صفحة 1
الكتاب: مختصر في أحكام الوصية
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] مختصر في أحكام الوصيَّة
مقدمة:
قال الله تعالى: { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تَبَارَكَ الذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(1) الذي خَلَقَ الموتَ والحياةَ ليبلوَكمُ‚ أيُّكمُ‚ أحسنُ عملاً(2) } الملك
وقال - سبحانه وتعالى - : { اِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لأَيَاتٍ ِّلأُوْليِ الاَلْبَابِ } (آل عمران:190)
وقال - سبحانه وتعالى - : { هُوَ الذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَالِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ نُفَصِّلُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(5)إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ ءَلاَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ(6) } يونس
وقال - سبحانه وتعالى - : { يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الاَرْحَامِ مَا نَشَآءُ اِلَى أَجَلٍّ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ وَمِنكُمْ مَّن يُّتَوَفَّى وَمِنكُمْ مَّن يُّرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الاَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(5) ذَالِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(6) وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ(7) } الحج (1/1)
صفحة 2
وقال - سبحانه وتعالى - : { يُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالاَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ اِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمُ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } (الإسراء:44)
وقال - سبحانه وتعالى - : { أَوَلَمْ يَرَ الاِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } (يس:77)
وقال - سبحانه وتعالى - : { كِتَابٌ اَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا ءَايَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الاَلْبَابِ } (ص:29)
وقال - سبحانه وتعالى - : { وَهَذَا كِتَابٌ اَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } (الأنعام:155)
وقال - سبحانه وتعالى - : { حَتَّى إِذَا جَآءَ احَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ(99) لَعَلِّيَ أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلآَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَّرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ اِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(100) } المومنون.
صلب الموضوع:
من رحمته - سبحانه وتعالى - أنّه مدّ في حسناتنا بعد مماتنا:
قال تعالى: { كُتِب عليكمُ‚ إذا حضرَ أحدَكمُ الموتُ إن تركَ خيراً الوصيَّة للوالِدين والاَقربينَ بالمعروفِ حقًّا على المتَّقين } (البقرة: 179).
ولكن الوصية بعد التوبة طبعًا؟
قال - سبحانه وتعالى - : { اِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا(17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الاَنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ اُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا اَلِيمًا(18) } النساء (1/2)
صفحة 3
قال - سبحانه وتعالى - : { وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآءِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَآ أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ الذِي ءَامَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَآءِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ(90)ءَالاَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ(91) } يونس
قال - سبحانه وتعالى - : { اِنَّ الذِينَ اتَّقَوِا اِذَا مَسَّهُمْ طَآئِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } (الأعراف:201)
قال - سبحانه وتعالى - : { قُلْ يَاعِبَادِي الذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا اِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَنْ يَّاتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ(54)وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَنْ يَّاتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ(55) أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُّ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ(56)أَوْ تَقُولَ لَوَ اَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(57)أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوَ اَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ(58)بَلَى قَدْ جَآءَتْكَ ءَايَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ(59) } الزمر
قال تعالى: { كُتِب عليكمُ‚ إذا حضرَ أحدَكمُ الموتُ إن تركَ خيراً الوصيَّة للوالِدين والاَقربينَ بالمعروفِ حقًّا على المتَّقين } (البقرة: 179).
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :«لا وصية لوارث» رواه الربيع، وأحمد، والترمذي. (1/3)
صفحة 4
قال تعالى: { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُّطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ نُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَالِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(13)وَمَنْ يَّعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ نُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ(14) } النساء
على المؤمن أن يجتهد في تحسين عمله، وإبراء ذمَّته بيدِه وهو لا يزال على قيد الحياة، فيسارع إلى تسديد ديونه وتبعاته، ومحالَلَةِ كلِّ مَن نالته منه مَظلَمة... وما حكَّ جلدَك مثلُ ظفرك.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - :«أفضلُ الصدَقة أن تتصدَّق، وأنت صحيحٌ حريصٌ، تأمُل الغِنى، وتخشى الفقرَ» متفق عليه.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - :«أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح»رواه البخاري ومسلم، لا أن تترُكَ ذلك لِما بعدَ الموت.
إذن أمر واجب بنص الآية، وكذلك بنص الحديث الشريف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:«لا يحلُّ لامرئٍ مسلمٍ له شيء يوصي به يبيتُ ليلتين إلاَّ ووصيته مكتوبة عند رأسه»-رواه الربيع-.
