صفحة 1
بحث تخرج: مسؤولية الطبيب في إيقاف أجهزة الإنعاش وآثاره بين الشريعة والقانون لبيوض وقاسم
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
معهد العلوم الشرعية « مسقط »
بحث مقدم للمشاركة في مسابقة
الشيخ المقدِّر للعلم:
أحمد بن اعمير الهنائي
تحت عنوان
مسؤولية الطبيب في إيقاف أجهزة الإنعاش وآثاره
بين الشريعة والقانون
إعداد الطالب: حدبون بيوض بن صالح بن أحمد
بمساعدة:قاسم حميد أوجانه بن محمد
برمضان 1424هـ
نوفمبر2003م
مقدمة
من حكمة الله في خلقه أن جعل في الحياة نواميس وسنن، تدور في فلكها الأمور كلها، وتحيى في ذلك كل الكائنات، وتتأثر بها، وهذه القوانين الإلهية مرسومة بدقة متناهية محكمة؛ لتحفظ السير الأمثل للحياة على وجه البسيطة، فنجد من تلك السنن الثابتات أن الله قدَّر صراعا أبديًّا مُتَّزنا بين قوى الخير والشر، من دون أن يظهر أحدهما على الآخر لئلا تصير الحياة إلى الزوال ...
والإنسان جزء فيها؛ فهو يعيش الاتِّزان متى ما تعادلت القوَّتان كما تضطرب حياته لما تظهر إحداهما على الأخرى، فالصحة والمرض مثلا بهذا النسق؛ إذ أن جسم الإنسان- ما كان حيا- يشهد مواجهات عنيدة على مستوى الدم بين الكريات البيضاء والأجسام الغريبة الدخيلة عليه - مع الاعتراف بكون هذه حالة طبيعية -، فلو افترضنا خُلوَّ البيئة من الجراثيم لهلك التوازن بزيادة الكريات البيضاء عن حدها فتكون وبالا على الجسم نفسه ...وكذلك العكس؛ لو هاجمت الإنسان أجسام لا يقوى عليها لفشلت أجهزة المناعة في مقاومتها وصدها فيمرض الجسد في الحالتين، فهذه من دلالات ضعف الإنسان في عز طغيانه ( لمَّا يرى نفسه أقوى كائن موجود ). (1/1)
صفحة 2
والشارع الحكيم حثنا كثيرا على طلب العلم للانتفاع به ونشره وتحقيق المقاصد الكبرى المتمثلة في الكليات الخمس بما فيها حفظ النفس، وذلك بالتبحر في علوم الطب والكائنات الحية وتحسين وسائل التطبيب، من تمريضٍ ومتابعاتٍ إلى إنعاشٍ في أقصى المراحل مع الاعتراف بالحتمية اللازمة لكل إنسان وهي ما تسمى بالوفاة، ذلك اللغز الذي أبهر الباحثين والأطباء و الفلاسفة وأعجزهم عبر العصور من عدة جوانب حسب اهتمامات كل فريق، فمنهم من يعالج الموضوع من زاوية الحقيقة ومنهم من يهتم بآثاره وآخرون من ناحية الكيفية والمسبب الحقيقي المباشر.
ويتجلى تصوُّر ومحاور البحث في هذا الأخير ترتب الأحكام الشرعية المتعلقة بالوفاة سواء بالميت نفسه أم بغيره من الناس حوله، فيا ترى ما المسبب الحقيقي في الوفاة؟ هل هو توقف القلب عن النبض و الرئة عن التنفس؟ أم موت جذع الدماغ؟
تترتب على الفصل في هذه القضية أحكام شرعية تختلف باختلاف الإجابة -كما سيأتي بيانه -، زيادة على ذلك، متى يتسنى للطبيب أن يرفع أجهزة الإنعاش عن الشخص المعني بدون أن يرتكب جناية يؤاخذه عليها الدين والقانون؟ فهل يكون إيقافها بالاعتماد على موت القلب والتنفس أم باعتبار موت جذع الدماغ؟
للإفصاح عن هذا الموضوع يلزم علينا الرجوع إلى علم الطب والقانون والدين, وهذا ما حاولتُه سائلا الله التوفيق والعون مستفتحا باسم الله تعالى ومتبعا الخطوات التالية:
مقدمة
الفصل الأول:........................... الطب والتطبيب في الشريعة الإسلامية.
المبحث الأول: ...................تعريف الطب.
المبحث الثاني: ....................حكمه ومشروعيته.
الفصل الثاني: ............................التفسير العلمي لمسبب الموت الحقيقي.
المبحث الأول: ...................في التعريف القديم ( توقف القلب والتنفس ).
المبحث الثاني: ....................في التعريف الحديث ( موت جذع الدماغ ) (1/2)
صفحة 3
المطلب الأول: ............بسطة حول الدماغ.
المطلب الثاني: .............الأسس العلمية لموت جذع الدماغ.
المطلب الثالث: ...........إعلان الوفاة
المطلب الرابع..............دليل الحياة عند الفقهاء.
المطلب الخامس: ..........الآثار المترتبة.
الفرع الأول:............ ما يتعلق بالشريعة والقانون.
الفرع الثاني:............. ما يرتبط بالشريعة الإسلامية فقط.
الفصل الثالث: .........................التداوي بالإنعاش.
المبحث الأول: ..................مفهوم الإنعاش.
المبحث الثاني: ...................أجهزة الإنعاش.
المبحث الثالث: .................أحوال إيقاف أجهزة الإنعاش.
المبحث الرابع: ..................دواعي الإيقاف في الحالات الثلاث.
الفصل الرابع: ..........................مسؤولية الطبيب في إيقاف الإنعاش.
المبحث الأول: ..................مفهوم المسؤولية.
المطلب الأول: ...........المعنى العام.
المطلب الثاني: ............المعنى الشرعي الإسلامي.
المبحث الثاني: ...................الأصل الشرعي للمسؤولية.
المبحث الثالث:..................مسؤولية إيقاف الإنعاش في الأحوال الثلاثة.
خاتمة وخلاصة.
المصادر والمراجع.
الفهرست .
- -
الفصل الأول:
الطِّب والتطبيب في الشريعة الإسلامية:
المبحث الأول:
تعريف الطب:
لغة: مصدر للفعل طبَِب بالكسر والفتح، والجمع منها أطبَّة وأطباء.
بمعنى علاج الجسم والنفس، يستطبُّ لوجعه أي يستوصف، والمتطبِّب المتعاطي علم الطب، فقالوا: "إن كنت ذا طبٍّ فطِبَّ لعينك" (1) .
__________
(1) - القاموس المحيط. مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي، مؤسسة الرسالة ط3، 1993م بيروت.لبنان.ص 139. (1/3)
صفحة 4
اصطلاحا: الطب علم وفن يعنى بدراسة الأمراض ومعالجتها والوقاية منها، وهو أحد أقدم العلوم فقد عرفته الحضارات القديمة كالسُّومريِّين والبابليين والهنود والمصريين والرومانيين (1) ...
* تطلق كلمة الطب ويراد بها العلم الذي يدرس الإنسان وتطلق البيطرة ويعنى بها التخصص الذي يهتم بالحيوان.
الخلاصة :
يمكن تعريف الطب بكونه العلم الذي يبحث في جسم الكائن البشري وما يتعلق بصحته ليحافظ عليها أو بمرضه ليشفيه ـ بإذن الله ـ باتخاذ وسائل تعيد للمريض عافيته.
المبحث الثاني:
حكمه و مشروعيته:
اختلف الفقهاء في حكمه اختلافا متباينا إلا أن كثير منهم تقاربوا في بعض المسائل المندرجة كما سنرى...
1- الحرمة:
قال المتشددين من الصوفية (2) : يحرم التداوي رأسا لأنه ينافي الرضا بالقدر, فالولاية لا تتم إلا بالرضا بكل ما كتب الله و قدر فالواجب ترك التداوي اعتصاما بالله وتوكلا عليه وثقة به, فلو حرص الخلق على تقليل ذلك أو زيادته ما قدروا.
قال الله تعالى: ?{...ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير...?} (3) ، وحديث ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:» إن الرقى والتمائم والتولة شرك« (4) .
2- الكراهة:
... كما يرى عدد من الصحابة أمثال ابن مسعود وأبي الدرداء، بينما يذهب الحسن إلى كراهة التداوي إلا باللبن والعسل (5) .
3- الإباحة:
__________
(1) - موسوعة المورد.منير البعلبكي ، دار العلم للملايين، ط1 سنة:1981. .ج6 ص221.
(2) - الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد الأنصاري القرطبي ط2 مصر صححه أحمدعبد العليم البردوني. ج10 ص 138.
(3) - سورة الحديد , الآية 21
(4) - سنن أبي داود أبو داود،سليمان بن الأشعث السجستاني.كتاب الطب رقم الحديث: 3883 (دار الكتب العلمية : بيروت، ط1 ،دت) ص 61.
(5) - الجامع لأحكام القرآن.ج10 ص138. (1/4)
صفحة 5
روي عن مالك قوله: " لا بأس بذلك" (1) ، كما أُثِر عن أحمد" أحب لمن اعتقد التوكل وسلك طريقه ترك التداوي" وأيده في ذلك النووي (2) ، وقال المروزي:" العلاج رخصة وتركه أولى" (3) بدليل الصحابية التي تصرع فسألت رسول الله أن يدعو لها فقال - صلى الله عليه وسلم - :
» إن أحببت أن تصبري ولك الجنة «.
4- الندب:
قال به الشافعية والحنفية و رواية عن المالكية وحجتهم ذكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأحاديث فيها منافع الأدوية كالعسل و اللبن و التمر (4) وقوله - صلى الله عليه وسلم - :» تداووا فإن الله لم يضع دواء إلا وضع له دواء غير الهرم« (5) .
5- الوجوب:
عند بعض الشافعية وقول للحنابلة واشترط الأحناف قيدا يتمثل في كون السبب المزيل للمرض مقطوعا به كالماء المزيل لضرر العطش (6) ، وحديث أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : « إن الله حيث خلق الداء خلق الدواء فتداووا« (7) .
الخلاصة:
__________
(1) - المرجع السابق.ص139.
(2) - الفتاوى الكبرى .ابن تيمية ج21.ص546.
(3) - مجلة مجمع الفقه الإسلامي. الدورة السابعة. ع7،ج3،ص 604.
(4) - المرجع السابق.ص605.
(5) - الكتب الستة. جامع الترمذي.كتاب الطب باب ما جاء في الدواء والحث عليه. دار الفيحاء دمشق. ص1856.
(6) - مجلة مجمع الفقه الإسلامي ع7 ج3 ص607.
(7) - المرجع السابق. (1/5)
صفحة 6
الفقهاء ردوا على الصوفية بردود كثيرة منها أن الله مدح في القرآن العسل بكونه شفاء فقال عز من قائل:?{...فيه شفاء للناس...?} (1) , أما الحديث فأوّلوه فيما لو اعتقد المريض الشفاء في التداوي و ليس من الله (2) تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ثم إن الرسول تداوى وأسعف الجرحى في الغزوات فهذا لا ينافي التوكل على الله أبدا وما هو إلا اتخاذ للسبب, والشافي هو الله وحده سبحانه, كما ورد في الحديث الشريف ما يؤيد هذا المعنى فعن أبي خزيمة عن أبيه قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به و تقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: « هي من قدر الله » (3) .
