الأولاد فأيهم عقد نكاحها فهو جائز بغير أمر سائرهم إذا كانوا في القرب منها سواء . (1)
ب يشترط في الولي أن يكون ذكرا، عاقلا، بالغا، غير محرم بحج أو عمرة، مسلما إذا كانت الولاية على مسلم.
إن الزواج عقد خطير دائم ذو مقاصد متعددة من تكوين أسرة وتحقيق واستقرار غيرها والرجل بما لديه من خبرة واسعة في شئون الحياة أقدر على مراعاة هذه المقاصد. أما المرأة فخبرتها محدودة وتتأثر بظروف وقتية فمن المصلحة لها تفويض العقد لوليها دونها.
ولذلك لا بد من وجود شروط لهذا الولي ويكون متفق عليها الفقهاء وهذه الشروط هي:
1- كمال الأهلية: بالبلوغ والعقل والحرية سواء كان المولي عليه مسلما أو غير مسلم فلا ولاية لعبد ولا مجنون ولا صبي لأنه لا ولاية لواحد من هؤلاء على نفسه فأولى ألا تكون له ولاية على غيره.
__________
(1) الإمام أبي زكريا يحيى بن الخير ابن الجناوني ، كتاب النكاح ، ص 63. (1/33)
صفحة 34
2- اتفاق دين الولي والمولي عليه: فلا ولاية لغير المسلم على المسلم ولا للمسلم على غير المسلم أي لا يزوج عند الحنابلة والحنفية كافر مسلمة ولا عكسه وقال الشافعية وغيرهم: يزوج الكافر والكافرة سواء أكان زوج الكافرة كافرا أم مسلما. وقال المالكية: يزوج الكافرة الكتابية مسلم ولا ولاية للمرتد على أحد مسلم أو كافر لقوله تعالى: ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) (1) وقوله تعالى: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض). (2)
3- الذكورة: شرط عند الجمهور غير الحنفية فلا تثبت ولاية الزواج للأنثى لأن المرأة لا تثبت لها ولاية على نفسها فعلى غيرها أولى.
4- العدالة: وهي استقامة الدين بأداء الواجبات الدينية والامتناع عن الكبائر كالزنا والخمر وعقوق الوالدين ونحوها وعدم الإصرار على الصغائر وهي شرط عند الشافعية على المذهب وعند الحنابلة فلا ولاية لغير العدل وهو الفاسق.
5- الرشد: ومعناه هنا عند الحنابلة: معرفة الكفء ومصالح النكاح لا حفظ المال لأن رشد كل مقام بحسبه ومعناه عند الشافعية: هو عدم تبذير المال.
6- خلو الولي من الإحرام بحج أو عمرة فالمحرم بأحدهما لا يصح منه تولي عقد النكاح وعدم الإكراه : فلا يصح الزواج من مكره لكن هذا الشرط لا يختص بولي عقد النكاح بل هو عام في العقود الشرعية وبه تصبح شروط الولي سبعة: الذكورة والحرية والعقل والإسلام في المرأة المسلمة والخلو من الإحرام وعدم الإكراه والعدالة والرشد. وهذه الشروط يشترطها الجمهور. (3)
مادة (12) :
إذا غاب الولي الأقرب غيبة منقطعة أو جهل مكانه أو لم يتمكن من الاتصال به، أو عضل انتقلت الولاية لمن يليه بإذن من القاضي.
__________
(1) التوبة ، آية 71
(2) الأنفال ، آية 73
(3) يراجع في شرط الأهلية البدائع : 2/239 ، الشرح الصغير : 2/369 وما بعدها ، كشف القناع : 5/55 وما بعدها ، الدر المختار : 2/406 وما بعدها. (1/34)
صفحة 35
إذا كان الولي الأقرب المستوفي شروط الولاية موجودا فلا ولاية للبعيد معه فإذا كان الأب- مثلا- حاضرا لا يكون للأخ ولاية التزويج ولا للعم ولا لغيرهما. فإن باشر واحد منهما زواج الصغيرة ومن في حكمها بغير إذن الأب وتوكيله كان فضوليا وعقده موقوف على إجازة من له الولاية وهو الأب.
أما إذا غاب الأقرب بحيث لا ينتظر الخاطب الكفء استطلاع رأيه فإن الولاية تنتقل إلى من يليه حتى لا تفوت المصلحة وليس للغائب بعد عودته أن يعترض على ما باشره من يليه لأنه لغيبته اعتبر كالمعدوم وصارت حق من يليه.
أما إذا امتنع الولي الأقرب من تزويج من هو في ولايته " كأن يكون المولى عليه مجنونا وأثبت الطب أن في الزواج علاجه أو ثبت أن المصلحة له في زواجه" وكان امتناعه بغير سبب شرعي يبرره فإن الولاية في هذه الحال تنتقل إلى القاضي فيتولى تزويج من امتنع الولي الأقرب من تزويجه بطريقة النيابة عنه ولا تنتقل الولاية إلى من يليه من الأولياء الأقارب والدليل على ذلك أن الولاية للسلطان عند اختلاف الأولياء لقوله - صلى الله عليه وسلم - :( فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له) (1) ولا شك أن الامتناع عن التزويج من غير سبب مبرر لا يقل عن الاشتجار ولأن امتناع الولي ظلم وولاية رفع الظلم للقاضي فهو الذي يتولى الزواج بالنيابة عن الولي الممتنع. (2)
*عضل الولي:
__________
(1) سنن ابي داود ، النكاح 1784 ، ابن ماجه النكاح 1869 ، سنن الدارمي ، النكاح 2089
(2) فتح القدير : 2/415 وما بعده ، الشرح الكبير :2/229 وما بعدها ، كشف القناع : 5/75 ، القوانين الفقهية : ص 200. (1/35)
صفحة 36
اتفق العلماء على أنه ليس للولي أن يعضل موليته ويظلمها ويمنعها من الزواج وإذا أراد أن يزوجها كفء بمهر مثلها ، فإذا منعها في هذه الحال كان من حقها أن ترفع أمرها إلى القاضي ليزوجها ولا تنتقل الولاية في هذه الحالة إلى ولي آخر يلي هذا الولي الظالم بل تنتقل إلى القاضي مباشرة لأن العضل ظلم وولاية رفع الظلم إلى القاضي فأما إذا كان الامتناع بسبب عذر مقبول كأن يكون الزوج غير كفء أو المهر أقل من مهر المثل أو لوجود خاطب آخر أكفأ منه فإن الولاية في هذه الحال لا تنتقل عنه لأنه لا يعد عاضلا.
*رأي الفقهاء:
- في رأي المالكي: أنه إذا غاب الولي الأقرب انتقلت الولاية إلى الأبعد وقال الشافعي تنتقل إلى السلطان. وسبب اختلافهم: هل الغيبة في ذلك بمنزلة الموت أم لا؟ وذلك أنه لا خلاف عندهم في انتقالها في الموت . (1)
- أما رأي الشافعية: فهو إن غاب الولي الأقرب نسبا إلى مرحلتين أي مسافة القصر ولا وكيل له حاضر في البلد زوج السلطان أو نائبه أي سلطان بلدها لا سلطان غير بلدها ولا الأبعد على الأصح لأن الغائب ولي والتزويج حق له فإذا تعذر استيفاؤه منه ناب عنه الحاكم فإن غاب دون مسافة القصر لا يزوج إلا بإذنه في الأصح لقصر المسافة فيراجع فيحضر أو يوكل كما لو كان مقيما. (2)
__________
(1) مصدر سابق .
(2) أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد ابن ر شد/ بداية المجتهد ونهاية المقتصد- ج7-ص24، البدائع2/248، والشرح الكبير: 2/232، مفتى المحتاج: 3/153- وما بعدها.
تقي الدين أبي بكر بن محمد الحسيني الحصني الدمشقي الشافعي/ كفاية الأخيار في غاية الاختصار،ج2-ص22، المغني6/276وما بعدها، كشاف القناع: 5/50. (1/36)
صفحة 37
*وفي ر أي المذهب الأباضي: إن غاب واحتاجت إلى التزويج فإن كان في قرب نحو يوم أو يومين أرسلت إليه واستأمرته فينظر أصلح لها ولا يتركها إلى أن يأتي وإن طالت غيبته وتعد واحتاجت زوجها من دونه إن وجد وإلا فالجماعة أهلها إلا الأب فلا تزوج بنته إلا إن كان حيث لا تناله الحجة وقيل: هو كغيره وقيل: لا يزوجها البعيد مع قرب القريب وأن البعد ما فوق ثلاثة أيام وإن زوجها البعيد وكانت بالغة والقريب غير غائب ومس لم يفرق بينهما وإن لم يمس جدد القريب وقيل: يفرق بينهما ولو مس وقيل: لا ولو لم يمس إن رضيت وإن زوجها أجنبي ومس قبل أن يجيز الولي حرمت وزعم بعض أنه إن أجاز ولو بعد المس جاز قيل: وإن لم يجز لم يفرقا. (1)
مادة(13) : القاضي ولي من لا ولي له.
إن لم يوجد ولي لا من العصبات ولا من غيرهم أو وجد غير مستوف لشروط الولي انتقلت الولاية إلى السلطان لقوله عليه الصلاة والسلام:( السلطان ولي من لا ولي له) ولما كان السلطان لا يتولى بنفسه عقود الزواج فولاية التزويج تثبت للقاضي نيابة كما قدمنا. وقد تكون للقاضي ولاية التزويج مع وجود الولي الخاص ويكون ذلك إذا امتنع الولي الأقرب من تزويج من في ولايته بدون سبب مقبول لأن الولي في هذه الحالة يعد عاضلا أي ظالما وولاية رفع المظالم للقاضي وأيضا إذا امتنع الولي من زواج من هو في ولايته كأن يكون المولى عليه مجنونا وأثبت الطب أن في الزواج علاجه أو ثبت أن مصلحة له في زواجه ووجد الكفء وكان امتناعه بغير سبب شرعي يبرره- فإن الولاية في هذه الحال تنتقل إلى القاضي وإن لم يذكر في مرسومه أن له ولاية التزويج ولكن بشرط أن لا يعزله ولي الأمر عن مثل ذلك بتخصيصه إياه وذلك لأن الولاية للسلطان عند اختلاف الأولياء.
__________
(1) محمد بن يوسف أطفيش/ كتاب النيل وشفاء العليل-ج6- ص107-108. (1/37)
صفحة 38
ولأن القاضي إذ يقوم بالعقد يكون عقده نيابة عن الولي العاضل ( أو الممتنع ظلما) عقده في قوة عقد ذلك الولي فإن كان الولي هو الأب كان العقد في قوة عقده وإذا كان هو الأخ كان في قوة عقده وهكذا وإنما يعد الولي ممتنعا مع وجود حق إذا كان ممتنعا مع وجود الكفء ومهر المثل بلا سبب . (1)
مادة(14) : ليس للقاضي أن يزوج من له الولاية عليه من نفسه ولا من أصله ولا من فرعه.
إن أراد الرجل أن يتزوج امرأة وهو وليها فليزوجها له ولي آخر غيره وإن كان أقصى منه وإن لم يكن لها ولي غيره استخلفت من يزوجها له هي. (2)
وبما أن القاضي يعتبر حاكما على الناس فليس له أن يزوج نفسه ممن وكلت إليه أمرها أو كانت لا ولي لها وانتقلت إليه الولاية عن طر يق الشرع وذلك لأن القاضي نائب عن الحاكم الأعلى فهو ولي من لا ولي لها من النساء فلو أبيح له أن يزوج نفسه منها أو من أصله أو من فرعه لم تؤمن منه المحاباة لمن زوجه وقد تكون تلك المحاباة في الصداق أو في شيء من شروط الزواج أو أن الرضا من المرأة حصل عن طريق الحياء.
فلهذا أراد الحاكم أن يبعد عقد الزواج من هذه الشبهة التي لا يكون بحصولها اطمئنان من الزوجة بالحياة الزوجية.
مادة (15):
الزوجان هما أي رجل وامرأة يصح أن يتزوج كل منهما الآخر إذا انتفت الموانع الشرعية.
يشترط لإنعقاد الزواج شروط في العاقدين- الرجل والمرأة وشروط في الصيغة- الإيجاب والقبول. ويشترط في عاقدي الزواج:
1- أهلية التصرف بأن يكون العاقد أهلا لمباشرة العقد وذلك بالتمييز فقط.
__________
(1) البدائع: 3/ وما بعدها، فتح القدير: 2/405-ص 413-416، الدر المختار: 2/429-431.
بدران أبو العينين بدران/ الزواج و الطلاق في الإسلام- ص 147 ،148، انظر محمد أبو زهرة/ الأحوال الشخصية- ص 117-118
(2) الإمام أبي زكريا يحيى بن الخير بن أبي الخير الجناوني/ كتاب النكاح-ص 121. (1/38)
صفحة 39
2- أن يسمع كل من العاقدين لفظ الآخر ولو حكما كالكتاب إلى امرأة غائبة ويفهم أن المقصود منه إنشاء الزواج ليتحقق رضاهما به والأدق أن يعتبر هذا شرطا في صيغة العقد. ولا يشترط عند الحنفية توافر حقيقة الرضا فيصح الزواج مع الإكراه والهزل.
*ويشترط في المرأة شرطان
1) أن تكون أنثى محققة الأنوثة فلا ينعقد الزواج على الرجل أو الخنثى المشكل فيكون الزواج باطلا.
2) ألا تكون محرمة على الرجل تحريما قاطعا لا شبهة فيه: فلا ينعقد الزواج بالمحارم كالبنت والأخت والعمة والخالة والمتزوجة بزوج آخر والمعتدة، والمرأة المسلمة بغير المسلم والزواج في كل هذه الحالات باطل. (1)
وهذه الشروط التي جاءت في هذه المادة متفق عليها في جميع المذاهب وقد صدر المقنن بهذه المادة من أجل الدخول في تفاصيل هذا الباب وسيأتي مزيد بيان وتفصيل بالنسبة للزوج والزوجة في المواد القادمة.
مادة(16): أركان عقد الزواج
أ الإيجاب والقبول
ب- الولي
ج- الصداق
د- البينة
الفرع الأول: الإيجاب والقبول
مادة (17) : مع مراعاة أحكام المادة(19) من هذا القانون ينعقد الزواج بإيجاب من أحد المتعاقدين وقبول من الآخر صادرين عن رضا تام بألفاظ تفيد معناه لغة أو عرفا وفي حال العجز عن النطق تقوم الكتابة مقامه فإن تعذرت فبالإشارة المفهومة.
مادة (18) : يشترط في القبول:
1- أن يكون موافقا للإيجاب صراحة أو ضمنا.
2- أن يكون مقترنا بالإيجاب في محل راحة.
3- أن يكون هو والإيجاب منجزين.
الأصل في صحة العقود الرضا من العاقدين، ولما كان الرضا من الأمور الخفية التي لا يمكن الاطلاع عليها أقامت الشريعة الإسلامية ما يدل عليها في الظاهر مقامها ويتمثل ذلك بصدور الإيجاب من أحد المتعاقدين والقبول من الآخر.
__________
(1) بدران أبو العينين بدران/الزواج والطلاق في الإسلام ص47، انظر وهبة الزحيلي/ الفقه الإسلامي وأدلته- ج7- ص48،49. (1/39)
صفحة 40
والإيجاب والقبول ركن في عقد النكاح باتفاق الفقهاء بل إن بعضهم كالحنفية ذهب إلى أن الإيجاب والقبول ركن الزواج دون غيره من الأركان التي ذكرها الجمهور.
تعريف الإيجاب: عرف جمهور الفقهاء الإيجاب بأنه: اللفظ الصادر من قبل الولي أو من يقوم مقامه كالوكيل، وعرفه الحنفية بما هو أعم من هذا فقالوا: ما يصدر أولا من أحد العاقدين سواء أكان الزوج أم الزوجة.
أما القبول فهو عند الجمهور: هو اللفظ الدال على الرضا بالزواج الصادر من الزوج أما الحنفية فعرفوه بما يصدر ثانيا من الطرف الآخر. (1)
أ ألفاظ الإيجاب والقبول:
قد يكون الإيجاب باللفظ وقد يكون بالإشارة وكذلك القبول وقد اتفقت كلمة الفقهاء على انعقادهما ببعض الألفاظ كما اتفقت كلمتهم على عدم انعقاد النكاح ببعض الألفاظ بينما حصل الخلاف بينهم في ألفاظ أخرى.
فألفاظ الزواج المتفق على قبولها عندهم وانعقاد الزواج منها هي: أنكحت، زوجت، أما المتفق على عدم قبولها فهي الإباحة والإعارة والإجازة والمتعة والوصية والرهن وما إلى ذلك من الألفاظ التي لا تدل على تمليك العين. أما المختلف في انعقاد الزواج فيها فهي: لفظ البيع والهبة والصدقة وما إلى ذاك من الألفاظ التي تدل على تمليك العين واستمرار الملك مدى الحياة .
فالحنفية والمالكية ذهبوا إلى انعقاد الزواج بهذه الألفاظ إذا توفرت النية أو قرينة تدل على إرادة الزواج كما إذا بين المهر وأحضر الناس ومنهم الشهود المقصود.
__________
(1) الدر المختار: 2/361-372، البدائع:2/229وما بعدها، اللباب: 3/3، الشرح الكبير: 2/221، الشرح الصغير:2/334وما بعدها، القوانين الفقهية 195، مفتي المحتاج: 3/139، المهذب: 12/41، بداية المجتهد:2/4، كشاف القناع: 5/36. (1/40)
صفحة 41
وعللوا ذلك بأن المقصود التعرف على إرادة العاقدين فأي لفظ يحقق ذلك يصح أن يكون لفظا معتدا به لانعقاد الزواج. (1) استأنسوا بورود الزواج بلفظ الهبة والتمليك في القرآن الكريم والسنة النبوية: فقد قال تعالى:{ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين}. (2) وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لرجل لم يملك مالا يقدمه مهرا:( قد ملكتكها بما معك من القرآن). (3)
أما الشافعية والحنابلة: فإنهم ذهبوا إلى عدم انعقاد الزواج بهذه الألفاظ فلا ينعقد عندهم إلا بلفظ النكاح أو التزويج. وعللوا ذلك بأن هذه هي الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم فيلزم الاقتصار عليها أما الآية التي استدل بها غيرهم فإنهم أولوها بأن ذلك من خصوصيات الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
وأما الحديث فإن لفظ "ملكتكها" إما وهم من الراوي أو أن الراوي رواها بالمعنى. إذ أن الجمهور رووها بلفظ "زوجتكها". (4)
ب انعقاد الزواج بالإشارة والكتابة:
اتفق الفقهاء على أن العاقدين إذا كانا حاضرين في مجلس العقد قادرين على النطق فإنه لا يصح الزواج بينهما بالكتابة أو الإشارة لأن اللفظ هو الأصل في التعبير عن الإرادة ولا يلجأ إلى غيره إلا عند تعذره.
__________
(1) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين: 2/364-465،469وما بعدها، الشرح الكبير: 2/221.
(2) سورة الأحزاب ، آية (50)
(3) مسلم ، النكاح 2554 ، الترمذي النكاح 1032، النسائي النكاح 3228 ، أبو داود النكاح 1806 إبن ماجه النكاح 1879 ، مسند أحمد ( باقي مسند الأنصار ) 21733 ، موطأ مالك ، النكاح 968 ، مسند الدارمي ، النكاح 2104
(4) المهذب: 2/41، مفتي المحتاج: 3/139، كشاف القناع:5/37، المغني: 6/532. (1/41)
صفحة 42
أما إذا كان أحد العاقدين غائبا عن محل العقد فإن الحنفية يرون انعقاد الزواج بالكتابة كأن يكتب لخطيبته: تزوجتك أو زوجيني نفسك فقالت بحضور شاهدين في محل وصول الكتاب: قبلت الزواج. أو بإرسال رسول كأن يرسل إلى خطيبته من يبلغها الإيجاب مشافهة فإذا قبلت بحضور شاهدين انعقد الزواج.
أما المالكية والشافعية والحنابلة: فإنهم يرون عدم انعقاد الزواج بالكتابة لأن الكتابة كناية لا يصح فيها عقد الزواج.
الأخرس: أما إذا كان أحد العاقدين أخرساً أو معتقل اللسان فإنه يصح منه عقد النكاح بالكتابة أو بالإشارة المفهومة باتفاق الفقهاء. (1)
شروط الإيجاب والقبول: -
وقد اشترط الفقهاء للإيجاب والقبول شروطا أربعة:
الشرط الأول: اتحاد المجلس في حالة ما إذا كان العاقدان حاضرين ويعني بذلك اتحاد مجلس الإيجاب والقبول وذلك ليتحقق اتحاد الزمان فإذا اختلف مجلس الإيجاب والقبول لا ينعقد العقد، فإذا قالت المرأة: زوجتك نفسي فلم يجب الزوج وانشغل عن ذلك بعمل آخر يفيد انصرافه عن المجلس ثم قال بعدئذ: قبلت لا ينعقد النكاح عند الجمهور.
لكن الحنفية لم يشترطوا الفورية في القبول فإذا قبل في مجلس العقد صح عندهم ولو طال المجلس وكان هناك فاصل بين الإيجاب والقبول بينما ذهب الجمهور إلى اشتراط الفورية بأن لا يفصل بينهما فاصل كثير والكثير في هذا مرده إلى العرف. (2)
أما إذا كان أحد الزوجين غائبا وتم التعاقد بطريق الكتابة فإن الحنفية يرون أن مجلس عقد الزواج هو مجلس قراءة الكتاب أو سماع الرسالة أمام الشهود. لأن الكتاب بمنزلة الخطاب.
الشرط الثاني: التوافق بين القبول والإيجاب.
__________
(1) البدائع: 2/231، مفتي المحتاج: 3/141، كشاف القناع: 5/39، مواهب الجليل: 4/228، الشرح الصغير: 2/350
(2) مغني المحتاج: 2/605-كشاف القناع:3/136، حاشية الصاوي على الشرح الصغير:2/356. (1/42)
صفحة 43
ويتحقق ذلك باتحاد القبول والإيجاب في محل العقد ومقدار المهر فإذا قال ولي الأمر: زوجتك خديجة فقال الرجل: قبلت زواج فاطمة لم يصح، وإذا قال: زوجتك ابنتي على ألف فقال: قبلت الزواج على ثمانمائة لم يصح العقد.
وسبب عدم انعقاد العقد بمخالفة مقدار المهر وإن لم يكن المهر ركنا من أركان العقد هو: إن المهر إذا ذكر في العقد التحق بالإيجاب وصار جزءا منه فيلزم أن يأتي بالقبول موافقا للإيجاب . (1)
الشرط الثالث: بقاء الموجب على إيجابه .
وهذا يعني أن الموجب إذا رجع قبل قبول العاقد الآخر بطل الإيجاب فلم يجد القبول شيئا يوافقه.
الشرط الرابع: التنجيز للإيجاب والقبول.
فلا يجوز أن يكون عقد الزواج مضافاً إلى المستقبل كأن يقول: زوجتك غدا. أو في السنة القادمة. ولا يصح أن يعلق على شرط لم يكن موجودا في الحال، كأن يقول: زوجتك إن قدم فلان، أو إن رضى أبي، أو إذا طلعت الشمس. وذلك لأن عقد الزواج من عقود المفاوضات وهي لا تقبل التعليق. (2)
الفرع الثاني
الولي
مادة ( 19) : يتولى ولي المرأة عقد زواجها برضاها
*معنى الولاية :
هي في اللغة ( النصرة ) وقيام الشخص بأمر غيره (3) وفي اصطلاح الفقهاء هي القدرة على إنشاء العقود والتصرفات ، نافذة من غير توقف على إجازة أحد
*شروط الولاية :
ويشترط لنفاذ الزواج أن يكون المتولي له ولاية إصداره وإنه إذا تحققت هذه الولاية كان العقد صحيحاً نافذاً لم يخالف في ذلك أحد وأن لم تتحقق يكون صحيحاً ولكنه يكون غير نافذ عند البعض . وحيث كانت الولاية في الزواج قد تكون بالأصالة وقد تكون بإنابة الشرع وقد تكون بإنابة صاحب الشأن سميت الأوليتان باسم الولاية وسميت الثالثة باسم الوكالة . وتنقسم الولاية إلى: ولاية قاصرة ، وولاية متعدية.
__________
(1) المغني : 6/546 وما بعدها.
(2) الدر المختار : 2/367-379 ، مغني المحتاج : 3/141، المغني : 6/551
(3) معجم اللغة العربية ، المعجم الوجيز ص . (1/43)
صفحة 44
*الولاية القاصرة: ولاية الشخص على نفسه وماله وهي تثبت للشخص الكامل الأهلية بالحرية والبلوغ والعقل .
*الولاية المتعدية :ولاية الشخص على غيره ولا تكون إلا لمن تثبت له ولاية على نفسه وتنقسم هذه الولاية من حيث تثبت له إلى أصلية ونيابية :
1. أصلية : هي الولاية التي تثبت ابتداء من غير أن تكون مستمدة من الغير كولاية الأب والجد .فإن ولايتهما تثبت ابتداء بسبب الأبوة وليست مستمدة من غيرهما (1)
2.النيابية : هي الولاية المستمدة من غيرهما كولاية القاضي ، والوصي ، فإن القاضي يستمد ولايته من الحاكم ولإمام فهو نائب عنه فيما يتولاه من الأمور ، والوصي ولايته مستمدة ممن أقامه وصياً فهو نائب عنه في الوصاية وفيما يتولاه من شئون القاصر .
*يقسم الفقهاء الولاية في الزواج إلى قسمين
1. ولاية الإجبار 2. ولاية الاختيار
1) ولاية الإجبار : هي تنفيذ القول على الغير وهي بهذا المعنى العام تثبت بأربعة أسباب : القرابة والملك والولاء والإمامة
أ ) ولاية القرابة : تثبت لصاحبها بسبب قرابته من المولى عليه إما بقرابة قريبه كالأب والجد والابن أو بقرابة بعيدة كابن الخال وابن العم
ب ) ولاية الملك : هي الولاية التي تثبت للسيد على مملوكه فله تزويج عبده أو أمته جبراً عنها ويتوقف نفاذ زواجها على إذنه
ج) ولاية الولاء : وهي نوعان ولاية عتاقة ، ولاء الموالاة
? ولاية عتاقة : هو الحق الشرعي الذي يثبت للمعتق على عتيقه حيث إنه يرثه به وله أن يزوجه إذا كان العتيق صغيراً أو كبيراً أو معتوهاً أو مجنوناً
? ولاء الموالاة : هو الذي يثبت بناءً على عقد بين اثنين على أن يناصره ويغرم عنه إذا جن ويرثه إذا مات وتثبت بهذا العقد ولاية تزويجه ويشترط لثبوت هذه الولاية أن يكون الولي عاقلاً بالغاً حراً.
د) ولاية الإمامة :هي ولاية الإمام العادل ونائبه كالسلطان والقاضي
__________
(1) بدران أبو العينين بدران/ الزواج و الطلاق في الإسلام- ص 134. (1/44)
صفحة 45
? وتثبت ولاية الإجبار بهذا المعنى عند الحنفية : على الصغيرة ولو كانت ثيباً وعلى المعتوهة والمجنونة والأمة المرقوقة
2) ولاية الاختيار : فهي حق الولي في تزويج المولي عليه بناء على اختياره ورضاه ويقال لصاحبها: ولي مخير وهي مستحبة عند أبي حنيفة وزفر في تزويج المرأة الحرة البالغة العاقلة سواء كانت بكراً أم ثيباً. (1)
? المذهب الأباضي : يجوز عقد الزواج سواء كان سراً أو علانية إذا كان تاماً شروطه من الولي والصداق والشهود والرضا . فإذا زوج الولي وليته لرجل فأبى قبول النكاح ولا رده فلا يجبر على قبوله ولا على رده ، ولا يجوز للمرأة أن تتزوج غيره حتى ينكر النكاح ،وإذا زوج الولي وليته لرجل بعد طلب النكاح وتسميته الصداق قام الزوج من غير قبول النكاح على عهد أبي ذر أبان ابن وسيم رحمه الله فقال لهم بماذا يشهدون إذا لم يقبل النكاح فكان ذلك عندهم حسناً فاخذوا به . وإذا زوج الرجل امرأة لرجل فقبل النكاح واشترط رضا أبويه عند قبول النكاح فهو لأزم له . وإذا زوج الرجل لرجل إحدى بناته أو إحدى إمائه وكانت له بنات كثيرة أو إماء كثيرة ، فلا يجوز ذلك النكاح حتى يسمى له التي زوجها له باسمها . وأما إذا كانت له ابنه واحدة أو أمة فقال زوجتكِ ابنتي أو أمتي ولم يسمها له باسمها فمنهم من يقول لا يجوز ذلك النكاح . (2)
مادة (20) :
أ) الكفاءة حق خاص بالمرأة والولي
ب ) تراعى الكفاءة حين العقد ويرجع في تقديرها إلى الدين ثم العرف
__________
(1) البدائع: 2/ 241،247 الدر الممتاز:2/46 وما بعدها بداية المجتهد : 2/16- 25 وهبة الزحيلي/ الفقه الإسلامي وأدلته - الجزء السابع - ص 187 – 188 ، انظر محمد أبو زهرة / الأحوال الشخصية ص 107- 136
(2) 1الإمام أبي زكريا يحيى بن الخير ابن أبي الخير الجناوني / كتاب النكاح - ص126- 128، انظر محمد بن يوسف أطفيش / شرح كتاب النيل وشفاء العليل – ج7 - ص 121-122، كتاب النكاح – ص74 (1/45)
صفحة 46
أ) الكفاءة حق خاص بالمرأة والولي:-
إن الكفاءة في الزواج شرط لصحة الزواج عند أبى حنيفة إذا زوَّجت البالغة العاقلة نفسها ولها ولي عاصب لم يرض بالزواج قبل العقد .
والكفاءة في أصل معناها في اللغة المساواة (1) والمراد بها في النكاح المساواة بين الزوجين في أمور مخصوصة يعتبر الإخلال بها مفسداً للحياة الزوجية.
? تعريف الكفاءة :
الكفاءة هي المساواة المماثلة والكفاءة ، والكفء : المثل والنظير والمقصود بها في باب الزواج أن بكون كفئاً لزوجته أي مساوياً لها في المنزلة ونظيراً لها في المركز الاجتماعي والمستوى الخلقي والمالي .
ومما لاشك فيه إنه كلما كانت منزلة الرجل مساوية لمنزلة المرأة كان ذلك أدعى لنجاح الحياة الزوجية وأحفظ لها من الفشل والإخفاق .
? حكم الكفاءة :
إن ابن حزم ذهب إلى عدم اعتبار هذه الكفاءة فقال :( إن أي مسلم - ما لم يكن زانياً - فله الحق في أن يتزوج أية مسلمة ، ما لم تكن زانية )
? اعتبار الكفاءة بالاستقامة والخلق :
وذهبت جماعة إلى أن الكفاءة معتبرة ولكن إعتبارها بالاستقامة والخلق خاصة فلا اعتبار لنسب ولا لصناعة ولا لغنى ولا لشيء أخر فيجوز للرجل الصالح الذي لا نسب له أن يتزوج المرأة النسبية ولصاحب الحرفة الدنيئة أن يتزوج المرأة الرفيعة القدر ولمن لا جاه له أن يتزوج صاحبة الجاه والشهرة وللفقير أن يتزوج المثرية الغنية وإنه ليس لأحد من الأولياء الاعتراض ولا طلب التفريق وإن كان غير مستوٍ في الدرجة من الولي الذي تولى العقد ما دام الزواج كان عن رضى منها فإذا لم يتوفر شرط الاستقامة عند الرجل فلا يكون كفئاً للمرأة الصالحة ولا لها الحق في طلب فسخ العقد إذا كانت بكراً وأجبرها أبوها على الزواج من الفاسق . (2)
? الكفاءة حق للمرأة والأولياء :
__________
(1) المعجم الوجيز .
(2) بدران أبو العينين / الزواج والطلاق في الإسلام ص 133- 134 (1/46)
صفحة 47
يرى جمهور الفقهاء أن الكفاءة حق للمرأة والأولياء فلا يجوز للولي أن يزوج المرأة غير الكفء إلا برضاها ورضا سائر الأولياء ؛ لأن تزويجها بغير الكفء فيه إلحاق عار بها وبهم فلم يجز من غير رضاهم جميعاً فإذا رضيت ورضي أولياؤها جاز تزويجها ؛ لأن المنع لحقهم فإذا رضوا زال المنع .
? وقد قال الشافعية : هي لمن له الولاية في الحال .
وقال أحمد في رواية : هي حق لجميع الأولياء ، قريبهم وبعيدهم فمن لم يرض منهم فله الفسخ
وفي رواية عن أحمد : أنها حق الله فلو رضي الأولياء والزوجة بإسقاط الكفاءة لا يصح رضاهم ولكن هذه الرواية مبنية على أن الكفاءة في الدين لا غيركما جاء في إحدى الروايات عنه . (1)
? شرطية الكفاءة :
اختلف الفقهاء في اشتراط الكفاءة في الزواج وعدم إشتراطها ، والمشترطون اختلفوا هل هي شرط صحة أو شرط لزوم ، فذهب بعض الفقهاء ومنهم سفيان الثورى إلى عدم إشتراطها مستدلين :
__________
(1) السيد سابق / فقه السنة ص 140-141 ، انظر وهبة الزحيلي/ الفقه الإسلامي وأدلته - الجزء السابع ص 237 . (1/47)
صفحة 48
1) أن النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) قال : ( الناس سواسية كـ أسنان المشط لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى ) (1) وبما روي أن النبي عليه السلام أمر بني بياضة أن يزوجوه أبا هند ( وكان حجاماً ) (2) وأن بلالاً ( - رضي الله عنه - ) خطب إلى قوم من الأنصار فأبوا أن يزوجوه فقال ( - صلى الله عليه وسلم - ) : ( قل لهم إن رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) أمركم أن تزوجوني ) (3) فلو كانت الكفاءة معتبرة ما أمرهم .
__________
(1) أخرجه أحمد في مسنده برقم 23536 ج5ص411ط قرطبة مصر بلات ورواه وشرحه الشوكاني في نيل الأوطار ج5ص164 ط دار الجيل بيروت 1973
(2) أخرجه أبو داؤد في سننه في كتاب النكاح ج2ص233 ط دار الفكر لبنان بلات إبن حبان في صحيحه برقم 4067 ج9ص375 مؤسسة الرسالة لبنان 1993.
(3) أخرجه أحمد في مسنده عن ربيعة الاسلمي برقم 16627 ج4ص58 ط قرطبة مصر بلات وروته كتب الفقه عن بلال مثل بدائع الصنائع للكاتباني ج2ص317 ، والمبسوط للسرفسي ج5/73. (1/48)
صفحة 49
3) أن الكفاءة لو كان لها في الشرع اعتبار لكان أولى بها باب الدماء لأنه يحتاط فيه بما لا يحتاط في سائر الأبواب ومع هذا لم تعتبر ، فالشريف يقتل بالوضيع والعالم بالجاهل ففي الزواج لا تعتبر من باب أولى . واستدل جمهور الفقهاء على أن الكفاءة شرط في الزواج بأن مصالح الزوجية ودوام العشرة بين الزوجين يتوقف على تقارب الزوجين في الأخلاق والصفات والعقيدة وإذا كان الزوج بحكم الشرع وحكم العرف والعادة له السلطان الأقوى في شئون الزوجية فإذا لم يكن مساوياً لزوجته أو أعلى منها في المنزلة استنكفت أن يكون له هذا السلطان وهذه القوامة ولم يكن محل اعتبار منها وتقدير وكذلك الزوجة وأولياؤها يأنفون من مصاهرة من لا يناسبهم في الدين والجاه والنسب ويعيرون بدناءة الزوج فإذا لم يشترط الكفاءة لم تثمر الزوجية ثمراتها المقصودة منها واختلت روابط المصاهرة أو ضعفت . (1)
? وقد ذكر نور الدين السالمي في شرح الجامع الصحيح ( من المذهب الإباضي ) : أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ): ( إذا خطب إليكم كفء فلا تردوه فنعوذ بالله من بوار البنات ) . ومعنى ذلك أنه إذا جاء الكفء فلا تردوه عن مطلبه فإنه يخشى من رده الفساد العظيم وهو بوار البنات الذي استعاذ منه رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) . (2)
(ب) تراعى الكفاءة حين العقد ويرجع في تقديرها إلى الدين ثم العرف
? وقت اعتبار الكفاءة :
__________
(1) بدران أبو العينين / الزواج والطلاق في الإسلام ص160-161، ، انظر وهبة الزحيلي/ الفقه الإسلامي وأدلته - الجزء السابع ص 234 – 235 ، الإمام محمد أبو زهرة / الأحوال الشخصية ص 142- 143
(2) نور الدين أبي محمد عبدالله بن حميد السالمي / من شرح الجامع الصحيح مسند الامام – ج3 – ص 10-11 (1/49)
صفحة 50
أن وقت اعتبار الكفاءة هو وقت إنشاء عقد الزواج لأنها شرط إنشاء لا شرط بقاء وعلى ذلك إذا تخلف وصف من أوصاف الكفاءة القابلة التخلف كالمال بأن كان قادراً على الإنفاق ثم صار غير قادر بعد الزواج أو كان متديناً فشذ ففسق أو كان يحترف مهنة شريفة كالتجارة فأفلس فاحترف مهنة حقيرة ففي هذه الأحوال لا يفسخ النكاح لتخلف الكفاءة بل يبقى لأن النكاح قد تقرر فلا يفسخ بهذه الأمور العارضة ولا عار في بقاء المرأة مع زوجها إن تغيرت حالته بل هو الصبر والرضى بحكم القدر وهما أمران محمودان .
? اعتبار الكفاءة بالاستقامة والخلق :
وذهب جماعة إلى إن الكفاءة معتبرة ولكن اعتبارها بالاستقامة والخلق خاصة فلا اعتبار بالاستقامة والخلق خاصة فلا اعتبار لنسب ولا لصناعة ولا لغنى ولا لشيء آخر فيجوز للرجل الصالح الذي لا نسب له أن يتزوج المرأة السيئة ولصاحب الحرفة الدنيئة أن يتزوج المرأة الرفيعة القدر ولمن لا جاه له أن يتزوج صاحبة الجاه والشهرة والفقير أن يتزوج المثرية الغنية - ما دام مسلماً عفيفاً – وإنه ليس لأحد من الأولياء الاعتراض ولا طلب التفريق . وإن كان غير مستوٍ في الدرجة مع الولي الذي تولى العقد ما دام الزواج كان على رضى منها فإذا لم يتوفر شرط الاستقامة عند الرجل فلا يكون كفئاً للمرأة الصالحة . ولها الحق في طلب فسخ العقد إذا كانت بكراً وأجبرها أبوها على الزواج من الفاسق .
? مذهب جمهور الفقهاء :
إذا كان المالكية وغيرهم من العلماء الذين سبقت الإشارة إليهم يرون أن الكفاءة معتبرة بالاستقامة والصلاح لا غير فإن غير هؤلاء يرون أن الكفاءة معتبرة بالاستقامة والصلاح . وأن الفاسق ليس كفئاً للعفيفة إلا أنهم لا يقصرون الكفاءة على ذلك بل يرون أن ثمة أمور أخرى لا بد من اعتبارها ونشير إلى هذه الأمور فيما يلي: - (1/50)
صفحة 51
? عند مذهب الحنفية يوجد ستة أمور معمول بها هي : النسب - الإسلام - الحرية - المال - الديانة - الحرفة ، على اتفاق في بعض هذه الأمور واختلاف في بعضها:-
1. النسب : قد اتفق أئمة المذهب الحنفي على أن الكفاءة في النسب معتبرة عند العرب وعلى أن غير العربي ليس كفؤاً للعربية والقرشي كفء لكل عربية ولو كانت هاشمية .
2. الإسلام : وهو يعتبر عند الموالي فقط لأنهم بعد إسلامهم صار فخرهم في الإسلام وهو شرفهم ويقوم عندهم مقام النسب وإذا كان فخرهم بالإسلام فمن أسلم أبوه وجده كفء لمن لها آباء في الإسلام ومن له أب واحد كفء لمن لها أب وليس كفؤاً لمن لها أبوان
3. الحرية : وهي معتبرة كالكفاءة في الإسلام عند المولي فقط لأنه لم يقبل من العربي إلا الإسلام أو القتل
4. المال : والمال في الكفاءة فيه أن يكون قادراً على المهر والنفقة لأنه من لا يقدر على مهر امرأته ونفقتها لا يكون كفؤاً لها
5. الديانة : والمراد بالديانة تدين المرأة وصلاحها فالفاسق ليس كفؤاً للصالحة بنت الصالح فإن كان أبوها فاسقاً أو كان الأب صالحاً هي ليست كذلك فالفاسق كفء باتفاق .
6. الحرفة : ومعنى الكفاءة في الحرفة أن تكون حرفة الزوج مقاربة لحرفة أبي الزوجة وقد اعتبر هذا النوع من الكفاءة أبو يوسف ومحمد ولم يعتبره أبو حنيفة
? وقد ذكر نور الدين السالمي في شرح الجامع الصحيح : قال رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - )
( الأحرار من أهل التوحيد كلهم أكفاء إلا أربعة :المولى والحجام والنساج والبقال ) (1/51)
صفحة 52
أن الحديث مرسل عند المصنف فكأنه مما تفرد به والتقييد ( بالأحرار ) يخرج العبيد فإنهم ليسوا أكفاء للأحرار والتقييد بأهل التوحيد يُخرج أهل الشرك فإنهم ليشوا أكفاء للمسلمين ويدخل في أهل التوحيد كل من أجاب دعوة محمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) وآمن به واتبعه وإن صل بالتأويل فجميع أهل المذاهب الإسلامية بعضهم أكفاء لبعض إلا أربعة وهم : ( المولى ) وهو الذي أعتق من ملك ، ( الحجام ) وهو الذي يعمل الحجامة ويكتسب منها، و( النساج ) وهو الذي ينسج الثياب و( البقال ) وهو الذي يبيع البقل . وإنما استثنى أرباب هذه الحرف لرداءتها في نفوس العرب وتحاشيهم من فعلها .
وقد أعتبر قوم الكفاءة في الدين فقط ونقل ذلك عن عمر وابن مسعود ومحمد بن سرين وعمر بن عبد العزيز ويدل عليه قوله تعالى : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم }
[ الحجرات / 13 ]
الفرع الثالث
الصداق
مادة ( 21 ) :
? الصداق : هو ما يبذله الزوج من مال بقصد الزواج
? الصداق في اللغة : بفتح الصاد المهملة وكسرها مأخوذ من الصدق لدلالته على صدق الزوجين في موافقة الشرع ولأشعاره بصدق رغبة الزوج في الزوجة وفيه سبع لغات .
صداق ومهر ونحلة وفريضة حباء وأجر ثم عقر علاق
وزاد في المعنى اسم آخر الصدقة ورد ذلك في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية (1) *الصداقُ: مهر الزوجة. (2)
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وجعل عتقها صداقها. (3)
__________
(1) الشيخ العلامة محمد بن جعفر الأزكوي - أبو جابر ، الجامع لأبن جعفر ( سلطنة عمان : المطابع العالمية روي 1414هـ - 1994) ج4 ص 289.
(2) الدكتور إبراهيم أنيس وآخرون – المعجم الوسيط ( الطبعة الثانية ) ج2 ص907.
(3) صحيح مسلم ، النكاح 2561 ، النسائي ، النكاح 23290 ، أبو داود ، النكاح 1758 ، إبن ماجه النكاح 1899 (1/52)
صفحة 53
* المهر : صداق المرأة وهو ما يدفعه الزوج إلى زوجته بعد الزواج . (1)
* نحله شيئاً من ماله : أعطاه وخصه به ، النحل : العطية . (2)
? المهر وأحكامه :
الزواج ككل عقد ينشأ عنه حقوق وواجبات متبادلة يلزم بها كل من الزوج والزوجة وقد نص القرآن الكريم على هذا المبدأ فقال تعالى : ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) (3) أي أن للنساء من الحقوق على الرجال مثل ما للرجال عليهن من واجبات وأن أساس تقرير هذه الحقوق والواجبات هو العرف المستند إلى فطرة كل من الرجل والمرأة .
? تعريف المهر : هو المال الذي تستحقه الزوجة على زوجها بالعقد عليها أو بالدخول بها وعرفه صاحب العنابة على هامش الفتح :هو المال الذي يجب في عقد النكاح على الزوج في مقابلة البضع إما بالتسمية أو بالعقد وعرفه بعض الحنفية بأنه ما تستحقه المرأة بعقد النكاح أو الوطء.
* وقد عرفه المالكية : بأنه ما يجعل للزوجة في نظير الاستمتاع بها
? أيضا الشافعية : بأنه ما وجب بنكاح أو وطء أو تفويت بضع قهراً كرضاع ورجوع شهود وعرفه الحنابلة : بأنه العوض في النكاح سواء سمي في العقد أو فرض بعده بتراضي الطرفين أو الحاكم أو العوض في نحو النكاح كوطء الشبهة ووطء المكرهة. (4)
? حكمه:
أنه واجب على الرجل دون المرأة ويجب كما دلت التعاريف بأحد أمرين إذا الوطء في دار الإسلام لا يخلو عن عقر ( حد ) أو عُقر ( مهر) احتراماً لأنانية المرأة :
الأول : مجرد العقد الصحيح : وقد يسقط كله أو نصفه ما لم يتأكد بالدخول أو الموت أو بالخلوة عند الحنفية والحنابلة .
__________
(1) الدكتور إبراهيم أنيس وآخرون/ المرجع السابق ج2 ص889.
(2) الدكتور إبراهيم أنيس وآخرون/ المرجع السابق ج2 ص682.
(3) سورة البقرة ، آية 228
(4) العناية بهامش فتح القدير : 2/434 ، الدر المختار وارد المحتار : 5/452 الشرح الصغير :2/428 مغني المحتاج :3/220 كشاف القناع:5/142. (1/53)
صفحة 54
الثاني : الدخول الحقيقي : كما في حالة الوطء بشبهة أو في الزوج الفاسد ولا يسقط حينئذ إلا بالأداء أو بالإبراء.
? والحكمة من وجوب المهر : هو إظهار خطر هذا العقد ومكانته وإعزاز المرأة وإكرامها وتقديم الدليل على بناء حياة زوجية كريمة معها وتوفير حسن النية على قصد معاشرتها بالمعروف ودوام الزواج وفيه تمكين المرأة من التهيؤ للزواج بما يلزم لها من لباس ونفقة .
وكون المهر واجباً على الرجل دون المرأة : ينسجم مع المبدأ التشريعي في أن المرأة لا تكلف بشيء من واجبات النفقة سواء أكانت أماً أم بنتاً أم زوجة وإنما يكلف الرجل بالإنفاق سواء المهر أم نفقة المعيشة وغيرها لأن الرجل أقدر على الكسب والسعي للرزق وأما المرأة فوظيفتها إعداد المنزل وتربية الأولاد وإنجاب الذرية وهو عبء ليس بالهين ولا باليسير .