وقول الله - سبحانه وتعالى - : { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ } (النساء:11).
وقول الله - سبحانه وتعالى - : { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ } (النساء:12).
وقول الله - سبحانه وتعالى - : { مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ } (النساء:12).
الواجبُ في الوصيَّة:
· كإثبات حقٍّ من حقوق الله تعالى: من زكاة، أو صوم، أو حجٍّ، أو نذر، أو كفَّارة.
· أو إثبات حقٍّ لإنسان: من ديْن، أو وديعة، أو سهمٍ في شركة، أودية، أو سرقة، أو غير ذلك.
· والوصيَّة للأقرَبين.
المندوبُ في الوصيِّة:
? وذلك ما يكون في أنواع الصدقات(شاة الأعضاء، تِينُوبَوِنِ...) والمشاريع والاحتياط.
المحرّمُ في الوصيَّةِ: (1/4)
صفحة 5
? ما تضمَّن إجحافا بالورثة، لقول الله تعالى: { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ } (النساء:12)
? أو كان فيه إيصاء لوارث، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :«لا وصية لوارث» رواه الربيع، وأحمد، والترمذي.
? أو كان في معصية.
المكروهُ في الوصيّةِ:
إذا كانت في غير موجب، وكان الميِّت فقيراً أو ورثته كذلك، للحديث «لأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تذرَهم عالة يتكفَّفون الناسَ» رواه البخاري ومسلم .
ومن جملة ما يوصي به الإنسانُ:
1- الديون: فيُثبتها بالتحديد، ومن الأحسن أن يُفرِد لها سجلاًّ خاصًّا يتعهَّده بالمراجَعة باستمرار.
2- المحالَلة: لِمَن ناله بظلمٍ معنويٍّ أو ماديٍّ، بما يجبرُ خاطِرَه، والأصل استسماحه قبل الموت، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «مَن كانت له مَظلمةٌ لأحدٍ مِن عِرضِه أو شيءٍ فليتحلَّله منه اليومَ قبل أن لا يكون دينار ولا درهمٌ» رواه البخاري.
ويستوي في الديون والمحاللة الوارثُ وغيرُ الوارثِ، وتخرَجُ من كلِّ التركة ولو استغرقت جميع المال، وتكون بلفظ: «أقرُّ بأنَّ عليَّ لفلانٍ بن فلان الفلاني، كذا ديْناً أو مَظلمة»أو «أقرُّ بأنَّ عليَّ لفلانٍ بن فلان الفلاني كذا وكذا ضمانًا»، أو عباراتٌ أخرى توحي بأنّه أمرٌ واجبٌ لابد من قضائهِ.
3- الوصيَّة للأقرب: وهي فرض على من يملك مالا، لقوله تعالى: { إنَّ تركَ خيراً } . والأقرب هو الذي يرث من العصبةِ إذا انعدم الوارث ذَكراً كان أو أنثى، غنيا كان أو فقيراً، (ملاحظة: ويحسُن أن يكون المقدار الموصى به معيَّنا ومعتبراً، لا يكون بالنسبة المئوية، وتخرج وصية الأقرب من الثلث.
4- الكفَّارات الواجبة: وفيها نوعان: مغلَّظة ومخفَّفة. (1/5)
صفحة 6
- تجب المغلَّظة في قتلِ النفس خطأً والظِّهار وإفساد رمضان عمداً. وعند البعض تجب كذلك في ترك فريضة من الفرائض عمدا كترك صلاة أو صوم أو زكاة وارتكاب الكبائر(ملاحظة: ذهب جمهور الأصحاب من المشارقة وجمهور الأمّة إلى أنّ التوبة النصوح مجزية لمرتكب الكبيرة إلا إذا ورد نصٌّ لإحدى الكبائر وذلك مستندين إلى حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي رواه الربيع ابن حبيب في مسنده: «الذنوب على وجهين: ذنب بين العبد وربه، وذنب بين العبد وصاحبه، فالذنب الذي بين العبد وربه إذا تاب منه كان كمن لا ذنب له، وأمّ ذنبه بينه وبين صاحبه فلا توبة له حتى يرد المظالم إلى أهلها»، أّما مذهب جمهور أصحابنا المغاربة فقد مالوا إلى أنّ التوبة لا تجزيه فلابد من كفارة مغلظة)، و(ملاحظة: ذهب الأصحاب إلى أن الإطعام في الكفارات المغلظة يجب أن يكون لستين مسكينًا، إلا إذا تعذر عدم وجود المساكين للغنى الفاحش فلا مانع من التكرار، ومقدار الذي يعطى لكل مسكين: اختلف العلماء في ما يعطى للمسكين ولكن حديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه عندما أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يفتدي بإطعام مساكين بسبب حلفه أو أن ينسك بشاة أو أن يصوم أمره بأن يطعم لكل مسكين نصف صاع).
