صفحة 1
الكتاب: نجاسة الدم المسفوح
المؤلف: نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه وجميع المؤمنين.
وبعد:
فقد طلب مني بعض الأخوان أصلح الله لنا ولهم الشأن أن أوضح له الدليل في نجاسة الدم المسفوح وأن أبين له العلة التي أوجبت تنجيسه...فكان معنى ما قاله: إنا قد رأينا كلمة أصحابنا منطبقة على نجاسة الدم المسفوح مع أنا لم نعثر لهم في ذلك على دليل ولم نفهم ما قصدوه من تعليل، وقد طالبنا بعض مخالفينا في وضوح الأدلة وظهور العلة فبفضل منك أن توضح لنا جميع ذلك مأجورا إن شاء الله.
الجواب:
إن الدليل على ذلك بحمد الله واضح والحق على ظهور صوابه لائح وذلك أن الأدلة التي تستنبط منها الأحكام والبراهين وتثبت منها العلل والقوانين وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس عند بعض وهو الصحيح وأَنا إن شاء الله تعالى أبيّن لك وجه نجاسته من جميع هذه الأصول فنقول:
أما الكتاب فقوله تعالى: { قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ } (1) لا يقال أن الضمير عائد إلى الخنزير لأنه أقرب مذكور كما هو القانون لأنا نقول أن ذلك القانون إنما يجب إتباعه فيما لم يدل عليه دليل على تركه فأما إذا دل تركه على دليل وجب إتباع الدليل وترك القانون كما هو معلوم عندهم، حيث قالوا: لا يعدل عن الأصل إلا بدليل، نعم ودليل العدول هنا ظاهر وذلك أنه تعالى علل تحريم الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير بأن الجميع رجس أي نجس وإلا للزم طهارة الميتة مع أنه لم يوجد نص نجاستها بعينها وقد أطبقت الأمة على نجاستها ولا يصح العدول عن الظاهر إلا بدليل وإنما قلنا الظاهر ذلك لتعليل تحريم الخنزير بالنجاسة وهو معطوف عليها.
__________
(1) الأنعام: 145. (1/1)
صفحة 2
فإن قيل إنما ذكرته لا يصح على القانون النحوي فإن الضمير قوله تعالى: { فَإِنَّهُ رِجْسٌ } مفرد ولا يعود إلا إلى مفرد وإذا كان عائدا إلى الثلاثة للزم مطابقة الضمير لما عاد مفرد ولا يعود إلا إلى مفرد وإذا كان عائدا إلى الثلاثة للزم مطابقة الضمير لما عاد إليه فيجيب أن يؤتى به ضمير الجماعة كما هو القاعدة.
قلنا: إنما أفرد ذلك الضمير باعتبار إعادته إلى المذكور أو باعتبار أن الضمير جعل كناية عن تلك الثلاثة جميعها وقد يكنى بالضمير المفرد عن الأشياء المتعددة كما صرح به الزمخشري وغيره وأنشدوا عليه قول رؤبه:
فيها خطوط سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق
قال الزمخشري: قال أبو عبيدة: قلت لرؤبه إن أردت الخطوط فقل كأنها وإن أردت السواد والبلق فقل كأنهما، فقال: أردت كأن ذلك ويلك انتهى بمعناه وأراد بقوله أردت كأن ذلك الكناية عن جميع ما ذكره في البيت ورؤبه هذا عربي يحتج بكلامه، وأبو عبيدة هذا أحد أئمة العربية ولم يعب عليه.
وإن قيل لا يلتزم من وصف الدم بأنه رجس وجود نجاسته لأن الرب تعالى قد وصف الخمر بأنه رجس من عمل الشيطان وقد علل تحريمها بذلك فلم يجتمع على نجاستها.
قلنا: إنما اختلف في نجاسة الخمر مع وصفها بالرجس لاحتمال وقع في الآية، لا يوجد ذلك الاحتمال في آية الدم وهو أنه نجاسة الثلاثة غير محسوسة وتعذر وقوع حقيقة النجاسة فيها عدل في الآية عن الحقيقة إلى المجاز، فقيل إنما وصفت الثلاث بالرجس مبالغة في خستها فاحتمل الاختلاف في الخمر فقيل هل هي نجسة لاحتمال وجود حقيقة النجاسة فيها بخلاف الثلاث أولا وإنما وصفت بالرجس لخستها كالثلاث وهو الصحيح عندي قولان فظهر أن وصف الخمر بالرجس ليس كوصف الدم به، وأما علة تحريمها فهي لا لأنها نجسة بل لإسكارها كما هو معلوم.
وأيضا فالدم معطوف على الميتة والميتة نجسة بالإجماع وحكم المعطوف هنا حكم المعطوف عليه باتفاق. (1/2)
صفحة 3
وأما السنة فما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: « الوضوء من كل دم سائل » ذكره الشعراني في كشف الغمة ولا يقال لا يلزم من وجوب الوضوء من الشيء ثبوت نجاسة ذلك الشيء فإنه قد ثبت وجوب الوضوء من أشياء غير النجاسة كالغيبة والتكلم بالفحش وسائر المعاصي لأنا نقول: إن الأشياء التي توجب الوضوء نوعان: أحدهما الخبث وهو الخارج من الإنسان سواء من السبيلين أو من الحلقوم أو من سائر الجسد لجرح وقع فيه أو غير ذلك وهذا النوع نجس باتفاق، لا يقال أن الريح الخارجة من الدبر ليست بنجسة مع أنها توجب الوضوء ولا توجب الاستنجاء لأنا نقول: لا نسلم أنها ليس بنجسة بل نجاستها متق عليها وإنما لم يجب الاستنجاء منها للطافة جسمها وعدم تأثيرها فيما تباشر وقد اختلف الفقهاء في نجاسة الموضع الرطب من البدن إذا باشرته هل هي مؤثرة فيه لرطوبته فينجس بنجاستها أو لا قولان حكاهما البدر أبو ستة في حواشي الوضع.
والنوع الثاني مما يوجب الوضوء: الحدث كالمعاصي ومنه الغيبة والفحش وغيرهما ولا يخفى أن الدم من أول النوعين وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه غسل الدم عن وجهه ونص الحديث على ما ذكره الشعراني قال علي: فلما رمي النبي - صلى الله عليه وسلم - في وقعة أحد وشج وجهه أتيته بماء في دورقتي من المهراس فلما أراد أن يشرب منه وجد له ريحا فلم يشرب منه ولكن تمضمض وغسل عن وجهه الدم وصب منه على رأسه، وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن تلطيخ رأس الصبي بالدم وأمر أن يوضع مكانه خلوق، وقد ثبت بالسنة استقذار الدم وغسله، والأمر بالوضوء منه، فإن قيل لا دليل في غسله - صلى الله عليه وسلم - الدم عن وجهه على نجاسة الدم لأن من فعله - صلى الله عليه وسلم - ما هو واجب وما هو غير واجب، وعند الاحتمال يسقط الاحتجاج له، لا نسلم عدم الدلالة على نجاسته كيف! وأفعاله - صلى الله عليه وسلم - على وجوه: (1/3)
صفحة 4
أحدها: ما كان على وجه الجبلة أي الخلقه يعني أنه خلق غير مستغنى عنها كالأكل والشرب والنوم وغير ذلك وهذا الوجه من فعله عليه الصلاة والسلام مباح له ولغيره اتفاقا.
الوجه الثاني: ما خص به عليه الصلاة والسلام من بين سائر أمته كتزويج ما فوق أربع وكالخلوة بالأجنبيات إلى غير ذلك، وهذا الوجه لا يصح لأحد أن يقتدي به.
الوجه الثالث: من أفعاله عليه الصلاة والسلام ما كان بيانا لنص كفعله الصلاة والمناسك الحجية بقرينة قوله - صلى الله عليه وسلم - : «خذو عني مناسككم»، و«صلوا كما رأيتموني أصلي» وما عدا هذه الثلاثة الأوجه من أفعاله عليه الصلاة والسلام فنوعان:
أحدهما: ما علمت صفته من وجوب أو ندب أو إباحة فهو على ما علم.
والنوع الثاني: ما لم تعلم صفته، وقد اختلف فيه هل يحمل على الوجوب أو على الندب أو على الإباحة إلى غير ذلك مما قيل فيه، فانظر من أي الوجوه غسل - صلى الله عليه وسلم - للدم ولا أظنك تجده إلا من الوجه الذي علمت صفة وجوبه أو من الوجه الذي ورد بيانا للنص بقرينة قوله تعالى: { فَإِنَّهُ رِجْسٌ } وقوله - صلى الله عليه وسلم - : «الوضوء من كل دم سائل» لا يقال ليس كل ما وجب غسله ثبتت نجاسته فإن بدن الجنب والحائض والنفساء يجب غسله وإن لم تصبه النجاسة مع أنه طاهر لقوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة وقد أراد أن يصافحه - صلى الله عليه وسلم - فقال أبي هريرة: إني جنب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «أما المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا» ولقوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة: «ليست الحيضة في يدك» حين قال لها ناوليني الخمرة من المسجد، قالت: وكان يدني إلي رأسه الشريف وأنا في حجرتي فأرجله وأغسله وأنا حائض وكان يتكأ في حجري فيقرأ القرآن وقال لي: «ناوليني الخمرة من المسجد» فقلت: أنا حائض، قال: إن حيضتك ليست في يدك » فقمت فناولته. (1/4)
صفحة 5
لأنا نقول أن بدن هؤلاء الثلاثة إنما وجب غسله بالتعبد المنصوص عليه وهو خصوص مستثنى من قاعدة كلية فلا تنقض به كما هو معلوم عند الأصولين وأما الإجماع فقد حكاه غير واحد وبيانه أن الصحابة وغيرهم من محقي الأمة ومجتهديهم مطبقون على نجاسة الدم المسفوح ولو قال بذلك أحد منهم لنقل عنه ولا اعتبار بمن شذ عن إجماعهم من مخالفيهم فإنه لا يعتبر في صحة انعقاد الإجماع موافقة لمخالف بالدين على المختار كما صرح به البدر الشماخي رحمه الله، وأيضا فإن هذا القائل بطهارة هذا الدم إنما انفرد به بعد انعقاد الإجماع على نجاسته فلا يعتد بقوله، وكفى في مستند الإجماع ما تقدم من النصوص القرآنية والنبوية.
وأما القياس فلا سبيل للصيرورة إليه مع ورود النص، لكنا نفرض للمسألة صورة نعتبر فيها عدم ورود النص أصلا حتى يصح لنا القياس فيها فنقول: قد ثبتت نجاسة دم الحيض بالكتاب والسنة والإجماع فأما الكتاب فقوله تعالى: { وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } (1) إلى آخر الآية فدلت هذه الآية على نجاسة دم الحيض ووجه الدلالة أنه تعالى سم الخروج عنه طهرا والتنظيف منه تطهرا.
__________
(1) البقرة: 222. (1/5)
صفحة 6
وأما السنة فما روي عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألته عن الحيض يصيب الثوب فقال: «حثيه ثم أقرصيه بالماء وانضحي ما لم تري وصلي فيه» وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كثيرا ما كان - صلى الله عليه وسلم - يخرج وعليه الملاءة التي يتغطى بها هو وأهله فيجد فيها لمعة من دم الحيض فيقبض عليها مع ما يليها ثم يصرها ويرسلها إلينا فيقول أغسلوها وحففوها ثم أرسلو بها إليّ فنفعل بها ذلك، وعنها أيضا أنها قالت: لقد كنت أحيض عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث حيض جميعا لا أغسل لي ثوبا، تعني أن لم يصبه شيء من دم، وكان إذا أصابه شيء غسل مكانه لم يعده إلى غيره ثم صلى فيه الحديث وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن دم الحيض يكون في الثوب فقال:«حكيه بضلع أو أغسليه بما وسدر ».
وأما الإجماع فقد حكاه صاحب القواعد رحمه الله تعالى وهو ظاهر جلي.
