صفحة 1
محاضرة: من آداب صلاة الجمعة وأحكامها لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] مِن آداب صلاة الجمعة وأحكامها
محاضرة
للشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله تعالى
شبكة الدرة الإسلامية
www.aldura.net
aldura@aldura.net
... على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فالسلام عَليْكم أيُّها المشائخ والإخوة والأبنَاء ورَحمة الله وبَرَكاته .. أُحَيِّيكُم بِهَذِه التحيَّة الطيبة المباركة، وأحمد الله - سبحانه وتعالى - الذي جَمع هذا الجمع الكريم في هذا المسجد الشريف وفي هذا اليوم المبارك، وإنِّي لأهنئكم بِهذا الاجتماع الميمون وبِهذه المناسبة الطيبة .. مناسبة افتتاح أول صلاة جمعة في هذا المسجد الشريف وفي هذا البلد العزيز.
ولا ريب أنّ للجمعة فوائدَ كثيرة، فإنّ الله-تبارك وتعالى-جعلها شعيرة مقدسة، وجعل يَوْمها يوما مُبَاركا، وجعل لقاءها لقاء ميمونا، فهو لقاء يَجمع ما بين الفئات التي قد تكون مُتدابرة، ويؤلف بين القلوب التي قد تكون متنافرة، فهو يجمع الشتات، ويرأب الصدع، ويطهر القلوب مِن الأوغار والأحقاد.
هذا، ولا ريب أنّ لِكُلِّ عبادة مِن العبادات التي شرعها الله - سبحانه وتعالى - أثرًا نفسيا واجتماعيا، فالعبادات بِأسرها ذات أثر في نفوس العباد العابدين العاملين بأمر الله المزدجرين عن نَهيه، لأنها تصلهم بِالله - سبحانه وتعالى - وتغرس فيهم روح التَّقوى، كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ سورة البقرة، الآية: 21 ]. (1/1)
صفحة 2
والجمعة مِن بَيْن هَذه العبادات، وهي تَجمع ما بين أكبر جمع يُمكن أن يجتمع في الأسبوع الواحد، فإنّ الصلوات الخمس تجمع مجموعات في مساجد متعددة .. تَجمع هذه المجموعة وتلك المجموعة، فهي تجمع أهل المحلة الواحدة في المسجد الوَاحِد إن كانت هَذِه المحلة بحيث يسعها ذلك المسجد، وفي هذا الاجتماع تآلف وتعارف وتقارب وتوحد وتعاون على البر والتقوى، وجمع الجمعة أكبر مِن هذا الجمع، فإنَّها تجمع جمعا أعظم، فأثرها-إذن-هو أثر أكبر، ولذلك كان مِن الضرورة أن يحافَظ عليها، والله - سبحانه وتعالى - أمر بِها وأمر بأن يُسعى إليها، فقد قال - سبحانه وتعالى - : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } [ سورة الجمعة، الآية: 9 ]، وترون أنّ الله - سبحانه وتعالى - جعل السعي إليها سعيا إلى الذكر، وقد فسر كثير مِن المفسرين هذا الذكر بخطبة الجمعة، لِما في هذه الخطبة مِن حمد الله - سبحانه وتعالى - والشهادة له بالوحدانية ولنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة ولما فيها مِن الصلاة والسلام على الرسول الأعظم-عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام-ولما فيها-أيضا-مِن التذكير بالله، فَفِيها الأمر بِتَقوى الله وفيها الحض على طاعة الله وفيها الزجر عن معصية الله وفيها تِلاوةٌ لآيات الله - سبحانه وتعالى - وكل هذا ذكر، فالسعي-إذن-مِن أجْلِ سَمَاع هذه الخطبة إنَّما هو سعيٌ إلى ذكر الله سبحانه، وَهَذِه الخُطْبَة ذَات فَائِدَة عَظِيمة، لأنَّها تُوصِي بالخيْر، ولو لَمْ يَسْمَع السَّامِعُون فِيها إلا قَوْل الله تبارك وتعالى: { إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [ (1/2)
صفحة 3
سورة النحل، الآية: 90 ] لَكَفَى ذَلك خَيْرا عظيما وشرفًا مُبِينا.