وقد وضع القرآن الكريم مبدأ توزيع المسؤوليات المالية بين الرجل والمرأة فقال سبحانه وتعالى :(الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ) (1)
? في المذهب الأباضي :
__________
(1) سورة النساء ، آية 34 (1/54)
صفحة 55
قال الله تعالى "( وآتوا النساء صدقاتهن نحلة )" (1) إنه لا يتم النكاح إلا بالولي والشهود والرضا والصداق والذي يجوز من الصداق فيه اختلاف بين الفقهاء فمنهم من يجوز ما تراضى الناس عليه قل أو كثر ولو بسواك ومنهم من يقول : أدنى الصداق أربعة دراهم فما فوقها ومنهم من يقول خمسة دراهم فما فوقها ومنهم من يقول للبكر عشر ديتها وللثيب نصف عشر ديتها وللأمة عشر ثمنها للبكر وللثيب نصف عشر الثمن وأقصى الصداق ما تراضى الناس عليه ليس له حد معروف . وإذا تزوج الرجل امرأة بغير صداق فلها أن تمنعه من نفسها حتى يصدق لها فإن غلبها على نفسها فمسها مرة واحدة أو مكنته من نفسها حتى وطئها مرة واحدة فلا تمنعه بعد ذلك لأنه وجب الصداق بالوطء الأول وإما أن أصدقها صداقاً عاجلاً فلها أن تمنعه من نفسها حتى يؤديه إليها فإن غلبها على نفسها فوطئها مرة واحدة فلها منعه بعد ذلك حتى يؤدي إليها حقها وإذا جاز للمرأة أن تمنعه من نفسها فلا يجوز للزوج أن يستكرها أو يغلبها على نفسها . وأما الصداق الآجل فلا تمنعه من نفسها حتى يؤديه إليها إذا حل أجله وأما إن لم يكن مسها حتى حل أجله فلها منعه من نفسها حتى يؤديه إليها العاجل والآجل من صداقها إذا كان قد حل قبل الدخول بها .
__________
(1) سورة النساء آية 4 (1/55)
صفحة 56
(1)
مادة (22) : كل ما صح التزامه شرعاً صلح أن يكون صداقاً
? يشترط في الصداق شروط ثلاثة:-
الأول : أن يكون مما يجوز تملكه وبيعه من العين ( الذهب والعروض ونحوها ) فلا يجوز بخمر وخنزير وغيرهما مما لا يمتلك .
الثاني : أن يكون معلوماً :لأن الصداق عوض في حق معاوضة فأشبه الثمن فلا يجوز بمجهول إلا في نكاح التفويض وهو أن يسكت العاقدان عن تعين الصداق حين العقد ويفوض التعيين إلى أحدهما أو إلى غيرهما ولا يجب عند المالكية والحنفية خلافاً للشافعي وأحمد وصف العروض وأن وقع على غير وصف فلها الوسط .
الثالث : أن يسلم من الغرر : فلا يجوز فيه عبد آبق ولا بعير شارد وشبههما وقد زاد الحنفية شرطاً رابعاً : وهو أن يكون النكاح صحيحاً فلا تصح التسمية في النكاح الفاسد فلا يلزم المسمى لأن الفاسد ليس بنكاح ويجب مهر المثل بالوطء .
__________
(1) الإمام أبي زكريا يحيى بن الخير ابن أبي الخير الجناوني / كتاب النكاح – ص84- 86 ، انظر نور الدين أبى محمد عبدالله بن حميد السالمي / من شرح الجامع الصحيح مسند الإمام ج3- ص 15- 20 ، الإمام تقي الدين أبى بكر بن محمد الحسين الحصني الدمشقي الشافعي / كفاية الأخبار في حل غاية الإختصار – ج1- دار إحياء الكتب العربية ص 60- 64 ، وهبة الزحيلي/ الفقه الإسلامي وأدلته - الجزء السابع - ص 250- 253 ، انظر ابن رشد / بداية المجتهد ونهاية المقتصد – ص29، محمد أبو زهرة / الأحوال الشخصية ص 169- 174، الإمام الجليل المحدث الفقيه الأصولي أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي- الجزء التاسع – دار الكتب العلمية : بيروت - لبنان- ص 59-60 ، الإمام علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي / كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع - دار الكتاب العربي- بيروت- ط2- 1982- ص 274- 275 . (1/56)
صفحة 57
وبناءً عياه وضع الفقهاء ضوابط لما يصلح أن يكون مهراً وما لا يصلح : فقال الحنفية المهر : هو كل مال متقوم معلوم مقدور على تسليمه فيصح كون المهر ذهباً أو فضة مضروبة أو سبيكة أي نقداً أو حلياً ونحوه . ولا يصح كون المهر ما ليس مالاً متقوماً كأن يتزوج مسلم مسلمة على التراب أو الدم أو الخمر أو الخنزير لأن الميتة والدم ليسا بمال في حق أحد والخمر والخنزير ليسا بمال متقوم في حق المسلم ولا يصح زواج امرأة على طلاق امرأة أخرى أو على العفو عن القصاص لأن الطلاق ليس بمال وكذا القصاص .
? وعند الشافعي وباقي الأئمة : التسمية صحيحة وللمرأة خدمة سنة لأن المبدأ عندهم كل ما يجوز أخذ العوض عنه يصح تسميته مهراً ومنافع الحر يجوز أخذ العوض عنها لأن أجاز الحر جائزة بلا خلاف فصح تسميتها والمنافع عندهم أموال متقومة
? ضابط ما يصلح مهراً عند المالكية :
قال المالكية : المهر هو كل متمول شرعاً من عرض أو حيوان أو عقار طاهر لا نجس إذ لا يقع به تقويم شرعاً إذ غير المنتفع به كآلة اللهو لا يقع به تقويم مقدور على تسليمه للزوجة معلوم قدراً وصنفاً وأجلاً . فلا يصح كون المهر عير متمول : كقصاص وجب للزوج على زوجته فتزوجها على تركه فيفسخ قبل الدخول فإذا دخل وجب صداق المثل ويرجع للدية ومثل سمسرة كأن يتزوجها ليكون سمساراً في بيع سلعة لها . ولا يصح على ما لا يملك شرعاً كخمر وخنزير ونجس كروث دوابه .
? ضابط ما يصلح مهراً عند الشافعية والحنابلة :
قالوا : كل ما صح مبيعاً صح صداقاً أو كل ما صح ثمناً أو أجرة صح مهراً وأن قل وهو كل متمول سواء أكان عيناً أم ديناً معجلاً ومؤجلاً عملاً ومنفعة معلومة كرعاية غنمها مدة معلومة وخياطة ثوبها ورد أبقها من موضع معين وخدمة مدة معينة وتعليم القرآن أو شي من الشعر المباح أو الأدب أو تعليم كتابة أو صنعة وغيرها من المنافع المباحة . (1/57)
صفحة 58
ويصح أن يتزوج الرجل امرأة على عمل معلوم كخياطة ثوب معين منه ومن غيره فإذا تلف الثوب قبل خياطته فعليه أجره معينة .
? وجوب مهر المثل عند فساد المهر :
يتبين مما سبق أن المهر إذا فسدت تسميته يجب مهر المثل باتفاق الفقهاء ويفسد العقد أيضاً عند المالكية ويجب فسخ الزواج إلا إذا دخل الرجل بالمرأة فإذا دخل بها وجب مهر المثل وقال الجمهور :إذا فسد المهر لا يفسد العقد بل يكون صحيحاً فإذا حصلت الفرقة قبل الدخول كان لها المتعة وإن حصلت الفرقة بعد الدخول كان لها مهر المثل لأن فساد المهر لا يزيد على عدم تسميته عند العقد فإذا صح العقد مع عدم المهر صح فساد المهر لأن ذكره كالعدم . (1)
مادة ( 23 ) :
الصداق ملك للمرأة تتصرف فيه كيف شاءت ولا يعقد بأي شرط مخالف
? أن ملكية الزوجة للمهر تثبت بعقد الزواج الصحيح سواء أكانت هناك تسمية له عند العقد أم لم يكن ثمة تسمية لأن العقد سبب وجوب المهر فينشأ الوجوب عقبه بلا تراخ بينهما وإذا كانت ثمة تسمية كانت الملكية للمسمى وإن لم تكن تسمية ثبت حق الزوجة في مهر المثل .
وإذا كان العقد الصحيح يوجب المهر ويجعله حقاً للزوجة من وقت إنشائه فإنه لا حاجة في ثبوت الملكية إلى القبض ولكن إذا كان المهر مثلياً معروفاً بالوصف ولم قبض كان ديناً في الذمة واجب الأداء في ميقاته وإذا كان معيناً فإن الملكية تثبت فيه من غير توسط ذمة.
__________
(1) وهبة الزحيلي/ الفقه الإسلامي وأدلته - الجزء السابع ط19802. ص 259 – 265 ، انظر محمد أبو زهرة / الأحوال الشخصية ص 175- 186، محمد بن يوسف أطفيش /شرح كتاب النيل وشفاء العليل - الجزء السادس - مكتبة الإرشاد جده - ص 165-179 ، الإمام علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي / كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع - دار الكتاب العربي - ط2- 1982- ص 277- 282 (1/58)
صفحة 59
ولكن ملكية المهر غير متقررة ثابتة قبل أن يؤكد بأي مؤكد من مؤكداته كما نوهنا بل تقبل السقوط في نصفه أو كله والمهر ما لم يقبض يكون ضمان الزوج حتى يسلمه إليها .
? قبض المهر : إذا كان المهر حقاً للزوجة خالصاً فلها قبضه بمجرد العقد ما لم يكن ثمة شرط لتأجيله أو بعضه أو عرف جرى بتقديم بعضه وتأجيل الآخر والذي يتولى القبض هو الزوجة نفسها أو وكيلها إذا كانت بالغة عاقلة رشيدة فإن كانت محجورا عليها حجراً مالياً كان كانت سفيهة أو مجنونة فولاية قبض المهر لمن له عليها ولاية مالية وإن كان غير وليها العصبي فإذا كانت الزوجة محجور عليها لعتهٍ ووليها العاصب عمها ولها وصي من قبل المحكمة المختصة غير عمها فإن عمها هو الذي يتولى زواجها ولا يقبض المهر بل الذي يقبضه هو الوصي المعين من قبل المحكمة .
? أما الرشيدة : فإنها تتولى القبض بنفسها أو بمن تأذن له بالقبض إذناً صريحاً أو إذناً ضمنياً ويكون قبضه بالنيابة عنها ومن الإذن دلالة قبض الأب أو الجد الصحيح مهر البكر إذ لم تنهمهما عن القبض .
? وذلك لأن البكر تستحي من المطالبة بنفسها كما تستحي من التكلم بالنكاح فجعل سكوتها عند قبض الأب أو الجد رصا بقبضهما وإذناً لهما ذلك لأن الظاهر إذا لم يكن نهي صريح أنها ترضى بذلك القبض إذ هما في الغالب يقبضانه ويجهزانها جهازاً يليق بها ويضمان إليه في سبيل ذلك أضعافه.
? أن الوكيل بالزواج ليس وكيلاً بقبض المهر لأن الوكيل بالزواج سفير ومعبر فليس عليه أن ينفذ أي حكم من أحكام العقد والمهر حكم من أحكامه ولأن الولي العاصب مع ماله من ولاية ليس له أن يقبض فغيره ليس له كذلك بالأولى . (1)
? صاحب الحق في المهر .
__________
(1) محمد أبو زهرة / الأحوال الشخصية ص 206- 208 ، انظر الإمام تقي الدين أبي بكر بن محمد الحسين الحصني الدمشقي الشافعي / كفاية الأخبار في حل غاية الاختصار - ج1 - ص 65 (1/59)
صفحة 60
هناك حقوق ثلاثة في حالة الابتداء تتعلق بالمهر وحق واحد يتعلق بالمهر حالة البقاء والمقصود بالابتداء : ابتداء عقد الزواج ، وبالبقاء الإستمرار والدوام فيه :
أما الحقوق المتعلقة بالمهر حالة الابتداء : فهي حق الله وحق الزوجة وحق الأولياء.
? أما حق الله تعالى : فهو وجوب المهر أثراً للعقد بحيث لا يخلو عنه ولا يقل عن عشرة دراهم عند الحنفية وربع دينار أو ثلاثة دراهم عند المالكية ولا حد لأقله عند الشافعية والحنابلة فلو أنعقد الزواج بدون مهر وجب مهر المثل بحكم الشرع بالدخول وإن لم يدخل بها كان مخيراً عند المالكية بين إتمام المهر وبين الفسخ فإن فسخ وجب للمرأة نصف المسمى .
? أما حق الزوجة : فهو ثبوت ملكها للمهر بالقبض وألا يقل عن مهر مثلها فلو زوجها بأقل من مهر مثلها وكانت رشيدة عند الحنفية وغير مجبرة عند المالكية فلها الاعتراض على هذا الزواج ويبطل تزويج الأب البنت البكر بدون مهر مثلها وكانت رشيدة عند الحنفية وغير مجبرة عند المالكية فلها حق الاعتراض على هذا الزواج ويبطل تزويج الأب البنت البكر بدون مهر المثل. أما المجبرة أو عديمة الأهلية أو ناقصتها كالصغيرة والمجنونة فإن كان المزوج لها الأب فليس لها الاعتراض عند المالكية والحنابلة ،لأن للأب تزويج ابنته البكر بدون صداق مثلها وإن كان المزوج لها غير الأب من الأولياء فلا يزوجها إلا بمهر المثل وأثبت الشافعية للمرأة مطلقاً حق الاعتراض إن زوجها بأقل من مهر المثل .
? أما حق الأولياء : فهو عند أبي حنيفة ألا يقل المهر عن مهر المثل فلو زوجت البكر البالغة العاقلة نفسها بأقل من مهر مثلها كان لوليها العاصب عنده أن يعترض على هذا العقد ويطلب فسخه . لأن الأولياء يعيرون بأقل من مهر المثل ورضا المرأة بإسقاط حقها لا يسقط حق وليها فإن أتم الزوج مهر مثلها لزم العقد وسقط حق الفسخ. (1/60)
صفحة 61
? وأما ما يتعلق بالمهر حالة البقاء : فهو حق المرأة فيكون ملكاً خالصاً لها لا يشاركها فيه أحد فلها أن تتصرف فيه كما تتصرف في سائر أموالها متى كانت أهلاً للتصرف فلها حق إبراء الزوج منه أو هبته له . (1)
مادة ( 24 ) :
أ ) يجوز تعجيل الصداق أو تأجيله كلاً أو بعضاً حين العقد
ب) يجب الصداق بالعقد الصحيح ويتأكد كله بالدخول ، أو الخلوة الصحيحة أو الوفاة ويستحق المؤجل منه بالوفاة أو البينونة ما لم ينص في العقد على خلاف وذلك وتستحق المطلقة قبل الدخول نصف الصداق إن كان مسمى وإلا حكم لها القاضي بمتعة.
? أجاز الفقهاء تأجيل المهر فقال الحنفية : يصح كون المهر معجلاً أو مؤجلاً كله أو بعضه إلى أجل قريب أو بعيد أو أقرب الأجلين : الطلاق أو الوفاة عملاً بالعرف والعادة في كل البلدان الإسلامية ولكن بشرط ألا يشتمل التأجيل على جهالة فاحشة بأن قال : تزوجتك على ألف إلى وقت الميسرة أو هبوب الرياح أو إلى أن تمطر السماء فلا يصح التأجيل لتفاحش الجهالة . وإذا أتفق صراحة على تقسيط المهر عمل به لأن الاتفاق من قبيل الصريح والعرف من قبيل الدلالة والصريح أقوى من الدلالة. وإذا لم يتفق على تعجيل المهر أو تأجيله عمل بعرف البلد لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً .
? وقد أجاز الشافعية والحنابلة تأجيل المهر كله أو بعضه لأجل معلوم لأنه عوض في معاوضة فإن أطلق ذكره اقتضى الحلول وأن أجل لأجل مجهول كقدوم زيد ومجيء المطر ونحوه ولم يصح لأنه مجهول وأن أجل ولم يذكر الأجل فالمهر عند الحنابلة صحيح ومحله الفرقة أو الموت . وعند الشافعية المهر فاسد ولها مهر المثل.
__________
(1) وهبة الزحيلي/ الفقه الإسلامي وأدلته - الجزء السابع - دار الفكر - ط2 - 1985- ص 275- 276 ، انظر الإمام الجليل أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي/ المحلى بالآثار - الجزء السابع - 1988- ص 59 (1/61)
صفحة 62
? وقد فصل المالكية في حكم التأجيل فقالوا :أن كان المهر معيناً حاضراً في البلد كالدار والثوب والحيوان وجب تسليمه للمرأة أو وليها يوم العقد ولا يجوز تأخيره في العقد ولو رضيت بالتأخير فإن اشترط التأجيل في العقد فسد العقد وألا إذا كان الأجل قريباً كاليومين والخمسة ويجوز للمرأة التأجيل من غير شرط ويكون تعجيله من حقها . وإن كان المهر المعين غائباً عن بلد العقد صح النكاح أن أجل قبضه بأجل قريب بحيث لا يتغير فيه غالباً وإلا فسد النكاح . (1)
? وإن كان المهر غير معين كالنقود والمكيل والموزون غير المعين فيجوز تأجيله كله أو بعضه ويجوز التأجيل إلى الدخول إن علم وقته كالحصاد أو الصيف أو قطاف الثمار والتأجيل إلى الميسرة . إذا كان الزوج غنياً بأن كان له سلعة ينتظر قبض ثمنها أو له أجر في وظيفة فإن كان فقيراً لم يصح العقد ويجوز التأجيل إلى أن تطلبه المرأة منه فهو كتأجيله للميسرة .
? وعليه يشترط لجواز التأجيل شرطان :
الأول : أن يكون الأجل معلوماً : فإن كان مجهولاً كالتأجيل للموت أو الفراق فسد العقد ووجب فسخه إلا إذا دخل الرجل بالمرأة فيجب حينئذ مهر المثل
الثاني : ألا يكون الأجل بعيداً جداً كخمسين سنة فأكثر لأنه مظنة إسقاط الصداق والدخول على إسقاط الصداق مفسد للزواج . (2)
__________
(1) بدران أبو العينين بدران / الزواج والطلاق في الإسلام - 1985- ص189
(2) وهبة الزحيلي/ الفقه الإسلامي وأدلته - الجزء السابع ط2- 1985- ص 278 – 279 (1/62)
صفحة 63
? عند الأباضية : من تزوج امرأة على صداق معروف ولم يشترط عاجلاً ولا أجلاً فإن التزويج ثابت . والفرض إما نقد أو عاجل أو آجل فالنقد عند العقد في نكاح أو بيع لا بعد افتراق ومن اتفق مع ولي امرأة أن ينقده مائة دينار عند العقد جاز أن كان أباً ويستأذنها بالاتقاد عنده إن كان غيره ولا يبرأ منه حتى يصلها أو تجيز دفعه بدون فكل ما يعطيه الزوج مما لا يجد نكاحاً إلا به وإن لوليها أو لمالك أمرها قبل فهو من الصداق ويرد عند الفداء فلا يحل لولي أو غيره حبس ما كان منه إلا بإذنها. والعاجل أن يصدق لها كذا وكذا ديناراً أو خادماً أو ثوباً أو نحو ذلك ويحكم بقيمته إن لم يعين ومتى شاءت ويشهد لها عليه به وتزكيه ويسقطه هو إن كان غيناً ولو لم تقبضه وكذا حكم الدين العاجل . (1)
ب ) يجب الصداق بالعقد الصحيح ويتأكد كله بالدخول أو الخلوة الصحيحة أو الوفاة ويستحق المؤجل منه بالوفاة أو البينونة ما لم ينص في العقد على خلاف ذلك وتستحق المطلقة قبل الدخول نصف الصداق إن كان مسمى وإلا حكم لها القاضي بمتعة.
? إن مؤكدات المهر في العقد الصحيح ثلاثة : أولها الدخول الحقيقي ، ثانيها الموت ، وثالثها الخلوة الصحيحة .
__________
(1) محمد يوسف أطفيش / شرح كتاب النيل وشفاء العليل – الجزء السادس – ط3-1985 – ص165 – 168 ، أنظر الامام أبي زكريا يحيى بن الخير إبن الخير الجناوني / كتاب النكاح – ص94-97. (1/63)
صفحة 64
أ ) الدخول الحقيقي : يؤكد المهر سواء أكان مهر المثل أم المسمى وسواء أكانت التسمية وقت العقد أم اتفق عليها بعد العقد فإن حصل دخول لا يسقط من المهر شيء من بعد . إلا بإبراء الزوجة أو حطها جزءاً منه ويوجه تأكده بالدخول إنه بالعقد قد ثبت المهر حقاً للزوجة ومسقطاته الواردة في القرآن والحديث والقياس قد قيد بحصولها قبل الدخول فالطلاق يسقط نصف المهر . إذا كان قبل الدخول وهكذا كل مسقط للمهر أو بعضه فإذا حصل دخول فقد أصبح تحقق المسقط غير ممكن .ولأنه بالدخول قد استوفيت أحكام العقد أو جلها من جانب الزوجة . فكان حقاً أن تجب الحقوق التي على الزوج مؤكدة أولها المهر .لأن الدخول مع الشبهة في العقد الفاسد يوجب مهر المثل غير قابل للسقوط . فأولى أن يؤكده في النكاح الصحيح ويجعله غير قابل للسقوط .
ب ) الوفاة : يؤكد المهر الثابت سواء أكان الذي مات هو الزوج أو الزوجة وذلك لأن المهر كان ثابتاً إلى أن يوجد ما يسقط بعضه أو كله وهو الفراق قبل الدخول وبالموت استحال وجود ذلك المسقط فتأكد المهر ولأن الموت أنهى عقد الزواج مقرراً كل أحكامه ومنها الميراث ومنها المهر . فيتقرر ويثبت به . ولذلك اتفق الفقهاء جميعاً على أن الموت الطبيعي أو بقتل أجنبي لأحدهما أو بقتل الزوج وزوجته أو بقتل الزوج نفسه يقرر المهر ويؤكده وكذلك قال أبو حنيفة والصاحبان والشافعي ومالك إذا قتلت نفسها بل قال أبو حنيفة والصاحبان أيضاً إذا قتلت الزوجة زوجها يتقرر مهرها .
? وقد اتفق الفقهاء على الموت الطبيعي وعلى قتل أجنبي لأحدهما لأنه كالموت الطبيعي من حيث إنه ليس لأحدهما يد فيه واتفقوا على أنه إن قتلها الزوج يتقرر المهر لأن الجناية منه لا تسقط حقاً واجباً عليه واتفقوا أيضاً على أن المهر لا يسقط شيء منه إذا قتل الزوج نفسه لأن ذلك كالموت بالنسبة لحقوق غيره وليس منها جناية عليه فيظن سقوط حقها . (1/64)
صفحة 65
? وموضع الخلاف إذا قتلت نفسها أو قتلت زوجها وأئمة المذهب الحنفي على أنه يتأكد المهر فيها . لأن المسقط هو الفرقة بينهما وهما على قيد الحياة وقد أمتنع ذلك المسقط فيتأكد المهر فكل موت أياً كان طريقه يؤكد المهر عند الحنفية.
جـ) الخلوة الصحيحة : في النكاح الصحيح تؤكد المهر كالدخول الحقيقي والخلوة الصحيحة هي التي يجتمع فيها الزوجان في مكان يأمنان فيه من اطلاع الغير عليهما . ولم يكن ثمة مانع يمنع من الدخول الحقيقي . فإذا حصل الاجتماع على ذلك النحو فقد حصلت الخلوة وتأكد المهر ووجبت العدة ولو لم يحصل في الاجتماع دخول حقيقي .
? الأحكام التي تتفق فيها الخلوة الصحيحة مع الدخول :
1) يتأكد بكل منهما كل المهر ويجب بتمامه للزوجة
2) يثبت نسب الولد من الزوج
3) وجوب العدة على الزوجة بعد الفرقة فمن تزوج امرأة زواجاً صحيحاً واختلى بها خلوة صحيحة وجبت عليها العدة كما لو طلقها بعد الدخول بها دخولاً حقيقياً.
? الأحكام التي تختلف فيها الخلوة عن الدخول :
1) أن الدخول يحرم فروع الزوجة على الزوج أما الخلوة الصحيحة فلا تحرمهن .
2) الدخول بالمطلقة طلاقاً رجعياً . يعتبر مراجعة لها في العدة أما الخلوة فلا تعتبر . وذلك عند بعض المذاهب وعند الأباضية الدخول بدون إشهاد على الرجعة لا يعتبر رجعة .
3) الطلاق بعد الدخول قد يكون رجعياً وقد يكون بائنا فإن كان رجعياً فلمطلقها أن يرجعها ما دامت في العدة بدون رضاها. وبلا مهر وعقد جديدين أما الطلاق بعد الخلوة فلا يكون إلا بائناً فلا يملك مراجعتها إلا بعقد ومهر جديدين ولو كانت في العدة.
4) أن الدخول من الزوج الثاني يحل المطلقة طلاقاً ثلاثاً لزوجها الأول بعد انقضاء عدتها من الثاني أما إذا اختلى بها الثاني ثم مات عنها أو طلقها وانقضت عدتها فلا تحل للزوج الأول . (1/65)
صفحة 66
5) أن من طلق زوجته بعد الدخول بها طلاقاً رجعياً ومات عنها وهي في العدة ورثته زوجته أما من طلق زوجته بعد الخلوة الصحيحة ومات عنها وهي في العدة فلا توارث بينهما لانقطاع الزوجية بينهما بالطلاق البائن.
6) الدخول بالزوجة يثبت الإحصان للزوج فأما الخلوة فلا تثبتها فمن زنى بعد الدخول بزوجته يكون محصناً فيقام عليه حد الرجم . (1)
? تنصيف المهر :
وقد أتفق الفقهاء على وجوب نصف المهر للزوجة بالفرقة قبيل الدخول سواء عند الشافعية والحنابلة أكانت الفرقة طلاقاً أم فسخاً إذا كان المهر مسمى حين العقد وكانت التسمية صحيحة والفرقة جاءت من قبل الزوج . فإن لم يسم المهر في العقد أصلاً كالمفوضة أو اتفق الزوجان على الزواج بدون مهر أو كانت التسمية غير صحيحة وحصلت الفرقة بتراضي الزوجين أو بحكم القاضي وكانت الفرقة قبل الدخول وقبل الخلوة عند الحنفية والحنابلة لم يجب للزوجة شيء من المهر وإنما تجب لها المتعة .
وقد اختلف الفقهاء في مسألتين حول التنصيف قبل الدخول :
? المسألة الأولى : وهي إذا لم يذكر المهر حين العقد وإنما فرض بعده بالتراضي أو بقضاء القاضي
فقال الحنفية لا يتنصف المفروض من المهر بعد العقد لاختصاص التنصيف بالمفروض في العقد بالنص القرآني المتقدم بل تجب المتعة فقط للمرأة فلو حدثت الفرقة قبل الدخول والخلوة وجب لها المتعة فقط.
وقال الجمهور : يتنصف المفروض بعد العقد كالمسمى في العقد فلو حصلت الفرقة قبل الدخول وقبل الخلوة عند الحنابلة كان للمرأة نصف المفروض لا المتعة .
? المسألة الثانية : وهي الزيادة الحادثة من الزوج بعد العقد على المهر المسمى .
__________
(1) بدران أبو العينين / الزواج والطلاق في الإسلام-1985- ص199-207، انظر وهبة الزحيلي/ الفقه الإسلامي وأدلته - الجزء السابع ط2-1985- ص 288 – 292 ، الإمام محمد أبو زهرة / الأحوال الشخصية 1950- ص 188- 191 (1/66)
صفحة 67
فقال الحنفية : تسقط هده الزيادة عن الزوج ولا تتصنف قبل الدخول والخلوة .
وقال الجمهور: لا تسقط هده الزيادة عن الزوج وتتصنف كالمسمى في العقد .
وفي المذهب المالكي : أن فسخ النكاح أو رده الزوج بعيب من الزوجة (1) قبل الدخول لم يجب لها شيء واختلف هل يجب إذا ردته هي بعيب في الزوج (2) .
وفي المذهب الأباضي : قالوا إذا تزوج الرجل المرأة وأصدقت له صداقاً فهو راجع عليه فإن طلقها من قبل أن يمسها فعليه نصف ذلك الصداق وإن قالت المرأة لرجل خذ هذا المال فتزوجني فأخذه منها فتزوجها بصداق آخر غير ذلك المال الذي أخذه منها ثم طلقها من قبل أن يمسها أو بعدما مسها وكان عقده للنكاح في قلبه لأخذ مالها ذلك ثم يطلقها فهو الذي كان في نيته فعليه أن يرد لها ما أخذ منها ويعطيها صداقها الذي أصدقها إن مسها أو نصفه إذا لم يمسها وإن لم يكن نكاحه إياها رغبة منه في أخذ مالها وحرصاً عليه ثم طلقها لحاجة أو لأمر بدى له في طلاقها فعليه صداقها الذي أصدقها أن مسها أو نصفه إن لم يمسها وليس عليه رد ما أخذ منها على النكاح . (3)
مادة ( 25) :
أ) يحق للزوجة الامتناع عن الدخول حتى يدفع لها حال صداقها
ب) إذا رضت الزوجة بالدخول قبل أن تقبض صداقها من الزوج فهو دين في ذمته.
? قبض المهر وما يترتب عليه :
إن قبض المهر حق خالص للزوجة كما بينا فلها أن تمنع نفسها حتى تقبض مهرها المعجل كله.
__________
(1) انظر وهبة الزحيلي/ الفقه الإسلامي وأدلته - الجزء السابع - ص 293 – 294
(2) ابن رشد /بداية المجتهد ونهاية المقتصد ج2 – 1989- ص38.
(3) انظر الإمام أبي زكريا يحيى بن الخير ابن أبي الخير الجناوني / من فقه الأباضي - كتاب النكاح – ص88 – 89. ، انظر كتاب مختصر البسيوي / العلامة أبو الحسن علي بن محمد البسياني ص191 - 192 (1/67)
صفحة 68
وقال الحنفية : للمرأة قبل دخول الزوج بها أن تمنع الزوج عن الدخول أو عن الانتقال إلى بيته حتى يعطيها جميع المهر المعجل بأن تزوجها على صداق عاجل أو كان مسكوتاً عن التعجيل والتأجيل لأن حكم المسكوت حكم المعجل ثم تسلم نفسها إلى زوجها وإن كانت قد انتقلت إلى بيت زوجها لأن المهر عوض عن بضعها كالثمن عوض عن المبيع وللبائع حق حبس المبيع لاستفتاء الثمن فكان للمرأة حق حبس نفسها لاستيفاء المهر وإن استوفت معجل المهر بتمامه سقط حقها في منع نفسها منه . أما إذا دخل الزوج بها أخلا بها برضاها وهي مكلفة ( بالغة عاقلة) فلها أيضاً في
رأي أبي حنيفة أن تمنع نفسها من الاستمتاع بها حتى تأخذ المهر ولها أن تمنعه أن يخرجها من بلدها لأن المهر مقابل بجميع ما يستوفي من منافع البُضع في جميع أنواع الاستمتاع التي توجد في هذا الملك . ويكون رضاها بالدخول أو بالخلوة قبل قبض معجل مهرها إسقاطاً لحقها في منع نفسها في الماضي وليس لحقها في المستقبل وهذا هو الراجح عند الحنفية فللمرأة منع نفسها من الوطء ودواعيه ومن السفر بها ولو بعد وطء وخلوة رضيتهما لأن كل وطأة معقود عليها فتسليم البعض لا يوجب تسليم الباقي .
وأيضاً قال المالكية : للمرأة ولو كانت معيبة بعيب رضى به منع من الدخول والاختلاء بها بعد الدخول ومن السفر مع زوجها قبل الدخول حتى يسلم لها زوجها المهر المعين أو الصداق المعجل أو المؤجل الذي حل أجل تسليمه أما إن سلمت نفسها له قبل القبض بعد الوطء أو التمكين منه فليس لها منع نفسها بعدئذ من وطء ولا سفر معه سواء أكان موسراً أو معسراً وإنما لها المطالبة به فقط ورفعه للحاكم كالمدين . (1/68)
صفحة 69
وقال الشافعية : للمرأة ولو كانت مفوضة حبس نفسها لتقبض المهر المعين والحال لا المؤجل فلو حل الأجل قل تسليم نفسها للزوج فلا حبس في الأصح لوجوب تسليمها نفسها قبل الحلول فلا يرتفع الوجوب لحلول الحق ولو بادرت الزوجة فمكنت الزوج من نفسها طالبته بالمهر فإن لم يطأ : أي لو خلا بها جاز لها الإمتاع من تمكنيه حتى يسلم المهر لأن القبض في النكاح بالوطء دون التسليم . وأن بادر الزوج فسلم المهر وجب على الزوجة تسليم نفسها فإذا امتنعت الزوجة من تمكين زوجها بلا عذر منها لم يسترد المهر منها على الراجح.
وخلاصة القول :
أن الفقهاء اتفقوا على أحقية المرأة بمنع نفسها قبل الدخول حتى تقبض مهرها المعجل وليس لها الحق بالنسبة للمؤجل واختلفوا على رأيين في منع نفسها بعد الدخول . فقال أبو حنيفة : لها الحق بالمنع . وقال الجمهور: ليس لها الحق والخلوة أو التمكين من الوطء كالوطء عند غير الشافعية . (1)
وفي المذهب الأباضي :
إذا تزوج الرجل امرأة بصداق عاجل وآجل فلها أن تمنعه من الوطء حتى يعطيها العاجل من صداقها فإن قام معها وقدمها حتى حل الآجل من صداقها فلا تمنعه من نفسها حتى يعطيها إياها وإن لم يكن مسها حتى حل الآجل من صداقها فلها أن تمنعه من نفسها حتى يعطيها العاجل والآجل من صداقها . (2)
ب ـ إذا رضيت الزوجة بالدخول قبل أن تقبض صداقها من الزوج فهو دين في ذمته .
مادة (26) :
إذا سلم الخاطب إلى المخطوبة قبل العقد مالاً على أنه من الصداق ثم عدل أحد الطرفين عن إبرام العقد أو مات أحدهما فيحق استرداد ما سلم بعينه أن كان قائماً وإلا فمثله أو قيمته يوم القبض .
__________
(1) وهبة الزحيلي/ الفقه الإسلامي وأدلته - الجزء السابع - ص280- 283
(2) الإمام أبي زكريا يحيى بن الخير ابن أبي الخير الجناوني / كتاب النكاح – ص101 (1/69)
صفحة 70
إذا اعدل الخاطب عن خطبته بعد تمامها أو عدلت المخطوبة بعد الخطبة وكان الخاطب قد دفع للمخطوبة المهر كله أو بعضه فله باتفاق الفقهاء أن يسترده وذلك بأخذ عينه إن كان قائماً أو أخذ مثله إن كان مثلياً أو أخذ قيمته أن كان قيمياً وهذا لأن وجوب المهر بالعقد ولم يوجد إنما الخطبة مجرد وعد . فإذا كانت للمخطوبة قد أعدت بهذا المهر بعض الجهاز الذي تعده عادة لاستقبال الحياة الزوجية وفي هذه الحال يكون استرداد المهر فيه مضرة لها وقد يرهقها عسراً فيجوز للزوجة أن تعطيه بدل المهر بعض ما أشترى باحتساب قيمة يوم الشراء. (1)
مادة (27) :
إذا اختلف الزوجان في قبض المهر حال الصداق فالقول للزوجة قبل الدخول وللزوج بعده ما لم يكن ثمة دليل أو عرف مخالف .
? أحكام قضايا المهر : أن الإختلاف في المهر إما اختلاف في قبضه أو اختلاف في أصل التسمية أو اختلاف في مقدار المسمى أو اختلاف في نوع المقبوض
1) الاختلاف في القبض : إذا كان اختلاف في القبض بأن يدعي هو أنه سلمها قدراً من المهر وتنكر أنه سلمها شيئاً أو يدعي أنه سلمها مقداراً أو تدعي أنه سلمها أقل منه والحكم في هاتين الصورتين يختلف بالدخول أو عدم الدخول .
2) الاختلاف في أصل التسمية: إذا اختلف الزوجان في أصل التسمية فأدعى أحدهما أن العقد قد اقترنت به تسمية صحيحة وادعى الآخر أن العقد قد تم خالياً من التسمية فالبينة على التسمية فإن أقامها ثبت مدعاه لأنه المدعي والآخر هو المنكر وإن لم تكن بينة وجهت اليمين إلى الآخر وقضى عليه بالمسمى إن نكل على اليمين وإن حلف قضى بمهر المثل .
__________
(1) بدران أبو العينين / الزواج والطلاق في الإسلام - ص32- 33،انظر السيد سابق / فقه السنة ص 29. ، محمد بن يوسف أطفيش / شرح كتاب النيل وشفاء العليل - الجزء السادس- ص80- 84. (1/70)
صفحة 71
? وإن كان الاختلاف في حال الطلاق قبل الدخول والحكمى فالحكم كذلك بالنسبة للإثبات أو على مدى التسمية إقامة البينة فإن عجز حلف المنكر لها.
? وهذا كله إذا كان الاختلاف في حياة الزوجين أو كان بعد موت أحدهما ويلاحظ أنه في حال الحكم بمهر يشترط ألا يزيد على ما تدعيه إن كانت هي مدعية التسمية لرضاها بذلك القدر . ولا ينقص عما يدعيه إن كان مدعي التسمية هو الزوج .
? وإن كان الاختلاف بعد موت الزوجين فقد قال أبو يوسف ومحمد إن الحكم لا يختلف عن الاختلاف في حياتهما أو بعد موت أحدهما أي يحكم بالمسمى إن ثبت وبمهر المثل لا ينقص عما يدعيه ورثته ولا يزيد على ما يدعيه ورثتها إن لم يثبت المسمى .
? ويختلف الحكم عند أبي حنيفة في حال العجز عن الإثبات أي أنه يقضي بالمسمى إنْ أمكن إثباته ولا يقضي بشيء إن لم يكن لأن مهر المثل يقدر بمهر أقرانها من عشيرتها وموتهما يدل على انقراض أقرانها ظاهراً وتقادم العهد فلا سبيل إلى تقديره .
3) الإختلاف في مقدار المسمى : إذا كان الخلاف بين الزوجين في مقدار المسمى واتفقا على أصل التسمية بأن ادعت مهراً وادعى هو أقل منه ففي هذه الحال تكون هي المدعية وهو المنكر . وإذا كان الاختلاف عند استحقاقها المهر كله فإن كان الاختلاف عند استحقاقها النصف كان عليها الإثبات أيضاً فإن عجزت كان القول قوله مع يمينه إلا إذا كان ما يذكر يستنكره العرف .
وإن كان مهر المثل لا يشهد لواحد منهما بأن كان أقل مما تدعيه وأكثر مما يدعيه كأن تدعي مائه ويدعي هو خمسين ومهر المثل ثمانون تهاترت البينتان ويعتبر العقد خالياً من التسمية ويجب مهر المثل . هذا إذا كان الاختلاف عند وجوب المهر كله إن كان عند وجوب النصف . (1/71)
صفحة 72
4) الاختلاف في وصف المقبوض : إذا أعطى الزوج زوجته شيئاً ثم اختلفا فقالت إنه هدية وقال أنه مهر فإن أثبت أحدهما ما يدعيه قضى به فإن أقامت هي البينة على أنه صدر عنه وقت العطاء ما يدل على أنه هدية أو أقام البينة على أنه وقت التقديم صرح بأن القصد المهر . وإذا لم يكن لأحدهما بينة فإن كان العرف يشهد بأن مثل هذا يكون هدية كالطعام والثياب فالقول قولها بيمنها وإن كان العرف يشهد بأن هذا يكون مهراً كالنقود فالقول قوله بيمينه ( وإن كان العرف مشتركاً بأن يسوغ أن يكون مهراً وهدية فالقول قول الزوج بيمينه ) لأنه المملك فهو الأدرى بجهة التمليك والقول قوله في الاختيار عن نفسه. وإذا قضى القاضي بأن ما أخذ كان على سبيل الهدية لم يحتسب من المهر وألا فإنه يحتسب . وإذا حكم بأنه مهر وكانت قد وهبت له شيئاً اعتبار أن ما قدم هو هدية أو فهمت أنه هدية وإن أثبتت أنها صرحت حين وهبت أنه عوض هديته ويظهر أنه لو كان العرف يجعل هديتها في نظير هديته يكون كالتصريح لأن المعروف كالمشروط . (1)
? وبالنسبة لأراء الفقهاء وهم :
__________
(1) وهبة الزحيلي/ الفقه الإسلامي وأدلته - الجزء السابع - ص 307 – 310 ، انظر محمد أبو زهرة / الأحوال الشخصية ص 218- 225. (1/72)
صفحة 73
? المذهب الحنفي : إن حكم اختلاف الزوجين في المهر فجملة الكلام فيه أن الاختلاف في المهر إما أن يكون في حال حياة الزوجين وإما أن يكون بعد موت أحدهما بين الحي منهما وورثة الميت وإما أن يكون بعد موتهما بين ورثتهما فإن كان في حال حياة الزوجين فإما أن كان قبل الطلاق وإما أن كان بعده فإن كان قبل الطلاق فإن كان الاختلاف في أصل التسمية يجب مهر المثل لأن الواجب الأصلي في باب النكاح هو مهر المثل لأنه قيمة البضع وقيمة الشيء مثله من كل وجه فكان هو العدل وإنما التسمية تقدر لمهر المثل فإذا لم تثبت التسمية لوقوع الاختلاف فيها وجب المصير إلى الموجب الأصلي وإن كان الاختلاف في قدر المسمى أو جنسه أو نوعه أو صفته فالمهر لا يخلو إما أن يكون ديناً وإما أن يكون عيناً .
والقول في الشرع والعقل من يشهد له الظاهر والظاهر يشهد لمن يوافق قوله مهر المثل لأن الناس في العادات الجارية يقدرون المسمى بمهر المثل ويبنونه عليه لا برضا الزوج بالزيادة عليه والمرأة وأولياؤها لا يرضون بالنقصان عنه فكانت التسمية تقديراً لمهر المثل وبناء عليه فكان الظاهر شاهداً لمن يشهد له مهر المثل فيحكم مهر المثل / فإن كان ألفين فلها ذلك لأن الظاهر شاهد لها وأن كان أكثر من ألفين لا يزاد عليه لأنها رضيت بالنقصان ، وإن كان مهر مثلها ألف فلها ألف لأن الظاهر شاهد للزوج وإن كان أقل من ذلك لا ينقص عن ألف لأن الزوج رضى بالزيادة . وإن كان مهر مثلها أكثر مما قال وأقل مما قالت فلها مهر المثل لأنه هو الواجب الأصلي . (1)
? وقال الشافعية : بالنسبة لتسمية المهر : لو أدعت المرأة تسميته فأنكر زوجها قائلاً لم تقع تسمية ولم يدع تفويضاً تحالفاً في الأصح لأن حاصلة الاختلاف في قدر المهر
__________
(1) علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي / كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع - ط2- 1982- ج2 - ص 304- 308 . (1/73)
صفحة 74
? وأما بالنسبة للاختلاف في مقدار المهر المسمى : أنه أن اختلف الزوجان في قدر المهر أو صفته أو اجله تحالفاً ويتحالف وارثاهما أو وارث أحدهما والآخر ثم يفسخ المهر ويجب مهر المثل ولم ينفسخ النكاح .
? بالنسبة للاختلاف في قبض المهر المعجل : أن اختلف الزوجان في قبض المهر فادعاه الزوج وأنكرت المرأة فالقول قولها ؛ لأن الأصل عدم القبض بقاء المهر. (1)
? المذهب الأباضي : أن ادعت المرأة أنه تزوجها بغير صداق وطلبت عقرها وادعى الزوج أنه أصدقها كذا وكذا – لما هو أقل – من عقرها فعليه البينة بأنه أصدقها ذلك فإن لم تكن له بينة فعلى المرأة اليمين ويؤدي الزوج العقر وكذلك أن ادعت المرأة أنه أصدقها كذا وكذا فادعى الزوج أنه تزوجها بغير صداق فعلى المرأة البينة فإن لم تكن لها بينة فعلى الزوج العقر فمن ادعى منها تسمية الصداق فعليه البينة وكذلك الإجازات بين الأجير ورب العمل : إن ادعى أحدهما تسمية الإجازة فكل من ادعى منها تسمية الإجازة فعليه إتيان البينة فإن لم تكن له بينة فعلى الآخر اليمين ويكون للأجير عناؤه وأما إن ادعت المرأة إلى زوجها صداقاً معلوماً ولم تكن لها بينة على دعواها أو أتت عليه بينة غير مرضية فطلبت بعد ذلك إلى الزوج عقرها فلا يشتغل بها فيما ادعت من العقر بعد تسمية الصداق المعروف . (2)
مادة ( 28) :
يشترط في صحة الزواج حضور شاهدين مسلمين بالغين عاقلين رجلين من أهل الثقة سامعين معاً كلام المتعاقدين فاهمين المراد منه .
__________
(1) وهبة الزحيلي/ الفقه الإسلامي وأدلته - الجزء السابع - ص 307،309،311، ابن رشد / بداية المجتهد ونهاية المقتصد ج2 – ط1- 1989- ص46- 47.
(2) الإمام أبي زكريا يحيى بن الخير ابن أبي الخير الجناوني / من الفقه الأباضي - كتاب النكاح – ص107 ، انظر أبي غانم الخرساني الأباضي / المدونة الكبرى – ج2 – 1984- ص46- 48 (1/74)
صفحة 75
ذهب جمهور العلماء إلى أن الزواج لا ينعقد إلا ببينة ولا ينعقد حتى يكون الشهود حضوراً حالة العقد ولو حصل إعلان عنه بوسيلة أخرى ..
شروط شاهد العقد :-
1) أن يكون عاقلاً : فلا يصح بحضور المجانين والصبيان ومن في حكمهم لعدم تحقق المعنى المقصود من اشتراط الشهادة بحضورهم وهو إظهار خطر العقد وأهميته ولأنهم يفقدون الدراية الكافية فلا يتحقق بحضورهم الإعلان .
2) أن يكون بالغاً : فلا يصح إشهاد الصبيان ولو كانوا مميزين لأنه لا يصدق لهم قول ولعدم أهليتهم للولاية على أنفسهم لا تكون لهم أهلية الولاية على غيرهم بشهادتهم .
3) أن يكون مسلماً : إذا كان كل من الزوجين مسلمين فلا يصح زواج المسلم بالمسلمة بشهادة غير المسلم لما هو مقرر أن الشادة من باب الولاية ولا ولاية لغير المسلم على المسلم.
4) التعدد ويتحقق ذلك بحضور رجلين أو رجل وامرأتين فلا يصح العقد بحضور رجل واحد سوى الزوجين أو من يمثلهما ولا بحضور رجل وامرأة واحدة . ولا بحضور النساء وحدهن مهما كثر عددهن والدليل على ذلك قوله تعالى ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ) . (1)
5) أن يسمع الشاهد كلام العاقدين في وقت واحد مع فهمهما المراد من الكلام إجمالاً. وإن لم يفهما معاني المفردات فلو أن أحد الشهود سمع كلام أحدهما ثم غاب عن المجلس ثم أعيد العقد بشطريه في المجلس بحضرة الشاهد الآخر لم يصح لأن الحاصل شهادة واحدة على كل عقد . وإذا عقد الزواج بحضور نائمين أصمين لا يسمعان أو كانا لا يفهمان المراد مما يسمعانه لا يصح العقد بشهادتهما .
__________
(1) سورة البقرة 282 (1/75)
صفحة 76
6) اشترط الجمهور غير الحنفية عدالة الشاهدين لصحة عقد الزواج فلا يصح عندهم بشهادة الفاسق ويكفي في تحقيق العدالة كونه مستور الحال غير معروف بالفسق . (1)
? آراء الفقهاء في اشتراط الشهادة :
اتفق الجمهور على أن الشهادة شرط في صحة الزواج فلا يصح بلا شهادة أثنين غير الولي لقوله صلى الله عليه وسلم فيما روته عائشة " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل " (2) ولأن في الشهادة حفاظاً على حقوق الزوجة والولد لئلا يجحده أبوه فيضيع نسبه وفيها درء التهمة عن الزوجين وبيان خطورة الزواج وأهميته
? ففي الفقه المالكي :
يرى المالكية أن الشهادة شرط لصحة الزواج سواء أكانت عند إبرام العقد أم بعد العقد وقبل الدخول ويستحب فقط كونها عند العقد فإن لم تصح الشهادة وقت العقد أو قبل الدخول كان العقد فاسداً والدخول بالمرأة معصية ويتعين فسخه فالشهادة عندهم شرط في جواز الدخول بالمرأة لا في صحة العقد وهذا محل الخلاف بين المالكية وغيرهم .
