صفحة 1
بحث تخرج: شروط السّلم عند الفقهاء لناصر السعدي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بحث تخرج بعنوان:
شروط السلم عند الفقهاء
إعداد الطالب:
ناصر بن سعيد بن خلفان السعدي
إهداء
إلى والديّ العزيزين
إلى مشايخي وإخوتي الطلبة
إلى إخوتي وأخواتي
إلى كل من وقف بجانبي
وساعدني ولو بحرف واحد
إلى هؤلاء جميعا أهدي هذا البحث
ناصر بن سعيد بن خلفان السعدي
المقدمة
الحمد لله الذي وسع كل شيء علمًا، وأعطى كل حادثة حكمًا، القائل في محكم كتابه: { فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ } (التوبة:122).
وأشهد أن لا إله إلا الله، العليم الحكيم، وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، سيد الأولين والآخرين، صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه الغر الميامين.
أما بعد:-
فإن الفقه الإسلامي ذو جوانب كثيرة، فيتناول العبادات والمعاملات والنظم والتركات والأسرة، وغيرها من جوانب الفقه، ومن أهم جوانب الفقه المعاملات التي يدخل تحتها مواضيع كثيرة، من بينها موضوع السلم، وقد كتبت في هذا البحث حول شروط السلم.
سبب اختيار الموضوع:
من المعلوم أن الإنسان اجتماعي بطبعه، فلا بد له من التعامل مع غيره، والناس يحتاج بعضهم إلى البعض الآخر، وهذه سنة الله في خلقه، وحتى تكون هذه التعاملات بين الناس صحيحة كما أراده الشارع الحكيم، فقد بين الشرع الحنيف شروطها وأحكامها.
والمعاملات التي تقع بين الناس كثيرة من بيع وشراء، ورهن وشفعة وصلح، وكفالة ووكالة وسلم، ونحو ذلك، فكان لابد للمسلم الحق أن يتفقه في أمور دينه حتى لا يقع في محظور.
ومن بين هذه المعاملات السلم، وهو موضوع جدير بالاهتمام لكثرة ما يقع بين الناس، والمتأمل في موضوع السلم يجد أنه موضوع طويل يحتاج إلى بحث موسع، يشمل ما يتعلق بالسلم من تعريف، وحكم، وشروط، ونحو ذلك، ولكني اقتصرت في هذا البحث على شروط السلم. (1/1)
صفحة 2
وقليلا ما تجد من البحوث ما يتحدث عن هذا الجانب من فقه المعاملات، ثم إن كتب الفقه بمختلف مذاهبها لها منهجية تختلف عما نحن عليه الآن في كتابة البحوث من ترتيب المسائل، والإحالة على المصادر والمراجع، والأسلوب في الكتابة وغير ذلك، فكان لابد من عرض أبواب الفقه اليوم بأسلوب يتناسب مع لغة العصر.
وكما سبق أن بينت أن السلم من بين المعاملات التي تقع بين الناس كثيرا، ولكن بسبب جهلهم بأحكام وشروط هذه المعاملة تجدهم يقعون في كثير من الأخطاء عند تعاملهم، ولقد كان من الواجب الحتمي أن لا يقدم المسلم على ذلك إلا بعد العلم بها.
والسلم معاملة بين طرفين المسلم والمسلم إليه، فكان الواجب على هؤلاء أن يفقهوا السلم وشروطه، لئلاَّ يقعوا في محظور شرعي.
وموضوع السلم لا يقل أهمية عن غيره من مواضيع فقه المعاملات، فهو محتاج إلى الاهتمام به، وإظهاره في ثوب جديد ليستفيد منه الناس عموما، والمتعاملون بالبيوع والتجارة خصوصا.
الصعوبات التي واجهتني عند البحث:
هذا وقد كنت أطمح أن يكون إخراج هذا البحث في حلَّة أبهى، وصورة أحسن وأرضى ممَّا عليه الآن، إلا أن الظروف من تكالب الأشغال وتزاحم الأعمال كانت عائقًا عن الوصول إلى مرادي، وقد كان للسآمة والملل والركون إلى الراحة والكسل الحظُّ الأوفر والنصيب الأسمى في ذلك، مع ما يُعاني منه الطلاب عادة من ضيق الأوقات السانحة لعمل مثل هذه الأطروحات.
والمشكلة الوحيدة التي واجهتني هي ضيق الوقت بسبب ظروف الدراسة والتي لأجلها أجلت البحث، لكن بفضل الله وبفضل الشيخ عبد الله الدهماني استأنفت العمل فيه فبدأت في ربع الفصل الثاني، وحاولت أن أجتهد فيه بقدر استطاعتي، فكان نتيجة ذلك هذا البحث المتواضع الفقير، والحمد لله على كل شيء. (1/2)
صفحة 3
وقد اعتمدت في بحثي على طريقة الفقه المقارن، وهي إيراد أقوال الإباضية والحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، فأذكر المسالة والأقوال التي جاءت فيها، ومن قال بها، فإذا اتفق الجمهور أذكر قولهم، ثم أسرد أدلتهم، وأذكر قول المذهب الذي استقل بقول خالف الجمهور مع أدلته، وفي الحقيقة الأدلة في الغالب قليلة، كما أنها أدلة اجتهادية في النصوص التي وردت.
محتويات البحث:
يحتوي البحث على مقدمة وخاتمة بينهما فصلان:-
الفصل الأول: وفيه تحدثت عن تعريف السلم، وألفاظه التي ينعقد بها وحكمه وحكمة مشروعيته، ودليله من القرآن والسنة والإجماع والقياس.
الفصل الثاني:تحدثت فيه عن أركان السلم: (الصيغة، والعاقدان، والمحل)، وعن شروط السلم وأحكامه.
ثم ختمت البحث بخاتمة ذكرت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها خلال البحث.
وأني أعترف بتقصيري بالإلمام بهذا الموضوع، وأسال الله العلي القدير أن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه الكريم.
مقدم البحث: ناصر بن سعيد بن خلفان السعدي.
مسقط: الجمعة: 4 ربيع الثاني 1426هـ الموافق لـ: 13 مايو 2005م.
الفصل الأول: تعريف السلم وألفاظه وحكمه وحكمة مشروعيته ودليل المشروعية:
المبحث الأول: تعريف السلم:
المطلب الأول: تعريفه لغة.
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحا.
المطلب الثالث: ألفاظه التي ينعقد بها.
المبحث الثاني: حكمه وحكمته ودليل مشروعيته:
المطلب الأول: حكمه وحكمة مشروعيته.
المطلب الثاني: دليل مشروعيته.
الفصل الأول: السلم وألفاظه وحكمه وحكمة مشروعيته ودليل المشروعية:
المبحث الأول: تعريف السلم:
ويتضمن ثلاثة مطالب:-
المطلب الأول: تعريفه لغة:
السلم في اللغة له عدة معان، ذكر في اللسان أن للسلم ثلاث لغاتٍ: (1/3)
صفحة 4
1ـ شجرة من العضة وورقها القرط الذي يدبغ به الأديم، ويقال أديم مسلوم، أي مدبوغ بالسلم (1) .
2ـ الاستسلام (2) .
السلف وزنا ومعنى كذا في المصباح (3) .
وقال في لسان العرب: السلم بالتحريك، وبالفتحتين السلف (4) .
ونُقل في كشاف القناع أن السلم لغة أهل الحجاز والسلف ولغة أهل العراق (5) .
وأسلم في الشيء، وسلم وأسلف بمعنى واحد، والاسم السلم (6) .
وأسلم الرجل (7) في الطعام أسلف فيه(2).
وهو أن تعطى ذهبا وفضه في سلعة معلومة إلى أمد معلوم (8) .
وهو بيع شيء موصوف في الذمة بثمن عاجل (9) .
والسلف هو بيع الدين بالعين (10) .
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحا:
أما تعريفه اصطلاحا في الشرع، ففيه تفصيل بحسب المذاهب:
__________
(1) - لسان العرب: ابن منظور؛ أبو الفضل جمال الدين مكرم بن علي. (ت:711هـ). (ط1، دار صادر: بيروت، 2001م). 7/ 244.
(2) - نفس المصدر أعلاه والصفحة.
(3) - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: الفيومي؛ أحمد محمد بن علي. (دط، المكتبة العصرية: بيروت، 1425هـ /2004م). ص149مادة: س ل ف.
(4) - لسان العرب: 7 /244.
(5) - كشاف القناع عن متن الإقناع: البهوتي؛ منصور. (دط، دت، دار الفكر: بيروت). 3/288.
(6) انظر: مختار الصحاح: الرازي؛ محمد بن أبي بكر. (دط، دت، دار الجيل: بيروت). ص327.
وانظر: كتاب التعريفات: الجرجاني؛ علي محمد. تحقيق إبراهيم الأبياري. (ط2دار الكتاب العربي: بيروت، 1413هـ - 1992م). ص:160، رقم:795.
( )لسان العرب: ابن منظور. 7 /244. انظر: المصباح المنير: الفيومي. ص:150.
(7) - لسان العرب: ابن منظور. 7/ 244، دار صادر ـ بيروت.
(8) - مختار الصحاح: الرازي.
(9) - لسان العرب: ابن منظور. 7/ 244.
(10) - المعجم الوجيز: مجمع اللغة العربية: مصر. (دط، دت، دار التحرير: مصر). ص320.
معجم البستاني: البستاني؛ عبد الله. (ط1، مكتبة لبنان- بيروت، 1992م). ص 547. (1/4)
صفحة 5
- فتعريفه عند المالكية: وهو لابن عرفه (1) : »عقد معاوضة، يوجب عمارة ذمة بغير عين، ولا منفعة غير متماثل العوضين«.
فقوله: عقد معاوضة جنس يشمل جميع أنواع البيع والكراء، وقوله: يوجب عمارة - أخرج به بيع المعين وكراءه، وقوله: بغير عين أخرج به بيع المعين وكراءه بثمن عين إلى أجل، وقوله: ولا منفعة أخرج به الكراء المضمون، وقوله:غير متماثل العوضين أخرج به السلف (2) .
وسُمي سلفا لتسليم الثمن دون عوضه ولذلك سمي سلفا ومنه: الصحابة سلف صالح لتقدمهم (3) .
- وتعريفه عند الشافعية: »هو بيع شيء (4) موصوف في الذمة« (5) .
- وعند الحنابلة: »هو أن يسلم عوضا حاضرا في عوض موصوف في الذمة إلى أجل« (6) .
وفي كشاف القناع: »هو عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض في مجلس العقد« (7) .
__________
(1) - هو محمد بن محمد بن محمد بن عرفة الورغمي التونسي المالكي، ويعرف بابن عرفة، أبو عبد الله: مقرئ، فقيه، أصولي، بياني، منطقي، متكلم، فرضي، حاسب خطيب، ولد بتونس في 27 رجب، وسمع من ابن عبد السلام الهواري، وغيرهم. توفي بتونس في 24جمادي الآخرة. من تآليفه: المبسوط في الفقه المالكي في سبعة أسفار، مختصر الفرائض، والمختصر الشامل في أصول الدين.
انظر: معجم المؤلفين: كحالة؛ عمر رضا (معاصر). (ط1، مؤسسة الرسالة: بيروت، 1414هـ - 1993م).باب العين، 3/683.