كذلك دم الاستحاضة فقد ورد النص في تنجيسه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «دم الاستحاضة دم عرق نجس » رواه صاحب الإيضاح رحمه الله تعال، وإذا ثبتت نجاسة الدمين –أعني دم الحيض ودم الاستحاضة-كان ثبوت نجاسة الدم المسفوح أولى لورود النص بتحريمه فهو من القياس أولى وذلك أن تقيس الذي هو أولى بالحكم على ما هو دونه ويسمى هذا القياس باعتبار آخر القياس الجلي وهو : ما علم فيه نفي الفارق بين الفرع والأصل ويسمى باعتبار آخر حيضا القياس في المعنى وهو الجمع بنفي الوصف الفارق.
هذا والصفة الجامعة بين الثلاثة الدماء الاستقذار لأن كل واحد منها مستقذر بالطبع فأما دم الحيض ودم الاستحاضة فلا خفاء في استقذارهما وأما استقذار الدم المسفوح فهو ما أشعر به نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن تلطيخ رأس الصبي به وأمره أن يوضع مكانه خلوق. (1/6)
صفحة 7
وفي بيان الشرع أن الصفة الجامعة للدماء الموجبة لنجاستها هو كون كل منها أذى أخذا بظاهر قوله تعالى: { وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً } ...الآية.
فإن قيل: إنما ثبتت نجاسة دم الحيض ودم الاستحاضة لنجاسة مخرجهما لا لصفة في ذاتهما.
قلنا: لا نسلم ذلك لأن هذا مناقض لظاهر الكتاب وهو قوله تعالى: { قُلْ هُوَ أَذىً } إلى آخر الآية ولظاهر الحديث وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - : «دم الاستحاضة دم عرق نجس» فعلل نجاسته بكونه دم عرق لا بغيره فإن قيل أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يعلم حجرها والدم من تلك الأشياء وهو أنواع كله لا يخفى وورود النص بنجاسة بعضها لا يوجب نجاسة الكل بل يبقى ما عدا ذلك البعض على أصله مع وجود العلة في الكل لأن تلك الخصوصية إنما تثبت في الشيء مع عدم ظهور العلة التي أوجبت الحكم فيه فأما إذا ظهرت علته وجب أن يحمل عليه ما يوافقه كله صرح به الأصوليون.
هذا ما ظهر لي في هذا المقام والحمد لله على حين الختام والصلاة والسلام على سيد الأنام وعلى آله وصحبه الكرام.
من الفقير إلى الله عبدالله بن حميد السالمي.
وهذا رد على من اعترض في الرسالة المتقدمة (1)
بسم الله الرحمن الرحيم
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، نحمدك يا من طهر قلوب أوليائه من رجس الشيطان وأردهم موارد العرفان في حياض البيان من معاني القرآن ورزقهم التمسك بحبل السنة ولم يجعلهم كمن استهوته الأهواء فتشبه بذي جنة.
ونصلي ونسلم على مبيّن الحلال والحرام ومبلغ ما أرسل به وعلى آله وصحبه وحزبه وعلى من اقتفى أثرهم والتزم حبهم ونصرهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
__________
(1) هذا الرد من حمد بن راشد بن سالم الراسبي(ق14) متذهب بمذهب الحشوية وله مناظرات بينه وبين نور الدين السالمي رحمه الله. (1/7)
صفحة 8
فقد وقفت بعدما كتبت رسالة في الأدلة على نجاسة الدم المسفوح على كلام ملفق مزيّف وعن جادة الحق وطريق المناظرة محرّف معترضا فيه على تلك الرسالة المذكورة بأقاويل في الباطل مشهورة وكان حقها أن يضرب صفحا عن الاعتناء بمثلها لأن شواهدها ناطقة ببطلانها، ولكن لما رأيت كثيرا من الضعفاء قد صار ذلك الباطل عندهم في حيز الخفا وخفت عليهم الاغترار بتلبيسها والاعتناء بباطل تأسيسها صرفت الهمة في الجواب عليها لينظر الواقف البطلان لديها ومن الله أستمد التوفيق إلى أقوم الطريق { وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ } (1)
مقدمة
__________
(1) الشعراء: 227. (1/8)
صفحة 9
اعلم أن ذلك المزخرف قد طول كلامه بما ليس هو من المقصود أصلا فذكر الكلام على نجاسة الغائط والبول وأطال فيها القول ونجاستهما متفق عليها معنا ومعهم فأي حاجة دعت إلى ذلك والإتيان به هناك ثم أعقبه بالكلام عن نجاسة بول الأنعام والروثة ولعاب الكلب ونجاسة المني والوذي مع أنهما ليست من غرضنا ولا مناسبة بينهما وبين ما نحن فيه إلا نفس النجاسة، فإن كان غرضه التكثير لخطابه والتكبير لحجم كتابه فقل له إن أفراد أنواع النجاسات كثيرة فهلا جئت بها في هذه القراطيس اليسيرة حتى تكون كراسة كبيرة ثم ذكر في خلال ذلك نقلا على تفسير الآية المستدل بها هناك من فتح البيان (1) في مقاصد القرآن بما لا يليق بالمقصود وهو عند العارفين بالمناظرة من جملة المردود ثم أتى بأبيات من ملحة الإعراب وأوردها عليها من شرحها (تحفة الأحباب) ما يقضي بجهالته عند أولي الألباب فإن كان هذا الملفق قد أراد أن يطلعنا على ما هنالك من المعاني فهلا نقل لنا من المعني وحواشي الصبان فإنها أعلى الكتب في هذا الشأن ونقل من خلال العقول أنه لا يفهم ما يقول ولو لم يكن في كلامه إلا ما أشرنا إليه لكفى به شاهدا على الجهالة لديه كيف! ومع ذلك من اضطراب أقواله وتعسفه في مجاله ما رثى له عدوه رحمة لحاله كما ستقف علليه إن شاء الله تعالى.
بداية الرد (2)
وها نحن نرسم المواضع التي يحتاج التنبيه عليها مما يليق بالمقصود ونضرب صفحا عما عداها لأنها ليست من المنهل المورود ولأن استقصاء الكلام في هذا المقام مما يفوت الوقت بما لا حاجة إليه.
قوله: في نجاسة الغائط والبول وقد جاءت الأدلة الصحيحة المفيدة للقطع بذلك بل نجاستها من باب الضرورة الدينية كما لا يخفى على من له اشتغال بالأدلة الشرعية وبما كان عليه الأمر في عصر النبوة.
__________
(1) لـ صديق بن حسن القنوج البخاري، ط1 1301هـ
(2) رد (1/9)
صفحة 10
أقول: انظر في اضطراب هذه الكلمات حيث أثبت أولا نجاستها بالأدلة القطعية ثم ضرب عليه وصفح عنه وأثبتها بالضرورة الدينية ثم أعقبها بقوله كما لا يخفى على من له اشتغال بالأدلة الشرعية! سلمنا أن الضرورة الدينية داخلة تحت الأدلة القطعية فنحمل كلامه على أحسن وجوهه هنالك فنقول أنه جعل المضروب عليه كالمسكوت عنه لكن نقض الضرورة بقوله كما لا يخفى على من له اشتغال بالأدلة...الخ، فإن الضرورة الدينية لا تخفى على أولئك وغيرهم ممن تعبد بها فإن أختص عدم خفائها بمن له اشتغال بذلك فهو من النظري لا من الضروري.
قوله: وحديث عمار قد أطبق على من رواه على أنه من الضعف بمكان الخ.
أقول: يتأمل في كلامه هذا فإنه لم يذكر فيما مضى رواية من طريق عمار فإن أراد حديثا غير مذكور هنا كان عليه أن يبينه بقرينة تدل عليه لأن عمارا صحابي محدّث له من الروايات عدة أحاديث.
قوله: والأول مجمع على تركه والثاني مجمع على ضعفه.
أقول: ينظر في مرجع هذا الضمير من كلامه فإن أعاده إلى الراوي رده معنى الترك وإن أعاده إلى متكلم مقدر فمسلم ولكن لا يرتكب ذلك إلا لضرورة لأن الأصل عدمه وأي ضرورة في النثر.
قوله: فلا تنهض بمثله حجة على التعميم.
أقول: يتأمل في كلامه هنا فإنه إن كان عدم الاحتجاج بالخبر لعله في الراوي كما أسلفه فلا تنهض به حجة على التعميم ولا التخصيص وإن كان لعلة في متن الخبر فعليه أن يبينها وبالجملة فآخر كلامه مناقض أوله اللهم إلا أن يريد بالتعميم ما عدا الراوي من الناس وعليه فهو خفي قصرت عنه إشارته فضلا عن عبارته.
قوله: فالحق الحقيق بالقبول الحكم بنجاسة ما ثبتت نجاسته بالضرورة الدينية وهو بول الأذى وعائطه.
أقول: يتأمل في كلامه هنا فإنه مشعر مقصر حقية القبول على ما ثبت بالضرورة فيفهم عدم حقية القبول لما ثبت بالنظر والاستدلال وفيه ما لا يخفى من مخالفة جميع. (1/10)
صفحة 11
قوله: وأما ما عداهما فإن ورد فيه ما يدل على نجاسته كالروثة وجب الحكم بذلك من دون إلحاق.
أقول: هذا مناقض لكلامه هنالك فإن صرح هنالك بأن الحق الحقيق بالقبول الحكم بنجاسة ما ثبتت نجاسته بالضرورة.. الخ، وذكر هنا أنعه يجب الحكم بما ورد في نجاسته دليل ولو كان بغير ضرورة مثلا واستدال عليه بحديث الروثة الذي لم يشتهر ولم يستفض وإنما هو خبر واحد فما أبعده من الضرورة وقد أوجب الحكم به فإن كان إيجاب الخكم به من غير قبول له فهذا شيء لا يعرفه عاقل وإن كان الإيجاب بعد القبول فقد أثبتت لخبر الأحادي درجة فوق الضرورة ولا مفر من أحدهما.
قوله: وإن لم يرد فالبراءة الأصلية كافية في نفي التعبد يكون الشيء نجسا من دون دليل.
أقول: سلمنا ذلك لكن الدليل بحمد الله تعالى واضح والحق على صوابه لائح وقد أثبتناه في تلك الرسالة ولم يعارضه الخصم بدليل يسمع وسنزيد على ذلك ما يسره الله لنا في خاتمة هذا الاعتراض إن شاء الله تعالى فانتظره.
قوله: والبراءة الأصلية قاضية بأنه لا تكليف بالمحتمل حتى يثبت ثبوتا ينقله عن ذلك.
أقول: هذا أدهى وأمر وأقبح وأشر من جميع ما مر، فإنه قد نفى التكليف بالمحتمل فأي آية وأي سنة لا تقبل الاحتمال ولا التأويل إلا ما كان محكما وهو قليل بالنظر إلى غيره فيلزمه نفي الأحكام الفرعية مطلقا لأنها إنما ثبتت باستنباط العلماء لها من أدلتها المحتملة ولذا تراهم لا يخطئ بعضهم بعضا في التأويل لأن كل منهم متعبد فيها بما هو الراجح عنده وقوله حتى يثبت ثبوتا ينقله عن ذلك لا يزيده من الحق إلا بعدا لأن الإشارة إما أن تكون للاحتمال فيكون آخره مؤكدا لما قبله وإما لغيره ولا دليل عليه وأي ثبوت ينقل المحتمل عن احتماله اللهم أنا لا ندريه إلا أن يكون مجملا فيفسر وهو مختص بزمان الوحي وأما الآن فقد أنسد بابه فكل محتمل فهو باق على احتماله إلى يوم الدين. (1/11)
صفحة 12
قوله: وليس من أثبت الأحكام المنسوبة إلى الشرع بدون دليل بأقل أثما ممن بطل ما قد ثبت دليله من الأحكام فالكل إما من التقول على الله بما لم يقل أو من إبطال ما قد شرعه الله لعباده بلا حجة.