وقد دَلَّت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عَلَى وُجُوبِ السعي إلى الجمُعَة وَعَدم جَواز التَّخلف عنها، فقَد قَال عليه أفضل الصلاة والسلام: ( لَيَنْتَهِيَنَّ أَقوَام عَن وَدْعِهِمُ الجمعات أو ليَخْتِمَنَّ الله على قُلوبِهم ثم ليَكُونُن مِن الغَافِلِين )، وقال: ( مَن تَرَكَ ثلاث جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِها خَتَم الله على قَلْبِه ).
وكان السَّلف الصَالِح حِرَاصًا على السَّعْيِ إلى هَذِه الجمعة عَلَى أيِّ حَال مِن الأحوال، فقد أُثِرَ عن الأئمة الأعلام .. صُحَار بن العباس العَبْدِي وجابر بن زيد وجعفر بن السِّمَاك وضُمَام بن السائب وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وغيرهم مِن العلماء الأعلام أَنَّهم كانوا يَحرصون على أداء هذه الجمعة في ذلكم الوقت الحرِج الذي عاشوا فيه تَحْت نِير الجبارين الظالمين فَقَد كانوا في وقت تَقِية يخشون فيه على أنفسهم ويتكتَّمُون عَنْ عيون الناس بِسَبَب ما كان يُحَاك ضِدَّهم مِن المؤامَرَات ولكنهم مَعَ ذلك كانوا يَحْرِصُونَ كل الحِرْص عَلى شُهُود الجمعة ولا يَرَوْنَ التَّخَلَّف عنها كما ذكر ذلك الإمام مَحْبوب بن الرحيل-رحمه الله تعالى-في الرسالتين اللتين وجَّهَهُما إلى أهل عُمَان وإلى أهل حضرموت، فَقَد ذكر عَنْهُم الكثير مِن ذلك .. ذَكر عَنْهُم أنَّهم كانوا يَتَطَيَّبون لِيوْمِ الجمعة ويَذْهَبُون إليْهَا ليَشْهَدُوها مع أنَّهم كانوا يُصلُّونَها وراء الحجَّاج بن يوسف وأمْثَال أولئك الذين كانت لا تَرِقُّ قُلُوبُهم للمؤمنِين. (1/3)
صفحة 4
وكان الحجَّاج يُطِيل خُطْبَة الجمعة حتى يَفُوتَ وقت الظُّهْر وربَّما كاد وقْتُ العَصْر يَفُوت بِسَبَبِ هذه الإطالة وكانوا يَجِدون مِن ذَلِك حرجا فلما هلك الحجاج وأعيدت الجمعة إلى وقتها بِحيث كانت تُصَلى في وقتها قال ضُمَام في رواية وصُحار في رواية أخرى: " الحمد لله الذي أعاد إليْنا جُمُعَتَنَا "، وما ذلك إلا مِن أَجْلِ أنَّهم كانوا يَرَوْن في تَأْخِير هذه الجمعة تأخيرا للفريضَة عن مِيقَاتِها، والصلاة لَها ميقات محدد: { ... إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا } [ سورة النساء، من الآية: 103 ]، فلا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عن وقْتِها المحَدَّدِ ولكن ذَلِك إنَّما كان هو مِن تَصَرُّف أولئك الظالِمين، وقد كان أمرًا عَسِيرا على نُفُوسِهم شَدِيدًا وطْؤهُ على قُلُوبِهم أن تُؤخَّرَ الجمعة عن مِيقَاتِهَا المحدد، ولَمَّا أُعِيدَت كَان ذَلِك عِيدًا لَهُم .. كَانَت فَرْحَةً كُبْرَى غَمَرَت قُلُوبَهَم بِسَبَب هَذِه الإعادة، ولِذَلك قال مَن قال: " الحمد لله الذي أعاد إلينا جُمُعَتَنَا ".
هَذَا، وكان مِمَّا ذَكَرَه الإمَام أبُو سُفْيان في رسالتِه هَذِه أنَّ أَهْلَ عُمان كتَبُوا إلى الإمام أبِي الشَّعْثَاء جابر بن زيد-رضي الله تعالى عنه-يَسْتَفْتُونَه في: الجمعة هل تَلْزَم مَن لَم يَسْمَع نِدَاءَهَا ؟ فَأَجَابَهم: " لَوْ لَم يَسْعَ إِلَيْهَا إلاَّ مَنْ سَمِع نِدَاءَهَا لَقَلَّ السَّاعُون إليْهَا .. يُسْعَى إليها مِن فَرْسَخَيْنِ وثَلاث ".