وقد التقى فقهاء من مختلف المذاهب الإسلامية المجمع الفقهي المنعقد في المملكة العربية السعودية في دورتهم السابعة وناقشوا الموضوع فانتهوا إلى:
1/ يجب التداوي في حالتين:
أولاهما حينما يؤدي تركه إلى الوفاة غالبا أو تلف بعض أعضائه أو عجزه عن القيام بوظائفه.
ثانيهما عندما تفضي الرغبة عن التداوي إلى انتقال العدوى لغير المريض.
2/ يندب التداوي لمّا يؤدي المرض إلى الضعف و الفشل من دون ترتب ما ذكر في الوجوب.
3/ يباح إذا لم يؤد إلى ضعف الإنسان ولا إلى وفاته أو أحد الأعضاء ولا إلى العدوى.
4/ يكره التداوي في حال الخوف من ظهور مضاعفات تترتب من جرّائه و تكون أشد من المرض نفسه (4) .
يتَّضح مما سبق أن التداوي تعتريه الأحكام الفقهية حسب حالة المريض فيؤول إلى الوجوب كلما اشتد الأمر وخيف الهلاك للمريض أو غيره أو أحد أعضائه وكلما نأت الحالة عن الخطر كان الحكم أقرب للتخفيف.
__________
(1) - سورة النحل.الآية:69.
(2) - مجلة مجمع الفقه الإسلامي.ع7ج3ص603.
(3) - الكتب الستة.جامع الترمذي.باب م جاء في الرقى والأدوية.ص 1858.
(4) - مجلة مجمع الفقه الإسلامي.ع7ج3ص732. (1/6)
صفحة 7
فالواضح أن الإنعاش يندرج حكمه في صف الوجوب حسب تصنيف فقهاء المجمع وبعض المذاهب لأن الإنعاش لا يصار إليه إلا في حالات الاضطرار وخطر الوفاة حين يتعين اتخاذ أقصى الأسباب بغية إنقاذ المريض بإذن الله وقدرته.
الفصل الثاني:
التفسير العلمي للمسبِّب الحقيقي للموت:
حدث تطور عند الأطباء في كشف العلة الفعلية المحققة للوفاة من جرّاء الوقائع التي تحصل من حين لآخر والتسارع المذهل في البحوث الطبية،
المبحث الأول:
التعريف القديم للمسبِّب الحقيقي للموت:
( يقصد بالقديم هنا التعريف السابق، فليس القصد من القِدم الأزمنة الغابرة )
يرى العلماء فيما مضى وإلى أقرب السنوات أن موت الإنسان متوقف على سكون القلب عن النبض وضخ الدم إلى الأعضاء من ناحية وانعدام التنفس وموت الرئتين من ناحية أخرى،والعرف الطبي جرى بهذا في إعلان الوفاة (1) ، وعلى هذا التعريف قضت معظم المحاكم في العالم وسارت بذلك عدة دول وترتبت على هذا المفهوم الأحكام الشرعية المتعلقة بالموت، ولما فجر التقدم الطبي نظريته الجديدة التي أثبتت محدودية هذا التعريف بدلائل يأتي ذكرها لاحقا في موطنها.
فحينما يشتد على المريض وتقرب ساعة وفاته توضع له أجهزة الإنعاش لإعمال قلبه وإمداده بالأكسجين حتى يعود لحالته الطبيعية و يسترجع قواه، أو يموت في أسوء الاحتمالات، في حين إن القلب و التنفس يتواصلان بواسطة الآلات فقط... فهنا لا نحكم مطلقا بوفاته إذا اعتبرنا هذا التعريف لأن القلب ينبض و التنفس يسري في الجسد.
__________
(1) - المسائل الطبية المستجدة في ضوء الشريعة الإسلامية.ج2، ص11 وبعدها. (1/7)
صفحة 8
وهناك حالة سجلت في بريطانيا و أذاعتها قناة BBC تبيِّن عدم الاعتماد على التعريف القديم، فقد حدثت لفتاة قدمت لتروي بنفسها قصتها لمّا أخذت بعض الحبوب المنومة فأغمي عليها وتوقف تنفسها ووضعت تحت أجهزة الإنعاش المعقدة وفي المستشفى أعلن الأطباء أن دماغها قد مات وتنفسها قد توقف وأن تخطيط المخ الكهربائي لا يشير إلى وجود أي ذبذبات أو موجات آتية من الدماغ لذلك أعلنوا موتها.
ورفض أهل التقرير ذلك فجاءت مجموعة أخرى من الأطباء وواصلوا استخدام أجهزة الإنعاش فاستعادت الفتاة تنفسها الطبيعي ثم أفاقت من غيبوبتها ثم ذهبت إلى محطة BBC لتروي قصتها للمشاهدين كيف كانت تسمع للأطباء وهم يقرون وفاتها وهي في مرحلة الغيبوبة العميقة.
بعد هذه القصة أبين نقطتين:
*- ذكرت القصة أن تخطيط الدماغ لا يشير إلى وجود ذبذبات هذه الحالة كانت سبب لإغماء لا لموت الدماغ وسيأتي تفصيله.
*- سماعها لمناقشة الأطباء حالة كونها في الغيبوبة فهي تسمع ما يجري إلا أنها لا تدركه.
بعد استيقاظها والعودة إلى وعيِها الكامل فإن حدثها أحد الأشخاص عن الواقعة تستدرك بعض اللقطات و المواقف وهذا بالتركيز.
فمن خلال هذه البسطة نقول: هل الفتاة كانت ميتة ثم عادت إلى الحياة؟! ومثلها كل من تجرى له عملية يضطر الأطباء إلى إيقاف القلب أو كانت العملية في القلب نفسه فعلى ذلك التعريف يعتبر ميتا أثناء العملية لاستخدام أجهزة الإنعاش بدل القلب الاصطناعي الذي يوقف من طرف الأطباء ريثما تنتهي العملية وهذا لم يقل به أحد.
المبحث الثاني:
التعريف الحديث للمسبِّب الحقيقي للموت:
ترى المدرسة البريطانية و الأمريكية الحديثة أن مُسبِّب موت الحقيقي إنما هو موت الدماغ بل بالأحرى موت جدع الدماغ وليس توقف القلب و التنفس *مع خلاف بسيط بين المدرستين يتمثل في :
1_ المدرسة الأمريكية "هافارد": ترى أن المسبب الحقيقي هو موت الدماغ الذي يحتوي على جذع الدماغ و المخيخ و المخ. (1/8)
صفحة 9
2_ المدرسة البريطانية :تقول بأن المسبِّب هو موت جدع الدماغ فحسب؛ لأن موت المخيخ يُفقِد التوازن وتعطل بعض الوظائف فلا يُميت، وكذا موت المخ يُفقِد التحكم في التفكير و التعلم و التحدث و التذكر.
المطلب الأول: ...
بسطة حول الدماغ:
إن الدماغ -كما سبق ذكره- هو مركز التحكم الرئيس في الجسم فمن حفظ الله أن جعله في منطقة محمية عن الأخطار وغلفه بالجمجمة العظمية وبثلاثة أغشية سحائية تمتص الضربات وتخففها وهي تسمى:) من الداخل إلى الخارج( الأم الجافية، الأم العنكبوتية، الأم الحنون (1) .
نلاحظ دلالات المصطلحات من إطلاقها لهذه المسميات؛ فالأولى جافية للضربات والثانية على شكل نسيج عنكبوتي والداخلية أكثر التصاقا ورعاية للدماغ فسُمِّيت الحنون.
والناظر في التاريخ يجد اهتمام علماء الإسلام بالدماغ وتكوينه منذ القديم فقد قدم الحكيم أبو الحسن علي الطبري المتوفى سنة:250هـ في تكوين الدماغ ما يلي: " الدماغ قسمين وبه ثلاثة أوعية وهي مقدم الدماغ ووسطه و مؤخره، وكل قسم مسؤول عن وظائف فإذا كان الداء في مقدم الدماغ وهو موقع الخيال يكون المريض يرى زمّارين أمامه، وإن كان الداء وسط الدماغ وهو موضع التفكر فنجده يخطئ في حين أنه يزعم الصواب في تصرفاته، وإن كان في مؤخر الدماغ وهو موضع الحفظ فينسى اسمه و اسم أبيه بل ينسى أنه إنسان فيصيح كالديك، أو يخاف أن ينكسر ظنا منه أنه رخام" (2) .
هذا التقسيم منذ القرن الثالث الهجري منة دون آلات التصوير الإلكترونية الرقمية، أما الآن فقد تطورت التكنولوجيا الطبية فأعطتنا المكوِّنات الحقيقية العلمية وِفق معطيات دقيقة تقول إن الدماغ يتكون من ثلاثة أجزاء رئيسة هي: المخ والمخيخ وجذع الدماغ.
__________
(1) - الموسوعة العربية الميسرة. ص801.بتصرف.
(2) - سلسلة الطب الإسلامي.ج29 فردوس الحكمة في الطب.علي بن ربن الطبري. ط1996معهد تاريخ العلوم العربية في إطار ... ... ... ... جامعة فرانكفورت ألمانيا. ص141. (1/9)
صفحة 10
أولا:المخ
هو أكبر أجزاء المخ وأكثر تعقيدا فهو يعادل 85% من إجمالي وزن الدماغ وينقسم إلى نصفين نصف الكرة المخية الأيمن ،ونصف الكرة المخية الأيسر وينقسم كل قسم بدوره إلى أربعة فصوص تسمى بِحَسب موقعها من الجمجمة :الفص الجبهي، الفص الجداري، الفص الصدغي، الفص القذالي.
وللإشارة فإن قشرات الترابط بين المخ هي التي تمكن الشخص من أداء النشاطات التي تتطلب قدرات عالية مثل التفكير و التحدث و التذكر (1) .
الفص الجبهي : أو الأمامي يقع أمام كلٍ من نصفي الكرة المخية وفوقها، وهو المسؤول عن عمليات التعقل و الانفعال و إصدار الأحكام على الأشياء بالإضافة إلى الحركات الإرادية.
الفص الجداري: وهو الأوسط إذ يتوسّط كل من نصفي الكرة المخية وراء الفص الأمامي و يحتوي على مراكزَ حسية مهمة.
الفص الصدغي : يقع أسفل نصف الكرة المخية و هو المسؤول على مراكز السمع و الذاكرة.
الفص القذالي : يقع في الخلف من نصفي الكرة المخية، فهو المسؤول على مراكز الرؤية، ووظيفته تحليل المعلومات ومعالجتها وتخزينها.