? فيرى الجمهور عند المالكية : أن الشهادة تلزم حين إجراء العقد ليسمع الشهود الإيجاب والقبول عند صدورهما من المتعاقدين فإن تم العقد بدون الشهادة وقع فاسداً وظاهره عند النكاح وبه تتحقق حكمة الشهادة ولأن الشهادة - كما قال الحنفية – شرط ركن العقد فيشترط وجودها عند الركن. (3)
? وكذلك بالنسبة للمذهب الحنفي :
__________
(1) السيد سابق / فقه السنة ص 52-54 ، ، انظر محمد أبو زهرة / الأحوال الشخصية –1950- ص 52- 55 ، بدران أبو العينين / الزواج والطلاق في الإسلام- 1985- ص63-66.
(2) أبو داود ، النكاح 1785 ، إبن ماجه ، النكاح 1871 ، مسند أحمد ( مسند الكوفيين ) 18697 ، سنن الدارمي النكاح 2087
(3) ابن رشد ، أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد / بداية المجتهد ونهاية المقتصد ج2 –1989- ص28- 29. (1/76)
صفحة 77
الشهادة هي حضور الشهود والكلام في هذا الشرط في ثلاث مواضع أحدهما في بيان أن أصل الشهادة شرط جواز النكاح أم لا والثاني في بيان صفات الشاهد الذي ينعقد النكاح بحضوره والثالث في بيان وقت الشهادة أما الأول فقد اختلف أهل العلم فيه قال عامة العلماء أن الشهادة شرط جواز النكاح مثل قول مالك أن النكاح إنما يمتاز عن السفاح بالإعلان فإن الزنا يكون سراً فيجب أن يكون النكاح علانية وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن نكاح السر والنهي عن السر يكون أمراً بالإعلان لأن النهي عن الشيء أمر بضده.
? إما بالنسبة لصفات الشاهد الذي ينعقد به النكاح وهي شرائط تحمل الشهادة للنكاح فمنها العقل والبلوغ ومنها الحرية فلا ينعقد النكاح بحضرة المجانين والصبيان والمماليك قنا كان المملوك أو مدبراً أو مكاتباً من مشايخنا من أصل في هذا أصلاً فقال كل من صلح أن يكون ولياً في النكاح بولاية نفسه يصلح شاهداً فيه وإلا فلا وهذا الاعتبار صحيح لأن الشهادة من باب الولاية لأنها تفيد القول على الغير والولاية هي نفاذ المشيئة وهؤلاء ليس لهم ولاية إلا نكاح لأنه لا ولاية لهم على أنفسهم فكيف يكون لهم ولاية على غيرهم وإلا المكاتب فإنه يتزوج أمته لكن لا بولاية نفسه بل بولاية مولاه بتسليطه على ذلك بعقد الكتابة وكان لتزويج من المولى من حيث المعنى فلا يصح شاهداً ومنهم من قال كل من يملك قبول عقد بنفسه ينعقد ذلك العقد والقبول ولا وجود للركن بدون القبول حقيقة لا وجود له شرعاً بدون الشهادة وهؤلاء لا يملكون قبول العقد بأنفسهم فلا ينعقد النكاح بحضورهم . (1)
__________
(1) علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي / كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع - ط2- 1982- ص 252- 253 . (1/77)
صفحة 78
? وقال الأباضية : أنه يجب الأشهاد على النكاح لقوله صلى الله عليه وسلم " لا نكاح إلا بولي وشاهدين" وجاز أمينان أو أمين وأمينتان أو ثلاثة من أهل الجملة واحد وأربع نسوة أو رجلان وامرأتان أو أمين وأربع منهم أو رجلان وأمينتان وفي الشهادات كلها رجلان إلا في الزنى فأربعة قيل : بالزوج أن كان فيهم وقيل بغيره . ويتم النكاح بشهادة أهل الجملة عند الله وفي الحكم حيث لا إنكار وجاز عليه والد الزوج مع غيره وفي الذي تولى عقدته وهو القائل : زوجت أو أنكحت مثلاً وأن غير الولي أن جعل الأمر بيده هل تجور على النكاح فقط أو على الصداق ؟
? وقال نور الدين في شرح الجامع الصحيح ما نصه : في قوله صلى الله عليه وسلم " لا نكاح إلا بولي وصداق وبينة " أي شهود من المسلمين يشهدون التزويج فالثلاثة شروط لصحة التزويج لا يتم إلا بها في البكر. (1)
الفصل الثاني
المحرمات
مادة (29)
يشترط لانعقاد الزواج ألا تكون المرأة محرمة على الرجل ولو كان التحريم مؤقتاً .
أن من شروط الزواج ألا تكون المرأة محرمة على الرجل الذي يريد الزواج بها بأن تكون محلاً لورود العقد عليها والمحلية نوعان عند الحنفية : أصلية وفرعية والنوع الأول : شرط في انعقاد الزواج فإذا لم يتوفر بطل العقد لأن التجريم قطعي والنوع الثاني : شرط في صحة الزواج فإذا فات فسد العقد لأن التحريم ظني . فمحل عقد الزواج : كل امرأة تحل في الشرع بوجهين : إما بنكاح أو بملك يمين .
? والمحرمات من النساء نوعان :
(
__________
(1) محمد بن يوسف أطفيش /شرح كتاب النيل وشفاء العليل - الجزء السادس – 1985 ص 87-99 ، انظر الإمام أبي زكريا يحيى بن الخير ابن أبي الخير الجناوني / من فقه الأباضي - كتاب النكاح – ص59 – 61 .
نور الدين أبي محمد عبدالله بن حميد السالمي / من شرح الجامع الصحيح مسند الإمام – ج3- ص5 (1/78)
صفحة 79
1) نوع يحرم حرمة مؤبدة وهو أن يكون من جهة النسب أو جهة المصاهرة أو من جهة الرضاع وهي تحرم على الرجل أبداً لسبب دائم فيها كالبنوة والأمومة والأخوة .
(2) والنوع الآخر هو من يحرم حرمة مؤقتة .
والنساء المحرمات عند المالكية (48) امرأة . خمس وعشرون مؤبدات : سبع من النسب ( الأم والبنت والخالة والأخت والعمة وبنت الأخ وبنت الأخت ومثلهن من الرضاع) وأربع بالصهر( أم الزوجة وبنتها وزوجة الأب والابن ومثلهن في الرضاع ونساء النبي صلى الله عليه وسلم والملاعنة والمنكوحة في العدة . (1)
(1) المحرمات تحريماً مؤبداً: على معنى أن المرأة لا تحل في أي وقت من الأوقات لمن حرمت عليه لأن سبب التحريم من الصفات الملازمة للمرأة غير القابلة للزوال متى تحققت لا يزول عنها وذلك كالقرابة المحرمية مثل الأمومة والأخوة .
(2) محرمات تحريماً مؤقتاً : على معنى أن المرأة لا تحل على من حرمت عليه مادامت على الحالة التي وجد فيها سبب التحريم المؤقت فمتى تغيرت تلك الحالة وزال سبب التحريم عن المرأة فإن المرأة تصير حلالاً لمن حرمت عليه لارتفاع سبب التحريم مثل زوجة الغير أو المعتدة من الغير فإنها إذا طلقت وانقضت عدتها حلت لغير الزوج بعد أن كانت حراماً وكذلك المعتدة إذا انقضت عدتها تصير حلالاً ومحلاً للزواج بعد أن كانت محرمة على غير المطلق . (2)
الفرع الأول
المحرمات على التأييد
مادة ( 30)
يحرم على الشخص بسبب القرابة التزويج من :
1- أصله وإن علا
2- فرعه وإن نزل
3- فروع أحد الأبوين أو كليهما وإن نزلوا
4- الطبقة الأولى من فرع أحد أجداده أو جداته.
__________
(1) وهبة الزحيلي / الفقه الاسلامي وأدلته – الجزء السابع – 1985 – ص 129
(2) بدران أبو العينين/ الزواج والطلاق في الاسلام – 1985 – ص 80 ، أنظر محمد أبو زهرة / الأحوال الشخصية – 1950 – ص – 63 ، السيد سابق / فقه السنة – المجلد الثاني – ص65. (1/79)
صفحة 80
? أن المحرمات بسبب القرابة أو النسب ينحصرون في أصناف أربعة :-
1) أصول الشخص من النساء وإن علون :
فتحرم على أمه وجداته من جهة أبيه أو من جهة أمه جميعاً . والدليل على تحريم هذا الصنف قوله تعالى ( حرمت عليكم أمهاتكم ) (1) فالأم ثبت تحريمها بنص الآية فأما الجدات فكان تحريمهن إما بالإجماع الذي اعتمد على الآية أو لأن الجدات أمهات مجازاً إذ الأم تطلق على الأصل من النساء على سبيل المجاز أو المراد بالأمهات الأصول وذلك إطلاق لغوي استعمله القرآن في قوله تعالى ( وعنده أم الكتاب ) (2) أو بدلالة النص لأن الله حرم العمات والخالات فالجدات أولى بالتحريم لأنهن طريق الاتصال ففهم تحريمهن بدلالة النص
2) فروع الشخص من النساء وإن نزلن :
فتحرم عليه بنته وبنت بنته وأبنت أبنه مهما نزلن لقوله تعالى (.. وبناتكم ..) (3) فإن النص دال على تحريم بنات البنت وبنات الابن وعلى فرض أن كلمة " البنت " لا تطلق على الفرع مطلقاً وإنما تطلق على الفرع المباشر الذي ينتسب إلى غيره بلا واسطة فلا تدخل بنات الأولاد فيمكن أن يستدل على تحريمهن بالإجماع أو بطريق دلالة النص فإن الله تعالى نص في هذه الآية على تحريم بنات الأولاد فالنص الدال على تحريمهن يكون دالاً على تحريم بنات الأولاد بطريق أولى.
وإذا نفى الزوج نسب بنته من زوجته وتلاعن الزوجان بعد توافر شروط صحة نفي الولد فحكم القاضي بنفي نسب البنت منه وإلحاقها بأمها فهي محرمة على الزوج بسبب النسب والقرابة أنه لا يوجد نسب ولا قرابة بحكم القضاء إلا أن من حقه أن يكذب نفسه ويدعي نسب البنت فيثبت نسبها منه ومن جهة أخرى هي بنت زوجته المدخول بها فتحرم عليه بسبب المصاهرة .
3) فروع أحد الأبوين أو كليهما وإن نزلوا :
__________
(1) سورة النساء ، آية 23
(2) سورة الرعد ، آية 39
(3) سورة النساء ، آية 23 (1/80)
صفحة 81
وفروع الأبوين هي الأخوات سواء كانت شقيقات أم لأب أم لأم وكذا بنات الأخوة والأخوات وبنات أولاد الأخوة والأخوات مهما نزلن ودليل تحريمهن قوله تعالى (.. وأخواتكم ..) (1) فإنه دال على تحريم الأخت وقوله تعالى ( وبنات الأخ وبنات الأخت ) (2) دال على تحريم بنات الأخوة والأخوات أما بنات أولاد الأخوة والأخوات فقد ثبت تحريمهن بالنص .
4) الطبقة الأولى من فرع أحد أجداده أو جداته :
إذا انفصلن بدرجة واحدة فتحرم العمات والخالات مهما تكن درجة الجد والجدة ولا تحرم بنات الأعمام والأخوال والخالات والعمات ودليل تحريم العمات والخالات قوله تعالى ( وعماتكم وخالاتكم ) (3) ودليل حل بنات الأعمام والعمات والأخوال والخالات أنهن لم يذكرن في المحرمات فيدخلن ضمن قوله تعالى ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) (4) كما جاء التصريح بحلهن في قوله تعالى ( يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك) (5) . فقد أحلت للرسول صلى الله عليه وسلم التزويج ببنات عمه وعماته وبنات خاله وخالاته وما أحل للرسول عليه السلام يحل لأمته ما لم يقم دليل على الخصوصية ولا دليل .
__________
(1) سورة النساء ، آية 23
(2) سورة النساء ، آية 23
(3) سورة النساء ، آية 23
(4) سورة النساء ، آية 24
(5) سورة الأحزاب ، آية 50 (1/81)
صفحة 82
? تلك أصناف المحرمات بسبب النسب اللاتي حرمتهن مؤبدة لا تزول بحال من الأحوال فمن عقد على واحدة منهن كان العقد باطلاً لا يترتب عليه أي أثر من الآثار لأن تحريم هذه الأصناف ثابت بالدليل القطعي ولا خلاف فيه لأحد من الفقهاء. (1)
? في المذهب الظاهري : لا يحل نكاح الأم ولا الجدة من قبل الأب أو من قبل الأم وإن بعدتا . ولا البنت ولا بنت من قبل البنت أو من قبل الابن وإن سفلتا ولا نكاح الأخت كيف كانت ولا نكاح بنت أخ أو بنت أخت وإن سفلتا ولا نكاح العمة والخالة وإن بعدتا . ولا نكاح أم الزوجة ولا جدتها وإن بعدت . ولا أم الأمة التي حل له وطؤها ولا نكاح جدتها وإن بعدت. (2)
? بالنسبة للفقه المالكي : فقد اتفقوا على النساء اللاتي يحرمن من قبل النسب السبع المذكورات في القرآن : الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت . (3)
? في الفقه الشافعي : أن التحريم من جهة القرابة ويحرم بها سبع كما ذكر في القرآن لقوله تعالى " حرمت عليكم أمهاتكم " إلى قوله تعالى " وبنات الأخت " فهؤلاء محرمات في النص ولا تحرم بنات الأعمام والعمات والأخوال والخالات . (4)
__________
(1) وهبة الزحيلي/ الفقه الإسلامي وأدلته - الجزء السابع - 1985- ص 130 – 131، بدران أبو العينين / الزواج والطلاق في الإسلام- 1985- ص80-83 ، انظر محمد أبو زهرة / الأحوال الشخصية- 1950- ص 63- 64، السيد سابق / فقه السنة ط8- ج2 -1987- ص 65- 66 .
(2) الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي/ المحلى بالآثار – ج9 - 1988- ص 130- 131.
(3) إبن رشد / بداية المجتهد ونهاية المقتصد ج2 – 1989-ص51 – 52.
(4) الشافعي ، تقي الدين أبي بكر بن محمد الحسين الحصني الدمشقي / كفاية الأخبار في حل غاية الاختصار - ج1 - ص 55- 56. (1/82)
صفحة 83
? وقد قيل في المذهب الأباضي : حرم على الرجل نكاح أمه وما ولدت وإن سفل وما ولدها مطلقاً وإن علا وابنته وما ولدت وإن سفلا وأخته مطلقاً وما ولدت وما فوق أخته من أبويه من جدات من أبيها وأمها وما فوق أخته من أبيه من قبل أبيها لا ما فوقها من قبل أمها وأخته من أمه وما فوقها من قبل أمها لا ما فوقها من أبيها وبنت أخيه وأخته وما ولدتا وإن سفل وما ولد بنو أخيه كذلك لا ما فوق بنت أخيه من أمهات وجدات من أمها ونكاح ما فوقها من جدات من أبيها وعمته وخالته وما فوقهما لا ما تحتهما وعمات أبويه وخالاتهما . (1)
مادة (31) :
يحرم على الشخص بسبب المصاهرة التزوج :
أ ) ممن كان زوج أحد أصوله وإن علوا أو أحد فروعه وإن نزلوا .
ب ) أصول زوجة وإن علوا .
ج) فروع زوجته التي دخل بها دخولاً حقيقياً وإن نزلن .
? إن المحرمات بسبب المصاهرة ينحصرون في أربعة أنواع :-
1) زوجات الأب والجد وإن علا :
يحرم على الرجل أن ينكح زوجة أبيه أو جده وإن لم يدخل بها وذلك لقوله تعالى ( لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف ) (2) والمراد بالنكاح هنا العقد فمتى عقد أحد من أصول الشخص على المرأة لا يحل تزوجها من قبل أبنائه وأبناء أبنائه وأبناء بناته .
__________
(1) محمد بن يوسف أطفيش /شرح كتاب النيل وشفاء العليل – ج6- 1985- ص23- 25 ، الإمام أبي زكريا يحيى بن الخير ابن أبي الخير الجناوني / كتاب النكاح – ص23- 25 ، أبو الحسن الشيخ علي بن محمد البسياني/ كتاب مختصر البسيوي – ص182 – 183 .
(2) سورة النساء آية 22 (1/83)
صفحة 84
وقد جاء تحريم منكوحة الأب بنص الآية أما تحريم منكوحة الأجداد فقد جاء بالإجماع وبدلالة النص . والحكمة في هذا أن زوجة الأب أو الجد بمنزلة الأم في الاحترام والتقدير فلذلك حرم الزواج بها كما حرم الزواج بالأم . وكذلك فإن زوجة الأب إذا فارقها فقد تغره الندامة ويخالطه التشوق والحزن فيريد أن يعود إليها فإذا ما نكحها ابنه أورثه ذلك إيحاشاً وأسى عميقين مما يزرع كوامن البغضاء والحسد وهما سببان في القطيعة المحرمة.
2) زوجة الابن وابن الابن وابن البنت وإن نزلوا :
يحرم على الرجل أن يتزوج زوجة ابنه أو ابن ابنه أو ابن بنته وإن نزلوا سواء أدخل بها أو لم يدخل فإذا عقد الرجل على امرأة حرمت هذه المرة على أبيه وجده مهما علا تحريماً مؤبداً .
وذهب المالكية إلى أن ابن الابن ليس من صلب الرجل فلا يصح أن يعدى التحريم إليه وقد رد هذا القول بأن مثل هذا اللفظ يذكر باعتبار أن الأصل من صله وذلك مثل قوله تعالى (هو الذي خلقكم من تراب) (1) ومعلوم أن المخلوق من التراب هو الأصل .
ودليل على تحريم زوجة الفرع قوله تعالى ( وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ) (2) والحلائل جمع حليلة وهي الزوجة واسم الأبناء يطلق على الفرع الذكور مباشرة أو بالواسطة فيشمل الأبناء ، وأبناء الأبناء ولا فرق بين أن يكون الابن من النسب أو الرضاع وإنما قيدت الآية الأبناء بكونهم من الأصلاب لإخراج الأبناء بالتبني فلا تحرم زوجاتهم على من تبنوهم إذ ليسوا من دمه وليسوا جزءاً منه .
__________
(1) سورة غاقر ، آية 67
(2) سورة النساء ، آية 23 (1/84)
صفحة 85
والحكمة من تحريم زوجة الفرع هو المحافظة على العلائق بين أفراد الأسرة ومنع كل ما يؤدي إلى القطيعة بينهم فإنه لو أباح الشرع للرجل أن يتزوج حليلة ابنه بعد أن يطلقها لأدى ذلك إلى بذر الضغينة بين الابن وأبيه لأن الابن ربما يريد معاودة الحياة مع مطلقته فإذا رأى أباه قد تزوجها أضغنه ذلك كما إن زوجة الابن كبنت الأب ، وكثيراً ما تناديه بنداء البنت لأبيها . فكيف يحل زواجها وكذلك لو أبيح للأب أن يقترن بزوجة ابنه لأدى ذلك إلى ضرب الحجب بينهما والتحرج من المخالطة والاعتزال الذي يؤدي إلى قطيعة الرحم .
3) أصول زوجة الشخص وإن علوا :
يحرم على الرجل نكاح أم زوجته لقوله تعالى ( وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في جحوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ) (1) وهي معطوفة على تحريم الأمهات ف قوله تعالى من نفس الآية (حرمت عليكم أمهاتكم ) . فإذا عقد الرجل النكاح على امرأة ترتب على ذلك أن تحرم عليه كل أم لهذه المرأة سواء كانت أماً مباشرة حقيقية أو مجازاً أو يستوي في ذلك أن تكون من جهة النسب أو من جهة الرضاع . دخل الرجل بالمرأة أو لم يدخل والقاعدة في ذلك أن العقد على البنات يحرم الأمهات والدخول بالأمهات يحرم البنات .
ذلك ما ذهب إليه العلماء كافة إلا ما روي عن البعض بمخالفة هذا الاتفاق فقد روي عن علي رضي الله عنه أنه قال : ( لا تحرم عليه الأم إلا بالدخول بالبنت) كالربيبة وذلك قال مجاهد وبشر والمر بسي وابن شجاع . فأما الذين ذهبوا إلى أن تحريم الأم لا يثبت إلا بالدخول بالبنت فقد استدلوا بقوله تعالى ( وأمهات نسائكم ) .
فقالوا :الأصل أن الشرط والاستثناء إذا تعقب كل منهما كلمات اتسق بعضهما على بعض انصرف إلى جميع ما سبق ذكره ولذلك قالوا : أن الشرط في قوله تعالى " اللاتي دخلتم بهن " يعود إلى كل من الربائب والأمهات وأن كانت الأمهات قد ذكرن قبل الربائب .
__________
(1) سورة النساء ، آية 23 (1/85)
صفحة 86
والصحيح ما ذهب إليه عامة العلماء من صحابة وتابعين وغيرهم وهو أن أم الزوجة حرام نكاحها سواء وقع الدخول بالبنت أو لم يقع واستدلوا على ذلك إلى ما اعتمده أهل العلم جميعاً من منقول ومن معقول .
والحكمة في تحريم الزواج بأم الزوجة وبإحدى جداتها أن الزواج يوجد رابطة بين الزوج وأصول زوجته كرابطة النسب فيختلط الزوج بهن ويجتمع معهن في منزل واحد فلو أبيح للرجل أن يتزوج بأم زوجته لأنفتح باب الطمع والتطلع إليهن وقد يؤدي ذلك إلى انحلال رابطة الزوجية بين الرجل وزوجته وإنشاء زوجية أخرى مع أم الزوجة أو إحدى بناتها وفي ذلك فساد كبير .
4) فروع زوجته التي دخل بها دخولاً حقيقياً إن نزلن :
يحرم على الرجل نكاح بنت الزوجة أو الربيبة كما سماها القرآن ويشمل التحريم بناتها وبنات بناتها وبنيها وإن نزلن . على أن بنت زوجة الرجل تحرم عليه بنص الكتاب إذا كان قد دخل الرجل بزوجته فإن لم يكن قد دخل بها فلا تحرم . فقد قال الله عز وجل ( وربائبكم اللاتي في جحوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم) ويستوي في ذلك أن تكون بنت الزوجة في حجرة أم لم تكن .
وذلك هو القول الراجح وهو الذي ذهبت إليه أهل العلم وقد كان عمر وابن مسعود يقولان : الحجر ليس بشرط وبه أخذ العلماء ألا أن بعض العلماء قالوا : لا تحم بنت الزوجة إلا أن تكون في حجر الرجل وذلك لظاهر الآية (( وربائبكم اللاتي في جحوركم )) واستدلوا بذلك بما روي عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول : الحجر شرط وذهبت إلى ذلك الظاهرية أخذاً بظاهرة الآية . (1/86)
صفحة 87
والراجح هو مذهب عامة العلماء وهو عدم اشتراط أن تكون بنت الزوجة في الحجر . ذلك أن ذكر الحجر في الآية إنما جاء على وجه العادة فلقد كان معتاداً أن تكون بنت المرأة في حجر زوج أمها . لكن ذلك لم يكن على وجه الشرط بل على وجه العرف المعتاد . وذلك يشبه قوله تعالى ( فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً ) (1) فلا تشترط الدراية من أجل حصول المكاتبة بل ذلك مذكور على وجه العادة لا الشرط .
وإذا تزوج الرجل امرأة ثم اتضح بعد الدخول بها أن العقد فاسد فلا يجوز له أن يتزوج ابنتها لأن المهم في هذه الحالة الدخول لا العقد .
والحكمة من المغايرة بين الأم وابنتها في التحريم حيث حرم الله على الرجل بمجرد العقد على البنت أن يتزوج الأم ولم يحرم عليه أن يتزوج البنت بمجرد العقد على الأم بل لا بد من الدخول بها .
أما البنت فليس في إباحتها على أمها فتنة تخشى أو رحم تقطع لأن الأم لا تغار من ابنتها وتؤثرها على نفسها فإذا عقد عليها رجل ثم طلقها وتزوج ابنتها فإنه في العادة لا يحدث من جراء ذلك أي ضرر يخشى من سوء عاقبته بعكس البنت التي تغار من أمها وإذا تأثرت الأم بعض الوقت فإنها ريثما تعود إلى طبيعتها من المحبة لأبنتها وإيثارها عليها. .
? ومن أدلة الفقهاء :
ففي الفقه الشافعي : المصاهرة فيحرم بها على التأبيد أربع : أحدهن أم امرأتك وكنرا جداتها بمجرد العقد سواء في ذلك من النسب أو الرضاع لقوله تعالى (( وأمهات نسائكم ))
__________
(1) سورة النور الآية 33 (1/87)
صفحة 88
وفي وجه لا تحرم إلا بالدخول كالربيبة والثانية بنت الزوجة سواء بنت النسب أو الرضاع وكذا أولادها بشرط أن يدخل بالأم فإن بانت منه قبل الدخول بها حللن له وإن دخل بها حرمن عليه على التأبيد . والثالثة زوجة الأب حرام وكذا الأجداد سواء في ذلك من جهة الأب أو الأم وسواء في ذلك من النسب أو الرضاع لقوله تعالى (( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء )) فاسم الأبوة صادق على الكل باعتبار الحقيقة والمجاز أو باعتبار الحقيقة مطلقاً . والرابعة زوجة الابن حرام وكذا بنو الابن وإن سفلوا سواء في ذلك النسب والرضاع لقوله تعالى ( وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ) . والمراد أنه لا تحرم زوجة الولد الذي تبناه . وهذا التحريم بالعقد وأعلم أن هذا التحريم محله في العقد الصحيح أما بالنكاح الفاسد فلا تتعلق به حرمة المصاهرة لأنه لا يفيد حل المنكوحة نعم الوطء الشبهة يحرم فإذا تزوج امرأة ووطئها أبوه أو ابنه بشبهة انفسخ نكاحها لأنه معنى يؤبد الحرمة فإذا طلأ أبطل النكاح كالرضاع . (1)
? وفي الفقه المالكي : فقال إن المحرمات بالمصاهرة فإنهن أربع :-
- زوجات الآباء : والأصل فيه قوله تعالى( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء).
- زوجات الأبناء : والأصل في ذلك أيضاً قوله تعالى( وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم)
- أمهات النساء : والأصل في قوله تعالى ( وأمهات نسائكم ) .
- بنات الزوجات : والأصل فيقوله تعالى ( وربائبكم اللاتي في جحوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ).
__________
(1) الإمام تقي الدين أبي بكر بن محمد الحسين الحصني الدمشقي الشافعي- ج1 – ص 57 – 58. (1/88)
صفحة 89
فهؤلاء الأربع اتفق المسلمون على تحريم اثنتين منهن بنفس العقد وهو تحريم زوجات الآباء والأبناء وواحدة بالدخول وهي ابنة الزوجة . واختلفوا منها في موضعين : أحدهما : هل من شرطها أن تكون في جحر الزوج ، والثانية : هل تحرم بالمباشرة للأم للذة أو بالوطء ؟ (1)
وأيضاً بالنسبة للفقه الأباضي : أن المحرمات بالمصاهرة أمهات نسائكم وأم الزوجة حرام وما علا من ذلك والربائب التي دخل بأمهاتهن حرام تزويجهن وما ولدن وإن سفل وإن لم تدخل بأمها فحلال تزوجها وبناتها أيضاً ونساء الأبناء حرام على الآباء قال تعالى ( وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) . ( ولا تنكحوا ما نكح آبائكم من النساء ) فحرام امرأة الأب على الابن أبداً وإن لم يدخل بها وحرام أن يجتمع بين أختين في التزويج ولا ما في ملك اليمين في النكاح وحرام نكاح المحصنات من النساء بغير تزويج إلا ما ملكت أيمانكم بالتزويج وبالتسري مما ملكت اليمن . (2)
مادة ( 32) :
يحرم على الشخص فرعه من الزنا وإن نزل وكذا ابنته المنفية بلعان.
يحرم على الرجل بنته من الزنا بصريح النص في قوله تعالى: (( وبناتكم )) لأنها بنته حقيقة ولغة وخالف الشافعي فقال بعدم تحريمها على الزاني فله أن يتزوجها وسيأتي بيان ذلك تفصيلاً .
وإذا نفى الزوج نسب بنته من زوجته وتلاعن الزوجان بعد توافر شروط صحة نفي الولد فحكم القاضي بنفي نسب البنت منه وإلحاقها بأمها فهي محرمة على الزوج بسبب النسب والقرابة مع أنه لا يوجد نسب ولا قرابة بحكم القضاء. إلا أن من حقه أن يكذب نفسه ويدعي نسب البنت فيثبت نسبها منه ومن جهة أخرى هي بنت زوجته المدخول بها فتحرم عليه بسبب المصاهرة . (3)
__________
(1) إبن رشد ، أبو الوليد محمد بن محمد / بداية المجتهد ونهاية المقتصد ج2 – 1989-ص52 – ص 53.
(2) بدران أبو العينين / الزواج والطلاق في الاسلام ص 82.
(3) الإمام زكريا يحيى بن الخير ابن الخير الجناوني / كتاب النكاح –ص 93 – 40. (1/89)
صفحة 90
وفي المذهب الأباضي :
إذا زنى الرجل بامرأة فلا يجوز له تزويجها بعد ذلك ولا أن يتسراها إذا كانت أمة ولا يجوز له أن يتزوج شيئاً من أمهاتها وجداتها من قبل أمها ولا من قبل أبيها ولا يتزوج ابنتها أو ابنة ابنها أو أبنت بنتها ولا يتسراها.
مادة (33)
يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب إذا وقع الرضاع في العامين الأولين:
? المحرمات بسبب الرضاع هن المحرمات بسبب النسب وهن أربعة أنواع من جهة النسب وأربعة أنواع من جهة المصاهرة فصار المجموع ثمانية ودليل التحريم قوله تعالى : ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ) وقوله صلى الله عليه وسلم : ( الأصهار من الرضاعة أيضاً قياساً على النسب وأخذ من مفهوم الآية والحديث المتقدمين فأصبحت القاعدة : يحرم بسبب الرضاع ما يحرم بسبب النسب وسبب المصاهرة :
وأصناف المحرمات بالرضاع الثمانية هي ما يأتي :
1) أصول الشخص من الرضاع : وهن أمه رضاعاً وأمها وإن علت وأم أبيه رضاعاً وأمها وإن علت .
فالطفل الذي يرضع من امرأة تصير هذه المرأة أماً له من الرضاع وتكون بمنزلة أمه من النسب وتصير أم المرضعة جدة له ويصير زوج المرضعة أباً له بمنزلة أبيه من النسب وأيضاً يصير الولد ابناً لمن أرضعته ولزوجها من الرضاع ويترتب على ذلك أنه يحرم على الرضيع أن يتزوج بمن أرضعته وبأمها وأم أمها وإن علت تحرياً مؤبداً ويحرم على الرضيع أن يتزوج بأم أبيه رضاعاً وبإحدى جدات أبيه من الرضاع وإن علت .
2) فروع الشخص من الرضاع : وهن بنته رضاعاً وابنتها وإن نزلت وابنة أبنه رضاعاً وأبنها وإن نزلت . (1/90)
صفحة 91
فالطفلة التي ترضع من امرأة تصير ابنة لها ولزوج المرضعة الذي هو سبب إدرار اللين فيحرم على الزوج أن يتزوج بهذه الطفلة وبفروعها وإن نزلت تحريماً مؤبداً كما يحرم على عليه الزواج بابنته من النسب فإن كان الذي رضع طفلاً يصير ابناً من الرضاع كذلك لزوج المرضعة فيحرم عليه الزواج بابنة هذه الطفل وبنات أولاده وإن نزلن .
3) فروع الأبوين من الرضاع وهن الأخوات رضاعاً وبنات اخوته وأخواته رضاعاً مهما نزلن سواء اتحد زمن الرضاعة أو لم يتحد .
فالطفل الذي يرضع من امرأة يصير ابناً لهذه المرأة ولزوجها ويصير أولاد المرأة وأولاد الرجل وأولادهما أخوة أو أخوات لهذا الطفل من الرضاع يحرم عليه الزواج بواحدة منهن وبنات أخوته أو أخواته من الرضاع وإن نزلن .
4) فروع الجد والجدة من الرضاع بشرط انفصالهن بدرجة واحدة وهن عماته وخالاته رضاعاً.
فإذا أرضع الطفل من امرأة صار ابناً لها ولزوجها من الرضاع وتصير أخوات هذه المرأة خالات له من الرضاع وأخوات هذا الزوج عمات له من الرضاع يحرم عليه أن يتزوج بواحدة منهن كما يحرمن من النسب أما بنات الخالات وبنات العمات رضاعاً فلا يحرمن كما في النسب .
5) أم الزوجة رضاعاً وكذلك جدتها فإذا كانت زوجة الرجل قد رضعت في صغرها من امرأة تكون هذه المرأة أماً لهذه الزوجة من الرضاع وأمها جدة لها من الرضاع فيحرم على الزوج أن يتزوج بأم زوجته رضاعاً وأم أمها رضاعاً وإن علت سواء دخل بزوجته أو لم يدخل .
6) بنت الزوجة من الرضاع والمراد بها الطفلة التي تكون الزوجة قد أرضعتها قبل أن تتزوج الرجل وكذلك بنات بناتها وبنات أبنائها وإن بعدت درجتهن فإذا كانت زوجة الرجل قبل تزوجها به قد أرضعت طفلة من زواج سابق وكانت هذه الطفلة ابنة للزوجة من الرضاع فإذا دخل الزوج بأمها حرم عليه التزوج بهذه البنت كما يحرم عليه التزوج ببنات هذه البنت وبنات أولادها مهما نزلن . (1/91)
صفحة 92
7) زوجة الأب والجد من الرضاع وإن علا سواء دخل الأب أو الجد بها أو لم يدخل ، فالطفل إذا أرضع من زوجة رجل فإنه يكون أباً لهذا الطفل من الرضاع فتحرم زوجة هذا الأب وكل زوجة يتزوجها تحرم على الطفل حرمة مؤبدة كما يحرم الزواج بزوجة الأب من النسب.
8) زوجة الابن وابن الابن وابن البنت من الرضاع وإن نزلوا فإذا رضع طفل من زوجة رجل كان ابناً لهذا الرجل من الرضاع فيحرم عليه زوجة هذا الابن وزوجة ابن ابنه وزوجة ابن بنته مهما نزلوا .
? حكم التحريم بالرضاع :
يحدث التحريم بالرضاع بسبب تكون أجزاء البنية الإنسانية من اللبن فلبن المرأة ينبت لحم الرضيع وينشز عظمه أي يكبر حجمه كما جاء في الحديث : ( لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم ) (1) فإن إنشاز العظم وإنبات اللحم إنما يكون لما كان غذاؤه اللبن وبه تصبح المرضع أماً للرضيع لأنه جزء منها حقيقة. (2)
? بالنسبة لآراء الفقهاء:
? استثنى الحنفية حالتين من التحريم بالنسب لا تحريم فيهما من جهة الرضاع وهما :
1) أم الأخ أو الأخت من الرضاع فإنه يجوز الزواج بهما ولا يجوز لهما من النسب وذلك أما أن تكون أمه إن كانا شقيقين أو أخوين لأم أو زوجة أبيه إن كانا أخوين وهذا لم يوجد في الرضاع .
2) أخت الابن أو البنت من الرضاع فإنه يحل للأب أن يتزوج بها ولا يحل له أن يتزوج بها من النسب لأنها إما أن تكون بنته أو بنت زوجته المدخول بها وكلتاهما يحرم الزواج بها وهذا لم يوجد في الرضاع. (3)
__________
(1) مسند أحمد ( مسند المكثرين من الصحابة ) حديث رقم 3905 ، أبو داود ، النكاح 1763.
(2) وهبة الزحيلي/ الفقه الاسلامي وأدلته – الجزء السابع – ص 137 ، 138 ، 141 ، أنظر بدران أبو العينين / الزواج والطلاق في الاسلام ص 95 – 97 ، أنظر محمد أبو زهرة / الأحوال الشخصية – ص 77 –83.
(3) وهبة الزحيلي / الفقه الاسلامي وأدلته – الجزء السابع – ص 138 ، 139. (1/92)
صفحة 93
? وفي المذهب الأباضي : يحرم من الرضاع مثل الذي يحرم من النسب فإذا أرضعت المرأة طفلاً فلا يحل له نكاحها هي ولا جميع ما ولدت من البنات وبنات البنين وبنات البنات وأن سفلن ولا جميع ما ولدها من الأمهات والجدات من قبل أبيها أو من قبل أمها وأما ما أرضعته أمه هو فحرام عليه نكاحه ونكاح ما ولدت من البنات وبنات البنين وبنات البنات ولا يحرم عليه نكاح ما ولدها من الأمهات والجدات من قبل الأب ولا من قبل الأم. (1)
? وقال نور الدين في شرح الجامع الصحيح ما نصه : في قوله تعالى (( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب )) وفي رواية الموطأ أن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة والكل تعليل لجواز الدخول والمعنى أنه كما يجوز أن يدخل عليها عمها من النسب فكذلك يجوز أن يدخل عليها عمها من الرضاعة . (2)
مادة (34) :
يحرم على الرجل التزويج ممن لاعنها
إذا رمى الزوج زوجته بالزنى من غير إثبات كامل أي أربعة شهود عدل يقام عليه حد القذف وهو ثمانون جلدة ولا تقبل له شهادة أبداً ، لقوله تعالى " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً ". (3)
__________
(1) الامام إبي زكريا يحيى بن الخير ابن أبي الخير الجناوني / كتاب النكاح – ص25.
(2) العلامة نور الدين أبي محمد عبدالله بن حميد السالمي / من شرح الجامع الصحيح مسند الأمام – ج3 – ص 47.
(3) سورة النور ، آية 4 (1/93)
صفحة 94
ولكن إذا طبق ذلك على من يرمي زوجته يكون في ذلك حرج شديد وخصوصاً أن مظنة الصدق قائمة إذ لا يمكن أن يرميها من غير شبهة قوية دفعته حتى إنه ليروي ابن مسعود أن أنصارياً دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا رسول الله أرأيتم الرجل يجد مع أهله رجلاً فإن قتله قتلتموه وإن تكلم جلدتموه وإن سكت سكت على غيظ اللهم إفتح ). (1)
ولهذا الجرح الذي صورته تلك الكلمات القوية التي جاءت على لسان ذلك الأنصاري كان حكم من يرمي زوجته بالزنى هو اللعان واللعان أن يقسم الرجل أربع مرات بالله بأنه صادق والخامسة عليه لعنة الله إن كان من الكاذبين والخامسة أن عليها غضب الله أن كان من الصادقين وقد بينت الآية الكريمة في سورة النور حقيقة فقد قال تعالى ( والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه أن كان من الكاذبين ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها أن كان من الصادقين ).
فإذا حلف الرجل وحلفت المرأة فقد تم اللعان ومن آثار أن ينتفي نسب ولده أن كان موضوع الرمي بالزنى نفي الولد وأن يفرق بين الزوجين فلا يتعاشرا ولا يحل له أن يعقد عليها أبدأ إلا إذا كذب نفسه فإذا فعل أقيم عليه حد القذف وعاد الحل فيجوز أن يعقد عليها من جديد والسبب في ذلك التفريق وتحريم الزواج وأن الثقة بينهما قد فقدت ولا يمكن أن يقوم زواج ليس أساسه الثقة واطمئنان الرجل إلى أهله في المحافظة على عرضها وعرضه فإن كذب نفسه عادت الثقة فيجوز العقد.
__________
(1) مسلم ، اللعان 2748 ، أبو داود ، الطلاق 1920 ، إبن ماجه ، الطلاق 2058 ، مسند أحمد ( مسند المكثرين من الصحابة ) 4056. (1/94)
صفحة 95
وفي المذهب الشافعي : فقال أنه إذا قذف الرجل زوجته وجب عليه الحد وله مخلصان عنه إما البينة أو اللعان كما نص عليه الخبر ثم متى تيقن الزوج أنها زنت بأن رآها تزني جاز له قذفها وكذا لو أقرت به عنده ووقع في قلبه صدقها أو أخبره به ثقة أو شاع أن رجلاً زنى بها ورآه خارجاً من عندها في أوقات الريبة فلو شاع ولم يره أو رآه ولم يشع لم يجز في الأصح وقال الإمام لو رآه معها تحت شعارها على هيئة منكرة أو رآها معه مرات كثيرة في محل الريبة كان كالاستفاضة مع الرؤية وتبعه الغزالي وغيره ولا يجوز القذف عند عدم ما ذكرناه . وهذا كله إذا لم يكن ولد . وإن كان هناك ولد يتيقن أنه ليس منه وجب عليه نفيه باللعان . هكذا قطع به الجمهور حتى ينتفي عنه من ليس منه . وإذا انتهى الأمر إلى اللعان فيأتي بخمس كلمات ويكون ذلك بأمر الحاكم أو نائبه ويسمى امرأته إن كانت غائبة عن البلد أو المجلس ويرفع في نسبها حتى تتميز عن غيرها وإن كانت حاضرة تكفي الإشارة إليها على الصحيح لأن بها يحصل التمييز فلا يحتاج مع ذلك إلى ذكر النسب والاسم وقيل يجمع بين الاسم والإشارة ويقول في الخامسة: أن لعنة الله عليّ إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا وإن كان هناك ولد ذكره في الكلمات الخمسة لأن كل مرة بمنزلة شهادة. (1)
__________
(1) محمد أبو زهرة والأحوال الشخصية 98-99 أنظر السيد سابق / فقه السنة 93. (1/95)
صفحة 96
إن الزوج لا يجبر على اللعان بعد القذف بل له الامتناع وعليه حد القذف كالأجنبي وكذا المرأة لا تجبر على اللعان بعد لعانه فإذا لاعن الزوج وأكمل اللعان ترتب عليه أحكام : ومنها حصول الفرقة بينهما وهذه الفرقة تحصل ظاهراً وباطناً سواء صدقت أم صدق وقيل أن صدقت لم تحصل باطناً والصحيح الأول وحجة ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم فرق بين رجل وامرأته تلاعناً في زمنه عليه الصلاة والسلام وألحق الولد بالأم ومنها نفي الولد عنه لحديث ابن عمر رضي الله عنهما ومنها التحريم بينهما إذا كانت البينونة باللعان على التأييد. (1)
وفي المذهب الأباضي : إذا تزوج الرجل المسلم امرأة مسلمة ثم رماها بالزنى فإنه يلاعنها وأما إن رمته بالزنى جلدت الحد ولا يلاعنها ، وإذا تزوج الرجل امرأة ثم لاعنها فإذا هي ذات محرم منه أو ذات بعل فليجلد الحد ثمانين جلدة إن لم تصدقه المرأة فيما رماها به من الزنى وإذا طلق الرجل امرأته طلاقاً واحداً ثم رماها بالزنى فإنه يلاعنها ما دامت في العدة فإذا انقضت العدة فلا ملاعنة بينهما. (2)
.
.
.
.
.
.
.
.
.
الفرع الثاني
المحرمات على التأقيت
مادة (35) :
يحرم بصفة مؤقتة :-
1)الجمع ولو في العدة بين امرأتين لو فرضت إحداهما ذكراً لأمتنع عليه التزوج بالأخرى .
2) الجمع بين أكثر من أربع نسوة ولو كانت إحداهن في عدة .
3) زوجة الغير . ... ... ...
4) معتدة الغير .
5) المطلقة ثلاث مرات ، فلا يصح لمطلقها أن يتزوجها إلا بعد إنقضاء عدتها من زوج آخر دخل بها دخولاً حقيقياً في زواج صحيح.
6) المحرمة بحج أو عمرة ... ...
7) المرأة غير المسلمة ما لم تكن كتابية .
8) زواج المسلمة بغير المسلم.
__________
(1) الإمام تقي الدين أبي بكر بن محمد الحسين الحصني الدمشقي الشافعي / كفاية الأخبار في حل غاية الاختصار – ج1 ص120 -123
(2) الإمام أبي زكريا يحيى بن الخير ابن أبي الخير الجناوني / كتاب النكاح - ص291 (1/96)
صفحة 97
والمحرمات تحريماً مؤقتاً هن اللاتي يقبل سبب تحريمهن الزوال فيزول التحريم بزواله ويكون ذلك في أحوال منها :
1) الجمع ولو في العدة بين امرأتين لو فرضت إحداهما ذكراً لأمتنع عليه التزوج بالأخرى
إذا تزوج أخت زوجته أو امرأة محرم لها كخالتها أو عمتها بعد أن طلق زوجته أو فارقها بأي سبب من أسباب الفرقة فإن كانت الفرقة بالوفاة جاز له أن يتزوجها في الحال من غير توقف على مضي عدة الوفاة وأن كان بطلاق رجعي لم يجز له أن يتزوجها إلا بعد انقضاء العدة بلا خلاف بين الفقهاء لأن الطلاق الرجعي لا يزيل الملك ولا يزيل الحل الثابت بالزواج فيكون بعده قائماً حكماً فلو أبيح الزواج بها قبل انتهاء العدة كان الرجل جامعاً بين المحارم وهو لا يجوز وقد اتفق الفقهاء في ذلك وقد اتفق أيضاً بعض الفقهاء على عدم جواز بين المرأة ومحارمها في أثناء العدة من طلاق رجعي فلو طلق زوجته طلاقاً رجعياً لم يجز له الزواج بواحدة من قريباتها المحارم إلا بعد انقضاء العدة لأنها باقية في حكم الزواج السابق .
وقد اختلف الفقهاء في الجمع بين المحارم إذا كانت إحداهن معتدة من طلاق بائن فقال الحنفية والحنابلة : يحرم الجمع بين الأختين ومن في حكمها إذا كانت واحدة منهما في أثناء العدة من طلاق بائن بينونة صغرى أو كبرى لقوله صلى الله عليه وسلم ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمع ماءه في رحم أختين ). (1)
وقال المالكية والشافعية : يصح الزواج بأخت المطلقة ومن في حكمها من المحارم في أثناء العدة من طلاق بائن بينونة صغرى أو كبرى لانقطاع أثر الزواج السابق فلا تحل لمن طلقها إلا بعقد جديد وحينئذ لا يجمع المرأتان في حكم فراش واحد. (2)
__________
(1) الترمذي ، النكاح 1050 ، أبو داود ، النكاح 1844.
(2) بدران أبو العينين / الزواج والطلاق في الاسلام – ص 125 ، أنظر وهبة الزحيلي / الفقه الاسلامي وأدلته – الجزء السابع – 1985-ص164. (1/97)
صفحة 98
وقد جاء في المذهب الأباضي : في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها ) لا بالتزويج ولا بالتسرى وحيث حرم الجمع فلو نكحها بطل نكاحها إذ ليس تخصيص إحداهما بالبطلان بأولى من الأخرى فإن نكحها مرتباً بطل نكاح الثانية لأن الجمع حصل بها. (1)
2) الجمع بين أكثر من أربعة نسوة ولو كانت إحداهن في العدة .
لا يجوز للرجل في مذهب أهل السنة أن يتزوج أكثر من أربع زوجات في عصمته في وقت واحد ولو في عدة مطلقة فإن أراد أن يتزوج بخامسة فعليه أن يطلق إحدى زوجاته الأربع وينتظر حتى تنقضي عدتها ثم يتزوج بمن أراد لأن النص القرآني لا يبيح للرجل أن يجمع بين أكثر من أربع في وقت واحد.
وهو قوله تعالى : ( إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعدلوا). (2)
السبب في الاقتصار على أربع : إن إباحة الزواج بأربع فقط قد يتفق في رأينا مع مبدأ تحقيق أقصى قدرات وغايات بعض الرجال وتلبية رغباتهم وتطلعاتهم مع مرور كل شهر. إذاً الاقتصار على أربع عدل وتوسط وحماية النساء من ظلم يقع بهن من جراء الزيادة وهو بخلاف ما كان عليه العرب في الجاهلية والشعوب القديمة حيث لا حد لعدد الزوجات وإهمال بعضهن .
