صفحة 1
بحث: فقه المال العام من خلال كتاب " المصنف "
الباحث: محمد بن صالح حمدي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة الخامسة: فقه المال عند الإباضية
فقه المال العام من خلال كتاب:"المصنف"
د. حمدي محمد بن صالح، جامعة الحاج لخضر، باتنة
مقدمة: رصد الباحث في الحلقة السابقة، ما تضمنه كتاب "الجامع" لمؤلفه ابن بركة، من أفكار و آراء حول المال العام، فخلص إلى أن أئمة المذهب الإباضي اعتنوا في مختلف عصورهم بهذا الجانب الهام من مسائل الفقه شأنهم شأن بقية المذاهب، وقد برز ذلك أكثر عند المشارقة، لكونهم بقوا في دائرة السلطة السياسية، طيلة عصورهم المعاقبة، في حين لم يعرف إباضية المغرب كيانا سياسيا يجمعهم منذ بداية القرن الرابع أي بعد زوال الدولة الرستمية سنة296 هـ، وفي هذه الحلقة سوف نقوم بمسح عام لمؤلف لا يقل أهمية عن سابقه، هو كتاب "المصنف" لمؤلفه الكندي و الذي يقع في اثنين و أربعين جزءا وخصص الأخير للفهارس في طبعة وزارة الثقافة و التراث العمانية، وقد تناول معظم أبواب الفقه و منها ما يتعلق بالمال العام في بعض أجزائه، ويحاول الباحث استقصاء و رصد كل ما يتعلق بالموضوع في ثنايا هذا السفر الكبير، وذلك ضمن هذه المباحث:
المبحث الأول: التعريف بالمؤلف: الشيخ العلامة: أحمد بن عبد الله الكندي.
المبحث الثاني: عرض حول كتاب"المصنف" وما تضمنه من مباحث المال العام.
المبحث الثالث: المبحث الثالث: تعريف المصطلحات و المفاهيم المالية
المبحث الرابع: عرض و تحليل ما تضمنه الجزء السادس من مسائل الجزية و العشور
خاتمة (1/1)
صفحة 2
المبحث الأول: التعريف بالمؤلف (1) الشيخ العلامة: أحمد بن عبد الله الكندي.
هو العلامة المجتهد أبوبكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي الأفلوجي السمدي النزوي، ويعتبر الشيخ أحمد ثالث ثلاثة في هذا البيت من خيرة علماء عصرهم، الأول: الفقيه محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي، صاحب "بيان الشرع" في اثنين و سبعين جزءا، و الآخر: الفقيه محمد بن موسى بن سليمان الكندي، صاحب "الكفاية" في واحد و خمسين جزءا، وتربط بين الثلاثة علاقة قرابة و رحم، فالعلامة محمد بن إبراهيم، هو ابن عم والد صاحب المصنف، أما محمد بن موسى فعمّه،
مولده و نشأته: ولد الكندي ببلدة" نزوى" في أواخر القرن الخامس الهجري، هذه البلدة التاريخية المشهورة في عُمان حيث كانت مقرا لائمة عُمان، ولم يشر المؤرخون إلى تاريخ محدد لولادته، ومن المحتمل أن تكون ولادته سنة480 هـ.
في هذه الأرض المباركة عاش مؤلفنا و تربى في أحضانها ينهل العلم مع أترابه من طلبة العلم المعارف من لدن آبائه و أشياخه الذين كان لهم الفضل في تشجيع الناشئ القادم إلى حظيرة العلم بكل شجاعة و صدق، و معلوم أن الطريقة التي درج عليها العمانيون في تعليم أبنائهم كانت بتوجيههم للانكفاء على ملازمة علماء عصرهم، أو بضمهم إلى بعض المدارس الدينية التي يتلقى فيها الدارس علوم القرآن الكريم و الفقه واللغة و ما أكثرها في نزوى في تلك الحقبة التاريخية، فقد وفق الله صاحبنا أن ينال حظا عظيما من الفقه في أمور الدين و يحيط بقواعد اللغة و علوم الآلة، ويصقل سلوكه الشخصي، وقد انعكس ذلك على نتاجه العلمي الموسوعي.
شيوخه و تلاميذه: لقد تلقى العلم على غير واحد من العلماء منهم: ابن عم والده: الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي، ومنهم الشيخ أبوبكر أحمد بن محمد بن صالح الغلافقي النزوي
__________
(1) أبو بكر أحمد بن عبد الله الكندي، التخصيص (في الولاية و البراءة)، دراسة حمود بن عبد الله بن سليمان الراشدي، وزارة الترات و الثقافة، عمان، ط:1، سنة1432 هـ 2011م، ص:11 (1/2)
صفحة 3
مؤلفاته: لقد ترك لنا الشيخ تراثا هاما في الفقه و التاريخ و السير و الفرائض و الفتوى و الجوابات و النحو، نذكر منها: كتاب التخصيص في الولاية و البراءة، وكتاب الاهتداء في افتراق أهل عمان إلى نزوانية و رستاقية، وكتاب التسهيل في الفرائض و كتاب التيسير في النحو، أهمها كتاب "المصنف" هذا السفر الموسوعي الذي ظهرت فيه شخصيته و غزارة علمه و أسلوبه المتين و تبحره في مختلف الفنون، ويعد من أشهر كتب إباضية المشرق (1)
وفاته: توفي و دفن بالمضّ من سمد نزوى، وذلك عشية الإثنين لخمس عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وقيل ربيع الآخر، سنة سبع و وخمسمائة لهجرة المصطفى صلوات الله و سلامه عليه
المبحث الثاني: عرض حول كتاب"المصنف" وما تضمنه من مباحث المال العام
يعدُ كتاب المصنف من المصادر الفقهية المهمة التي ألفت في القرن السادس الهجري، وهو من أشهر كتب إباضية المشرق أجودها تأليفا و تبويبا، وقد طبع بواسطة وزارة التراث القومي و الثقافة طبعة كاملة بتحقيق كل من: عبد المنعم عامر، و جاد الله أحمد، والشيخ سالم بن حمد الحارثي، الذي حقق أكثر أجزاء الكتاب.