ثانيا: المخيخ
هو ذلك الجزء المتضخم الواقع أسفل المخ من الجهة الخلفية، والذي يلاحظ أنَّ المخيخ أصغر حجما من المخ، فهو الذي يتكون من ورقات كثيرة متراصة تسمى بالورقات المخيخية، كما ينقسم إلى شطرين: أيمن وأيسر، يقع بينهما جسم يشبه الإصبع يسمى بالدودة وهذا الأخير يرتبط بنصفي المخيخ الذي يحتمي بقشرة سنجابية رمادية خارجية أما بداخله ففيه المادة النخاعية التي تشكل الجزء الأكبر من المخيخ الحاوي 30 مليون خلية.
أما عن وظيفته فتتمحور في عدة مهام أبرزها وأهمها حفظ التوازن الكلي و الثبات وتنسيق الحركة والعضلات (2) .
ثالثا: جذع الدماغ
__________
(1) - الموسوعة العربية العالمية. ج10. ص 367، 368. بتصرف.
(2) - ينظر: الإنسان في علم التشريح ووظائف الأعضاء. الطوزي محمد و زغل أحمد، ص 46 وبعدها.
... الموسوعة العربية العالمية. ص 367 وبعدها. (1/10)
صفحة 11
هو جسم أصبعي يوصل المخ والمخيخ بالنخاع الشوكي وتسمى قاعدته البصلة والنخاع المستطيل، بالبصلة مراكز عصبية للتحكم في التنفس و ضربات القلب و العديد من العمليات الحيوية للجسم.
ويتكون جذع الدماغ من أربعة أجزاء يمكن تعريفها من الأعلى إلى الأسفل:
أ ـ الدماغ المتوسط: يقع بين المخ و الدماغ الوسط ، ويحوي مراكز عصبية و يشمل المهاد و تحت المهاد.
ب - الدماغ الوسط: هو أصغر الأجزاء في جذع الدماغ وأقلها تعقيدا.
ج – القنطرة: أو الجسر يصل بين نصفي المخيخ ويتكون من ألياف عصبية ترتبط بالمخ وبالمخيخ.
د - النخاع المستطيل: الجزء السفلي من جذع الدماغ عند طرف الحبل الشوكي وظيفته الرئيسة تنظيم دقات القلب والتنفس وبعض الوظائف التلقائية (1) .
هنا مربط الفرس وهذا هو العنصر المسؤول عن الوفاة لدى الأطباء كما تؤكده البحوث الطبية خصوصا المدرسة الإنجليزية التي أناطت الموت به فلم تعتد بالقلب ولا التنفس لكونه المسؤول عنهما فإذا مات جذع الدماغ اندثرت وظيفته وتوقف النبض والتنفس بصورة آلية بعد زمن قصير فإن تَدارَك الأطباء الأمر ووضعوا أجهزة الإنعاش تواصل القلب ونشاط الرئتين بصورة صناعية نباتية خالية من الحيوية الإنسانية.
(هذه صورة توضيحية لمقطع طولي للدماغ)
اللون البنفسجي: المخ.
اللون البني: المخيخ.
اللون الأصفر: جذع المخ.
(2) ،
__________
(1) - ينظر: الموسوعة العربية الميسرة ج1 ص801.
... الموسوعة العربية العالمية ج10 ص 368 و هامش 367.
(2)
المطلب الثاني:
الأسس العلمية لموت جذع الدماغ:
لكن ومع وجود الجمجمة وتلك الأغشية الحافظة للدماغ فقد يتعرض لاضطرابات خطيرة تفضي إلى الوفاة في بعض الأحيان فالإصابات هي المسبب الرئيس لتلف الدماغ في الفئة العُمريَّة الأقل عن الخمسين سنة، والضربة على الرأس قد تسبب فقدان الوعي المؤقت إذا كانت خفيفة، كما تؤدي إلى إتلاف الدماغ حينما تشتد الإصابة عليه، ومكمن الخطورة أكثر في العجز عن تعويض الخلايا الدماغية التالفة$%& - ينظر ... : الموسوعة العربية العالمية. ج10،ص376. (1/11)
صفحة 12
وتهلك مثلا منطقة الرؤية أو التذكر إذا كانت خلايا المخ هي الضحية ويفقد الإنسان التحكم في حركاته وضبط التوازن إن حصلت الإصابة في المخيخ، كما تحدث الوفاة لماّ تكون على مستوى جذع الدماغ فتتلف خلاياه فماذا يبقى إذا شُلَّ المسؤول عن القلب والتنفس واندحر؟.
كما توجد بعض الاضطرابات الأخرى التي لا تقل أهمية عن الإصابات كالاستسقاء الناتج عن الانسداد في بعض التجاويف،و تجلط الدم في الأوعية الدماغية الدقيقة أو انفجارها مما يؤدي إلى الشلل وفقد الإحساس في بعض المناطق، والكارثة إن حصل التجلط في جذع الدماغ ولم يتدارك (1) .
وهذا تقديم للأسس الموضوعة في وفاة الدماغ بين القديم والعصر الحالي:
أ- الطب في القديم:
أولى الأولون للتطبيب ولدراسة حياة الإنسان وموته اهتماما لافتا لارتباطهما بالدين والحياة العامة أيما ارتباط، فمن الحكماء نجد العالم الطبيب أبقراط الذي يرى أن الأساس الذي يعتمد إليه في موت الدماغ إنما هو فقدان الحس تماما من جرَّاء الإصابات الدماغية وهذا ما يوافق رأيه القائل: " إن صُرِع المريض فخرَّ كالميت وذهب حسُّه فلا علاج له، ومن لم يكن كذلك فعلاجه عسير شديد؛ لأن الدماغ سيد الأعضاء ومنه أصل الحس والحركة، فإذا غلب الداء اشتد علاجه؛ لأن القلب والكبد أيضا حسُّهما وحركتهما منه " (2) .
__________
(1) - ينظر الموسوعة العربية الميسرة.ص 801.
(2) - سلسلة الطب الإسلامي.ج29 فردوس الحكمة في الطب.ص140. (1/12)
صفحة 13
يتجلى للقارئ بُعدَ النظر ودقة التبحُّر في الطب لدى الحكيم أبقراط وذلك لإحاطته بالحقائق الطبية التي أثبتها العلم الحديث حينما فقدت لدى الأوَّلون آلات الكشف الإلكترونية الدقيقة، فقد علم أبقراط أن الدماغ سيد الأعضاء، وأصل الحس والحركة من مسؤوليات الدماغ بل إن القلب و الكبد خاضعان له، إلا أن الاعتماد عليه كمسبب للموت - فيما يظهر – لم يجر بذلك الرأي لصعوبة التحديد ودقة تقرير الوفاة، بل أخذوا بالظاهر والعيان المتمثل في توقف القلب والتنفس.
ب- الطب المعاصر:
يجدر أن ننبه بأول من أشار إلى موت الدماغ عالميا وحاز الأسبقية التي تعتبرها المدرسة الفرنسية شعار تفوُّق لها لمَّا أشارت إلى موت الدماغ سنة:1959م، فيما أسمته بمرحلة ما بعد الإغماء فيما بدأ الأطباء الفرنسيون بتحديد المعالم لموت الدماغ بينما القلب ينبض (1) .
هذا عن أول من نبه للأمر، أما على رأي الطب المعاصر فقد رأينا في التعريف بمسبِّب الموت الحقيقي أنه يختلف الاعتبار بين المدرستين البريطانية و الأمريكية في هذه القضية إلا أن الخلاف ليس جوهري في هذا المقام بالنظر إلى أن الكل يقر بموت جذع الدماغ فيما تزيد المدرسة الأمريكية على ذلك موت الأعضاء الأخرى للدماغ كالمخ والمخيخ، إضافة إلى هذا تبيَّن في دراسة الوظائف أن جذع الدماغ هو المسؤول والمعني الأول بالموت، وبالتالي نتوقف أولا عند الأسس التي وضعتها المدرسة البريطانية ثم نعرج إلى الضوابط الأمريكية في إثبات الوفاة للمريض الموجود تحت رعاية أجهزة الإنعاش.
المدرسة الإنجليزية:
__________
(1) - مجلة مجمع الفقه الإسلامي.ع2 ج1 ص445و446.نقلا عن:Mollart P.Goulon M le Coma De Passé Rev.Neurol.1959.101M3-15. (1/13)
صفحة 14
قدمت لجنة الكليات الملكية البريطانية وكليات الطب مقترحاتها وتعريفاتها سنتي 1976 و1979م (1) وأكدت بأن موت جذع الدماغ يؤدي حتما إلى موت الدماغ عند حدوث إصابة لم يمكن علاجها وبالتالي إلى وفاة المصاب، وأخذت النقاط التالية بعين الاعتبار:
1- التأكد من فقدان وظائف الدماغ بصفة دائمة أم مؤقتة وذلك بـ:
*- إبعاد كل أسباب التوقيف المؤقت كالعقاقير المنوِّمة والمهدئة ونقص الأكسجين والتسمم بغاز ثاني أكسيد الكربون co2.
*- وجود سبب مادي معلوم وواضح كإصابة الدماغ والتأكد منها بالأشعة مثلا.
2- فقدان وظائف جذع الدماغ بصورة تامة يساوي توقف القلب والموت طبيعيا.
3- فقدان وظائف جذع الدماغ يمكن معرفتها سريريا من دون الحاجة إلى فحوص معقّدة مثل رسم المخ الكهربائي أو حقن الشرايين الدماغية أو المواد المشجعة (2) .
المدرسة الأمريكية:
يمثل هذا الاتجاه كلٌّ من جامعتي: "هافارد" و "مينيسوتا" الأمريكيتين اللتين تعتمدان في الوفاة على موت الدماغ بكامله فقد حاولتُ تلخيص الاعتبارات التي وضعتها كل مجموعة في قائمة واحدة وذلك لأوجه التشابه الكثيرة بينها وتركيزها على الأمور الآتية:
1- عدم وجود سبب مؤقّت مثل العقاقير والإغماء وانخفاض درجة حرارة الجسم و الأقراص المهدِّئة.
2- وجود إصابة في الدماغ لا يمكن علاجها.
3- عدم وجود الأفعال المنعكسة عند الوخز وانعدام التنفس الطبيعي بعد ثلاث دقائق من نزع الِمنفسة.
4- إعادة الفحص بعد فترة زمنية.
بعد التأكد من الشروط تبدأ مرحلة فحص وظائف جذع الدماغ كما يلي:
? حالة إغماء.
? عدم وجود وضع غريب للمخ كالالتهاب أو الورم.
? عدم وجود هزّات أو رجَّات صرعيّة.
? عدم وجود أفعال منعكسة من جذع الدماغ.
__________
(1) - ينظر مجلة مجمع الفقه الإسلامي.ع2 ج1 ص 458 وبعدها.
(2) - المرجع السابق. نقلا عن: ... Scjwartz JA etai: Radis nuclide cerebral imaging confirming Brain death. Jana ... ... ... ... 1983:249:246-247 ... ... ... (1/14)
صفحة 15
? عدم حركة بؤبؤ العين بسبب الضوء الشديد ولا انقباضا للحدقة ولا رمش العين عند وضع القطن على القرَنِيَّة.
? جمود مقلة العين رغم صبِّ الماء البارد في الأذن.
? عدم التعكُّم والكحَّة عند إدخال اللوحة الخشبية إلى الحلق.