قيود إباحة التعدد :
__________
(1) نور الدين أبي محمد عبدالله بن حميد السالمي / من شرح الجامع الصحيح مسند الإمام – ص 23 ، أنظر الإمام أبي زكريا يحيى بن الخير إبن أبي الخير الجناوني / كتاب النكاح –ص 31-33.
(2) سورة النساء ، آية رقم 3 (1/98)
صفحة 99
1) توفر العدل بين الزوجات : والراد بالعدل المشترط لإباحة التعدد هو العدل المستطاع المقدور عليه وهو التسوية في الأمور الظاهرة مثل النفقة والمبيت وحسن المعاشرة . أما العدل غير المستطاع فهو في الأمور التي تدخل في قدرة الإنسان واختياره كالميول القلبية والمحبة فهذا ليس في المقدور فليس مراداً .
2) القدرة على الإنفاق على العدد من الأزواج مع القيام بالواجبات الواجبة عليه في أسرته كالإنفاق على من تجب عليه نفقته من ذوي رحمة.
? حكمة تعدد الزوجات : أن نظام وحدة الزوجة هو الأفضل وهو الغالب وأما تعدد الزوجات فهو أمر نادر لا يلجأ إليه إلا عند الحاجة ولم توجبه الشريعة على أحد بل ولم ترغب فيه وإنما إباحته لأسباب عامة وخاصة :
أ ) الأسباب العامة :
احتياج الأمة أحياناً إلى زيادة النسل لخوض المعارك ضد الأعداء أو للمعونة في أعمال الزراعة والصناعة وغيرها
الحاجة الإجماعية إلى إيجاد قرابات ومصاهرات لنشر الدعوة الإسلامية كما حدث للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه عدد زوجاته التسع بعد سن الرابعة والخمسين من أجل نشر دعوته وكسب الأنصار لدين الله الجديد وبقي إلى هذا السن على زوجة واحدة وهي السيدة خديجة رضي الله عنها.
ب ) الأسباب الخاصة :
- عقم المرأة أو مرضها أو عدم توافق طباعها مع طباع الزوج . فقد تكون المرأة عقيماً لا تلد أو أن بها مرضاً منفراً يحول بينها وبين تحقيق رغبات الزوج أو أن طبعها لم ينسجم مع طبع الزوج فيكون من الأفضل والأرحم أن تظل هذه الزوجة في رباط الزوجية وأنه أكرم لها إلى نفسها وتعطي للرجل بالزواج من ثانية لتحقق له السعادة بإنجاب الأولاد . (1/99)
صفحة 100
- اشتداد كراهية الرجل للمرأة في بعض الأوقات : فقد ينشأ نزاع عائلي بين الزوج وأقارب زوجته أو بينه وبين زوجته وتستعصي الحلول وتتأزم المواقف ويتصلب الطرفان فإما فراق نهائي وإما بصبر وقتي من الرجل تتطلبه الأخلاق والوفاء والحكمة والعقل ولا شك أن اتخاذ الموقف الثاني بإبقاء الزوجة في عصمة زوجها مع زوجة أخرى أهون بكثير من الطلاق :( أبغض الحلال إلى الله الطلاق ). (1)
وقال الأباضية في ذلك : إذا تزوج رجل خمس نسوة في عقدة واحدة فإنه يجبر بالحبس على اعتزالهن فإن مسهن كلهن كذاك فقد حرمن عليه كلهن ولا يحل له أن يتزوجهن بعد ذلك. (2)
3) زوجة الغير :
__________
(1) بدران أبو العينين / الزواج والطلاق في الاسلام –ص126-133 ، أنظر وهبة الزحيلي/ الفقه الاسلامي وأدلته – الجزء السابع – ص165-171 ، محمد أبو زهرة / الأحوال الشخصية –88-95.
(2) الامام أبي زكريا يحيى بن الخير إبن أبي الخير الجناوني / كتاب النكاح – ص32. (1/100)
صفحة 101
فيحرم على الرجل أن يتزوج زوجة غيره زواجاً صحيحاً لقوله تعالى في بيان المحرمات من النساء "( والمحصنات إلا ما ملكت أيمانكم ). (1) والمراد بالمحصنات في الآية ذوات الأزواج بإجماع العلماء وهذه الآية وهذه الآية معطوفة على المحرمات في الآية قبلها فكان المعنى : حرمت عليكم أمهاتكم وحرمت عليكم المتزوجات من النساء مطلقاً سواء كن مؤمنات أو غير مؤمنات والحكمة في ذلك هي منع الإنسان من الاعتداء على حق الغير وحفظ الأنساب من الاختلاط والضياع . ولم يستثن من هذا الحكم إلا المسببات من زوجات المحاربين في حرب مشروعة فإنهن إذا سبين من غير أزواجهن وقعت الفرقة بين أزواجهن وبينهن بسبب اختلاف الدار فيحل الزواج بهن ويقر هذا الرأي المذهب الحنفي. (2)
4) معتدة الغير:
وهي التي تكون في أثناء العدة من زواج سابق سواء عدة طلاق أو وفاة فلا يحل لأحد غير زوجها الأول التزوج بها حتى تنقضي عدتها ويشمل ذلك عدة الزواج الفاسد أو بشبهة لثبوت نسب الولد لقوله تعالى ( ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله ) (3) أي لا تعقدوا الزواج على المعتدة من وفاة حتى تنتهي عدتها . ولقوله سبحانه ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) (4)
أي أطهار أو حيضات على رأيين في التفسير والفقه أي يجب على المرأة المطلقة الانتظار ثلاث أطهار أو حيضات فلا يحل الزواج بها وقال علي وابن عباس وعبيدة السلماني " ما أجمعت الصحابة على شيء كإجماعهم على أربع قبل الظهر وألا تنكح امرأة في عدة أختها. (5)
__________
(1) سورة النساء ، آية 24.
(2) بدران أبو العينين / الزواج والطلاق في الاسلام – ص110 ، محمد أبو زهرة / الأحوال الشخصية –ص96 ، الإمام علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي / كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع –ط2-1982-ص268.
(3) سورة البقرة ، آية 235
(4) سورة البقرة ، آية 228
(5) بدران أبو العينين / الزواج والطلاق في الاسلام – ص116 (1/101)
صفحة 102
س - هل يترتب على الدخول بالمعتدة تحريمها على الرجل تحريماً مؤبداً ؟
ج - فقد اختلف الفقهاء على رأيين فقال الجمهور : أن الدخول بالمعتدة لا يحرمها عليه بل إذا انقضت عدتها حل له الزواج بها لأن الرجل لو زنى بامرأة لا يحرم عليه الزواج بها بالاتفاق فكذلك لو دخل بها وهي في العدة أو بعدها لا يحرم عليه الزواج بها بعد انتهاء العدة ولأن علي بن لأبي طالب رضي الله عنه قال : يفرق بينهما ثم يخطبها بعد العدة أن شاء وروي مثله عن ابن مسعود رضي الله عنه .
وقال المالكية : الدخول بالمعتدة يحرمها على الرجل تحريماً مؤبداً فيفرق بينهما ولا تحل له أبداً بدليل ما روى مالك عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرق بين طليحة الأسدية وبين زوجها راشد الثقفي لما تزوجها في العدة من زوج ثاني وقال : أيما امرأة نكحت في عدتها من الأول ثم كان الآخر خاطباً من الخطاب وأن دخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الأول ثم اعتدت من الآخر ثم لا يجمعان أبداً قال ابن المسيب : ولها مهرها بما استحل منها وهذا هو مانع العدة عند المالكية من أربعة عشر مانعاً. (1)
? الحكمة في تحريم معتدة الغير : هي أن الزواج ما زال قائماً فحق غيره بها ما زال باقياً ببقاء آثاره ولخشية اختلاط الأنساب منع ذلك وأن هذا لا يثبت إذا كانت المعتدة معتدة منه هو ولو كان الطلاق بائناً فإنها تحل له من غير عقد ومهر إذا كان الطلاق رجعياً ولا تعود إلا بعقد ومهر جديدين إذا كان بائناً بينونة صغرى أما إذا كانت البينونة كبرى وهي ما إذا كان الطلاق هو المكمل للثلاث فإنها لا تحل له إلا بعد أن يتزوج زوجاً غيره على ما عملت. (2)
__________
(1) وهبة الزحيلي / الفقه الاسلامي وأدلته – الجزء السابع – ص 147-148.
(2) محمد أبو زهرة / الأحوال الشخصية – ص97. (1/102)
صفحة 103
وقد قال الحنفية : لقوله تعالى ( ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله ) (1) أي ما كتب عليها من التربص ولأن بعض أحكام النكاح حالة العدم قائم فكان النكاح قائما من وجه والثابت من وجه كالثابت من كل وجه في باب الحرمات ولأنه لا يجوز التصريح بالخطبة في حال قيام العدة ومعلوم أن خطبتها بالنكاح دون حقيقة النكاح فما لم تجز الخطبة فلاني لا يجوز العقد أولى وسواء كانت العدة عن طلاق أو عن وفاة أو دخول في نكاح فاسد أو شبهة نكاح ويجوز لصاحب العدة أن يتزوجها إذا لم يكن هناك مانع آخر غير العدة لأن العدة حقه قال سبحانه وتعالى ( فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ) (2) أضاف العدة إلى الأزواج فدل أنها حق الزوج وحق الإنسان لا يجوز أن يمنعه من التصرف وإنما يظهر أثره في حق الغير . (3)
وفي كتاب النكاح في المذهب الأباضي : قال الله تعالى ( ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله ) فإنه والله أعلم يريد بقوله النهي عن الخطبة في العدة حتى تنقضي وأما التعريض الذي أباحه الله تعالى فقيل : إنه أن يقول الرجل للمرأة وهي في عدتها : ما أحسن ثيابك والتعريض في اللغة فيما يقال والله أعلم : أن يريد الرجل حاجة فيتعرض في طلبها بغيرها وإذا خطب الرجل امرأة في عدتها على رجل آخر غيره بغير أمره ولا علمه فلا يضر ذلك المخطوب عليه وقال الله تعالى : ( ولكن لا تواعدوهن سراً ) (4) فقيل السر هو النكاح (5)
5) المطلقة ثلاث مرات ، فلا يصح لمطلقها أن يتزوجها إلا بعد انقضاء عدتها من زوج آخر دخل بها دخولاً حقيقياً في زواج صحيح .
__________
(1) سورة البقرة ، آية 235
(2) سورة الأحزاب 49
(3) الإمام علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي / كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع – ص268 - 269
(4) سورة البقرة ، آية 235
(5) الإمام أبي زكريا يحيى بن الخير ابن الخير الجناوني / كتاب النكاح – ص 49 - 50 (1/103)
صفحة 104
من طلق زوجته طلقة مكملة للثلاث لا يحل له أن يتزوج بها وتحرم عليه تحريماً مؤقتاً إلى أن تتزوج بغيره بعد انقضاء عدتها منه ثم يموت عنها زوجها الثاني أو يطلقها لأي سبب من الأسباب بعد دخوله بها دخولاً حقيقياً وتنقضي عدتها منه فإذا حصل كل هذا يحل لمطلقها الأول أن يتزوجها مرة أخرى والدليل على ذلك قوله تعالى ( الطلاق مرتان فإمساك بمعرف أو تسريح بإحسان ) (1) ثم قال في الآية بعدها ( فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ) (2) فقد دلت الآية الأولى على أن للزوج أن يراجع زوجته التي طلقها مرة أو مرتين وأنه بعد المرتين فإما أن يمسك زوجته بمعروف وذلك بأن يراجعها ويردها إلى عصمته من غير أضرار بها وإما أن يسرحها بإحسان وذلك بأن يتركها بدون أن يردها إلى عصمته حتى تنقضي عدتها منه ، ودلت الآية الثانية على أنه إذا طلقها بعد المرتين طلقة مكملة للثلاث لا يجوز له أن يتزوجها مرة أخرى حتى تنكح غيره ومن المعلوم أن زواجها بالثاني لا يكون إلا بعد انقضاء عدتها من الأول وأنها لا تحل لزوجها الأول ما دامت في عصمة زوجها الثاني أو في عدة منه .
وجمهور الفقهاء يقولون إنه يشترط أن يدخل الزوج الثاني بها دخولاً صحيحاً حتى تحل لزوجها الأول .
? والحكمة في ذلك : هي دعوة كل من الزوجين إلى بذل الجهد لإبقاء الحياة الزوجية بينهما وعدم التفريط فيها فلا يقدم على إيقاع الطلقة الثالثة إلا إذا لم يجد مندوحة عنها .
كما أن المرأة إذا عادت إلى زوجها الأول بعد أن تزوجت غيره تكون قد خبرت الرجال وجربت الحياة الزوجية مع غيره فتحاول ما استطاعت عدم إثارة الشقاق والنزاع الذي أدى إلى هذه النتيجة المؤلمة القاسية فيسود بينهما الوئام والوفاء في حياتهما الجديدة .
__________
(1) سورة البقرة ، آية 229
(2) سورة البقرة ، آية 230 (1/104)
صفحة 105
? وقد قال الحنفية والشافعية في ذلك : تحل المطلقة ثلاثاً لزوجها الأول بنكاح التحليل لكن يكره عند الحنفية تحريماً التزوج الثاني أن كان بشرط التحليل مثل : تزوجتك على أن أحلك . لحديث ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له ) (1) ويصح الزواج ويبطل الشرط فلا يجبر الثاني على الطلاق فإن أضمر الزوج الأول والثاني التحليل أو كان الثاني مأجوراً لقصد الإصلاح لا مجرد قضاء الشهوة ونحوها لا يكره .
? وذكر الشافعية أن نكاح المحلل باطل إن نكحها على أنه إذا وطئها فلا نكاح بينهما أو أن يتزوجها على أن يحللها للزوج الأول لما روى هزيل عن عبدالله قال : ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواصلة والموصولة والواشمة والموشومة والمحلل والمحلل له وآكل الربا ومطعمه ) (2) ولأنه نكاح شرط انقطاعه دون غايته فأشبه نكاح المتعة وأما أن تزوجها وأعتقد أنه يطلقها إذا وطئها فيكره ذلك لما روى الحاكم والطبراني في الأوسط عن عمر أنه: ( جاء إليه رجل فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثاً أخ له عن غير مؤامرة ليحلها لأخيه هل تحل للأول ؟ قال : لا ، إلا بنكاح رغبة ). (3)
? وقال المالكية والحنابلة : إن نكاح المحلل أو نكاح التيس المستعار ولو بلا شرط : وهو الذي يتزوجها ليحلها لزوجها حرام باطل مفسوخ لا يصح ولا تحل لزوجها الأول والمعتبر نية المحلل لا نية المرأة ولا نية المحلل له.
__________
(1) أبو داود ، النكاح 1778 ، الترمزي النكاح 1038 ، إبن ماجه نكاح 1925 ، أحمد ( مسند العشرة المبشرين بالجنة ) 601
(2) البخاري ، اللباس 5477 ، مسلم ، اللباس والزينة 3968 ، الترمذي ، الأدب 2705 ، النسائي الزينة 5150 ، مالك الجامع 1489
(3) وهبة الزحيلي / الفقه الاسلامي وأدلته – الجزء السابع – ص 143 – 146 ، أنظر بدران أبو العينين / الزواج والطلاق في الاسلام – ص113 – 114 ، محمد أبو زهرة / الأحوال الشخصية – ص 87 – 88. (1/105)
صفحة 106
? وعند الأباضية : أن المطلقة ثلاثاً لا تحل لزوجها حتى تنكح زوجاً غيره ويطلقها بعد الدخول وقال في كتاب النكاح : ( إذا طلق الرجل امرأته ثلاث تطليقات فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً لا تدليس فيه فيذوق عسيلتها وتذوق عسيلته فإذا مات عنها أو طلقها فإن الأول يتزوجها فإن تزوجها الأول كانت عنده بثلاث تطليقات فإن طلقها الأول واحدة أو اثنتين فتزوجت زوجاً غيره فمات عنها أو طلقها فتزوجها الأول كانت عنده على ما بقى من الطلاق الأول ولا يهدم الزوج التطليقة الواحدة ولا الاثنتين ولا يهدم إلا الثلاثة ومنهم من يقول بأن يهدم الزوج الطلقة الواحدة والاثنتين والثلاثة وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً ثم تزوجت زوجاً غيره فمات عنها أو طلقها من قبل أن يمسها فلا يتزوجها الأول بذلك حتى تنكح زوجاً غيره وكذلك إذا مسها الزوج الآخر فيما دون الفرج فمات عنها أو طلقها فالله أعلم. (1)
6 ) المحرمة بحج أو عمرة
لا يجوز عند الجمهور نكاح المحرم : فلا ينكح المحرم ولا يُنكح فإن فعل فالنكاح باطل وقد قال أبو حنيفة : لا بأس بذلك لتعارض حديثين : حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم وحديث ميمونة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال. (2)
وقال في فقه السنة : والعمل على هذا عند بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحق ولا يرون أن يتزوج المحرم وإن نكح فنكاحه باطل وما ورد من أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( تزوج ميمونة وهو محرم ) فهو معارض بما رواه مسلم من أنه تزوجها وهو حلال. (3)
__________
(1) الإمام أبي زكريا يحيى بن الخير إبن أبي الخير الجناوني /كتاب النكاح – ص 294 – 296 تخريج الحديث : النسائي / النكاح 3221 ، البخاري الحج 1806 ، النكاح 4722 ، مسلم نكاح 2527 ، الترمذي الحج 771 ، إبن ماجه نكاح 1955.
(2) وهبة الزحيلي : 17/176
(3) السيد سابق : ص85 (1/106)
صفحة 107
وروى مالك بسنده إلى عثمان بن عفان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا ينكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب ) (1)
وذكر ذلك نور الدين السالمي في شرح الجامع الصحيح وهو مذهب الأباضية (2) وجميع ما ذكرنا وارد في الرجل وكذلك الحال في المرأة لأنه لا فرق بينهما في مسألة الحرمة بسبب الإحرام .
7 ) المرأة غير المسلمة ما لم تكن كتابية .
لا يحل للمسلم الزواج بالمرأة المشركة : وهي التي تعبد مع الله إلهاً غيره كالأصنام أو الكواكب أو النار أو الحيوان ومثلها المرأة الملحدة أو المادية وهي التي تؤمن بالمادة إلهاً وتنكر وجود الله ولا تعترف بالأديان السماوية مثل الشيوعية والوجودية والبهائية والقاديانية. وذلك في قوله تعالى ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خيرٌ من مشركة ولو أعجبتكم ) (3) وكل من يعبد غير الله يطلق عليه اسم مشرك في لغة القرآن وعرف الشارع ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في شأن المجوس الذي يعبد النار( سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم ) (4)
وألحق الشافعية وغيرهم المرأة المرتدة بالمشركة فلا يجوز لأحد أصلاً مسلم أو كافر أن يتزوجها لأنها تركت ملة الإسلام ولا تقر على الردة فإما أن تموت أو تسلم فكانت الردة في معنى الموت لكونها سبباً مقضياً إليه والميت لا يكون محلاً للزواج .
__________
(1) مسلم ، نكاح 2522 ، الترمذي الحجم 869 ، النسائي مناسك الحج 2793 ، النكاح 3223 ، أبو داود المناسك 1569 ، إبن ماجه نكاح 1956.
(2) الحديث رواه الربيع بن حبيب عن عثمان بن عفان ورواه الجماعة إلا البخاري. أنظر شرح الجامع الصحيح – ج7 – ص29
(3) سورة البقرة ، آٍية 221
(4) البخاري الجزية والموادعة 2923 ، الترمذي ، السير 1512 ، مالك ، الزكاة 1544 أبو داود ، الزواج والإمارة والفيء 2646 (1/107)
صفحة 108
? الحكمة في تحريم الزواج بالمشركة : هو عدم تحقيق الانسجام والاطمئنان والتعاون بين الزوجين لأن تباين العقيدة يوجد القلق والاضطراب يسبب التنافر بين الزوجين فلا تستقيم الحياة الزوجية القائمة على دعائم المودة والرحمة والمحبة وغايتها الهدوء والاستقرار ثم أن عدم الإيمان بدين يسهل على المرأة الخيانة الزوجية والفساد والشر ويرفع عنها الأمانة والاستقامة والخير لأنها تؤمن بالخرافات والأوهام وتتأثر بالأهواء والطبائع الذاتية غير المهذبة فلا دين يردعها ولا رادع لها من إيمان بالله وباليوم الآخر وبالحساب والبعث. (1)
__________
(1) بدران أبو العينين : 115-16. الزحيلي :7/151-152- سيد سابق :93 – 94. (1/108)
صفحة 109
وقد قال المذهب الحنفي في ذلك : أنه لا يجوز للمسلم أن ينكح المشركة ويجوز أن ينكح الكتابية والفرق أن الأصل لا يجوز للمسلم أن ينكح الكافرة لأن ازدواج الكافرة والمخالطة معها مع قيام العداوة الدينية لا يحصل السكن والمودة الذي هو قوام مقاصد النكاح إلا أنه أجاز نكاح الكتابية لرجاء إسلامها لأنها آمنت بكتب الأنبياء والرسل في الجملة وإنما نقضت الجملة بالتفصيل بناء على أنها أخبرت على الأمر على خلاف حقيقته فالظاهر أنها متى نبهت على حقيقة الأمر تنبهت وتأتي بالإيمان على التفصيل على حسب ما كانت أتت به على الجملة هذا هو الظاهر من حال التي بنى أمرها على الدليل دون الهوى والطبع والزوج يدعوها إلى الإسلام وينبهها على حقيقة الأمر فكان في نكاح المسلم إياها رجاء إسلامها فلذلك أجاز نكاحها لهذه العاقبة الحميدة بخلاف المشركة فإنها في اختيارها الشرك ما ثبت أمرها على الحجة بل على التقليد بوجود الآباء عن ذلك من غير أن ينتهي ذلك الخبر ممن يجب قبول قوله وأتباعه وهو الرسول فالظاهر أنها لا تنظر في الحجة ولا تلتفت إليها عند الدعوة فيبقى ازدواج الكافر مع قيام العداوة الدينية المانعة عن السكن والإزوداج والمودة خالياً عن العاقبة الحميدة فلم يجز نكاحها . وسواء كانت الكتابية حرة أو أمة . ويختلف في الرأي الشافعية فقالوا لا يجوز نكاح الأمة الكتابية ويحل وطؤها بملك اليمين واحتج بقوله تعالى ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) (1) والكتابية مشركة على الحقيقة لأن المشرك من يشرك بالله تعالى في الألوهية وأهل الكتاب. (2)
__________
(1) سورة البقرة ، آية 221
(2) وهبة الزحيلي / الفقه الاسلامي وأدلته – الجزء السابع – ص153 ، أنظر بدران أبو العينين/ الزواج والطلاق في الاسلام – ص117-118 ، السيد سابق / فقه السنة –ص94-98. (1/109)
صفحة 110
المرأة الكتابية : وهي التي تؤمن بدين سماوي كاليهودية والنصرانية وأهل الكتاب هم أهل التوراة والإنجيل لقوله تعالى ( أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ) (1) وأما الكتابية فإنها في لب الفضائل الاجتماعية تلتقي مع المسلم إذ أن الشرائع السماوية أصلها واحد وهو دين الاسلام لله تعالى فدوام العشرة متوقع من غير استهواء كما أنه يرجى منها أن تميل إلى عقيدة الإسلام إذا أحسن الزوج معاملتها وعشرتها وحاول إحاطتها بمحاسن الإسلام .
وقد أجمع العلماء على إباحة الزواج بالكتابية لقوله تعالى ( اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) (2) والمراد بالمحصنات في الآية العفائف ويقصد بها حمل الناس على التزوج بالعفائف لما فيه من تحقيق الود والألفة بين الزوجين وإشاعة السكون والطمأنينة. والسبب في إباحة الزواج بالكتابية بعكس المشركة : هو أنها تلتقي مع المسلم في الإيمان ببعض المبادئ الأساسية من الاعتراف بإله والإيمان بالرسل وباليوم الآخر وما فيه من حساب وعقاب فوجود نواص الالتقاء وجسور الاتصال على هذه الأسس يضمن توفير حياة زوجية مستقيمة غالباً ويرجى إسلامها : لأنها تؤمن بكتب الأنبياء والرسل في الجملة.
والحكمة في أن المسلم يتزوج باليهودية والنصرانية دون العكس : هي أن المسلم يؤمن بكل الرسل وبالأديان في أصولها الصحيحة الأولى فلا خطر منه على الزوجة في عقيدتها أو مشاعرها أما غير المسلم فلا يؤمن بالإسلام فيكون هناك خطر محقق بحمل زوجته على التأثر بدينه والمرأة عادة سريعة التأثر والانقياد وفي زواجها إيذاء لشعورها وعقيدتها. (3)
__________
(1) سورة الأنعام ، آية 156
(2) سورة المائدة ، آية 5
(3) الإمام علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي / كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع – ص270 (1/110)
صفحة 111
? وفي المذهب الأباضي : يحرم على المسلم حراً كان أو عبداً نكاح المجوسية وذلك لأن ليس لهم كتاب ولا يؤمنون بنبوة ويعبدون النار وأيضاً الوثنية أحراراً كن أو إماء وكذلك التسرى مثل النكاح وكذلك إماء أهل الكتاب وهم الأمة الكتابية وهي الأمة المسبية من أهل الكتاب الحربية وأضافهم لهم باعتبار إلتباسها بدينهم وإلا لم يتصور تسربها وهي لهم حقيقة والدليل على أنه لا ينكح إلا المسلمات قوله تعالى ( من فتياتكم المؤمنات ) (1) ثم أنه من قاس التسرى على النكاح لم يجز التسرى في غير المسلمات . ولا يحرم على المسلم نكاح الحرائر من أهل الكتاب اللواتي كن في المسالمة دون من كان منهن في المحاربة فلا يحل له نكاحهن. (2)
وفي المذهب المالكي : فقد اتفقوا على أنه لا يجوز للمسلم أن ينكح الوثنية لقوله تعالى ( ولا تمسكوا بعصم الكوافر). (3) واختلفوا في نكاحها بالملك واتفقوا على أنه يجوز أن ينكح الكتابية الحرة .
وقد اختلفوا في إحلال الكتابية الأمة بالنكاح واتفقوا على إحلالها بملك اليمين والسبب في اختلافهم في نكاح الوثنيات بملك اليمين معارضه عموم لقوله تعالى ( ولا تمسكوا بعصم الكوافر ) وعموم قوله تعالى ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) لعموم قوله ( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ). (4)
8 ) زواج المسلمة بغير المسلم :
__________
(1) سورة النساء ، آية 25
(2) الإمام أبي زكريا يحيى بن الخير إبن أبي الخير الجناوني / كتاب النكاح –ص 28-29.
(3) سورة الممتحنة ، آية 10
(4) الفقيه أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد / بداية المجتهد ونهاية المقتصد – ص 69-70 (1/111)
صفحة 112
أجمع علماء المسلمين قاطبة بما فيهم الأباضية في أنه لا يجوز للمسلمة أن تتزوج بغير المسلم بدون فرق بين المشرك والكتابي فلو تزوجت مسلمة بغير مسلم كان الزواج باطلاً لا يترتب عليه أثر من الآثار والدليل على ذلك قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتوهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ) (1) فقد دلت الآية على تحريم المسلمات على هؤلاء الكفار لكفرهم ولفظ الكفر عام يشمل من ليس بمسلم فيتناول كل بعمومه أهل الكتاب وغيرهم .
? والحكمة في هذا التحريم هو أن للرجل ولاية وسلطة على زوجته فإذا كان يخالف دينها خيف أن تتأثر بدينه أو أن تخضع لسلطانه كما أن الكتابي لعدم إيمانه بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعدم إقرار برسالته ولا بكتابه لا يستبعد أن يسب الإسلام في مواجهة زوجته فيؤذيها في عقيدتها وتنشأ العداوة وتسوء العشرة وربما يدفعها الرغبة في إرضاء زوجها إلى ترك دينها أو اعتناق دين زوجها وكل ذلك خطر مستطير . وهذا بخلاف تزوج المسلم بكتابية .
? وقد اتفق الفقهاء على أنه إذا أسلمت الزوجة وامتنع زوجها عن الدخول في الإسلام فيفرق بينهما وأيضاً قرر الفقهاء أن المسلمة لا ينعقد زواجها على غير المسلم لأن عدم قيام سبب من أسباب التحريم شرط لإنشاء النكاح وشرط لبقائه فلا ينشأ النكاح إلا إذا خلا الزوجان من أسباب التحريم ولا يبقى إلا ببقاء الخلو من ذلك . وإذا أسلم الزوج وزوجته كتابية بقيت في عصمته ولكن يملك عليها كل ما يملك الزوج المسلم فله حق تطليقها وله حق التزوج إلى أن يبلغ بالعدد أربعاً إذ بدخوله الإسلام تصير له كل حقوق المسلم. (2)
__________
(1) سورة الممتحنة ،آية 10
(2) السيد سابق / فقه السنة – ص98-99 ، أنظر بدران أبو العينين / الزواج والطلاق في الاسلام –ص 119-122 ، الامام محمد أبو زهرة / الأحوال الشخصية – ص 102 – 103. (1/112)
صفحة 113
? وفي رأي الحنفية : إذا كانت المرأة مسلمة فلا يجوز إنكاح المؤمنة بكافر لقوله تعالى( ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ) (1) ولأن في إنكاح المؤمنة الكافر خوف وقوع المؤمنة في الكفر لأن الزوج يدعوها إلى دينه والنساء في العادات يتبعن الرجال فيما يؤثروا من الأفعال ويقلدونهم في الدين وإليه وقعت الإشارة في آخر الآية بقوله عز وجل ( ألئك يدعون إلى النار ) لأنهم يدعون المؤمنات إلى الكفر والدعاء إلى الكفر دعاء إلى النار لأن الكفر يوجب النار فكان نكاح الكافر المسلمة سبباً داعياً إلى الحرام فكان حراماً. (2)
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
الفصل الثالث
حقوق الزوجين
مادة (36)
الحقوق و الواجبات المتبادلة بين الزوجين .
1- حل استمتاع كل من الزوجين بالزوج الآخر فيما أباحه الشارع .
2- إحصان كل منهما الآخر .
3- المساكنة الشرعية .
4- حسن المعاشرة وتبادل الاحترام والعطف والمحافظة على خير الأسرة .
5- العناية بالأولاد وتربيتهم بما يكفل تنشأتهم تنشئة صالحة .
6- احترام كل منهما لأبوي الزوج الآخر وأهله والأقربين .
عرفنا أن الزوج كغيره من العقود ينشئ بين العاقدين الزوجين حقوقا وواجبات متبادلة عملا بمبدأ التوازن والتكافؤ وتساوى أطراف التعاقد الذي يقوم عليه كل عقد وقد أشار القرآن الكريم لهذا المبدأ وثبوت هذه الحقوق والواجبات فقال تعالى ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) (3) أي أن للنساء من الحقوق على الرجال مثل ما للرجال على النساء من واجبات وأساس توزيع تلك الحقوق والواجبات هو العرف والفطرة ومبدأ كل حق يقابله واجب .
__________
(1) سورة البقرة ، آية 221
(2) الإمام علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي / كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع – ص 271
(3) سورة البقرة ، آية 228 (1/113)
صفحة 114
وان من الحقوق المشتركة بين الزوجين وهو حق الاستمتاع فلكل من الزوجين حق الاستمتاع بالآخر وعدم الامتناع من ذلك إلا لعذر شرعي فقد قال الحنيفة : أن الرجل إذا كان متزوجا بامرأة واحدة ولم يضاجعها لاشتغاله بالعبادة أو لاستمتاعه بجواريه فانه يكون من حقها المطالبة بمبيت الزوج عندها ولا يقدر المبيت بمدة معينة إنما يأمره القاضي أن يبيت عندها من وقت لآخر بحيث لا تشعر بالغيبة الطويلة عنها .وان ذلك يحصن كل منهما الآخر . (1/114)
صفحة 115
ومن الحقوق المشتركة أيضا حسن المعاشرة : فيجب على كل من الزوجين أن يحسن معاشرة صاحبه فلا يفعل كل منهما ما ينكره الشرع أو العرف ويحسن المعاملة قولا وعملا وأن يأخذ كل منهما بالتعاون الصادق مع الآخر والعمل على جلب الخير ودفع الشر والبعد عما ينفر أحدهما من الآخر والتسامح والإخلاص في أداء الواجب فليست حسن المعاشرة خاصة بإعطاء الزوج للزوجة كفايتها من طعام وشراب وأدوات الزينة أو بقيام الزوجة بتهيئة غذاء زوجها ولباسه بل الأمر أسمى من ذلك انه معنى ينبعث من قلب أحدهما إلى قلب الآخر والداعي إليه روح المحبة والمودة بحيث يكون مشمولا بروح الإيمان بالمهمة الملقاة على عاتقها في تذليل سبل الحياة . وتربية الأولاد وتدبير شئون المنزل حتى يضفي ذلك كله على كل منهما متعة الراحة والسعادة . وان من واجبات الزوجين أيضا هي العناية بالأولاد وتربيتهم التربية الصحيحة بما يكفل تنشأتهم تنشأة صالحة وهذه المهمة مشتركة بين الزوجين فلا يمكن أن تقوم بها الزوجة بمفردها فلا بد من المشاركة من الزوج.وأيضا يجب على الزوجين احترام كل منهما لأبوي الزوج الآخر وأيضا لأهله الأقربين فان ذلك ينشأ الحب والمودة بين العائلتين. (1)
__________
(1) بدران أبو العينية بدران/ الزواج و الطلاق في الإسلام- ص 282 ،284، انظر محمد أبو زهرة/ الأحوال الشخصية- ص 163 ، وهبة الزحيلي/ الفقه الإسلامي و أدلته- ج7- ص227- 228، محمد بن يوسف اطفيش/ كتاب النبيل و شفاء العليل- ج6 –ص467. (1/115)
صفحة 116
وقد قال الحنيفة في حسن المعاشرة : قال الله تعالى: ( و عاشروهن بالمعروف ) (1) و قيل هي المعاشرة بالفضل و الإحسان قول و فعلا و خلقا قال النبي صلى الله عليه و سلم ( خيركم خيركم لأهله و أنا خيركم لأهلي ) (2) و قيل المعاشرة بالمعروف و هي أن يعاملها بما لو فعل بك أنت مثل ذلك لم تنكره بل تعرفه و تقبله و يرضى به و كذلك من جانبها هي مندوبة إلى المعاشرة الجميلة مع زوجها بالإحسان باللسان و اللطف في الكلام و القول المعروف الذي يطيب به نفس الزوج وقيل في قوله تعالى: ( و لهن مثل الذي عليهن بالمعروف ). (3)
أن الذي عليهن من حيث الفضل و الإحسان هو أن يحسن إلى أزواجهن بالبر باللسان و القول بالمعروف. (4)
مادة (37) حقوق الزوجة على زوجها :
1) النفقة
2) السماح لها بزيارة أبويها و محارمها و استزارتهم بالمعروف
3) الاحتفاظ باسمها العائلي
4) عدم التعرض لأموالها الخاصة فلها التصرف فيها بكل حرية
5) عدم الإضرار بها ماديا و معنويا
6) العدل بينها و بين بقية الزوجات إن كان للزوج أكثر من زوجة.
1) إن من حقوق الزوجة على زوجها: النفقة: فان المراد بالنفقة هو ماتحتاج إليه الزوجة لمعيشتها من الطعام و الكسوة و السكن و الخدمة و كل ما يلزم من فرش و غطاء و أدوات منزلية بحسب المتعارف بين الناس فان نفقة الزوجة واجبة للزوجة على زوجها فهي حق من حقوق عقد الزواج الصحيح فتجب بمقتضى العقد غنية كانت الزوجة أو فقيرة، مسلمة أو غير مسلمة و الذي دل على وجوب نفقة الزوجية كتاب الله و سنة رسوله و الإجماع و القياس. (5)
__________
(1) سورة النساء ، آية 19
(2) أنفرد به إبن ماجه في كتاب النكاح حديث رقم 1967
(3) سورة البقرة ، آية 228
(4) بدائع الصنائع للكاساني : 2/334.
(5) وسيأتي الكلام عن بقية أحكام النفقة في الفصل الاول من الباب الخامس (1/116)
صفحة 117
و أيضا من هذه الحقوق أن يسمح الزوج لزوجته أن تزور أبويها و محارمها و أن تحتفظ باسمها العائلي و إذا كان لديها أموال فيجب على الزوج أن لا يتعرض لأموالها و أن يكون لها حق التصرف في أموالها.
2) أما بالنسبة لزيارة أبويها فلأنهم من أرحامها و قد أوجب الإسلام طاعتهما و صلاتهما فينبغي له احترامه قرابة زوجته و أن يرعى شعورها و احساساتها الداخلية ليبقي الوئام و التفاهم مستمرا بينهما.
3) أما الاحتفاظ باسمها العائلي فانه لا يمكن للمرأة في الإسلام أن تغير نسبها إلى عائلتها و نعني به أبويها و عشيرتها لقوله تعالى ( أدعوهم لآبائهم ) (1) و الآية و إن نزلت في الموالي لكنها تعطي العموم لكل أحد من المسلمين وهذا من ناحية وأما من ناحية أخرى فلأجل مخالفة غير المسلمين وذلك لأنهم ينسبون الزوجات إلى أزواجهن ويسقطون اسم الأب وهو لا يجوز في الإسلام .
4) أما بالنسبة لأموالها فان الإسلام أعطاها حرية الملك فهي ترث كما يرث الرجل وتعمل كما يعمل الرجل وتتملك الأموال والمنافع كغيرها من الرجال بوجوه أخرى يقول تعالى:( و لا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا و للنساء نصيب مما اكتسبن) (2) و قوله تعالى ( وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ) (3) و قد أجمع المسلمون على ذلك و هذا بخلاف ما كان في الجاهلية.
5) أما الفقرة الخامسة فان المقصود بالإضرار الممنوع هو أن يقصر في الأمور التي تحتاجها المرأة بأن لا يضطرها إلى فعل مكروه أو الرضا بما دون الحاجة و هو موسر و كذلك لا يضطرها معنويا بأن يقصر في حقوقها المعنوية بحيث يضطرها إلى الرضا بالقليل إلا إذا لم يتمكن من تلبية جميع رغباتها.
__________
(1) سورة الأحزاب ، آية 5
(2) سورة النساء ، آية 32
(3) سورة النساء ي، آية 20 (1/117)
صفحة 118
و أيضا من هذه الحقوق العدل بين النسوة في المبيت و النفقة فمن كان له امرأتان أو أكثر فيجب عليه عند الجمهور العدل بينهن و القسم لهن فيجعل لكل واحدة يوما و ليلة سواء أكان الرجل صحيحا أو مريضا أم محبوبا و سواء أكانت المرأة صحيحة أم مريضة أم حائضا أم نفساء أم محرمة بإحرام أم كتابية لقصد الأنس و لأن النبي قسم لنسائه و كان يقسم في مرضه مع أن القسم لم يكن واجبا عليه. قالت عائشة:" كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقسم لكل امرأة يومها و ليلتها" و قالت أيضا:" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بيننا فيعدل و يقول :اللهم إن هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك" فان شق على المريض القسم استأذن أزواجه أن يكون عند إحداهن.
أما في قسم النفقة : فالحنيفة لهم رأيان فالبعض يرى أن المعتبر في النفقة حال الزوج ولا نظر بالنسبة إلى الزوجات فتستوي كل الزوجات في المأكل والملبس والسكنى لا فرق بين الغنية والفقيرة فتقدر النفقة بحسب مقدرة الزوج مع مراعاة حال الزوجة .
وللعدل بين الزوجات شروط منها :
1)أن يكون الزوج عاقلا مميزا ولو مراهقا فلو كان الزوج مجنونا أو طفلا لا يجب القسم على الزوج.
2)ألا تكون الزوجة ناشزة ولا صغيرة لا تطيق المقاربة فإذا كانت كذلك وخارجة عن طاعة زوجها سقط العدل في حقها.
وبالنسبة للسفر فإذا كان يريد السفر فعليه أن يختار بين زوجاته من تسافر معه لأنه هو الذي يقدر مشقة السفر ويعرف الصالحة منهن لذلك. (1)
__________
(1) وهبة الزحيلي/ الفقه الاسلامي وادلته – ج7 ص 332-333 ، أنظر بدران أبو العينية بدران / الزوج والطلاق في الاسلام – ص 266-269 ، محمد أبو زهرة – الأحوال الشخصية – ص 167 – 169. (1/118)
صفحة 119
وقد ذكر الأندلسي في كتابه المحلي بالآثار:( إن العدل بين الزوجات فرض وأكثر ذلك في قسمة الليالي .ولا يجوز أن يفضل في قسمة الليالي حرة على أمة متزوجة ولا مسلمة على ذمية فان عصته حل له هجرانها حتى تطيعه وضربها بما لم يؤلم ولا يجرح ولا يكسر ولا يعنف فإن ضربها بغير ذنب أقيدت منه .ولا يجوز له المبيت عند أمته ولا عند أم ولده ولا في دار غيره إلا بعذر وبرهان ذلك قوله تعالى ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ) (1)
وفي كتاب النكاح : أن من حقوق الزوجة على الزوج : ألا تجوع ولا تعرى ولا تظمأ ولا تشعث ولا يوعدها بضارة ولا يهجر أهلها ولو كانوا غير مرضيين ولا يدخل إليها إلا بوجه منطلق غير عبوس وليس له عليها طحين ولا خبيز ولا غزل ولا نسج إلا أن شاءت أن تطوع من نفسها وليس لها عليه حلي ولا حرير والذي ينبغي للمسلم والمسلمة إذا اجتمعا على الحلال أن يتعاونا على دهرهما وقد روي عن الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه أنه لما مات امرأته قال:رحم الله هذا الشخص قد أعانني على الدهر ولم يعن الدهر علي . (2)
مادة (38) حقوق الزوج على زوجته :
1) العناية به باعتباره رب الأسرة
2) الإشراف على البيت و تنظيم شؤونه و الحفاظ على موجوداته
3) رعاية أولاده منها و إرضاعهم إلا إذا كان هناك مانع.
__________
(1) الإمام محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي / المحلى بالآثار –ج9-ص175-177 ، انظر محمد بن يوسف أطفيش / شرح كتاب النيل وشفاء العليل/ ج6 –ص495 –ص508 .
(2) الإمام أبي زكريا يحيى بن الخير بن أبي الخير الجناوني / كتاب النكاح ص196 –198، انظر محمد بن يوسف أطفيش/ شرح كتاب النيل وشفاء العليل –ج6 –ص478-494 (1/119)
صفحة 120
يجب على الزوجة أن تطيع زوجها و تحفظه في نفسها و ماله حال حضرته و غيبته لأن الزوج رئيس البيت يدير أمره و يصرف شؤونه و المرأة بأصل خلقتها الإلهية أعدت للعناية بشؤون البيت و الحمل و الولادة و تربية أولادها و إذا كان من الضروري لكل مجتمع صغر ذلك المجتمع أو كبر رئيس فليس من الحكمة في نظر الشرع و العرف و العقل أن يترك مجتمع الأسرة دون رئيس يذود عن حماه ويرعى جانبه و يفصل في مهام أموره و مشكلات حوادثه و شؤونه خاصة و أن الرجل وهبه الله من قوة البدن و القدرة على الكد والعمل ما يمكنه من الكفاح في الحياة و العمل خارج البيت و داخله فهو يتردد على الأسواق و يخالط الناس و تحصيل الخبرة الكافية لشؤون الحياة و سياسة الاجتماع.
فقد طلب سبحانه و تعالى من الزوج أن يستشير زوجته في شؤونها و يتقاسما مهام بيتها فمثلا في فطام الطفل و رضاعته و تربية الأولاد ثبت للزوجة أن تقول كلمتها و تجتمع إرادتها مع إرادة الرجل و لا بد من رضاها و موافقتها إذ لم يجعل الإسلام ذلك للرجل وحده دون الرجوع لزوجته. (1)
__________
(1) بدران أبو العينين بدران/ الزواج و الطلاق في الإسلام- ص270-272، انظر وهبة الزحيلي/الفقه الإسلامي وأدلته- ج6-ص334-335 (1/120)
صفحة 121
و في المذهب الأباضي: من حقوق الزوج على زوجته أن تحفظه في نفسه و ماله و لا تحمله ما لا طاقة له به من المؤنة و لا توكل عيشته إلى غيرها و لو كان له مائة خادم و تدخل في موضع يربيها فيه و لا تدخل منزل من يكرهه و لا تصادق من يبغضه و لا تبغض من يصادقه و تبر أبويه و اخوته و ذوي قرابته و جيرانه ما استطاعت و لا تخرج من منزله بغير إذنه و لا تبذر ماله و عليها أن تكرم ضيفه و لا تعصيه إن أمرها بشيء إلا أن أمرها بمعصية الله و لا تخالفه في أمره و نهيه و تحفظ نفسها لكي تسره إن نظر إليها و لا تمنعه من نفسها إذا دعاها و لو كانت على قتب بعير و لا تصوم نافلة إلا بإذنه و لا تصلي نافلة إلا بإذنه و لاتشهد عرسا و لا وليمة إلا بإذنه. (1)
الباب الرابع
أنواع الزواج
مادة (39)
الزواج صحيح و غير صحيح يشمل الفاسد الباطل وسوف نتكلم عن هذه المادة بالتفصيل في المواد التالية.
مادة(40)
أ- الزواج الصحيح ما توفرت أركانه وشرطه و انتقت موانعه
ب- تترتب على الزواج الصحيح آثاره منذ انعقاده
إذا توافرت في عقد الزواج أركانه وشروطه كان صحيحا والزواج الصحيح تترتب عليه جميع آثاره من الحقوق الزوجية كالمهر ونفقه الزوجة ووجوب المتابعة وتوارث الزوجين ومن حقوق الأسرة كنسب الأولاد وحرمة المصاهرة .
ولذلك يكون العقد صحيحا إذا توفرت فيه هذه الشروط :
1) أهلية العاقد لإجراء العقد بأن يكون بالغا عاقلا مميزا
2) أن يسمع كل من العاقدين كلام الآخر و يفهم المراد منه إجمالا
3) أن يكون الزوج مسلما إذا كانت الزوجة مسلمة
4) أن تكون الزوجة أنثى محققة الأنوثة
5) أن تكون محلا للعقد عليها ليكون مشروعا
6) أن تكون المرأة المعقود عليها معلومة غير مجهولة
7) أن تكون صيغة العقد خالية من التوقيت بمدة معينة أو غير معينة فتكون الصيغة مؤبدة
__________
(1) الإمام أبي زكريا يحيى بن الخير بن ابن أبي لخير الجناوني/كتاب النكاح-ص195-196. (1/121)
صفحة 122
8) الشهادة على عقد الزواج فلا يصح الزواج بدونها. (1)
? حكم الزواج الصحيح اللازم
للزواج اللازم أو التام الذي استوفى أركانه و شروطه كلها آثار هي:
1. حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر على النحو المؤذون فيه شرعا.
2. ملك الحبس و القيد: أن المرأة ممنوعة من الخروج إلا بإذن الزوج لقوله تعالى:" أسكنوهن" و الأمر بالإسكان نهي عن الخروج.
3. وجوب النفقة بأنواعها الثلاثة: وهي الطعام و الكسوة و السكنى ما لم تمتنع الزوجة عن طاعة زوجها بغير حق.
4. وجوب المهر على الزوج للزوجة: فهو حكم أصلي للزواج لا وجود له بدونه شرعا لأن المهر عوضا عن ملك المتعة.
5. ثبوت حرمة المصاهرة: و هي حرمة الزوجة على أصول الزوج و فروعه و حرمة أصول الزوجة و فروعها على الزوج لكن تثبت الحرمة في بعض الحالات بنفس عقد الزواج و في بعضها يشترط الدخول.