(2) – الذخيرة: القرافي؛ شهاب الدين. (ط1، دار الغرب الإسلامي: بيروت، 1994م). 5/223.
(3) – البهجة: التسولي؛ أبو الحسن. (ط 1دار الكتب العلمية: بيروت، 1418هـ/1998م). 2/256.
(4) - زاد المحتاج بشرح المنهاج. (المكتبة العصرية).2/115
(5) - السراج الوهاج على متن المنهاج: الزهري؛ محمد. ص202.
(6) – المغني: ابن قدامه. (دار الفكر: بيروت). 4 /185
(7) - كشاف القناع: البهوتي. 3/289. (1/5)
صفحة 6
- وعند الحنفية: »هو بيع (آجل) وهو المسلم فيه (بعاجل)، وهو رأس المال« (1) ، وهو عقد يثبت به الملك في الثمن عاجلا والمثمن آجلا« (2) .
- وعند الإباضية قالوا: »هو بيع موصوف في الذمة إلى أجل معلوم« (3) .
وقال القطب (4) {رحمه الله}: »هو شراء بنقد موزون حاضر لنوع من المثمنات معلوم بعيار وأجل ومكان معلومات وإشهاد« (5) .
__________
(1) - رد المحتار على الدرر المختار: ابن عابدين؛ محمد أمين الدمشقي. (ط1، دار إحياء التراث العربي: بيروت، 1419هـ/1998 م) 7/348.
كتاب المبسوط: السرخسي؛ شمس الدين. (ط1، دار المعرفة: بيروت، 1414هـ/1993م). 12/124.
(2) - الفتاوى الهندية: الشيخ نظام الدين الهندي. 3/ 178.
(3) - كتاب الإيضاح: الشماخي. (دط، دت، وزارة التراث القومي والثقافة: عُمان). 3/54.
(4) - هو العلامة امحمد بن يوسف بن عيس بن صالح أطفيش، أشهر عالم إباضي بالغرب في العصور الحديثة، لقبه الشيخ السالمي بقطب الأئمة، ولد بغرداية سنة 1237هـ، درس العلم على يد أخيه إبراهيم بن يوسف، والشيخ سغيد بن يوسف، والشيخ عمر بن سليمان نوح،وغيرهم، وقد أنشأ معهدا للتدريس، ومن أشهر تلاميذه الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، والشيخ أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى، والشيخ سليمان باشا الباروني، وقد ترك لنا مؤلفات ضخمة في مختلف الفنون، من أشهرها: تيسير التفسير، جامع الشمل في أحاديث خاتم الرسل، شرح كتاب النيل وشفاء العليل، وتوفي - رحمه الله - سنة 1332هـ.
- انظر: معجم أعلام الإباضية (قسم المغرب): ناصر؛ محمد صالح وآخرون. ،ط1(1420-1999م)، جمعية التراث، (المطبعة العربية-غرداية-الجزائر) ج4، ص836.
(5) - شرح النيل: للشيخ أطفيش. (مكتبة الإرشاد ،جدة). 8/632. (1/6)
صفحة 7
وقال الإمام السالمي (1) في مدارج الكمال (2) :
السلم عقد لمقدر على ... وصف معين وقبض أجلا
فيشمل المكيل والموزونا ... والذرع أيضا فافهم التبينا
والحيوان هكذا إن وصفا ... بسنه وحاله وعرفا
المطلب الثالث: ألفاظه التي ينعقد بها:
يصح السلم بألفاظ البيع لأنه بيع حقيقة (3) كأبتعت منك قمحا صفته كذا وكذا وكيله كذا وكذا (4) .
__________
(1) - هو السيد المحقق نور الدين عبد الله بن حميد بن سُلوم السالمي - رحمه الله- ولد ببلدة الحوقين من أعمال ولاية الرستاق بعمان سنة1286هـ، كف بصره وهو ابن اثنتي عشرة سنه، كان حافظا قوي الذاكرة لا يسمع شيئا إلا حفظه منذ صباه، تتلمذ على أيدي علماء عصره كالشيخ راشد بن سيف اللمكي عالم الرستاق، والشيخ صالح بن علي الحارثي، وكان-رحمه الله- الركن الأعظم في إعادة الإمامة في عمان بمبايعة الإمام سالم بن رشد الخروصي عام 1331هـ، ومشاهير تلاميذه كثير منهم: الإمام سالم بن راشد الخروصي، والإمام محمد بن عبد الله الخليلي، والعلامة أبو عبيد حمد بن عبيد السليمي، وتنوعت مؤلفاته -رحمه الله- في الأصول والفقه والعقيدة والنحو والعروض، ومن أشهر كتبه جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، وطلعة الشمس، ومشارق أنور العقول. وكانت وفاته -رحمه الله- سنة 1332هـ.
- انظر: نهضة الأعيان بحرية عمان: السالمي؛ محمد بن عبد الله بن حميد. (ط: 1؛ دار الجيل - بيروت – ص(89).
(2) - مدارج الكمال: السالمي؛ الشيخ عبد الله. (وزارة التراث 1403هـ ـ 1983م). ص:88.
(3) - الروض المربع: الحجاوي: أبي النجا. (المكتبة الثقافية: بيروت) 2/209.
(4) - كشاف القناع: البهوتي؛ لمنصور إدريس. (دار الفكرـ بيروت). 3/289 . (1/7)
صفحة 8
وينعقد بكل ما يدل عليه من سلم وسلف (1) ؛ لأنهما حقيقة، إذ هما اسم للبيع الذي عجل ثمنه وأجل مثمنه (2) ، ويقال: أسلم، وأسلف وسلف وهو: نوع من البيع (3) .
والفقهاء تسميه: بيع المحاويج؛ لأنه بيع غائب تدعو إليه ضرورة كل واحد من المتبايعين؛ فهو من المصالح الحاجية (4) .
وخص باسم السلم لتحقق إيجاب التسليم شرعا فيما صدق عليه (5) .
والسلم مستثنى من بيع الإنسان ما ليس عنده (6) ، فمن شرط المبيع أن يكون موجودا، وهذا العقد لا يكون إلا إذا كان المبيع غير موجود لذلك كان استثناء (7) .
قال الماوردي (8) : »أما السلف والسلم فهي عبارتان عن معنى واحد
فالسلف:لغة عراقية، والسلم لغة حجازية« (9) .
__________
(1) - منار السبيل: إبراهيم بن ضويان. (مكتبة المعارف ـ الرياض، ط1، 1417هـ / 1996م). 2/71.
(2) - الروض المربع: (المكتبة الثقافية). 2 /209.
(3) – المغني: ابن قدامه. (دار الفكرـ دمشق). 4/185.
(4) - فقه السنة،السيد؛ سابق. (دار الكتاب العربي: بيروت، ط8،1407هـ/1987م). 3/150.
(5) - رد المحتار: ابن عابدين، (دار الكتب العلمية ـ بيروت). 7/454.
(6) – البهجة: التسولي؛ أبو الحسن بن عبد السلام. (دار الكتب العلمية، ط1، 1418هـ/1998م). 2/256.
(7) - النقود ووظائفها الأساسية(رسالة ماجستير): زعتري؛ علاء الدين. (دار قتيبة - دمشق، ط1، 1996م). ص390.
(8) - الإمام العلامة أبو الحسن على بن محمد بن حبيب البصري الماوردي الشافعي صاحب التصانيف. حدث عن الحسن بن على الجبلي، وحدث عنه أبو بكر الخطيب ووثقه، وقال: مات في ربيع الأول سنة خمسين وأربع مئة، وقد بلغ ستا وثمانين سنة، وولي القضاء ببلدان شتى، ثم سكن بغداد، وقيل: إنه لم يظهر شيئا من تصانيفه في حياته.
أنظر:- سير أعلام النبلاء: الذهبي؛ محمد بن أحمد. (مؤسسة الرسالة: بيروت، ط 1 ، 1405هـ - 1985م). 18/64.
(9) - الحاوي الكبير، لأبي الحسن الماوردي، دار الفكر ـ بيروت، 7/3. (1/8)
صفحة 9
وقيل:السلف تقديم رأس المال والسلم تسليمه في المجلس، قيل: فالسلف أعم، فتقديمه إلي المجلس سلف، وتقديمه إلى يد المسلم إليه سلف أيضا، وأما السلم فلا يسمى به إلا تقديمه إلى يد المسلم إليه، وعلى كل حال ففيه المعنى اللغوي فإن تسليف الشيء تقديمه، ولذا سمي المتقدمون سلفا، وإسلام الشيء وتسليمه: تركه وتقبيضه (1) .
ويسمى بيع السلم أيضا بيع المفاليس، وبيع الصفات وبيع الأعيان (2) ؛ لأنه شرع لحاجتهم إلى رأس المال؛ لأن أغلب من يعقده من لا يكون المسلم في ملكه ، لأنه لو كان في ملكه لباعه بأوفر الثمن، فلا يحتاج إلى السلم (3) .
المبحث الثاني: حكمه وحكمته ودليل مشروعيته:
السلم من البيوع الجائزة باتفاق، وهو مستثنى من نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع ما ليس عندك (4) ؛ لأنه من المصالح التي تدعو إليها الحاجة، ولذلك سماه الفقهاء (بيع المحاويج)، وهو جائز، والأصل في جوازه الكتاب والسنة والإجماع (5) والقياس (6) .
__________
(1) - كتاب شرح النيل، لمحمد يوسف اطفيش، ط وزارة التراث القومي والثقافة،{1406هـ ـ1986م}8(2)/279ـ280 .
(2) – الأم: لمحمد إدريس الشافعي،دار الكتب العلميةـ بيروت ط1 1413هـ/1993م. 3/116
(3) - الفقه الحنفي وأدلته، أسعد محمد الصاغرجي دار الكلم الطيب دمشق ـ بيروت 2/57.
(4) - أخرجه أبو داود، من رواية حكيم بن خزام، كتاب البيوع، ،باب في الرجل يبيع ما ليس عنده. ط1(1422هـ 2001م)، دار الكتب العلمية- بيروت. رقم(3503)،ص558. أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده، من رواية حكيم بن خزام، المكتب الإسلامي،3/402.
- ابن ماجه، من رواية حكيم بن خزام، كتاب التجارات، باب النهي عن بيع ما ليس عندك،رقم(2187)،ص313.
(5) - منار السبيل،إبراهيم بن ضويان، (مكتبة المعارف:الرياض: ط1 1417هـ/1996م). 2 /71.
(6) - البيان في فقه الإمام الشافعي، ليحيى بن أبي الخبر العمراني، دار الكتب العلمية- بيروت، ط1 1423هـ/2002م. 5/376. (1/9)
صفحة 10
ولقد قسمنا هذا المبحث إلى مطلبين:
المطلب الأول حكمه وحكمة مشروعيته.
المطلب الثاني دليل مشروعيته.
* من القرآن.
* من السنة.
* من الإجماع.
* من القياس.
المطلب الأول: حكمه وحكمة مشروعيته:
ويتضمن فرعين:-
الفرع الأول: حكمه:
حكم السلم الجواز، وهو: جائز وفعل معروف سواء كان بالحلول عند من يرى جواز السلم الحال أو مؤخرا إلى أجل معلوم (1) .
وله دليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس سيأتي بيانه بعد ذلك.