وذَكَرَ-أيْضا-عَنه-رحمه الله تعالى-أنَّه خَرَجَ إلى الجمعة يَوْمًا فِي وَقْت مُتَأَخِّر فَلَمَّا وَصَل إلى حَيْثُ تُقَام وَجَدَ الجماعة قَدْ صَلَّت فَوَجَدَ بسبب ذلك في نفسه أمْرًا عظيما وقَال: " اللهم لَكَ عَلَيَّ ألاَّ أَعُود ". (1/4)
صفحة 5
وذَكَرَ عن صُحَار بن عباس العَبْدِيِّ-رضي الله تعالى عنه-أنَّه كان يَخْرج من بَيْتِه بَعْدَ صَلاةِ الفجر للسَّعْيِ إلى الجمعة وَيَصِلُ إليْهَا قُبَيْل مِيقَاتِهَا المحدد فَيُصَلِّيها ثم يَقْفُل رَاجِعا إلى أَهْلِه ولا يَصِل إِلى أهْلِهِ إلا عِندَ المغْرِب .. أيْ يُؤْوِيه الليل فِي أَهْلِه ومع ذَلِك كان يَحْرِص على شهودِهَا.
وذَكَرَ عن جابر وأبي عبيدة وضمام والربيع وغَيْرِهم أنَّهم كانوا في شِدَّة الحر في شَهْرِ رَمضان المبارك ربَّمَا رَكِبُوا إِلَيْهَا .. أيْ ركبوا سَفِينَة حَتى يَصِلُوا إلى قُرْبِ المكان الذِي تُقَام فِيه الجُمعة مِن أجل تَقْصِير الطَرِيق التي يسْعَوْن فِيها على الأقْدَام بِسَبَب مَا يَلْقَوْن مِن شِدَّة الحر في البَصْرَة وَحَرُّ البصرة حر شديد فلذلك كانوا يَحَاوِلُون أن يُخَفِّفُوا عَلَى أنفسهم بِرُكُوبِ سَفِينَة في " دَجْلَة " حَتَى تَصِلَ بِهِم إلى مَكَان قَرِيب مِن مَكان إِقَامَة صلاة الجمعة.
وذَكَرَ عن أبي مَوْدُود حَاجِب بن مَوْدُود-رحمه الله تعالى-أنَّه كَانَ في عَام مِن الأَعْوَامِ يُرِيدُ أن يَحُجَّ بَيْتَ الله-تعالى-الحرام ولكنّ الحجاج الطَّاغِيَة سَجَنَهُ وَظَلَّ فِي السِّجن إلى مَا-قَبْل الموسم .. أيْ-قَبْل هِلال ذِي الحجة بِثَمَانِية أيام وأطلق سَرَاحَهُ بَعْدَ ذَلِك فَلَمَّا سَرَّحَهُ شَدَّ رحْلَه مع رفقة لَه للذَّهَاب إلى الحج ثَمَّ تَذَكَّر أنَّ ذَلِك اليَوْم يَوْم جُمعة فقال لأصحابه: " إنّ في نفسي مِن الجمعة لَحَاجة " فقالوا له: " يَا حَاجِب، أنتَ بِالبِصْرَة وبَيْنَك وبَيْن الموْسِم ثَمَانِية أيام وتَنْتَظِر الجمعة ؟! " قَال لهم: " إنّ في نَفْسِي مِنَ الجمعة لَحاجة " فَتَأَخَّر عن رفْقَتِه وانتظر الجمعة حتى صَلاها ثم ركب على أثَرِهم ولَحق بِهم بعد ذلك في مكان يُسَمى " المُحَيْ " بَعْدَ يَوْمَين .. هَذَا كُلُّه مِن أجل حِرْصِه على الجمعة. (1/5)
صفحة 6
هَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَا لِلجُمُعَة مِن فَضْل ومَا لِمن يَسْعَى إليها مِن أجْر ولِمَا فِي شُهُودِهَا مِن فَضْل عَظيم وخَير كبير فلا ينبغي التَّفْرِيط فيها .. لا ينبغي أَبَدًا لأحد بَيْنَه وبين المكان الذي تُقَامُ فيه الجمعة أقل مِن مسافة القصْر أن يَتَأَخَّر عن السَّعْيِ إليها بَلْ يَجِبُ عَلَيْه أن يَسْعَى إليها بَلْ قَال العلماء بِأَنَّه إذا آوَاهُ الليْل فِي أهله كان واجبا عليه أن يَسعى إليْها؛ وهذا عندما يَكون-كما يقول الإمام نور الدين السالمي رضي الله تعالى عنه-العمرانُ مُمْتدا حتى يكون الإنسان مُوَطِّنا في أنْحَاء ذلك العُمران فإنّ عَلَيْه أن يَسعى إلى الجمعة ما دام يؤويه الليل في أهْلِه.