أقول: هذا عين الصواب وغاية المراد عند ذوي الألباب لو ثبت عليه قائله ولقد أثبتنا ما أثبتناه من نجاسة الدم مسفوح بأدلة قرآنية ونبوية واجتماعية وقياسية لا تكاد تخفي على من كان له أدنى إلمام بعلم الأصول وهل تخفى الشمس في رابعة النهار إلا على من كان أعمى { وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً } (1) وقد عرفت بأن الخصم هو الذي أبطل ما ثبت بالدليل فحق عليه القول اللهم إلا إن ينفي الاستدلال بجميع المحتملات كما يشعر به ظاهر كلامه فيتنصل عن عقله ولا جواب له.
قوله: وبالجملة فالتصريح منه - صلى الله عليه وسلم - بالقول بما هو الواجب في ذلك هو الأولى بالإتباع لكونه كلاما مع آمته.
أقول: هذا التعليل بترجيح القول على الفعل لا فائدة فيه لأن علله بكونه كلاما مع أمته فجوابه كذلك الفعل أيضا فعل مع أمته لأنه لم ينقل عنه بأنه يخلو متى ما أراد أن يفعل فعلا مختصا به فهلا علل بما علل به الأصوليون بكون الفعل يحتمل اختصاصه به.
قوله: وأقول لك ثانيا يا أخي أحاديث التخصيص هنا صحيحة لا شك فيها ولا ريب فما الذي دعا هؤلاء إلى الوقوع في مضيق التعسف ..الخ.
أقول: لا أدري ما أراد بقوله أحاديث التخصيص هنا صحيحة ..الخ وأظنه ل يدري ما معنى كلامه أيضا لأنه إن أراد بأحاديث التخصيص ما أسفله من أحاديث التخفيف فلا معنى لإضافته إلى التخصيص وأيضا فالمشار إليهم وهو القائلون بتنجيس الدم المسفوح لا يمنعون التخفيف فيما ذكره فظهر أن تشنيعه إنما نشأ عن محض جهل واستيلاء حمق أعاذنا الله منهما.
__________
(1) الإسراء:72. (1/12)
صفحة 13
قوله: ثم هو إهدار لكلام من أوتي جوامع الكلم وكان أفصح العرب مع ما يلحق كلام غيره ممن هو من العي بمنزلة توقعه في الكلام القاصر عن رتبة الفصاحة والبلاغة.
أقول: أولا: لا محل للعطف بثم هنا.
وثانيا: أنه قد ادعى أن في كلامهم إهدار لكلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو وزر عليهم فأي حديث هدر بتأويلهم مع أنهم يقبلون الحق ممن جاء به.
وثالثا: إن كلامه هذا يناقض بعضه بعضا فإنه ادعى أولا الإهدار وهو محض البطلان وثانيا التأويل للحديث حتى يجعله في منزلة لا يرضاها عي ثم لا يخفي ما فيه من التعقيد وقصور العبارة عن المراد.
قوله: وليت شعري أن المشغوفين بمحبة مذاهب الأسلاف جعلوه كأسلافهم فسلكوا فيما بين كلامه وكلامهم طريق الإنصات ولكنهم في مواطن كثيرة يجعلون الحض لأسلافهم فيردون كلامه - صلى الله عليه وسلم - إلى كلامهم ...الخ.
أقول: انظر أولا في ركاكة هذه العبارة وبعد موقعها من البلاغة فضلا عن الفصاحة وثانيا في توجيه لغزة وليت شعري من قصد به؟ فإنه إن أراد أهل الاستقامة رضوان الله عليهم فليسوا بهذه الصفة ولقد افترى عليهم وإن أراد غيرهم فالله أعلم بما هم عليه من الصفات لكن قل لهذا القائل هل أنت أنصفت من نفسك وتركت التعصب للأسف فإن كنت بهذه الصفة فهل نجعل أمامنا كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المجتهدين من الأمة وإن أنكرت الإجماع كما يشير إليه كلامك فنجعل الإمام الكتاب والسنة فنجعل ما أحله الله منهما ونحرم ما حرمه فإن أجبتنا لذلك وتركت التمرد فقد أنصفت من نفسك وإلا فأعلم أنك أنت المتصف بهذه الصفة أعاذنا الله والمسلمين منها.
قوله: فإن أنكرت هذا فهاتي أنبئ لي ما الذي اقتضى هذه التأويلات المتعسفة ورد أحاديث التخصيص الصحيحة والسليمة ...الخ. (1/13)
صفحة 14
أقول: لا أدري ما التأويلات التي أرادها وكان عليه أن يبينها إن كانت معلومة عنده وإلا فهو افتراء عليهم ولا يخفي ما في قوله في فهاتي أنبئ لي من الفهامة التي لا يقبلها العي فلا تشتغل بها ودعواه عليهم بردهم الأحاديث المخصصة الصحيحة ليست بمسموعة إن أراد أهل الاستقامة لأنهم ليسوا بهذه الصفة وغنما هو محض افتراء عليهم حاشاهم من ذلك وإن أراد غيرهم فالله أعلم.
قوله: النوع الثاني من النجاسات لعاب كلب ..الخ.
أقول: أولا إنه لا محل لقوله: النوع الثاني الخ إذ لا نوع أولا يقابله لأنه إن أراد به مقابلا للمتفق على نجاسته فهذا قد حكي الخلاف فيه وإن أراد به مقابلا للأنواع المختلف في نجاستها فقد ذكر منها نوعين: بول ما يؤكل لحمه والروثة، وثانيا في تنكير كلب أي مقام يقتضيه ولأي نكته نكر، وثالثا لا نشتغل بالكلام على نجاسة الكلب ولعاله لأنه ليس مقصودنا وقد قدمت لك التنبيه على ذلك.
قوله: وليس من شرط التعبد الاطلاع على علل الأحكام التي تعبدنا الله بها على ما هو الراجح أهـ.
أقول: لا معنى لقوله على ما هو الراجح لأنه لم يقل أحد بشرطية الإطلاع على علل الأحكام في التعبد حتى يجعله قولا مرجوحا وإلا فيقال لهذا القائل بتلك الشرطية ما العلة التي أوجبت الصلاة والصيام والحج فإن اطلع عليها وإلا سقط عنه التعبد بها مع إجماعهم على عدم تعليلها ولكن لعله لا يفهم ما يقول وأنه لكذلك.
قوله: فلا يحل تحويل الشرع المتقرر بأقوال علماء الأمة سواء كان القول المخالف منسوبا إلى جميعهم أو إلى بعض... اهـ. (1/14)
صفحة 15
أقول: سلمنا أنه لا يحل تحويل الشرع المتقرر الخ، لكنا لا نسلم أن الأمة تجتمع على ضلال وإنما هو فرض وتقدير أن لو وقع مع استحالة الوقوع شرعا لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «لا تجتمع أمتي على ضلال» وهو حديث مشهور حتى أن بعضهم كفر من أنكره فإذا عرفت استحالة اجتماعهم على الضلال شرعا وجب عليك أن تعرف أن ما اجتمعوا عليه حق فإجماعهم حجة قطعية ومنكرها كافر.
قوله: وقد حفظ الله السنة بأقوال جماعة من علماء الأمة كما هو معروف في كتب الخلاف والفقه وشروح السنة اهـ.
أقول: أولا: أي مناسبة بين هذا الكلام والذي قبله وكأنه أراد أن أقوال أولئك الجماعة هو الشرع المتقرر الذي لا يجوز لعلماء الأمة خلافه ولا إشكال في سقوطه فإن الشرع المتقرر في عهده - صلى الله عليه وسلم - مشتهر عند الأمة اشتهار نار على علم.
وثانيا: صرح بأن الحفظ للسنة وقع بأقوال جماعة فجعل أقوالهم هي سبب الحفظ للسنة وانظر ما الذي أراد بهذه الأقوال والظاهر أن الأقوال فتاويهم وعلى هذا فيكون قد وقع فيما فر منه حيث جعل تلك الجماعة هي حفظ السنة فقصر نظره عليها وليته جاوز نظره إلى نفس السنة فيطلع على إصابة المصيب.
وثالثا: ما معنى قوله كتب الخلاف والفقه وشروح السنة فإنه إن أراد بكتب الخلاف كتب على الجدل كما هو معروف به فلا محل لمعرفة حفظ أقوال هؤلاء الجماعة للسنة في ذلك الفن، اللهم إلا أن يريد أن ذلك العلم هو الناطق بتصويب المصيب وتخطئة المضل فإن أراد ذلك فمسلّم ولكن لا نسلّم أنه ناطق بتصويب أولئك الجماعة حتى ينبني عليه ما ادعاه وكذلك يقال فيما بعده.
قوله: ومن أغرب ما يراه من ألهمه الله رشده وحبب إليه الإنصات ما يقع في كثير من المواطن من جماعة من ذلك عن الشريعة بمعزل والميل عن الحكم الثابت بشرع أوضح من شمس النهار من دون سبب يقتضي ذلك كما فيما نحن بصدده وفيما سلف من بول الصبي وأشباه هذا لا تحصى...الخ. (1/15)
صفحة 16
أقول: إن أراد بهؤلاء الجماعة أهل الاستقامة رضوان الله عليهم كما يدل عليه كلامه فليسوا بهذه الصفة حاشاهم من ذلك ولقد افترى عليهم كذبا في جميع ما نسبه إليهم هاهنا ولقد ادعى أولا أنه لم يرد في الدم شرع وذكر هنا أنهم مالوا عن الحكم بشرع أوضح من شمس رابعة النهار فأي مناسبة بين كلاميه إلا محض التناقض لكن إنما عدلنا عن تلك البراءة بأدلة ستعرفها في الخاتمة ولا أدري ما أراد بقوله (وفيما سلف من بول الصبي فإنهم قائلون بما أسلفه أيضا) وقوله: (وأشباه هذا كثير نعم هم يثبتون الأحكام بالأدلة) فإن كان هذا المخلط قد عد ذلك الإثبات من زلاتهم فالله أعلم، وإلا فأي حكم أثبتوه من تلقاء أنفسهم حاشاهم من ذلك ولولا ما كسانيه ربي من الحياء والعفة ببركة اقتفائهم لأوقفت هذا المخلط على جميع أغلوطاته ولكشفت عن أستارها حتى ينظر عوام الناس إلى عوراته ولكني كما قال الشاعر:
واغفر عوراء الكريم ادخاره واعرض عن شتم اللئيم تكريما
قوله: وأما سائر الدماء يعني ما عدا دم الحيض فالأدلة فيها مختلفة مضطربة والبراءة الأصلية مصتصحبه حتى يأتي الدليل الخالص عن المعارضة الراجحة والمساوية ...اهـ.
أقول: وقد قام الدليل الخالص عن المعارضة أصلا فضلا عن كونه خالصا من راجحها ومساويها وبما أثبتناه من الأدلة في تلك الرسالة كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد وقد خلصت بحمد الله من شائبة المعارضة وما عورضت به فهم أوهن من بيت العنكبوت كما ستراه إن شاء الله لكنا لا نقصر على ما قدمنا هنالك بل نزيد عليه من الأدلة إن شاء الله تعالى ما يلقم الخصم الحجر فنجعله خاتمة لهذا فانتظره. (1/16)
صفحة 17
قوله: ولو قام الدليل على رجوع الضمير في قوله تعالى { فَإِنَّهُ رِجْسٌ } (1) إلى جميع ما تقدم في الآية الكريمة من الميتة والدم ولحم الخنزير لكان ذلك مفيدا لنجاسة الدم المسفوح والميتة لكنه لم يرد ما يفيد ذلك بل النزاع كائن في رجوعه إلى الكل أو إلى الأقرب ما يفيد ذلك بل النزاع كائن في رجوعه إلى الكل أو إلى الأقرب والظاهر رجوعه إلى الأقرب وهو لحم الخنزير لإفراد الضمير الخ.