الفرع الثاني: حكمة مشروعيته:
وأما الحكمة من مشروعيته فإن الأصل في الشرع منع بيع المعدوم، ومنع بيع مالم يقبض، وذلك درءاً للغرر المفضي للتنازع، ومبادئ الشرع قائمة على جلب المصالح ودرء المفاسد، إلا إنها قائمة أيضا على مبدأ رفع الحرج، والحاجة قد تقتضي الصناع والمزارعين أن يبيعوا زروعًا ومصنوعات يلتزمونها في ذمتهم بثمن معجل يحتاجونه في الحال ، لأنهم لا يستطيعون متابعة عملهم في الزراعة والصناعة إلا بمال هم الآن بحاجة إليه.
وحاجة الناس داعية إليه، لأن المتعاقدين يرتفق أحدهما بتعجيل الثمن، والآخر يرتفق برخص المثمن (2) .
__________
(1) - كتاب القوانين الفقهية محمد بن احمد الكلبي ص284 ط1 1409هـ/1989م دار الكتاب العربي.
(2) - الملخص الفقهي، صالح الفوزان ،2/58 دار العاصمة للنشر والتوزيع ـ الرياض. (1/10)
صفحة 11
وقد علمنا من قبل أن الشارع الحنيف قد نهى عن بيع الإنسان شيئا لا يملكه لما في ذلك من الغرر المفضي للخلاف والنزاع وهو أمرتأباه الشريعة وتنأى بأحكامها من أن تلتبس به ، إذ ما جاءت الشريعة إلا للمِّ الشعث الذي يحقق للإنسان العبودية الصحيحة لله، لكن في أحيان يتحقق للناس خير كبير في الترخيص لهم في التعاقد على بعض المعدومات بل إنهم يجدون من المشقة والعنت الأمر الكبير إن لم تبح لهم بعض هذه المعاملات، فكان السلم الشرعي متنفساًَ للناس، فالبائع يريد من الثمن ما يعينه على إمضاء مشروعه، والمشتري يستفيد ضمان وصول البضاعة إليه في أجل معلوم؛ فكان لمشروعية السلم خير كبير لكلا الطرفين: البائع والمشتري ومن أجل ذلك أبيح السلم (1) .
وقد أشار إلى هذه الحكمة ابن قدامة حيث قال: »ولأن المثمن في البيع أحد عوضي العقد، فجاز أن يثبت في الذمة كالثمن في البيع بثمن مؤجل في الذمة، ولأن بالناس حاجة إليه؛ لأن أرباب الزروع والثمار والتجارات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم وعليها لتكمل، وقد تعوزهم النفقة، فجوز لهم السلم ليرتفقوا ويرتفق المسلم (2) بالاسترخاص« (3) .
المطلب الثاني: دليل مشروعيته:
1- دليله من الكتاب:
استدل على مشروعية السلم بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ } (البقرة: 282)، ويعني بذلك جل ثناؤه: إذا تبايعتم بدين أو اشتريتم به، أو تعاطيتم، أو أخذتم به إلى أجل مسمى؛ فاكتبوه، ويقول: إلى وقت معلوم وقتموه بينكم، ويدخل في ذلك القرض والسلم (4) .
__________
(1) - الموسوعة الفقهية، دار الصفوة ط1 1992م25/194.
(2) - أي رب السلم وهو دافع الثمن المعجل.
(3) - المغني، لابن قدامة، مكتبة الرياض. 4/304ـ305.
(4) - جامع البيان عن تأويل آي القران. الطبري .(دار الفكر 3) / 166. (1/11)
صفحة 12
ومما يفهم من الآية أن قوما من المفسرين قالوا: المراد بالمداينة السلم، فالله سبحانه وتعالى لما منع الربا في الآية السابقة؛ أذن السلم في هذه الآية، مع أن جميع المنافع المطلوبة من الربا حاصلة في السلم (1) .
تفسير الآية:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم } : تعاملتم (2) ، وقد حمل بعضهم المداينة على السلف، أي: السلم (3) .
{ بِدَيْنٍ } : كسلمٍ وقرضٍ (4) ، وقد فسره ابن عباس بدين السلم (5) .
{ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى } : معلوم (6) ،
قال القرطبي: دل قوله تعالى: { إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى } على أن السلم إلى الأجل المجهول غير جائز (7) .
وقيل هو ذكر لبيان أن البيع آجل وعاجل وهو شامل لمطلق البيع، وللبيع بالسلم فلا يؤجل على الصحيح (8) .
وقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس أنه قال: »أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله قد أحله«، وقرأ هذه الآية (9) .
2- دليله من السنة:
استدل الفقهاء على مشروعية السلم بما ورد في السنة من أحاديث نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
__________
(1) - التفسير الكبير للإمام الفخر الرازي . (دار أحياء التراث / ط.2) .7 / 90- 91.
(2) - تفسير الإمامين الجلالين: السيوطي والمحلى. (دار الخير). ص48
(3) - تفسير القرآن المشهور بتفسير المنار:محمد رشيد رضا. (ط2 دار الفكر). ج3 /
(4) - تفسير الجلالين/دار الخير.
(5) - كتاب الفقه على المذاهب الأربعة 2/303.
(6) - تفسير الجلالين/دار الخير.
(7) - البيوع في الإسلام /عبد الحفيظ القرني/ط1 1987 /دار الصحوة.
(8) - تيسير التفسير /محمد يوسف أطفيش/1/457/ دار أحياء الكتب العلمية.
(9) - تفسير المنار/دار الفكر. (1/12)
صفحة 13
1- عن ابن عباس قال قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة وهم يسلفون الثمار السنة والسنتين، فقال: »من أسلف في تمرا؛ فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم« (1) .
ومعنى الحديث أنه إن أسلم في مكيل فليكن كيله معلوما، وإن كان في موزون فليكن وزنا معلوما، وإن كان مؤجلا فليكن أجله معلوما، ولا يلزم من هذا اشتراط كون السلم موجلا بل يجوز حالا لأنه إذا أجاز موجلا مع الغرر؛ فجواز الحال أولى لأنه أبعد من الغرر.
وليس ذكر الأجل في الحديث لاشتراط الأجل بل معناه إن كان أجل فليكن معلوما (2) .
كما أن الكيل ليس بشرط بل يجوز السلم في الثياب بذرع، وإنما ذكر الكيل بمعنى أنه إن أسلم في مكيل؛ فليكن كيلا معلوم أو في موزون؛ فليكن وزنا معلوما، ووزن معلوم بالواو لا بـ "أو"، معناه إن أسلم في مكيل أو موزن؛ فليكن معلوما، وفيه دليل لجواز السلم في المكيل وزنا، وهو جائز بلا خلاف (3) .
__________
(1) - رواه البخاري في كتاب السلم ، باب السلم في وزن معلوم ، 1/ 531 - 532 رقم(2583)
صحيح مسلم ، كتاب المساقاة ، باب السلم ، 02 / 337 ، رقم ( 2583 )
- وابن ماجه في كتاب التجارات ، باب السلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ص326 ، رقم 228.
- وسنن الدارمي ، كتاب البيوع ، باب في السلف ، 024 / 337 ، رقم 2583
- سنن أبى داود ، كتاب البيوع ، باب في السلف ، ص590 ، رقم 3460
(2) - عون المعبود شرح سنن أبى داود / العلامة أبى الطيب محمد شمس الحق آبادي ، ج9 ، دار الفكر ط3 ، 1399 هـ - 1979 م ، ص349 .
(3) - صحيح مسلم / شرح الإمام النووي ، 11 / 41 - 42 ، دار الكتب العلمية- بيروت. (1/13)
صفحة 14
2- وما جاء في رواية عن محمد بن أبي مجالد قال: »أرسلني أبو بردة وعبد الله بن شداد إلى عبد الرحمن بن أبزى وعبد الله بن أبي أوفى فسألتهما عن السلف فقالا: كنا نصيب المغانم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فكان يأتينا أنباط من أنباط الشام، فنسلفهم في الحنطة والشعير والزيت إلى أجل مسمى، قال: قلت: أكان لهم زرع أو لم يكن لهم زرع؟ قالا: ما كنا نسألهم عن ذلك« (1) .
مما سبق يجوز السلم في كل مال يجوز بيعه، ويضبط بالصفة، كالثياب والأخشاب والأحجار والحديد، والرصاص، والصفر وغير ذلك؛ لأنه مال يجوز بيعه، ويضبط بالصفة فجاز السلم فيه، كالحنطة والتمر والزيت (2) .
»فثبت جواز السلم في ذلك بالخبر، وقسنا عليه ما يضبط في الصفة؛ لأنه في معناه« (3) .
3- دليله من الإجماع:
أما الإجماع فقد انعقد من الصحابة بما روينا من حديث ابن أبي أوفى، ولم يخالف بعدهم إلا ابن المسيب، فقد حكيت عنه حكاية شاذة أنه أبطل السلم، ومنعه، وهو وإن صحت الحكاية عنه؛ فمحجوج بإجماع من تقدموا، مع ما ذكرنا من النصوص الدالة والمعنى الموجب (4) .
__________
(1) - أخرجه:البخاري:في كتاب البيوع، باب السلم في وزن معلوم(4/501)رقم(2242/2243).
وابن ماجه في التجارات،باب السلف في كيل معلوم(2/766)رقم(2282).
وأخرجه أبوداود كتاب البيوع، باب في السلف(2/275) رقم(3464).
(2) - البيان في فقه الإمام الشافعي، ليحيى بن أبي الخبر العمراني 5/376 ، ط1 1423هـ/2002م دار الكتب العلمية.
(3) - الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل: لابن قدامه المقدسي. 2/108 ، ط5 1407هـ/1988م المكتب الإسلامي.
ـ أنظر/ منار السبيل: إبراهيم بن ضويان. 2/71 ط1 1417هـ/1996م ، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع ـ الرياض.
(4) - الحاوي الكبير: أبي الحسن الماوردي. حققه: د. محمود مطرجي ( دار الفكر ــ بيروت). 7/5 (1/14)
صفحة 15
ولا خلاف بين الفقهاء بالحجاز والعراق أن البيع إذا أنعقد على أن يسلف المبتاع البائع سلفا مع ما ذكر من ثمن السلعة أو سلف البائع المبتاع مع سلفته المبيعة سلفا، ينعقد على ذلك (1) .
- واجتمعت الأمة على جوازه من حيث الجملة (2) .
- قال ابن المنذر: »أجمع كل من نحفظ عنه أن السلم جائز« (3) .
4- دليله من القياس.
وأما من القياس فلأن البيع يشتمل على ثمن ومثمن، فإذا أجاوزا أن يثبت الثمن في الذمة؛ جاز أن يثبت المثمن في الذمة.
ولأن بالناس حاجة إلى جواز السلم؛ لأن أرباب الثمار قد يحتاجون إلى ما ينفقون على تكميل ثمارهم، وربما أعوزتهم النفقة، فجوز لهم السلم؛ ليرتفقوا بذلك، ويرتفق به المُسْلم في الاسترخاص.
فإن قيل: فقد رُوي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع ما ليس عنده (4) ، وعن بيع السنين (5) .
__________
(1) – الاستذكار: الإمام يوسف بن عبد الله النمري القرطبي. (ط1، 1421هـ ـ 2000م، دار الكتب العلمية ـ بيروت). 5/433
(2) - الذخيرة : شهاب الدين القرافي تحقيق: الأستاذ محمد أبو خبزه 5/244 ط1(1994م) دار الغرب الإسلامي ـ بيروت.