? عدم تقطيب الجبين عند ضغطه بشِدَّة (1) .
محاذير التشخيص:
قد يطرأ خطأ في التشخيص يؤدِّي إلى إعلان وفاة المصاب بينما هو في الواقع حيٌّ، فيمكن أن يستعيد حياته الطبيعيَّة... فلابد من التأكد والتحقيق في إثبات الشروط الموضوعة خصوصا معرفة سبب الإصابة الماديَّة التي يمكن أن تكشفها الأجهزة الدقيقة إن لم تلحظها العين المجردة فلا تكون ناتجة عن المنوِّمات أو المهدِّئات كما سلف، أو يحصل الخطأ في الحكم بانعدام التنفس لاحتمال السبب ذاته المتمثل في الإغماء عن تناول العقاقير والمسكنات.
المطلب الثالث
إعلان الوفاة:
إعلان الوفاة متوقف على معرفة ماهية الوفاة والموت، وهذا في الحقيقة أمر متعذِّر بين الأطباء والفلاسفة والعلماء عبر العصور، والقرآن الكريم سبق له أن فصَّل هذه المسألة بقول الله تعالى:{...ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا...} (2) ، لكن المعلوم من الموت أنه ينحصر في مفارقة الروح للجسد بأمر الله تعالى القائل:{...الله يتوفى الأنفس حين موتها... } (3) ، فعِلمنا بهذا إجمالا من دون تفصيل في الكيفية أو الحقيقة ولا الماهية، إلاَّ أن ذلك لا يعني ظهور بعض الأمارات التي لا تعدو أن تكون آثارا للموت كالتي ذكرها الفقهاء في مؤلفاتهم مثل:
__________
(1) - المرجع السابق. ص454 و بعدها ... وص471 وبعدها.
(2) - الإسراء. الآية:85.
(3) - الزمر.الآية:72. (1/15)
صفحة 16
انخساف الصدغين وميل الأنف وانفصال الكفين واسترخاء الرجلين وامتداد جلد الوجه وتقلُّص الخصيتين مع تدلِّي الجلدة (1) ، وغير ذلك من القرائن المختلفة في قوة الدلالة.
أما عند الفقهاء فنجدهم يقررون الوفاة لمَّا يتأكدوا منها بظهور الأمارات المذكورة فيسارعون إلى تجهيزه ودفنه، وهم بهذا يفردون حكم الانتظار لمن شكُّوا في موته من حياته حتى تثبت الوفاة لمن مات فجأة مثلا، كما قال فقيه الحنابلة الشيخ منصور البهوتي:" ينتظر به لاحتمال أن يكون قد تعرَّض لسكتة" (2) أو لانطباق عروقه وغير ذلك... فقال الإمام أحمد بالانتظار من الغدوة إلى الليل، بينما يرى القاضي أبو يوسف أن ينتظر به يومين أو ثلاث ما لم يفسد (3) .
والخلاصة أننا نجد إعلان الوفاة يكون بعد كل الفحوص التي تقضي بالموت تبعا لاختلاف الاعتبارات والمدارس في تقديره، فمنهم من يقرر الوفاة مِن لحظة:
? توقف القلب والتنفس وهم أصحاب الرأي الأول القاصر للدلائل السابقة كالفتاة التي روت حادثتها في محطَّة التلفزة البريطانية BBC التي تقدَّم بيانها، وكل من تجرى له عملية في القلب.
? موت الدماغ فالاعتبار ليس بالقلب ولا التنفس، وهذه النظرية في الحقيقة تقول بها مدرستان:
*- موت الدماغ بكامله وهم فريق من الرأي الثاني أنصار المدرسة الأمريكية.
__________
(1) - شرح منتهى الإرادات.فقيه الحنابلة منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، ج1،ص343.بتصرف.ط1/1993م.عالم الكتب، بيروت لبنان.
(2) - المرجع السابق. بتصرف.
(3) - المرجع السابق.بتصرف.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد.الإمام محمد بن رشد القرطبي.دار المعرفة، بيروت ط8/1986م.ج1، ص226. بتصرف. (1/16)
صفحة 17
*- موت جذع الدماغ فحسب هو المحدد للوفاة، فهذا الاتجاه قالت به المدرسة الإنجليزية فهو أكثر تفصيلا ودقَّة من حيث إنه المسؤول عن القلب والتنفس فمتى ما مات الجذع انتهى كل شيء وإن بقيت الأمور الأخرى كالمخ أو المخيخ أو نبض القلب أو سريان الأكسجين برهة من الزمن فهي كلها لا تعدو أن تكون حياة نباتية لا ترقى إلى الحياة الآدمية.
معنى ذلك أنها تقرر الوفاة مع وجود ما يشتبه أن يكون حيَّا في الجسم مثل:
1/- ... حياة بعض خلايا المخ أو المخيخ آنذاك لكنها لا تؤثر أبدا بعد التأكد من وفاة جذع الدماغ، ولا تصلح أن تكون دليل الحياة للمصاب.
2/- ... النخاع الشوكي لا يزال به رمق الحياة بدليل وجود بعض الأفعال المنعكسة (1) .
وهذا يلاحظه كل مِنّا بالعيان لماَّ يفرغ من ذبح و سلخ الشاة ثم يعلقها فيرى بعض الأعصاب لا تزال تتحرك حتى تعد مرور نصف ساعة من فصل الرأس عن الجسد بل أكثر أحيانا من نصف الساعة، ومنعكس الرضفة شاهد آخر عن عدم دلالة حركة النخاع الشوكي على الحياة فلو ضربنا برأس حاد تحت ركبة الميت لتحرّك القدم والساق كليهما.
... يبرز هنا إشكال مفاده أنه مادام القلب والتنفس يتوقفان حتما بعد وفاة جذع الدماغ بزمن يسير فلم لا يكون الاعتماد عليهما لوضوحهما ويسر معرفتهما من قِبل أيِّ شخص وتنتهي المشكلة؟
في الحقيقة إشكال قد يطرح ...لكن الإجابة عليه تتمثل في شقَّين، أحدهما: كيف تحدد وفاة المصاب لو كانت أجهزة الإنعاش مغروزة فيه والقلب والتنفس يجريان بصورة صناعية أي بواسطة الآلات ، زيادة على ذلك متى نتأكد من توقف القلب في تلك الحالة؟ هل بنزع الآلات مع احتمال حياته فنكون تسبّبنا في قتله والجناية عليه؟
__________
(1) - ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي.ع2 ج1 ص 463. (1/17)
صفحة 18
ثانيهما: في حالة عدم وجود أجهزة الإنعاش ما العمل لو حدثت قضية لها علاقة بالدين كالميراث أو الجناية أو... بين موت جذع الدماغ العسير وتوقف القلب والتنفس الظاهرين؟ كيف يترتب الحكم الشرعي الذي يخص الميت أو غيره؟.
المطلب الرابع:
دليل الحياة عند الفقهاء:
لقد تطرق فقهاء الإسلام إلى تحديد هذا العنصر بشكل تحرَّوا فيه الدقة الممكنة لهم ولا غرو فهذا الموضوع مما تتوقف عليه أحكام عديدة في شريعتنا الغراء كما سيأتي ...
نجد أن الشيخ محمد المختار السَّلامي مفتي الجمهورية التونسية يقول في هذا الصدد: " وقد فصل اللَّخَمي ما تكون به الحياة فقال: اختلف في الحركة والرّضاع والعُطاس فقال مالك لا يكون له بذلك حكم الحياة وقال ابن حبيب: وإن أقام يوما يتنفس ويفتح عينيه ويتحرك ويسمع له صوت وإن كان خفيا!!! وعارضهم المازِري فقال: لا معنى لإنكار دلالة الرضاعة على الحياة لأنه نعلم يقينا أنه محال بالعادة أن يرضع " (1) .
ويزيد الدكتور محمد علي البار قائلا إن الفقهاء حكموا بموت الجنين عند ولادته إذا لم يستهل صارخا ولو بصوت خفي واعتبروا حركته وتنفسه ورضاعته ... ليست دليلا على الحياة، لكن بعضهم ردَّ عليهم بما يفيد أن الرضاع والعطاس أمارة للحياة (2) .
__________
(1) - مجلة مجمع الفقه الإسلامي. الدورة: 2، ج1، ص430.
نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط الصادرة في: 13مارس1985م/22جمادى الآخرة: 1405هـ بتصرف.
(2) - ينظر: المرجع السابق. (1/18)
صفحة 19
وقد وجدت رأي المالكية في دليل الحياة عند كلامهم عن الدية في إسقاط الحمل المفيد: "الديّة للجنين الذي استهلَّ والعشر أو الغُرّة إذا الم يستهل" (1) ، وعن الميراث قولهم: "إن الجنين إذا لم يستهلَّ صارخا لا يرث ولا يورث" (2) ، فهم علقوا الحياة على الاستهلال بالصراخ لا بالحركة وغيرها ... ،ومما يؤكد هذا ما قاله الشيخ المختار السلامي المالكي:" يرى الإمام مالك بن أنس (ض) أن المولود إذا لم يصرخ لا يعتبر حيا" (3) .
ووافقهم الحنابلة مع التصريح بعدم الاستدلال على الحياة بالحركة وبالمفهوم من الاستهلال فقال فقيه الحنابلة منصور بن يونس بن إدريس البهوتي في كلامه عن الصيد: "بل وُجد ( المصيد ) متحركا كحركة المذبوح فهو كالميتة لا يحتاج إلى ذكاة لأن عقره ذكاة له فيحل بشروط أربعة من أهلية الصائد والآلة وقصد الصيد والتسمية " (4) ، نراه جعل حركة المصيد كحركة المذبوح موافقة للميتة في حكمها وقال في مسألة الميراث: "إن ماتت ( أم المولود ) قبله ثم ألقته ميتا لم يرث أحدهما " وعلَّق قائلا:" لموتها قبله فلا ترثه ولعدم استهلاله لا يرثها" (5) ، ومعنى ذلك عدم اعتبار حركاته أثناء خروجه من الرحم دليلا لحياته مع أنها ماتت قبله كما صرّح الشيخ، زيادة على حركة أمه – بعد موتها – في إلقاء ولدها عنها ليس مؤشرا للحياة بالنسبة للفقيه الحنبلي.
__________
(1) - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير. الشيخ شمس الدين محمد عرفة الدسوقي، ج4، ص269. دت.
(2) - المرجع السابق.ص470.
(3) - مجلة مجمع الفقه الإسلامي.د2،ع2، ج1،ص 498.
(4) - كشاف القناع عن متن الاقناع. الشيخ منصور بن يونس بن إدريس البهوتي. دار الفكر ،بيروت، لبنان. ج* .ص25.
(5) - المرجع السابق. (1/19)
صفحة 20
إلا أن بعض المتأخرين من الإباضية يرى أن دليل الحياة هو الاستهلال بالصوت والحركة بالجارحة فقد قال الشيخ بدر الدين عبد الله السالمي: "وسواء علمت حياته ( المولود ) باستهلال الصوت أو بحركة الجارحة التي يكون تحركها علامة لحياته والله أعلم" (1) .