6. ثبوت نسب الأولاد من الزوج: بمجرد وجود الزواج في الظاهر لقوله صلى الله عليه و سلم:" الولد للفراش و للعاهر الحجر" (2) و في لفظ البخاري "لصاحب الفراش" .
7. ثبوت حق الإرث بين الزوجين: إذا مات أحد الزوجين أثناء الزوجية أو في العدة من طلاق رجعي بالانفاق أو من طلاق بائن في مرض الموت عند الجمهور غير الشافعية حتى و لو بعد العدة عند المالكية و الحنابلة و الدليل قوله تعالى:" و لكم نصف ما ترك أزواجكم". (3)
__________
(1) بدران أبو العينين بدران/الزواج و الطلاق في الإسلام-ص47-48،ص55،57،انظر محمد أبو زهرة/الأحوال الشخصية-ص51-52،الإمام نقي الدين أبي بكر بن محمد الحسني الحصني الدمشقي الشافعي/كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار-ج2-ص48.
(2) البخاري ، حدود 6319 ، مسلم رضاع 2646 ، الترمذي رضاع 1077 ، النسائي طلاق 3428 ، إبن ماجه نكاح 1996 ، الدارمي نكاح 2137.
(3) سورة النساء ، آية 12 (1/122)
صفحة 123
8. وجوب العدل بين النساء و في حقوقهن عند التعدد: فإذا كان للرجل أكثر من امرأة فعليه عند الجمهور غير الشافعية العدل بينهن في حقوقهن من البيتوتة و النفقة و الكسوة و السكن أي التسوية بينهن.
9. وجوب طاعة الزوجة لزوجها إذا دعاها إلى الفراش: لقوله تعالى:" و لهن مثل الذي عليهن بالمعروف" (1) قيل لها المهر و النفقة و عليها أن تطيعه في نفسها و تحفظ غيبته.
10. ولاية التأديب للزوج إذا لم تطعه فيما لزم طاعته: بأن نشزت أو خرجت بلا إذن أو تركت حقوق الله كالطهارة و الصلاة أو أغلقت الباب دونه أو خانته في نفسها أو ماله فيبدأ الزوج بالوعظ و النصح بالرفق و اللين و إذا لم يحدث نتيجة يقوم بالضرب غير المبرح و لا الشائن و أن يهجرها في المضاجع لقوله تعالى:" و الائي تخافون نشوزهن فعظوهن و اهجروهن في المضاجع و ا ضربوهن". (2)
11. المعاشرة بالمعروف من كف الأذى و إيفاء الحقوق و حسن المعاملة و هو أمر مندوب إليه لقوله تعالى:" و عاشروهن بالمعروف" (3)
و في كتاب النكاح:
من الشروط التي تشترطها المرأة على الرجل في عقد الزواج أو يشترطها الرجل على المرأة هي: شروط يجب الوفاء بها و هي ما كانت من مقتضيات العقد و مقاصده و لم تكن منافية أو مخالفة لحكم الله أو حكمته و ذلك كأن يشترط عليه النفقة و الكسوة و كذلك العشرة الطيبة و ألا يقصر في حقها شيئا أو أن يشترط عليها ألا تخرج من بيته إلا بإذنه أو ألا تنشز عليه أو ألا تأذن لأحد بالدخول إلى منزلها إلا بإذنه أو ما شابه ذلك و جميع هذه الشروط و أشباها يجب الوفاء بها لأنها من مقتضياته و مستلزماته. (4)
مادة (41)
أ الزواج ما أختلت بعض شروطه
__________
(1) سورة البقرة ، آية 228
(2) سورة النساء ، آية 34
(3) وهبة الزحيلي/الفقه الإسلامي و أدلته- ج7- ص97-105، انظر محمد أبو زهرة/الأحوال الشخصية- ص57-62،/ السيد سابق/ فقه السنة-ص36-46.
(4) كتاب النكاح للجناوني:136 (1/123)
صفحة 124
ب لا يترتب على الزواج الفاسد أي أثر قبل الدخول
إن العقد غير الصحيح هو الذي لا يكون مستوفيا أركانه و شروطه و لذلك يكون الزواج باطلا أو فاسدا و الزواج الباطل عند الجمهور: هو ما فقد ركنا من أركانه أو شرطا من شروط صحته و أما عند الحنفية :فهو ما فقد ركنا من أركانه أو شرطا من شروط انعقاده.
و من هذا نرى أن الفقهاء قد اتفقوا في العقد الصحيح و لكن اختلفوا في العقد غير الصحيح من حيث أقسامه و ثمة اختلاف في التقسيم بين جمهور الفقهاء من جهة و الحنفية من جهة أخرى و قد ترتب على ذلك أحكام و مقتضيات مخالفة: فقد قال الجمهور: العقد غير الصحيح لا يكون إلا قسما واحدا لا مجال فيه للفرق بين بطلان و فساد سواء كان الخلل قد وقع على الركن في العقد و هو أصله أو على الشرط و هو صفة.
- أما الحنفية فقد قالوا أن العقد غير الصحيح يقع بين قسمين هما الباطل و الفاسد فان وقع خلل في ركن العقد فان مصير العقد البطلان حتى لا يترتب عليه أي أثر و كأنه بذلك غير موجود و إن وقع الخلل على العقد في شرطه أو في وصفه فان مصيره الفساد، و قد فرق الحنفية تفريقا واضحا بين العقد الباطل و الفاسد و ذلك من حيث الوجود و ترتب الأثر فقالوا إن بطلان العقد يجعله في حكم المعدوم، كما لو كان غير موجود أصلا فلا يترتب عليه أي أثر من الآثار باستثناء بعض الآثار التي تنشأ عن الزواج الباطل مما لا مناص من اعتبارها. أما فساد العقد فانه يجعله منعقدا لكن اعتراه بعض النقائص و العيوب التي أتت عليه في وصف من أوصافه أصله أو ركنه و بذلك تترتب عليه بعض الآثار و إن كان معيبا. و على العموم فان الجمهور قد قسموا العقد قسمة ثنائية فهو إما أن يكون صحيحا أو باطلا و الباطل إنما يتمثل في غبر الصحيح، و يستوي في غير الصحة عندهم أن يكون العقد باطلا أو فاسدا.
- أما الحنيفة فقالوا أن القسمة ثلاثية فالعقد بذلك أقسام ثلاثة الصحيح و الباطل و الفاسد. (1/124)
صفحة 125
- و بعض الفقهاء يدرجون فساد النكاح في عداد العقود التي اختل فيها وصف من أوصافها و ذلك شأنهم في تقسيم العقود من حيث نوع الخلل و النقص الذي لحق بالعقد فجعلوا النكاح غير الصحيح نوعين باطلا و فاسدا و الأصل في العقد إن كان باطلا أن لا يعتبر كما لو كان غير موجود فلا يترتب عليه أي أثر من آثار العقد الصحيح و ذلك الذي ينطبق على الزواج الذي يكون نصيبه البطلان أما الزواج الذي يكون نصيبه الفساد فانه قد تترتب عليه بعض الآثار فان كان ذلك قبل الدخول فاته لا فرق بين باطل النكاح وفاسده من حيث ترتب الأثر و إنما يتوجب إلغاء العقد في الحال . (1)
- في كتاب النكاح: قد ذكرنا انه لا يترتب على الزواج الفاسد أي أثر قبل الدخول و لذلك فانه يوجد شروط تشترطها المرأة على الرجل في عقد الزواج أو يشترطها الرجل على المرأة لا يجب الوفاء بها و ذلك قبل الدخول : و هي ما كان منافيا للعقد كأن تشترط عليه ألا يمسها أبدا و أن يشترط هو عليها أن تكون نفقتها عليها أو أن تنفق عليه و ألا يبيت عندها إلا مرة واحدة في الأسبوع و ما أشبه هذا فهذا النوع من الشروط مناف لأصل العقد و مناقض الحكمة من الزواج.
- و أيضا قالوا: إذا تزوج الرجل امرأة و اشترط عليها في عقد النكاح ألا نفقة لها عليه و لا كسوة و لا سكنى فهو شرط فاسد لا يجوز و كذلك أن اشترط عليها أن تكون نفقته و كسوته و سكناه عليها فهو شرط فاسد لا يجوز و كذلك إن اشترطت عليه ألا يملك شيئا من طلاقها و ألا يمسها فهو شرط فاسد لا يجوز. و إذا تزوج الرجل امرأة و اشترطت عليه في عقد النكاح ألا ينقلها من بلدها و لا يرحلها منه فهو جائز و لها شرطها و لا يدرك عليها الخروج من بلدها إلا برضاها (2)
__________
(1) أمير عبد العزيز/كتاب الأنكحة الفاسدة-ج1-ص80.
(2) الإمام أبي زكريا يحيى بن الخير بن أبي الخير الجناوني/كتاب النكاح-ص136-137 (1/125)
صفحة 126
- مادة :(42): يترتب على الزواج الفاسد بعد الدخول الآثار التالية :
أ . الأقل من الصداق المسمي وصداق المثل .
ب . النسب وحرمة المصاهرة .
ج- العدة
د- النفقة مادامت المرأة جاهلة فساد العقد .
إن الزواج الفاسد كما عرفنا هو ما فقد شرطا من شروط الصحة وقد ذكر الحنفية أن أنواع الزواج الفاسد هي : الزواج بغير شهود والزواج المؤقت وجمع خمس في عقد والجمع بين المرأة وأختها أو عمتها أو خالتها وزواج امرأة الغير بلا علم بأنها متزوجه ونكاح المحارم مع العلم بعدم الحل وهو فاسد عند الحنفية وباطل عند الصاحبين وهو الراجح .
وليس للزواج الفاسد حكم قبل الدخول فلا يترتب عليه شيء من آثار الزوجية فلا يحل فيه الدخول بالمرأة ولا يجب فيه للمرأة مهر ولا نفقة ولا تجب فيه العدة ولا تثبت به حرمة المصاهرة ولا يثبت به النسب ولا التوارث.و إذا حصل دخول بالمرأة كان الدخول بالمرأة كان الدخول معصية و وجب التفريق بينهما و لكن لا يقام عليهما حد الزنا و إنما يعززهما القاضي بما يراه زاجرا لهما لوجود شبهة العقد و الحدود تدرأ بالشبهات و لكن يجب الحد في الدخول بالمحارم عند الصاحبين و رأيهما هو الراجح لان التزوج في كل وطء حرام على التأبيد لا يوجب شبهة وما ليس بحرام على التأبيد كالمحرم بالصهرية كالأخت والعمة والنكاح بغير شهود يكون العقد فيه شبهة ، وكذلك يجب الحد بالدخول في نكاح منكوحة الغير و معتدته مع العلم بالحرمة لكونه زنا . (1)
وبالرغم من كون الدخول في الزواج الفاسد معصية فانه تترتب علية الآثار التالية :
__________
(1) الإمام علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي / كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع –ص 335- ط2-1982 (1/126)
صفحة 127
1- وجوب المهر: يجب فيه و لو تكرر الوطء عند الجمهور الأقل من مهر المثل و من المسمى فان لم يكن المهر مسمى في العقد وجب مهر المثل مهما بلغ لفساد التسمية و وجوب المهر في الزواج الفاسد و إن كان في الأصل لا يجب لأنه ليس بنكاح حقيقة إلا أنه قد وجب بسبب الدخول و كون المهر لا يزيد عن المسمى فلأن المرأة رضيت بذلك القدر و العاقدان لم يقوما المنافع بأكثر من المسمى فلا تتقوم بأكثر من المسمى و كون الواجب هو الأقل من المهرين فلأن الأصل وجوب مهر المثل بسبب فساد العقد.
2- ثبوت نسب الولد من الرجل إن وجد احتياطا لاحياء الولد وعدم ضياعه .
3- ثبوت حرمة المصاهرة : فيحرم على الرجل الزواج بأصول المرأة وفروعها وتحرم المرأة على أصول الرجل وفروعه.
4- وجوب العدة على المرأة من حين التفريق بينهما عند جمهور الحنيفة وهو الصواب في المذهب لأن النكاح الفاسد بعد الوطء منعقد في حق الفراش ، والفراش لا يزول قبل التفريق وعليه تجب العدة بعد الوطء لا الخلوة للطلاق لا للموت من وقت التفريق أو متاركة الزوج وان لم تعلم الزوجة بالمتاركة في الأصح .
5- تستحق الزوجة النفقة الزوجية مادامت جاهلة فساد النكاح ولا تترتب على الزواج الفاسد أحكام أخرى فلا تجب به نفقة ولا طاعة ولا يثبت به حق التوارث بين الرجل والمرأة. (1)
مادة (43)
لا يترتب على الزواج الباطل أي أثر
قد ذكر في المادة (40) أن الزواج قد قسمه الجمهور الحنفي إلى ثلاثة أقسام وهو الصحيح والفاسد والباطل وان الزواج الصحيح تترتب عليه آثاره والزواج الفاسد أيضا له آثاره وان الزواج الباطل لا يترتب عليه أي من هذه الآثار .
__________
(1) وهبة الزحيلي / الفقه الاسلامي وأدلته – ج7-ص108-111 ، انظر أمير عبدالعزيز / الأنكحة الفاسدة –ج1-ص80 (1/127)
صفحة 128
حكم الزواج الباطل عند الحنفية : إن الزواج الباطل عند الحنفية هو الذي حصل خلل في ركنه أو في شرط من شروط انعقاده كزواج الصبي غير المميز والزواج بصيغة تدل على المستقبل والزواج بالمحارم كالأخت والعمة على الرأي الراجح والمرأة المتزوجة برجل آخر مع العلم بأنها متزوجة وزواج المسلمة بغير المسلم وزواج المسلم بغير الكتابية كالمجوسية والوثنية ونحوهما .وحكم الزواج الباطل : أنه لا يترتب عليه شيء من آثار الزواج الصحيح فلا يحل فيه الدخول بالمرأة ولا يجب به مهر ولا نفقة ولا طاعة ولا يثبت به توارث ولا مصاهرة ويجب عدم التمكين من الدخول بينهما فان دخلا فرق القاضي بينهما جبرا ولا عدة فيه بعد التفريق كالموقوف قبل إجازته ولكن عند المالكية يختلفوا عن الحنفية : فالزواج الباطل أو الفاسد عند المالكية هو بمعنى واحد وهو ما حصل خلل في ركن من أركانه أو شرط من شروط صحته وهو ينقسم إلى نوعين :
أ ) زواج اتفق الفقهاء على فساده كالزواج بإحدى المحارم من نسب أو رضاع أو مصاهرة .
ب ) وزواج اختلف الفقهاء في فساده وهو ما يكون فاسدا عند المالكية وصحيحا عند بعض الفقهاء بشرط أن يكون الخلاف قويا كزواج المريض فانه لا يجوز على المشهور عند مالك فإن كان الخلاف ضعيفا كزواج المتعة وزواج المرأة الخامسة كان من المجمع على فساده . (1)
*كما ذكرنا انه لا يترتب على العقد في الزواج الباطل بعد الدخول أي أثر من آثار الزواج الصحيح ولكن يترتب على الدخول في الزواج الباطل أمران :
1) وجوب المهر لما تقرر من الفقه أن الدخول بالمرأة لا يخلو من مهر أوحد وقد سقط الحد لشبهه العقد فوجب المهر .
2) حرمة المصاهرة لأنها تثبت بالزنا فأولى أن تثبت بالدخول في الزواج الباطل لوجود صورة العقد. (2)
الباب الخامس
آثار الزواج
الفصل الأول
__________
(1) وهبه الزحيلي / الفقه الإسلامي وأدلته –ج7 –ص112-113.
(2) بدران أبو العينين بدران / الزواج والطلاق في الإسلام ص178 (1/128)
صفحة 129
النفقة
أحكام عامة
مادة (44) تشمل النفقة و الطعام والكسوة و المسكن و التطيب و كل ما به مقومات حياة الإنسان حسب العرف.
معنى النفقة كلغة: النفقة من الإنفاق و هو الإخراج ولا يستعمل إلا في الخير و أيضا يقال أنفق ماله أي صرفه و في اصطلاح الفقهاء: اسم لما يصرفه الإنسان على زوجته و عياله و أقاربه و ممالكيه من طعام و كسوة و مسكن و خدمة فالمراد بنفقة الزوجة :ما تحتاج إليه لمعيشتها من الطعام و الكسوة و السكن و الخدمة و لكل ما يلزم من فراش و غطاء و أدوات منزلية بحسب المتعارف بين الناس.
و النفقة قسمان:
أ . نفقة تجب للإنسان على نفسه إذا قدر عليها و عليه أن يقدمها على نفقة غيره لقوله صلى الله عليه و سلم:" ابدأ بنفسك ثم بمن تعول " (1) أي بمن تجب عليك نفقته .
ب . و نفقة تجب على الإنسان لغيره و أسباب وجوبها ثلاثة: الزوجية و القرابة و الملك و سوف نقوم بالكلام عنهم بالتفصيل لاحقا . (2)
? تشمل النفقة الزوجية:
1) الطعام و الشراب و الادام: فقد قرر الفقهاء انه يجب للزوجة الطعام و الشراب و الأدام و ما يتبعها من ماء و خل و زيت و دهن للأكل و حطب و وقود و نحوها و لا تجب الفاكهة . ... ... ...
__________
(1) البخاري زكاة 1377.مسلم زكاة 1727،نسائي زكاة 2542، أحمد ( باقي مسند المكرثين ) 7016 ، 7177 مالك ، الجامع 1588.
(2) الإمام محمد أبو زهرة / الأحوال الشخصية – ص 231 – 235 ، أنظر السيد سابق / فقه السنة – ص 154 – 156 ، (1/129)
صفحة 130
ما تقدر به نفقة الطعام : قال الجمهور غير الشافعية تقدر نفقة الطعام بالكفاية أي بما يكفي الزوجة من الطعام كنفقة الأقارب لقول النبي صلى الله عليه و سلم لهند:" خذي ما يكفيك و ولدك بالمعروف " (1) فأمرها بأخذ ما يكفيها من غير تقدير و إنما باجتهادها في التقدير و لأن الله تعالى قال:" و على المولود له رزقهن و كسوتهن بالمعروف" و إيجاب أقل من الكفاية من الرزق ترك للمعروف ، وكل هذه الدلة صريحة في إيجاب قدر الكفاية و لا يصح تقدير النفقة بالكفارة لأن الكفارة لا تختلف باليسار والإعسار وإنما أعتبر الشرع الكفارة بالنفقة في الجنس دون القدر بدليل عدم وجوب بالأدم فيها. و يجب في نفقة الطعام تسليم الطعام و تضمن النفقة المقدرة باليوم أو بالشهر أو غيرهما بالقبض من الزوجة و أجاز الحنفية و المالكية دفع الثمن أو النقود عنه لتنفق على نفسها، و تقدر نفقة الطعام بحسب الأعراف و العادات في كل بلد أو بحسب اختلاف الأمكنة و الأزمنة و الأحوال من رخص و غلاء و شباب و هرم و شتاء و صيف.
مادة :(45) :
يراعى في تقدير النفقة سعة المنفق و حال المنفق عليه و الوضع الاقتصادي زمانا و مكانا.
__________
(1) بالبخاري نفقات 4945 ، مسلم أقضية 3233 ، نساني آداب القضاء 5325 ، أبو داود بيوع 3065 ، إبن ماجه تجارات 2284 الدار في نكاح 2159. (1/130)
صفحة 131
- قال الشافعية: تقدر نفقة الطعام من الحب بمقادير معينة بحسب حال الزوج يسارا أو إعسارا لأن أقل ما يدفع في الكفارة إلى الشخص الواحد مد من الحبوب و الله سبحانه و تعالى اعتبر الكفارة بالنفقة على الأهل فقال تعالى:" من أوسط ما تطعمون أهليكم" (1) فأعتبروا النفقة بالكفارة بجامع أن كلا منهما مال يجب بالشرع و يستقر في الذمة. فعلى الزوج الموسر لزوجته كل يوم مدان من الطعام و على المعسر مد و على المتوسط مد و نصف. و احتجوا لهذا التفاوت لقوله تعالى:" لينفق ذو سعة من سعته" (2) و أكثر ما وجب في الكفارة لكل مسكين مدان و هو في كفارة الأذى من إزالة أو ظفر في الحج و أقل ما وجب له مد في نحو كفارة الظهار فأوجبوا على الموسر الأكثر و هو مدان لأنه قدر الموسع و على المعسر الأقل و هو مد لأن المد الواحد يكتفي به الزهيد و ينتفع به الرغيب و على المتوسط ما بينهما دفعا للضرر عنه. (3)
- و قد ذهب المالكية و الحنابلة: إلى أنه تقدر بحسب حال الزوجين يسارا أو إعسارا و مراعاة منصب المرأة و حال البلاد لقوله تعالى:" لينفق ذو سعة من سعته و من قدر عليه رزقه لينفق مما آتاه الله" (4) و للحديث السابق (خذي ما يكفيك) و ذلك عند الحنابلة وقت عقد الزواج و اعتبار حال الزوجين للجمع بين الأدلة و رعاية لكل من الجانبين و هو الأولى لأن الآية راعت حال الزوج و الحديث راعى كفاية الزوجة بالمعروف فان كانا موسرين فالواجب نفقة اليسار و إن كانا معسرين فالواجب نفقة الإعسار و إن تفاوت حالهما فالواجب نفقة الوسط بين الموسرين و المعسرين. (5)
__________
(1) سورة المائدة ، آية 89
(2) سورة الطلاق ، آية 7
(3) الإمام تقي الدين أبي بكر بن محمد الحسيني الحصني الدمشقي الشافعي/ كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار- ج1-ص145- 146
(4) سورة الطلاق ، آية 7
(5) وهبة الزحيلي/ الفقه الإسلامي و أدلته=ج7 –ص800-801. (1/131)
صفحة 132
- و قد قال المالكية إن مقدار النفقة غير مقدرة بالشرع و إن ذلك راجع إلى ما يقتضيه حال الزوج و حال الزوجة و إن ذلك يختلف بحسب اختلاف الأمكنة و الأزمنة و الأحوال. (1)
- و قد ذهب الحنفية إلى وجوب النفقة و السكنى لقوله تعالى:" وعلى المولود له رزقهن و كسوتهن بالمعروف" (2) و قوله تعالى:" لينفق ذو سعة من سعته و من قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله " (3) و قوله:" و أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم " (4) و الأمر بالإسكان أمر بالإنفاق لأنها لا تمكن من الخروج من الكسب لكونها عاجزة بأصل الخلقة لضعف بنيتها و الكلام في سبب وجوب هذه النفقة و شرط وجوبها و مقدار الواجب منها. لأن النفقة واجبة على الزوج فقد رضيت الزوجة بحاله. (5)
- المدة التي تقدر بها نفقة الطعام : تقدر نفقة الطعام في رأي الحنفية و المالكية بحسب ما يناسب الزوج من الأصلح و الأيسر في الدفع يوميا او أسبوعيا أو شهريا أو سنويا فالعامل المحترف تقدر نفقته باليومية أو بالأسبوع و الموظف بالشهر و الأغنياء أصحاب الثروة بالسنة و تدفع النفقة مساء كل يوم لليوم التالي أو في نهاية الأسبوع كالصناع الذين لا يقبضون أجرهم إلا في آخر الأسبوع أو في بدء الشهر أو آخره بحسب قبض الرواتب الوظيفية أو سنة بسنة للأثرياء.
- و قال الشافعية و الحنابلة : تدفع النفقة بطلوع الشمس كل يوم لأنه أول وقت الحاجة فان اتفق الزوجان على التعجيل أو التأجيل جاز. (6)
__________
(1) الفقيه أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن راشد/ بداية المجتهد و نهاية المقتصد- ص87-ج2-1989.
(2) سورة البقرة 233
(3) سورة الطلاق ، آية 7
(4) سورة الطلاق ، آية 6
(5) الإمام علاء الدين بن أبي بكر بن مسعود الكاسي الحنفي /كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع –ط2- 1982-ص332.
(6) وهبة الزحيلي / الفقه الإسلامي وأدلته – ج7-ص801-802 (1/132)
صفحة 133
- و في المذهب الظاهري : فمن قدر على بعض النفقة و الكسوة فسواء قل ما يقدر عليه أو كثر الواجب أن يقضي عليه بما قدر و يسقط عنه ما لا يقدر فان لم يقدر على شيء من ذلك سقط عنه و لم يجب أن يقضي عليه بشيء فان أيسر بعد ذلك قضي عليه من حين يوسر ولا يقتضي عليه بشيء مما أنفقته عليه نفسها من نفقة أو كسوة مدة عسرة لقول الله عز و جل:" لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" (1) و قوله تعالى:" لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها" (2) فصح يقينا أن ما ليس في وسعه و لا آتاه الله تعالى إياه فلم يكلفه الله عز و جل إياه و ما لم يكلفه الله تعالى فهو غير واجب عليه و ما لم يجب عليه فلا يجوز أن يقتضي عليه به أبدا أيسر أو لم يوسر. و هذا بخلاف ما وجب لها من نفقة أو كسوة فمنعها إياها و هو قادر عليها- فهذا يؤخذ به أبدا أعسر بعد ذلك أو لم يعسر لأنه قد كلفه الله تعالى إياه فهو واجب عليه فلا يسقطه عنه إعساره لكن يوجب الإعسار أن ينظر به إلى الميسرة فقط لقوله عز و جل :" و إن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ". (3)
? و في المذهب الأباضي: في شرح كتاب النيل:في قول أبي هريرة:( جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال :يا رسول الله عندي دينار ، فقال:انفقه على نفسك، قال: عندي آخر، قال :انفقه على ولدك، قال: عندي آخر ، قال : انفقه على أهلك،قال: عندي آخر، قال: انفقه على خادمك،قال: عندي آخر، قال: أنت أعلم) رواه الترمذي. (4)
مادة (46)
أ – يجوز زيادة النفقة وإنقاصها تبعا لتغير الأحوال .
ب-لا تسمح دعوى الزيادة أو النقصان قبل مضي سنة على فرض النفقة إلا في ظروف استثنائية .
ج-تحتسب زيادة النفقة أو نقصانها من تاريخ المطالبة القضائية .
__________
(1) سورة البقرة ، آية 286
(2) سورة الطلاق ، آية 7
(3) الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي/ المحلى بالآثار-ج9 ص253-254.
(4) محمد يوسف أطفيش / شرح كتاب النيل –ج14-ص7 (1/133)
صفحة 134
? انه يجوز زيادة النفقة أو إنقاصها تبعا لتغير الأحوال فإذا تغيرت الأسعار عن وقت الفرض أو تغيرت حالة الزوج المالية فإما أن يكون هذا التغير في الأسعار إلى زيادة أو إلى نقص أو يكون تغير حالة الزوج المالية إلى ما هو احسن أو أسوأ.
- فان تغيرت الأسعار عن وقت الفرض إلى زيادة كان للزوجة إن تطالب بزيادة نفقتها .
- وان تغيرت إلى نقص كان للزوج أن يطلب تخفيض النفقة
- وان تحسنت حالة الزوج المالية عما كان علية حين تقدير النفقة كان للزوجة . (1) إن تطلب زيادة نفقتها .
- وان تغيرت حالة الزوج المالية إلى أسوأ كان للزوج الحق في طلب تخفيض النفقة
- وإذا ظهر بعد تقدير النفقة أن التقدير كان خطأ لا يكفي الزوجة
- حسب حالة الزوج –من العسر أو اليسر – كان من حق الزوجة المطالبة بإعادة النظر في التقدير وعلى القاضي أن يقدر لها ما يكفيها لطعامها وكسوتها مع ملاحظة حالة الزوج (2)
مادة (47)
للنفقة المستمرة إمتياز على سائر الديون
? إن نفقة الزوجة واجبة على زوجها و متى وجبت النفقة على الزوج لزوجته لوجود سببها و توفر شروطها ثم امتنع عن أدائها تصير دينا في ذمته شأنها في هذا شأن الديون الثابتة التي لا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء.
و إلى هذا فقد ذهبت الشافعية إلى أنه:
1. تعتبر نفقة الزوجة التي سلمت نفسها لزوجها و لو حكما دينا في ذمته من وقت امتناع الزوج عن الإنفاق مع وجوبه بلا توقف على قضاء قاض أو تراض بينهما و لا يسقط دينها إلا بالأداء أو الإبراء.
2. المطلقة التي تستحق النفقة تعتبر نفقتها دينا من تاريخ الطلاق. (3)
__________
(1) السيد سابق/فقه السنة-ص163
(2) السيد سابق/ فقه السنة –ص163-164.، انظر الإمام أبو زهرة /الأحوال الشخصية –ص250-253.
(3) السيد سابق/ فقه السنة –ص163-164.، انظر الإمام أبو زهرة /الأحوال الشخصية –ص250-253. (1/134)
صفحة 135
? فقد اتفق الفقهاء غير الحنفية إلى أن نفقة الزوجة متى وجبت على زوجها لا تسقط عنه إلا بالأداء أو الإبراء كما في سائر الديون سواء كانت مفروضة بقضاء القاضي أو بتراضي الزوجين أو لم تكن مفروضة و هذا لأن النفقة حق للزوجة فلا تسقط بعد وجوبها على الزوج إلا بالأداء أو الإبراء .
و قد فصل الحنفية بين ما إذا كانت النفقة مفروضة بالتراضي أو بالتقاضي و بين ما إذا كانت الزوجة مأذونة بالاستدانة أو غير مأذونة فقالوا :
1) إذا كانت النفقة مفروضة بالتراضي أو بقضاء القاضي و أذنت الزوجة بالاستدانة على زوجها و استدانت فعلا للإنفاق على نفسها فلا تسقط النفقة عن الزوج إلا بالأداء أو الإبراء لأنها دين قوي لا يسقط إلا بذلك .
2) إذا كانت النفقة مفروضة بالتراضي أو بالتقاضي و لم تكن الزوجة مأذونة من زوجها أو من القاضي بالاستدانة على زوجها بنفقتها المفروضة عليه أو كانت مأذونة بالاستدانة و لم يستدن بالفعل و أنفقت على نفسها من غير مال زوجها بعد فرض النفقة لها تكون دينا عليه فلها أن تطالبه بالنفقة المتجمدة المفروضة لها عن أي مدة إلا أن هذا الدين ضعيف يسقط بأحد أمور خمسة: الأداء الإبراء ،النشوز ،الطلاق و موت أحد الزوجين .
3) إذا لم تكن النفقة الزوجية مفروضة بقضاء أو تراض و أنفقت الزوجة على نفسها مدة شهر فأكثر من مال غير زوجها فلا تكون النفقة دينا على الزوج سواء كان الإنفاق من مالها أو من مال غيرها بطريق الاستدانة.
فان كانت المدة التي أنفقت فيها على نفسها أقل من شهر فلها أن تطالب زوجها بنفقتها في تلك المدة إذ لا بد من مضي مدة لكي تتمكن الزوجة من مقاضاة زوجها في نفقتها و اعتبرت المدة التي هي أقل من شهر فترة للتراضي أو التقاضي. (1)
__________
(1) بدران أبو العينين بدران/الزواج و الطلاق في الإسلام- ص257-259.، انظر وهبة الزحيلي/ الفقه الإسلامي و أدلته-ج7-ص815-816. (1/135)
صفحة 136
? يعرف الأباضية النفقة هي ما به قوام معتاد الحال أنها الشيء الذي يعطي في الإنفاق أما بمعنى الإنفاق فإعطاء ما به قوام حال و خرج بقوام الحال ما به قوام السرف أما عن مسألة دين النفقة فمشهور المذهب أن الزوج إذا أعسر بالنفقة يؤمر بأخذ الدين و يلزمها الصبر و تتعلق النفقة بذمته متى وجد أنفق و ما فات لم تدركه إلا إن فرض . و غاية النفقة أن تكون دينا في ذمته وقد أعسر بها الزوج فدخل ذلك في قوله تعالى:" و إن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة" فتكون الزوجة مأمورة بالإنظار بالنص و في إلزام الفسخ إبطال حقه بالكلية و في إلزام الانظار و أخذ الدين تأخير حقها دينا عليه و إذا دار بينهما كان التأخير أولى و به فارق الجب و العنة و المملوك لأن حق الجماع لا يصير دينا على الزوج ولا نفقة المملوك تصير دينا على المالك و يخص المملوك أن في إلزام بيعه إبطال حق السيد إلى خلف هو الثمن فإذا عجز عن نفقته كان النظر من الجانبين في إلزامه ببيعه إذ فيه تخليص المملوك من عذاب الجوع و حصول البدل القائم مقامه للسيد بخلاف إلزام الفرفة فانه إبطال حقه بلا بدل و هو لا يجوز بدلالة الإجماع إنها لو كانت أم ولد عجز عن نفقتها لم يعتقها القاضي عليه.
و إستبدال بعضهم عليه بحديث أبي هريرة يقول للمرأة: أطعمني أو طلقني أما بالنسبة لامتياز دين النفقة عن سائر الديون الأخرى: فهم يرون مثل ما يرى فقهاء المذهب الحنفي أن دين النفقة له إمتياز عن سائر الديون الأخرى ففي حالة تزاحم الديون فدين النفقة مقدم على جميع الديون فتوفي المرأة دين نفقتها و الباقي من المال يوزع على أصحاب الديون الأخرى هذا وجهة نظر المذهب الأباضي في مسألة امتياز دين النفقة عن باقي الديون الأخرى . (1)
مادة (48)
__________
(1) محمد بن يوسف أطفيش / كتاب شرح النيل و شفاء العليل ـ ج 7تص 402 ، ج14 ـص8 ن انظر أبي زكريا يحيى بن سعيد / كتاب الإيضاح في الأحكام ـ ص120. (1/136)
صفحة 137
يجب سد رمق المضطر على من عنده فضل من أقاربه و إلا فعلى بيت المال أو من يقوم مقامه .
? إذا لم يكن للقريب المعسر أحد من الأقارب الموسرين كانت نفقته في بيت المال (خزينة الدولة ) و لا يطالب بتكفف الناس لأن من وظائف بيت المال في الإسلام أن يتحمل حاجة المحتاجين و ينفق عليهم بقر حاجتهم . (1)
? قال الكاساني في بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع : في بيان ما يوضع في بيت المال من الأموال و بيان مصاريفها فأما ما يوضع في بيت المال من الأموال فأربعة أنواع أحدها زكاة السوائم و العشور و ما أخذه العشار من تجار المسلمين إذا مروا عليهم و الثاني خمس الغنائم و المعادن و الركاز، و الثالث خراج الأراضي و جزية الرؤوس. و ما أخذه العشار من تجار أهل الذمة و المستأمنين من أهل الحرب. و الرابع- ما أخذ من تركة الميت الذي مات و لم يترك وارثا أصلا أو ترك زوجا أو زوجة .
أما النوع الرابع : فيصرف إلى دواء الفقراء و المرضى و علاجهم و إلى أكفان الموتى الذين لا مال لهم، و إلى نفقة اللقيط و عقل جنايته، ( أي دفع غرامة جنايته) و إلى نفقة من هو عاجز عن الكسب و ليس له من تجب عليه نفقته و نحوهم و على الإمام صرف هذه الحقوق إلى مستحقيها. (2)
__________
(1) وهبة الزحيلي / الفقه الاسلامي وأدلته – ج7 – ص785.
(2) الإمام علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي / كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع –ص68 – 69. (1/137)
صفحة 138
? و قد قال أبو محمد انه فرض على كل أحد من الرجال و النساء الكبار و الصغار أن يبدأ بما لا بد له منه و لا غنى عنه به: من نفقة و كسوة على حسب حاله و ماله ثم بعد ذلك يجبر كل أحد على النفقة على من لا مال له و لا عمل بيده مما يقوم منه على نفسه من أبويه و أجداده و جداته و الأخوة و الأخوات و الزوجات كل هؤلاء يسوي بينهم في إيجاب النفقة عليهم و لا يقدم منهم أحد على أحد لكن يتواسون فيه فان لم يفضل له عن نفقة نفسه شيء لم يكفل أن يشركه في ذلك أحد ممن ذكرنا فأن فضل عن هؤلاء –بعد كسوتهم و نفقتهم- شيء أجبر على النفقة على ذوي رحمة المحرمة و موروثيه إن كان ممن ذكرنا لا شيء لهم ولا عمل بأيديهم تقوم مؤنتهم منه و هم الأعمام و العمات و الأخوال و الخالات و بنو الأخوة. (1)
و في شرح كتاب النيل : أنه يحكم للمحتاج من الأقارب بغداء أو عشاء أي إذا حضر وقت الغذاء أعطاه الغذاء فقط و إذا حضر وقت العشاء أعطاه العشاء فقط لا يدرك عليه أن يعطيه الغذاء و العشاء بمرة و لا بنفقة اليومين أو الجمعة أو الشهر أو العام أو أقل أو أكثر إلا أن تراضيا فإذا تحاكما بعد مضي وقت الغذاء حكم له بالعشاء من ذلك اليوم و لا يدرك غذاء اليوم و هكذا كل وقت فانه و لو بعد الحكم لا يدرك ماله فيه إلا أن حكم الحاكم له بمقدار مخصوص للغذاء و بمقدار مخصوص للعشاء قيل: أو أصلح الناس بينهما على ذلك ورضيا به أو اصطلحا على ذلك فانه يدرك كل ما فاته بعد الحكم أو الرضا أو الاصطلاح.
و قيل يحكم بهما معا يعطيه كل يوم في وقت الغذاء غذاءه و عشاءه بمرة.
و كذا الزوجة يحكم لها بغذاء و عشاء حتى و لو كانت غنية فهي محتاجة لمال زوجها لأنها لا نفقة عليها لنفسها في مالها. (2)
مادة (49)
__________
(1) الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي/ المحلى بالآثار- ج9-ص266.
(2) محمد يوسف أطفيش/ شرح كتاب النيل-ج14-ص63-64. (1/138)
صفحة 139
... تجب نفقة الزوجة على زوجها من حين العقد الصحيح و لو كانت موسرة.
يحصر الفقهاء أسباب النفقة الواجبة لشخص على غيره في ثلاثة: هي الزوجية و القرابة و الملكية فنفقة الزوجة تجب على زوجها بمقتضى الزوجية باعتبار ذلك حكما من أحكام عقد الزواج الصحيح و حقا من حقوقه الثابتة للزوجة على زوجها بمقتضى العقد و لذلك تجب و لو كانت الزوجة غنية و سواء أكانت مسلمة أم كانت غير مسلمة لأن سبب الوجوب هو الزواج الصحيح و هو متحقق في الزوجات جميعا.
و قد ثبت وجوب النفقة بالكتاب و السنة و الإجماع و القياس أما الكتاب فقوله تعالى:" و على المولود له رزقهن و كسوتهن بالمعروف" (1) و المراد بهن الزوجات و قوله تعالى في حق المطلقات:" لينفق ذو سعة من سعته و من قدر عليه رزقه مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها". (2)
و روي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال: ما حق المرأة على زوجها فقال صلى الله عليه و سلم:" يطعمها إذا طعم و يكسوها إذا كسا و لا يهجرها في البيت و لا يضربها و لا يقبح".
أما القياس فانه من القواعد المقررة في الفقه إن من حبس لحق غيره فنفقته واجبة عليه فالمفتي و الولي و القاضي و غير هؤلاء من العاملين في الدولة نفقاتهم تجب في بيت المال لأنهم حبسوا أنفسهم عن طلب الرزق لمنفعة الدولة فحق عليها أن تقدم لهم ما يكفيهم و أهلهم بالمعروف و لقد حبست الزوجة نفسها للقيام على البيت و رعاية شؤونه فحقت لها النفقة جزاء الاحتباس.
__________
(1) سورة البقرة ، آية 233
(2) سورة الطلاق ، آية 7 (1/139)
صفحة 140
? السبب في وجوب النفقة: هو العقد الصحيح لأن الزوجة بمقتضى عقد الزواج الصحيح تصبح مقصورة على زوجها و محبوسة لحقه لاستدامة الاستمتاع بها و يجب عليها طاعته و القرار في بيته و تدبير منزله و حضانة الأطفال و تربية الأولاد و عليه نظير ذلك أن يقوم بكفايتها و الاتفاق عليها ما دامت الزوجية قائمة بينهما و لم يوجد نشوز أو سبب يمنع من النفقة عملا بالأصل العام " كل من احتبس لحق غيره و منفعته فنفقته على من احتبس لأجله"
و العقد الفاسد لا يوجب نفقة قط حتى أنه لو قدم الرجل للمرأة نفقة ثم تبين أن العقد فاسد كما لو أنفق على امرأة عقد عليها ثم تبين أنها أخته رضاعا.مثلا- رجع عليها بما أنفق إن كان قد أعطاها ما تنفق منه بفرض القضاء أما إن لم يكن بفرض القضاء فلا يرجع و وجه هذه التفرقة انه إن أعطاها بفرض القضاء فقد أعطاها مالا على أنه جزء للاحتباس في عقد صحيح وقد تبين فساد العقد و لا يحتمل أنه يكون متبرعا لأن القضاء ألزمه أما إن أنفق من غير حكم القضاء فاحتمال التبرع ثابت و لا يكون ثمة تقدير للنفقة مفروض فيكون الاتفاق على سبيل الإباحة فلا رجوع .،و النفقة في العقد الصحيح جزاء الاحتباس أو الاستعداد له فإذا لم يتحقق الاحتباس و لا الاستعداد له فلا نفقة و إذا تحقق الاستعداد مع إمكان استيفاء أحكام الزواج من الزوجة في الحملة وجبت النفقة سواء انتقلت إلى بيت الزوجية أم لم تنتقل و لم تمانع في الانتقال لأن الزوج إذا ترك حقه في نقلها فعلا إلى بيته لا يضيع حقها في النفقة.
و الاحتباس الموجب للنفقة هو الاحتباس الذي يمكن منعه استيفاء أحكام الزواج حتى يمكن أن يكون الاحتباس لمنفعة الزوج و لقد تكلم الفقهاء في هذا المقام في مسألتين: (1/140)
صفحة 141
1. مسألة الزوجة المريضة: و قد اتفقوا على أنها إذا مرضت قبل الزفاف لا يمكنها الانتقال إلى بيته فلا نفقة لها لأن الاحتباس غير ممكن و لا يتأتى الاستعداد له إذ المرض يمنعها إذا كان يمكنها الانتقال فالنفقة لها واجبة هذا إذا كان مرضها قبل أن تزف إليه أما إذا زفت سليمة ثم مرضت فلها النفقة ما دامت في بيت الزوجية و لو كان مرضها مزمنا فذلك لأن الاحتباس قد تم كاملا و المرض عارض و هو كيفما كان قابلا للزوال و الحقوق الدائمة لا تسقط بالأمور العارضة و لأن حسن العشرة يوجب أن يحتمل كل واحد منهما صاحبه في مرضه و سقمه.
2. مسألة نفقة الزوجة إذا كانت صغيرة و هي ثلاثة أقسام:
أ ) صغيرة لا يمكن الانتفاع بها لا في الخدمة و لا في الائتناس و هذه لا نفقة لها بالإجماع في المذهب الحنفي لأن النفقة منوطة بالاحتباس مع إمكان استيفاء الأحكام و هذا غير متصور في هذه الصغيرة.
ب ) صغيرة يمكن الدخول بها و هذه حكمها حكم الكبيرة لأن أحكام الزواج يمكن استيفاؤها منها.
ت ) صغيرة يمكن الانتفاع بها في الخدمة أو المؤانسة و لكن لا يمكن الدخول بها و قد قال الأكثرون: لا نفقة لها لأن المقصود من العقد لا يمكن استيفاؤه منها وقال أبو يوسف : إن نقلها تجب لها النفقة لامكان الانتفاع في الخدمة الاستئناس .
واذا كان عدم إمكان الانتفاع بالاحتباس من قبل الرجل وحده كان يكون صغيرا أو عنينا أو مريضا فان النفقة تكون واجبة عليه لأنها قامت بكل أحكام الزواج الممكنة من قبلها فحق عليه أن ينفق عليها. (1)
__________
(1) وهبة الزحيلي /الفقه الإسلامي و أدلته-ج7-ص798-808،انظر بدران أبو العينين بدران/ الزواج و الطلاق في الإسلام- ص245-251، أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد ابن رشد/ بداية المجتهد و نهاية المقتصد- ص86- 87. (1/141)
صفحة 142
? وفي المذهب الحنفي : فقد أجمعوا على وجوب النفقة والسكنى من حين العقد الصحيح و الأمر بالإسكان أمر بالأنفاق لأنها لا تمكن من الخروج للكسب لكونها عاجزة بأصل الخلقة لضعف بنيتها . (1)
? وفي كتاب النكاح : تجب نفقة الزوجة على زوجها و عليه كسوتها و سكنها بالمعروف مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها . (2)
و قال المالكية و الشافعية : تجب على الزوج آلة التنظيف على حسب الحال والمنصب وعوائد البلاد وأيضا علية أجرة القابلة لأنها من متعلقات الولد والعطاء في الشتاء والصيف بما يناسبها بحسب العرف والعادة وحصير الفرش وتجب علية أيضا أدوات الزينة التي تتضرر المرأة بتركها ككحل و دهن من زيت أو غيره كالحناء إذا كانا معتادين لا غير معتادين و لا يجب عليه ما لا تتضرر المرأة بتركه و يجب كل ما تحتاجه للنوم من فراش و لحاف و مخدة مع حشوها بالقطن بحسب عرف البلد و ما تحتاجه للجلوس من بساط و صوف و ما لا بد منه للطبخ كماعون الدار و نحوه، الموسر على حسب ايساره و المعسر على حسب إعساره على حسب العوائد. (3)
__________
(1) 2 ) الأمام أبي زكريا يحيى بن الخير ابن أبي الخير الجناوني / كتاب النكاح – ص – 199 – 201 .
(2) 3 ) المرجع السابق – ص 199-200 ، أنظر أبو الحسن الشيخ علي بن محمد البسياني / كتاب مختصر السيوي - ص 194 –195 ، محمد يوسف أطفيش / شرح كتاب النيل – ج 14 –ص5-7 .
(3) وهبة الزحيلي /الفقه الإسلامي و أدلته-ج7-ص798-808،انظر بدران أبو العينين بدران/ الزواج و الطلاق في الإسلام- ص245-251، أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد ابن رشد/ بداية المجتهد و نهاية المقتصد- ص86- 87. (1/142)
صفحة 143
? و في كتاب النكاح: إذا تزوج الرجل امرأة فعليه: نفقتها و كسوتها و سكناها بالمعروف مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها و إذا تزوج الرجل امرأة فلا يضيق عليها نفقتها و كسوتها و مؤنتها ما لم يجلبها إلا إن طلبت إليه ذلك فان طلبت فهو واجب عليه جلب أو لم يجلب إلا أن تركها تهاونا بها فعليه حقوقها فإذا جلبها فعليه نفقتها و كسوتها و مؤنتها
- و قال القطب رحمة الله في (شرح النيل): المشهور عند قومنا و عليه الأكثر أن نفقة الزوجة مقدرة بالكفاية و قدرها الشافعي بالمد فعلى الموسر مدان كل يوم و المتوسط مد و نصف و المعسر مد. و يقول أيضا و النفقة ما به قوام معتاد دون سرف و أما السرف فليس نفقة في الشرع و لا يحكم به. (1)
هذا و بالرجوع إلى النصوص التي شرعت النفقة و إلى المناقشات الطويلة التي جرت بين الفقهاء في الموضوع تستطيع أن تخرج بملخص يعتمد على ما يلي:
1) يراعى في النفقة عدة عوامل : من أهمها الحالة الاقتصادية و الاجتماعية للزوجين.
2) البيئة التي يعيش فيها الزوجان.
3) الانتقال إلى بيت الزوجية ليس معناه تغييرا كاملا فجائيا للحياة التي كانت عليها المرأة في أسرتها.
4) ينبغي ألا نقتصر في الغذاء على عنصر الكم و إنما يجب أن نلحظ عنصر الكيف أيضا ففي موضوع اللباس ينبغي أن لا نقتصر على الضروري من السترة و الوقاية من البرد و الحر لكن ينبغي أن نلحظ الجانب الجمالي حسب ذوق البيئة أيضا.