هذا، ولا ريب أنّ لِهَذِه الصلاة مِن الآداب والأحكام ما يَجب على الإنسان أن يَعْلمه.
قبل كل شيء نُنَبِّه على أنّ هَذِه الصلاة فريضة، فهي فريضة مقدسة، ذلك لأنّ الله-تبارك وتعالى-أمر بِها والأمر يُحْمَل على الوجوبِ مَا لَم تَصْرِفه قَرِينَة، ثم هِي عِوَضٌ عن صلاة الظهر، ولَمَّا كانت عوضا عن صلاة الظهر دَلََّ ذلك على أنَّها فريضة، إذ لا يُمكن أن تكون النَّافِلة عِوَضًا عن فَرِيضَة، فالله-تعالى-يقول: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ... } [ سورة الجمعة، من الآية: 9 ]، وفي هذا ما لا يَخفى على مُتَأَمِّل مِن كَوْن حُكْمِ الجمعة فريضة، ولِذَلِك نُنَبِّه إِخَوَانَنَا الذين لَمْ يكون على علم بِهَا مِن قَبْل أنّ عليهم أن يَنْوُوها فرضا، ولا يَنْوُوهَا نَافِلة أو سنَّة، فإنّ نِيَتَهَا نَافِلة أو سنَّة خطأٌ كَبير.
ثم مِن الأمور التي يَنْبَغِي التنبيه عليها والحرص عَلَى تطبيقها آداب الجمعة .. للجمعة آداب، مِن بَيْنِ هذه الآداب التي لابد منها: (1/6)
صفحة 7
1-أن يأتي الإنسان إليها فيجلس إلى حَيْث ما انتهى بِه المجلس .. إلى حيث انتهى به المقام .. إلى آخر حد وَصَلَ إِلَيْه النَّاس، وألاّ يَتَخَطَّى الصفوف ويتخطى الرقاب، فإنّ ذلك يُنَافي آداب الجمعة المشْرُوعَة، وقد وَجَدَ النبي - صلى الله عليه وسلم - رَجُلا يَتَخَطَّى الرِّقَاب في يَوْمِ الجمعة فقال له: ( اقْعُدْ فَقَدْ آذيتَ ) .. ذلك دليل على أنَّه لا يَحِلُّ للإنسان أن يَتَخَطَّى الرِّقاب.
2-وَمِن بيْن الآداب التي لابد مِن تطبيقها-أيْضًا-أنّ مَنْ شَهِدها وَبَدَأَ الخطِيبُ يَخْطُب فَلَيْس له أن يَتَحَدَّث بِأيّ شيءٍ ولو كان أمرا بمعروف أو نَهْيًا عن منْكر، لأنّ ذلك مِن اللَّغْوِ ومَن لغَا فلا جُمَعة له .. جَاءَ فِي الحديث عن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام: ( مَن قَال لأخيه يوم الجمعة والإمام يَخطب: " صَهْ "-أي بِمعنى اسْكُتْ-فقد لَغَا ) ومِن المعلوم أنّ مَن لَغَا لاَ جُمعة له: ( ومَن لَغَا فَلاَ جُمعة له ).
ولذلك يَأمر العلماء مَنْ لَغَا أن يَخْرج مِن المسجد ثم يعود إليه ويَجْلِس حيث انتهى به المقام مِن غير أن يَتَخَطَّى الرقاب وقَد فاتَه فضل السَّبْقِ وإنَّما ذلك لاستدراك صلاة الجمعة حتى لاَ يَكُون لا صلاة له.