تعتبر نظرة فقهاء المالكية والحنابلة ومن نهج سبيلهم في عدم اعتبار الحركة دليلا للحياة نظرة موافقة للطب الحديث المعلِّق الموت على وفاة جذع الدماغ فقد يتحرك المقتول والمذبوح بحركات ... والمشاهد أن الدجاجة تتحرك بعد ذبحها، بل كم من أجساد تحركت بعد أن حُزَّت رؤوسها بالمقصلة ولم تهمد إلا بعد دقائق وأحيانا أكثر..
وهناك ما يؤكد هذا الاتجاه كالحالة الموثقة للدجاجة اللغز التي ذبحت وفصل رأسها إلا أنها بقيت تمشي وتتنفس لمدة أسبوع كامل ... لكن الحل العلمي لهذا اللغز هو ما حدث للدجاجة إذ إنهم ذبحوها في أعلى رقبتها بحيث بقي جزء من النخاع المستطيل ( جذع الدماغ ) حيا وهو المتحكم في التنفس وكانت تغذيتها تتم من البلعوم المفتوح (2) ، والحادثة مصورة في الكتاب لتخلد عبر الزمن (3)
المطلب الخامس:
الآثار المترتبة
يترتب على تحديد زمن الوفاة آثار شرعية وقانونية جمة ومتفرعة من اللحظة التي يتوفى فيها الكائن الحي فالقضايا المترتبة باعتبار توقف القلب و التنفس ليست بالضرورة هي ما يترتب باعتبار موت جذع الدماغ لاحتمال تغير الأمور بين التوقيتين، وهذا فيما يخص الشريعة والقانون على حد سواء، ويمكن تقسيم الآثار إلى قسمين: ...
1/ ما يرتبط بالشريعة والقانون.
2/ ما يتعلق بالشريعة الإسلامية فحسب.
أولا: ما يرتبط بالشريعة والقانون:
1/ الإرث:
__________
(1) - جوابات الإمام السالمي. الشيخ عبد الله حميد السالمي .ج4، ص151.ط2/1999م.
(2) - ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي.ع2، ج1، ص430.نقلا عن كتاب:أبجديات الدماغ.للمؤلف الإنجليزي كريستوفر باليس.BMJ articles BMA London.
(3) - المرجع السابق. (1/20)
صفحة 21
لو افترضنا موت فلان من الناس- باعتبار جذع الدماغ- وبقيت ضربات قلبه وتنفسه متواصلان – سواء- كان الاستمرار بآلات الإنعاش أم بدونها، فهل يرث هذا من مُورِّثه الذي يموت بين وفاة الدماغ وبين توقف القلب والتنفس؟
وكذا العكس، هل يورث من لحظة موت دماغه أم توقف قلبه وتنفسه؟
فمن يرى أن الحركة ليست دليلا للحياة كالحنابلة لا يورثهم لقول فقيه الحنابلة الشيخ منصور بن يونس بن إدريس البهوتي:"إن ماتت قبله ثم ألقته لم يرث أحدهما صاحبه" (1) ، والمالكية قولهم:" إن الجنين إذا لم يستهل صارخا لا يرث ولا يورث" (2) فلم يعتبروا حركة خروجه إذا لم يصرخ أو يبك ولو بخافت الصوت، أما من يرى الحركة دليلا للحياة أمثال الشيخ السالمي من الإباضية (3) فيثبت للجنين الميراث في هذه الحالة وكذالك للمريض الخاضع لأجهزة الإنعاش باعتبار حركة التنفس والقلب وجريان الدم، في وقت لا تشير أجهزة الأطباء إلى أي نشاط دماغي تبرزه الآلات في حال الوفاة مع التفريق في سبب سكون الدماغ بين الإصابة وبين التسمم لاحتمال استمرار الحياة مع سكون الدماغ فلذلك يلزم التأكد قبل الحكم بالموت (4) .
في هذه الحال يزاول القلب والتنفس نشاطهما بصورة طبيعية بعض الوقت ثم يكونان متكلان على الآلات فقط، إذ لو نُزعت عنه لتوقف الكل عن النشاط، وهنا أيضا تبرز المشكلة المتمثلة في مايلي:
إذا مات للمصاب مُورِّث كالأب أو الزوجة مثلا فهل يرث منهم ثم يورَث هو فيما بعد؟ أم لا يرث من أحد باعتباره ميت الدماغ أصلا حسب تقرير الأطباء فما الحركات الناتجة من نبض القلب ونشاط الرئتين إلا حركات وليدة عن الآلات فل يعتد بها؟.
__________
(1) - كشاف القناع عن متن الاقناع.ص25.
(2) - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير.ج4 ص151.
(3) - جوابات الإمام السالمي.ج4، ص151.
(4) - الطب الشرعي والسموم.د:جلال الجابري. ص52.ط1/2002م (1/21)
صفحة 22
والجواب على التساؤل هو ذاته ما ذهب إليه الفقهاء في تحديد الحياة من ضوابط فقضى فريق بالإرث كالشيخ السالمي من الإباضية لوجود الحركة، فيرث من غيره ويُورَث، بينما يرى المالكية والحنابلة بعدم الإرث لعدم استجابته بالبكاء أو النطق، بلا اعتبار للحركة لأنها ليست بدليل للحياة.
... هذا من الجانب الديني الإسلامي، أما من الناحية القانونية فنجد الاختلاف حاصل تبعا لتباين المدارس القانونية في العالم التي يحكم بعضها بالأساس الأول لتحديد الوفاة كالدانمارك والسويد واليابان وبولندا ومعظم الدول الإسلامية... فيثبتون التوارث بين المصاب وأقربائه لاعتبار حركة القلب والتنفس (1) ، بينما تقضي دول أخرى بعدم التوارث بين المصاب وغيره وفقا للتعريف الثاني لمسبب الموت المتمثل في موت الدماغ من دون النظر إلى حركة القلب ولا التنفس كالولايات المتحدة الأمريكية في أغلب مقاطعاتها والنرويج واسبانيا وفرنسا وإيطاليا وجنوب استراليا و...
وللإشارة يجدر التنبيه إلى أول من اعترف قانونيا بموت الدماغ وحكم بمقتضاه هي ولاية تكساس الأمريكية سنة:1970 (2) .
والملاحظ أنه قد بدأ تحول قانوني عالمي واعتراف دولي بالنظرية الثانية والاعتماد على التعريف الثاني القاضي بموت الدماغ بدلا عن الاحتكام إلى القلب والتنفس أو ما يسمى بالحركة، وهذا التعديل التدريجي فرضته النظرية الطبية المعاصرة والبحوث الإكلينيكية المعمقة والجماعية عن طريق الرابطات الطبية والجامعات العالمية أمثال جامعة هافارد ومينيسوتا الأمريكيتين والجامعات الإنجليزية والفرنسية..
__________
(1) - مجلة مجمع الفقه الإسلامي.ع2ج2،ص448.
(2) - المرجع السابق.ص447.نقلا عن:
Joyut. R. A. New look at death.JAMA.1984:252(5):680.682. (1/22)
صفحة 23
من ذلك نجد أن قضية الميراث من أجلِّ الآثار المترتبة على الخلاف الحاصل في تحديد الحياة والموت بالنسبة للجنين والمريض وغيرهما... لِتعلُّق الأمر بالحقوق المالية التي حرص الإسلام أيما حرص عليها بشتى وسائل التأكيد والتوثيق والتفصيل في دقائق الميراث والأموال، وكذا القوانين لرفع كل أشكال النزاعات المتوقعة.
2/الجناية:
ويقصد بالجناية هل تتحقق جناية القتل لمن وصل مرحلة السكون والوفاة بالنسبة لدماغه مع اشتغال القلب والتنفس سواء كان ذلك بصورة طبيعية (كما في اللحظات الأولى لموت الدماغ ) أو كان بصورة صناعية نباتية (بواسطة آلات الإنعاش فيما بعد ) مع الأخذ بعين الاعتبار عدم القدرة على تحديد بداية الحياة النباتية (1) بالنسبة للمصاب ونهاية الحياة الطبيعية وهذا لكون أجهزة الإنعاش مغروزة في بدنه قبل سكون الدماغ ووفاة جذعه.
... هل يعتبر سحب الآلات _ في المرحلة بين موت الدماغ و توقف القلب والتنفس _ قتلا للمصاب فتتحقق الجناية عليه؟ أم إنها لا تدخل في الحيز الجنائي باعتبار موت المصاب دماغيا قبل إيقافها؟
__________
(1) 2- الحياة النباتية : وتسمى" الحياة الاصطناعية " تتمثل في تشغيل النبض والتنفس بواسطة آلات الانعاش فقط فلو توقفت الآلات انقطع النبض والتنفس بصورة تبعية آلية فالمصاب حينها مرهون بها ولا قدرة لقلبه بالنبض طبيعيا ولا تنفسه أيضا، فهو كالنبات تتغذى خلاياه وتعيش من دون إنسانية أبدا لموت دماغه المسؤول عن العمليات العقلية والنفسية والانفعالية ... (1/23)
صفحة 24
... هذه أيضا مما يترتب على الاختلاف في دليل الحياة أو مسبب الموت الحقيقي المباشر من جهة أخرى لأن دليل الحياة ومسبب الوفاة وجهان لعملة واحدة كما يقول المثل، فرأي المالكية في هذه المسألة مُنبَنٍ على تحديد علامة الحياة لديهم، فقد قال العلامة الدسوقي متحدثا عن ثبوت جناية القتل للجنين الذي يسقط بسبب الاعتداء على أمه، فقال: "الدية للجنين الذي استهل والعشر والغرة إذا لم يستهل" (1) ، والمراد من سوق النص هنا معرفة اعتماد المالكية على دليل الحياة فنجدهم اعتمدوا على الاستهلال فأثبتوا له الدية الكاملة لكونه حيا، وحكموا بالغرة لاعتباره ميتا، فالجناية متعلقة بالاستهلال لا بالحركة، ومعنى ذلك فيما يخص المصاب المنعش ألا يكون الاعتماد على حركات قلبه ولا تنفسه بل على استجاباته الصوتية، والمعلوم في تلك الحالة التي قد مات فيها الدماغ ألا وجود لأية استجابة أبدا ما عدا حركة النبض والتنفس بالآلات وهذا غير معتبر لديهم ولا عند الأطباء المعاصرين أصحاب نظرية الدماغ.
... والقول نفسه عن البهيمة التي تضرب في بطنها فتلقي بجنينها حيا أميتا، وتنقص بذلك ففيها حكومة أرش ما نقص من قيمتها سليمة وأما الجنين فإن نزل ميتا فلا شيء فيه، وإن نزل حيا ثم مات فقيمته مع ما نقص مع أمه (2) .
... هذا ما ذهب إليه الشيخ محمد عرفة الدسوقي فيما يتعلق بالاعتداء على الحيوان مما له علاقة وطيدة بمسألة اعتبار الحياة والموت.
3/ الوصية:
__________
(1) - ينظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير.ج4، ص269.