5) نفقة الزوجة في بيت زوجها ليست ضرورة مفروضة للتنجية من هلاك الجوع و إنما هي وسيلة لحياة كريمة معاشة لا يكون فيها الإسراف و التبذير و لكن لا يكون فيها الجفاف و التقتير .
__________
(1) الأمام أبي زكريا يحيى بن الخير ابن أبي الخير الجنااوني / كتاب النكاح – ص – 199 – 201 . (1/143)
صفحة 144
6) المجتمعات في البيئة الواحدة مترابطة و ينبغي أن يتاح للزوجة كي تعيش في مستواها الاجتماعي أن لا تشعر بحرمان و لا بامتهان زميلاتها و بالنظر إلى هذه العوامل و غيرها يختفي من أنظارنا تماما ما يراه السابقون في تقدير النفقة بالمد أو المدين و إنما ينبغي أن يكون الأساس مستمدا من المعروف فما تعيش عليه أغلب النساء من مستواها و من الكفاية هو المعروف و ما أستجاب لجميع متطلباتها الضرورية و بعض الكمالية و الجمالية هو الكفاية. و قد تطورت الحياة في هذا العصر تطورا كبيرا في الغذاء و الكساء و السكن و الحقوق دائما تتطور مع ما يتطور. فليس المقصود من النفقة أن تعيش المرأة عيشة الضرورة و لو كانت يابسة كعود الحطب لاعتمادها على التمر فقط أو منتفخة ككيس الدقيق لاعتمادها على النشويات فقط. و إنما يجب أن توفر لها النفقة المفروضة غذاء يحفظ لها صحتها و سلامة جسمها و حواسها و يساعدها على الاحتفاظ بنضارتها و حيويتها و إشراق بشرتها لأن كل هذه الأشياء أسباب للمحافظة على قلب الزوج. (1)
2) الكسوة :
أجمع العلماء على أنة تجب على الزوج لزوجته كسوتها لأنها لا بد منها على الدوام و لقوله عز وجل : ( و على المولود له رزقهن و كسوتهن بالمعروف ) و هي مقدرة بالإتفاق حتى عند الشافعية بكفاية الزوجة للإجماع على أنه لا يكفي ما ينطلق عليه الاسم وليست مقدرة بالشرع وتقدر باجتهاد الحاكم فيفرض لها على قدر كفايتها على قدر يسرهما وعسرهما وما جرت عادة أمثالهما به من الكسوة فللموسرة ثياب رفيعة من حرير و كتان جيد و للمعسرة ثياب غليظة من قطن و كتان و للمتوسطة ما بينهما .
__________
(1) المرجع السابق – ص 199-200 ، أنظر أبو الحسن الشيخ علي بن محمد البسياني / كتاب مختصر السيوي - ص 194 –195 ، محمد يوسف أطفيش / شرح كتاب النيل – ج 14 –ص5-7 . (1/144)
صفحة 145
و أقل ما يجب في الكسوة قميص و سراويل و خمار أو مقنعة و مداس أو مكعب ، و يجب لها الكسوة في كل سنة مرتين : صيفية و شتوية لتجدد الحاجة في الحر و البرد و تكون كسوة الشتاء و الصيف بما يناسبها بالإتفاق من غطاء ووطاء في الشتاء بما يناسبه و الصيف بما يناسبه بحسب العرف والعادة.
و تدفع الكسوة عند المالكية و الحنابلة أول كل عام و تملك بالقبض فلا بدل لما سرق أو بلي ، و قال الشافعية و الحنفية تدفع الكسوة في كل ستة أشهر لأن العرف في الكسوة أن تبدل في هذه المدة فان بليت الكسوة قبل هذه المدة لم يجب عليها بدلها كما لا يجب عليه بدل الطعام إذا نفد قبل انقضاء اليوم .
3) المسكن: ... ... ... ... ... ... ... ... ... يجب للزوجة أيضا مسكن لأئق بها إما بملك أو كراء أو إعارة أو وقف لقوله تعالى:" أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم" أي بحسب سعتكم و قدركم المالية و قوله سبحانه تعالى:" و عاشروهن بالمعروف" و من المعروف أن يسكنها في مسكن و لأنها لا تستغني عن المسكن للاستتار عن العيون و حفظ المتاع و ذكر الشافعية أن الواجب في المسكن هو الإمتاع أي الانتفاع لا التمليك أما المستهلك كالطعام فيجب فيه التمليك، و يكون المسكن كالطعام و الكسوة على قدر يسار الزوجين و إعسارهما لقوله تعالى:" من وجدكم" .
4) التطبيب : ... ...
فيجب على الزوج أن ينفق على الزوجة إذا مرضت و احتاجت إلى طبيب و علاج حتى تطيب. و تجب النفقة في كل ما به مقومات حياة الإنسان كنفقة الخادم فانه يلزم للزوجة نفقة الخادم إذا كان الزوج موسرا و كانت المرأة ممن تخدم في بيت أبيها مثلا و لا تخدم نفسها لكونها من ذوي الأقدار أو مريضة لأنه من المعاشرة بالمعروف و لأن كفايتها واجبة عليه. (1/145)
صفحة 146
و أيضا من مقومات حياة الإنسان آلة التنظيف و متاع البيت: فقد اتفق الفقهاء وجوب أجرة القابلة و آلات التنظيف و اختلفوا في أدوات التجميل و متاع البيت فقال الحنفية: يجب على الزوج آلة طحن و خبز وآنية شراب و طبخ ككوز و جرة و قدر مغرفة و كذا سائر أدوات البيت كحصير و لبد و طنفة (بساط صوف) و ماء تنظف به و تزيل الوسخ.
مادة (50)
لا يحكم للزوجة بأكثر من نفقة سنة سابقة على المطالبة القضائية ما لم يتفق الزوجان على خلاف ذلك .
مادة (51)
للقاضي أن يقرر بناء على طلب الزوجة نفقة مؤقتة لها ويكون قرارة مشمولا بالنفاذ المعجل بقوة القانون .
مادة (52) تجب على الزوج نفقة معتدته ما لم يتفق على خلاف ذلك .
مادة (53) لا نفقة لمعتدة الوفاة وتستحق السكنى في بيت الزوجية مدة العدة .
? حيث كانت المعتدة مادامت في العدة محتبسه لحق زوجها فلا تتزوج بغيره إلا بعد انقضاء عدتها كان من الواجب على المطلق نفقة المعتدة المطلقة بأنواعها الثلاثة "المأكل و الملبس و المسكن " وهذه النفقة يراعى في تقديرها حال الزوج المادية وما يراعي في نفقة الزوجة و تعتبر النفقة التي تستحقها المطلقة من تاريخ الطلاق دينا صحيحا من غير توقف على قضاء القاضي أو تراضي الطرفين فلا تسقط إلا بالأداء و الإبراء لكن يشترط لاستحقاق المطلقة النفقة سكون الزوجة في منزل الغدة و عدم مغادرتها له لغير إذن شرعي يبيح لها الإقامة في مكان آخر .
? متى تستحق النفقة من المعتدات : (1/146)
صفحة 147
? أولا:المعتدة من طلاق بعد زواج صحيح سواء كان الطلاق رجعيا أو بائنا وسواء كانت حاملا أو غير حامل عند الحنفية و لم يثبت مالك والشافعي النفقة لمعتدة الطلاق البائن إذا لم تكن حاملا إلا نفقة السكنى لقوله تعالى :"أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم " (1) أما إذا كانت حاملا فلها النفقة بأنواعها الثلاثة :الحنفية لقوله تعالى :" وان كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ". (2)
والحنابلة : لا تجب النفقة ولا السكنى إذا كان الطلاق بائنا ولمعتدة ليست حاملا استنادا إلى حديث فاطمة بنت قيس إذا لم تكن حاملا .
الإمامية :تجب النفقة لمعتدة الطلاق الرجعي و قالوا كالشافعية والحنابلة لا نفقة لمعتدة الطلاق البائن إذا كانت حائلا (غير حامل ) ولها النفقة إذا كانت حاملا كما أوجب الأمامية النفقة للمبانة بالخلع إذا كانت حاملا ما لم تبرئه منها وقت وقوعه
*ثانيا : تستحق النفقة المعتدة من فرقة جاءت بسبب من جهتها لا معصية فيه كما ذا اختارت الزوجة نفسها بعد بلوغها أو إفاقتها أو فسخ العقد بطلب من وليها لعدم الكفاءة أو لنقصان المهر عن مهر مثلها هذا عند الحنفية و قال الأمامية المعتدة من فسخ لعقد الزواج لا لنفقة لها حائلا كانت أو حاملا لأن الفسخ يوجب سقوط النفقة فلا تجب للمعتدة بخيار بلوغ أو عدم كفاءة أو بخيار غيب أو بخلع نفقة عندهم .
? ثالثا : إذا كانت الفرقة من جهة الزوج بسبب إبائه عن الإسلام بعد إسلام زوجته أو ارتداده أو بسبب اختيار نفسه بالبلوغ و الإفاقة فلها نفقة لعدة و كذا إذا اعتدت المرأة بناء على التفريق بينها و بين زوجها بسبب اللعان ، لأن الفرقة جاءت من الرجل و إن كانت الزوجة لها دخل في هذه الفرقة بإقدامها على اللعان إلا إنها مضطرة إليه دافعا عن شرفها فلا يكون ذلك مسقطا لحق الزوجة في النفقة .
__________
(1) سورة الطلاق ، آية 6
(2) سورة الطلاق ، آية 6 (1/147)
صفحة 148
و تجب في فرقة بين الزوجين بقضاء القاضي لأن القاضي نائب عن الزوج في تطليق زوجته فكأن الزوج هو الذي طلق فتستحق الزوجة نفقة العدة عليه و إن كان الطلاق بناء على طلبها .
? و لا تستحق النفقة من المعتدات الآتية :
? 1) معتدة الوفاة حتى ولو كانت المرأة حاملا لأنه لا سبيل لإيجاب النفقة على الزوج لانتهاء ملكه بالوفاة و لا سبيل لايجابها على الورثة لأنها من آثار عقد الزواج و عقد الزواج شخصي بين الزوجة وزوجها المتوفى و لا يسوغ إيجاب شيء من آثار هذا العقد الشخص على غير العاقد وأيضا تستحق معتدة الوفاة أن تسكن في بيت الزوجية طيلة مدة العدة .
2) معتدة الفرقة من زواج فاسد أو دخول بشبهة لان حال العدة معتبر بحال الزواج والمرأة لا تجب لها النفقة في حال الزواج الفاسد . فكذلك لا تجب لها في حال العدة منة .
3) معتدة الفرقة بسبب من جهة الزوجة بسبب محضور كأن ترتد الزوجة عن دين الإسلام أو تمتنع عن الإسلام بعد أن يسلم زوجها و لم تكن كتابية أو تفعل مع أحد أصول الزوج أو فروعه ما يوجب حرمة المصاهرة لأن النفقة فيها معنى الصلة فإذا وقعت الفرقة من جهة المرأة بفعلها الذي هو معصية لم تستحق الصلة بل تستحق العقوبة و الزجر، و لأن الفرقة لما جاءت من جهتها بغير حق كانت مبطلة لحقها في النفقة قياسا على الوارث إذا قتل مورثه بغير حق. (1/148)
صفحة 149
و قد نص الفقهاء الحنفية على أن الذي يسقط بهذه الفرقة هو الطعام و الكسوة أما السكنى فلا تسقط بهذه الفرقة لأن فيها حقا لله تعالى فلا يسقط بالمعصية من جهتها و هذا بخلاف الطعام و الكسوة لأن كلا منهما حق خالص للمرأة فيسقط بفعلها الذي هو معصية و لهذا لو أبرأت المرأة مطلقها من نفقة العدة و السكنى صح الإبراء في النفقة و لا يصح في السكنى لأنها حق لله تعالى فلا تملك إسقاطه. (1)
? و في المذهب الأباضي:- رأوا أن نفقة المعتدة رجعيا لها جميع الحقوق على مقدار ذلك قبل التطليق
- و نفقة المعتدة من الطلاق أن ليس لها النفقة و لا سكنى ذلك لأن حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم يدل على أن ليس للحامل المتوفى عنها زوجها نفقة فمن باب أولى أن ليس للمعتدة المتوفى عنها النفقة و لا سكنى قال جابر بن عبد الله عنه صلى الله عليه و سلم :" ليس للحامل المتوفى عنها نفقة".
- و عن نفقة المعتدة الحامل: لزمت نفقة ذات رجعي و كسوتها و سكناها في العدة و الحامل إن طلقت ثلاثا أو بائنا لها نفقة حتى تضع و موجب النفقة و السكنى للبائن اعتبر السبب في وجوب العدة. (2)
مادة (54) لا نفقة للزوجة في الأحوال التالية:
1. إذا منعت نفسها من الزوج أو امتنعت عن الانتقال إلى بيت الزوجية من دون عذر شرعي
2. إذا تركت بيت الزوجية من دون عذر شرعي
3. إذا منعت الزوج من الدخول إلى بيت الزوجية من دون عذر شرعي
4. إذا امتنعت من السفر مع زوجها من دون عذر
__________
(1) بدران أبو العينيين بدران /الزواج و الطلاق في الإسلام- ص477-480، انظر الإمام محمد أبو زهرة/ الأحوال الشخصية –ص384-485، السيد سابق/فقه السنة- ص166-167، وهبة/ الفقه الإسلامي و أدلته-ج7-ص816-817.
(2) محمد بن يوسف أطفيش / كتاب النيل في شفاء العليل-ج7 –ص398، انظر الإمام أبي زكريا يحيى بن أبي الخير الجناون-ص318.ي (1/149)
صفحة 150
? لقد اتفق الفقهاء على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا بالغين إلا الناشز منهن.
شروط إستحقاق النفقة:
1) أن يكون عقد الزواج صحيحا
2) أن تسلم نفسها إلى زوجها
3) أن تمكنه من الاستمتاع بها
4) ألا تمتنع من الانتقال حيث يريد الزوج
5) أن يكونا من أهل الاستمتاع.
فإذا لم يتوفر شرط من هذه الشروط فان النفقة لا تجب ذلك أن العقد إذا لم يكن صحيحا بل كان فاسدا فانه يجب على الزوجين المفارقة دفعا للفساد .
1. إذا امتنعت الزوجة أن تسلم نفسها أو لم تمكنه من الاستمتاع بها أو امتنعت من الانتقال إلى الجهة التي يريدها بغير عذر شرعي ففي هذه الحالات لا تجب النفقة حيث لم يتحقق الاحتباس الذي هو سببها و لأنها تعد بامتناعها ناشزة أي خارجة عن طاعة الزوج بغير حق و الناشز لا تستحق النفقة مدة نشوزها فان عادت وجبت نفقتها من حين العودة.
و إذا امتنعت عن الانتقال إذا كان بلدها بعيدا عن بلدة و لم يذهب لأخذها بنفسه أو بأحد محارمها فان النفقة تجب لها لأن الشرع يوجب ألا تسافر إلا مع زوجها أو مع ذي رحم محرم لها، و أيضا تمتنع إذا كان المسكن الذي أعد لها فيه ضرتها إذ المسكن حينئذن لا يكون مسكنا شرعيا فان من حقها أن تسكن في مسكن خال من الضرة لأن وجودها معها إيذاء لها ، و كأن يكون المسكن مغضوبا فإنها إن انتقلت إليه تشاركه في الإثم و من حقها أن تجانب الإثم و لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. (1/150)
صفحة 151
? و إذا أسلمت المرأة نفسها إلى الزوج و هي صغيرة لا يجامع مثلها فعند المالكية و الصحيح من مذهب الشافعية أن النفقة لا تجب لأنه لم يوجد التمكين التام من الاستمتاع فلا تستحق العوض من النفقة و إن كانت كبيرة و الزوج صغير فالصحيح أنها تجب لأن التمكين وجد في جهتها و إنما تعذر الاستيفاء من جهته فوجبت النفقة كما لو سلمت إلى الزوج و هو كبير فهرب منها. و لو أن الزوج استبقى الصغيرة في بيته و أسكنها للاستئناس بها وجبت لها النفقة برضاه و هو بهذا الاحتباس الناقص و إن لم يمسكها فبي بيته فلا نفقة لها . و إذا أسلمت الزوجة نفسها و هي مريضة مرضا يمنعها من مباشرة الزوج لها وجبت لها النفقة. (1)
2) إذا تركت بيت الزوجية من دون عذر شرعي بعد انتقالها إليه و استمرت خارجة مدة طالت أو قصرت متى كان خروجها بغير إذنه فان كان خروجها بمبرر شرعي كأن يكون المسكن غير شرعي لعدم استيفائه الأدوات اللازمة أو لكونه مشغولا بسكنى الغير فلا تعد الزوجة ناشز عن طاعته و تجب لها النفقة إذا أخرجت فترة ثم عادت إلى طاعة زوجها و استقرت في مسكنه تعود إليها النفقة من حين عودتها. (2)
__________
(1) السيد سابق/فقه السنة-ص156-157-،انظر الإمام محمد أبو زهرة/ الأحوال الشخصية –ص236-237، بدران أبو العينين بدران/الزواج و الطلاق في الإسلام-ص239، وهبة الزحيلي / الفقه الإسلامي و أدلته-ج7-ص795.
(2) بدران أبو العينين بدران/الزواج و الطلاق في الإسلام –ص239، انظر السيد سابق/فقه السنة-ص157. (1/151)
صفحة 152
3) إذا كان الزوج يقيم مع زوجته في بيتها بإذنها ثم منعته من الدخول و لم تطلب منه الانتقال إلى مسكن آخر و لم تترك له فرصة للبحث تسقط نفقتها لأن منعها له من غير الطلب السابق و الإمهال خروج عن طاعته أما إذا طلبت من زوجها أن ينقلها من بيتها الذي يقيمان فيه إلى منزله أو إلى منزل آخر يستأجره لها و مضت المدة الكافية للنقل إلى منزله أو للبحث عن منزل يستأجره و لم ينقلها فمنعته من الدخول عليها في بيتها لا تكن ناشزة و لا تسقط نفقتها لأن لكل زوجة الحق في طلب نقلها من بيتها المملوك لها و في أن يعد الزوج لها مسكنا.و لا تعد الزوجة ناشز عن طاعة زوجها نشوزا يوجب سقوط نفقتها الواجبة عليه إذا منعت زوجها و هي في بيته الاستمتاع بها- و إن كان هذه غير جائز شرعا- لأن النفقة نظير الاحتباس. (1)
4) إذا امتنعت من السفر مع زوجها من دون عذر و كان الزوج قد أوفاها عاجل صداقها فلا تجب لها النفقة لأن امتناعها عن السفر في هذه الحالة يعتبر نشوزا لأن أساس الحياة الزوجية أن تعيش في محل إقامة الزوج. و أستحسن بعض الفقهاء أن الزوج ليس له أن يسافر بزوجته مسافة القصر أو أكثر منها بدون رضاها و ذلك لفساد الزمن و لأن الغربة مظنة الإيذاء و لأن الزوج يضارها و يضايقها و يضيق عليها بهذا السفر فيكون بهذا السفر داخلا تحت النهى الوارد في قوله تعالى:" و لا تضاروهن لتضيقوا عليهن". و جاء الفصل في هذا القول أنه إن كان السفر ليس للضرر كالسفر لأن عمله ليس في بلدها و هو مأمون عليها فله السفر بها و إن امتنعت بغير حق شرعي فله إجبارها بحكم القضاء بالطاعة و ليس لها النفقة في مدة الامتناع.
مادة : (55) : ينقضي الالتزام بنفقة الزوجة :
1) بالأداء
2) بالإبراء
3) بوفاة أحد الزوجين
__________
(1) الإمام محمد أبو زهرة /الأحوال الشخصية –ص238، انظر بدران أبو العينين بدران/ الزواج و الطلاق في الإسلام-ص239-240،السيد سابق / فقه السنة-ص157. (1/152)
صفحة 153
1) الأداء : فإذا أدى الزوج النفقة لزوجته كاملة دون نقصان فقد سقط التزامه بنفقة الزوجة و لا شيء عليه .
2) الإبراء : في حال استحقاق الزوجة النفقة عن مدة سابقة على زوجها فيصح للزوجة أن تبرئ الزوج عن هذه النفقة سواء كانت مفروضة بالتراضي أو بقضاء القاضي لأنها صارت دينا في ذمة الزوج من وقت امتناعه عن الإنفاق مع وجوبه عليه. (1)
? و الإبراء إما يكون عن نفقة ماضية أو مستقبلة .
أ ) فان كان عن نفقة ماضية صح إبراء الزوجة عند الحنفية إن كانت النفقة مفروضة بقضاء القاضي أو بتراضي الزوجين لأنها صارت دينا ثابتا في ذمة الزوج و الإبراء يكون مما هو ثابت في الذمة و لا يصح الإبراء عن نفقة غير مفروضة بقضاء أو تراضي لأنها لم تثبت دينا في الذمة و لا يكون الإبراء إلا عما هو ثابت في الذمة .
و قال الجمهور : يصح الإبراء عنها لأنها تصير دينا في ذمة الزوج بمجرد الامتناع عن الإنفاق سواء أكانت مقررة بالقضاء أم بالتراضي أم غير مقررة .
ب ) و أما الإبراء عن نفقة مستقبلة في حالتين :
الأولى : الإبراء عن مدة بدأت بالفعل :كنفقة شهر بدأ و سنة دخلت لا عن أكثر من سنة و لا عن سنة و لا عن سنة لم تدخل لتحقق وجوبها إذ بجب تنجيزها أول المدة .
الثانية : الإبراء من نفقة العدة في مقابل الخلع أو الطلاق لأن الإبراء عن نفقة في نظير عوض و هو ملك الزوجة نفسها و لا يصح الإبراء في غير الخلع و الطلاق لأنه إسقاط للشيء قبل وجوبه .
و قال مالك و احمد و الشافعي : إذا صارت النفقة دينا تكون دينا قويا لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء كسائر الديون و الموت على خلاف ذلك . (2)
3) بوفاة أحد الزوجين :
__________
(1) بدران أبو العنينين بدران / الزواج و الطلاق في الإسلام ـص 261
(2) وهبة الزحيلي / الفقه الإسلامي و أدلته ـج7ـص818ـ819 ، انظر السيد سابق / فقه السنة ـ ص165ـ166 . (1/153)
صفحة 154
إذا عجل الزوج لزوجته نفقة مدة مستقبلة كشهر أو سنة مثلا ثم طرأ في أثناء المدة ما يجعلها لا تستحق النفقة بأن مات أحد الزوجين أو نشزت الزوجة فللزوج أن يسترد نفقة ما بقي في المدة التي تستحق نفقته عنها لأنها أخذته جزاء احتباسها بحق الزوج و متى فات الاحتباس بالموت أو النشوز فعليها أن ترد النفقة التي عجلت لها بالنسبة للمدة الباقية و إلى هذا ذهب الإمام الشافعي و محمد بن الحسن و يرى إمام أبو حنيفة و أبو يوسف أن الزوج لا يسترد سيئا مما يعجل النفقة لأنها و إن كانت جزاء احتباس ففيها شبه صلة و قد قبضتها الزوجة و الصلة بين الزوجين لا رجوع فيها .
و لو مات الرجل قبل إعطاء النفقة لم يكن للمرأة إن تأخذها من ماله و لو ماتت المرأة لم يكن لورثتها أن يأخذوا نفقتها فأن كان الزوج أسلفها نفقتها وكسوتها ثم مات قبل مضي الوقت الذي أسلفها عنه لم ترجع ورثته عليها بشيء في رأي أبي حنيفة وأبي يوسف وكذا لو ماتت هي لم ير جع الزوج في تركتها في رأيهما. (1)
وقد جاء عن الشيخ السالمي : " لأنها لا نفقة لها بعد موت زوجها " وقد سئل رحمه الله أللحامل المميتة "أي الميت زوجها نفقة من مال زوجها أن لم يوص لها ؟ فقال من جواب طويل : "لا أحفظ لها نفقة عند أصحابنا بعد موته " فالزوجة ينقطع حقها في النفقة نهائيا بمجرد موت زوجها . (2)
وقد جاء في كتاب النيل أنه :" أقبضت نفقة شهر أو أكثر ثم ماتت أو مات أو طلقت بائنا أو حرمت قبل تمام المدة ردُ الباقي للزوج أو وارثه ففي الرد بيان انقضاء حقها في النفقة انقضاءً مطلقاً . (3)
مادة : (56) : على الزوج يهيئ لزوجته سكنا ملائما يتناسب وحالتيهما .
__________
(1) السيد سابق / فقه السنة -ص164
(2) نور الدين السالمي / العقد الثمين –ج3 –ص127، ص 141
(3) محمد يوسف أطفيش / كتاب النيل وشفاء العليل –ج7-ص485 (1/154)
صفحة 155
مادة : (57) : تسكن الزوجة مع زوجها في المسكن الذي أعده وتنتقل منه بانتقاله إلا إذا اشترطت في العقد خلاف ذلك أو قصد من الانتقال الإضرار بها .
? عرفنا مما تقدم أن النفقة الزوجية تشمل السكن على معنى أنه يجب على الزوج أن يعد للزوجة مسكنا شرعيا مستوفيا للشرائط الشرعية و إذا أعد لها المسكن و طالبها بأن تدخل في طاعته في المسكن الذي أعده لها فإذا امتنعت بدون مبرر شرعي كانت ناشز فسقطت نفقتها عليه من وقت نشوزها فإذا عادت بعد النشوز تجب لها النفقة التي كانت مفروضة لها لأن النشوز لا يسقط ما فرض بالتراضي أو بالتقاضي إنما تسقط النفقة المفروضة مدة النشوز أما إذا لم يهيئ الزوج للزوجة المسكن الشرعي الذي يصلح لسكنى الزوجة فرض لها القاضي أجرة مسكن إذا طلبت الزوجة ذلك و أثبتت دعوها و يراعى القاضي في فرض أجرة المسكن حال الزوج المالية و أجور المساكن .
? ما يجب توافره في المسكن الشرعي
1) أن يكون ملائما لحال الزوج المالية سواء كان منزلا مستقلا أو غرفة في منزل فإذا كان أمثال الزوج يسكن في حجرة كان المسكن الشرعي لزوجته حجرة تأمن فيها على نفسها و متاعها .
2) أن يكون مشتملا على كل ما يلزم للسكنى كم أساس و فراش و أدوات منزلية لازمة و أن يكون له مرافق ضرورية و هي التي تلزم للسكنى غير مشتركة مع أحد من أهل المساكن الأخرى إلا إذا كان الزوج فقيرا ومن الذين يسكنون في المساكن التي مرافقها مشتركة فلا بأس في ذلك و يكون المسكن بالنسبة إلى الزوجة مسكنا شرعيا .
3) أن يكون المسكن خاليا من سكن الغير و لو كان من أهل الزوج و أولاده من غيرها إلا إذا كان ولده من غيرها صغيرا غير مميز فيجوز لأن راحة الزوجة في المسكن حق من حقوقها و سكنى الغير معها مما يضايقها و يقيد حريتها و يمنعها من تمام المعاشرة مع زوجها. (1/155)
صفحة 156
4) أن يكون المسكن بين جيران صالحين تأمن فيه على نفسها و في مكان غير منقطع و غير موحش و لا مخيف فان كان أقارب الزوجة يسكنون في دار واحدة مع الزوجة فليس للزوجة أن تطلب نقلها إلى مسكن آخر إلا إذا كانت المرافق متحدة فان كان لكل بيت مرافق خاصة فهو مسكن شرعي و كان أقارب الزوج يؤذونها بالقول أو بالفعل فلها أن تطالب بالنفقة و هذا مذهب الحنفية .
و قد قال المالكية : إذا كانت الزوجة وضيعة لا قدر لها فليس لها الامتناع عن السكن مع أقارب الزوج و إذا كانت شريفة فلها الامتناع عن السكن معهم إلا إذا اشترط عليها ذلك أثناء العقد فيجب حينئذ أن تسكن في دار أهله على أن يخصص لها غرفة تستطيع الخلوة بنفسها ساعة تشاء و أن لا تتضرر بإساءة أهله لها .
? و قال الأمامية يجب أن يكون مسكن الزوجة لائقا بحالهما معا خاليا من أهله وولده و غيرهم إلا برضاها . (1)
وقد حاء في شرح النيل للامام أطفيش ما هو لزمته نفقة زوجته وسكناها وكسوتها. (2)
مادة (58)
أ ) يحق للزوج أن يسكن مع زوجته في بيت الزوجية أبويه وأولاده من غيرها متى كان مكلفا بالإنفاق عليهم بشرط أن لا يلحقها ضرر في ذلك .
ب ) لا يحق للزوجة أن تسكن معها في الزوجية أولادها من غيرة إلا إذا لم يكن لهم حاضن غيرها أو يتضررون من مفارقتها أو رضي الزوج بذلك صراحة أو ضمنها ويحق له العدول متى لحقه ضرر من ذلك .
إن من حق الزوجة أن يكون لها مسكنا مستقلا بها ليس فيه أحد من أهله إلا أن تختار ذلك لأن السكنى من كفايتها فيجب لها كالنفقة و قد أوجبه الله تعالى مقرونا بالنفقة و إذا أوجب حقا لها ليس له أن يشترك غيرها فيه لأنها تضرر به لأن السكن المشترك يمنعها معاشرة زوجها و الاستمتاع بها لأنها لا تأمن على متاعها.
__________
(1) الإمام أبي زكريا يحيى بن أبي الخير ابن أبي الخير الجناوني /كتاب النكاح –ص199.
(2) المصدر السابق. (1/156)
صفحة 157
و لكن في بعض الحالات يمكن أن يشارك في المنزل أقاربه من أبويه و أولاده من غيرها و العكس بالنسبة للزوج فلا بد من رضاهما لهذا الوضع قبل الزواج.
? قال الحنفية أنه إذا كان للزوج أقارب فله أن يسكن زوجته معهم إلا إذا ثبت أن الأقارب يؤذونها بقول أو فعل.
و فرق المالكية بين الزوجة الشريفة و الوضيعة فإذا كانت الزوجة شريفة ( و هي ذات القدر) فلها الامتناع من السكنى مع أقاربه و لو الأبوين في دار واحدة لما فيه من الضرر عليها باطلاعهم على حالها و شؤونها الخاصة إلا إذا شرط الزوج عليها عند العقد أن تسكن معهم فليس لها الامتناع من السكنى معهم إلا إذا حصل منهم الضرر من سكناها معهم أو الاطلاع على شؤونها و عوراتها .
- أما إن كانت الزوجة وضيعة(و هي التي لا قدر لها) فللزوج أن يسكنها مع أقاربه في دار واحدة إلا إذا اشترطت حين العقد ألا يسكن معها أحد من أقارب الزوج أو حصل لها ضرر منهم.
- و ليس للزوجة عند الحنفية أن يسكن معها أحد من غير الزوج و لو كان صغيرا غير مميز إلا إذا رضي الزوج بالسكنى و أجاز المالكية أن يسكن معها ولد صغير من غير الزوج إذا لم يكن له حاضنة غبرها و كان الزوج يعلم عند الزواج أو لم يعلم به و لم يكن له حاضنة غيرها. (1)
أما بالنسبة للرأي الأباضي : و هو أن يكون المسكن خاليا من سكن الغير لأن في ذلك إضرار لها و لا تكون المعاشرة كاملة مع وجود الغير في المسكن إذا لا تتحقق المؤانسة ببن الزوجين بذلك.
__________
(1) وهبة الزحيلي/ الفقه الإسلامي ج7-ص804،انظر بدران أبو العينين بدران/ الزواج و الطلاق في الإسلام ص248. (1/157)
صفحة 158
و حتى و لو رضيت الانتقال إلى بيت الزوجية و كان فيه غيرها من قبل و حصلت المضارة فلها المطالبة بالانتقال إلى غيره لقوله تعالى:" أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم لا تضاروهن لتضيقوا عليهن" و عن رجل تزوج امرأة لها أولاد من غيره فقال لا تسكني مع أولادك قلت هل له ذلك عليها؟. فان لم يكونوا بحد من يستغني بأنفسهم عنها لم يكن له ذلك لأن المرأة أولى بأولادها ما لم يختاروا غيرها إلا أن يمكن أن يكون السكن بقربها و تقوم بهم في غير سكنها و صلح ذلك فقد قيل ذلك إذا لم يكن على أولادها مضرة خيف عليهم الضرر فلا ضرر و لا ضرار. (1)
مادة : (59)
لا يحق للزوج أن يسكن مع زوجته ضرة لها في مسكن واحد إلا إذا رضيت بذلك و يحق لها العدول متى لحقها ضرر من ذلك .
كما ذكرنا في المادتين السابقتين أنه يمكن أن يسكن مع الزوجة أقارب الزوج و أولاده من غيرها إذا لم يصيبها ضرر من ذلك و كذلك بالنسبة للزوج .
و لكن إذا كان للزوج زوجة أخرى فانه يمكن أن يسكن كل زوجة في بيت مستقل و ذلك إذا كان موسراً و لكن إذا كان غير موسر فانه يسكنهم في بيت واحد فقد اختلفت عبارات الحنفية فيما إذا كان المسكن حجرة من دار بها عدة حجر و لكل حجرة مرافقها الخاصة بها أو كان في بيت منزل به عدة بيوت و كانت ضرة الزوجة تسكن في إحدى هذه الحجر أو البيوت فبعض النقول تفيد أنه يكون مسكنا شرعيا إلا إذا كانت الزوجة معرضة لأذى ضرتها و بعض النقول الأخرى تفيد أنه لا يكون مسكنا شرعيا و هذا الأخير هو المعقول لأن قرب الزوجة بضرتها مظنة الإيذاء بل مجرد وجود الضرة مما يؤذيها. (2)
__________
(1) الإمام أبي زكريا يحيى بن الخير ابن أبي الخير الجناوني/كتاب النكاح ص201.
(2) بدران أبو العينين بدران /الزواج و الطلاق في الإسلام- ص248-249. (1/158)
صفحة 159
و هذه المادة واضحة في وجوب رفع الضرر من إسكان الزوجة مع ضرتها في دار واحدة إذا تضررت من ذلك إلا إذا سكتت فالسكوت يعتبر رضا أو رفضت فليس للزوج إجبارها على سكنها مع ضرتها. (1)
الفرع الثاني
نفقة القرابة
مادة (60)
(أ) نفقة الولد الصغير الذي لا مال له على أبيه حتى تتزوج الفتاة و يصل الفتى إلى الحد الذي يكتسب فيه أمثاله ما لم يكن طالب علم يواصل دراسته بنجاح معتاد.
(ب) نفقة الولد الكبير العاجز عن الكسب لعاهة أو غيرها على أبيه إذا لم يكن له مال يمكن الإنفاق منه .
(ج) تعود نفقة الأنثى على أبيه أو من تجب عليه نفقتها غيره إذا طلقت أو مات عنها زوجها ما لم يكن لها مال.
(د) إذا كان مال الولد لا يفي بنفقته ألزم أبوه بما يكملها ضمن الشروط السابقة.
* فرض على كل أحد من الرجال و النساء الكبار و الصغار أن يبدأ بما لا بد له منه و لا غنى عنه به: من نفقة و كسوة على حسب حاله و ماله ثم بعد ذلك يجبر كل أحد على النفقة على من لا مال له ولا عمل بيده مما يقوم منه على نفسه : من أبويه و أجداده و جداته إن علوا – و على البنين و البنات بينهم- و إن سلفوا- و الأخوة و الأخوات و الزوجات : كل هؤلاء يسوي بينهم في إيجاب النفقة عليهم و لا يقدم منهم على أحد- قل ما بيده بعد موته أو كثر- لكن يتواسون فيه فان لم يفضل له عن نفقة نفسه شيء لم يكلف أن يشركه في ذلك أحد ممن ذكرنا فان فضل عن هؤلاء - بعد كسوتهم و نفقتهم – شيء أجبر على النفقة على ذوي رحمة المحرمة و موروثيه إن كان من ذكرنا لا شيء لهم و لا عمل بأيديهم تقوم مؤنتهم منه و هم الأعمام و العمات – و إن علوا- و الأخوال و الخالات – و إن علوا- و بنوا الأخوة – و إن سفلوا . (2)
__________
(1) انظر محمد يوسف أطفيش/شرح كتاب النيل –ح14-ص39
(2) الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن رشد الأندلسي/المحلى بآثار-ج9-ص266 (1/159)
صفحة 160
- و قد اتفق الفقهاء على أن نفقة القريب على قريبه – مهما اختلفوا- في تحديد القرب الذي تجب له النفقة-إنما تكون لسد حاجته أي أن أساس نفقة الأقارب إنما هو مراعاة الكفاية لسد الحاجة .
و حاجة الإنسان لا تقتصر على عنصر واحد بل هي تتعد و تتنوع و حياته لا تستقيم إلا بتوفر عدد من العناصر له : الغذاء ، الكساء و يتبعه الفراش و الغطاء و السكنى تلك أمور يحتاج إليها كل فرد و هناك عناصر أخرى يحتاج إليها بعض الأفراد دون البعض الآخر كأجرة الرضاع لا تلزم إلا للصغار في فترة الرضاع و أجرة الحضانة لا تلزم إلا للأولاد في سن الحضانة و المصروفات المدرسية لا تلزم إلا للطلاب في المدارس الخاصة أجرة الطبيب و ثمن الدواء فانه لا يلزم إلا المريض وأجرة الخادم لا تلزم إلا لمن لا يمكنه خدمة نفسه بنفسه. (1)
الفقرة (أ)
أتفق الفقهاء على وجوب النفقة على الأولاد الصغار الذين لا مال لهم على أبيهم لقوله تعالى :" و على المولود له رزقهن و كسوتهن بالمعروف " أي أن على الأب المولود له نفقة أولاده بسبب الولادة كما تجب عليه نفقة الزوجة بسبب الولد أيضا. و الأولاد الواجب نفقتهم في رأى الفقهاء هم الأولاد مباشرة وأولاد الأولاد أي الفروع وأن نزلوا فعلى الجد نفقة أحفاده من أي جهة كانوا لأن الولد يشمل الولد المباشر وما تفرع منه و هو الصحيح فهذا النفقة تجب بالجزئية دون الإرث .وفي رأى الإمام مالك : أنه تجب نفقة الأولاد المباشرين فقط دون أولاد الأولاد فالنفقة عنده تجب بسبب الإرث لا بمطلق الجزئية.
ولذلك يشترط لوجوب نفقة الأولاد ثلاث شروط
__________
(1) بدران أبو العينين بدران/الزواج و الطلاق في الإسلام-ص415. (1/160)
صفحة 161
1) أن يكون الأصل قادرا على الإنفاق بيسار أو قدرة على الكسب : فإذا كان الأصل غنيا أو قادرا على الكسب وجبت عليه نفقة أولاده فينفق عليهم من ماله و إن لم يكن له مال و قدر على الكسب وجب علبه الاكتساب فان امتنع حبسه القاضي أما إن كان معسرا بحيث تجب نفقته على غيره من الأصول أو الفروع و كان عاجزا عن الكسب فلا نفقة عليه لأنه لا يعقل إيجاب النفقة عليه و هو يأخذ نفقته من غيره إذ أن فاقد الشيء لا يعطيه و هذا هو الصحيح.
و قد قال المالكية : لا يلزم الأب الكسب لأجل نفقة أولاده فإذا كان معسرا و كان قادرا على الكسب بصنعه أو غيرها لم يجب عليه التكسب لينفق على أولاده المعسرين. ...
2) أن يكون الولد فقيرا معسرا لا مال له و لا قدرة له على الاكتساب : فإذا كان له مال يكفيه وجبت نفقته فيه لا على غيره و إذا كان مكتسبا وجب عليه الاكتساب فالصغير المكتسب نفقته في كسبه لا على لأبيه و عليه فان الولد الموسر بمال أو كسب يستغني به لا نفقة له لأن نفقة القرابة تجب على سبيل المواساة و البر و الموسر مستغن عن المواساة و البر و الصلة.
? و إذا كان الولد طالب علم: فالطالب المتعلم حتى و لو كان قادرا على العمل و التكسب تجب نفقته على أبيه لأن طلب العلم فرض كفاية فلو ألزم طلبة العلم التكسب تعطلت مصالح الأمة و هذا بشرط كون الطالب مجدا ناجحا فان كان مخفقا في دراسته فلا جدوى في تعليمه و عليه الانصراف إلى تعلم مهنة حرة تكفيه.
? الفقرة (ب)
? نفقة الولد الكبير : فلا تجب نفقته على الأب إلا إذا كان عاجزا عن الكسب لآفة في عقله كالجنون و العته أو آفة في جسمه كالعمى و الشلل و قطع اليدين و الرجلين أو بسبب طلبة العلم أو بسبب انتشار البطالة و عدم تيسير الكسب له أو بسبب المرض المانع له من الاكتساب. (1/161)
صفحة 162
و قد أوجب الحنابلة خلافا للجمهور النفقة للولد الكبير الفقير و لو كان صحيحا كما أوجبوها للولد الفقير و لو كان صحيحا لأنه ولد أو والد فقير محتاج فاستحق النفقة على والده أو ولده الغني كما لو كان مريضا بمرض مزمن أو مكفوف فيكون المبدأ المقرر عند الحنابلة و هو وجوب نفقة المولودين و الوالدين دون اشتراط نقص الخلقة أو نقص الأحكام المكلف بها في ظاهر المذهب.
و في رأي المذهب المالكي و الشافعي : الفقير وحده لا يكفي لاستحقاق الأولاد النفقة بل لا بد مع ذلك من العجز عن الكسب بصفة لا تزري بهم فإذا كان الولد قادرا على الكسب بوسيلة لا معدة فيها فغناه عن كسبه و إن كان له مال و لكنه ضاع قبل البلوغ و لم يقدر على العمل أو قدر و لكن كسدت تجارته فنفقته على أبيه .
? الفقرة (ج)
تجب نفقة البنت الفقيرة على أبيها مهما بلغت حتى تتزوج و عندئذ إذن تصبح نفقتها على الزوج فإذا طلقت عادت نفقتها إلى الأب و لا يجوز للأب أن يجبرها على الاكتساب فان اكتسبت من مهنة شريفة لا تعرضها للفتنة كخياطة و تعليم و تطبيب سقطت نفقتها عن الأب إلا إذا كان كسبها لا يكفيها فعلى الأب إكمال النفقة التي تحتاجها.
و في رأي الشافعية: يجب للبنت على أبيها النفقة و السكنى إذا كانت مطلقة طلاقا رجعيا أو بائنا و هي حامل كذلك. و كذلك الفرقة بغير طلاق إذا كانت من قبله. (1)
? الفقرة (د)
إذا كان مال الولد لا يفي بنفقته فان والده ملزم بأن يكمل النفقة عليه.
__________
(1) الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي/ المحلى بالآثار-ج9-ص266. (1/162)
صفحة 163
و في المذهب الأباضي: أنه (لزم أبا نفقة أطفاله و مجانينه) و لو تجننوا بعد البلوغ و إن كان لهم مال و له إنفاقهم من مالهم إن كان و إذا أنفق من ماله و لهم مال فله الرجوع عليهم بما أنفق و له أخذ ما أنفق و قيل لا يدرك ذلك في الحكم إن لم يشهد على الإدراك و قد مر ذلك في النكاح و استدل بعضهم قول أبي هريرة:" و يقول الولد : أطعمني إلى من تدعني؟ على وجوب نفقة الولد ما دام صغيرا أو لا مال له أو لا حرفة لأن قوله: إلى من تدعني إنما هو قول من لا يرجع إلى شيء سوى نفقة الأب و من له حرفة أو مال غير محتاج إلى ذلك.
و أيضا يجب على الأب نفقة كباره المعدمين الذي لا مال لهم أي المفلسين و أما إن يكونوا معدمين فلا تلزمه نفقتهم إلا إن كانوا مرضي أو ممنوعين من التصرف لعلة فانه يلزمه نفقتهم من أموالهم فيعقد الأجرة إن شاء من أموالهم لمن يقوم بطعامهم و ما لا بد لهم منه و إن فعل بنفسه فلا أجرة له إلا إن أشهد أنه يدرك عناءه لأن لهم مالا و هكذا في كل من تلزم نفقته. (1)
* و في (أثر) : تلزم الأب نفقة و لده و كسوته و مؤونته ما لم يبلغ إلا ابنته فما لم تتزوج فإذا تزوجت فعلى زوجها إلا إن فارقها فترجع للأب فعليه النفقة و إن لم ترجع إليه لم تلزمه نفقته. و نفقة الصغير طلقت أمه أو بقيت زوجة ثلث النفقة إذا فطم و فصلاه من الرضاع حتى يبلغ خمسة أشبار ثم يكون له نصف النفقة حتى يصير إلى ستة أشبار ثم ثلثا النفقة حتى يبلغ. (2)
مادة (61)
تجب على الأب تكاليف إرضاع ولده إذا تعذر على الأم إرضاعه و يعتبر ذلك من قبيل النفقة.
__________
(1) محمد يوسف أطفيش/ شرح كتاب النيل –ج14- ص14-15.
(2) المرجع السابق- ص38. (1/163)
صفحة 164
? إن الرضاعة حق للطفل و هي بهذا النظر لها اعتباران فهي من ناحية متصلة بالنفقة فتهيئة أسبابها واجبة على من تجب عليه نفقة الصغير و أول من تجب عليه نفقة الصغير هو أبوه لأنه منسوب إليه و لأنه جزؤه على نفقة الأقارب. و الاعتبار الثاني من ناحية كونها غذاء مناسباً في دور معين من أدوار الحياة للطفل و أنسبه هو لبن الأم و لذلك كان الوجوب الأول بالنسبة للرضاعة عليها و قد قال الله تعالى:" و الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن تتم الرضاعة و على المولود له رزقهن و كسوتهن بالمعروف" فالإرضاع واجب على الأمهات من حيث الأصل و الإنفاق عليهن واجب على الأب . و قد اختلف الفقهاء في مدى وجوب الإرضاع على الأم : فقال الحنفية إنها مطالبة به ديانة لا قضاء أي أنها تأثم فيما بينها و بين الله أن تركت إرضاع ولدها من غير عذر مسوغ لذلك. و لا يجبرها القاضي على الإرضاع لأن نظر القضاء يتجه إلى وجوب النفقة أو عدم وجوبها و النفقة بالأب و الإرضاع منها، و لا تجبر الأم على إرضاع ولدها قضاء إلا في حال الضرورة بأن كان الولد لا يلقم إلا ثديها أو لم توجد مرضع سواها أو كان الأب و الولد في عسرة لا يستطيعان دفع أجرة لظئر ترضعه. ففي هذه الأحوال تجبر الأم قضاء عند الحنفية على الإرضاع لأنها إن لم تجبر تعرض الولد للهلاك .
- و قال مالك رضي الله عنه: إن الأم تجبر على إرضاع ولدها إلا إذا كانت من طبقة نساؤها لا يرضعن أولادهن بأنفسهن و بذلك يتلاقى الوجوب الديني مع الوجوب القضائي في الجملة عند مالك ولا يتلاقيان في الجملة عند أبي الحنفية. (1/164)
صفحة 165
- إن الأم أولى بإرضاع ولدها و إن كانت لا ترضعه إلا بأجرة إلا إذا وجدت متبرعة أو من ترضعه بأقل مما تطالب به الأم و لو كان أجرة المثل فانه لا يلزم الأب تقديم أجرة مع وجود متبرعة أو طلب أجرة كبيرة مع وجود من ترضى بالأقل لأنه لو ألزم لكان هذا مضرة له و الله سبحانه و تعالى يقول:" لا تضار والدة بولدها و لا مولودة له بولده" (1)
- و إذا كانت المرضع غير الأم فان ذلك لا يسقط حق الأم في الحضانة و التربية و لا تلزم المرضع بالمكث في بيت الأم بل ترضعه و تذهب إلى بيتها إلا إذا كان قد اشترط عليها البقاء و المكث في بيت الأم. (2)
? إن الفقهاء قد اتفقوا على وجوب الإرضاع على الأم قضاء في ثلاث حالات هي:
1. ألا يقبل الطفل الرضاع إلا من ثدي أمه فيجب عندئذ إرضاعه إنقاذا له من الهلاك لتعين الأم كما تجبر المرضعة على استدامة الإجازة بعد مضي مدتها إذا لم يقبل ثدي غيرها .