- وتجب المخفَّفة (المرسلَة) في أشياء منها الحنث في اليمين: (ملاحظة: يلاحظ تساهل الناس في الأيمان، والأصل التحرُّز لقوله تعالى: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيْمانكم } (البقرة:224)، وقوله { واحفظوا أيمانكم } (المائدة: 89). ولا يولونها قدرَها من الاهتمام تكفيرا وتوبةً، لذا ينصح الموصي بالإكثار من الكفارات المرسلة احتياطا. على عكس الكفارات المغلَّظة فإنَّ الإكثار منها من غير موجب قد يرهق كاهل الورثة). (1/6)
صفحة 7
5- الصوم: يوصي به إذا فرَّط(رجَّح بعض العلماء أن يطعم ورثته مسكينا عن كلِّ يوم أفطر فيه إذا تعذر من يصوم عن الهالك استنادًا لقوله تعالى: { وَعَلَى الذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمُ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } (البقرة:184)، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «مَن ماتَ وعليه صيامٌ صام عنه وليُّه» رواه الشيخان وأحمد.
6- الزكاة: إذا وجبت عليه ولم يُخرجها لمانعٍ أوصى بها( ملاحظة:- على أن لا يتَّخذ ذلك ذريعة لتأخير أدائها، لأنَّها فرض على الفور لا التراخي، وتأخيرها من غير سبب معتبر شرعا ذنبٌ عظيم يستلزم التوبة، ويستتبع أحكاما فقهية تُنظر في مظانها)، وتُخرج من كلِّ المال بعد حقوق العباد؛ وإذا كانت للاحتياط خرجت من الثلث.
أمَّا زكاة الثمار فتخرج عند الحَصاد ولو لم يوصِ بها صاحبها.
7- الحجُّ والعمرَة: إذا تحقَّقت الاستطاعة، لكن حال دون ذلك مانع كالموانع القانونية اليوم، أو الاشتغال بمريض، أو والد كبير، فإنَّه يوصي به، وينصح بما يلي:
? أن لا يعلِّق الحجَّة بملكٍ معيَّن ولا بمبلغ معيَّن لتذبذب الأسعار.
? أن لا يعيِّن لها شخصا بعينه، لكن يترك ذلك للوكيل الذي عليه أن يراعي الثقةَ العارفَ بالأحكام، وأن يبدأ بأولياء الميِّت، ويتجنَّب الزوائد والبدع.
والحجُّ يخرج من الثلث{ملاحظة: هو قول جمهور فقهاء الإباضية}، أمّا {الشيخ أحمد الخليلي: تخرج من جملة المال لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أنّ حقّ الله تعالى مقدم على حق المخلوقين حيث قال:« فاقضوا فدين الله أحق بالقضاء» رواه بنحوه البخاري ومسلم}. (1/7)
صفحة 8
8- النَّذْر: وهو أن يلتزم المكلَّف قربة غير واجبة عليه شرعا كأن يقول: «إن شفيت من مرضي، أتصدَّق بكذا»، فإن شفي صار النذر عليه دينا لله تعالى يجب الوفاء به، إن لم يؤدِّه حيًّا أوصى به، ما لم يكن في معصية كإيقاد سراج على قبر، أو ذبح على وليٍّ... (ملاحظة: والنذر غير مستحبٍّ للحديث الذي رواه الشيخان عن سعيد بن الحارث أنه سمع ابن عمر يقول: «أولم ينهوا عن النذر إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن النذر لا يقدم شيئا ولا يؤخر وإنما يستخرج بالنذر من البخيل» ).
إذا كان النذر صدقة خرج من كلِّ المال، وإن كان حجًّا فمن الثلث.
9- الوقف: صدقة جارية، ويجب أن يكون الموقوف له معروفا كالفقراء، أو طلاَّب العلم، أو اليتامى، أو المعوقين، أو كمسجد أو مدرسة، أو مصلحة عمومية كصهريج ماء، أو حفر بئر، أو إنارة.