(2) - المرجع السابق. ص270. بتصرف. (1/24)
صفحة 25
نجد الإمام النووي الشافعي يقول بالاستهلال أيضا، وذلك في حديثه عن الإيصاء للجنين الذي ثبتت حياته: "ولو ألقت (الحامل) جنينين وادعى الوارث حياتهما، وأنكر الجاني، ثم أقام الوارث البينة باستهلال أحدهما..." (1) ، فالوصية للمصاب المنعش أو المريض بين الحياة والموت جائزة على رأي الشافعية والمالكية والحنابلة مادام يستهل. ...
وكذلك نجد من الآثار المترتبة: العِدَّة بالنسبة لزوجة المصاب، وتجهيز الميِّت نفسه، وحلول الديون المتعلقة بالمصاب، وتقسيم التركة، وغير ذلك من الآثار...
ثانيا: ما يتعلق بالشريعة الإسلامية فحسب:
... أفردت هذه العناصر لوحدها في هذا العنصر؛ لتمَيُّزها بأحكام الشرع الإسلامي، من غير تدخل للقانون أو الأوضاع الإنسانية فيها، على خلاف الدين الإسلامي الذي يرتب أحكاما عليها في حالات الحياة والموت، كالصيد، والذكاة و...
1/ الصيد:
... تتعلق هذه أيضا بمسألة تحديد الوفاة والموت فلو صاد الرجل حيوانا فسارع إليه حتى وجده في حالة حركة المذبوح، فهل يعتبر ميتا فلا يحتاج إلى ذكاة أم هو حيٌّ.
رأي الحنابلة في هذا ما ذهب إليه الفقيه منصور بن يونس بن إدريس البهوتي في كتابه (2) " بل وجده (المصيد) متحرِّكا كحركة المذبوح فهو كالميتة لا يحتاج إلى ذكاة..."، فالحاصل عندهم أنه ميت رغم حركته، وهذا ما يوافق الاتجاه الثاني.
2/ الذكاة:
بالنسبة لإدراك النَّطيحة أو المُتردِّية أو غيرهما... إذ تتمخض الأحكام نفسها تبعا لاختلاف اعتبار زمن الوفاة ومُسبِّبها بين الفقهاء والمدارس الإسلامية الشرعية؛ فما يراه الشيخ السالمي من الإباضية غير ما يقرره المالكية والحنابلة، وهكذا...
__________
(1) - روضة الطالبين وعمدة المفتين.الإمام النووي، ط3/1991، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.ج9،ص379.بتصرف.
(2) - كشاف القناع عن متن الاقناع.ص25. (1/25)
صفحة 26
... وغير ذلك من الأحكام الشرعية المحضة أو المشتركة مع القضايا القانونية التي تلقي بظلالها الوارفة على الموضوع المطروح، فلا أجدني قد أحطت بالموضوع، بل حاولت تقديم بعض الآثار الناتجة عن مسألة تحديد المسبب الحقيقي للوفاة بين المدرستين( المعتمدة على توقف القلب والتنفس، والمعتمدة على موت الدماغ ) لدى الفقهاء والقانونيين.
الفصل الثالث
التداوي بالإنعاش
المبحث الأول
مفهوم الإنعاش
عند لسان اللغويين: تقول نَعَشَ نعشا : أنهض الشيء وأقامه، تقول: نَعَشَ الشجرة المائلة ونَعَشَ فلانا أي: جبره بعد فقره، أو تداركه من ورطته.
أنعشه أي نعشه يقال أنعشه من كبوته: أنهضه وقوى جأشه.
عند اصطلاح الأطباء: للإنعاش تعاربف عديدة عند الأطباء إلا أنه لا يخرج عن بعض الخطوط العريضة المشكِّلة لمفهومه العام، فهذان أنموذجان لمعنى مصطلح الإنعاش:
1- إسعافات متقدمة لاستعادة الحياة الطبيعية في حالات التدهور الخطير والسريع الذي يصيب الجسم أو وظائفه الهامة كالمخ والقلب والرئتين، وتشمل إجراءاته إعادة التنفس وتنشيط القلب، وغيرها نتيجة لوجود حالة اختناق أو غرق أو صدمة أو سكتة مُخيَّة (1) ...
2- محاولة إعادة التنفس وأحيانا خفقان القلب عندما يتعطل أحدهما أو كلاهما بالتوقف وبخاصة في حال الموت الظاهري الناشئ عن غرق أو صدمة كهربائية أو تسمم بالغاز أو... وهو ممكن بعد انقضاء عشرين دقيقة من توقف التنفس، أما إذا توقف القلب عن النشاط لفترة تزيد عن الأربع دقائق صار الأمل ضئيلا جدا في الحياة (2) .
__________
(1) - الموسوعة العربية الميسرة.ج1، ص247. بتصرف.
(2) - موسوعة المورد العربية. ج1، ص141.بتصرف. (1/26)
صفحة 27
... نلاحظ من التعريفين أن الإنعاش عمليات طبية مكثفة تمارس للمريض في الحالات الخطرة بعناية طبية دقيقة ومتابعات متتالية من طرف فريق متكامل من الأطباء المختصين في المجالات المركزة والهامة في جسم الإنسان، فهو جزء من التداوي، بل يمثل أدق وأعقد العمليات الطبية وأصعبها؛ لتوقف حياة المريض على نجاحها...
... مما سبق تتضح الأهمية القصوى للإنعاش ؛ لأننا لو استغنينا عنه لانتهى الأمر إلى وفاة المريض عادة - بإذن الله عز وجلَّ- ؛ لذلك يمكن إدراج عمليات الإنعاش – حسب تصنيف الفقهاء أول البحث - في حكم التداوي الواجب لما يؤدي ترك الإنعاش إلى الوفاة؛ فالمريض بحالة في منتهى الخطورة وبإمكان الأطباء أن يستفرغوا الوسع لإنقاذه بأجهزة الإنعاش الطبية فهو كالغريق (1) الذي يصارع الموج، وهو لا يجيد السباحة عند وجود القادرين على إنقاذه بقارب الأمان، فيلزم الإنقاذ هنا وبذل الوسع لحفظ النفس.
المبحث الثاني
أجهزة الإنعاش
هناك أجهزة متنوعة وعديدة للإنعاش بحسب الحالات المرضية للمصابين، فمنها ما كان للقلب، وما كان للتنفس، وغيرها من الآلات المتفاوتة في التطور والفعالية...، وما يلي بعض منها:
1/ المِنفسة: Respirator Or Ventilator:
__________
(1) - مجلة مجمع الفقه الإسلامي.ع2، ج1، ص481. (1/27)
صفحة 28
التنفس الاصطناعي أهم وسيلة يلجأ إليها في الإنعاش، ويَنصح الثقات من الأطباء بضرورة اللجوء إلى تدليك القلب تدليكا خارجيا في حال توقفه، ويكون باليد وباستعمال جهاز نافخ للرئة، فالأول يحدث في الحالات البسيطة الأولية التي لم ترق إلى الخطورة القصوى المؤدية إلى الاحتمال الأكبر للوفاة، بينما يستخدم الجهاز النافخ في الأوضاع المتقدمة من ذلك، وحالات شلل عضلات التنفس، إذ يدفع إلى داخل القصبة والشعب الهوائية في الرئة، بطريقة منتظمة و متقطعة ثم يسحب بعد ذلك كمية مساوية من الغازات من داخل الرئة إلى الهواء الخارجي، مع ملاحظة تدفئة المصاب وإعطائه منبهات للقلب والتنفس (1) .
... وأحيانا قد يلجأ إلى شق الرغام ( شق القصبة الهوائية ) وإدخال الأنبوبة مباشرة من الفتحة لتتم عملية التنفس الصناعي (2) ، وذلك في أقصى الأحوال إسراعا في إنقاذ المريض ودركا لحياته.
2/ أجهزة إنعاش القلب:
* مانع الذبذبات: Defibrillator :
الذي يعطي صدمات كهربائية للقلب الذي بطئ نبضه إلى درجة التوقف أو أوشك على الخمول نهائيا، فإن لم يجر تداركه بذلك الجهاز توقف في لحظات وانقطعت تغذية الدماغ عن الدم ليموت هو أيضا بعد مدة.
يقوم الأطباء بوضع جهاز مانع الذبذبات على صدر المريض وإمرار التيار الكهربائي يوقف الذبذبات ويعيد القلب إلى نبضه، وأيضا عند لحظة توقفه تماما يمكن إدراكه وإعادته للنشاط بالجهاز ما لم يتأخر الوقت (3) .
*جهاز منظم ضربات القلب Pace maker:
__________
(1) - ينظر: الموسوعة العربية الميسرة.ج1، ص654و 550.
... الموسوعة العربية العالمية.ج7، ص259.
... موسوعة المورد العربية.ج1، ص141.
(2) - مجلة مجمع الفقه الإسلامي.ع2، ج1، ص436.بتصرف.
(3) - المسائل الطبية المستجدة.ج2، ص38. (1/28)
صفحة 29
يستخدم عندما تكون ضربات القلب جد بطيئة بحيث لا يصل الدم إلى الدماغ بالكمية المطلوبة أو يكون متقطعا وذلك يسبب الغشيان والإغماء، وهذه المنظمات أنواع متعددة، فمنها ما يستعمل بصورة خارجية مؤقتة ومنها ما يكون داخل الجسم بصورة دائمة بالبطاريات التي قد تصل صلاحيتها إلى عشر سنون أو بواسطة الذرة الأطول صلاحية فقد تكون مدى الحياة، وهذا النوع الدائم يغرز تحت الجلد ويوصل بسلك إلى القلب.
هذا فيما يخص منظمات القلب التي تشهد تطورات كل يوم ترفع من احتمالات سلامتها و صلاحيتها وزيادة الاعتماد عليها( بإذن الله ) بأكثر طمأنينة من الأطباء والمرضى (1) .
... 3/ العقاقير: ...
وهي ما يستخدم لإنعاش التنفس أو القلب أو تنظيم ضرباته، العقاقير اسم جامع لكل الحبوب المستخدمة الناجعة على اختلافها وتعددها في أوساط الأطباء (2) .
المبحث الثالث:
أحوال إيقاف أجهزة الإنعاش:
... عند النظر في الأمر نجد أن أحوال الإيقاف لا تخرج عن ثلاث مواضع بمكن بيانها كالتالي:
1/ حالة الشفاء:
بأن تعود الأجهزة الحيوية للمصاب إلى حالتها الطبيعية عودةً مُطَمئِنة للفريق الطبي، وتزول حالة الخطر عن المريض، فلا يكون هناك ما يستدعي مواصلة الإنعاش.
2/ حالة الموت :
تكون متى تعطل كل شيء بما فيه الدماغ وجذعه، وذلك بحكم الأطباء لمَّا يرفض القلب أية منبهات خارجية، ولا يقبل الدماغ ما يرد إليه من الغذاء؛ فمع الموت لا جدوى من مواصلة الأجهزة والعلاج المكثف.
3/ حالة موت الدماغ مع بقاء نشاط القلب والتنفس:
__________
(1) - ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي.ع2،ج1،ص437.
المسائل الطبية المستجدة.ج2، ص39.