2. ألا توجد مرضعة أخرى سواها فيلزمها الإرضاع حفاظا على حياته.
3. إذا عدم الأب لاختصاصها به أو لم يوجد لأبيه و لا للولد مال لاستئجار مرضعة فيجب عليها إرضاعه لئلا يموت .
و أوجب الشافعية على الأم إرضاع اللبأ: و هو اللبن النازل أول الولادة لأن الولد لا يعيش بدونه غالبا و غيرها لا يغني .
? إذا امتنعت الأم عن الإرضاع في غير هذه الحالات وجب على الأب أن يستأجر مرضعة و تسمى (ظئرا) لارضاعه محافظة على حياة الولد و على الظئر المستأجرة أن ترضعه عند أمه لأن الحضانة حق لها و امتناعها عن الإرضاع لا يسقط حقها في الحضانة لأن كل منهما حق مستقل عن الآخر.
? فان لم يستأجر الأب مرضعة كان للأم أن تطالبه قضاء بدفع أجرة الرضاع لتستأجر هي من ترضعه.
? المكلف بأجرة الرضاع و مقدار الأجرة:
__________
(1) سورة البقرة ، آية 233.
(2) الإمام محمد أبو زهرة / الأحوال الشخصية –ص 2، 4-5 ،4. (1/165)
صفحة 166
إن الأب هو المكلف بأجرة الرضاع لأنه هو الملزم بالنفقة عليه و تكون أجرة الرضاع على من تجب عليه النفقة لقوله تعالى:" و الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة و على المولود له رزقهن و كسوتهن بالمعروف" و قوله تعالى :" فان أرضعن لكم فآتوهن أجورهن".
و على الأب خمس نفقات للولد الصغير : أجرة الرضاع و أجرة الحضانة و نفقة المعيشة من صابون و دهن و فراش وغطاء و أجرة مسكن الحضانة الذي تحضنه فيه الأم و أجرة خادم له إن احتاج إليه.
و تلزم الأب نفقة الصغير و أن خالفه في دينه. لكن إلزام الأب النفقة بأنواعها إذا لم يكن للصغير مال فان كان له مال فالأصل أن نفقة الإنسان في مال نفسه صغيرا كان أو كبيرا فان كان الأب فقيرا و لم يكن للصغير مال أجبرت الأم في رأي الحنفية على إرضاعه و تكون الأجرة دينا على الأب يطالب بها عند يساره و تجبر الأم على الرضاع في رأي المالكية و ليس لها الرجوع بالأجرة على الأب إذا أيسر.
- واجب المرضع:
و أما المرضع فلا تكلف بشيء سوى الإرضاع و ما يوجبه عليها العرف كإصلاح طعام الولد و حفظه و غسله و غسل ثيابه لأن خدمة الصغير واجب عليها لأن العرف معتبر فيما لا نص فيه فان أرضعته بلبن شاة فلا أجر لها لأنها لم تأت بالعمل الواجب عليها و هو الإرضاع و هذا العقد إيجار و ليس بإرضاع و هو غير ما وقع عليه عقد الإجارة.
- مقدار الأجرة:
الأجرة التي تستحقها الأم هي أجرة المثل و هي التي تقبل إمرأة أخرى أن ترضع الولد في مقابلها و تقديرها متروك للقاضي فلو طلبت الأم أكثر من أجر لا تجاب إلى طلبها. (1)
__________
(1) وهبة الزحيلي/ الفقه الإسلامي و أدلته-ج7- ص700-ص704 (1/166)
صفحة 167
? و كذلك المذهب الأباضي يجب دفع الأجرة على الرضاع (أما الأجرة في الإسلام فقد قرر الإسلام أخذ الأجرة على الرضاع كما سبق في الآية التي أشرنا إليها لأن إرضاع الطفل انشغال للمرأة به من ناحية و شرب للبنها من ناحية أخرى. قال تعالى: في سورة البقرة الآية (233) :" و على المولود له رزقهن و كسوتهن بالمعروف" فالأمر في آية الطلاق للآباء، و كذلك المراد في هذه الآية بالمولود له هو الوالد ووجه اختيار التعبير بالمولود له على لفظ الوالد و الأب هو الاشعار بأن الأولاد لآبائهم لهم يدعون و إليهم ينسبون فالتعبير به مقابل بالتعبير بالوالدات في أول الآية .
و أختير كذلك على وجوب النفقة على الآباء فكأنه قال : عليك أيها الوالد أن تنفق عليهن ما يكفيهن من حاجات الطعام و اللباس ليقمن بذلك حق القيام.) (1)
مادة :(62)
في حالة عدم وجود الولي القادر على الإتفاق تجب نفقة الولد على أمه الموسرة إذا فقد الأب و لا مال له أو عجز عن الإتفاق.
- إذا كان الأب فقيرا أو عاجزا عن الكسب لمرض أو كبر سن أو نحو ذلك كانت نفقتهم في رأي الحنفية على الموجود من الأصول ذكرا كان أو أنثى إن كان موسرا، فتجب على الجد وحده إذا كان موسرا أو على الأم وحدها إذا كانت موسرة و للجد أو الأم إذا كان الأب موجودا معسرا غبر مريض مرضا مزمنا الرجوع على الأب في حال يساره و يكون ما أنفقه دينا على والدهم كما يجوز الرجوع عليه إذا أمر القاضي بالاتفاق.
و إذا وجد الجد مع الأم فعليهما النفقة بنسبة ميراثها فيكون على الأم الثلث و على الجد الثلثان و إذا كان هناك جد و أم أم فعلى الجدة السدس و على الجد الباقي بنسبة ميراثها.
__________
(1) وهبة الزحيلي : الفقه الاسلامي وأدلته 7/700-404 (1/167)
صفحة 168
- ورأي المالكية: أنه تجب النفقة على الأب وحده دون غيرهم لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال لرجل سأله عندي دينار؟ قال :" أنفقه على نفسك قال :عندي آخر ؟ قال : أنفقه على أهلك ، قال : عندي آخر ؟ قال أنفقه على خادمك ، قال : عندي آخر ؟ قال أنت أعلم به " و لم يأمره بإنفاقه على غير هؤلاء . (1)
- و ذهب الشافعية :إلى أنه إذا لم يوجد الأب أو كان عاجزا وجبت النفقة على الأم لقوله تعالى ( لا تضار والدة بولدها ) (2) و لأنه إذا وجبت النفقة على الأب وولادته من جهة الطاهر فلأن تجب على الأم وولادتها مقطوع بها أولى و تجب عليها نفقة ولد الولد لأن الجدة كالأم و الجد كالأب في أحكام الولادة .
- و قال الحنابلة في ظاهر المذهب : إذا لم يكن للولد الصغير أب وجبت نفقته على كل وارث على قدر ميراثه ، لقوله تعالى :" و على المولود له رزقهن و كسوتهن بالمعروف " (3)
- ثم قال :" و على الوارث مثل ذلك " فأوجب على الأب نفقة الرضاع ثم عطف الوارث عليه فأوجب على الوارث مثل ما أوجب على الوالد و سأل رجل النبي صلى الله عليه و سلم قال :" من أبر ؟ قال :أمك و أباك و أختك و أخاك " (4) و هذا نص في المطلوب : لأن النبي صلى الله عليه و سلم ألزمه الصلة و البر و كون النفقة من الصلة جعلها حقا واجبا فان كان للولد وارثان فالنفقة عليهما على قدر ارثهما منه و إن كانوا ثلاثة أو أكثر فالنفقة بينهم على قدر ارثهم منه .
- فان كان للولد الصغير أم و جد فعلى الأم ثلث النفقة و على الجد ثلثا النفقة لأنهما يرثانه و الله تعالى قال :" و على الوارث مثل ذلك " (5) و الأم وارثه فكان عليها بالنص
مادة (63)
__________
(1) أبو داود زكاة 1441 ، النسائي زكاة 2488 ، مسند أحمد ( باقي مسند المكرثين ) 7112.
(2) سورة البقرة ، آية 233
(3) سورة البقرة ، آية 233
(4) أنفرد به أبو داود في كتاب الأدب رقم الحديث 4474.
(5) سورة البقرة ، آية 233. (1/168)
صفحة 169
ا) يجب على الولد الموسر ذكرا أو أنثى كبيرا أو صغيرا نفقة والديه إذا لم يكن لهما مال يمكن الاتفاق منه
ب)إذا كان مال الوالدين لا يفي بنفقتهما ألزم الأولاد الموسرون بما يكملها .
? تجب نفقة الوالدين وان علوا لقوله تعالى : " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا " (1) ومن الإحسان أن ينفق عليهما عند الحاجة وقوله عز وجل :"وصاحبهما في الدنيا معروفا " (2) ومن المعروف الاتفاق عليهما ولو كانا مخالفين في الدين فأنها نزلت في الأبوين الكافرين وليس من المعروف أن يعيش إنسان في نعم الله تعالى ويترك أبويه يموتان جوعا .
وقال صلى الله عليه وسلم :"إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وان أولادكم من كسبكم ، فكلوه هنيئا مريئا " (3) و قال أيضا لرجل سأله :من أبر ؟ :"أمك ثم أمك ثم أمك ثم أباك ثم الأقرب فالأقرب " (4)
و الأصول الذين تجب نفقتهم : هم الأباء و الأجداد و الأمهات و الجدات و إن علوا لأن (الأب) يطلق على الجد و كل من كان سببا في الولادة ، كذلك ( الأم ) تطلق على الجدة مهما علت فقد أطلق القرآن كلمة ( الأبوين ) على آدم و حواء و قال تعالى : ( ملة أبيكم إبراهيم ) و لأن بين الولد و أصله قرابة توجب رد الشهادة فأشبه الجد و الجدة و الوالدين القريبين و يكون الأجداد و الجدات من الآباء و الأمهات فيقوم الجد مقام الأب عند عدمه ، و قد أجمع العلماء على أن الجدة تحرم على الإنسان كما تحرم عليه أمه في الزواج ،لقوله تعالى :" حرمت عليكم أمهاتكم "
__________
(1) سورة الإسراء ، آية 23
(2) سورة لقمان ، آية 15
(3) الترمذي ، الاحكام 127 ، النسائي ، البيوع 4373 ، أبو داود البيوع 3061 ، إبن ماجه تجارات.2128 ، مسند أحمد ( باقي مسند الإنصار) 22904 ، 23005.
(4) أبو داود ، الأدب 4473 ، الترمذي ، البر والصلة ، مسند أحمد ( مسند البصريين ) 19175 ، 19193. (1/169)
صفحة 170
- و قال الإمام مالك : الأصول الذين تجب نفقتهم : هم الآباء و الأمهات المباشرون لا الأجداد و الجدات مطلقا سواء من جهة الأب أو الأم فلا تجب نفقة على جد أو جدة كما لا تجب على ولد ابن و الصحيح هو قول الجمهور .
- شروط وجوب النفقة للوالدين :
1) أن يكون الأصل فقيرا أو عاجزا عن الكسب فان كان قادرا على الكسب فتجب أيضا نفقته عند الحنفية والشافعية في الأظهر لأن الله تعالى أمر بالإحسان إلى الوالدين و في إلزام الآباء بالاكتساب مع غني الأبناء ترك للاحسان إليهم و إيذاء لهم و هو لا يجوز و يقبح بالإنسان أن يكلف قريبه الكسب مع اتساع ماله و هذا بعكس الابن فانه لا نفقة له إذا كان قادرا على الكسب فيلزمه التكسب لأن الله تعالى نهى الولد عن إلحاق أدنى الأذى بالوالدين و هو التأفف في قوله تعالى :" فلا تقل لهما أف " (1) و لم يوجد النهي في الابن .
- و قال المالكية و الحنابلة : لا يلزم الفرع بنفقة الأصل إذا كان قادرا علىالكسب فيجبر على كسب يستغنى به و لا نفقة له لأنها تجب على سبيل المواساة والبر والصلة و الكاسب كالموسر مستغن عن المواساة .
2) أن يكون الفرع موسرا بمال أو قادرا على التكسب في رأي الجمهور وقال المالكية : لا يجب على الولد المعسر تكسب لينفق على والديه
وفي رأى الجمهور و منهم الأباضية : يشترط أن يكون مال الفرع أو مردود كسبه فاضلا عن نفقة نفسه إما من ماله وإما من كسبه فأما من لا يفضل عنه شيء فليس عليه شيء .
3) أن يكون المنفق وارثا في رأى الحنابلة فلا نفقة مع اختلاف الدين لقوله تعالى :"وعلى الوارث مثل ذلك " ولأن التوارث بسبب القرابة يجعل الوارث أحق بمال المورث فينبغي أن يختص بوجوب صلة قريبه بالنفقة دون غير الوارث ولأن هذه النفقة مواساة على البر والصلة فلم يجب مع اختلاف الدين كنفقة غير عمودي النسب .
__________
(1) سورة الاسراء ، آية 23. (1/170)
صفحة 171
وقال الحنفية : يشترط أن يكون المنفق قريبا مستحقا للإرث من قريبه إلا انهم مع المالكية والشافعية يقولون : اتحاد الدين ليس شرطا لوجوب نفقة الأصل على الفرع فتجب النفقة عليه وان اختلف الدين لأنه تعالى قال في حق الوالدين الكافرين :" وان جاهداك على إن تشرك في ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا " (1) وليس من المعروف الاتفاق عليهما مع القدرة وهذا هو الصحيح . (2)
- وبالنسبة للمذهب الأباضي فيما يجوز للأب في مال ولده جاز لأب من مال ولده بلا عدالة تجب لكن يندب إليها في الحكم وفي ما بينه وبين الله (أكل) وشرب ماء ولبن وغيره ، (وركوب ) على دابة ولده (وسكنى ) داره أو بيته أو نحوه ولبس ثيابه ،(وانتفاعا بمال ولده ) ذكرا أو أنثى (كاستخدام عبيده ولو كان ولده بالغا عاقلا و لو أجازه وكان الأب غنيا ، و لا سيما إن كان فقيرا أو كان ولده طفلا أو مجنونا و لا يفعل الأب ذلك لغيره و جوز و ذلك فيما كان من ذلك موجودا و أما أن يشتري من مال ولده ذلك لينتفع به فلا إلا إن لم يكن له مال يكفيه لذلك وغيره و تقدم في باب العدالة من الهبات ما نصه:و له أن يأكل من مالهم ما شاء و كيف شاء بلا نزع و لو له مال و لا عدالة فيه. (3)
مادة : (64)
أ ) توزع نفقة الأبوين على أولادهما بحسب يسر كل واحد منهما.
ب ) إذا أنفق أحد الأولاد على أبويه رضاء فلا رجوع له على اخوته.
ج) إذا كان الاتفاق بعد الحكم عليهم بالنفقة فله أن يرجع على كل واحد منهم وفق الحكم .
__________
(1) سورة لقمان ، آية 15
(2) وهبه الزحيلي / الفقه الإسلامي وأدلته ج7 –ص830-832،انظر الأمام أبو زهرة / الأحوال الشخصية-419-420 ، الأمام أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي / المحلى بالآثار ج9 –ص 276 ز
(3) محمد يوسف أطفيش / شرح كتاب النيل – ح14-ص109. (1/171)
صفحة 172
? تجب نفقة الوالدين على الولد لا يشاركه في نفقة أبويه أحد لأنه أقرب الناس إليهما فكان أولى باستحقاق نفقتهما عليه و هي عند الحنفية على الذكور الإناث بالسوية لأن المعنى يشملهما .
و كذا إذا كان له ابنان فانها تقسم بالسوية بينهما و لو كان أحدهما أكثر غنى من الآخر، نعم إذا كان التفاوت بينهما كثيرا فانه ينبغي أن يخص الغني بقسط أوفر من الاتفاق على والده،
- و قال الحنفية في حال تعدد الفروع اعتبروا درجة القرابة و في حال تعدد الأصول اعتبروا الإرث أحيانا و أهملوه أحيانا أخرى و كان ينبغي التسوية بين الفروع و الأصول لتساويهم في علة وجوب النفقة و هي الجزئية.
- و قد قرر الشافعية: أنه إذا اتحدت درجة قرابة الفروع كابنين أو بنتين أنفقا بالتساوي و إن تفاوتا في قدر اليسار أو أيسر أحدهما بالمال و الآخر بالكسب لأن عله إيجاب النفقة تشملها.
و إن أختلفت درجة قرابة الفروع كإبن و إبن و بنت فالأصح أن النفقة على أقربهما و هو الابن هنا سوى كان وارثا أم غيره ذكرا كان أم أنثى لأن القرب أولى بالاعتبار فان استوى قربهما فتجب في الأصح النفقة بالإرث لقوته.
و إذا تساوى الفرعان في الإرث فكانا وارثين كابن و بنت فهناك وجهان : قيل يستويان في قدر الاتفاق أي كما قال الحنفية، و قيل : يوزع الاتفاق عليهما بحسب الإرث و الوجه الأول أوجه.
- و قال المالكية: إن تعدد الأولاد وزعت النفقة على الأولاد الموسرين بقدر اليسار إذا تفاوتوا فيه .
- و رأي الحنابلة: أنه إن اتحدت درجة قرابة الفروع كابن و بنت فالنفقة بينهما أثلاثا كالميراث كالوجه الثاني لدى الشافعية لقوله تعالى:" و على الوارث مثل ذلك" فانه رتب النفقة على الإرث فيجب أن تترتب في المقدار عليه و إن اختلفت درجة القرابة كبنت و ابن وابن فالنفقة بينهما نصفين كالميراث. (1/172)
صفحة 173
- إذا أنفق أحد الأولاد على أبويه رضاء فلا رجوع له على أخوته لأنه رضي من بداية الأمر ينفق على والديه المعسرين عن رضا فلا يحق له الرجوع على أخوته بالنفقة عليهم أو مساعدته بالنفقة عليهم إلا إذا أعسر هو و لا يستطيع النفقة عليهم فيحق له الرجوع على اخوته النفقة على والديهما أو صدر حكم على الأولاد بالنفقة على والديهما و رضي هو بالنفقة على والديه ثم أعسر أو عجز عن النفقة فيحق له أن يرجع على أخوته بالنفقة على الوالدين لأن النفقة صدرت بحكم قضائي. (1)
- و في شرح كتاب النيل: إذا كان له إبن موسر وابن معسر فأراد أن يأكل من مال الموسر دون المعسر فلا يجوز له ذلك و لكن يساوي يبنهما في الأكل من مالهما كما يساوي بينهما في العدالة .
مادة : (65)
إذا كان كسب الولد لا يزيد عن حاجته وحاجه زوجته وأولاده ألزم بضم والديه المستحقين للنفقة إلى عائلته.
قد أجمع أهل العلم على إن نفقة الوالدين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبه على أبنائهما فلهم كسوتهما ونفقتهما وذلك إذا كانوا موسرين وإذا لم يكن لأولادهما مال وهذا المال لا يكفي سوى زوجته و أولاده فعليه أن يضم والديه إلى عائلته حتى ينفق عليهم مع عائلته وذلك في قوله تعالى :" وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " وقال صلى الله عليه وسلم :" إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وان أولادكم من كسبكم فكلوه هنيئا مريئا "
مادة : (66)
تجب نفقة كل مستحق لها على من يرثه من أقاربه الموسرين بحسب ترتيبهم وحصصهم الارثية .فان كان الوارث معسرا تفرض على من يليه في الإرث وذلك مع مراعاة أحكام المادة (62 ) من هذا القانون
__________
(1) وهبة الزحيلي/ الفقه الإسلامي و أدلته-ج7-ص838-834. (1/173)
صفحة 174
كما ذكرنا في المادة (62) أنه إذا كان الأب فقيرا أو عاجز عن الكسب أو فقد فانه تجب نفقة الولد على أمة الموسرة فكذلك بالنسبة للإرث فإذا كان من يستحق النفقة أصلا و له عدة فروع قد استوفوا شروط الوجوب اللازم تحقيقها في الوجوب عليهم فان ترتيب الوجوب عليهم بالقرب و الجزئية و لا اعتبار للميراث قط لأنه عله بثبوتها الجزئية و ليس للميراث دخل فيها و لذلك إذا كان للأصل بنت و ابن فان النفقة عليهما بالتساوي إن كانت البنت موسرة .
و إذا كان الأصول و الفروع و الحواشي بعضهم موسرا و الآخر معسرا و كان المعسر هو الذي تجب عليه النفقة فان كان هو الأب أو الابن فيكون حكمهما أنهما لا يعفبان من الاتفاق إلا إذا كان ثمة عجز و عدم قدرة على الكسب مطلقا و عندئذ يكون الابن أو الأب في حكم المعدوم و تجب على من سواه و يفرض أنه غير حي أما ما عدا الأب و الابن فان كان من تجب عليه النفقة معسرا تجب النفقة على من عداه و يفرض معدوماً غير موجود في صورتين:
1. أن يكون أساس الاتفاق هو القرب و الجزئية فقط كما في نفقة الأصول الواجبة على الفروع فان كان للشخص بنت بنت غنية و إبن إبن فقير يفرض ابن الابن معدوما و تجب النفقة كلها على البنت إذ و لو كان موسرا لكانت عليهما مناصفة فإذا كان عاجزا كانت عليها وحدها و كذلك إذا كان ثمة أبو أم معسر و أبو أبي أب موسر فان النفقة تكون على أبي أبي الأب و يفرض الأول معدوما و ذلك إذا لم يكن ثمة حواشي . (1/174)
صفحة 175
2. إذا كان أساس النفقة هو الميراث و كان من تجب عليه النفقة بمقتضى ذلك معسرا و هو ينفرد بالميراث و يحجب غيره فانه يفرض معدوما لكي تجب النفقة على غيره كأن يكون له أخ شقيق و أخ لأب و أخت لأب و الأخ الشقيق معسر و هو من كانت عليه النفقة فانه في هذه الحال يكون في حكم الميت فيمكن فرض النفقة على غيره إذ أساس نفقة الحواش الميراث و إن فرض حيا لا يمكن فرض ميراثهم فيفرض ميتا و تجب النفقة هذه الحال على الأخ لأب و الأخت لأب أثلاثا عليها الثلث و عليه الثلثان لأن ميراثهما كذلك.
و إذا كان المعسر الذي وجبت عليه النفقة أو بعضها لا ينفرد بالميراث فانه لا يفرض معدما بل يفرض موجودا و تقدر سهام الميراث ثم تطرح سهامه و تقسم النفقة على باقي السهام فان كان للشخص أم و أخ شقيق و أخت شقيقة و أخت لأم و أخ لأم و الأخ الشقيق معسر فانه في هذه الحال يفرض موجودا و تبين سهام كل واحد كما لو كان وارثا فيكون للأم سهم وللأخت سهم مثله وكذلك للأخ الشقيق سهمان وللأخت الشقيقة سهم واحد ثم يطرح سهما الشقيق لعسره و تقسم النفقة بعد ذلك على أربعة و هي عدد السهام الباقية ففرض المعسر موجودا ليعرف مقدار الواجب على كل من الموسرين و إذا كان للشخص جد صحيح معسر و أم وأم أب فان الجد لا يفرض معدوما بل يفرض موجودا و يبين سهمه في الميراث و سهم الأم فيتبين أن له الثلثين و الأم الثلث و لا يجب عليه شيء و تجب النفقة كلها على الأم و لو كان الشخص له أم معسرة و أم أب و عم فان الأم تفرض موجودة و تكون النفقة كلها على العم لأن فرض الأم موجودة يحجب الجدة فلا يكون لها سهم في النفقة و تكون كلها على العم. (1)
__________
(1) الإمام محمد أبو زهرة/الأحوال الشخصية-ص427-428. (1/175)
صفحة 176
? و في بيان الشرع : إنما يلزم الولي نفقة وارثه الذي يرثه غير الأولاد الصغار و زوجته الفريضة إذا كان له من مال ما يكفيه ثمرته لعوله و عول أولاده و زوجته من الثمرة دون الأصل و ليس عليه أن يبيع أصل ماله إلا في نفقة أولاده الصغار و زوجته، و أما سائر أوليائه فلا يفرض عليه إلا من ثمرة مال أو من صناعة بيده يكون فيها غنيا مفضلا عن مؤنته و مؤنة عياله. (1)
مادة : (67)
إذا تعدد المستحقون للنفقة و لم يستطع من وجب عليه الإنفاق عليهم جميعا تقدم نفقة الزوجة ثم نفقة الأولاد ثم نفقة الأبوين ثم نفقة الأقارب.
? عرفنا أنه إذا لم يكن لمستحق النفقة إلا قريب موسر فان كان القريب من أصوله أو فروعه وجبت نفقته عليه ولو لم يكن وارثا له كجد لأم أو ابن بنت و ذلك باتفاق الجمهور غير المالكية .
و إن كان القريب من الحواشي وجبت نفقته عليه في رأي الحنفية ان كان ذا زحم محرم كالأخ و العم و العمة و في رأي الحنابلة ان كان وارثا بفرض أو تعصب كالأخ لأم و ابن العم.
- أما ان تعدد من تجب عليهم نفقة الأقارب فقد اختلف الحنفية مع المذاهب الأخرى في توزيع النفقة عليهم.
? مذهب الحنفية:
توزع النفقة على الأقارب في رأي الحنفية بحسب أصنافهم في الحالات التالية و هي:
1. أن يكون لمستحق النفقة أصول و فروع:-
إذا كان لمستحق النفقة أصول و فروع: فان تفاوتوا في درجة القرابة وجبت النفقة على الأقرب سواء أكان وارثا أم غير وارث مثل أب و إبن إبن أو بنت بنت و مثل أم و ابن ابن تجب النفقة على الأب في المثال الأول و على الأم في المثال الثاني لأن الأب و الأم أقرب درجة و لكن يلاحظ أن النفقة تجب حينئذ على غير الوارث. ... ... ... ... ...
__________
(1) محمد بن إبراهيم الكندي /بيان الشرع –ج55-ص263-264. (1/176)
صفحة 177
و إن تساووا في درجة القرابة وجبت النفقة بنسبة ميراثهم إلا إذا كان فيهم ابن أو بنت فالنفقة على الابن أو البنت ففي أب و ابن تجب النفقة على الابن لترجحه لقوله صلى الله عليه و سلم:" أنت و مالك لأبيك" (1) و في جد ( أبي أب ) و بنت و بنت تكون النفقة على الجد لأنه الوارث و أما بنت البنت فهي من ذوي الأرحام لا ترث مع الجد.
2. أن يكون لمستحق النفقة أصول و حواشي:-
إذا كان لمستحق النفقة أصول و حواشي كأم و أخ شقيق أو لأب فان كان كل من الصنفين وارثا وجبت النفقة عليهم بنسبة الإرث و إن كان أحد الصنفين وارثا و ا لآخر غير وارث فالنفقة على الأصول وحدهم و لو كانوا غير وارثين ترجيحا لاعتبار الجزئية على غيرها .
3. أن يكون لمستحق النفقة فروع و حواش:-
إذا كان لمستحق النفقة فروع و حواش فالنفقة تجب على الفروع و لا شيء على الحواش و لو كانوا وارثين لترجح قرابة الجزئية على غيرها. ... ففي بنت و أخت شقيقة تكون النفقة على البنت فقط و لا شيء على الأخت و إن ورثت النصف.
4. أن يكون لمستحق النفقة خليط من الأصول و الفروع و الحواشي:-
إذا كان لمستحق النفقة أقارب من الأصول و الفروع والحواشي فالحكم كالحالة الأولى تكون النفقة على الأصول و الفروع على النحو المبين في الحالة الأولى لقوة قرابة الجزئية بالنسبة لغيرها و يسقط الحواشي بالفروع فكأنه لم يوجد سوى الفروع و الأصول. ...
وإن وجد الأصول وحدهم و كان معهم أب فالنفقة عليه فقط و لا يشارك الأب في نفقه ولده أحد و إن وجد الحواشي فقط وزعت النفقة بمقدار الميراث مع كون الواحد ذا رحم محرم.
? و في رأي الشافعية:
توزع النفقة على الوالدين و المولودين على النحو التالية:
__________
(1) أنفرد به إبن ماجه في كتاب التجارات رقم الحديث 2282. (1/177)
صفحة 178
من استوى فرعاه في القرب الإرث أو عدمهما كابنين أو بنتين أو ابن و بنت فعليهما النفقة بالسوية لا بحسب الميراث و إن تفاوتا في قدر اليسار أو أيسر أحدهما بالمال و الآخر بالكسب و إن كان أحدهما أقرب و الآخر وارثا وجبت النفقة على الأقرب دون الوارث في الأصح . و إن استويا في استحقاق الإرث كبنت و بنت ابن كانت النفقة عليهما.
و إن تساويا في القرب فيقدم الوارث في الأصح لقوته كابن و ابن بنت تجب النفقة على الأول دون الثاني.
وإن تساويا في الإرث كابن و بنت :فهناك وجهان قيل يستويان و قيل توزع النفقة بحسب الإرث والأول أوجه.
? و في رأى المالكية :
? توزع النفقة في رأى المالكية الراجح على الأولاد الموسرين بقدر اليسار إذا تفاوتوا فيه وقيل : توزع بحسب الرؤوس بعض النظر عن الذكورة و الأنوثة .وقيل توزع بحسب الإرث فعلى الذكر مثل حظ الأنثيين . (1)
? ترتيب من تجب عليهم النفقة : إذا كان من تجب عليه النفقة واحدا أداها وان تعدد من تجب عليهم وكانون في درجة واحدة و وقوة و قرابة واحدة كابنين أو بنتين أو أخوين شقيقين أو لأب فان النفقة تكون عليهم بالتساوي ولو تفاوتوا في الثروة مع ثبوت أصل اليسار إذا الشرط الموجب للإنفاق ثابت عندهم .
وان اختلفت درجاتهم في القرابة أو في قوة القرابة أو نوعها فهنا قد اضطربت أقوال الفقهاء في ترتيب من تجب عليهم النفقة وقبل أن نخوض في ذكرها تذكر قضيتين هما موضع اتفاق في الفقه الحنفي وقد نوهنا عنهما في كلامنا السابق وهما :
أ ) لا يشارك الولد في نفقة أبويه أحد سواء أكان الولد ذكرا أم كان أنثى موسرة .
__________
(1) وهبة الزحيلي /الفقه الإسلامي وأدلته –ج7-ص838-843، انظر الإمام محمد أبو زهره / الأحوال الشخصية –ص 422- 428 (1/178)
صفحة 179
ب ) ولا يشارك الأب في نفقة أولاده الصلبين أحد فحيثما كان للمستحق للنفقة ولد يستطيع الإنفاق عليه فلا نفقة تجب على أحد سوى ولده وحيث كان للولد أب فلا نفقة له على أحد سوى أبيه. (1)
مادة : (68)
تفرض نفقة الأقارب اعتبارا من تاريخ المطالبة القضائية وللقاضي أن يحكم بنفقة الأولاد على أبيهم عن مدة سابقة للمطالبة لا تتجاوز ستة أشهر .
? إن نفقة الأولاد لا تحتاج إلى قضاء القاضي لوجوبها أما نفقة الحواشي فإنها تحتاج إلى قضاء القاضي لوجوبها وكان ذلك الفرق لأن نفقة الأولاد سببها الجزئية فهي من قبيل أحياء الإنسان نفسه أو من هو كنفسه أما غير الأولاد فليست كذلك ولقد ترتب على ذلك الحكم أنه ان كان من تجب عليه النفقة غائبا ووجبت عليه نفقة أبويه أو أولاده العاجزين وله مال فان لهم أن يأخذوه وللقاضي أن يأمرهم بأخذ نفقتهم من ماله الحاضر ويأمر المودع الذي تحت يده المال بإعطائهم إذا كان مقرا بالوديعة وكذلك المدين مع أخذ كفيل إن رأي القاضي ذلك ولا يعد ذلك قضاء بل هو إعانة على أخذ الحق وعلى أي حال ليس للموعد أو المدين أن يدفع إلا بأمر القاضي وذلك كله إذا كان المال الحاضر من جنس النفقة وإذا لم يكن من جنس النفقة فليس لهم أن يبيعوه ليأخذوا. وليس للقاضي أن يأمر ببيعه ، بيد أن أبا حنيفة أجاز للأب أن يبيع عروض ولده لينفق منها وذلك كله لورود النص بأن مال الولد للأب فيه نوع ملك لقوله عليه الصلاة والسلام ( أنت ومالك لأبيك ) ولأن الولد كسب أبيه وقد خالف في ذلك الصاحبان لأن الأب ليست له ولاية على ولده الكبير .
__________
(1) الإمام محمد أبو زهرة / الأحوال الشخصية –ص421-422. (1/179)
صفحة 180
ويلاحظ أنه إن كان للغائب مال من جنس النفقة ليس تحت يده وله عند وديع مال من جنسها ودين عند آخر من جنسها يأمره القاضي بالأخذ من المال الذي ليس تحت يد أحد ثم الذي تحت يد المودع ثم المدين لعدم تعرض حقوق الآخرين للضياع ولا بد من أن يقرُا بالوديعة والدين أن يعلم القاضي .
أما إذا كان الموسر غائبا وكان المستحق لها حواش فانه لا يثبت الوجوب بل ينتقل الوجوب إلى الحاضرين ولو كانوا أقل رتبة منه ويفرض كأنه معسر وذلك لأن هذه النفقة للحاجة وتحتاج إلى قضاء القاضي. والقضاء على الغائب غير جائز في مذهب أبي حنيفة لأنه لا يصح القضاء حتى يسمع كلام الخصم ولذا كان القضاء على الغائب غير ممكن بمقتضى المذهب الحنفي ولا يمكن الانتظار حتى يحضر الغائب فكانت المصلحة قاضية بأن ينتقل الوجوب على غيره ويفرض أنه غير موسر ولابد في فرض نفقة الحواش من تقدير القاضي وحكمه بها أما في غيرها فلا يحتاج وجوبها إلى قضاء القاضي .
وتقدر نفقة الأقارب مطلقا بالكفاية فتقدر بمقدار ما يسد حاجة القريب المحتاج على شرط أن يكون ذلك في قدرة المنفق من غير إرهاق بحيث يكون مقدارها فاضلا عن حاجته الأصلية لأنه صح في الأثر (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول).
? سقوط نفقة القريب : إذا وجبت نفقة القريب لا تكون دينا في الذمة قط إلا إذا أمر القاضي باستدانتها واستدانها فعلا فإذا حكم القاضي بنفقة قريب ومضى شهر على استحقاقها لا يطالب بنفقة ذلك الشهر الذي مضى ولكن يطالب بنفقة الشهر الحاضر وذلك لأن هذه النفقة لسد الحاجة إذا مضى الشهر من غير أخذها فهو دليل أنه استطاع أن يسد حاجته في هذا . ولكنه إذا استدانها بأمر القاضي أو بأمر المنفق فإنها تثبت دينا للغريم من أول الأمر على من تجب عليه النفقة لأن الاستدانة كانت بالنيابة عنه إن كانت بأمره وأمر القاضي كأمره لأنه رأى ذلك طريقا لحمله على أداء ما يجب عليه ودفع ظلم المطل . (1/180)
صفحة 181
وإذا مات من يستحق النفقة قبل أن يأخذها أو يستدينها فليس لورثته أن يطالبوا بها لأنها لم تثبت دينا. (1)
الفرع الثالث
نفقة اللقيط
مادة (69)
تكون نفقة اللقيط مجهول الأبوين من ماله إن وجد له مال فإذا لم يوجد له و لم يتبرع أحد بالإنفاق عليه كانت نفقته على بيت المال أو من يقوم مقامه.
و اللقيط في اللغة: الوليد الذي يوجد ملقى على الطريق و نحوه و لا يعرف أبواه. و يقال طفل ملقوط و لقيط و منبوذ و هو ابن الليل و هو ولد الخبيثة وولد من زنا. (2)
? القول في وجوب الإشهاد على اللقيط: فقد قال الشافعي: كل شيء ضائع لا كافل له فالتقاطه من فروض الكفايات و في وجوب الإشهاد عليه خيفة الاسترقاق خلاف و الخلاف فيه مبني على الاختلاف في الإشهاد على اللقطة.
? من هو اللقيط : هو الصبي الصغير غير البالغ و ان كان مميزا ففيه في مذهب الشافعي تردد. و هو نفس المضمون عند الأباضية.
? من له حق التقاط اللقيط (الملتقط): و هو كل حر عدل رشيد و ليس العبد والمكاتب بملتقط و الكافر يلتقط الكافر دون المسلم لأنه لا ولاية له عليه و يلتقط المسلم الكافر و ينزع من يد الفاسق و المبذر و ليس من شرط الملتقط الغني.
? نفقة اللقيط: لا تلزم نفقة الملتقط من التقطه و ان أنفق لم يرجع عليه بشيء.
- و إذا كان للقيط مال كانت نفقته في مال كالبالغ و لا يجوز للملتقط أن ينفق عليه من مال بغير إذن الحاكم فان أنفق عليه من غير إذن ضمنه لأنه لا ولاية له عليه إلا في الكفالة فلم يملك الإنفاق بنفسه. و هذه المسألة لها نفس الحكم عند الأباضية.
__________
(1) الإمام محمد أبو زهرة / الأحوال الشخصية –ص428-431.
(2) مجمع اللغة العربية /المعجم الوجيز ط1- ص562. (1/181)
صفحة 182
- و من أنفق على اللقيط متبرعا فلا شيء له سواء كان الملتقط أو غيره و ان تبرع بالإنفاق عليه فأنفق عليه الملتقط أو غيره محتسبا بالرجوع عليه إذا أيسر و كان ذلك بأمر الحاكم لزم اللقيط ذلك إذا كان النفقة قصدا بالمعروف.
- و إن أنفق الملتقط بغير أمر الحاكم محتسبا بالرجوع عليه فقد قال الشافعي هو متبرع.
? من أحكام اللقيط : فانه يحكم له بحكم الإسلام ان التقطه في دار المسلمين و يحكم للطفل بالإسلام بحكم أبيه عند مالك و عند الشافعي بحكم من أسلم منها و به قال ابن وهب من أصحاب مالك. (1)
- و قد اختلف في اللقيط فقيل أنه عبد لمن التقطه و قيل حر و ولاءه لمن التقطه و قيل انه حر و ولاءه للمسلمين و هو مذهب مالك و الذي تشهد له الأصول إلا أن يثبت في ذلك أثر تخصص به الأصول مثل قوله عليه الصلاة و السلام: " ثرت المرأة ثلاثة لقيطها و عتيقها و ولدها الذي لاعنت عليه". (2)
? و للملتقط على اللقيط ولاية التربية فيشترى له ما يلزمه و يدفعه إلى من يعلمه علما أو حرفة و ينتقل معه حيث انتقل و إذا قر واحد بنسب اللقيط منه ثبت نسبه منه ما دامت شروط الإقرار مستوفاة و لو كان المقر غير مسلم لم يستمر اللقيط مسلما بحكم الالتقاط.
- و يلاحظ هنا رأي مالك الذي لا يحكم بالنسب إلا إذا بين المقر وجها شرعيا له.
- و إذا لم يكن للقيط مال و لم يدع أحد نسبه و أبي الملتقط الإنفاق عليه و ثبت أنه لقيط فانه تكون نفقته واجبة على بيت مال المسلمين فيرتب له منه مقدار حاجته من طعام و كسوة. (3)
الفصل الثاني
النسب
أحكام عامة
__________
(1) أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد ابن راشد/ بداية المجتهد و نهاية المقتصد=-ج2-ص500-501،انظر الإمام محمد أبو زهرة/ الأحوال الشخصية-ص 401
(2) الترمذي الفرائض 2041 ، أبو داود الفرائض 2519 ، إبن ماجه الفرائض 2732.
(3) الإمام محمد أبو زهرة /الأحوال الشخصية –ص401-402. (1/182)
صفحة 183
مادة (70) لا يثب النسب إلا بالفراش أو بالإقرار أو بالبينة .
? إن حقوق الأولاد و هم ثمرة الزواج تثبت من وقت الولادة و بعضها على الأب وحده و بعضها عليهما و بعضها واجب على الوالدين وبعضها حق لهما .
و أول ما يثب للأولاد من حقوق هو ثبوت النسب و هو حق للولد و للأب ثم يكون حق للتربية و يشترك في هذا الحق الثابت الأب بالإنفاق الأم بالرضاعة و الحضانة عند تعينها لها ثم إذا تجاوز الولد سن الحضانة ثبتت عليه الولاية على النفس منفردة وتكون للعصبات .
وإذا كان له مال فلا بدا أن يكون له من يدير أمواله ويحافظ عليها . (1)
*و في المذهب الحنفي :ثبوت النسب وإن كان ذلك حكم الدخول حقيقة لكن سببه الظاهر هو النكاح لكون الدخول أمرا باطنا فيقام النكاح مقامه في إثبات النسب و لهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم "الولد للفراش و للعاهر الحجر " وكذا لو تزوج المشرقي بمغربية فجاءت بولد يثبت النسب و إن لم يوجد الدخول حقيقة لوجود سببه و هو النكاح . (2)
? يثبت النسب بأحد طرق ثلاثة و هي :
1) الزواج الصحيح أو الفاسد
2) الإقرار بالنسب
3) البينة
1) الزواج الصحيح أو الفاسد
الزواج الصحيح أو الفاسد سبب لاثبات النسب و طريق لثبوته في الواقع فمتى ثبت الزواج و لو كان فاسدا أو كان زواجا عرفيا أي منعقدا بطريق عقد خاص دون تسجيل في سجلات الزواج الرسمية ثبت نسب كل ما تأتي به المرأة من أولاد .
2) الإقرار بالنسب أو ادعاء الولد
و هو نوعان .
... ا) إقرار على نفس المقر . ...
ب) إقرار محمول على غير المقر .
__________
(1) الإمام محمد أبو زهرة /الأحوال الشخصية –386.
(2) الإمام علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي \ كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع –ص331 (1/183)
صفحة 184
ب) إقرار على نفس المقر : فهو أن يقر الأب بالولد أو الابن بالوالد كأن يقول : هذا ابني أو هذا أبي أو هذه أمي و يصبح هذا الإقرار من الرجل و لو في مرض الموت بشروط أربعة متفق على أغلبها بين المذاهب و هي :.
1) أن يكون المقر به مجهول النسب : بأن لا يكون معروف النسب من أب آخر فان كان ثابت النسب من أب معروف غير المقر كان هذا الإقرار باطلا لأن الشرع قاض بثبوت النسب من ذلك الأب و متى تأكد ثبوت النسب من شخص لا يقبل الانتقال منه إلى غيره فقد لعن النبي صلى الله عليه و سلم من انتسب إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه .و مجهول النسب عند الحنفية : هو الذي لا يعلم له أب في البلد الذي ولد فيه و هذا هو الظاهر الآن مع سهولة المواصلات و البحث عند بلد الميلاد . و قد استثنى العلماء من هذا الشرط ولد اللعان : فانه لا يصح ادعاؤه بالنسب و إلحاقه بغير الأب الملاعن لاحتمال أن يرجع الملاعن و يكذب نفسه فيما ادعاه من أن الولد ليس منه ,
2) أن يصدقه الحس : بأن يكون المقر به محتمل الثبوت من نسب المقر بأن يكون ممن يولد مثل المقر به لمثل المقر و ذلك في سن تسمح بأن يكون ابنا للمقر فلو كان المقر ببنوته أكبر من المقر أو مساويا له في السن أو مقاربا بحيث لا يمكن أن يكون ابنا للمقر عادة لم يصح إقراره لأن الحس أو الواقع يكذبه في هذا الإقرار فمن قال لغلام : هذا ابني و كان سن الغلام عشر سنوات و سن المقر عشرين سنة لم يعتبر هذا الإقرار عند الحنفية لأن الغلام لا يولد له في رأيهم قبل بلوغ سن الثانية عشرة .
3) أن يصدقه المقر له في إقراره إن كان أهلا للتصديق بأن يكون بالغا عاقلا عند الجمهور و مميزا عند الحنفية لأن الإقرار حجة قاصرة على المقر فلا تتعداه إلى غيره ببنية أو تصديق من الغير فان كان المقر به صغيرا أو مجنونا فلا يشترط تصديقهما لأنهما ليسا بأهل للإقرار أو التصديق .
3) البينة: (1/184)
صفحة 185
البينة حجة متعدية لا يقتصر أثرها على المدعى عليه بل يثبت في حقه وحق غيره أما الإقرار فهو كما عرفنا حجة قاصرة على المقر لا تتعداه إلى غيره و ثبوت النسب بالبينة أقوى من الإقرار لأن البينة أقوى الأدلة لأن النسب و إن ظهر بالإقرار لكنه غير مؤكد فاحتمل البطلان بالبينة .
و نوع البينة التي يثبت بها النسب كما بينا : هي شهادة رجلين أو رجل و امرأتين عند أبي حنيفة و محمد و شهادة رجلين فقط عند المالكية و جميع الورثة عند الشافعية و الحنابلة و أبي يوسف.
- و الشهادة تكون بمعاينة المشهود به أو سماعه فان رأى الشاهد أو سمعه بنفسه جاز له أن يشهد وإذا لم يره أو يسمعه بنفسه لا يحل له أن يشهد لقوله صلى الله عليه و سلم لشاهد :" ترى الشمس ؟ قال :نعم فقال : على مثلها فاشهد أو دع "
? الشهادة بالتسامع لاثبات النسب :
التسامع : استفاضة الخبر و اشتهاره بين الناس و قد اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على جواز إثبات النسب بشهادة السماع كما هو الشأن في الزواج او الزفاف و الدخول بالزوجة و الرضاع و الولادة و الوفاة .
و دليلهم أن هذه الأمور لا يطلع عليها إلا خواص الناس فإذا لم تجز فيها الشهادة بالسماع أدى إلى الحرج وتعطيل الأحكام المترتبة عليها كالإرث و حرمة الزواج .
-لكن اختلف الفقهاء في بيان المراد من التسامع فقال أبو حنيفة : هو أن تتواتر به الأخبار ليحصل للسامع نوع من اليقين .
-و قال المالكية : أن يكون المنقول عنه غير معين و لا محصور بأن ينتشر المسموع به بين الناس العدول و غيرهم و اشترطوا أن يقول الشهود : سمعنا كذا ونحوه .
-و قال الشافعية في الأرجح و الحنابلة في الأصح مثل قول أبي حنيفة : شرط التسامع سماع المشهود به من جمع يؤمن تواطؤهم (أي توافقهم ) على الكذب بحيث يحصل به العلم (أي اليقين ) أو الظن القوي بخبرهم و لا يكفي الشاهد بالاستفاضة أن يقول : سمعت . (1/185)
صفحة 186
الناس يقولون كذا وإن كانت شهادته مبنية عليها بل يقول : أشهد أنه له أو أنه مثلا لأنه قد يعلم خلاف ما سمع الناس .
وفي المذهب الأباضي – ( في بيان الشرع ) : إذا حضر الحاكم امرأة ومها صبي طفل أدعت أنه ولد رجل وحضر الرجل فأنكر الصبي أنه ليس هو ولده ما يفعل الحاكم . وقال معي أن الحاكم يدعوها بالبينة.
قلت : فإن أعجزت المرأة البينة على هذا الصبي أنه ولده هل عليه يمين أن هذا الصبي ليس هو ولده.
قال : معي أنه قد قيل ليس عليه يمين في النسب قلت فما يجب لهذه المرأة في هذه الدعوى . أرأيت أن رد إليها اليمين في هذا الولد هل عليه أن تحلف أنه ولده معي أنه ليس عليها يمين في هذا لأن النسب لا يمين فيه.