و الكتاب واحد من المؤلفات الفقهية الجامعة لأصول الشريعة و فروعها ابتداء من العلم و فضله و انتهاء بالحدود و الديات و الجروح.
تضمن "المصنف" مباحث عديدة حول المال العام و قد توسع في بعضها و أورد إشارات إلى بعضها. تناول الشيخ الكندي مباحث المال العام ابتداء من الجزء السادس المخصص للزكاة، وبما أن الزكاة جزء من المال العام، فقد بحث مسائل عديدة، منها الجزية و كيف تجمع وعلى من تجب و مقاديرها، تناول العشور ومفهومه و على من يؤخذ و ومقداره ومهمة العاشر، عن زكاة المعادن
__________
(1) د. شوقي إبراهيم علام: المقاصد الشرعية من خلال كتابي المصنف للكندي و قواعد الإسلام للجيطالي، ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان، الفقه العماني و المقاصد الشرعية، سلطنة عُمان، وزارة الأوقاف و الشؤون الدينية، بتاريخ: 18 - 21 صفر 1427الموافق:21مارس 2006ء، ص:532 (1/3)
صفحة 4
و الركاز و وجوب الخمس فيه، وعن وجوب العشر في أرض الخراج، زكاة الصوافي، والزكاة على الرقاب و المؤلفة قلوبهم.
وفي الجزء العاشر المخصص في الأئمة، الإمامة و السلطة، تناول واجبات الإمام المالية، بالبحث في الجباية للإمام في إمامة الظهور، أخذا بمسالك الدين المعروفة عند الإباضية, وبحث في أخذ الجبارة الخراج من أموال الناس.
وفي الجزء العاشر المخصص للجهاد و أحكامه تناول الغنائم كنتيجة حتمية للجهاد المشروع، فيمن يستحق الغنيمة و تناول الغلول في الغنيمة.
وفي الجزء الثاني عشر المخصص للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر تناول موضوع نفقة أهل السجن و هي من بنود الإنفاق العام الذي على عاتق ولي الأمر.
وفي الجزء الثالث عشر المخصص للحديث عن القضاء و الأحكام، تناول أعطيات الشراة و غيرهم، وأعطيات المستخدمين بالديوان من مال المسلمين و بحث في الدواوين التي أحدثها الخليفة عمر بن الخطاب في عهده، وما يجوز و لا يجوز لولي الأمر من أموال بيت المال، و واجب الحفظ و الضمان.
وفي الجزء الرابع عشر المتعلق بالشهادات و البيانات تناول صاحب المصنف، موضوع الشهادات على الصكوك و الصكوك وثيقة مالية تصدرها السلطة المالية.
وفي الجزء الثامن عشر تناول تحليل الأموال و تحريمها، تناول حكم المال المباح و أسلوب الانتفاع بها مثل الماء الكلأ، وبحث في حكم المغتصب، وفي اللقطة و كلها مواضيع لها علاقة بالمال العام الذي ترعاه السلطة
المبحث الثالث: تعريف المصطلحات و المفاهيم المالية (1/4)
صفحة 5
قبل الخوض في عرض و تحليل المسائل المالية الواردة في كتاب المصنف أرى أنه يحسن بنا شرح و توضيح بعض المصطلحات الواردة في النصوص التي سنستعرضها
العشور: نوعان، أحدهما: عشور الزكاة، وهي ما يؤخذ في زكاة الزروع و الثمار، و الثاني: ما يفرض على الكفار في أموالهم المعدة للتجارة إذا انتقلوا بها من بلد إلى بلد في دار الإسلام، وسميت بذلك لكون المأخوذ عشرا أو مضافا إلى العشر كنصف العشر، (1) وهي تشبه الرسوم الجمركية في بعض جوانبها
العاشر: هو من نصبه الإمام على الطريق ليأخذ الصدقات من التجار بما يمرون عليه عند اجتماع شرائط الوجوب، (2) وهو يشبه الجمركي الذي يكون في الحدود و نقاط العبور لمراقبة البضائع و أخذ الرسوم الجمركية
الذمي، وأهل الذمة: هم اليهود و النصارى و الصائبين و المجوس، وممن له دين متعلق به، ممن يثبت له حكم الكتابية في الجزية، فتجب الجزية على رؤوسهم
المستأمن: هو مواطن المنتمي لغير البلاد الإسلامية الذي يدخل بلد الإسلام لقضاء حاجة من تجارة و غيرها، ويعطى له الأمان أثناء إقامته
الحربي: هو مواطن الدولة غير الإسلامية التي تعلن العداء و الحرب للمسلمين.