(2) - المرجعين السابقين. (1/29)
صفحة 30
... أن يتوقف الدماغ عن قبول أي غذاء، مع مواصلة الأعضاء الأخرى في العمل والقيام بوظائفها وذلك بالاعتماد الكلي على أجهزة الإنعاش، فالآلات تحرك الرئتين والقلب ويدور الدم في العروق بصفة آلية نباتية، فالحياة الذاتية قد ذهبت إلى غير رجعة وهي الحياة الحيوانية التي يقودها الدماغ توزيعا وتنظيما؛ لأن مراكز القيادة قد دمرت بالكامل.
... وهذه الحالة التي تعتبر مركز الدراسة في هذا البحث؛ فهي تحتوي على بعض ظواهر الحياة كنشاط القلب والرئتين والدورة الدموية، إلا أنها ليست دليلا عند الكثير كما تبين.
... المبحث الرابع:
... ... دواعي الإيقاف في الحالات الثلاث:
... ففي الحالتين الأولى والثانية لا داعي للتفصيل فيهما لأن الداعي واضح مفهوم فهو المتمثل في الشفاء والموت على التوالي.
... أما الحالة الثالثة عند موت جذع الدماغ مع نشاط القلب والتنفس ففيها بعض التفصيل لاقتضاء المقام له، وجريان الخلاف فيها، وأسباب الإيقاف موضوعية وإنسانية:
- فما دام المرء قد توفي فلا طائل من مواصلة الإنعاش.
- معرفة الأطباء والمراقبين للمريض أن جهودهم إلى الصفر أقرب لاستحالة عودة المريض إلى الحياة.
- زيادة آلام أقارب المريض ومعاناتهم للحالة اللغز بالنسبة لهم.
... فنجد الأطباء والفقهاء يشترطون شروطا قبل مرحلة النزع، وإلا حرَّم الفقهاء إيقاف الأجهزة، ولاحق القانون الأطباء بارتكابهم الجريمة في حق المريض، وهذه الشروط مختلف في اعتبارها اختلافا طفيفا، بل قد لا يعد اختلافا بالنظر إلى إمكان الجمع بينها.
والشروط على رأي الدكتور محمد علي البار كالتالي:
أولا: وفاة المصاب دماغيا وزوال الحياة الذاتية إلى الأبد.
ثانيا: تكاليف أجهزة الإنعاش الباهظة للدولة أو المواطن.
ثالثا: الانتفاع بأعضاء المصاب قبل تلفها (1) ( مع ما في هذا الأمر من تفصيلات عند الفقهاء ).
__________
(1) - مجلة مجمع الفقه الإسلامي.د2، ع2، ص490وبعدها. (1/30)
صفحة 31
... رابعا:وجود من يحتاج إلى الآلات غيره ممن هو أرجى في الشفاء.
ووافقه الفقهاء عليها بزيادة الشرط الرابع الذي صرَّح به سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي الإباضي (1) ، والدكتور محمد بن عبد الجواد حجازي وغيرهما (2) .
الفصل الرابع
مسؤولية الطبيب في إيقاف الإنعاش
المبحث الأول
مفهوم المسؤوليّة:
المطلب الأول
المسؤولية في المفهوم العام:
التزام شخص بما تعهَّد القيام به أو الامتناع عنه حتى إذا أخلَّ بتعهده تعرّض للمساءلة عن نُكوثه فيُلزم عندها بتحمُّل نتائج هذا النكوث (3) ، أو بما يعبَّر عنه في القواعد المتداولة بـ: "من ألزم شيئا لنفسه ألزمناه له"، أو بلغة المناطقة : " من قبل المقدمات أُلزم بالنتائج"، ومعنى ذلك أنه من التزم بشيء تحمَّل عواقبه شاء أم سخط.
... المطلب الثاني
المسؤولية في الشريعة الإسلامية:
فهي أن يتحمّل الإنسان نتائج الأفعال المحرمة التي يأتيها مختارًا ومدركاً لمعانيها ونتائجها. أو ينتهي عن الأمور الواجبة شريطة الإدراك والاختيار أيضا، فالإدراك ـ أو ما يسميه الفقهاء بالعقل ـ شرط في التكليف، إذ لا تكليف من دونه أصلا، والاختيار شرط في حصول الذنب والمؤاخذة بنص الحديث وروح الشريعة الإسلامية المبنية على التيسير والعدل فلا تؤاخذ المكلفين على الإكراه.
فمن أتى شيئا محرّما وهو لا يريده ( كالمكره ) أو لا يدركه (كالمغمى عليه ) لا يسأل جنائيا عن فعله، ومن أتى فِعلا محرَّما وهو يريده ولكن لا يدرك معناه كالطفل لا يسأل عن فعله (4) .
__________
(1) - الحصة التلفزيونية: سؤال أهل الذكر،مساء الأحد: 16شعبان4214هـ الموفق لـ: 12أكتوبر2003م، تلفزيون سلطنة عمان.
(2) - المسائل الطبية المستجدة.ج2، ص43و44.
(3) - القانون الجنائي العام. د. مصطفى العوجي، مؤسسة نوفل ،بيروت. ط1985.ج 1، ص11.
(4) - التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي. عبد القادر عوده، دار إحياء التراث العربي ،ط3،بيروت، 1985م. ج1،ص392. بتصرف. (1/31)
صفحة 32
المسؤولية في مصطلح الفقهاء:
وفي التدقيق اللغوي لمعنى المسؤولية نجد كلمة: " المأخوذية " الواردة في كلام الإمام الشافعي في كتابه الأم، أقرب ما تؤدي المعنى المراد من كلمة: " مسؤولية " في التعبير القانوني الحديث، ذلك لأن المرء في المسؤولية قد يكون فيما لا تبعة له فيه، أما المأخودية فيكون فيما فيه مؤاخذة وتبعة معا.
ولم أجد في كتب الفقه الإسلامي لفظة " المسؤولية " بل عبر عنها الفقهاء بلفظة الضمان فنحن نستعمل " المسؤولية " في البحث لانعدام الفارق المؤثر بين اللفظتين ومجاراة للاصطلاح المعاصر.
فتترتب المسؤولية إذن على الإخلال بحق ثابت للغير،كما يكون الإتلاف مباشرا أو مُسبَّبا فيه.
*- الإتلاف المباشر: هو إتلاف الشيء بالذات من غير تدخل شيء آخر.
*- الإتلاف السبَبِي: يعني أن يحدُث أمرا في شيء ما يفضي إلى تلف شيء آخر أي أن يحصل الإتلاف بطريق غير مباشر فيكون بواسطة.
المبحث الثاني:
الأصل الشرعي للمسؤولية في السنة النبوية:
وجاءت السنة مبينة مبدأ المسؤولية فيما يتعلق بحق الإنسان ويهمنا هنا ما قرَّرَته الشريعة على من يتولّى علاج الناس فقد روى عمرو بن شعيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« من تطبَّب ولم يُعلَم منه طِبٌّ قبل ذلك فهو ضامن » (1) .
وقال الإمام الخطابي في معالم السنن: إن المعالج إذا تعدّى فتلف المريض يكون ضامنا أو تولَّد من فعله تلف، ضمن الديَّة وأسقط القوَد وجناية الطبيب عند عامة الفقهاء على عاقلته.
__________
(1) - سنن أبي داود. كتاب الديات، رقم: 4586. (1/32)
صفحة 33
وجاءت روايات متعددة منذ عهد الصحابة تقوم على القاعدة:" لا ضرر ولا ضرار"،فتعتبر القاعدة الكلية في عموم المسؤولية، إلا أنه فيما يخص الطِّب تتقدم قاعدة:" الأمين لا يُخوَّن " فيندرج فيها الطبيب باعتبار كون يده أمينة، وغيرها من القواعد التي تفيد عدم إشغال ذمته بأية مسؤولية جنائية حتى يثبت التقصير أو التعدِّي منه، وهذا ما يُعتمد عليه في تطبيق جزئيات مسؤوليات الطبيب.
ومن الأصول المسلَّم عند كثير من الفقهاء بها قاعدة :" الضرر يزال" و"الضرر يقدر بقدره"و " الضرر الخاص يحتمل الضرر العام"... وكان لهذه القواعد الأثر الكبير في تطبيق مبدأ المسؤولية وفي الوقت نفسه الأثر في رفع المسؤولية في أخذ مال الممتنع عن أداء الدين بغير إذن (1) ، والعبرة من سوق هذا المقطع السابق هي بيان ثبوت المسؤولية أو رفعها عن المكلف.
المبحث الثالث:
مسؤولية إيقاف الإنعاش في الأحوال الثلاثة:
1/ الحالة الأولى: الشفاء :
الأجدر في هذه الحالة احترام قرار الأطباء بنزع الأجهزة متى ما رأوا ذلك؛ لأنه الرأي الصائب لتحقق البرء التام أو السير في طريق النقاهة الآمن - بإذن الله -، والطبيب لا تلحقه أية مسؤولية قضائية في إيقاف الأجهزة.
ولو قُدِّر أن مات بعد الاطمئنان من طرف الأطباء عُدَّت وفاته طبيعية، وليست من آثار نزع الأجهزة عنه لسبق الاطمئنان إلى عدم فائدة أجهزة الإنعاش من المختصِّين.
... 2/ الحالة الثانية: الموت:
... ... عند وقوع الوفاة بالكامل على المريض في كل أعضائه تنتفي أدنى مسؤولية للطبيب في إيقاف الإنعاش عنه؛ لأن علة الإنعاش المتمثلة في محاولات استرجاع الحياة الذاتية قد زالت أصلا.
3/ الحالة الثالثة:
__________
(1) - مجلة الفقه الإسلامي. ع8، ج3، ص87. (1/33)
صفحة 34
هنا موضع الخلاف الحاصل على مستوى الرأي العام العالمي نتيجة الاعتماد على المسبِّب الحقيقي للوفاة بين فريقين يضُمَّان فقهاء وقانونيين، بَين من يعتمد في إعلان الوفاة على توقف القلب والتنفس، ومن يعتبر موت جذع الدماغ هو المسؤول عن الموت.
... فمن يعتمد على موت الدماغ لا يرى حاجة في إبقاء الإنعاش على المريض لأنه قد مات فعلا، فبالتالي لا غضاضة على الطبيب متى نزع الإنعاش عن المريض في هذه الحالة، وهؤلاء أصحاب المدرسة الإنجليزية والأمريكية ومن وافقهم كالمحاكم في الولايات المتحدة الأمريكية وجنوب استراليا ومقاطعة فكتوريا ومقاطعة ويلز في المملكة المتحدة (1) ، زيادة على ذلك كل من الدول التي اعترفت صراحة بموت الدماغ كالنرويح، الأرجنتين، إسبانيا، فرنسا، 33ولاية من الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1982م والنمسا، كندا وغيرها (2) ...
... ومن لا يرى إلا بتوقف القلب والتنفس لا يجيز إيقاف الإنعاش حتى يتوقف الكل تماما، من غير اعتبار للدواعي المذكورة في الإيقاف ولا الشروط التي وضعها أصحاب القول الأول، فإن أوقف الطبيب الأجهزة في هذه الحالة يكون قد ارتكب جناية يؤاخذه عليها القانون والشرع، فلا يعذر حتى تنتهي حياة المصاب تماما، ويتعطل كل شيء بنفسه، والذين ذهبوا لهذا الرأي من الفقهاء الشيخ السالمي من الإباضية (3) ، والنووي من الشافعية (4) ، وكثير من الفقهاء – كما أورد الدكتور: محمد علي البار- (5) .