__________
(1) الأنعام: 145 (1/17)
صفحة 18
أقول: كما أن الظاهر من إفراد الضمير عودة إلى لحم الخنزير وذلك أن المستثنى من شيء يدخل تحته لا بد له صفة يختص بها عن المستثنى منه فالميتة وما بعدها مستثنى من جنس المطعوم ألا ترى أنك تقول: لا تأكل شيئا إلا خبزا أو لحما أو تمرا فإنه جيد مثلا كان التعليل راجعا لجميع المستثنيات وهو الظاهر فيه وإن كان الظاهر في إفراد الضمير عودة إلى الأقرب فتنازعه ظاهران أحدهما يطلب الجميع وهو التعليل والآخر يطلب القريب وهو إفراد الضمير فرجحنا الأول للتصريح بالتعليل فيه فإنا لو رجحنا الثاني مثلا لزم طلب العلة في تحريم الميتة والدم لا يقال ليس من شرط الاطلاع على علل الأحكام لأنا نقول سلمنا عدم الشرطية ذلك في التعبد ولا قائل بخلافه فيما نعلمه لكن الرب تعالى بمنه وكرمه جعل للأحكام عللا تدل عليها وأمر أهل العلم أن يردوا ما أشبهها إليها بإشارة قوله: { لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } (1) وأي استنباط يكون بغير دليل وأي دليل هنالك إلا تعليل الأحكام لأنا لو قلنا بالدليل الصريح مثلا لسقط معنى الاستنباط فظهر بحمد الله أن الأصل في الأحكام تعليلها فيجب طلب ذلك الأصل للمستنبط ولا يقدح في هذا ما ورد من الأحكام غير معلل لأن قواعد الشرع إما عبادة بدنية وإما غيرها فالعبادة البدنية لا يجدي فيها التعليل لعدم انطباقها للأعراض النفعية العاجلة وما عداها من الضرورات والحاجيات والتحسينات فيعلل بجزئياتها وكلياتها كما هو معلوم عند أربابه.
قوله:ولهذا جزمنا هنا بنجاسة لحم الخنزير دون الميتة والدم الذي ليس بدم حيض ولا سيما وقد ورد في الميتة ما يفيد أنه لا يحرم منها إلا أكلها كما ثبت في الصحيح بلفظ «إنما حرم من الميتة أكلها»...أهـ.
__________
(1) النساء: 83. (1/18)
صفحة 19
أقول: في كلامه هذا تصريح بعدم نجاسة الدم والميتة معا وقد كانت بدعة واحدة فهي الآن بدعتان وقد خرق الإجماع في كليهما أعاذنا الله والمسلمين من ذلك، فأما الدم فقد ذكرنا أدلة نجاسته وسنزيد عليها إن شاء الله وأما الميتة فلم يخطر ببالنا أن أحد يقول بطهارتها حتى وقفنا على كلامه هذا المبتدع هنا فوجب علينا أن نرد بدعته بما يسر الله لنا من الأدلة لحديث «إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه » فنقول: اعلم أن الأمة قد أجمعت على نجاسة الميتة لا خلاف لأحد في ذلك حتى ظهر هذا المبتدع فخرق ذلك الإجماع مع ما فيه من ضعف البصيرة وانغماسه في لجج الحيرة ولولا ما في ذلك الحديث من الوعيد على أن على العالم أن لا يظهر علمه عند ظهور البدع لما كان لمثله أن يشتغل بشأنه كيف! والأحاديث في نجاستها مشهورة منها ما ثبت من طريق جابر بن عبدالله قال: جاء ناس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن جلوس فقالوا: يا رسول الله إن سفينة لنا انكسرت وإنا وجدنا ناقة سمينة ميتة فأردنا أن ندهن سفينتنا وإنما هي عود على الماء فقال: «لا تنتفعوا بشيء من الميتة». (1/19)
صفحة 20
وقال عبدالله بن عكيم: قرأ علينا كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأرض جهينة وأنا يومئذ غلام شاب يقول فيه: لا تستمتعوا من الميتة بإيهاب ولا عصب وكان قبل موته - صلى الله عليه وسلم - بشهرين، ومن طريق أبي هريرة قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الفأرة تموت في السمن الذائب، فقال:«استصبحوا به» أو قال: «انتفعوا به» وسئل الزهري عن الدابة تموت في الزيت والسمن والودك وهو جامد أو غير جامد الفأرة أو غيرها فقال: بلغنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:«إن كان جامدا فألقوها وما حولها وكلوا سمنكم وإن كان مائعا فأريقوه ولا تأكلوه»، قال قطب الأئمة رضوان الله تعالى عليه: والحديث شامل لما بعضه جامد وبعضه مائع فيلقى المائع ويؤكل الجامد، ومعنى أريقوه أنه نجس لا يؤكل كما قابل الجامد المأكول وليس المراد أن لا ينتفع به، وعن أبي سعيد الخدري موقوف في الدجاجة إذا ماتت في البئر ينزح منها أربعون دلوا، وعن أنس موقوفا في الفأرة إذا ماتت من ساعتها ينزح منها عشرون دلوا، وروى قطب الأئمة رضوان الله تعالى عليه أنه وقع زنجي في بئر زمزم فمات فأمرهم ابن عباس أن يخرجوه وأن ينزحوها فغلبتهم عين ماء جاءت من الر كن فأمر بها فدست فيها القباطي والمطارف حتى نزحوها ولما فتحوها انفجرت عليهم.
ومن طريق ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بشاة مطروحة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ألا أخذوا أيهابها فدبغوه » فانتفعوا به، ومن طريقه أيضا قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا دبغ الإيهاب فقد طهر ». (1/20)
صفحة 21
قال الشعراني في كشف الغمة: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثيرا ما يسأل عن الميتة فيقول: «يطهر الماء والقرط » قال ودخل - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك على أهل بيت فإذا قربة معلقة فسأل الماء فقالوا: يا رسول الله إنها ميتة، فقال: «دباغها طهرها » فدلت هذه الأحاديث جميعها على نجاسة الميتة بعضهما دال بعبارته كحديث جابر وعبدالله بن عكيم وبعضها دال بإشارته كحديث أبي هريرة والزهري وأحاديث النزح وتطهير الجلد بالدباغ فإنها لو لم تكن الميتة نجسة لما أهريق ما وقعت فيه ولا نزحت البئر بسبب وقوعها فيه ولا احتاج جلدها إلى تطهير بالدباغ إذا لا معنى لتطهير الطاهر ودلالة العبارة والإشارة أقوى ما يكون من الدلالات عند الأصوليين والحديث الذي استدل به هذا المبتدع على طهارة الميتة لا تشبث له به لأن غاية ما فيه جواز الانتفاع بالميتة ولا يستلزم ذلك عدم نجاستها فقد أجمعت الأمة المحمدية على نجاسة الميتة وممن حكى الإجماع في ذلك الفخر الرازي في مفاتيح الغيب ولو لم يكن حجة إلا إجماع الأمة لكفى ولم يقل أحد منهم أصلا بطهارتها وإنما اختلفوا بجواز الانتفاع بإهابها على سبعة أقوال حكاها النووي في شرح مسلم ولفظها هنالك، أحدها: مذهب الشافعي أنه يطهر بالدباغ جميع جلود الميتة إلا الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما وغيره، ويطهر بالدباغ ظاهر الجلد وباطنه ويجوز استعماله في الأشياء المائعة واليابسة ولا فرق بين مأكول اللحم وغيره وروي هذا المذهب عن علي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود.
والمذهب الثاني لا يطهر شيء من الجلود بالدباغ وروي هذا عن عمر بن الخطاب وابنه عبدالله وعائشة وهو أشهر الروايتين عن أحمد وإحدى الروايتين عن مالك.
والمذهب الثالث: يطهر بالدباغ جلد مأكول اللحم ولا يطهر غيره وهو مذهب الأوزاعي وابن مبارك وأبي ثور وإسحاق بن راهويه.
والمذهب الرابع: يطهر جميع جلود الميتات إلا الخنزير وهو مذهب أبي حنيفة. (1/21)
صفحة 22
والمذهب الخامس: يطهر الجميع إلا أنه لا يطهر ظاهره دون باطنه ويستعمل في اليابسات دون المائعات ويصلي عليه لا فيه وهذا مالك المشهور في حكاية أصحابه عنه.
والمذهب السادس: يطهر الجميع والكلب والخنزير ظاهرا وباطنا وهو مذهب داود وأهل الظاهر وحكي عن أبي يوسف.
والمذهب السابع: أنه ينتفع بجلود الميتة وإن لم تدبغ ويجوز استعمالها في المائعات واليابسات وهو مذهب الزهري، قال وهو مذهب شاذ لبعض أصحابنا لا تفريع عليه ولا التفات إليه...أهـ.
فهذا آخر ما قيل في جلود الميتة ولم يتجاوز أحد إلى القول بطهارتها أصلا وتجويز الزهري الانتفاع بإهابها من غير دبغ آخذا بظاهر الحديث (إنما يحرم من الميتة أكلها) ورد عليه برد المطلق فيه إلى المقيد من سائر الأحاديث ومنشأ الخلاف في طهارة الجلد والانتفاع به إنما هو من تعارض الأحاديث في ذلك وليس من مقصود الكلام عليه وإنما سقناه تنبها لهذا الغافل وتعليما لهذا الجاهل وليت شعري هل هو واجد ضعيف مثله يقول بما قال فضلا من وجود عالم مفضال، وما ذكرناه هنا كفاية لمن منّ الله عليه بالهداية فإن عاد لضلاله عدنا له بإبطاله شعرا:
وقد قلنا لهم ذوقوا فإن عدتم لنا عدنا
قوله: ومن رام تحقيق المقام وتأكيد الكلام في الخلاف الواقع في مثل هذا الضمير المذكور في الآية فليرجع إلى ما ذكره أهل الأصول في الكلام على القيد الواقع بعد جملة مشتملة على أمور متعدده. (1/22)
صفحة 23
أقول: يتأمل في كلامه هذا وفي نقله بعد فإنه لا مناسبة بينهما أصلا لأن كلامه هذا يشير إلى القيد الواقع بعد مفردات معطوف بعضها على بعض ثم عقبها قيد من شرط أو وصف وما نقله من حصول المأمول إنما هو في المطلق والمقيد وقد عرفت أن المطلق ما دل على شائع في جنسه كرجل ودم وميتة مثلا، والمقيد بخلافه كرجل مؤمن ودم مسفوح وميتة مدودة فإن رجلا في الأول مطلق وفي الثاني مقيد بصفة الإيمان وكذلك دم في الأول مطلق يدل علة المسفوح وغيره وفي الثاني مقيد بصفة السفح وكذلك الميتة في الأول مطلق لأنه يدل على المدودة وغيرها وفي الثاني مقيدة بصفة التدويد فبين الرجل الأول والثاني الإطلاق والتقييد وكذلك بين الدم الأول والثاني وبين الميتة الأولى والثانية وليس بين رجل ودم وميتة شيء من الإطلاق والتقييد وإنما بينهما نسبة التباين فإذا عرفت هذا عرفت أن بين الميتة والدم ولحم الخنزير نسبة التباين لا الإطلاق أو التقييد كما توهمه هذا المتعسف وإذا عرفت هذا أيضا ظهر لك سقوط ما نقله من حصول المأمول وإنه لا حاجة إليه.
ولنرجع إلى ما أشار إليه من تحقيق المقام وتحرير الكلام في عود الضمير في الآية بالوقوف على ما ذكره الأصوليون في ذلك القيد المشار إليه فنقول ذكر الأصوليون في القيد الواقع بعد مفردات معاطفة كما في الآية، وأنه لا بد لذلك القيد إما أن يكون استثناء أو شرطا أو صفة أو غاية وفي الآية القيد الوصفي لأن قوله تعالى فإنه رجس صفة واقعا بعد مفردات متعاطفة فعوده إلى الكل أولى. (1/23)
صفحة 24
قال صاجب جمع الجوامع: الثالث أي من القيود الصفة كالاستثناء في العود هذا كلامه هنا وذكر في الاستثناء ما نصه: والوارد بعد مفردات أولى بالكل وقد علل الشارح المحلي وجه الأولوية بعد استقلال المفردات بعضها عن بعض فيتحقق هذا المقام ينقلب ما كان له عليه وينعكس احتجاجا إليه { يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } (1) .
قوله: فانظر أيها المنصف في هذا الخطاب المذكور في الآية ولا أظنك تجده إلا مقيدا بلحم الخنزير.