(3) - منار السبيل: إبراهيم بن ضويان حققه: محمد عيد العباسي ، (ط1(1417هـ ـ 1996م) مكتبة المعارف: الرياض).
أنظر: الممتع في شرح المقنع. دراسة وتحقيق: د. عبد الملك بن دهيش ، 3 /179 دار الخفر ــ بيروت.
(4) - تقدم تخريجه.
(5) - أخرجه مسلم (3/1178)في البيوع باب كراء الأرض (101/1536)،وفي (3/11919) في المساقاه :باب وضع الجوائح (17/1554) ، والشافعي في المسند (2/151) في البيوع :باب فيما نهى عنه من البيوع (522 ترتيب) ؛ وأبو دواد في السنين (3/254) في البيوع :باب في بيع السنين (3374)، وابن ماجه (2/747) في التجارات باب : بيع الثمار سنين(2218). (1/15)
صفحة 16
فالجواب: أن المراد بالخبر: أن يبيع عينا ليست عنده، أو يبيع ثمرة نخلة سنين، فأما إذا كان ذلك في الذمة: لم يدخل في النهي؛ لما ذكرناه في أذن النبي - صلى الله عليه وسلم - (1) .
الفصل الثاني: أركانه وشروطه وأحكامه:
المبحث الأول: الأركان:
المطلب الأول: الصيغة.
المطلب الثاني: العاقدان:(المسلم- المسلم إليه).
المطلب الثالث: المحل:(رأس مال السلم- المسلم إليه).
المبحث الثاني:شروطه.
المطلب الأول: شروط رأس المال.
المطلب الثاني: شروط المسلم فيه.
المطلب الثالث: الشروط التي ترجع إلى البدلين.
المبحث الثالث: أحكامه.
المطلب الأول: مكان قبض السلم.
المطلب الثاني: انعدام المسلم فيه.
الفصل الثاني: أركان السلم وشروطه وأحكامه:
المبحث الأول: أركان عقد السلم:
أركان عقد السلم عند جمهور الفقهاء ثلاثة (2) ، ينقسم كل منهما إلى جزئين لذلك عبر الفقهاء بأنها ستة، وهذه الأركان هي:
1- الصيغة: الإيجاب والقبول.
2- العاقدان: المسلم، والمسلم إليه.
3- محل العقد: رأس المال، والمسلم فيه.
وخالف في ذاك الحنفية حيث اعتبروا ركن السلم هو الصيغة المؤلفة من الإيجاب والقبول الدالين على اتفاق الإراديين وتوافقها على إنشاء هذا العقد حيث ذكر في "البحر الرائق" »وركنه ركن البيع من الإيجاب والقبول« (3) .
__________
(1) - البيان في فقه الإمام الشافعي ،الإمام يحيى بت أبي الخير العمراني، تحقيق د.أحمد حجازي أحمد السقا ط1(142هـ / 2002م) دار الكتب العلمية: بيروت.
أنظر: الذخيرة ،شهاب الدين القراني 5/224 دار الغرب الإسلامي .
(2) – الركن: لغة /الجانب القوي للشيء كأعمدة البناء (المصباح المنير ، العنبوحي 1/ 323).
اصطلاحا: ما يكون به قوام الشيء ووجوده، وهو داخل فيه. (التعريفات ، الجرجاني، صـ149) ط الدار التونسية.
(3) - البحر الرائق: لابن نجيم الحنفي 6/258 ط1(1418هـ ـ1997م) دار الكتب العلمية ـ بيروت.
أنظر كتاب التعريفات: للجرجاني ص 59 ـ 67 (1/16)
صفحة 17
وقال الحنفية: ركن السلم هو ما يفصح به المتعاقدان عن رغبتها في التعاقد، أي الإيجاب والقبول فقط (1) .
ومنشأ الخلاف أن الجمهور يرون أن ركن العقد هو ما يتوقف وجوب عليه، سواء أكان داخلا في ماهيته أم لا، ولا يوجد العقد إلا بإيجاب وقبول، ولا يتصور صدوره إلا من عاقدين، وينبغي أن يذكر فيهما ما يتفق عليه من رأس مال وقدره، ومسلم فيه، وقدره وصفاته، فكان كل ذلك أركانا للعقد (2) .
والراجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من مالكية وشافعية وحنابلة والسبب أنه لا يتصور عقد بدون عاقدين ومحل.
المطلب الأول: الصيغة
قد اتفق الفقهاء على صحة الإيجاب بلفظ السلم أو السلف، وكل ما اشتق منهما، كأسلفتك وأسلمتك وأعطيتك، كذا سلمًا أو سلفًا؛ لأنهما لفظا بمعنى واحد، وكلاهما اسم لهذا العقد، وكذا على صحة القبول بكل لفظ يدل على الرضا بما أوجبه الأول، مثل: قبلت ورضيت ونحو ذلك (3) .
هل ينعقد السلم بلفظ البيع؟
اختلف الفقهاء في ذلك إلى قولين:-
أحدهما:- لأبي حنيفة وصاحبيه والمالكية والحنابلة والشافعية في الراجح عندهم.
وهو انه ينعقد السلم بلفظ البيع إذا بين فيه إرادة السلم وتحققت شروطه (4) .
__________
(1) - السلم والمضاربة من عوامل التيسير : د. زكريا محمد الفالح القضاة صـ39 / ط 1 1984 م دار الفكر للنشر والتوزيع .
(2) - السلم والمضاربة: د. زكريا القضاة صـ39 دار الفكر للنشر والتوزيع .
(3) - بدائع الصنائع: لعلاء الدين الكاساني ،5/201،ط2 (1402هـ ـ 1982م)دار الكتاب العربي ـ بيروت.
- شرح منتهى الإرادات لمنصور: البهوتي 2/88 ط1 (1414هـ ـ1993م)عالم الكتب ـ بيروت.
- المهذب: لأبي إسحاق الشيرازي 1/297 دار الفكر.
(4) - شرح منتهى الإرادات: 2/87.
- بدائع الصنائع: 5/201.
- المهذب 1/297.
الذخيرة: لشهاب الدين القرافي 5/223 تحقيق محمد أبو خبزة ط1994م دار الغرب الإسلامي ، بيروت. (1/17)
صفحة 18
الدليل:- أن السلم نوع من أنواع البيوع، وإنما انفرد ببعض الشروط التي تميزه عن غيره من الأنواع، فكان لفظ البيع مع مراعاة شروط السلم الخاصة، دالاًعليه، وفي معناه أسلمت، إذ أن لفظ البيع مع مراعاة شروط السلم الخاصة، سلم من حيث المغزى؛ فينعقد به مثلما ينعقد الصرف بلفظ البيع، إذ أن العبرة في العقود لمعانيها لا لصور ألفاظها (1) .
ثانيهما:- الرأي الثاني فهو لزفر من الحنفية والشافعية .
وهو أن السلم لا ينعقد بلفظ البيع، وحجتهم أنه منهي عن بيع ما ليس عند الإنسان إلا أن الشرع ورد بجوازه السلم ترخيصا؛ فوجب الاقتصار على موضع الرخصة باللفظ ذاته.
ورد في بدائع الصنائع: »وقال زفر لا ينعقد إلا بلفظ السلم لان القياس ألاّ ينعقد أصلا لأنه بيع ما ليس عند الإنسان وأنه منهيٌّ عنه إلا أن الشرع ورد بجوازه بلفظ السلم، بقوله رخص في السلم؛ لأن السلم بيع، فينعقد بلفظ البيع، والدليل على أنه بيع: ما رُوي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان، ورخَّص في السلم« (2) .
نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع ما ليس عند الإنسان عامًّا، ورخص السلم بالرخصة فيه؛ فدل أن السلم بيع ما ليس عند الإنسان ليستقيم تخصيصه عن عموم النهي بالترخيص فيه.
وأما الشافعة فتتضح وجهتهم من قول أبي إسحاق الشيرازي:
»من أصحابنا من قال لا ينعقد السلم بلفظ البيع فإذا عقد بلفظ البيع كان بيعا ولا يشترط فيه قبض العوض في المجلس؛ لأن السلم غير البيع؛ فلا ينعقد بلفظه، ومنهم من قال: ينعقد؛ لأنه نوع بيع يقتضى القبض في المجلس؛ فانعقد بلفظ البيع كالصرف« (3) .
__________
(1) - السلم والمضاربة: د. زكريا القضاة. صـ39 دار الفكر للنشر والتوزيع .
(2) - بدائع الصنائع: 5 / 201.
(3) – المهذب: 1/ 297. (1/18)
صفحة 19
أما حجة أصحاب هذا الرأي من الشافعية؛ فهو أنه يعتبر لفظه، وينعقد بيعا نظرا للفظ، ويشترط لصحته تعيين أحد العوضين، ولا يشترط فيه قبض رأس المال في المجلس؛ لأن السلم غير البيع، فلا ينعقد بلفظه (1) .
الترجيح:
والراجح قول الجمهور من انعقاد السلم بلفظ البيع إن ذكرت باقي شروطه، وذلك لأوجه:
1-السلم بيع لغة وشرعا -كما تقدم- فكان إطلاق البيع عليه إطلاقا لما يتناوله ولا يعارضه.
2- العبرة في العقود لمعانيها لا لصور ألفاظها، وإطلاق البيع مع ذكر شروط السلم؛ سلم في المعنى، فينعقد به.
3- كون السلم على خلاف القياس لا يقتضي قصر ما ينعقد به على لفظ السلم؛ لأن مخالفته للقياس ليست باعتبار مجرد اللفظ، وإنما لمعنى آخر كان يقتضى ألا يجوز أصلا، لا بلفظ السلم ولا بغيره، أما وقد ثبت جوازه، فإنما ينعقد بلفظه وبما كان في معناه، لأن العبرة في العقود -كما تقدم- بمعانيها (2) .
المطلب الثاني: العاقدان: {المسلم - المسلم إليه}:
طرفا العقد من العوامل الجوهرية في تكوينه؛ لأنهما يباشران إصدار الصيغة التي تشكل أساس بناء العقد، سواء أكانا شخصين طبيعيين أم اعتباريين، وسواء أكانا يعقدان لنفسيهما أو لغيرهما (3) .
وقد اشترط الفقهاء في كل واحد من العاقدين:-
1- أن يكون أهلا لصدور العقد عنه، وأهلا للمعاملة والتصرف.
2- أن يكون له ولاية على العقد إذا كان يعقد لغيره.
أما الأهلية المشترطة: فهي أهلية الأداء التي تعني صلاحية الشخص لصدور الأقوال على وجه يعتد به شرعا (4) .
__________
(1) - نفس المصدر. وانظر: روضة الطالبين للنووي 4/6.
(2) - السلم والمضاربة: د. زكريا القضاة ص 39 دار الفكر للنشر والتوزيع .
(3) - المدخل إلى فقه المعاملات المالية: د.محمد عثمان ص 220
(4) - التلويح على التوضيح: لسعد الدين التفتازاني، 3/52 ،ط1 (1322هـ )المطبعة الخيرية بمصر. (1/19)
صفحة 20
وتتحقق هذه الأهلية في الإنسان البالغ العاقل الرشيد غير المحجور عليه لأي سبب من أسباب الحجر.