الجبار: هو الذي يستولي على أراضي المسلمين عنوة، ويقوض أركان السلطة الشرعية
دهقان: لفظ فارسي معرب، يطلق في اللغة على القوي على التصرف و على رئيس القرية، وعلى من له مال و عقار، ويقال تدهقن الرجل إذا كثر ماله، أما في الاصطلاح الفقهي فيطلق على رب الأرض، ويقابله الزراع و الأكّار (3)
__________
(1) المرجع نفسه
(2) نزيه حماد، معجم المصطلحات المالية و الاقتصادية، ص:317
(3) نزيه حماد، معجم المصطلحات المالية و الاقتصادية، ص:208 (1/5)
صفحة 6
المبحث الرابع: عرض و تحليل ماتضمنه الجزء السادس من "المصنف" من مسائل الجزية و العشور
تناول صاحب المصنف في الجزء السادس، الباب الرابع و العشرون ابتداء من صفحة 83 و ما بعدها مسائل تتعلق بالجزية و مقدارها و على من تجب بالتحديد، مستعرضا مختلف آراء الفقهاء في المسألة، مستهلا بما أورده من كتاب الإشراف، فلا تكاد يعرض مسألة إلا و استهل بما ورد في كتاب الإشراف مما يدل على المكانة التي يحظى هذا المصدر عند الشيخ الذي أكثر الاستشهاد به في غير ما من مسألة، كما يعود أحيانا إلى كتاب الخراج لأبي يوسف، وهو مصدر أساسي في فقه الأموال العامة الذي ألفه صاحبه تلبية لطلب الخليفة هارون الرشيد في وضع مصدر حول المالية العامة للدولة فأجاب لطلبه و وضع له كتاب "الخراج"
فصاحب الإشراف هو الإمام ابن المنذر النيسابوري ولد في حدود سنة: 231هـ توفي بمكة سنة: 309 هـ و يعد من أئمة الشافعية، ترك مؤلفات قيمة في التفسير و الحديث و الفقه وغيرها من العلوم ومن أشهر مؤلفاته: كتاب السنن و الإجماع و الاختلاف، وكتاب الإشراف على مذاهب العلماء و هو الذي علق عليه صاحب المصنف بالزيادات، وقد جمعت تلك الزيادات في كتاب و قام بتحقيقها الباحث إبراهيم بولرواح (1)
مقدار ما يؤخذ من العشور
ذكر صاحب الإشراف الاختلاف بين الفقهاء فيما يؤخذ من أهل الذمة من التجار و استدل بقول عمر بن الخطاب أنه أمر أن يؤخذ من أهل الذمة نصف العشر فيما يختلفون، فيه، ومن أهل الحرب العشر.
فهذه المسألة تجمع بين حكمين من أحكام الإيرادات المالية وهما الجزية و العشور، أما الجزية فقد ثبت حكمها بنص الكتاب (2)، وأما العشور فقد شرعه الخليفة عمر بن الخطاب معاملة بالمثل، فقد
__________
(1) زيادات إني سعيد الكدمي على كتاب الإشراف لإبن المنذر النيسابوري، تحقيق ابراهيم بن علي بولرواح، وزارة الأوقافو الشؤون الدينية، سلطنةعمان، ط:1، س: 1432 - 2011، ص:11
(2) " قاتلوا الذين لايومنون بالله و لا باليوم الاخرو لا يحرمون ما حرم الله و رسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية و هم صاغرون" [التوبة: 29] (1/6)
صفحة 7
أورد صاحب الخراج، فقال:"كتب أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب: إن تجارا من قبلنا من المسلمين يأتون أرض الحرب فيأخذون منهم العشر، فكتب إليه عمر: خذ أنت منهم كما يأخذون من تجار المسلمين". (1) فأول من وضع العشور في الإسلام الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد يجتمعان هذان الإيرادان في شخص واحد كما يستدل من قول عمر، فالتاجر الذمي تجارة خارجية يؤخذ نصف العشر من تجارته و الجزية على رأسه لكونه من أهل الذمة.
شروط أخذ العشور على المستأمن إذا دخل أراضي المسلمين تاجرا
المستأمن هو ذلك الأجنبي الذي يدخل دار الإسلام طالبا الآمان من قضاء مآربه ومصالحه، فإذا قدم تاجرا يفرض عليه العشور معاملة بالمثل كما أشرنا، و يشترط تحقيق الأمان له و لسلعته و هو شيء أساسي، كما يمنح للذمي و المواطن المسلم العادي، فيقول صاحب المصنف بهذا الصدد:"و يعجبني في الذي يقيم من أهل الحرب بأمان، ثم يدير تجارته في حماية المسلمين، أن يأخذوا منه ما يؤخذ مَلِكهم، إذا قدم أهل بلاد المسلمين و يضيف شرطا آخر و هو حولان الحول:" و إذا عليهم العشر في بعض القول، كان بعد السنة عندي:" (2)
إلا أن اعتبار" بعد السنة" إذا كان الغرض منه حولان الحول يتعارض مع مبدأ فرض العشور الذي هو معاملة بالمثل، الذي يتحقق بمجرد دخول السلع الأجنبية إلى ديار الإسلام
فإذن يشرط الإمام الكندي ثلاثة شروط لأخذ العشور من المستأمن:
1أن يؤخذ منه نسبة ما يأخذه ملكه على المسلمين بدون زيادة أو نقصان.