وينبغي أن يعيِّن الموصي للوقف قيِّماً ومَوْرداً ماليا لإصلاحه وصيانته، ومآلا يؤول إليه إذا انقرض الموقوف له.
10- الوصيَّة بالثلث: يجوز للمرء أن يوصي بثلث ماله أو أقلَّ، وما زاد عن الثلث فللوكيل حقُّ ردِّه إلى الثلث، إلاَّ إذا أجاز الورثة دون القصارى، فإذا كان في الورثة قصارى أخذوا منابهم كاملا، ولا اعتبار لإجازتهم ولا لإجازة وكيلهم.
11- العدالة: تكون إذا زوَّج الوالد أحد أبنائه أو إحدى بناته وبقي آخرون، فيوصي بتزويجهم، لكن دون تحديد مبلغ معيَّن لتغيُّر الأسعار، والمعتبر في ذلك كلِّه الوسط فلا إسراف ولا تقتير، ويترك ذلك للنظر يوم إنفاذ الوصيَّة.
والعدالة تخرج من كلِّ التركة كالديْن، إلاَّ أنَّها لا تثبت إلاَّ بالوصية على خلاف الديْن، وتسبَّق الديون عليها.
12- الاحتياط: للزكاة، والمعاملات التجارية، ومخالطة الناس... جائز ومستحبٌّ، شريطة عدم المبالغة. (1/8)
صفحة 9
13- دينار الفراش: هو كفَّارة للمواقعة في حيض أو نفاس أو دبر. لكنَّ مثل هذه الموبقة من شأنها أن تُستَر؛ فعلى من وقع فيها أن يسارع إلى التوبة، وأداء الكفَّارة، لا أن يساوف فيها ثمَّ يكتبها في وصية يطَّلع عليها القاصي والداني.
أمَّا أن يكتبها بدعوى الاحتياط أو يكتبها كاتب الوصيَّة من عنده، فذلك تدنيس للعرض من غير موجبٍ، ومَساس بحرمة الموصي، فليتَّق الله من يتولَّى الكتابة.
14- بعض العادات:
¨ شاة فكِّ الأعضاء: لم يثبت لها مستند يعوَّل عليه(ملاحظة:- يرى بعض علمائنا أنَّ منشأ هذه العادة قياس على عتق الرقبة، للحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا من أعضائه من النار». لكنه قياس مع الفارق).
¨عَشاء المأتم: لا أصل له من الكتاب ولا من السنة، والصحيح أنَّ الجيران والأقارب هم الذين يصنعون الطعام لأهل الميِّت كما قال عليه السلام عند وفاة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه: «اصنعوا لآل جعفر طعاماً فإنَّه قد أتاهم أمرٌ يشغلهم»رواه أبو داود، ( ملاحظة: ولا يخفى ما وصل إليه الناس اليوم مِن إسراف في مثل هذا العَشاء، حتَّى غدا وكأنَّه وليمة عرس.).
¨عشاءات التلاوة: لا أصل لها كذلك. والأَوْلى توجيه الصدقات لمستحقِّيها من فقراء ومعوِزين، ومرضى ومعوقين؛ ففي ذلك الأجر الجزيل، وإذا رغب أهل الميِّت في قراءة القرآن والتذاكر، فليقوموا بذلك بدون توسُّعٍ، والعبرة بإخلاص النية { لن ينالَ اللهَ لحومُها ولا دماؤُها ولكن يناله التقوى منكم } (الحج:37).
¨ الوصيَّة للوارث: كالوصية بالأثاث أو بعض المنتقِلات للزوجة، أو يقول: «أوصى لزوجته بكذا لِما ضيَّع من حقوقها» أو: «... لِما قامت به مِن خدمته حال مرضه».
ومنها: أن يوصي بالسكنى لأحد أولاده في دار معيَّنة ما دام حيًّا، أو يقول: «وهبَ لولده فلان كذا» أو: «وهب لزوجته كذا». (1/9)
صفحة 10
وهذا كلُّه لا يجوز، إلاَّ إذا كان ما أوصى به حقًّا ثابتا في ذمَّته، مضبوطا ومحدَّداً، فذلك يغدو دَيْنا عليه، ويكون بلفظ: «أُقرُّ...» أو بلفظ: «ضمانٌ...».