أما الولاية المطلوبة في من يعقد السلم عن غيره؛ فهي كونه مُخوَّلا شرعا في ذلك بإحدى طريقتين:-
أ) إما بالنيابة الاختيارية التي تثبت بالوكالة ولا بد فيها أن يكون كل من الوكيل والموكل أهلا لإنشاء عقود المعاوضات المالية.
ب) إما بالنيابة الإجبارية التي تثبت بتولية الشارع وتكون لمن يلي مال المحجور عليهم من الأولياء والوصايا الذين جعلت لهم سلطة شرعية على إبرام العقود وإنشاء التصرفات المالية لمصلحة من يلونهم (1) .
وكذلك شرط الحنفية في عقد السلم أن لا يكون أحد العاقدين في مرض الموت، وجعلوا لسلم المريض أحكام خاصة حماية لحقوق الدائنين والورثة من تصرفاته الضارة بها، حيث إن السلم مظنة المحاباة؛ لأن المبيع يباع بأقل من ثمنه (2) .
وفرقوا في حكم السلم في مرض الموت بين ما إذا كان رب السلم مريضا، وبين ما إذا كان المسلم إليه مريضا.
المطلب الثالث: المحل: {رأس مال السلم ـ المسلم فيه}:
محل العقد ركن أساسي من أركان العقد، ولا وجود للعقد إلا به، وهو ما يقع عليه العقد، وتتعلق به أحكام العقد وآثاره، ولا بد لكل عقد من محل يضاف إليه.
وفي عقد السلم المحل عبارة عن رأس مال السلم والمسلم فيه، ولهما شروط عديدة يجب توفرها لصحة عقد السلم، ولدوامة الأطراف المتعاقدين، وسيأتي بيان هذه الشروط مفصلة لاحقًا.
المبحث الثاني: شروط عقد السلم:
المطلب الأول: شروط رأس المال:
الشرط الأول: تعجيل رأس المال(الثمن).
__________
(1) - الموسوعة الفقهية/25/199 ط1، وزارة الأوقاف والشؤن الإسلامية، الكويت، دار الصفوة.
(2) – المبسوط: لشمس الدين السرخسي12/123 ـ 40 دار المعرفة للطباعة والنشر ـ بيروت ،(1414هـ /1993م). (1/20)
صفحة 21
ذهب جمهور الفقهاء من الإباضية والشافعية والحنابلة والحنفية إلى أن من شروط صحة السلم تسليم رأس ماله في مجلس العقد، وذلك بأن يكون نقدا حالا، فلا يجوز تأجيله؛ لأن السلم أخذ عاجل بآجل، فيجب قبض أحد العوضين؛ ليتحقق معنى السلم.
وهذا الشرط اشترطه الإباضية، حيث يرى صاحب كتاب الإيضاح: أنه من شرط التقابض في المجلس كالصرف، ولا يجوز فيه التأخير (1) .
يقول صاحب كتاب النيل: »والذي عندي أن الأصل كونها بيد المسلم، فإذا تم العقد قبضها المسلم إليه كسائر البيوع، وإن كانت بيد المسلم جاز، وإن لم تحضر كان من بيع الدين بالدين؛ فهو باطل« (2) .
وهو نفس ما اشترطه الشافعية حيث قال صاحب كتاب سبل السلام: »واتفقوا على أنه يشترط فيه ما يشترط في البيع، وعلى تسليم رأس المال في المجلس« (3) .
ذكر في المغني من ضمن الشروط: »أن يقبض رأس مال السلم في المجلس« (4) .
ذكر في البدائع أيضا من ضمن الشروط: »أن يكون مقبوضا في مجلس السلم« (5) .
سواء كان رأس المال دينًا أو عينًا عند عامة العلماء استحسانا، وسواء قبض في أول المجلس أوفي آخره؛ لأن ساعات المجلس لها حكم ساعة واحدة (6) .
فاشترطوا بذلك -أي الفقهاء- القبض في مجلس العقد، فلو تفرقا قبله بطل العقد (7) .
__________
(1) – الإيضاح: للشماخي، 3/357.
(2) - شرح النيل: محمد يوسف أطفيش، 82/281.
(3) - سبل السلام: للصنعاني، دار مكتبة الحياء- بيروت،3/61. انظر:- مغني المحتاج، 2/102.
(4) – المغني: 4/ 362.
(5) - بدائع الصنائع: 5/210
(6) - الفتاوى الهندية: الشيخ نظام 3/179.
(7) - روضة الطالبين: 4/3.
- انظر الفتاوى الهندية: 3/179. – المغني: 4/362. (1/21)
صفحة 22
ولا يخفى أن اشتراط قبض رأس مال السلم قبل التفرق عند جمهور الفقهاء إنما شرط لبقاء العقد على الصحة، وليس شرط صحة؛ لأن السلم ينعقد صحيحا بدون قبض رأس المال، ثم يفسد بالافتراق قبل القبض، وبقاء العقد صحيحا يعقد العقد، ولا يتقدمه، فيصلح القبض شرطا له (1) .
أما المالكية فيجوز عندهم تأجيل رأس مال السلم ولو إلى ثلاثة أيام من بعد عقد السلم بشرط العقد أو بغير شرط سواء، كان رأس المال عينا (نقودا أو عرضا أو مثليا).
يقول صاحب بداية المجتهد: »ومنه [أي من الشروط] أن يكون الثمن غير مؤجل أجلا بعيدا؛ لئلا يكون الكالئ بالكالئ، هذا في الجملة، واشترطوا في اشتراط اليومين والثلاثة في تأخير نقد الثمن، بعد اتفاقهم على أن لا يجوز في المدة الكثيرة، ولا مطلقا« (2) .
وقال صاحب سراج السالك: »نعم، يجوز تأخير رأس مال السلم إلى ثلاثة أيام فقط، ولو بشرط، وهذا الشرط أهم شرط في السلم، وبه يتميز عن غيره من العقود الأخرى الجائزة« (3) .
الشرط الثاني:- أن يكون معلوما
لا خلاف بين الفقهاء في أنه يشترط في رأس المال أن يكون معلوما، وذلك لأنه بدل في معاوضة مالية مالية، فلا بد من كونه معلوما، كسائر عقود المعاوضات.
ورأس المال إما أن يوصف في الذمة، ثم يعين في مجلس العقد، وإما أن يكون معينا عند العقد، كأن يكون حاضرا مشاهدًا، ثم يقع العقد على عينه (4) .
ذكر في البدائع: »الذي يرجع إلى رأس المال أنواع« منها:-
- بيان جنسه: كقولنا دراهم أو دنانير.
- بيان نوعه: كقولنا دراهم فتحيه، نيلسابورية.
- بيان صفته: كقولنا جيد، متوسط.
- بيان قدره: إذا كان مما يتعلق العقد بالمكيلات والموزونات (5) .
__________
(1) - رد المحتار: 7/357.
أنظر البدائع والصنائع: 5/202- 203.
(2) - بداية المجتهد: ابن رشد 3/263.
(3) - سراج السالك: الجعلي؛ عثمان. (مطبعة مصطفى البابي، مصر). 2/140.
(4) - الموسوعة الفقهية: 25/201.
(5) - البدائع والصنائع: 5/203. (1/22)
صفحة 23
وهذه كلها تندرج تحت هذا الشرط لأنها أصبحت معلومة.
ذكر في المهذب: »ويجوز أن يكون رأس المال في الذمة، ثم يعينه في مجلس العقد، ويسلمه، ويجوز أن يكون معينا، فإن كان في الذمة نظرت، فإن كان من الإثمان حمل على نقد البلد، وإن كان في البلد نقود حمل على الغالب منها، وإن لم يكن في البلد نقد غالب وجب بيان نقد معلوم، وإن كان رأس المال عرضا، وجب بيان الصفات التي تختلف بها الأثمان, لأنه عوض في الذمة غير معلوم بالعرف فوجب بيان صفاته كالمسلم فيه« (1) .
يقول صاحب المغني: »لا خلاف في اشتراط معرفة صفته -أي الثمن- إذا كان في الذمة؛ لأنه أحد عوض السلم, فإذا لم يكن معينا اشترط معرفة صفته كالمسلم فيه, إلا أنه إذا أطلق وفي البلد نقد معين انصرف الإطلاق إليه، وقام مقام وصفه« (2) .
وذكر صاحب القوانين الفقهية: »إن من شروط بدلي السلم كل واحد منهما معلوم الجنس والصفة والمقدار، إما بالوزن فيما يوزن، وإما بالكيل فيما يكال« (3) .
ذكر في الإيضاح: »كأن الثمن أيضا لا يجوز إلا أن يكون معلوما؛ لأنه إذا كان غير معلوم الوزن كان جزافا غير جائز، كما لا تجوز الجهالة في المثمن، والمخصوص لا يكون إلا معلوم الثمن والمثمن جميعا« (4) .
المطلب الثاني: شروط المسلم فيه:
الشرط الأول: أن يكون المسلم فيه دينا موصوفا في الذمة:
لا خلاف بين الفقهاء في اشتراط كون المسلم فيه دينا موصوفا في ذمة المسلم إليه، وأنه لا يصح السلم إذا جعل المسلم فيه شيئا معنيا بذاته.
فقد ذكر في "روضة الطالبين" أن من ضمن شروط السلم: »كون المسلم فيه دينا« (5) .
وذكر في "بداية المجتهد": »ولم يختلفوا أن السلم لا يكون إلا في الذمة وأنه لا يكون في معين« (6) .
__________
(1) – المهذب: 1/300.
(2) – المغني: 4/375.
(3) - القوانين الفقهية: ص 268
(4) – الإيضاح: 6/75.
(5) - روضة الطالبين،4/6
(6) - بداية المجتهد: 2/204. (1/23)
صفحة 24
ومن ضمن الشروط في "الذخيرة": »أن يكون المسلم فيه دينًا في الذمة، احترازًا من بيع المعين الذي يتأخر قبضه« (1) .
وذكر في "شرح الإرادات": »من ضمن الشروط: (أن يسلم في ذمه)، إذ المؤجل لا يكون إلا في ذمه، (فلا يصح) السلم (في عين كشجرة نابتة ونحوها)؛ لأنه يمكن في الحال، فلا حاجة إلى السلم فيه« (2) .
وذكر في الإيضاح: »واتفقوا أيضًا في امتناعه فيما لا يثبت في الذمة، مثل الدور والعقار وما أشبه ذلك« (3)
بالإضافة إلى ذلك، فإن هذا التعيين يجعل السلم من عقود الفرد، إذ ينشأ عن غرر عدم القدرة على تنفيذ العقد، فلا يُدرى أيتم هذا العقد أم ينفسخ، حيث أن من المحتمل أن يهلك ذلك الشيء المعين قبل حلول وقت أدائه؛ فيستعجل تنفيذه (4) ، وخالف في ذلك الحنفية (5) .
وقد احتج صاحب البدائع على ذلك بأنه يشترط في السلم فيه: »أن يكون مما يتعين بالتعين، فإن كان مما لا يتعين بالتعين، كالدراهم والدنانير؛ لا يجوز المسلم فيه؛ لأن المسلم فيه مبيع« (6) .
والمبيع مما يتعين، والدرهم والدنانير لا تتعين في عقود المعاوضات، فلم تكن مبيعة، فلا السلم فيه« (7) .