2أن يوفر الأمن له و لسلعته وهو يديرها داخل أراضي المسلمين
3أن يحول عليها الحول.
__________
(1) أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم، الخراج، دار الحداثة، بيروت، لبنان، ط:1، س: 1990، ص: 266
(2) الكندي، المصنف، مرجع سابق، ص: 85 (1/7)
صفحة 8
مقدار النصاب في أخذ العشور
اختلف الفقهاء عامة في النصاب الذي يجب فيه العشور أيؤخذ عن أي مال دخل بلاد المسلمين و لو لم يبلغ النصاب، فيقول صاحب المصنف." و اختلفوا في المقدار الذي إذا مر الذمي على العاشر، وجب عليه الأخذ منه، ," ثم أورد قولا للخليفة عمر بن الخطاب و قولا آخر للخليفة عمر بن عبد العزيز، فعمر بن الخطاب يرى أنه يؤخذ من الذمي عن كل مائة درهم خمسة دراهم، أي نصف العشر، أما عمر بن عبد العزيز يرى أنه يؤخذ منهم من كل عشرين دينارا دينارٌ أي نصف العشر أيضا، وقد اختلفا في نوع العملة و اتفقا في النسبة، مما يعني أن ما كان أقل من مائة درهم أو عشرين دينا فلا يؤخذ منه شيء.
ثم ذكر أقوالا أخرى لم يحد فيها حدا، منهم قول الإمام مالك بن أنس الذي يقول:" يؤخذ منهم العشر فيما يديرون و يختلفون به، ولم يحد فيذلك حدا". (1)
أما الإباضية فيرى أبو سعيد الكدمي:" لا يحضرني حدّ مما يجب فيه على الحربي من قول أصحابنا شيء مؤكد، إلا أني أحسب أنهم قالوا: من يجب فيه العشر فإنما نشأ به في ملكه معنى ثبوت العشر للمسلمين، يعني ما تجب فيه الزكاة، وهو عندي حسن."أي أن الشيخ أبا سعيد يرى أن يقاس نصاب العشور بنصاب بالزكاة فيرى بلوغ النصاب في العشور حتى تجب فيه الزكاة و هو نفس قول عمر بن الخطاب و عمر بن عبد العزيز و من قال بقولهم، غير أن الإمام يستثني و يضيف ملحظا لطيفا يدخل في مبدأ المعاملة بالمثل، فيقول:" إلا أن يكون الحربي يأخذ ملك أرضه من المسلمين، إذا قدموا عليه أقل من ذلك". القول: يعجبني على هذا المعنى: أن يؤخذ منه ما يؤخذ ملك أرضه".أي أن الأصل الأخذ بمبدأ بلوغ النصاب، فإذا كان الملك يؤخذ بأقل من النصاب عومل بالمثل و أخذ على ذلك المقدار.
__________
(1) الكندي، المرجع نفسه، ص: 86 (1/8)
صفحة 9
ثم يؤكد على مقصد العدل و المساواة في المعاملة بين المسلمين و الذميين في الحقوق و الواجبات، فيقول:" ولا أجد هذه التي ذكرها يخرج معناها من شبيه معاني إصابة العدل في ذلك، وأقل ذلك أجده موافقا لما يشبه العدل بالعشر فيما يلزم المسلمين."
هكذا يظهر لنا عدل الإسلام في تعامله مع الذميين المقيمين و مع الحربيين المستأمنين.
تعشير السلع المحرمة، مثل: الخمر و الخنزير
إذا كان المسلم يحرم عليه التجارة في السلع الخبيثة المحرمة من خمر و خنزير، فما هو الحكم إذا قدم الذمي و المستأمن بهذه السلع التي لا يؤمن هو بحرمتها، فهل تعشر انتصارا على الحربي، أم لا تعشر اعتبارا لحرمتها؟
ذكر الإمام اختلا ف الفقهاء في ذلك و اتجاههم فريقان، منهم من يرى التحريم و منهم من يرى الجواز، فيقول الشيخ:" و اختلفوا في الخمر الخنزير يمر به العاشر، فقال أصحاب الرأي يعشر الخمر و لا تعشر الخنازير، وقالت طائفة لا يعشران، وهذا قول أبي عبيد و أبي ثور، وبه عامة أصحابنا، وروي هذا المذهب عن عمر بن الخطاب و عمر بن عبد العزيز، وقال أبو سعيد: لا يبين لي في قول أصحابنا ثبوت حق لهم من عشر و لا في غيره محرم. و الخمر و الخنزير عندهم حرام،
بعد استعراض الأقوال يخلص إلى القول أن من قال بعدم التعشير أحب إليه لكونه لا يعرف فيه من قول أصحابه فيه، إلا أنه يستدرك قائلا:" إلا أنه ثبت معنى ذلك يعشر انتصارا من الحربي أو من أشبهه، إذ يأخذ من المسلمين من كل ما قدموا به" و يضيف:" فإن ثبت معنى الانتصار، أخذ قيمة ذلك من الذمي."