والعلماء اختلَفوا في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لاَ جُمعة له ) هل معنى ذلك يَفوتُه أجر الجمعة وتَصِحُّ صَلاته أو أنَّه لا صلاة لَه وعليه أن يُصَلِي بعد ذلك الظهر ؟ إن لَمْ يَخْرج، أما إن خرج وعاد فإنه بِذَلك يَستدرِك ما عسى يَفُوتُه مِن فضل الجمعة وخَيْرِها وثبوتِها وصِحَّتِها ولكن مع ذلك يكون قد فاته فضل السبق. (1/7)
صفحة 8
ولَئِن كان الإنسان لا يَسُوغُ لَه وهو يَسمَع أحدًا مِن الناس يَتَحَدَّث في حال خُطْبة الإمام أن يَقول له: " اسْكُتْ " أو " اصْمُتْ " أو " صَهْ " فَكَيْفَ بِمَا وَرَاءِ ذلك .. كيف بِالحديثِ الآخَر مع أنّ فِي كلٍّ مِن ذلك أمرًا بِالمعروف ونَهْيا عن المنكر إلا أنّ المنكر لا يُدْفَع بِمُنْكر والمعروف لا يُؤْمَر بِه إلا بِالمعْرُوف فلذلك كان عَدَمُ قَوْلِ شَيْءٍ مِن ذلك هُوَ الوَاجِب على الإنسان وهُوَ يَسْمع المتحدثين لئلا يَقَعُ فِيمَا وَقَعُوا فيه.
3-وكَذَلِك مِن الآداب أن يَجْلِس الإنسان مُسْتَقْبِلا للقِبْلَة وألاّ يَكُون مَشْغُولا بِشَيْء ولِذلك كَرِهُوا حتى الحَبْوَة .. أَيْ أَنْ يَحْتَبِي لِمَا في ذَلِك ما يُنَافي الاهتمام بِهذه الجمعة فَيُؤمَر الإنسان أن يكون شديد الاهتمام بِها.
4-وكذلك مِمَّا يُؤمَرُ بِه يَوْم الجمعة مِن سننها البُكُور إِليها، فإنّ الفضْل يَزْدَاد بِقَدْرِ مَا يُبكِّر الإنسان:
فمَن سعى إلى الجمعة في الساعة الأولى-أيْ مِن سَاعَات هَذَا اليَوْمِ المبارك-كان كَمَن أهَدَى بَدَنَة.
ومَن سعى إليها في الساعة الثانية كان كمَن أهْدَى بَقَرَة.
ومَن سعى إليها في الساعة الثالثة كان كمَن أهدى كبْشا أقرَن.
ومَن سعى في الساعة الرابعة كان كمَن أهدى دَجاجة. (1/8)
صفحة 9
ومَن سعى في الساعة الخامسة كان كمَن أهدى بَيْضَة._ -مسند الإمام الربيع بن حبيب، باب (46) صلاة الجمعة وفضل يومها، حديث رقم 283: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة وعن أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( مَن اغتسل يوم الجمعة كغسل الجنابة ثم راح فكأنما قرّب بدنة ومَن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة ومَن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرّب كبشا أقرن ومَن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرّب دجاجة ومَن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرّب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر ) قال الربيع: ليس يريد عدد الساعات وإنما يريد الفضل ما بين أول الوقت وآخره._ (1/9)
صفحة 10
هكذا يَتَفَاوَتُ الأجر مِن إهداء بدنة-والبَدَنَة: البَعِير-إلى إهْدَاء بيضة .. ذلك دليل على أنّ الإنسان كلما سارع إليها وشَهِدها مِن أول صباح ذلك اليوم كان ذلك أَبَر له وأفضل ولكن كيف يكون هذا الشُّهود مِن وَقْتِ الصباح .. هَلْ معْنَى ذَلِك أنه يَجْلس لاغيا متحَدِّثا بِأُمُور الدنيا في بيوت الله مع أنّ هذه البيوت يَجب أن تُصان إلا عَمَّا لَم يَأْذَن بِه الله ؟! أو أنَّ ذلك إنَّما هُو لِمَن سَعَى إِلَيْها واشتغل بِذِكْرِ الله .. اشتغل بِتِلاَوَة كتابه وبِتَسْبِيحه وبِحَمْدِه وبِأَنْوَاع ذِكْرِه وبِالصلاة والسلام على سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ لا ريب أنّ هَذَا الفضل العظيم والخَيْر الجسيم إنَّما هوَ لِمَنْ سَعَى إلى الجمعة وهُوَ يَذْكُر الله تبارك وتعالى، ويبقى في مكانه وهو يذكر الله .. أي يبقى في المسجد ذاكرا لِرَبِّه غير لاهٍ عن ذِكر الله، ومَا أحسن الفرصة في هذا اليوم المبارك أن يسعى الإنسان مُبَكِّرا ثُم