الشرط الثاني: أن يكون المسلم فيه معلوما:
لا خلاف بين الفقهاء في أنه يشترط لصحة السلم أن المسلم فيه معلوما مبينا بما يرفع الجهالة، ويسد الأبواب إلى المنازعة بين المتعاقدين عند تسليمه؛ لأنه بدل في عقد معارضه مالية، فليشترط فيه أن يكون معلوما كما هو الشأن في سائر عقود المبادلات المالية.
__________
(1) – الذخيرة: 5/250.
(2) - شرح منتهى الإرادات: 3/96.
(3) – الإيضاح: 6/59.
(4) - الموسوعة الفقهية 25/206.
(5) - رد المحتار: 7 /349.
(6) – المصدر السابق.
(7) - بدائع الصنائع: 5/ 212. (1/24)
صفحة 25
أن يكون معلوم الجنس، معلوم النوع، معلوم الصفة، فمثال ذلك يبين في العقد أن يكون المسلَّم فيه: حنطة سهلة جيدة، أو قمح من نوع كذا...، ودرجته من الجودة إن كان جيدا أو متوسط أو غير ذلك، ومقداره: من وزن أوكيل أو عدد أو نوع إن كان من الممثليات.
ويجوز أن يقدر المكيل بالوزن، وعكسه إن كان ذلك ينفي الجهالة والغرر، وهذا ما ذهب إليه الجمهور (1) .
الحنفية:
فقد ورد في "بدائع الصنائع": »أن يكون معلوم الجنس، كقولنا حنطة أو شعير أو تمر« (2) ، فلابد من إعلان النوع لقطع هذه المنازعة، وكذاك إعلام الصفة لأنه إذا أسلم إليه في الحنطة قرب السلم بطالبه جيده، والمسلم إليه لا يسلم إلا الردى، ويحتج كل واحد منهما باسم الحنطة، فلابد من بيان الصفة؛ لقطع هذه الخصومة، وإعلام القدر، وجهالته تفض إلى المنازعة، ولأن المقصود بهذا العقد الاسترباح، ولا يُعرف ذلك إلا بمعرفه مقدار المالية، والمالية تختلف باختلاف الجنس والنوع والصفة والقدر، فلابد من إعلام ذلك كله؛ ليصير ما هو المقصود لكل واحد منهما معلوما (3) .
الحنابلة:
ذكر في "الروض المربع" من شروط المسلم فيه: »ذكر الجنس والنوع أي جنس المسلم فيه ونوعه« (4) .
»فيذكر الجنس والنوع، والجودة والرداء، والكثر والصغر، والطول والقصر، والعرض والسمك« (5) .
وكل وصف يختلف به، أي بسبه (الثمن) اختلافا ظاهرا، كلونه وقدره وجدِّته (حداثته وقدمه)؛ فعلى هذا يذكر جنسه، فيقول مثلا: تمر، ويذكر نوعه، فيقول مثلا: (برني أو معقلي ونحوه« (6) .
المالكية
ذكر في "بداية المجتهد": »...أو منضبطا بالصفة إن كان مما المقصود منه الصفة« (7) .
__________
(1) - الموسوعة الفقهية: 25 /209.
(2) - بدائع الصنائع: 5/ 206.
(3) – المسبوط: 12/125.
(4) - بدائع الصنائع:5/ 206.
(5) - الروض المربع: 2/209. انظر: منار السبيل:2/72.
(6) - كشاف القناع: 3/292.
(7) - بداية المجتهد:2/ 202. (1/25)
صفحة 26
وذكر في "سراج السالك": »...كون المسلم فيه موصوفا، وهو ذكر بيان الجنس والنوع والجودة والرداء، حال العقد« (1) .
الشافعية:
فقد ذكر في "المهذب": »وأما ما لا يضبط بالصفة؛ فلا يجوز السلم فيه؛ لأنه يقع البيع فيه على مجهول، وبيع المجهول لا يجوز« (2) .
قال الشافعي: »وإن كان تمرا، قال: صيحاني، أو بردي، أو صنفا من التمر معرف، فإن كان حنطة، قال: شامية، أو ميسانية، أو مصرية، أو صنفا من أصناف الحنطة« (3) .
والإباضية:
فقد ذُكر في "شرح النيل" و"بيان نوع" بأن يقول: لحم ضأن أو لحم عنز أو لحم جمل أو لحم بقر أو لحم غزال، أو نحو ذلك، بأن يكون مما لا ينقطع عادة، (وفي الحيوان): بيان (صفة): معلوما، كسمن وهزال، وطول وقصر، وكبر رأس وصغره، وحسن حافرة وقبحة، (و) بيان (سمن) كثمن ورباع، (و) بيان (لون)، كبياض وحمرة، وسواد (في ضأن)؛ لأنه يرغب في صوفه، وتميز واحد من آخر برغبة وقصد (4) .
الشرط الثالث: أن يكون المسلم فيه مؤجلاً:
اشترط جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة لصحة السلم أن يكون مؤجلاً فلا يصح السلم الحال.
وأما مالك فالظاهر من مذهبه، والمشهور عنه أنه من شرط السلم (5) .
وقد ذكر في "القوانين الفقهية": »أن يكون مؤجلاً إلى أجل معلوم« (6) .
وذكر في "البدائع" من شروط المسلم فيه: »أن يكون مؤجلاً عندنا حتى لا يجوز السلم في الحال« (7) .
وذكر صاحب كتاب "المبسوط": »فقد شرط لجواز السلم إعلام الأجل« (8) .
وذكر في "المغني" من شروط المسلم فيه: »أن يكون مؤجلاً أجلاً معلوماً« (9) .
__________
(1) - سراج السالك: 2/140 .
(2) – المهذب: 1/ 299.
(3) – الأم: 3/116.
(4) - شرح كتاب النيل: 28 /298.
(5) - بداية المجتهد: 2/203.
(6) - القوانين الفقهية: ص 226. أنظر المقدمات الممهدات:ص: 26.
(7) - بدائع الصنائع: 5/112.
(8) – المبسوط: 12/125.
(9) – المغنى: 4/354. (1/26)
صفحة 27
فأمر بالأجل والأمر للوجوب؛ ولأن السلم رخصة، جاز للرفق، ولا يحصل إلا بالأجل، فإن انتفى الأجل؛ انتفى الرفق، فلا يصح كالكتابة، والحلول يخرجه عن اسمه ومعناه (1) .
وذكر صاحب كتاب الإيضاح: »وأما الأجل المشروط في السلم فقد اتفقوا على أنه لا يكون السلم بغير أجل...، وإن كان بغير أجل؛ فهو من بيع ما ليس معك؛ لا يجوز« (2) .
وحجتهم في اشتراط الأجل: قوله - صلى الله عليه وسلم - : »من أسلف؛ فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم« (3) ، فأمر عليه الصلاة والسلام بالأجل في السلم، وأمره يقتضي الوجوب ،فيكون الأجل من جملة شروط السلم، فلا يصح بدونه.
ولأن حال السلم يفضي إلى المنازعة؛ لأن السلم بيع المفاليس، فالظاهر أن يكون السلم إليه عاجزًا عن تسليم المسلم فيه، ورب السلم يطالب بالتسليم؛ فيتنازعان على وجه تقع فيه الحاجة إلى النسخ.
وفيه إلحاق الضرر برب السلم، لأنه سلم رأس المال إلى المسلم إليه، وصرفه في حاجته، فلا يصل إلى المسلم فيه ولا إلى رأس المال، فشرط الأجل حتى لا يملك المطالبة إلا بعد حلول الأجل، وعند ذلك يقدر على التسليم ظاهرًا، فلا يؤدي إلى المنازعة المفضية إلى الفسخ والإضرار برب السلم (4) .
وذهب الشافعية إلى جواز السلم الحال، كما هو جائز مؤجلاً:
جاء في "الروضة": »يصح السلم الحال كما المؤجل« (5) .
وقال صاحب كتاب "البيان": »ويجوز السلم حالاً عندنا« (6) .
وحجتهم على صحة كون المسلم فيه حالاً:
1- القياس الأولوي على السلم المؤجل (7) .
__________
(1) - شرح المنتهى: 2/92.
(2) – الإيضاح: 6/63،62.
(3) - تقدم تخريجه.
(4) - بدائع الصنائع: 5/212.
(5) - روضة الطالبين: 4/7 .
(6) – البيان: 5/346.
(7) - نهاية المحتاج: 4/190. (1/27)
صفحة 28
2- ولأن السلم إذا صح مع ذكر الأجل. وهو نوع من الغرر؛ لأنه ربما ينقطع المسلم فيه، وربما لا ينقطع، وربما أمكن التسليم، وربما لم يمكن، فلأن يصح مع فقده أولى (1) .
قال صاحب كتاب "الأم": »فإذا أجاز الرسول - صلى الله عليه وسلم - بيع الطعام بصفة إلى أجل كان -والله تعالى أعلم- بيع الطعام بصفة حالاً أجوز؛ لأنه ليس في البيع معنى إلا أن يكون بصفه مضمونًا على صاحبه، فإذا ضمن مؤخرًا ضمن مؤجلاً، وكان معجلاً أضمن منه مؤخرًا، والأعجل أخرج من معنى الغرر، وهو مجامع له في أنه مضمون بائعه بصفة (2) .
الشرط الرابع: أن يكون الأجل معلومًا:
اتفق الفقهاء على أن معلومية الأجل الذي يوفي فيه المسلم فيه شرط لصحة السلم:
وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم - : »من أسلف؛ فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم« (3) .
وقد ورد في "المغني": »أنه لابد من كون الأجل معلوم« (4) ، فقد أوجب معلومية القدر (5) .
وذكر الفقهاء على أنه »إن كان الأجل مجهولا؛ فالسلم فاسد، سواء كانت الجهالة متفاحشة أو متقاربة؛ لأن جهالة الأجل مفسدة للعقد، كجهالة القدر« (6) .
ورد في "الفتاوى الهندية" من الشروط: »أن يكون المسلم فيه مؤجلا بأجل معلوم« (7) .
ورد في الإيضاح: »أن عموم قوله عليه السلام: {لأجل معلوم} يقع على القليل والكثير، وأكثر الأجل في هذا إلى ما يتوهم في غالب الظن أنه يعيش ذلك الشيء، والله أعلم. وإن جعلوا الأجل إلى الشهر الفلاني أو السنة الفلانية أو اليوم الفلاني؛ فهو جائز« (8) .
__________
(1) – البيان: 5/346.
(2) – الأم: 3/116.
(3) - تقدم تخريجه.
(4) – المغني: 4/356.
(5) - المقدمات الممهدات: ص28. انظر القوانين الفقهية: ص266. انظر شرح منتهى الإرادات: 2/ 92.
(6) - بدائع الصنائع: 5 / 212 – 213.
(7) - الفتاوى الهندية: 3/180.
(8) – الإيضاح: 6/65. (1/28)
صفحة 29
وقال صاحب "الأم": »وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : {من سلف؛ فليسلف في كيل معلوم وأجل معلوم}؛ يدل على أن الآجال لا تحل إلا أن تكون معلومة« (1) .
المطلب الثالث: الشروط التي ترجع إلى البدلين:
ذهب الفقهاء إلى أنه يشترط لصحة عقد السلم أن يكون كل من رأس المال والمسلم فيه:-
1- أن يكونا مالا متقوما:
ذكر في "القوانين الفقهية" من الشروط المشتركة: »أن يكون كل واحد منهما [البدلان] مما يصح تملكه وبيعه، تحرزا من الخمر والخنزير، وغير ذلك« (2) .