إن في ذلك الرأي مرونة في معاملة أهل الذمة، فلم يحرم عليهم التجارة فيما هو حرام على المسلمين، وتحرى القائلون بعدم التعشير أكل مال الحرام، بينما يرى من يرى الجواز أخذ القيمة، انتصارا على الحربي و الذمي لأن ملوكهم يأخذون من المسلمين العشر عن كل السلع بدون (1/9)
صفحة 10
استثناء، ويقيس المسألة بالصداق الذي يقدمه الذمي للمسلمة، في النكاح، فلا يجوز أخذه مما حرّم الله، وعليه كان عليه قيمة ذلك، فيقول:" ولأنه لو ثبت عليه لمسلمة حق من ذلك من طريق مناكحة، كان عليه قيمة ذلك، ويجبر على ذلك، ولا يقرب أن يعطيها خمرا أو خنازير. فذلك يشبه هذا عندي على معنى هذا المعنى." (1) أرى أن هذا القياس افتراضي من الشيخ، فقد أجمع فقهاء الإسلام من مختلف المذاهب على حرمة زواج المسلمة من غير المسلم سواء كان كتابيا أو مشركا بالله، لنصوص ثابتة و حِكم واضحة.
أخذ العشور مرة في السنة، أم يتكرر بتكرار الدخول و الخروج
وقد عالج الشيخ مسألة أخذ العشور من المستأمنين يكون مرة واحدة في السنة أم تتكرر كلما كان الدخول بالسلع التجارية، فيقول:" و اختلفوا في الذي يمر على العاشر مرارا فقال مالك بن أنس: من خرج منهم من أهل مصر إلى الشام، ومن الشام إلى العراق، فعليه العشر." (2) فقد اعتبر الإمام مالك – قوله- أن الأقاليم الثلاثة الإسلامية الكبرى: مصر و الشام و العراق لكل منها حدودها و تتمتع باستقلاليتها المالية فيجب على العاشر أخذ العشر من غير المسلم الذي ينتقل بتجارته بين هذه الأقاليم عند حدود كل منها.
ثم عالج صاحبنا مسألة تكرار الدخول و الخروج، فيقول:" واختلفوا في العام الواحد مرارا. فإن أقام في بلدة، فضرب في أعلاها و أسفلها، فلا عشر عليه، إلا أن يخرج من بلدة إلى أخرى, وقال أصحاب الرأي و أبو ثور: لا تؤخذ من أهل الذمة إذا مروا على العشار إلا مرة واحدة، وبه قال أبو عبيد، إذا كان المال الذي مرّ بعينه في المرة الأولى. و إن كان مالا سواه أخذ منه." (3)،
ولم يعلق صاحبنا ولم يرجح رأيا معينا مما يستشف أنه يميل إلى رأي أبي عبيد و أصحاب الرأي أن العشور يجب على المال مرة واحدة، فلا يكرر عليه العشر، انطلاقا من المبدأ العام "لاثني في
__________
(1) الكندي، المصنف، ص:88
(2) الكندي، الرجع نفسه
(3) نفسه (1/10)
صفحة 11
الصدقة" و كذلك يقاس عليه كل الفرائض المالية الأخرى و منها العشور، وهو ما تأخذ به التشريعات المالية المعاصرة.
أحكام تتعلق بما يؤخذ من أهل الذمة من الجزية
من أهم أحكام أهل الذمة في الإسلام، حرمة أموالهم ودمائهم و أعراضهم و احترام حرية ممارسة طقوسهم و ديانتهم و رعاية عهودهم، فهم مواطنون ذميون لهم من الحقوق و الواجبات ما للمسلمين. ومن أهم واجباتهم دفع الجزية مقابل ما يتمتعون بحقوق المواطنة و الحماية و الاستفادة من المرافق العامة، وهي تقابل ما يدفعه المسلمون من فريضة الزكاة و غيرها من الحقوق المالية. ومن تمام رعاية عهودهم يورد صاحب المصنف صورة من صور احترام المسلمين لعهود أهل الذمة، فيقول:" فإذا ظفر الإمام بأرض المسلمين، وفيها ذمة، وقد كان عقدها لهم جبار تلك الأرض، و التي استولى عليها قبل الإمام، لم يكن للإمام، أن ينقض ذمة الجبار، و يحل عليه ما عقده لهم، وكذلك إن كان الجبار قد أخذ منهم الجزية لأعوام قد انقضت، في حال استيلائه على الأرض." (1)
فعلى المسلمين احترام العهد المبرم بين أهل الذمة و لو كان مع جبار ظالم، بل عليهم احترام ذلك العقد و لا يطالبون بدفع الجزية عن أعوام سابقة، إن كانوا قد أدوها إلى ذلك الظالم الجبار، وهذا من سماحة الإسلام في تعامله مع غير المسلمين.