يَعْتَنِي بِتِلاوة كتاب الله - سبحانه وتعالى - بِحَيْث يقرأ ما تَيَسَّرَ لَه مِن كتاب الله قِرَاءَةَ تدبُّرٍ وإمعَانٍ وتَأَمُّلٍ لِئَلا يكون مِن أولَئِك الذين نَعَى الله-تعالى-عليه عندما قال: { أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } [ سورة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، الآية: 24 ]، فعليه أن يسعى على هَذَا النحو، وعليه أن يجتهد وأن يُكْثِر مِن ذكر الله - سبحانه وتعالى - وأن يُسَبِّحَه، فإنّ في ذَلِك أمرا عظيما .. على أنّ الإنسان يُؤْمَرُ بَعْدَ أَدَاءِ هذه الجمعة عندما يَنْصَرِفُ عَنْهَا ألاّ يَلْهُو عن ذِكر الله، فإنّ الله - سبحانه وتعالى - يَقُول: { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ سورة الجمعة، الآية: 10 ] .. (1/10)
صفحة 11
هَكَذَا يقول في صلاة الجمعة بعد ما أمر بِها، ويَقول في مُطْلَق الصلاة: { فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا } [ سورة النساء، الآية: 103 ] .. هَكَذَا يَأْمُر الله - سبحانه وتعالى - باستِدَامَةِ ذِكْرِه، ذلك لأنّ الصلاة نَفْسَهَا هي مَنْبَعُ الذِّكر، ومعنى هَذَا أنّ على الإنسان ألاّ يَكُون عَازِفا بعدها عن ذكر الله بل عَلَيْه أن يَسْتَصْحِبَ الذكر ليَسْتَدِيمَه في جَميع الأوقات، فإنّ ذكر الله-تبارك وتعالى-حياةٌ للأرواح، كَمَا أنّ الأرْوَاح حياة للأبْدَان، إذِ الذِّكر يُنْبِت في القُلُوبِ الإيمان كَمَا يُنبِت الماء الزَّرع، فَعَلَى الإنسان أن يَذْكُرَ الله ذِكرا كثيرا: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا - وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا } [ سورة الأحزاب، الآيتان: 41-42 ]، ولذلك أمر الله-سبحانه-بعد الانفلات مِن العبادات ألاّ يَكُون عَازِفا عن ذِكْرِ الله بَلْ أن يَسْتَدِيم هَذَا الذِّكر مِن أجل ما فيه مِنَ الخيْرِ العَظِيم.
فَهَذَا كُلُّه بَعْضُ مَا يُشْرَع مِن الآداب في هذه الجمعة.
ومِنَ المعلوم أنَّ صلاة الجمعة تُؤَدّى ركعتين، ويُتْلَى فِيهِمَا مَا يُتْلَى في صَلَوَات اللَّيْل مِنَ الفَاتِحة الشريفة وَمَا مَعَهَا مِن القرآن الكريم، والمأمُومُ يَقْتَصِر عَلَى قِرَاءَة-أمِّ القرآن-الفَاتِحَة الشَّرِيفَة وَحْدَهَا مِن غَيْر أن يَقْرَأ مَع الإمام مَا فَوْقَ الفَاتِحة. (1/11)
صفحة 12
و-كذلك-مِمّا ينبغي ألاّ يَفُوتَنَا أنّ السنَّة الرَاتِبَة التي نُصَلِّيها بَعْدَ الظُّهر-أَيْضا-نُصَلِّيهَا يوم الجمعة، وقد جاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمر بِصَلاتِها أربَعًا فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( إذا صلى أحدكم الجمعة فلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أربعا ) وفي رواية: ( مَن صَلى بَعْدَ الجمعة فَلْيُصَلِّ أربَعا ) ولَكِن لا يَلْزَمُ أن تَكُون أربعا .. هَذَا الأمر لَيْس هو لِلْوُجُوبِ بِدليل أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاها ركعتين .. هذا دَلِيلٌ عَلَى أنَّه يَجُوز أن تُصَلى ركعتين، فأمره - صلى الله عليه وسلم - لِبَيَان الأفضل، وفعله لِبَيَان أنَّه يَجُوزُ الاقْتِصَارُ على رَكْعَتَيْنِ_ -قال الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي عند الجواب على السؤال 4 مِن حلقة 14 رمضان 1425هـ ( 29/10/2004م ): " السنّة البعدية بعد صلاة الجمعة-نعم-ثابتة، فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإسناد الصحيح الثابت أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين .. هذا حديث صحيح ثابت لا كلام فيه.