قلت : فما يكون حكم هذا الصبي إذا لم يقر به الرجل ولم تجب عليه يمين ولا كان للمرأة أن تحلف أنه ولده والأم مقرة أنه ولدها قال : معي أنه يلزمها ولدها حتى يصح على غيرها. (1)
4) ألا يكون فيه حمل النسب على الغير : سواء كذبه المقر له أو صدقه لأن إقرار الإنسان حجة قاصرة على نفسه لا على غيره لأنه على غيره شهادة أو دعوى و شهادة الفرد فيما لا يطلع عليه الرجال غير مقبولة و الدعوى المفردة ليست بحجة.
- و بناء عليه إذا كان المقرر ببنوة الغلام زوجة أو معتدة فيشترط مع ما ذكر أن يوافق زوجها على الاعتراف ببنوته له أيضا أو أن تثبت ولادتها له من ذلك الزوج لأن فيه تحميل النسب على الغير فلا يقبل إلا بتصديقه أو ببينة.
__________
(1) محمد بن إبراهيم الكندي/ بيان الشرع –ج34/51 - وزارة التراث القومي و الثقافة –ص51. (1/186)
صفحة 187
- و قد أشترط الحنيفة لصحة الإقرار بالنسب أيضا حياة الولد فلو أقر شخص بأن فلان ابنه و كان المقر له بالبنوة ميتا و لم يصح هذا الإقرار و لا يثبت به النسب إذ لا حاجة بعد الوفاة لإثبات النسب لأنه لا يحتاج الميت إلى تكريم و لا تشريف . لكن استثنى الحنفية منه ما إذا كان ابن المتوفى أولاد فان الإقرار بنسبه بعد وفاته يكون صحيحا رعاية لمصلحة الأولاد لأنهم يحتاجون إلى ثبوت نسب أبيهم و في ثبوت نسبه شرف لهم و تكريم.
- و لم يشترط المالكية حياة الولد المقر به: لأن النسب حق للولد على أبيه فلا يتوقف إثباته على حياة الولد كما لا يتوقف على تصديقه إلا أن الأب لا يرث الابن الذي إستحلفه إلا إذا كان له ولد أو كان المال قليلا حتى لا يتهم الأب بأن إقراره لأجل أخذ المال الكثير .
- وقال الشافعية و الحنابلة : يثبت النسب بالإقرار على الغير بالشروط السابقة و بشرط كون المقر جميع الورثة و بشرط كون الملحق به النسب ميتا فلا يلحق بالحي و لو كان مجنونا لاستحالة ثبوت نسب الشخص مع وجوده حيا بقول غيره .
ب)الإقرار بنسب محمول على الغير :
فهو الإقرار بما يتفرع عن أصل النسب كأن يقر شخص فيقول هذا أخي أو هذا عمي أو هذا جدي أو هذا إبن إبني .
و قد قال المالكية : يأخذ المقر له بالأخوة المقدار الذي نقص من حصة المقر بسبب إقراره . فإذا أقر ولده بأخوة آخر و أنكره الولد الآخر أخذ المنكر نصف التركة و شارك المقر له المقر في النصف الآخر عند الحنفية و أما عند المالكية فيأخذ المنكر نصيبه كاملا و يأخذ المقر له ما نقص من نصيب النقر على فرض أن التركة توزع على ثلاثة .
الفرع الأول
الفراش
مادة :(71) :
أ . الولد للفراش إذا مضى على عقد الزواج الصحيح أقل مدة الحمل و لم يثبت عدم إمكان التلاقي بين الزوجين.
ب . يثبت نسب المولود في العقد الفاسد إذا ولد لأقل مدة الحمل من تاريخ الوطء و مثله الوطء بشبهة .
أولا: العقد الصحيح : (1/187)
صفحة 188
اتفق الفقهاء على أن الولد الذي تأتي به المرأة المتزوجة زواجا صحيحا ينسب إلى زوجها للحديث المتقدم:" الولد للفراش" و ذلك بالشروط الآتية:
الشرط الأول:
أن يكون الزوج ممن يتصور منه الحمل عادة بأن يكون بالغا في رأي المالكية و الشافية و مثله في رأي الحنفية و الحنابلة المراهق: و هو عند الحنفية من بلغ اثنتي عشرة سنة و عند الحنابلة: من بلغ عشر سنوات فلا يثبت النسب من الصغير غير البالغ حتى و لو ولدته أمه لأكثر من ستة أشهر من تاريخ عقد الزواج و لا يثبت النسب في رأي المالكية من المجبوب الممسوح و هو الذي قطع عضوه التناسلي و أنثياه.
و يثبت النسب في رأي الشافعية و الحنابلة من المجبوب الذي بقى أنثياه فقط.
الشرط الثاني:
أن يلد الولد بعد ستة أشهر من وقت الزواج في رأي الحنفية و من إمكان الوطء في رأي الجمهور فان ولد لأقل من الحد الأدنى لمدة الحمل و هي ستة أشهر لا يثبت نسبه من الزوج اتفاقا و كان دليلا على أن الحمل به حدث قبل الزواج إلا إذا ادعاه الزوج و يحمل ادعاؤه على أن المرأة حملت به قبل العقد عليها إما بناء على عقد آخر و إما بناء على عقد فاسد أو وطء بشبهة مراعاة لمصلحة الولد و سترا للأعراض بقدر الإمكان.
الشرط الثالث:
إمكان تلاقى الزوجين بعد العقد و هذا شرط متفق عليه و إنما الخلاف في المراد به أهو الإمكان و التصور العقلي أو الإمكان الفعلي و العادي.
- قال الحنفية: الحق أن التصور و الإمكان العقلي شرط فمتى أمكن التقاء الزوجين عقلا ثبت نسب الولد من الزوج إن ولدته الزوجة لستة أشهر من تاريخ العقد حتى و لو لم يثبت التلاقي حسا فلو تزوج مشرقي مغربية و لم يلتقيا في الظاهر مدة سنة فولدت ولدا لستة أشهر من تاريخ الزواج ثبت النسب لاحتمال تلاقيهما من باب الكرامة و كرامات الأولياء حق فتظهر الكرامة بقطع المسافات البعيدة. (1/188)
صفحة 189
- و رفض الأئمة الثلاثة هذا المنطق و قالوا: يشترط إمكان التلاقي بالفعل أو الحس و العادة و إمكان الوطء و الدخول لأن الإمكان العقلي نادر و لا يصح أن يكون له دور في نطاق العقود الظاهرة و الأحكام إنما تنبني على الكثير الغالب و الظاهر المشاهد لا القليل النادر أو الخفي غير المحتمل عادة فلو تأكد عدم اللقاء بين الزوجين فعلا لم يثبت نسب الولد من الزوج كما لو كان أحد الزوجين سجينا أو غائبا في بلد بعيد غيبة امتدت إلى أكثر من أقصى مدة الحمل لذا أخذت القوانين بهذا الرأي و هو الصحيح لاتفاقه مع قواعد الشريعة و العقل .
? وقت ثبوت النسب بعد الفرقة من زواج صحيح:
الفرقة إما أن تكون قبل الدخول أو بعد الدخول:
أ ) إذا طلق الرجل زوجته قبل الدخول و الخلوة ثم ولدت ولدا بعد الطلاق فان أتت به قبل مضي ستة أشهر من تاريخ الطلاق ثبت نسبه من الزوج للتيقن بأنها حملت به قبل الفرقة .
وان أتت به بعد مضي ستة أشهر أو أكثر من تاريخ الطلاق فلا يثبت نسبه من
الزوج إذ لا نتيقن بحدوث الحمل قبل حصول الفرقة .
ب ) وإذا طلق الرجل زوجته بعد الدخول أو الخلوة سواء أكان الطلاق رجعيا أو بائنا أو مات عنها :
- فان أتت المرأة بولد بعد الطلاق أو الوفاة ثبت نسبه من الزوج إذا ولدته قبل مضي أقصي مدة الحمل من يوم الطلاق أو الوفاة وأقصي مدة الحمل هي كما بينا أربع سنين في رأي الشافعية والحنابلة وسنتان في رأي الحنفية وخمس سنوات في المشهور لدي المالكية .
- أما ان ولدته بعد مضي أقصي مدة الحمل من يوم الطلاق أو الوفاة فلا يثبت نسبه من الزوج المطلق أو المتوفى 0
ثانيا :الزواج الفاسد :
الزواج الفاسد في إثبات النسب كالزواج الصحيح لان النسب يحتاط في إثباته إحياء للولد ومحافظة عليه ويشترط لثبوت النسب بالزواج الفاسد ثلاثة شروط:
1) أن يكون الرجل ممن يتصور منه الحمل بأن يكون بالغا عند المالكية والشافعية أو بالغا أو مراهقا عند الحنفية والحنابلة . (1/189)
صفحة 190
2) تحقق الدخول بالمرأة أو الخلوة بها في رأى المالكية فان لم يحصل الدخول أو الخلوة بعد زواج فاسد لم يثبت نسب الولد والخلوة في الزواج الفاسد كالخلوة في الزواج الصحيح لامكان الوطء في كل منهما .
3) أن تلد المرأة بعد ستة أشهر أو أكثر من تاريخ الدخول أو الخلوة عند المالكية ومن تاريخ الدخول عند الحنفية فلو ولدت المرأة ولدا قبل مضي ستة أشهر من الدخول والخلوة عند الأولين لا يثبت نسبه من الرجل لأنه يدل على وجوده قبل ذلك وأنه من رجل آخر وإذا ولدته المرأة بعد ستة أشهر أو أكثر من تاريخ الدخول أو الخلوة ثبت نسبه من الرجل .
? وقت ثبوت النسب بعد الفرقة من زواج فاسد :
إذا حدثت الفرقة بعد زواج فاسد بالمتاركة أو تفريق القاضي بعد الدخول أو الخلوة في رأي المالكية ثم ولدت المرأة قبل مضي أقصي مدة الحمل من تاريخ الفرقة ثبت نسبه من الرجل وان ولدته بعد مضى أقصى مدة الحمل لا يثبت نسبه من وأقصى مدة الحمل كما بينا هي أربع سنين في رأي الشافعية والحنابلة وخمس سنين في رأي المالكية وسنتان في رأي الحنفية و سنة شمسية لدى القوانين و الأطباء. (1)
وفي فتاوى الشيخ بيوض:
س: زوجة ولدت بعد غياب زوجها بخمسة عشر شهرا فحكم القاضي بثبوت النسب و لحوق الولد بابيه؟
__________
(1) وهبة الزحيلي/ الفقه الإسلامي و أدلته- ج7- ص681- 688.، انظر الإمام محمد أبو زهرة/ الأحوال الشخصية –387-390.، انظر السالمي / شرح الجامع الصحيح-ح3-ص306-308. (1/190)
صفحة 191
ج: إن حكم القاضي صحيح، فان الولد للفراش و المرأة ما دامت في عصمة الزوج فإنها فراش له و كل ما وضعته في غيبته أو حضوره يلحق بالفراش إلا إن انتفى منه فيجب اللعان كما شرعه الله في سورة النور من كتاب الله الكريم. فإذا تلاعنا فرق بينهما و تخلص الزوج من الولد فيكون ابن أمه . هذا حكم الله و حكم رسوله و هو عدل كما ترى فان الأمر فيه للزوج و إن عرف أن الولد له تركه في البطن أو أنه زار زوجته في وقت الغيبة من حيث لا يشعر الناس أقر نسبه و إن ظن غير ذلك نفاه و لاعن أمه فانتفى منه فما أعدل حكم الله. (1)
مادة (72) : أقل مدة الحمل ستة أشهر و أكثرها سنة.
لا يثبت نسب الحمل بصفة عامة إلا إذا أتى في فترة واقعة بين أقل حمل و أكثرها.
? أما أقل الحمل: فقد اتفق الفقهاء على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر من وقت الدخول و إمكان الوطء في رأي الجمهور و من وقت عقد الزواج في رأي أبي حنيفة لأن المرأة هي فراش للزوج و يلحقه الولد لعموم الحديث المتقدم "الولد للفراش" و دليل الجمهور: أن المرأة ليست بفراش إلا بإمكان الوطء و هو مع الدخول.
و دليل إجماع العلماء على أقل مدة الحمل / العمل بمجموع آيتين في القرآن الكريم هما: ( و حمله و فصاله ثلاثون شهرا) (2) ( و فصاله في عامين) (3) فالآية الأولى حددت الحمل و الفصال أي الفطام بثلاثين شهرا و حددت الآية الثانية الفصال بعامين فبإسقاط مدة العامين للفصال تكون مدة الحمل ستة أشهر و الواقع و الطب يؤيدان ذلك.
? أما أكثر مدة الحمل ففيه العلماء أقوال أشهرها ما يأتي:
1. سنتان و هو رأي الحنفية لقول عائشة رضي الله عنها:" لا يبقى الولد في رحم أمه أكثر من سنتين و لو بفلكة مغزل" فان ولد الحمل لسنتين من يوم موت الزوج أو طلاقه ثبت نسبه من أبيه المطلق أو الميت .
__________
(1) إبراهيم بن عامر / فتاوى الإمام الشيخ بيوض-ج2 ص445-446.
(2) سورة الاحقاف ، آية 15.
(3) سورة لقمان آية 14. (1/191)
صفحة 192
2. أربع سنين و هو رأي الشافعية و الحنابلة لأن ما لا نص فيه يرجع فيه إلى الوجود و قد وجد الحمل لأربع سنين لأن نساء بني عجلان يحملن أربع سنين . فإذا ولدت المرأة لأربع سنين فما دون من يوم موت الزوج أو طلاقه و لم تكن تزوجت و لا وطئت و لا انقضت عدتها بالقروء و لا بوضع الحمل فان الولد لاحق بالزوج و عدتها منقضية بوضعه . و إن أتت بالولد لأربع سنين منذ مات أو بانت منه بطلاق أو فسخ أو انقضاء عدتها ان كانت رجعية لم يلحق ولدها لأننا نعلم انها علقت به بعد زوال النكاح و البينونة منه .
3. خمس سنين : و هو المشهور عند المالكية و الليث بن سعد و عباد بن العوام قال مالك : بلغني عن امرأة حملت سبع سنين .
4. سنة قمرية : و هو رأي محمد بن عبد الحكم من المالكية
5. تسعة أشهر قمرية : و هو رأي ابن حزم الظاهري و عمر بن الخطاب رضي الله عنه و يظهر أن الأقوال الثلاثة الأولى روعي فيها إخبار بعض النساء اللاتي يرين أن انتفاخ البطن علامة الحمل لذا قال ابن رشد :" و هذه المسألة مرجوع فيها إلى العادة و التجربة و قول ابن عبد الحكم و الظاهرية هو أقرب إلى المعتاد و الحكم إنما يجب بالمعتاد لا بالنادر ولعله أن يكون مستحيلا " (1)
قال القطب و الجمهور على أن مدة الحمل أقلها ستة أشهر لأن من ثلاثين شهرا سنتين للرضاعة كما قال الله عز و جل (حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ) فيبقى منها للحمل ستة أشهر و به قال علي بن عباس و الأطباء ... الخ. (2)
الفرع الثاني
الإقرار
مادة (73) :
أ) الإقرار بالبنوة و لو في مرض الموت يثبت به النسب بالشروط: التالية :
1) أن يكون المقر له مجهول النسب .
2) أن يكون المقر بالغا عاقلا
__________
(1) الإمام محمد أبو زهرة \الأحوال الشخصية –ص 386 –387.
(2) محمد يوسف أطفيش \تفسير التفسير –ج12 –ص676- موسى بن عيسى البشري \مكنون الخزائن \ج12 –ص16 و ما بعدها نشر وزارة التراث القومي و الثقافة –سلطنة عمان (1/192)
صفحة 193
3) أن يكون فارق السن بين المقر و بين المقر له يحتمل صدق الإقرار
4) أن يصدق المقر له متى كان بالغا عاقلا المقر .
ب) الاستلحاق : إقرار بالنبوة صادر عن رجل بالشروط المذكورة في الفقرة السابقة .
و قد ذكرنا هذه المادة بالتفصيل في الجزء الخاص بالإقرار في المادة (70)
*و في بيان الشرع : عن رجل أقر بولد من زنا و قالت أمه صدق قال أبو المؤثر إن تقاررا أنه ولد زنا فلا يلحق به وله الحجر كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم و إن أقر أنه ولده و أقرت بذلك أمه و اجتمعا على ذلك فهو ولده كما أقر لأنه قد يمكن أن يتزوجها في السريرة فإذا أقر به و صدقته أمه لحق به و بنسبه و الولد يرثه . (1)
مادة : (74) :
إذا كانت المقر امرأة متزوجة أو معتدة فلا يثبت نسب الولد من زوجها إلا إذا صدقها أو قامت البينة على ذلك .
إذا أتت المرأة المتزوجة أو المعتدة بولد لأقل من ستة أشهر من وقت الزواج لا يثبت نسبه إلا إذا صدقها أو أدعاة وعدم ثبوته من غير دعوى لأن نزوله حيا قابلا للحياة قبل ستة أشهر من الزواج يدل على أنها كانت حاملا به قبل الزواج و لكن يصح ادعاؤه بدعوى ككل مجهول النسب بشرط ألا يصح بأنه من زنى كما هو في مذهب أبي حنيفة و الحكم كذلك إذا أتت به لأقل من ستة أشهر من وقت الدخول في النكاح الفاسد أو الوطء بشبهة لثبوت أنها كانت حاملا به قبل وجود النسب.
و إذا أتت لستة أشهر فأكثر من وقت الزواج فهنا يختلف الحكم باختلاف العدة.
المعتدة من طلاق :
__________
(1) محمد بن إبراهيم الكندي / بيان الشرع –ج55-56-وزارة التراث القومي و الثقافة –ص233. (1/193)
صفحة 194
فان كانت معتدة من طلاق و هي من ذوات الإقراء فان أقرت انقضاء عدتها و لم ترى حملا جاءت بولد بعد ذلك فان جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت الإقرار فان النسب يثبت لثبوت كذبها في إقرارها بيقين إذ تبين أنها وقت ذلك الإقرار كانت حاملا بيقين فيثبت نسب ما تأتي به و تكذب في إقرارها و إن جاءت به لستة أشهر فأكثر من وقت الإقرار لا يثبت نسبه لعدم القطع بكذبها إذ الإقرار يؤخذ به ما لم يوجد دليل قاطع على الكذب و لم يقم ذلك الدليل.
-و قد ذكر الشافعية أنه إذا أقرت بانتهاء عدتها ثم جاءت بولد لتمام ستة أشهر فأكثر يثبت نسبه ما لم تتزوج و ما لم تنته المدة المقررة لأقصى حمل حفظا لحق الصبي إذا إقرارها حجة عليها و لا يمس حق الصبي .
و إن كانت لم تقر بانقضاء عدتها فان كان الطلاق بائنا فان أتت به لأكثر من سنتين من وقت الطلاق لا يثبت نسبه لأن أقصى مدة الحمل سنتان فإذا أتت به لأكثر من المدة فهي لم تكن حاملا به وقت الطلاق بيقين فلا يثبت النسب و إن أتت به لسنتين فأقل ثبت نسبه و هذا مذهب أبي حنيفة.
- و إذا كان الطلاق رجعيا فما لم تقر بانقضاء عدتها فانه يثبت النسب في أي زمن تجيء به ما لم تتحول عدتها إلى أشهر و تعتد بالأشهر و ذلك مبني على أن له أن يراجعها و أن الطلاق الرجعي لا يزيل الملك و يحتمل أنه راجعها و النسب يثبت عند الحنفية بهذا القدر من الاحتمال و بثبوته ثبتت الرجعة.
- و إن لم تدع حملا و لم تقر بانقضاء عدنها فعند الطرفين لا يثبت النسب إلا إذا أتت به لأقل من تسعة أشهر من وقت الطلاق لأن عدتها بالأشهر الثلاثة و تنتهي بانتهائها ما لم يثبت يقينا أنها قبل انتهائها كانت حاملا و لا يكون ذلك إلا إذا ولدت لأقل من تسعة أشهر من وقت الطلاق. (1/194)
صفحة 195
- و عند أبى يوسف يثبت ان أتت به لأقل من سنتين من وقت الطلاق ان كان بائنا لأنها إذا كانت حاملا قبل مضي مدة الحمل فقد تيبن أنها كذات الإقراء و إن كان الطلاق رجعيا تصدق إذا أتت به لأقل من 27 شهرا لأنه يحتمل أنه راجعها في أثناء العدة و حملت بأقصى مدة الحمل و هي سنتان و مثل هذا الاحتمال يكفي لثبوت النسب.
... و ان كانت قد أقرت بانتهاء عدتها لمدة الأشهر الثلاثة فانه لا يثبت النسب إلا إذا أتت به لأقل من ستة أشهر من وقت الإقرار لتبين كذبها.
? المعتدة من وفاة :
... إذا كانت معتدة من وفاة في نكاح صحيح فان ادعت حملا فإنها تصدق الى سنتين على مذهب أبي حنيفة و المعمول به أنه لا تسمع الدعوى اذا جاءت بأكثر من 365 يوما.
- و ان لم تدع حملا فإنها لا تطلق إلا إذا أتت به لأقل من عشرة أشهر و عشرة أيام من وقت الوفاة لأن العدة تنتهي بأربعة أشهر و عشرة أيام ما لم يثبت يقينا إنها كانت حاملا قبل انتهائها و لا يتبين ذلك إلا إذا أتت به لأقل من عشرة أشهر و عشرة أيام من وقت الوفاة.
- و خلاصة القول بالنسبة لثبوت نسب المطلقة و المتوفى عنها زوجها أنها إذا كانت معتدة من طلاق أو وفاة فانه لا تسمع دعوى ثبوت النسب عند إنكاره و إلا إذا كانت قد أتت به مدة 365 يوما من وقت الطلاق أو الوفاة. (1)
مادة (75) : ...
إقرار مجهول النسب بالأبوة أو الأمومة يثبت به النسب إذا صدقه المقر عليه أو قامت البينة على ذلك متى كان فارق السن يحتمل ذلك.
و مجهول النسب و هو لا يكون معروف النسب من أب آخر فان كان ثابت النسب من أب معروف غير المقر كان هذا الإقرار باطلا لأن الشرع قاض بثبوت النسب من ذلك الأب و متى تأكد ثبوت النسب من شخص لا يقبل الانتقال منه الى غيره فقد لعن النبي صلى الله عليه و سلم من انتسب إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه. (2)
__________
(1) الإمام محمد أبو زهرة/ الأحوال الشخصية –ص391-394.
(2) وهبة الزحيلي/ الفقه الإسلامي و أدلته –ج7-ص690. (1/195)
صفحة 196
مادة (76): ... الإقرار بالنسب في غير البنوة و الأبوة و الأمومة لا يسري على المقر عليه إلا بتصديقه أو إقامة البينة.
مادة (77):لا تسمع الدعوى من ورثة المقر بنفي النسب بعد ثبوته بالإقرار الصحيح.
دعاوى النسب لا تسمع في كل الأحوال و هي تختلف باختلاف نوع النسب فان كانت الدعوى ليس فيها تحميل النسب على غيره وكان المدعى عليه حيا فان الدعوى تسمع لو كانت مجردة و ليست في ضمن حق آخر فان أقر ثبت النسب و ان أنكر اتبعت طرائق الإثبات التي بيناها و هي تختلف في حال قيام الزوجية عنها في حال العدة وإن لم تكن عدة و لا زوجية فلا بد من حجة كاملة.
... و إن كانت دعوى النسب من النوع الذي ليس فيه تحميل النسب على الغير و كان المدعى عليه ميتا فلا بد أن تكون الدعوى في ضمن حق آخر كحق الميراث و يكون الخصم في ذلك من تحت يده التركة من وارث أو وصي أو موصى له أو دائن قد وضع يده عليها و إنما اشترط أن تكون في ضمن حق آخر لأنها دعوى على الميت وهو غائب ولا تسمع الدعوى له غائب إلا في ضمن حق للحاضر. (1)
... و إن كانت دعوى النسب فيها تحميل النسب على الغير فلا تسمع الدعوى إلا إذا كانت ضمن حق آخر لأنها تتضمن الدعوى على الغائب و هو من حمل عليه النسب و لا تسمع الدعوى على غائب إلا إذا تضمنت حقا للحاضر. (2)
الفرع الثالث
نفي النسب باللعان
مادة : (78) :
... اللعان أن يقسم الرجل أربع مرات بالله أنه صادق فيما رمى زوجته به من الزنا و الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين و تقسم المرأة أربع مرات بالله أنه لمن الكاذبين و الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين.
__________
(1) الإمام محمد أبو زهرة / الأحوال الشخصية –ص 400-401
(2) الإمام محمد أبو زهرة/ الأحوال الشخصية –ص400-401. (1/196)
صفحة 197
- و اللعان في اللغة: ( في الشريعة) أن يقسم الزوج أربع مرات على صدقه في قذف زوجته بالزنى و الخامسة باستحقاقه لعنة الله ان كان كاذبا و بذا يبرأ من حد القذف ثم تقسم الزوجة أربع مرات على كذبه و الخامسة باستحقاقها غضب الله ان كان صادقا فتبرأ من حد الزنى.
- و اللعان في اللغة: أيضا الطرد و الإبعاد و في الشرع: شهادات تجري بين الزوجين بالإيمان مقرونة باللعن من جانب الزوج و بالغضب من جانب الزوجة. (1)
- و قد عرفه الحنفية و الحنابلة بأنه : شهادات مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن من جهة الزوج و بالغضب من جهة الزوجة قائمة مقام حد القذف في حق الزوج و مقام حد الزنى في حق الزوجة لكن يصح اللعان في النكاح الفاسد في رأي الحنابلة و لا يصح في رأي الحنفية. (2)
- و عرفه الشافعية بأنه كلمات معلومة جعلت حجة للمضطر إلى قذف من لطخ فراشه و ألحق العار به أو إلى نفي ولد.
- إن الزوج لا يجبر على اللعان بعد القذف بل له الامتناع و عليه حد القذف كالأجنبي و كذا المرأة لا تجبر على اللعان بعد لعانه فإذا لاعن الزوج و أكمل اللعان ترتب عليه أحكام:-
__________
(1) مجمع اللغة العربية/ المعجم الوجيز –ص559.
(2) وهبة الزحيلي / الفقه الإسلامي و أدلته-ح7-ص556. (1/197)
صفحة 198
- منها سقوط الحد عنه للآية الكريمة فإنها أقامت اللعان في حقه مقام الشهادة و منها وجوب الحد عليها إذا قذفها بزنا إضافة إلى حالة الزوجية و كانت مسلمة لقوله تعالى:" و يدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله انه لمن الكاذبين" (1) و منها حصول الفرقة بينهما و هو الذي عبر الشيخ عنه بزوال الفراش و هذه الفرقة تحصل ظاهرا و باطنا سواء صدقت أم صدق و قيل أن صدقت لم تحصل باطنا و الصحيح الأول و حجة ذلك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم فرق بين رجل و امرأته تلاعنا في زمنه عليه الصلاة و السلام و ألحق الولد بالأم رواه ابن عمر رضي الله عنهما أخرجه البخاري و مسلم (2) و منها نفي الولد عنه لحديث ابن عمر رضي الله عنهما و منها التحريم بينهما إذا كانت البينونة باللعان على التأبيد لأن العجلاني قال بعد اللعان كذبت عليها إن أمسكتها و هي طالق ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ( لا سبيل لك عليها) (3) فنفي السبيل مطلقا فلو لم يكن مؤبدا لبين غايته كما بينها في المطلقة ثلاثا و روى ( المتلاعنان لا يجتمعان أبدا) (4) و لو كان قد أبانها قبل اللعان ثم لاعنها فهل تتأبد الحرمة؟ وجهان أصحهما نعم، ثم هذه الأحكام تتعلق بمجرد لعان الزوج و لا يتوقف شيء منها على لعانها و لا على قضاء القاضي و لو أقام بينة بزناها لم تلاعن المرأة لدفع الحد لأن اللعان حجة ضعيفة فلا يقاوم البينة. (5)
__________
(1) سورة النور ، آية 8
(2) البخاري طلاق 4855 ، أبو داود طلاق 1919 ، مسلم اللعان 2741 ، النسائي طلاق 3349 ، أبن ماجه طلاق 2056 الدارمي نكاح 2132 ، مالك طلاق 1035 ، مسند أحمد ( باقي مسند الأنصار ) 21738.
(3) سبق تخريجه
(4) أبو داود طلاق 1981.
(5) الإمام تقي الدين أبي بكر بن محمد الحسيني الحصني الدمشقي الشافعي/ كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار =ج2-ص123 (1/198)
صفحة 199
- و عرفه المالكية : بأنه حلف زوج مسلم مكلف على رؤية زنا زوجته أو على نفي حملها منه و حلف زوجة على تكذيبه أربعة أيمان بصيغة ( أشهد بالله لرأيتها تزني و نحوه) و بحضور حاكم سواء صح النكاح أم فسد. فلا يصح حلف غير زوج كأجنبي ولا كافر و لا صبي و لا مجنون و يكون الحلف بإشراف حاكم يشهد التلاعن و يحكم بالتفرق أو يحد من نكل سواء صح الزواج بين الزوجين أو فسد لثبوت النسب بالزواج الفاسد.
- أما الأصل في وجوب اللعان من الكتاب فقوله تعالى :" و الذين يرمون أزواجهم و لم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم" (1) و أما من السنة فما رواه مالك و غيره من مخرجي الصحيح من حديث عويمر العجلاني:( إذ جاء إلى عاصم بن عدي العجلاني رجل من قومه فقال له: يا عاصم أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلوه؟ أم كيف يفعل؟ سل يا عاصم عن ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فسأل عاصم عن ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما رجع عاصم إلى أهله جاء عويمر فقال: يا عاصم ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه و سلم؟ فقال لم تأتني بخير قد كره رسول الله صلى الله عليه و سلم المسألة التي سألت عنها فقال و الله لا أنتهي حتى أسأله عنها فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم وسط الناس فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلوه، أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: قد نزل فيك و في صاحبتك قرآن فاذهب و فأت بها، قال سهل فتلاعنا و أنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله ان أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه و سلم). قال مالك:قال ابن شهاب: فلم تزل تلك سنة المتلاعنين.
__________
(1) سورة النور ، آية 6 (1/199)
صفحة 200
- و أيضا عن طريق المعنى لما كان الفراش موجبا للحوق النسب كان بالناس ضرورة إلى طريق ينفونه به إذا تحققوا فساده و تلك الطريق هي اللعان. فاللعان حكم ثابت بالكتاب و السنة و القياس و الإجماع إذ لا خلاف في ذلك أعلمه. فهذا هو القول في إثبات حكمه. (1) ***
__________
(1) أبي الولد محمد بن أحمد بن محمد ابن راشد/ بداية المجتهد و نهاية المقتصد-ج2-ص 193-194 (1/200)
صفحة 201
وأيضا عرفه الأباضية : أنه إذا تزوج الرجل المسلم إمرأة مسلمة ثم رماها بالزنى فإنه يلاعنها وأما إن رمته بالزنى جلدت الحد ولا يلاعنها وإذا تزوج الرجل امرأة ثم لاعنها فإذا هي ذات محرم منه أو ذات بعل فليجلد الحد ثمانين جلدة إن لم تصدقه المرأة فيما رماها به من الزنى ، وإذا طلق الرجل امرأته طلاقا واحدا ثم رماها بالزنى فإنه يلاعنها ما دامت في العدة فإذا أنقضت العدة فلا ملاعنة بينهما ، وقد قيل في بعض الكتب عن إبن عباس رضي الله عنه أنه يلاعنها إذا طلقها في العدة ولا يعد العدة اما إذا طلقها طلاقا بائنا ثم رماها بالزنى جلد لحد ثمانين جلدة ولا يلاعنها في العدة ولا بعدها بعد الطلاق التام ، وكذلك إن خرجت عنها بالتحريم ثم رماها بالزنى بعد ذلك جلد الحد ولا ملاعنة بينهما ، وكذلك إن تزوج أمة أو كتابية ثم رماها بالزنى بعد ذلك جلد اربعين جلدة ولا يلاعنها ويفرق بينهما وكذلك العبد إذا تزوج الحرة أو الامة ثم رماها بالزنى جلد أربعين جلدة ويفرق بينهما ولا يلاعنها . وإذا تزوج الرجل طفلة أو مجنونة ثم رماها بالزنى جلد أربعين جلدة ولا يفرق بينهم إذا لاعن الرجل امرأته ثم مات أحدهما قبل تمام اللعان ورثه الباقي منهما ، وقيل في بعض الكتب : لا يرثه . وإذا توزج الرجل امرأة ثم رماها بالزنى قلاعنها ثم رجع عن قوله بعد اللعان جلد الحد ثمانين جلدة ولا يجتمعان ابدا. وإذا رماها بالزنى ثم رجع عن قوله من قبل أن يلاعنها جلد الحد ويفرق بينهما . ومنهم من يقول لا يفرق بينهما إن رجع عن قوله قبل اللعان ، وإن شهد على المرأة أربعة بالزنى أحدهم زوجها لاعنها زوجها وجلد الحد الثلاثة الآخرون. (1)
__________
(1) الإمام أبي زكريا يحيى بن أبي الخير ابن الخير الجناوي / كتاب النكاح – ص 291 – 292 ، أنظر محمد بن يوسف أطفيش / شرح كتاب النيل وشفاء العليل – ج7-ص 356 - 366 (1/201)
صفحة 202
شروط اللعان : وهي نوعان الوجوب والصحة . يجب اللعان إذا توافرت الشروط التالية :
1) فيشترط في الزوج ألا يقيم البينة على صدقه – في قذفه ، فلو أقامها بأربعة شهود لا يثبت اللعان ويصح أن يكون الزوج واحداً من هؤلاء الأربعة خلافا للشافعي فإنه لا يقبل شهادة الزوج لكونه منهما.
2) ويشترط في الزوجة أن تكون منكرة للزنا الذي أتهمت فيه فلو أقرت لا يجب اللعان ويلزمها الحد ، كما يشترط أن تكون عفيفة عن الزنا وشبهته فلو لم تكن كذلك وقذفها الزوج كانت بعدم عفتها مصدقة للزوج فيما قذفها به.
3) ويشترط في الزوجين المتلاعنين : أن يكونا حرين عاقلين بالغين مسلمين ناطقين غير محدودين في قذف ، ولم يشترط الشافعي الحرية والنطق وعدم الحد ، أما الإمام أحمد ومالك فأشترط العقل والبلوغ وعدم الحد.
وهذه الشروط تعتمد على أمرين :
أولهما أن يكون الملاعن من أهل الشهادة واليمين بالله لأن اللعان شهادات مؤكدة باليمين ، وثانيها أن يكون القذف موجبا للحد في حق من لم يكن زوجا.
كما يشترط في القذف ان يكون بصريح الزنا أو ينفي الولد ، وأن يكون في دار الإسلام ، ويشترط أن تكون الزوجية صحيحة قائمة حقيقية أو حكما.
حكم اللعان :
بعد الانتهاء من اللعان يفرق القاضي بين الزوجين إذا لم يطلق الزوج و قد اختلف العلماء فيما إذا كان اللعان وحده هل يفرق بين الزوجين أو أنه لا بد من تفريق القاضي فقال أبو حنيفة ومحمد : أن التفريق لا يتم باللعان وحده بل لا بد من تفريق القاضي ، فإذا لم يفرق القاضي تبقى أحكام الزوجية قائمة بينهما بحيث لو مات أحدهما قبل القضاء ورثة الآخر . وقال الشافعية : إذا أكمل الزوج الشهادة و إلا لتعان ترك فراش امرأته و لا تحل له أبدا .و قال مالك و زفر من الحنفية تقع الفرقة بعد انتهاء الزوجة من اللعان ، و يمثل ذلك القول الأخير قال الامامية ، و تكون الفرقة دائمة و إن خرج كل من الزوجين أو أحدهما عن أهليته .*** (1/202)
صفحة 203
- وحجة محمد روى أبي حنفية أن الفراق إنما نفذ بحكم و أمر الرسول صلى الله عليه و سلم فانه لما لا عن بين عاصم بن عدى وامرأته فرق بينهما كذلك فرق بين عويمر العجلاني و امرأته و لأن الملك لما ثبت بالزواج لا يزول إلا بإزالة الزوج ، ولم توجد الإزالة من الزوج باللعان لأنه لا ينبئ عن زوال الملك إذا هو شهادة مؤكدة بالإيمان وهي لا تؤدي إلى إزالة الملك فلا تقع به الفرقة .
- و أحتج الشافعي بأن الفرقة تكون بمجرد حلف الزوج لأن مجرد الرمي من غير بينة و توثيقة بالحلف هو سبب الفرقة و للزوجين أن يعودا إلى الحياة الزوجية إن كذب أحدهما نفسه ، وأحتج مالك بأن سبب الفرقه وهو اللعان كاملا متى تحقق وتقع الفرقه بحصوله (1)
وحجة القائلين بأن الفرقة مؤبدة قوله صلى الله عليه وسلم (( المتلاعنان لا يجتمعان أبداً أي لا تحل لهما أن يعودا إلى الزواج بعد اللعان.
وبكن أبا حنيفة ومحمد يقولان إن هذه الفرقة طلاق بائن كشأن سائر الفرق القضائية لا يمكن للزوج إستئناف الحياة الزوجية إلى في حاتين :
أ- أن يكذب نفسه لأنه يعتبر رجوعاً عن الشهادة ، والشهادة لا حكم لها بعد الرجوع عنها.
ب- ان يخرج أحد الزوجين عن أهليته إذ بذلك ينتفي السبب الذي من أجله كان التفريق.
ج- وقال الامامية وأبو يوسف من الحنفية الفرقة باللعان تعتبر فسخاً وهو مذهب الأمة الثلاثة لأن الحرمة إذا كانت مؤبدة لا تكون طلاقا بل فسخاً.
لغة اللعان :
يصح اللعان عند الجمهور غير الحنابلة بالعربية وبالعجمية (هي ما عدا العربية من اللغات لأن اللعان يمين أو شهادة و هما في اللغات سواء و يراعى الأعجمي الملاعن ترجمة الشهادة و اللعن و الغضب .
و قال الحنابلة إذا كان الزوجان يعرفان العربية لم يجز أن يلتعنا بغيرها لأن اللعان ورد في القرآن بلفظ العربية.
__________
(1) أبو الوليد محمد ابن أحمد ابن محمد ابن رشد / بداية المجتهد ونهاية المقتصد –ج2 –ص 193 – 194. (1/203)
صفحة 204
شروط صحة إجراء اللعان في ذاته :
1) أن يكون بحضور القاضي أو نائبه و لأنه يمين في دعوى فلم يصح إلا بأمر الحاكم كاليمين في سائر الدعاوى.
2) أن يكون بعد طلب القاضي : بأن يأتي كل واحد منهما باللعان بعد إلقائه عليه فان بادر به قبل أن يلقيه القاضي عليه لم يصح كما لو حلف قبل أن يحلفه القاضي و هذا متفق عليه .
2) استكمال لفظات اللعان الخمسة : فان نقص منها لفظة لم يصح و هذا متفق عليه .
3) أن يأتي كل من الزوجين بصورة اللعان كما حددها القرآن . و اختلف الفقهاء في إبدال لفظة بمعناها . كأن يبدل بقوله ( اني لمن الصادقين ) قوله : ( لقد زنت ) أو يقول بدل (انه لمن الكاذبين ) : لقد كذب و الظاهر عند
... الحنابلة أنه يجوز هذا الإبدال لأن معناهما واحد .
4) الترتيب بين ألفاظ اللعان و أن يبدأ الرجل بالحلف على المرأة ثم تحلف المرأة فان قدم لفظ اللعنة على شيء من الألفاظ الأربعة أو قدمت المرأة لعانها على لعان الرجل لم يعتد به و هذا متفق عليه لأن اللعان على رأي الحنفية شهادة و المرأة بشهادتها تقدح في شهادة الزوج فلا يصح قبل وجود شهادته .
5) الإشارة من كل واحد منهما إلى صاحبه إن كان حاضرا و تسميته و نسبته ان كان غائبا و هذا متفق عليه بين الفقهاء و لا يشترط عند الشافعية و الحنابلة حضور الزوجين معا بل لو كان أحدهما غائبا عن صاحبه جاز كأن يلاعن الرجل في المسجد و المرأة على باب المسجد أن لعدم إمكان دخولها . (1)
مادة (79)
أ للرجل أن بنفي عنه نسب الولد باللعان خلال شهر من تاريخ الولادة أو العلم بها . شريطة أن لا يكون قد اعترف بأبوته له صراحة أو ضمنا و تقدم دعوى اللعان خلال شهرين من ذلك التاريخ .
ب يترتب على اللعان نفي نسب الولد عن الرجل و يثبت نسب الولد و لو بعد الحكم بنفيه إذا أكذب الرجل نفسه .
__________
(1) وهبة الزحيلي \الفقه الإسلامي و أدلته –ج 7 – ص 565 – 566 . (1/204)
صفحة 205
إذا لاعن الرجل امرأته و هي حامل ألزم الولد له إذا أتت به من بعد ستة أشهر و إن أتت به من قبل انسلاخ ستة أشهر فلا يلزمه و إذا لاعن الرجل امرأته و هي حامل فلا تتزوج حتى تضع حملها وتعتد بعد ذلك ثلاثة قروء وكذلك إن أخرجت عنه بالتحريم فلا تتزوج حتى تضع حملها وتعتد بعد ذلك ثلاثة قروء و كذلك إن أرتد عنها زوجها وهي حامل فلا تتزوج حتى تضع حملها وتعتد بعد ذلك ثلاثة قروء وكذلك إن أرتد عنها زوجها وهي حامل فلا تتزوج حتى تضع حملها وتعتد بعد ذلك ثلاثة قروء وكذلك إن تزوجها فإذا هي ذات محرم منه وهي حامل فلا تتزوج حتى تضع
- و في نفي الولد إذا تطرق إلى النفي أي شك أو احتمال أن يكون منه لم يقع اللعان فلو أمكنه رفع الأمر إلى الحاكم و هي حامل فأمر الرفع حتى وضعت لا يحق له أن يرفع بعد ذلك و لا يحل له أن يقصد لعانها في نفي الولد و الجنين إلا إن وطئها ثم استبرأها بحيضة أو أكثر . ثم رآها تزني أو وطئها بعد أن وضعت الحمل الذي قبل الحمل المنفي و طال ما بين الوضعين بحيث لا يكون الولد الثاني على بقية الحمل الأول . (1)
? شروط نفي الولد :
اشترط الحنفية لنفي الولد و عدم لحوق النسب ما يأتي :
1) حكم القاضي بالتفريق بين الزوجين لأن الزواج قبل التفريق قائم فلا يجب النفي
2) أن يكون نفي الولد في رأي أبي حنيفة بعد الولادة مباشرة أو بعدها بيوم أو يومين أو نحوهما إلى سبعة أيام مدة التهنئة بالمولود عادة فان نفاه بعدئذ لا ينتفي
3) ألا يتقدم منه إقرار بالولد و لا دلالة أو ضمنا كقبوله التهنئة بالمولود مع عدم الرد .
4) توافر حياة الولد وقت التفريق القضائي أي أن يكون الولد حيا وقت التفريق .
__________
(1) الإمام أبي زكريا يحيى بن أبي الخير ابن أبي الخير الجناوني \كتاب النكاح – ص 292 –293 ، انظر محمد بن يوسف أطفيش \شرح كتاب النيل و شفاء العليل (1/205)
صفحة 206
5) ألا تلد بعد التفريق ولد آخر من بطن واحد : فلو ولدت المرأة ولدا فنفاه عنه و لاعن الحاكم بينهما و فرق و ألزم الولد أمه أو لزمها بنفس التفريق ثم ولدت ولدا آخر من الغد لزمه الوالدان جميعا لثبوت نسب الولد الثاني الذي لم يشمله اللعان لأن حكم اللعان قد بطل بالفرقة فيثبت الولد الثاني ثم يثبت نسب الولد الأول .
6) ألا يكون محكوما بثبوت نسب الولد شرعا : كأن ولدت المرأة ولدا فانقلب على رضيع فمات الرضيع و قضى بديته على عاقلة (عصبة ) الأب ثم نفى الأب نسبه فيلاعن القاضي بينهما و لا يقطع نسب الولد لأن القضاء بالدية على عاقلة قضاء يكون الولد منه و لا ينقطع النسب بعده .
? أما الشافعية فأجازوا نفي الولد أثناء الحمل أو بعد الولادة مباشرة فان آخر بلا عذر أو قبل التهنئة بالمولود سقط حقه في النفي لأن التأخر يتضمن الإقرار به فان ادعى أنه لم يعلم بالولادة فان كان في موضع قريب منها كدار أو محلة لم يقبل قوله لأنه يدعى خلاف الظاهر و إن كان في موضع يجوز أن يخفى عليه كالبلد الكبير فالقول قوله مع يمينه لأن ما يدعيه ظاهر.
-و قالوا لا يصح نفي أحد توأمين فان أتت المرأة بولدين توأمين فنفي أحدهما و أقر بالآخر أو ترك نفيه من غير عذر لحقه الولدان لأنمها حمل واحد لأن الله تعالى لم يجر العادة بأن يجتمع في الرحم ولدان من ماء رجلين فإذا اشتمل الرحم على المنى انسد فمه فلا يتأتى منه قبول منى آخر فلا يجوز أن يلحق أحد الولدين دون الآخر
? و قال الحنابلة يشترط لنفي الولد باللعان ما يلي :
1) ألا يتقدمه إقرار به أو بتوأمه أو ما يدل عليه كما لو نفى أحد التوأمين و سكت عن الآخر و هذا موافق الشافعية .
2) أن يعجل نفي الولد بعد الولادة فان هنيء به فسكت أو أمن على الدعاء أو أخر نفيه مع إمكانه رجاء موته بلا عذر نحو جوع و عطش و نوم سقط حقه في النفي . (1/206)
صفحة 207
3) أن يذكر نفي الولد في لعان كل من الزوجين لأنهما متحالفان على شيء فاشترط ذكره في تحالفهما كالمختلفين في اليمين فان لم يذكر الولد في اللعان لم ينتف عن الزوج .
و يكفي عند الشافعية ذكر الولد في لعان الرجل و لا تحتاج المرأة إلى ذكره لأنها لا تنفيه
4) أن يوجد اللعان من كلا الزوجين و هذا قول أكثر العلماء و قال الشافعية : ينتفي الولد بلعان الزوج وحده لأن نفى الولد إنما كان بيمينه و التعانه لا بيمين المرأة على تكذيبه و لا معنى ليمين المرأة في نفي النسب و هي تثبيته و تكذب قول من ينفيه و إنما لعانها لدرء الحد عنها . ورد الجمهور بأن النبي صلى الله عليه و سلم إنما نفي الولد عنه بعد تلاعنهما .
5) أن تكمل ألفاظ اللعان منهما جميعا .
6) أن يبدأ بلعان الزوج قبل لعان المرأة و قال المالكية و الحنفية إن فعل العكس أخطأ السنة و الفرقة جائزة و ينتفي الولد عنه (1)
- و قال المالكية : إن نفى الزوج الحمل فانه على وجهين :
1) أن يدعي أنه استبرأها و لم يطأها بعد الاستبراء و هذا ما لا خلاف فيه ، و قد اختلف قول مالك في الاستبراء فقال مرة : ثلاث حيض و قال مرة :حيضة . و أما نفيه مطلقا فالمشهور عن مالك أنه لا يجب بذلك لعان و خالفه في هذا الشافعي و أحمد و داود و قالوا لا معنى لهذا لأن المرأة قد تحمل مع رؤية الدم
- وقت نفي الحمل : فقال الجمهور : ينفيه وهي حامل و شرط مالك أنه متى لم ينفه و هي حامل لم يجز له أن ينفيه بعد الولادة بلعان . (2)
__________
(1) وهبة الزحيلي \الفقه الإسلامي و أدلته –ج7- ص 567-571
(2) أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد ابن رشد \بداية المجتهد و نهاية المقتصد – ص 196 –197 .، انظر أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي \المحلى بالآثار -ج 9 –ص 337 338 . (1/207)