يعلل صاحب المصنف، ذلك السلوك الإنساني الحضاري بوضع التساؤل التالي:" فإن قال قائل لِم جعلتم فعل الجبار كفعل الإمام في العهد و أخذ الجزية، عندكم لا يستحق أخذها؟." فيجيب:" قيل له: لقول النبئ (ص): "المسلمون يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم"، فهذا الخبر يوجب إسقاط الجزية منهم بعد أن أخذها من هو أدنى المسلمين، بتأويل، والله أعلم.
مقدار الجزية
__________
(1) الكندي، مرجع سابق، ص: 92 (1/11)
صفحة 12
فرضت الجزية بنص القرآن الكريم، أما مقدارها، فلم يضع النبيء (ص) مقدارا محددا فقد أخذها نقدا و عروضا مختلفة، واجتهد عمر بن الخطاب في وضع مقاديرها حسب مقدرة المكلف بها، ويورد المصنف رأيا من كتاب موسى بن أبي جابر، رحمه الله إلى أهل نزوى": إنه ليس على اليهود و النصارى و المجوس زكاة في أموالهم، وإنما عليهم الجزية على الرجال: درهمان في الشهر فإن كان غنيا فأربعة دراهم، وإن كان مسكينا يأكل بالدين، ولا غلة له في أرض و لا عبيد و لا تجارة فليس عليهم شيء، ولا في النساء و لا على الذرية جزية." (1)
من هذا النص نستنتج أنه كان يعيش في نزوى بعض من أهل الكتاب، فقد يكونوا يهودا أو نصارى، وحدد المقدار الواجب حسب الطاقة فأعفي الفقير المعدم الذي يعيش على الدين، ولا يملك غلة و لا تجارة، أما الأغنياء، فتجب عليهم أربعة دراهم وما دونهم فدرهمان، ولو قارنا بين هذا النص و ما جاء في كتاب الخراج لأبي يوسف، نجد تطابق وجهات النظر في الأمر، فيقول صاحب الخراج:" و إنما تجب الجزية على الرجال دون النساء و الصبيان: على الموسر ثمانية و أربعون درهما و على الوسط أربعة و عشرون درهما وعلى المحتاج الحراث العامل بيده اثنا عشر درهما يؤخذ منهم ذلك كل سنة." (2) فصنّف صاحب "الخراج" أهل الذمة ثلاث فئات: الأغنياء و المتوسطين و الفقراء، أما صاحب "المصنف" فحددهم في فئتين: الأغنياء، وما دون الأغنياء، كما أنهما اختلفا في دورية أخذ الجزية فجعلها الأول سنوية و الثاني شهرية، مما يدل على تباين أنظمة الجباية، و تطورها من سنوية إلى شهرية، أما المقدار فقد تطابقت وجهات النظر بينهما، والفرق بين المبلغين في كون أحدهما سنوي فجعله ثماني و أربعون درهما، و الآخر شهري فجعله أربعة دراهم، أي (4*12=48) ك
إلا أن صاحبنا أورد نصا آخر في صفحة:95 من نفس الجزء قولا يتطابق تماما مع قول صاحب الخراج، فيقول:" ومن ظهرت يسرته – أي غناه-، فإنه يؤخذ منه في كل شهر درهمان، حتى
__________
(1) الكندي المرجع نفسه، ص:95
(2) أبو يوسف، الخراج، ص:250 (1/12)
صفحة 13
يكون دهقانا مكثرا، فإنه يؤخذ عنه في كل شهر أربعة دراهم، ولا يؤخذ منهم أكثر من أربعة و لا يؤخذ منهم أقل من درهم." (1)
وهذا النص يحدد المقدار الأعلى و الأدنى للجزية فلا يتجاوزها، يصنف أهل الجزية في أصناف ثلاثة الموسرون و المتوسطون و الفقراء، وهو نفس تصنيف صاحب الخراج.
ثم نص صاحب المصنف و أكد أن الزكاة لا تفرض على أهل الذمة، إلا ما تعاملوا مع المسلمين من الأموال التي تجب فيها الزكاة، فتفرض على تلك الأموال، فيقول:" وأما ما استفادوه من أموال أهل الصلاة التي جرت فيها الزكاة ففيها الزكاة."
على من تجب الجزية
اتفق أهل العلم أن الزكاة تجب على البالغين الذكور القادرين على العمل، ولذا فترفع على النساء و الأطفال و الشيوخ، ويقول الشيخ الكندي في هذا:"و الجزية ساقطة عن النساء و العبيد بإجماع الأمة، قال أصحابنا: ولا جزية على الزمناء و لا على الشيخ الفاني، وقد وافقهم على ذلك بعض مخالفيهم على ذلك." فالمريض و الشيخ الفاني غير قادر على مزاولة العمل، وعادة أن هؤلاء الأصناف يحتاجون إلى مساعدة غيرهم، فلا يمكن إلزامهم بفرائض مالية،
إن ظاهر آية مشروعية الجزية وردت على العموم إلا ما خصه الإجماع، أما مفهوم الصغار في الآية ففيه تأويلات عديدة ذكرها المفسرون، منها ما ذكرها صاحبنا:" قال: وجدنا في التأويل أنهم يمشون بها صغرة يقبلون عليها، و الله أعلم بتأويله."
ثم ذكر إجماع أهل العلم على ألا صدقة- يعني الزكاة- على أهل الذمة ماداموا مقيمين.