أقول: ما الخطاب الذي أشار إليه في الآية؟ ولعله أراد قوله تعالى: { فإنهُ رِجس } وعليه فقد جعل المقيد قيدا حيث قال: مقيد بقيد الخنزير ولم يقل قيد للحم الخنزير وأعظم من هذا أن بين المعنى الذي أشار إليه صاحب الحصول وبين ما نبه إليه هذا المتعسف كما بين السماء والأرض وليته لم يبدي عورته للناظرين أعاذنا الله والمسلمين من مثل هذا التخلط.
قوله: قلت انظر أيها الناظر في الآية تجد بين الأنواع الثلاثة تباينا بعيدا واختلافا جنسا وحكما أهـ.
__________
(1) الحشر: 2. (1/24)
صفحة 25
أقول: أولا أن هذا المتعسف ذكر هذا الكلام عقب قول صاحب الحصول في حمل المطلق على المقيد إذا اتفقا سببا وحكما فقال هو تجد بينهما تباينا بعيد أجل بينهما نسبة تباين وهي مباينة للإطلاق والتقييد فقد سعى لحتفه بظلفه وجدع أنفه بسيفه، ثم قال ثانيا واختلافا جنسا وحكما أقول أولا لهذا القائل ما الفرق بين السبب والجنس وأي شيء هما فانظروا يا أولي الألباب إلى هذا العجب العجاب وأعجب منه أنها عنده مختلفة حكما وأي اختلاف حكما بين الميتة والدم ولحم الخنزير وقد نص الكتاب على تحريم الجميع ولكن قل لهذا المتعسف ما الحكم الشرعي فإنه لا يعرفه أصلا فإن حكم الميتة والدم ولحم الخنزير التحريم، ولو اختلفت حكما لكان بعضها محرما وبعضها غير محرم وأما النجاسة فهي علة للحكم التكليفي الذي هو التحريم والعلة من أحكام الوضع لا التكليف وقد قررنا أن علة تحريم الجميع النجاسة فإن سلم أخذه من الآية كما قررناه أولا وإلا فهو مأخوذ من السنة لشهادة الأدلة التي أوردناها والإجماع يؤكد ذلك.
قوله: ولا يخفاك أن إتخاذ الحكم بين المطلق والمقيد يقتضي حصول التناسب بينهما لجهة الحمل فالحق ما ذهب إليه القائلون بالجمل.
أقول: أولا: أن يخفى لازم وقد عداه بغير صلة، وثانيا: أن معنى كلامه هنا أن المطلق والمقيد إذا اتحدا حكما وجب حمل المطلق على المقيد وإن اختلفا سببا وهو يناقض ما أسفله أولا عند تعبيره بالجنسية عن السببية ولا نعترض لما في عبارته من الفساد لأن من غرضنا الاختصار فنكلها إلى ذهن السامع.
قوله: أمعن النظر في الآية الكريمة تجد فيها النفي الصريح الدال على إبطال زعم من قال بأن الضمير المفرد كناية عن الجميع فإنه صرح بلا النافية في أول وهلة بل في أول مرة منه كما أشار تعالى: { قُل لَا أَجِدُ } فإن النفي معناه الإبطال للوجدان المذكور فافهم ذلك لعل الله ينفعك وتكون ممن تأمل كلام الله العزيز الخ. (1/25)
صفحة 26
أقول: أولا: أعاذني الله والمسلمين من هذا الفهم الذي أمر به هذا المتعسف.
ثانيا: أنه ذكر هذا الكلام بعدما نقل من الحصول ما آخره شروط حمل المطلق على المقيد وذكر من جملتها ما نصه: الثالث أن يكون من باب الأمر والإثبات وأما في جانب النفي والنهي وهو غير شائع... ، وأراد هذا المتعسف أن يحمل ما في الآية على ما ذكر هنا وقد عرفت أنهما ليسا من باب واحد وقد تقدم ذلك فلا حاجة إلى إعادته.
قوله: وإذا تأملت الآية وجدت القيد المذكور بقوله تعالى فإنه رجس، فيه قدر زائد على ما ذكر في المطلق لأنه ذكر أولا التحريم بقوله { قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ } الآية (1) ثم ذكر القدر الزائد وهي الرجسة التي معناها التنجيس.
أقول: ذكر هذا الكلام عقيب ما نقله من كلام حصول المأمول وفيه بقية شروط حمل المطلق على المقيد ومن جملتها أن لا يكون في المقيد زيادة على المطلق يحتمل أن يكون القيد لتلك الزيادة فرد هذا المتعسف ما في الآية على أن هنالك وقد عرفت الفرق بينهما مما سبق وإنهما ليسا من باب قوله فافهم هذا فإنه مقيد لمن تأمله فائدة يحسن سكوت المتكلم عليها اهـ.
وأقول: وليته سكت عليها ولم يفه بعدها بكلمة فإنها كافية للدلالة على فهاهته وشدة بلادته وليت شعري هل هو عارف بالفائدة التي يحسن السكوت عليها أم لا؟ فإن كان عارفا بها فأي محل لها هنا فإن اصطلاح نحوي ولعله سمعها من صبي مبتدئ في علم النحو فاستحسن لفظها ولم يفهم معناها ووضعها في تلفيقاته حتى تعد من جملة تحقيقاته.
ثم أنه أطال بعد هذا الكلام بما لا طائل تحته وأورد في تفسير الآية نقلا في فتح البيان في مقاصد القرآن ما لا يسمن ولا يغني فلنضرب صفحا عن الكلام عليه كما هي عادتنا وقد نبهنا على ذلك في أول هذه الرسالة.
__________
(1) الأنعام: 145. (1/26)
صفحة 27
قوله: فإن قال قائل إن العطف يدل على تساوي المعطوف والمعطوف عليه في الحكم فنحن لا نقول به هنا في هذا الموضع لأن النحاة قد فصلوا ذلك وبينوا أن حروف العطف هي عشرة.
ثم نقل بعده أبياتا من الملحة وكلاما من شرح بحرق عليها ولا حاجة إلى ذكره هنا.
ولكني أقول: أن النحاة وإن فصلوا حروف العطف فقد جعلوا الواو للتشريك في الحكم والإعراب بين المتعاطفين وما كان بمعناها فهو مثلها و(أو) هنا بمعنى الواو كما لا يخفى فهي للتشريك بين الميتة والدم في الحكم والإعراب وإنما قلنا أن أو بمعنى الواو لأن حقيقتها لأحد الشيئين ولا محل لحقيقتها هنا فإن خرجت عن تلك الحقيقة بأن تعذرت فيها مثلا استعملت تارة بمعنى الواو كما هنا وأخرى بمعنى بل ولا تكون لغير ذلك في العطف صرح بذلك الأصوليون منهم صاحب المرقاه في مرقاته ومرآته، ومن النحاة محققهم ابن هشام في مغنيه وذكر هنالك أنها وإن دلت على غير ما ذكر كالتنويع وغيره من المعاني العشرة التي قدمها فيها فدلالتها عليها بحسب القرائن لا بوضعها ثم تعجب هنالك من النحاة كيف قالوا أن (أو) يكون تارة للإباحة وقالوا في فعل الأمر إذا قرن بها أنه للإباحة أيضا فهذا ما عليه المحققون من النحاة وغيرهم فافهمه.
وأعجب مما أورده هنا أنه لم يسلم أولا بنجاسة الميتة ثم قام هنا ينقض على من قال أن حكم المعطوف هنا حكم المعطوف عليه فلو ثبت على أصله الفاسد ورأيه الكاسد لكان أقوم في طريق المحاورة عند العارفين بالمناظرة.
قوله: وأقول (أو) هنا في هذه الآية معناها التنويع فإنها جعلت الأشياء المذكورة أنواعا ثلاثة وهي الميتة والدم ولحم الخنزير فصح أن هذه الأشياء الثلاثة أنوع وعطفها ب(أو) ليس يدل على المشاركة بين هذه الأنواع في زيادة الحكم الواقع بعد القيد والضمير المفرد. (1/27)
صفحة 28
أقول: أولا: قد عرفت ما عليه المحققون في (أو) وأنها في الآية بمعنى الواو، والواو وما معناها للتشريك بين المتعاطفين في الحكم والإعراب وقد بينا لك أن استفادة التنويع وغيره بحسب القرائن.
ثانيا: أن معنى قولنا في تلك الرسالة فحكم المعطوف هنا حكم المعطوف عليه وأن الدم معطوف على الميتة وقد ثبتت نجاستها بالنصوص والإجماع فحكمه حكمها فظن هذا البليد أنما أردنا المشاركة بينهما في التعليل الواقع بعد الخنزير ولم يفهم أن الخنزير معطوف لا معطوف عليه ولم يدر أنا أردنا الاستدلال في الآية بوجهين:
أحدهما: رجوع القيد الذي هو التعليل إلى الجميع فيستلزم إعادة الضمير إلى الجميع أيضا.
وثانيهما: أن الميتة نجسة بالنصوص والإجماع وحكم المعطوف هنا حكم المعطوف عليه فخلط بين الدليلين وسعى في نقضهما بما لا يقبل من المين.
ومن البلية عذل من لا يرعوي عن غيه وخطاب من لا يفهم
قوله: وأيضا فإن الضمير مقيد ب(إن) المكسورة وهي و(أن) المفتوحة متباينتان لفظا ومعنى وقيد (إن) المكسورة ألزم ومعناها احكم فالاستدلال بقول رؤبه (كأنه في الجلد توليع البهق) لا يتم احكم فالاستدلال بقول رئبه (كأنه في الجلد توليع البهق) لا يتم لأنه آتى بالمفتوحة والنظم القرآني صرح بالمكسورة فأين هذا وذاك عند أرباب الفهم. (1/28)
صفحة 29
أقول: ولا أدري ماذا أقول من البيان إثر هذا الهذيان إلا إن الفنون جنون إنا لله وإنا إليه راجعون، وإذا لم يعرف الفرق بين (إن) و(كأن) فأنا له أن يتعاطى الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ولعله لم يعرف أن (كأن) كلمة موضوعة للتشبيه تعمل بنفسها عمل إن وأيضا فأي داع للفرق بين (إن) و(أن)، وإن محل الاستدلال من قول رؤبه إنما هو عود الضمير إلى جميع ما تقدم إنما هو من قواعد العربية وإذا لم يفهم ما يقول فأنى له أن يقول في بيان المنقول والمعقول { قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ } (1) قوله وأيضا فرؤبه هذا عربي واحد لا ينتهض كلامه لرد القرآن ولا يعرض القرآن على كلامه بل كلامه معروض على القرآن ومحجوج به، فإذا كان حبر الأمة ابن عباس لا يعارض القرآن الكريم بكلامه ولا بكلام غيره صحابيا كان أو غير صحابي فما ظنك إن سلمنا لقوله وتركنا ظاهر النص. أهـ.
أقول: هذه واحدة من تلك، فإنه فهم من الاستدلال ببيت رؤبه رد الكتاب فقام لنقضه وليت شعري هل هو عارف ما معنى كلامه هنا وما فيه من التعسف الذي هو أعدا الشهود على أنه على خطأ مبين فإن رد الكتاب هو أن يترك حكمه على سبيل الإبطال بحكم آخر، والاستدلال هو تبين أن ما في الكتاب موافق لأصل العربية التي أنزل عليها وهو مما احتاج إليه المفسرون ليستعينوا به على فهم كتاب الله عزوجل وسنة نبيه كما أمر بذلك البحر ابن عباس، وقد استدل في تفسيره بكثير من أشعار العرب ومن وقف على أجوبته لنافع بن الأزرق ظهر له صدق ما ذكرناه وجميع المفسرين على ذلك ولا يعبأ بتخليط هذا المتعسف إلا من كان مثله، فلنكل ما فيه إلى ذهن السامع ولا نلتفت إليه.
قوله: وما ذكره أهل المعاني والبيان من تحقق الظاهر لكلام الله وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - أهـ.