وقد جاءت روايات تدلّ على أنه كان يصلي بعدها أربعا ولكنها لا تثبت عنه صلوات الله وسلامه عليه، وإنَّما الثابت عنه الركعتان، وجاءت رواية قولية عند الإمام مسلم فيها الأمر بأربع ركعات ولها ألفاظ متعدِّدة منها: " مَن كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا " ولها ألفاظ قريبة مِن هذا اللفظ، ولذلك اختلَف العلماء في السنّة المشروعة وما هو الأوْلى فيها:
فمنهم مَن قال: إنه يصلي ركعتين.
ومنهم مَن قال: يصلي أربعا.
ومنهم مَن قال: يجمع بين الروايتين:
منهم مَن رجّح القولية-كما قلتُ-فقال يصلي أربعا لأنّ القول مقدم عند التعارض.
ومنهم مَن رجّح الفعلية لأنَّها أقوى مِن حيث الإسناد.
ومنهم مَن قال: يجمع بينهما .. يصلي ركعتين ثم يصلي أربعا. (1/12)
صفحة 13
ومنهم مَن قال: يصلي تارة ركعتين ويصلي تارة أربعا فيكون قد أخذ بهذه الرواية تارة وأخذ بالرواية الأخرى تارة.
ومنهم مَن قال بِالتفصيل فقال: إن صلى في المسجد فإنه يصلي أربعا وإن صلى في البيت فإنه يصلي ركعتين كما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
و-كما قلتُ-الثابت مِن فعله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين، وما جاء أنه صلى أربعا أو ستا فإنه لا يثبت عنه-صلوات الله وسلامه عليه-البتّة، والرواية القَوْلِيَة فيها نظر لأنها مِن طريق سهيل بن أبي صالح وَلَم تتّفق كلمة أهل العلم على توثيقه بل منهم المادح له ومنهم القادح فيه، فمنهم مَن لا يحتج براويته ومنهم مَن يرى أنّ روايته ثابتة ولاسيما في مثل هذه الأمور، وهو في الحقيقة يَحتاج إلى شيء مِن النظر ولاسيما عند المُخَالَفة فهو وإن لَم تكن روايته هاهنا مُخالِفَة في الفعل ولكن الأصل أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأتي بالأعمال أكثر مِن غيره وما قيل بأنّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعله كان يطيل الركعتين فهي أطول مِن حيث الكيفية أو أنه - صلى الله عليه وسلم - نظرا لاشتغاله بالخطبة وما شابه ذلك كان يَخْتصر إلى الركعتين أو-على كل حال-هو تشريع، نقول: أمَّا بالنسبة إذا قيل: " هو تشريع " فلا كلام .. علينا أن نُسَلِّم لِما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن ذلك حيث لا يكون هنالك كلام في الرواية المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ورواية سُهَيل فيها ما فيها مِن الكلام. (1/13)
صفحة 14
فإذا اقتصر الإنسان على الركعتين الثابتتين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبوتا لا شك فيه فذلك حَسن جَميل وإن صلى في بعض الأحيان أربعا فإذا كانت نفسه تطمئن إلى تلك الرواية فلا مانع مِن ذلك وإن صلى ركعتين أوّلاً ثم زاد بعد ذلك فأيضا لا بأس بذلك بِمشيئة الله تبارك وتعالى، ولكن الذي نستطيع أن نَجْزم بثبوته هو الركعتان وما عدا ذلك فهو مشكوك فيه لِما ذَكَرْتُه مِن الكلام في رواية سُهيل بن أبي صالح ففيها حقيقة مِن الكلام الذي لا تَطْمَئن النفس إلى قبول مثل هذه الرواية عنه؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم. "._.
ونَسْأَلُ الله - سبحانه وتعالى - أن يُلْهِمَنَا الرُّشْد، وأن يُوَفِّقنا وإيَّاكُم للخَيْر، وأن يَصْرِف عنا كُل سُوء، إنَّه تعالى على كل شيء قَدِير، وإنه بِالإجَابة جدير، نعم المولى ونعم النَّصير، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، سبحان ربك رَبِّ العِزَّة عما يَصِفُون وسَلاَم عَلى المرْسَلِين والحمد لله رب العالمين؛ والسَّلام عَلَيْكُم ورحمة الله وبَرَكَاتُه. (1/14)