2- ألا يكونا ماليين، يتحقق في سلم أحدها بالآخر ربا النسيئة:
وذلك بألا يجمع البدلين أحد وصفي علة ربا الفضل، حيث أن المسلم فيه مؤجل في الذمة، فإذا جمع مع رأس المال أحد وصفي علة ربا الفضل؛ تحقق ربا النَّساء فيه، وكان فاسدًا باتفاق الفقهاء (3) .
3- وزاد صاحب "القوانين الفقهية" شرطا ثالثًا، فقال: »أن يكون كل واحد منهما معلوم الجنس والصفة والمقدار، إما بالوزن فيما يوزن، أو بالكيل فيما يكال، أو بالذرع فيما يذرع...« (4) .
المبحث الثالث: أحكام عقد السلم:
المطلب الأول: مكان قبض السلم:
اختلف الفقهاء في تعيين مكان إيفاء المسلم فيه لصحة السلم على عدة اتجاهات:-
الحنابلة:
ذهب الحنابلة إلى أنه لا يشترط تعين مكان الإيفاء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكره في حديث: »من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم« (5) ، فدل ذلك على أنه لا يشترط فيه، ولأنه عقد معاوضة؛ فلا يشترط فيه ذكر مكان الإيفاء كبيوع الأعيان (6) .
__________
(1) – الأم: 3/118.
(2) - القوانين الفقهية: 265.
(3) - شرح منتهى الإرادات: 2/89. انظر: بدائع الصنائع: 5/214.
(4) - القوانين الفقهية: 266.
(5) - تقدم تخريجه. ص: 17.
(6) – المغني: 4/368. (1/29)
صفحة 30
ويكون الإيفاء في مكان العقد كالبيع، فإن كان السلم في موضع لا يمكن الوفاء فيه كالبرية؛ تعين ذكر مكان الإيفاء؛ ولأنه لابد من مكان، ولا قرينة تعين؛ فوجب تعينه بالقول (1) .
الحنفية.
قال الحنفية: لا يشترط بيان مكان الإيفاء إذا لم يكن للمسلم فيه حمل ومؤنة، أي لا يحتاج لكلفة وسيلة وأجرة عمال (2) ، أما إذا كان له حمل ومؤنة، فقد اختلف أبو حنيفة وصاحبيه:
قال أبو حنيفة: يشترط بيان مكان الإيفاء، ذكر في "المبسوط": »فأما بيان مكان الإيفاء فيما له حمل ومؤنة من شرائط جواز السلم عند أبي حنيفة« (3) .
وذلك لأن التسليم غير واجب في الحال، فلا يتعين مكان العقد موضعا للتسليم، فإذا لم يتعين بقي مجهولا جهالة مفضية إلى المنازعة؛ لاختلاف القيم باختلاف الأماكن، فلابد من البيان دفعا للمنازعة، وصار كجهالة الصفة (4) .
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يحتاج إلى تعينه، ويسلمه في موضع العقد؛ لأن مكانه موضع الالتزام، فيتعين لإيفاء ما التزمه في ذمته، كموضع الاستقراض والاستهلاك وكبيع الحنطة بعينها.
ذكر في "المبسوط": »وقال أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله تعالى- ليس بشرط، ولكن إن شرطاه صحَّ، وإن لم يشترطاه؛ يتعين مكان العقد للتسليم« (5) .
الشافعية:
ذهب الشافعية إلى أنه يشترط لصحة السلم بيان مكان تسليم المسلم فيه، إذا كان موضع العقد لا يصلح للتسليم كالصحراء، أو كان لحمله مؤنة، فإن كان العقد بمكان يصلح للتسليم أو لم يكن لحمل المسلم فيه مؤنة؛ فلا يشترط ذلك (6) .
- ذكر في "الروضة": »في اشتراط بيان مكان تسليم المسلم فيه المؤجل اختلاف نص وطرق للأصحاب:
أحدها: فيه قولان مطلقا.
__________
(1) – الكافي: 2/117.
(2) - الموسوعة الفقهية: 25/216.
(3) – المبسوط: 12/127.
(4) - بدائع الصنائع: 5/213.
(5) – المبسوط: 12/127.
(6) - الموسوعة الفقهية: 25/217. (1/30)
صفحة 31
والثاني: إن عقد في موضع يصلح للتسليم،لم يشترط التعين، و إلا اشترط. والثالث: إن كان لحمله مؤنة اشترط، و إلا فلا.
والرابع: إن لم يصلح الموضع اشترط، و إلا فقولان.
والخامس: إن لم يكن لحمله مؤنة لم يشترط، و إلا فقولان.
والسادس: إن كان له مؤنه اشترط، و إلا فقولان« (1) .
المالكية:
قالت المالكية: لا يشترط تعين مكانا للإيفاء، ولكنه يفضل.
وقد ذُكر في "الذخيرة" شرطا من الشروط (2) .
قال المازري (3) : يستحب دفعا للنزاع (4) .
وقال صاحب "القوانين الفقهية": »الأحسن اشتراط مكان الدفع...، فإن لم يُعيَّنا في العقد مكانا؛ فمكان العقد، وإن عيناه تعين، ولا يجوز أن يقبضه بغير المكان المعين، ويأخذ كراء مسافة ما بين المكانين لأنهما بمنزلة الأجلين« (5) .
الإباضية:.
اختلف الإباضية في مكان قبض السلم:
وذكر في "شرح النيل" أقوال الإباضية، ومنها: »من لم يشترط قبضه في موضع معين؛ فقيل: فاسد، وقيل: صحيح، والقبض حيث حكم به، وقيل: حيث عقد، وقيل: في بلد المستلف، وقيل: في بلد المسلف، وقيل: يتم ولو لم يشترط قبضه في معروف، وقيل: إن أشترط تمَّ و إلا فسد، وقيل: عكسه، والأقوال كلها لأصحابنا.
__________
(1) – الروضة: 4/12-13.
(2) - هو الإمام أبو عبد الله،محمد بن على بن عمر بن محمد التميمي المازري المالكي،مصنف كتاب(المعلم بفوائد شرح مسلم) في الأصول، وصنف كتاب (إيضاح المحصول)،وله تآليف في الأدب، مولده بمدينة المهدية من إفريقية، وبها مات في ربيع الأول سنة ست وثلاثين وخمس مئة، وله ثلاث وثمانون سنة. انظر: سير أعلام النبلاء: الذهبي؛ شمس الدين. مؤسسة الرسالة، 1405هـ -1985م)20/104.
(3) – الذخيرة: 5/263.
(4) - نفس المرجع أعلاه.
(5) - القوانين الفقهية: /267. (1/31)
صفحة 32
والمختار عنده أن السلم يصح بدون تعين المكان؛ لأن سائر الديون كذلك، مع أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر في حديث السلم تعين المكان، وذكر تعين الأجل والكيل والحب« (1) .
المطلب الثاني: انعدام المسلم فيه:
اتفق الفقهاء لصحة السلم أن يكون المسلم فيه واجب التسليم عند الأجل، فلا بد أن يكون تسليمه مقدورا عليه و إلا كان من الغرر الممنوع (2) .
فقد ذكروا أنه إذا انعدم المسلم فيه كان المسلم بالخيار صبر أو أخذ القيمة.
فقد ذكر في "المغني": »إذا تعذر تسليم المسلم فيه عند المحل إما لغيبه المسلم إليه أو عجزه عند التسليم حتى عدم المسلم فيه أو لم تحمل الثمار تلك السنة؛ فالمسلم بالخيار بين أن يصبر إلى أن يوجد فيطالبه، وبين أن يفسخ العقد، ويرجع بالثمن إن كان موجودا أو بمثله إن كان مثليا، و إلا قيمته (3) .
وذكر في "المهذب": »فإن أسلم في ثمرة فانقطعت في محلها أو غاب المسلم إليه، فلم يظهر حتى نفدت الثمرة، ففيه قولان:-
- أحدهما: أن العقد ينفسخ؛ لأن المعقود عليه ثمرة هذا العام، وقد هلكت، فانفسخ العقد، كما لو أشترى قفيزًا من صبرة، فهلكت الصبرة.
- الثاني: أنه لا ينفسخ لكنه بالخيار بين أن ينفسخ، وبين أن يصبر إلى أن توجد الثمرة؛ فيأخذ، لأن المعقود عليه ما في الذمة، لا ثمرة هذا العام« (4) .
وذكر في "القوانين الفقهية": »من أسلم في شيء، فلما حل الأجل تعذر تسلمه لعدمه، وخروج إبَّانه كالرطب؛ فهو بالخيار بين أخذ الثمن أو الصبر إلى العام القابل« (5) .
الخاتمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
كل بداية ولها نهاية وكل شيء وله ختام .
__________
(1) - شرح النيل: 82/313.
(2) – الروضة: 4/11.
(3) – المغني: 4/361.
(4) – المهذب: 1/302.
(5) - القوانين الفقهية: 25/267. (1/32)
صفحة 33
وبعد ما انتهينا من هذا البحث المتواضع ووصلنا إلي الخاتمة نذكر فيها أهم النتائج التي استنتجتها منه وهي:ـ
1ـ السلم مشروع بالكتاب والسنة والإجماع والقياس.
2ـ شرع السلم لتحقيق مصالح الناس فالمسلم محتاج للمال لينفقه على نفسه وأهله وعلى زرعه والمسلم أليه تتحقق مصلحته في تملكه السلم بقيمه أقل.
3ـ حرم الله الربا وشرع السلم لأن كل المنافع الموجودة في الربا متحققة في السلم.
4ـ أركان السلم هي:
أـ الصيغة: (الإيجاب والقبول ).
ب ـ العاقدان: (المسلم ،المسلم إليه).
ج ـالمحل: (رأس المال ،المسلم فيه).
5ـ للسلم شروط لا يصح إلا بها ونذكر منها:-
أ- شروط رأس المال:
- أن يكون مالا متقوما.
- تسليم رأس المال في المجلس.
ب- شروط المسلم فيه:
- أن يكون معلوما.
- أن يكون مؤجلا.
جـ- شروط البدلان:
-أن يكونا مالا متقوما.
- ألا يكونا مالين يتحقق في سلم أحدهما بالآخر ربا النسيئة.
6ـ آراء الفقهاء في مكان قبض السلم:-
- رأي الإباضية: مختلفين فمنهم من قال شرط، ومنهم لم يشترط.
- ورأي القطب: عدم الاشتراط.
- رأي الشافعية: يشترط إذا كان موضع العقد لا يصح للتسليم.
- رأي الحنفية:لا يشترط إذا لم يكن للمسلم فيه حمل ومؤنة (كلفة نقل وحمل).
أما إذا كان له حمل ومؤنة فقد اختلفوا:-
- أبو حنيفة: يشترط.
- صاحبا أبي حنيفة: لا يشترط ولا يحتاج إلى تعينه.
- رأي المالكية: لا يشترط ولكنه يفضل.
- رأي الحنابلة: لا يشترط.
7- اتفق الفقهاء على وجوب وجود المسلم فيه وقت التسليم، فلا بد أن يكون تسليمه مقدورا عليه و إلا كان من الغرر الممنوع، وإذا لم يوجد أو انعدم لأي سبب من الأسباب فإن المسلم بالخيار:-
- بين أن ينتظر للعام القادم أو متى ما وجد المسلم فيه.