__________
(1) الكندي، المرجع نفسه، ص:95 (1/13)
صفحة 14
وقد علق أبو سعيد الكدمي على صاحب الإشراف بقوله:"أما أهل الذمة من اليهود و النصارى و المجوس وممن له دين متعلق به، ممن يثبت له حكم الكتابية في الجزية، فثابت عليهم حكم الجزية في رؤوسهم على ما معنا قد ثبت". (1)
توقيت أخذ الجزية
ويضيف معنى جديدا في توقيت الجزية في كل شهر بقوله:"أنه يؤخذ منهم لكل شهر الجزية على قدر ما سموه من أحكام الجزية." (2) مما يدل على أن مقدار الجزية مسألة اجتهادية يعود تقديرها لولي الأمر حسب ظروف صاحبها و مستواه المعيشي.
وينص صاحب المصنف على بداية حساب الجزية و يورد قولين: الأول: إذا أقام الذمي مدة شهر، أما القول الثاني، إذا مكث: ثلاثة أشهر، فيقول:" وفي قول بعض أصحابنا إذا قعد الذمي شهرا، حيث يحميه المسلمون أخذوا جزيته، وفي قول بعضهم: حتى يقعد ثلاثة أشهر، ثم يؤخذ منهم الجزية لما مضى ثلاثة أشهر" (3). فهو يضع شرطا هاما الذي كان السبب في أخذ الجزية و هو توفير الأمان و تمتعه بحق المواطنة كغيره من المواطنين المسلمين، واختلافهم في المدة أهي شهر أم ثلاثة أشهر، فالقول الثاني أراه يعتبر المقيم لمدة شهر فقط يعتبر ضيفا فلا تؤخذ منه الجزية أصلا، أما إذا تجاوز تلك المدة و أقام ثلاثة أشهر، فحينئذ تؤخذ الجزية للثلاثة الأشهر الماضية لكونه مقيما،
ثم يؤكد على هدف و شرط أخذ الجزية هو تحقيق الأمن و الأمان للذمي مقابل ما يدفعه من أموال الجزية، فيقول ": يعجبني في الذي يقيم من أهل الحرب بأمان، ثم يدير في يده تجارته في حماية المسلمين، أن يأخذوا منه ما يأخذ ملكهم.
مقدار الجزية المفروضة على نصارى بني تغلب
__________
(1) أبوبكر أحمد بن عبد الله الكندي: المصنف، ج:6، ص:83
(2) المرجع نفسه
(3) المرجع نفسه (1/14)
صفحة 15
ذكر أبو يوسف صاحب الخراج: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عامل نصارى بني تغلب معاملة خاصة عن بقية أهل الكتاب من اليهود و النصارى، نظرا لشوكتهم، وخوفا من مظاهرة العدو، فصالحهم عمر على ألا يغمسوا أحدا من أولادهم في النصرانية ويضاعف لهم الصدقة- الزكاة- على أن يسقط الجزية عن رؤوسهم، فكل من بلغ النصاب في الغنم ففيها شاتان بدلا من شاة واحدة. ونساءهم و رجالهم سواء في الصدقة (1).
فقد أورد صاحب المنصف رأي عمر بن الخطاب، لما رأى من نفار بني تغلب و أنفتهم من الجزية و علم ألا ضرر على المسلمين من إسقاط ذلك الإسم عنهم، و استوفاها منهم حين ضاعف عليهم الصدقة، وكان في ذلك رتق ما خاف من فتقهم، مع استيفاء حقوق المسلمين في رقابهم، ثم بين حكمة عمر ونظره الاجتهادي المقاصدي و مراعاته المصلحة العامة في كثير من أقضيته، وأورد بعضا من أقوال النبئ (ص) و الصحابة رضوان الله عليهم في حق عمر (2)
فبعد استعراض صاحب المصنف لهذا القول في نصارى بني تغلب الذي أخذ به أغلب العلماء و الفقهاء من أمثال سفيان الثوري و ابن أبي ليلى و الشافعي و أبو عبيد ذكر أن الإباضية يرون عموم مضاعفة الصدقة على نصارى العرب عموما بدون تخصيص، فيقول:"و أما نصارى العرب، فمعي أنه يخرج من معاني قول أصحابنا نحو ما قال أنه يضاعف لهم ضعف ما يؤخذ من المسلمين، في كل شيء." و يؤكد على هذا القول:" و أرجو أنه يخرج في معنى القول: أنه لا شيء عليهم، إلا أن تبلغ من أملاكهم من ذلك ما تجب فيه الزكاة من أموال المسلمين، ثم يضاعف عليهم. وهكذا معي أنه قيل في يهود العرب، من ثبت منهم باليهودية من العرب. ولا أعلمه في نصارى تغلب، وإنما هو في نصارى العرب. و إذا ثبت في نصارى العرب كان مثله في يهود العرب، وإذا ثبت لهم كان مثله في نصارى العرب. ومن ثبت بالشرك تشبيها بالنصارى." (3)
__________
(1) أبو يوسف، الخراج، مصدر سابق، ص:248
(2) الكندي، مرجع سابق، ص:109
(3) الكندي، مرجع سابق، ص:88 (1/15)
صفحة 16
ونفس الكلام يؤكده صاحب المصنف في صحفة: 109"نقلا عن أبي سعيد:" يؤخذ من نصارى العرب الضعف من التجارة و الذهب و الفضة و كذلك يهود العرب. ولا أعلم غير ذلك." (1)
فصاحب المصنف يرى إذا لا تمييز بين اليهود و النصارى في فرض الجزية و لا تمييز بين نصارى تغلب و غيرهم من نصارى العرب المقيمين بالبلاد الإسلامية. حسب ما اذهب إليه صاحبنا.