__________
(1) يونس: 59. (1/29)
صفحة 30
أقول: أولا: قل لهذا القائل ما علم المعاني وما علم البيان وأي شيء هما وما موضوعهما فإنه لا يعرف شيئا من ذلك وإنما أتى بهذا الهذيان المضطرب ليزخرف به بناءه الخرب.
وثانيا: ما معنى القول الذي حكاه عنهم في تحقيق الظاهر الخ، فإن لأهل المعاني في فنهم أحولا تقتضي بتحقيق الظاهر أن العمل بالظاهر أولى ما لم يقم دليل على خلافه فهو ليس من قواعد المعاني والبيان أصلا وإنما هو من قواعد الأصوليين ثم أعقب كلامه هنا بنقل كلام من الملحة فكتب منها باب إن وأخواتها مع شرحه لبحرق سعيا لبيان الفرق بين (أن) و(إن) لكيلا يتم الاستدلال بما في البيت على ما في الآية وقد عرفت بطلانه فلا نطيل بذكره مرة أخرى.
قوله وقد بينا أن القول بنجاسة الشيء تعبد لا يثبت إلا بدليل قاطع ظاهر غير محتمل وإلا كان القائل بذلك متقول على الله بما لم يقله الله إلى آخر ما تعسف فيه .
أقول: قد قدمت لك أولا إن مثل هذا لا يخاطب، وثانيا: إنه زعم أن الأحكام لا تثبت إلا بدليل قاطع ثم أردفه بقوله ظاهر ثم زاد عليه بقوله غير محتمل ثم ذكر أن من أثبت حكما بالمعتمل كان متقولا على الله، أقول قد أثبت هو في هذه الشعبذه كثيرا من الأحكام بخبر واحد محتمل صدق إسناده وكذبه فكان قد أثبت الحكم بالمعتل فحق عليه القول أنه المنقول على الله، وقد سلف له مثل هذا الهذيان وقد نبهنا عليه هنالك، وثالثا : إن هذا القائل لا يعرف الفرق بين القاطع والظاهر والمحتمل ولا يعرف ما هي ولو عرف ذلك لما أردف بينهما في كلامه .
قوله: وقد ثبت ثبوتا متواترا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن الحلال والحرام قال : « الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه » وما سكت عنه فهو مما عفى لكم ومثله القول بنجاسة الشيء لا يثبت بالمحتمل ولا بالقياس ... الخ .
أقول : أولا : إن الحديث الذي رواه لم يبلغ حد التواتر ولا الشهرة فأنى له في القول بذلك ولعله لا يعرف (1/30)
صفحة 31
التواتر ما هو، وثانيا: إن الحديث دل على أن لا حكم إلا بما في الكتاب العزيز وما لم يذكر فيه فهو عفو وكأن هذا المتعسف أراد التعويل على ظاهر فيلزمه إبطال السنة وقد أثبتت أشياء لم يكن في الكتاب العزيز لها ذكر أصلا كنجاسة لعاب الكلب والمذي والروثة والبول أيضا فقل لهذا المتعسف أي آية دلت على تنجيس هذه الأشياء، وثالثا: إن في كلامه هذا أيضا بطلان الحكم بالمحتمل وقد تقدم بيان ما فيه، ورابعا: إن في كلامه أيضا دليلا على بطلان ر الإجماع والقياس ومن أنكر الإجماع فهو كافر باتفاق الأمة فانظر كيف انتكس على أم رأسه وضرب رأسه بفأسه .
قوله: وأما ا مي فاحتجوا على نجاسته بأمور: الأول: حديث عمار وهو مجمع على عدم صلاحيته للاحتجاج ... الخ.
أقول : لهذا المتعسف أولا: أنك قل أبطلت الإجماع في غير موضع من شعبذتك هذه ونصبته هنا بحجة لك فما هذه السفسفة التي لا يرضاها أهل السفه، وثانيا: قد ادعيت الإجماع على عدم صلاحية الاحتجاج بحديث عمار وأنى لك بالدليل على ثبوته ولنصفح عن الكلام على نجاسة المني والمذي إذ ليس ذلك من مقصودنا كما هو عادتنا أن لا نتكلم إلا في المقصود.
قوله: اعلم أنه قد ظهر لي الآن أن القيام في مقام المنع هو الذي ندين لله به .
أقول: هذا الكلام حكاه عن محمد صديق ومعناه هو معنى قول الأصوليين: الأصل براءة الذمة، وجوابه هذا مسلم عند عدم قيام الدليل على اشتغالها وقد قام الدليل ، فما إلى الفرار عنه من سبيل .
قوله : وفي سبيل السلام والحق أن الأصل الطهارة والدليل على القائل بالنجاسة .
أقول : سلمنا ذلك ء وقد أوضح الدليل.
قوله: فنحن باقون على الآمل، وذهب الحنفية رحمهم الله إلى نجاسة المني كغيرهم ... الخ. (1/31)
صفحة 32
أقول: أن هذا الكلام نقله عن محمد صديق وكأنه حنفي وقد دعا له هذا المخلط بدعاء لا يجوز إلا للولي وقد رفع لي أن مذهب هذا المبتدع هو مذهب محمد بن عبد الوهاب ورأيت في كلامه هذا ولاية لغالب أهل المذاهب من المحدثين والحنفية وغيرهم فلا أدرى إن الذي رفع لي أخطأ الصواب في هذه الرفيعة أم هذا المبتدع اختار مذهب إمامه، فإن كان قد اختار غيره فعلى أي مذهب هو، فإني أراه قد جمع أهل مذاهب شتى في الولاية ولعله لا يعرف مذهبه .
قوله: من نجاسة ما حرم الله تعال بأن النجاسة والتحريم متلازمان وهذا الزعم من أبطل الباطل فالتحريم للشيء لا يستلزم نجاسته بمطابقة ولا تضمن ولالتزام ...الخ.
أقول: أولا: أن القائلين بنجاسة المحرم عندهم أن دلالة التحريم على النجاسة من باب الالتزام، ثانيا: أن القائلين بتلك القاعدة لا يقولون بأن كل حرام نجس وإنما القاعدة عندهم هكذا كل حرام لعينه نجس فبطل ما ادعاه عليهم، وإن كنا لا نقول بهذه القاعدة في حالنا هذا لما نرى عليها مز لزوم الدور في تعليل التحريم بالنجاسات بنص الكتاب والإجماع يؤكده، فالقول بجعل التحريم علة للنجاسات يلزم عليه الدور وها أنا أطلب رفع هذا الدور فإن وجدت ما يرفعه رجعت إلى القاعدة المذكورة إن شاء الله تعالى ، وإن لم أجد فأثبت نجاسة ما ثبتت نجاسته من تلك القاعدة بنفس الأدلة .
قوله: وكأن الشارع قد علم وقوع ذلك الغلط لبعض الأمة فأرشدهم إلى ما يدفعه قائلا إنما يحرم من الميتة أكلها أهـ.
أقول : وكأن الشارع أيضا قد علم خروج هذا المبتدع فنبه على بدعته قائلا: لا تنتفعوا بشيء من الميتة ولا تتمتعوا من اليتة بإهاب ولا عصب مع سائر الأحاديث التي أثبتناها في الاحتجاج عليه عند تطهيره الميتة . (1/32)
صفحة 33
قوله: ولو كان مجرد كون كريم الشيء مستلزما لنجاسته لكان مثل قوله تعالى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ } (1) الآية دليلا على نجاسة النساء ا لمذكورات في ا لآية والمسلم لا ينجس حيا ولا ميتا إلى أن قال وكذلك يلزم نجاسة أعيان وقح التصريح بتحريمها وهي طاهرة بالاتفاق كالأنصاب إلى آخره .
أقول: أولا: أنك قد عرفت القاعدة عند القائلين بها وهي كل حرام لعينه نجس لا مطلقا وقد عرفت فساد ما نقض به عليهم من عدم نجاسة أشياء عرفت كالمسكرات فإن تحريمها لاسكارها لا لعينها فلم يدخل تحت قاعدتهم وكذلك ما ألزمهم إياه من تنجيس النساء المحرمات، فإن تحريمها لتعظيم حرمتها وهو ينافي تذليل الوطء ولولا ذلك لما جازت لغير ذوى المحارم منها كما أن الميتة لا تحل لأحد أبدا إلا عند الضرورة وهو شأن الحرام لعينه، وأما .النساء المحرمات فلا تحل لمن حرمت عليه ولو أضطر وقارب الهلاك ونجاته بوطئها خاصة ولو جبر أن يطأها أو يقتل وكان قد شهر على رأسه السيف لما حل له أن يفعل لينجي نفسه من ذلك، مع جوازها لغير كما عرفت فأين بين هذا وذاك ء ثم أطال بما لا طائل تحته وقام على زعمه يبين مقاصد الآية فقال في تبينها ما لا يقبله ذوو النهي لاسيما عند تعريفه للوجوب والتحريم حيث قال : وأن الواجب ما يمدح فاعله ويذم تاركه، ولم يقل ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه ء فبهذا فليقل وإلا دخل تحت تعريفه جميع ما يمدح على فعله ويذم على تركه شرعا وعقلا وعادة ، وقال في تعريف معنى التحريم ما نصه: ومعنى التحريم المنع والتعبد، فقل له على أثر تعريفه هذا أن الواجبات جيمها داخلة تحت التعبد فيلزم عليه أن تكون محرمة فحرم بتعريفه هذا توحيد الله عز وجل ء فإنه أعظم الواجبات وأولها، فهلا قال في تعريفه: هو التعبد بالمنع، وفي تعريف المحرم نفسه: هو ما يعاقب على فعله ويثاب على تركه .
__________
(1) النساء: من الآية23 (1/33)
صفحة 34
قوله: وفي ا لآية التصريح بأن ا لمفسرة على ما قال أهل الأصول، ويسمونها النحاة الخبرية؛ لأنها تخبر عما بعدها، والاعتبار بالعموم عندنا فهي مفسرة خبريه ولهذا صرحت عما أخبرت به وفسرته فتأمل ذلك . . أهـ
أقول: وما عسى ما أقول من البيان على مثل هذا الهذيان الذي لا يفوه به إنسان فإنه زعم أن إن في قوله تعالى { إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً ...الآية } (1) ، مفسرة وزعم أنها تسمى بذلك عند الأصوليين، وأما النحاة فيسمونها الخبرية، وأعجب من هذا تعليله لتسمية النحاة على زعمه وأعجب منه حيث قال: والاعتبار عندنا بالعموم فهي مفسرة خبرية عنده ء فكأنه على زعمه أراد أن يجمع بين العبارتين اللتين هما على من حكيتا عنه من صريح المين، وإلا فليخبرني هذا ا لمتعسف هل الأصوليين كلام في أن أصلا فضلا عن أن يخصوها فيما ينهم باصطلاح، وهل للنحاة اصطلاح بالتسمية التي حكاها عنهم، فضلا عن تعليل وجه التسمية، ثم أن (أن ) في الآية مصدرية غير مفسرة أصلا ولا يصح أن تكون كذلك، ولعله سمع من صبي مبتدئ في علم النحو أن (أن) تكون مفسره فزخرف بالتسمية هنا كلامه فاستخف قومه فأطاعوه، ولابد من الكلام على بيان (أن) المفسرة حتى يعرفها هذا المتعسف فلا يعود لمثل هذا الهذيان .
فأقول: إن (أن ) تأتى عند النحاة بمعنى أي ويسونها حينئذ المفسرة اصطلاحا منهم بذلك وشرطوا لها شروطا أربعة: أحدها: أن تتقدمها جملة، ثانيها: أن تتأخر عنها جملة، ثالثها: أن تكون الجملة المتقدمة عليها حاوية معنى القول دون لفظه، رابعها: أن لا تقترن بحرف جر كالباء مثلا، فإن اختل أحد الشروط خرجت من كونها مفسرة إلى ما تحتمله من بقية ا لمعان، وقد اجتمعت هذه الشروط في قوله تعالى: { فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا } (2) وقد جمعتها في بيتن من بلوغ الأمل فقلت:
__________
(1) الأنعام: 145.