... أما قانونيا فهناك الكثير من الدول... نذكر منها الدانيمارك، اليابان، بولندا، السويد، معظم الدول الإسلامية... (6) .
خاتمة
__________
(1) - ينظر:مجلة مجمع الفقه الإسلامي.د2، ع2، ج1، ص:435و447بعدها.
(2) - المرجع السابق.
(3) - جوابات الإمام السالمي. الشيخ عبد الله حميد السالمي .ج4، ص151.
(4) - روضة الطالبين وعمدة المفتين. الإمام النووي، ج9،ص379.بتصرف.
(5) - مجلة مجمع الفقه الإسلامي.د2، ع2، ج1، ص448.
(6) - المرجع السابق. (1/34)
صفحة 35
ماذا عساني أقول بعد هذا العرض المتواضع للموضوع الذي لا يزال مشتبكا بين الفقهاء والقانونيين خصوصا في أدق دقائقه العلمية، مع الاعتراف بوجود بعض الخطوط العريضة التي رسمها الفقهاء الأوائل أمثال الإمامين مالك وأحمد وغيرهما ممن نحى نحوهما، حتى جاء العلم المعاصر بآلاته الرقمية، وتحاليله الإكلينيكية، فأُنشئت المجامع الطبية في الدول الرائدة في هذا المجال، فأكدت نظرية مالك وأحمد، وأخذ كثير من فقهاء المذاهب الإسلامية يدرسون القضية من شتى جوانبها الشرعية، وكل ما يترتب على ذلك من أحكام مرتبطة بالدين الإسلامي الشامل المتوافق في فروعه فضلا عن أصوله.
كما بدأت القوانين العالمية تحاول التكيُّف مع الثورة الطبية والوضع الجديد للموضوع، وتتخذ الإجراءات القانونية للمسائل التي يمكن أن تندرج تحتها، مع ما في ذلك من اختلاف في التفريعات الوضعية بين الدول في أروبا وأمريكا بل بين الولايات الأمريكية نفسها.
فكان عرض الموضوع بحسب فهمي له وتصوري حوله مستعينا بالمراجع الطبية والشرعية والتي جمعت بينهما، وحاولت الاستنتاج والتحليل - باستحياء -، فكان مبلغ مرامي الاستفادة والإفادة ما استطعت إلى ذلك سبيلا، فإن أصبت فمن الله وإن زللت فمني ومن الشيطان الرجيم.
ويمكن إيجاز البحث في هذه النتائج المتوصل إليها بتوفيق الله ومنِّه، في النقاط الآتية:
* إثبات عدم جدوى الاعتماد في تحديد الوفاة على مجرد توقف القلب والتنفس، لتمكن الأطباء من إيقاف القلب برهة من الزمن لِيُعيدوا له النشاط بعد ذلك، بل لإمكان إجراء العمليات في القلب نفسه.
* الاعتماد على الدماغ في تحديد الوفاة بدلا عن توقف القلب والتنفس؛ لكون هذين الأخيرين لاحقين لموت الدماغ حتما.
* البرهنة على إثبات الوفاة بموت جذع الدماغ فقط لكونه المسؤول عن مراكز الحياة الإنسانية ولو لم يمت المخ والمخيخ بعدُ. (1/35)
صفحة 36
* تأكيد نظرية المالكية والحنابلة في عدم الاعتماد على الحركة كدليل للحياة من خلال الوقائع الحاصلة والبحوث الطبية.
* ضرورة التحول القانوني إلى الحكم والقضاء بالآثار المترتبة عن موت جذع الدماغ بدلا من القضاء بما يترتب عن توقف القلب والتنفس.
* رفع المسؤولية الجنائية والشرعية عن الطبيب في إيقاف الإنعاش عمَّن مات جذع دماغه، ولو لم يتوقف قلبه وتنفسه بالأجهزة.
* حتمية الاهتمام بالمجالات الطبية المتعلقة بالدين الإسلامي؛ بغية تحقيق العبادة الحقَّة المبنية على العلم واليقين.
... وجدير بك أخي المسلم أن تطلع على الأبحاث العلمية المتعلقة بهذا المجال والتي تزيد وتؤكد دوما للعالمَ رفعة الإسلام وسُموِّ تشريعه بين الأنام، مهما تعالت الأصوات التي تسعى جاهدة لأن تخذل نور الله وتنال منه بسعي المغرضين من مرضى القلوب لإقامة المجمعات الطبية والبحوث المتقدمة في شتى المجالات إلا أنها تصل دائما إلى ما أرسى الله من تشريع للخلق أجمع، ولا عجب فقد قال الله في محكم التنزيل: {...يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون هو الذي أرسل رسوله ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون... }
فدينا الحق القوي بذاته إلا إن خذله المسلمون أنفسهم بالاستهداء في غير هديه الرباني والطموح لنهج غيره الوضعي، ودين غيرنا الباطل ضعيف بذاته لكنه قد يقوى بأهله.
تمت
- - - -
- -
المصادر و المراجع
1- القرآن الكريم.
2- الموسوعة العربية العالمية: مجموعة باحثين.
مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع, ط2 سنة 1999الرياض. المملكة العربية السعودية.
3-الموسوعة العربية الميسرة: نخبة من الباحثين بإشراف:محمد شفيق غربال, صورة طبق الأصل
من طبعة: 1965، دار إحياء التراث العربي.بيروت, لبنان، ج1.
4- موسوعة المورد: منير البعلبكي.
ج6, ط1 سنة: 1981م دار العلم للملايين, بيروت لبنان. (1/36)
صفحة 37
5- مجلة مجمع الفقه الإسلامي: نخبة من الفقهاء والعلماء.
أ - الدورة الثانية, العدد الثاني، الجزء الأول.
ب - الدورة السابعة, العدد الثالث، الجزء الثالث.
ج - الدورة الثامنة, العدد الثامن الجزء الثالث.
6- فردوس الحكمة في الطب: أبو الحسن علي بن ربّن الطبري, تحقيق: محمد زبير الصديقي.
الكتاب هو الجزء 29 من سلسلة الطب الإسلامي, للدكتور فؤاد سزكين طبعة سنة: 1996م -1416هـ معهد تاريخ العلوم العربية و الإسلامية في إطار جامعة فرانكفورت- ألمانيا.
7- المسائل الطبية المستجدة في ضوء الشريعة الإسلامية. د: محمد بن عبد الجواد حجازي النتشة.
رسالة دكتوراه لجامعة أم درمان، السودان، ط:1/2001م، سلسلة إصدارات الحكمة، بريطانيا، المملكة المتحدة.
8- الجامع لأحكام القرآن: أبي عبد الله محمد الأنصاري القرطبي, تصحيح: أحمد عبد العليم البردوني.
ج 10، ط2, سنة 1952م, مصر.
9- سنن أبي داود: سليمان بن الأشعث السجستاني, تحقيق: محمد عبد العزيز الخالدي.
ط1, دار الكتب العلمية, بيروت, لبنان.
10- الكتب الستة موسوعة الحديث الشريف: مجموعة باحثين بإشراف: صالح بن عبد العزيز بن محمد
آل الشيخ، دار الفيحاء للطباعة و النشر, دمشق، سوريا.
11- كشاف القناع عن متن الإقناع: منصور بن يونس بن إدريس البهوتي.
ط، دار الفكر بيروت، لبنان.
12- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير, شمس الدين محمد عرفة الدسوقي.
ج4, دط دار الفكر, دمشق، سوريا.
13- الإنسان في علم التشريح و وظائف الأعضاء, الطوزي محمد و زغل أحمد محمد.
دار المطبعة المصرية, د.ت, القاهرة مصر.
14- الطب الشرعي و السموم, جلال الجابري.
ط1/2002م, الدار العلمية الدولية للنشر والتوزيع, و دار الثقافة للنشر والتوزيع,
عمّان، الأردن.
15- بداية المجتهد ونهاية المقتصد.الإمام محمد بن رشد القرطبي.
ج1، ط8/1986م. دار المعرفة، بيروت، لبنان. (1/37)
صفحة 38
16- التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي. عبد القادر عوده.
ج1، دار إحياء التراث العربي ،ط3/1985م.بيروت، لبنان.
17- القانون الجنائي العام. د. مصطفى العوجي،
ج1، مؤسسة نوفل ط /1985.بيروت، لبنان.
18- جوابات الإمام السالمي. الشيخ عبد الله حميد السالمي .
ج4، ص151.ط2/1999م، سلطنة عمان.
19- شرح منتهى الإرادات.فقيه الحنابلة منصور بن يونس بن إدريس البهوتي،
ج1، ط1/1993م.عالم الكتب، بيروت، لبنان.
20- الحصة التلفزيونية للإفتاء: سؤال أهل الذكر، 16شعبان1424هـ/ 12 أكتوبر2003م،
تلفزيون سلطنة عمان.
فهرس
مقدمة.........................................................02
الفصل الأول: الطب والتطبيب في الشريعة الإسلامية...........................05
المبحث الأول : تعريف الطب.........................................05
المبحث الثاني : حكمه ومشروعيته.....................................06
الفصل الثاني: التفسير العلمي للمسبِّب الحقيقي للموت.........................09
المبحث الأول : التعريف القديم للمسبب الحقيقي للموت................09
المبحث الثاني : التعريف الحديث للمسبب الحقيقي للموت...............11
- بسطة حول الدماغ..................................11
- الأسس العلمية لموت جذع الدماغ...................14
- إعلان الوفاة.........................................18
- دليل الحياة عند الفقهاء...............................20
- الآثار المترتبة.......................................22
1/ ما يرتبط بالشريعة والقانون..................24
الإرث..................................24
الجناية..................................24
الإيصاء ................................25
2/ ما يتعلق بالشريعة الإسلامية فحسب..........26
الصيد .................................26
الذكاة..................................26 (1/38)
صفحة 39
الفصل الثالث: التداوي بالإنعاش.............................................27
المبحث الأول : مفهوم الإنعاش........................................29
المبحث الثاني : أجهزة الإنعاش........................................29
المبحث الثالث : أحوال إيقاف أجهزة الإنعاش..........................31
المبحث الرابع : دواعي الإيقاف في الحالات الثلاث:....................32
الفصل الرابع: مسؤولية الطبيب في إيقاف الإنعاش.............................33
المبحث الأول : مفهوم المسؤوليّة.....................................33
المبحث الثاني : المسؤولية في المفهوم العام...............................33
المبحث الثالث : المسؤولية في الشريعة الإسلامية........................33
- الأصل الشرعي للمسؤولية في السنة النبوية............35
المبحث الرابع : مسؤولية إيقاف الإنعاش في الأحوال الثلاثة.............36
خاتمة......................................................38
المصادر والمراجع.............................................................40
فهرس.............................................................43 (1/39)