أقول: إن هذا القول يحتاج إلى تمحيص ولنا أن نتساءل هل تسقط عليهم الجزية بسبب تلك المضاعفة، كما فعل عمر بن الخطاب مع بني تغلب أم تبقى الجزية مع المضاعفة؟ ألا يكون في ذلك إجحاف في حقهم؟ ثم إن الكثير من أهل الكتاب فضلوا الحياة في ظل الدولة الإسلامية بعد الفتوحات الكبرى، وعقدوا معهم معاهدة الصلح و الولاء للمسلمين على أن يدفعوا ما تصالحوا عليه، وربما حتى مصالحة بني تغلب تندرج في هذا النطاق، فيكون الحكم العام أن أهل الذمة يدفعوا ما تصالحوا عليه، وهو ما يؤكده صاحب المصنف في نهاية هذا المبحث، أخذا من جامع أبي محمد:" وليس في زراعة أهل الذمة و لا في ثمارهم صدقة، وإنما الصدقة على أغنياء المسلمين، وأنهم يؤخذ منهم ما وقفوا على العهد بينهم و بين المسلمين" (2)
ويضيف:"و أما أهل الشرك من أهل الحرب، ممن لم يثبت له هذه المعاني فمعنى أنه يخرج من قول أصحابنا إن بعضا يأخذ منهم العشور من أموالهم، إذا قدموا على المسلمين." (3)، أي أن الجزية خاصة بالذميين المقيمين، أما أهل الحرب فيؤخذ العشر.
ويورد صاحب المنصف، قولا آخر في تحديد نسبة ما يؤخذ من العشور بقول البعض:" يؤخذ منهم كما يأخذ ملك أرضهم من المسلمين إذا قدموا عليهم أن كان العشور فالعشور، وإن كان أكثر أو أقل، ولعل هذا القول أكثر". (4) وهذا ما يتطابق مع قول عمر بن الخطاب الوارد آنفا و الذي أجاب فيه عن تساءل أبي موسى الأشعري حول معاملة أهل الحرب للمسلمين، فكان
__________
(1) الكندي، نفسه، ص:109
(2) الكندي، المرجع نفسه
(3) المرجع نفسه، ص: 84
(4) الرجع نفسه (1/16)
صفحة 17
الجواب بالمعاملة بالمثل، إذا كان العشور فالعشر، وإن كان أقل فأقل، ويبدو أن أهل الحرب آنذاك كانوا يأخذون العشر لذلك أقر عمر بن الخطاب تلك النسبة و سميت عشورا.
خاتمة: من هذه الإطلالة على كتاب "المصنف" للشيخ العلامة الكندي ندرك أهمية هذا السفر، وكيف كان مهتما بقضايا المال العام إيرادا وجباية، وقد يكون عرض مسائل الجزية عرضا تاريخيا لا أثر له في العصر الحاضر فقد تغيرت الأمور و انقلبت الموازين، أما تحصيل العشور فله ما يشبهه من إيرادات الدولة المعاصرة و هي الرسوم الجمركية، غير أنه لن تكتمل لنا الصورة واضحة إلا إذا قمنا بالمسح العام لتلك المواضع من خلال أجزائه كلها، و سنعود في الحلقة القادمة لإتمام ما بدأنا عرضه من مسائل الفقه العام في الجزء السادس
قائمة المراجع:
1 أبي بكر أحمد بن عبد الله الكندي، المصنف، وزارة التراث القومي و الثقافة، عمان، ط:1، سنة:1982
2 أبي بكر أحمد بن عبد الله الكندي، التخصيص (في الولاية و البراءة)، دراسة حمود بن عبد الله بن سليمان الراشدي، وزارة الترات و الثقافة، عمان، ط:1، سنة1432 هـ 2011م
3 شوقي إبراهيم علام: المقاصد الشرعية من خلال كتابي المصنف للكندي و قواعد الإسلام للجيطالي، ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان، الفقه العماني و المقاصد الشرعية، سلطنة عُمان، وزارة الاوقاف و الشؤون الدينية، بتاريخ: 18 - 21 صفر 1427الموافق:21مارس 2006
4زيادات أبي سعيد الكدمي على كتاب الإشراف لإبن المنذر النيسابوري، تحقيق إبراهيم بن علي بولرواح، وزارة الأوقاف و الشؤون الدينية، سلطنة عمان، ط:1، س: 1432 - 2011
5 أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم، الخراج، دار الحداثة، بيروت، لبنان، ط:1، س: 1990، (1/17)
صفحة 18
6 نزيه حماد: معجم المصطلحات الاقتصادية و المالية في لغة الفقهاء، دار القلم، دمشق، ط:1،س: 1429 - 2008 (1/18)