(2) المؤمنون: 27. (1/34)
صفحة 35
فمر بها إيلاء جملة أتت بالقول معنى دون لفظ ثبت
وجملة من بعدها عل الأثر ما لم تكن مقرونة بحرف جر
قوله: وفي ا لآية العطف بـ(أو) وقد بينا معناها أنها للتنويع ونظائرها في القرآن كثيرة جدا، كما في قوله تعالى في جزاء قتل صيد الحرم { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ } (1) فنوع الكفارة بـ(أو) العاطفة فدل ذلك على أنه مخير في ذلك فأي نوع فهل أجزأ ثم مثّل أيضا بآية الكفارات وقال على أثرها ما نصه: فنوع أيضا بـ(أو) المنوعة، وهي على ما قيل أنها ليست كالواو في العطف بها لا يقتضي المشاركة في الحكم خصوصا إذا وقع القيد بعدها وإذا أخبر بحكم ... الخ هذيانه .
أقول: انظروا يا أولي الألباب إل هذا العجب العجاب حيث جعل (أو) في الآيتين الأخيرتين كـ(أو) في الآية المستدل بها ثم أعجب منه أنه قال عل أثر الآية الأولى فدل ذلك عل أنه مخير في ذلك فأي نوع فعل أجزاه فإن كانت (أو) في الآيات الثلاث بمعنى واحد على ما زعمه فيلزمه أن تكون (أو) في الآيات المستدل بها للتخيير أيضا فأي نوع أختار تركه من تلك الأنواع المحرمة يكون ممتثلا ولو ارتكب الباقي على زعمه وإلا فقد سعى لحتفه بظلفه وخرب بناءه بكفه، وأعجب من هذا تخصيصه عدم مشاركة المتعاطفين بـ(أو) في الحكم بما إذا وقع القيا بعدهما.
قوله: وفي ا لآية الكريمة القيد بـ(إن ) المكسورة و(الفاء) التي هي للترتيب أعنى لترتيب ما قبلها على ما
بعدها أهـ.
__________
(1) المائدة: 95. (1/35)
صفحة 36
أقول: هذا أعجب من ذلك ء ولم يزل واقعا في المهالك وإلا فليخبرني ما معنى التقييد بـ(أن ) ؟.فإن أراد أن الجملة الواقعة بعدها صفة لما قبلها فقيدت به كما حملنا عليه كلامه أولا ليكون محمولا على أحسن الوجوه فالتقييد هو بالجملة لا بـ(أن)، وأما جعله الفاء للترتيب فحسن إن أراد به الترتيب الذهني وجعله ما قبلها وهو الحرمة مرتب على ما بعدها وهو النجاسة مما يتقوى به دليلنا لما عرفت من رجوع القيد إلى الجميع ، ثم أعقب كلامه هذا بكلام تقدم بيان بطلانه، ثم قال بعد في رجوع الضمير إلى لحم الخنزير ما نصه: ولو لم يكن فيه الاحتمال لكان كافيا لأنا قد بينا أنه لا دليل في المحتمل فكيف وفيه التصريح الظاهر وهو زيادة الحكم على ما مر.
أقول: وقد بينا غلطة في عدم تعويله على المحتملات وأنه يبطل به جميع الفروعيات، وقوله فكيف وفيه التصريح الظاهر وهو زيادة الحكم. . أقول: في جوابه : يقال لهذا ا لمتعسف ما التصريح وما الظاهر؟ فإن كان يعرفهما فلم رادف بينهما ثم فسرهما بزيادة الكم وإن كان لا يعرفهما فليعلم أنه يقول بلا علم.
قوله: فمن كان عنده خلاف ذلك فعليه الدليل الخالص من ثبوت المعارضة والاحتمال لأن المقام مقام منع وإلزام فلا تقوم الحجة بالمعارض والمحتمل في التعددات الشرعية أهـ.
أقول: أولا: عندنا خلاف ما ظهر له بحمد الله ، وقد أوضحنا الدليل الخالص، وما عارض به فهو أوهى من بيت العنكبوت، ثانيا: قد تكرر القول معه بإبطال الحكم بالمحتملات في التعبد وقد كررنا بيان بطلانه آنفا، ثم أطال بعدها الكلام بما خالصة منع القول بلا علم استدل عليه بأدلة مسلمة ، وقد بينا لك في غير موضع أنه يقول ما لم يعلم فحق عليه القول . (1/36)
صفحة 37
قوله: وإن كان يسوغ لهم العمل باجتهادهم فنحن لا يسوغ لنا تقليدهم في شيء لم يتضح لنا معناه من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فلهم اجتهادهم وهم مأجورون عليه إذا كان ذلك مبلغ علمهم ، وعذرهم عند الله، وأما نحن فلا يسعنا إلا العمل بظواهر القرآن والسنة المطهرة... الخ .
أقول: انظر في هذا التخليط فإنه قد تكرر القول منه ببطلان إثبات الحكم بالإجماع فضلا عن القياس وقد أثبت هذا للمجتهدين أجر الاجتهاد وشرط ثبوت الأجر بما إذا كان ذلك مبلغ علمهم فقد أحل لهم القول بما لا يعلمون وأوجب ثوابهم عليه فأين هذا مما قدمه قبل وأعجب منه ما ذكره بعد مما نصه وما لم نعلمه فنكل علمه إلى قائله وحسبنا الإيمان به أنه حق وصدق عند الله ورسوله أهـ، ووجه العجب فيه أنه إن كان أراد به قول القائلين بالقياس فقد جعل قولهم كالتنزيل يجب الإيمان به أنه حق وصدق وإن كان أراد غيره فلا دلالة عليه في كلامه.
قوله: ثم أعلم أيما الراغب في الاستدلال بنصوص القرآن والسنة المطهرة أن الحديث الذي رواه الشعراني في كشف الغمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : «الوضوء من كل دم سائل» ليس كما ينبغي فإن الحديث بمكان من الضعف وقد ضعفه الأئمة الحفاظ ...الخ. (1/37)
صفحة 38
أقول: وإن ضعفه أولئك ا لمذكورون فقد صححه غيرهم قال راويه الشعراني في كشف الغمة في خطبة غيرهم قال راويه الكتاب ما نصه ولم أعز أحاديثه إلى من إخراجها من الأئمة لأني ما ذكرت فيه إلا ما استدل به الأمة المجتهدون لمذاهبهم وكفانا صحة لذلك الحديث استدلال مجتهديه ثم قال في موضع آخر من تلك الخطبة أيضا وكفانا صحة لذلك الحديث أو الأثر استدلال مجتهديه به ولا يقدح فيه تجريح غيره من المحدثين والمجتهدين من طريق روايتهم هذا كلامه هنا فليستدل به على أن أحاديث كتابه كلها صحيحة عناه ونرد منها ما صادم قطعيا كأحاديث الرؤية والخروج من النار وليس القادحون في صحته أولى بإثبات الأحكام من أدلتها من ا لمصححين له وقد رواه السيوطي في الجامع الصغير أيضا عن الدار قطني في سننه عن تميم الداري باللفظ ا لمذكور وأيضا فالتصحيح أولى من التضعيف ، فإذا صحح الحديث قوم وضعفه آخرون كان على ا لمضعف الدليل لأنه قدح في الراوي والأصل العدالة .
قوله: ولا حجة فيه على ا لمطلوب من تنجيس الدم بل غاية ما فيه الأمر بالوضوء وهو خارج عن محل النزع إذ النزاع كائن في الحكم بنجاسة الدم المسفوح وأيضا فهؤلاء الأئمة قالوا لا يوجب العمل به ، والاحتجاج بالمرسل والضعيف لا تنتهض به حجة ولا يصح العمل به لأن الأحاديث متساوية الأقدام في جميع الأحكام.. الخ. (1/38)
صفحة 39
أقول: أولا: لا نسلم خروجه عن محل النزع فإنه دال عل النجاسة بطريق الالتزام وقد بينا لك في تلك الرسالة إن الذي يوجب الوضوء نوعان محسوس وغير محسوس، فغير ا لمحسوس هو ا لمعاصي، والمحسوس إما نجس وجداني كالنوم والإغماء،وإما نجس ظاهر كالحدث الخارج من الإنسان وما أوجب الوضوء من المحسوس نجس ظاهر فهو نجس بالإجماع، والدم من المحسوسات الظاهرية وقد ثبت بملامسته أو خروجه وجوب الوضوء، فهو دليل على نجاسته بطريق الملازمة . بيان الملازمة بينهما أن القائلين بطهارة المني من أهل الخلاف مثلا لم يوجبوا الوضوء على من أمنى وهو متوضئ إذا لم يلمس فرجه مثلا،مع إلزامهم له الغسل ولولا الإجماع عل أن وجوب الوضوء من الشيء يستلزم نجاسته لما صح لهم القول بذالك ولنادى عليهم خصمهم بالإنكار كما أنكروا عليهم القول بطهارة المني فبهذا تعرف أن الاستلال بذلك الحديث غير خارج عن محل النزاع ولكني بليت بقوم يعكسون الحقائق ويسومونني الدخول معهم في المضائق شعرا :
علي نحت القوافي من مقاطعها وما علي لكم أن لم تفهم البقر
وثانيا:إن رفيعته عن أئمته أنه لا تقوم الحجة بالمرسل، والضعيف غير مسلمة لأن أكثر العلماء على وجوب العمل بالمرسل، وأما الضعيف فالأكثر على عدم وجوب العمل به ولكن التضعيف في الأحاديث لا يصح بدعوى مدع إلا بدليل يعضده ، لأنه تجريح للراوي، والأصل العدالة وتعليله لعدم صحة لعمل بالمرسل والضعيف منعكس عليه، فإن خلاصة تعليله أن الأحاديث متساوية لا يقدم بعضها على بعض وهو تعليل لثبوت صحة العمل لا لعدم الصحة فاعرفه .