- وبين أن يأخذ رأس المال إن كان موجودا أو مثله إن كان مثليا، وله أن يفسخ العقد ويرجع . (1/33)
صفحة 34
هذه أهم النقاط الموجودة في البحث، وأعترف كل الاعتراف أني مقصر كل التقصير في البحث، وأهملت عدة جوانب وعدة نقاط مهمة، ولكن كان ذلك بسبب ضيق الوقت، هذا وبالله التوفيق.
المصادر والمراجع
أولا ً: القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية(282).
ثانيًا:السنة النبوية:
1- سنن ابن ماجه، تأليف أحمد بن يزيد الربعي ابن ماجه القزويني، دار السلام، الرياض، الطبعة الأولى(1420هـ- 1999م).
2- سنن أبي داود: تأليف سليمان بن الأشعث السجستاني، دار الكتب العلمية- بيروت - لبنان، الطبعة الأولى (1422هـ - 2001م).
3- سنن الدارمي، للإمام أبو محمد عبدالله بن الفضل الدارمي، دار الكتب العلمية- بيروت(1987م).
4- صحيح مسلم، شرح الأمام النووي، دار الكتب العلمية - بيروت- لبنان.
5- عون المعبود شرح سنن أبي داود ، أبي الطيب محمد شمس الحق أبادي، دار الفكر - بيروت - لبنان، الطبعة الثالثة (1399هـ - 1979م).
6- فتح الباري شرح صحيح البخاري، للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار الكتب العلمية - بيروت ـ لبنان ، الطبعة الثالثة(1421هـ - 200م).
7- المسند، لأحمد بن حنبل، المكتب الإسلامي، الجزء الثالث.
ثالثًا: كتب التفاسير:
1- التفسير الكبير ، للإمام الفخر الرازي، دار أحياء التراث العربي - بيروت - لبنان ، ط2(1417هـ - 1997م).
2- تفسير الجلالين ، للإمامين جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، والإمام جلال الدين محمد بن أحمد ، دار الخير - بيروت - لبنان، ط4 (1425هـ -2004م).
3- تفسير القرآن المشهور بتفسير المنار ، للعلامة محمد رشيد رضا، دار الفكر ، الطبعة الثانية ،ج3.
4- تيسير التفسير ، للعلامة محمد بن يوسف أطفيش، دار أحياء الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ج1.
5- جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، تأليف أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، دار الفكر - بيروت - لبنان.
رابعًا: - كتب اللغة: (1/34)
صفحة 35
1- التعريفات ، علي بن محمد الجرجاني، تحقيق إبراهيم الأيباري، دار الكتب العربي- بيروت، الطبعة الثانية(1413هـ - 1992م).
2- المصباح المنير ، تأليف أحمد بن محمد بن علي الفيومي، مكتبة لبنان
3- المعجم الوجيز، مجمع اللغة العربية (مصر) ، دار التحرير.
4- لسان العرب ، لأبي الفضل جمال الدين ابن منظور - دار صادر -بيروت الطبعة الأولى(2001م).
5- مختار الصحاح ، تأليف محمد بن أبي بكر الرازي، دار الجيل - بيروت، الطبعة الأولى (2001م).
6- معجم البستاني، لعبد الله البستاني، مكتبة لبنان – بيروت، ط1 (1992م).
خامسًا: كتب الفقه:-
- المذهب الإباضي:
1- الإيضاح، للشيخ عامر بن علي الشماخي، ط وزارة التراث القومي والثقافة (1404هـ-1984م).
2- شرح كتاب النيل وشفاء العليل ، للعلامة محمد بن يوسف أطفيش، ط وزارة التراث القومي والثقافة(1407هـ-1986م)ج8.
3- مدارج الكمال في نظم مختصر الخصال، للإمام نور الدين السالمي، ط وزارة التراث القومي والثقافة (1403هـ - 19836م).
- المذهب الحنبلي:
1- كشاف القناع، للشيخ منصور بن يونس البهوتي، دار الفكر- بيروت، ط(1982م- 1402هـ)، ج3.
2- منار السبيل في شرح الدليل، الشيخ إبراهيم بن ضويان، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، ط1(1417هـ -1996م)،ج2.
3- الروض المربع، لشرف الدين الحجاوي، المكتبة الثقافية- بيروت،ج1.
4- شرح منتهى الأرادات، للشيخ منصور البهوتي، (ت:1051هـ)، عالم الكتب،ط1(1414هـ - 1993م).
5- الكافي، للشيخ أبي موفق المقدسي، المكتب الإسلامي،ط5(1408هـ - 1988م) ج2.
6- المغني، للشيخ موفق الدين أبي محمد، ت(620هـ)،دار الفكر- بيروت،ط1(1404هـ - 1984)،ج4.
- المذهب الحنفي:
1- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع،للإمام علاء الدين أبي بكر الحنفي،ت(587)،ط2 دار الكتاب العربي- بيروت(1402هـ - 1982م)ج5. (1/35)
صفحة 36
2- حاشية رد المحتار على الدر المختار، لمحمد أمين الشهير بأبن عابدين،دار الفكر- بيروت- ط(1412هـ - 1992م)،ج5.
3- رد المحتار على الدر المختار، للشيخ محمد أمين الدمشقي، ت(1252هـ)،دار أحياء التراث العربي،ط1-بيروت(1419هـ- 1998م)ج7.
4- البحر الرائق، للشيخ الإمام أبي البركات عبد الله النسفي، (ت:710هـ). دار الكتب العلمية- بيروت – ط1(1410هـ - 1997م)،ج3.
5- الفتاوي الهندية، للعلامة الهمام مولانا الشيخ تمام وجماعة من علماء الهند الأعلام، دار إحياء التراث العربي- بيروت - ط4(1406هـ- 1986م)ج3.
6- المبسوط، لشمس الدين السرخسي، دار المعرفة- بيروت- ط(1414هـ- 1992م)،ج12.
7- الهداية، للشيخ أبي الحسن علي الراشداني المرغيناني، ت(593هـ)، دار الكتب العلمية- بيروت- ط1(1418هـ- 1990م)،ج6.
- المذهب الشافعي:
1- روضة الطالبين، للإمام النووي، المكتب الإسلامي،ط3(1412هـ-1991م)، ج4.
الأمر، للإمام أبي عبد الله الشافعي، ت(204هـ)، دار الكتب العلمية- بيروت- ط1(1413هـ-193م)، ج3.
2- البيان، للإمام يحي بن أبي الخير العمراني، ت(558هـ)، دار الكتب العلمية- بيروت- ط1(1423هـ- 2002م)، ج5.
3- الحاوي الكبير، للإمام أبي الحسن الماوردي، ت(364-450هـ)، دار الفكر- بيروت- ط(1414هـ- 1994م)ج7.
3- العزيز، للإمام أبي القاسم عبد الكريم الشافعي،ت(623هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت،ط1(1417- 1997)ج4.
4- مغني المحتاج، لأبي زكريا يحي النووي، المكتب الإسلامي، ط3(1412هـ-1992م)، ج4.
5- نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، لمحمد بن أبي العباس الشافعي، دار الفكر- بيروت - ط(1404هـ-1984م).
- المذهب المالكي:
1- بداية المجتهد ونهاية المقتصد، محمد أحمد بن محمد راشد القرطبي، دار الكتب العلمية- بيروت- ط10(1408هـ-1988 م)، ج2.
2- البهجة في شرح التحفة، لأبي الحسن التسولي، ت(1258هـ)، دار الكتب العلمية، ط1(1418هـ-1998م)، ج2. (1/36)
صفحة 37
3- الذخيرة، لشهاب الدين أحمد القوافي، ت(654هـ- 1285م)، دار الغرب الإسلامي، ط1(1994م)،ج5.
4- القوانين الفقهية، لمحمد بن أحمد جزي الكلبي، دار الكتاب العربي، ط1(1409هـ- 1989م).
5- المقدمات الممهدات، لمحمد بن أحمد القرطبي، ت(520هـ)، دار الكتب العلمية- بيروت- ط1(1408هـ- 1988م)، ج2.
6- المنتقى، للإمام أبو الوليد سليمان الباجي، ت(494)، دار الفكر العربي-ط1(1332هـ)، ج4.
كتب أخرى:
1- البيوع الشائعة، للدكتور محمد توفيق رمضان البوطي، دار الفكر المعاصر، ط1(1419هـ-1998م).
2- التلويح على التوضيح، للإمام سعد الدين التفتازاني، المطبعة الخيرية- مصر، ط1(1322هـ)3/52.
3- السلم والمضاربة، للدكتور زكريا محمد الفالح القضاة، دار الفكر للنشر والتوزيع- عمان- ط1(1984م).
3- الملخص الفقهي، صالح الفوزان، دار العاصمة- الرياض، ج2.
4- سبل السلام، الصنعاني، دار مكتبة الحياء- بيروت،3/61،
(المذهب الزيدي).
الموسوعات:
1- الموسوعة الفقهية، دار الصفوة، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، ط1،(1992)،ج 5.
كتب الأعلام والتراجم:
1- سير أعلام النبلاء: للإمام محمد بن أحمد الذهبي،مؤسسة الرسالة ط 1، 1405هـ - 1985م.
2- معجم المؤلفين،لعمر رضا كحاله (ط1، مؤسسة الرسالة: بيروت، 1414هـ - 1993م).
3- نهضة الأعيان بحرية عمان: السالمي؛ محمد بن عبد الله بن حميد. (ط: 1؛ دار الجيل – بيروت).
4- معجم أعلام الإباضية (قسم المغرب): ناصر؛ محمد صالح وآخرون. (ط1، 4201هـ-1999م، جمعية التراث، غرداية-الجزائر).
قائمة المحتويات
الموضوع ... الصفحة
الإهداء ... 2
المقدمة ... 3
الفصل الأول: تعريفه وألفاظه وحكمه وحكمة مشروعيته ودليله ... 6
المبحث الأول: تعريف السلم ... 7
المطلب الأول: تعريفه لغة ... 7
المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحا ... 9
المطلب الثالث: ألفاضه التي ينعقد بها ... 12
المبحث الثاني: حكمه وحكمته ودليل مشروعيته ... 14
المطلب الأول: حكمه وحكمة مشروعيته ... 15 (1/37)
صفحة 38
المطلب الثاني: دليل مشروعيته ... 17
الفصل الثاني: أركانه وشروطه وأحكامه ... 22
المبحث الأول: الأركان ... 23
المطلب الأول: الصيغة ... 24
المطلب الثاني: العاقدان: (المسلم- المسلم إليه) ... 27
المطلب الثالث: المحل: (رأس مال السلم- المسلم إليه) ... 29
المبحث الثاني: شروطه ... 30
المطلب الأول: شروط رأس المال ... 30
المطلب الثاني: شروط المسلم فيه ... 34
المطلب الثالث: الشروط التي ترجع إلى البدلين ... 43
المبحث الثالث: أحكامه ... 44
المطلب الأول: مكان قبض السلم ... 44
المطلب الثاني: انعدام المسلم فيه ... 47
الخاتمة ... 48
المصادر والمراجع. ... 51
قائمة المحتويات . ... 57 (1/38)