كما لا يجوز الوقف على الذرية، كأن يجعل ملكاً من أملاكه وقفاً على أولاده الذكور، إذ في ذلك ظلم للإناث، وسبب لإثارة النزاعات. ومثله أن تحبِّس المرأةُ حليَّها على بناتها، فقد قال الله - سبحانه وتعالى - : { فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا اَوِ اِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلآَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } (البقرة:182).
فإذا وُجد هذا في الوصيَّة رَجع إلى كلِّ التركة.
كاتبُ الوصيَّة:
عليه أن يكون عالما بفقه الوصايا وأحكامها، وأن يقف عند حدود الله تعالى، وينبِّه صاحب الوصيَّة إلى ما يخالف الشرع، ولا يُحرِجَ الموصي بالتدخُّل فيما لا يعنيه، كمطالبته بالإفصاح عن الذنوب التي بينه وبين خالقه، وأن يكون أمينا فلا يفشي سرًّا إلاَّ لشهادة، وأن يكون ممن يحسن اللغة، فيبسط العبارة، ويضبط النصَّ، ويوضِّح الخطَّ، ويتفادى التشطيب، والعبارات المبهمة، والألفاظ المشتركة... وكلَّ ما من شأنه أن يثير الخلاف.
ولا يجوز له أن يكتب شيئا من عنده، إذ القول قول الموصي، والأمر أمره.
الوكيل :
يُنصَح الموصي باختيار وكيل أمين، ثقة، عالِم بتنفيذ الوصايا، وقادر بحيث لا يستضعفه الورثة، وعليه أن لا يحابي في ذلك أحداً، وإلاَّ تلفت وصيته، وضاع أجره، ولم ينج من تبعاته.
ومن الأفضل أن يكون ذكَرا غير وارث، وأن يكون واحداً تجنُّبًا للخلاف؛ وعلى الموصي أن يخبره بتوكيله إيَّاه، كما يجوز أن يعيِّن له أجراً معقولا مقابل أتعابه.
الوصيُّ على القُصَّر :
يعيِّن الموصي على أولاده القصَّر وصيًّا يقوم بشؤونهم، وأولى بذلك أمُّهم، ولها أن تستعين بقويٍّ أمين لمراقبتهم في حلِّهم وترحالهم، والحرص على أخلاقهم.
الوصيَّة الأدبية : (1/10)
صفحة 11
وهي لبُّ الوصيَّة وأساسها، فيها نصح بتقوى الله تعالى، والبرِّ، وإصلاح ذات البين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتسامح، والتآزر، وحسن الأخلاق...
وهذا الجزء من الوصيَّة يقع له عظيم الأثر في القلوب، عندما يُتلى على أقارب الميِّت، خاصَّة إذا كان موجَّها إلى أشخاص بعينهم كأن يوصي الميتُ أبناءه بعدم الفرقة والنزاع على التركة، أو يوصي الذكور منهم بالاعتناء بالإناث من أمٍّ وأخوات، أو يوصي الوكيل بالتحرِّي والحرص في إنفاذ الوصية باعتبارها أمانة على عاتقه يحاسب عليها يوم القيامة.
لذا ينبغي إعطاء الوصية الأدبية ما تستحقُّه من الأهمية.
بعض الملاحظات:
? لا بدَّ من التفريق بين ما هو إقرار للتنصُّل من التبعات، وما هو وصية لمجرَّد الاحتياط.
? يذكر الوكيل باسمه ولقبه وصفته، وكذا المستخلَف على القصَّر.
? ينصُّ أنَّ هذه الوصية قد ألغت ما قبلها من الوصايا.
? يشهد على الوصيَّة أمينان.
? يذكر التاريخ الهجري والميلادي.
? يمضي الوصيَّة كلٌّ من الموصي والشاهدين.
? يذكر الكاتب اسمه في آخر الوصيَّة ليُرجَع إليه للشهادة.
? الأحسن أن يكتب وصيته الثابتة: كالوصية المعنوية، ووصية الأقربين في موضع ويجري عليها الشهادة والوكالة، ويحيل إلى وصايا أخرى من خلالها حيث يكتب فيها تبعاته التي لا يريد أن يطّلع عليها أحد غيره، ولكن بشرط علم الوكيل والشاهدين على أنّ هناك وصايا أخرى تحت عنوان تختاره أنت في الوصية الثابتة تحيل إليها.
نسألُ الله التوفيقَ والسدادَ
حرّرت بتاريخ: 25 جانفي 2006م (1/11)