قوله : وعلى فرض صلاحيته ليس فيه دليل على المطلوب، بل ليس فيه إلا الأمر بالوضوء ولا يلزم منه نجاسة الدم لأنه قد أمر الشرع بالوضوء من أكل لحوم الإبل وهي طاهرة إجماعا كما في قوله عليه السلام « من أكل لحم الجزور فليتوضأ » الخ . (1/39)
صفحة 40
أقول: وكذلك أيضا روي عنه - صلى الله عليه وسلم - الأمر بالوضوء مما مست النار ومن ألبان الإبل ولكن بنيت قواعد الشريعة على آخر ما عهد عليه - صلى الله عليه وسلم - فقد روي عنه أنه كان آخر عهده ترك الوضوء مما غيرت النار وذكره الشعراني بلفظ وكان آخر الأمرين من رسول - صلى الله عليه وسلم - ترك الوضوء مما غيرت النار، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكل كتف شاة وصلى ولم يتوضأ ولم يمس ماء، وروى السيوطي عن البيهقي في السنن الكبرى من طريق ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوضوء مما خرج لا مما دخل والصوم مما دخل لا مما خرج، ففي هذا دليل على أن الوضوء من أكل لحوم الإبل وشرب ألبانها ومن أكل ما مست النار، أما منسوخ كما صرح به بعضهم، وأما بمعنى الوضوء اللغوي الذي هو النظافة كما صرح به ذلك البعض أيضا ومما يؤيد هذا أن ابن عباس رضي الله تعال عنه قال : لأبي هريرة مرة أتوضأ من طعام أجده في كتاب الله حلالا لأن النار مسته فجمع أبو هريرة حصى فقال أشهد عدد هذا الحصى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ مما مست النار ولو من أثوار قط فلولا أن القاعدة الشرعية تمهدت آخر وقته - صلى الله عليه وسلم - أن لا وضوء من المحسوسات إلا من نجس لما تعجب بحر العلم من راوية أبي هريرة ولأنكر عليه جميع من بلغه . (1/40)
صفحة 41
قوله: إذ لا يصح لهم أن يقروه على خلاف السنة مع القدرة على الإنكار، وقوله : وأما الاستدلال بحديث علي كرم الله وجهه في حديث شج النبي يوم أحد وكسر رباعيته فالقصة معروفة مشهورة ذكرها أصحاب المسانيد والصحاح وذلك أن عبدالله بن قميئة هو الذي رمي النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد بحجر فأصاب جبهته وكسر رباعيته وقال : خذها وأنا ابن قميئة، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : « مالك أقمأك الله » فسلط الله عليه تيس جبل فما زال ينطحه بقرونه حتى قطعه قطعة قطعة ، فأقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يمش الدم عن وجهه،ويقول : كيف يفلح قوم شجوا نبيهم فتلقاه مالك بن سنان ومص الدم عن وجهه ، فقال له : مجه، فقال : ابتلعه فابتلعه، فقال له : لن تمسك النار،الحديث بطوله. (1/41)
صفحة 42
ثم أعقبه بكلام ذكر فيه بعض فوئد الحديث ثم أعقبه بكلام فيه تتمة الحديث، ثم ذكر فوائد واستدل هنالك على جواز التأمين والدعاء في الصلاة وجوازها عندنا منسوخ بنسخ الكلام في الصلاة وقد قدمنا لك غيره مرة أنا لا نشتغل بغير المقصود ولكني أقول أن الحديث الذي استدل به لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون موضوعا لأن فيه تحليل شرب الدم المسفوح حيث ابتلعه ذلك الصحابي ولم ينكر عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو معارض لنص الكتاب العزيز، وأما أن يكون مخصوصا به - صلى الله عليه وسلم - بطهارة دمه كما ذهب إليه بعض العلماء، حكي محشي الإيضاح قال أبو جعفر الترمذي دم النبي - صلى الله عليه وسلم - طاهر لأن بعض أصحابة شربه مع اطلاعه - صلى الله عليه وسلم - فينبني عل طهارة دمه حله لأن علة التحريم النجاسة كما تقدم وبزاولها يزول الحكم فيلزمك إما تحلل الدم مطلقا فتعارض نص الكتاب بخبر واحد،وأما تخصيص دمه - صلى الله عليه وسلم - بالطهارة وعلى تسليم أنه مخصوص به - صلى الله عليه وسلم - يسقط استدلالنا بغسله - صلى الله عليه وسلم - الدم عن وجهه، وإنما بنينا الاستدلال أولا عل مذهب من رأى عدم الخصوصية له - صلى الله عليه وسلم - بذلك لأنه أقوم الطريقين لما يعضده من ظاهر الكتاب ، ولما في الأول من تخصيص النص القرآني بخبر الواحد والحنفية تمنعه القول بطهارة فضلاته - صلى الله عليه وسلم - لا يوجد عند بعض قومنا. (1/42)
صفحة 43
وأما مذهبنا فيقضي أنه - صلى الله عليه وسلم - كغيره في ذلك وقد أمر بالغسل من الجنابة والتطهر من الأحداث والأخباث، { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } (1) وإنما ذكرت القول بغير مجاراة للخصم ولنا بعد تسليم الخصوصية الاستدلال بما عدا فعله - صلى الله عليه وسلم - من الأحاديث التي أوردناها في تلك الرسالة والتي سنذكرها في خاتمة هذا الاعتراض مع ما في الآية من الاستدلال وما عليه الإجماع والقياس الصحيح وقد عرفت وهن ما عوضت به فهي خالصة من المعارضة بعون الله وتوفيقه .
قوله: فاتضح بحمد الله أن الحديث ليس فيه إلا أمر علي رضي الله عنه بغسل مكان الدم وإن مالك بن سنان هو الذي ابتلع الدم ولم ينكر عليه - صلى الله عليه وسلم - حتى قال : له لن تسمك النار إلى أن قال ولا يلزمك من غسل الدم نجاسته لأن الشر ع قد أمر بغسل أشياء ليست بنجسه كغسل الإناء تنظيفا وغسل الثياب والبدن من الدرن وندب إلى الغسل في يوم الجمعة والعيدين والكسوفين ودخول الحمام ولبس الإحرام ودخول مكة والمدينة والتضلع بماء زمزم ..الخ .
أقول : أولا إن الحديث الوارد في غسله - صلى الله عليه وسلم - الدم عن وجهه ليس فيه أمر لعلي بالغسل، والرسول هو الذي تولى غسل ذلك عن وجهه ففي كلامه تبديل للرواية، وثانيا: أن اعتراضه بمندوبية الغسل ا لمذكور لا يقدح شيئا فيما استدللنا به لأن الأصل في أمر الشارع هو الوجوب ولا يعدل منه إلا بدليل، ودليل العدول في الأشياء ا لمذكورة ظاهر لا في غسل الجمعة ولذا ارتبك فيه قوم فقالوا بوجوبه تمسكا بالأصل علما منهم بأنه لا يترك إلا لدليل ولم يظهر لهم ما ظهر لغيرهم ولم يعب عليهم غيرهم التمسك به وقد أستدل هذا ا لمخلط بهذا الأصل في نجاسة لعاب الكلب لأمره - صلى الله عليه وسلم - بغسل الإناء منه سبعا، وكأنه نقض هنا ما أسسه هنالك أو يسلم ما ذكرناه .
__________
(1) المدثر:4. (1/43)
صفحة 44
قوله: فهل يصح لعاقل أن يقول أن مشروعية ذلك للنجاسة فإنه مدفوع بالأدلة والضرورة والعقل .
أقول: أما الدفع بالأدلة النقلية فمسلم إن أراد بالمشار إليه غسل الإناء تنظيفا وغسل البدن والثياب من الدرن وما بعدهما وقد بينا وجه ذلك وأما الدفع بالضرورة والعقل، فلا يدعيه في هذا ا لمحل إلا مبرسم ولعل هذا المتعسف لا يعرف ما الضرورة وما العقل وأين محل الاستدلال بها وأنه لكذلك وإلا فأي داع إلى ذكرها هنا.
قوله: ومثل ذلك القول بالنهي منه - صلى الله عليه وسلم - عن تلطخ رأس المولود بالدم كما كانت الجاهلية تفعله وأمره بوضع خلوق مكان ذلك لا يلزم منه نجاسة الدم بل غاية ما فيه النهي عز مشابهة المشركين... الخ .
أقول: ونحن لم نستدل بهذه الرواية في تلك الرسالة على نجاسة الدم وإنما استدللنا بها على استقذار فظهر لك بحمد الله سقوط اعتراضه ولا ينافي الاستقذار ما فيه من الحكمة في عدم التشبه بأفعال أهل الجاهلية فإن الحكم تتعدد كيف وفي لفظ الرواية ما شعر بذلك وهو الأمر بوضع الخلوق مكانه فإنه لو لم يكن مستقذرا لما احتاج بعد الزوال إل وضع طيب مكانه.
ثم أطال الكلام بعده لكنه لم يذكر فيه دليلا غير رواية فيها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتجم وصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجمه وجوابه على فرض تسليم صحة الرواية أنه قد تقدم من قولكم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مخصوص بطهارة دمه وفضلاته، وقد تقدم بيانه وعلى هذا فغسله لمحاجمه إنما هو لأجل التنظيف عندكم فلا تعلق لكم به على قاعدة مذهبكم، ونحن لا نسلم صحة الرواية في ذلك، فلا حجة فيه .
قوله: ومع هذا فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يباشرون معارك القتال ومجاولة الأبطال في كثير من الأحوال ما هو من الشهرة بمكان أوضح من شمس النهار كوقعة بدر وحنين وأحد فلو كان خروج الدم ناقضا لما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - بيان ذلك مع شدة الحاجة منهم إليه . (1/44)
صفحة 45
أقول: وقد بيّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حكم ذلك كما في تلك الرسالة، وكما سنذكره في الخاتمة إن شاء الله تعالى ولا يلزم تكرار البيان وان كان مما تعم فيه البلوى فإن الغائط والبول مثلا أعم بلوى من نجاسة الدم وأكثر وقوعا منه، ولم يتكرر بيان حكمهما ولم ينقل عن أحد من الصحابة كيفية إزالتهما إلا ما نقل عن أهل قباء لما سئلوا، فبهذا تعرف أن ما كان أكثر دورانا كان إلى تكرار البيان أقل احتياجا.
وكيف يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إل دليل
ثم ذكر بعده عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة واستدل عليه بأدلة تشهد على تخليطه عند من يعقل مواقعها ثم خاض في لجج العمى وتخبط تخبط العشواء ومنع في خلال تخطه القياس وقد أثبت أولا الأجر للمجتهدين المستنبطين للأحكام بالقياس وسعى في نقض العلة للقائسين بعد تخبطه كما ستقف عليه، فلا هو ممن أبطل القياس ولا هو ممن أثبته لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له نصيرا، وذكر في خلال ذلك التخليط أيضا نصيحة بلفظ مشورة ومنظوم كاسدان عند أهل المنطوق والمفهوم ، ولولا خوف ما يفوتني من الزمان لبينت موقع ذلك الهذيان، ولولا صون علم العروض وجلالته لدينا من أن يعرض عليه مثل ذلك النظم لبينت ما فيه من الخلل،ولكن ميزان المسك لا يوزن فيه بذر البصل .
قوله: فإذا تحققت وأمعنت النظر في العلة وجدت الدم المسفوح مباينا لدم الحيض ومحالف له في لونه ورائحته في دم الحيض أسود ثخين منتن الرائحة،والدم المسفوح ليس كذلك كما أن لحم الخنزير مباين للحم الميتة في لونه ورائحته والعلة هي الرائحة المنتنة، وكذا البول والغائط وإن ورد التخفيف في بعضها فعلى مدعي اتحاد العلة الدليل . (1/45)
صفحة 46
أقول: أولا إن هذا المتعسف أراد بهذا الكلام نقض العلة التي أثبتناها في الجمع بين الدماء المسفوح والحيض ودم الاستحاضة فأخطأ وجه التعليل لأنا إنما جعلنا العلة الجامعة بينها هي الاستقذار فقام هذا بنقض دعوى تساويهما في الرائحة واللون، ثم صرح أن العلة الرائحة ونحن لم نقل بجميع ذلك وهل من أحد يسوغ أن يجعل العلة اللون أو الريح فقط،فظهر لك من هنا أن اعترافه بمعزل عما نحن فيه كما هو غير مستنكر من تخليطاته ولا مستغرب من أغلوطاته، وثانيا: أن قوله وإن رد التخفيف في بعضها فعلى مدعى اتحاد العلة الدليل متناقض فإنه كان ينبغي أن يقول هكذا وإن ورد التخفيف في بعضها فعل مدعيه في الآخر الدليل، ومن لا يفهم كلامه فأن له يتعاطى الأحكام والدخول على أرباب الأفهام.
قوله: فظهر أن الفرق بين هذه الأشياء المذكورة ظاهر يعرفه من به أدنى إلمام بالفقه النبوي إلا ما اصطلحوا عليه أهل الفقه الآخر فإن الصحابة هم أعمق الناس فقها وعلما وإن ادعى ذلك من ادعاه من متأخري هذه الأمة، وليس من شرط التعبد الاطلاع على معرفة علل الأحكام بل بما ظهر من ذلك بالنصوص الواضحة . (1/46)
صفحة 47
أقول: أولا: انظر في تناقض هذه الكلمات واضطراب بعضها في بعض وعدم حقية كثير منها فإنه ادعى أن الفقه فقهان نبوي وغير نبوي وأن معوله على الأول دون الآخر ألا فليخبرني هذا المتعسف ما الفقه النبوي وما الفقه الآخر فإنه أراد بالفقه النبوي الشريعة المحمدية فلم يأت شارع بعدها وان أراد به الفقه اصطلح عليه الذي هو معرفة النفس ما لها وما عليها عملا فهو مستمد من نور تلك الشريعة المحمدية أيضا وعلى فرض أن أراد هذا فقد صرح الأصوليون بأن الرسول لا يسمي فقيها ففي وصفه الفقه بالنبوي نظر لا يخفي، وثانيا: أفهم كلامه أن من بعد الصحابة فقد أدعى أنه أعلم منهم وليت شعري من الذي عناه بذلك، ثالثا: أنه ذكر أنه ليس من شرط التكليف الاطلاع على علل الأحكام ولا محل لذكره هنا نعم ولا قائل بخلافه، ورابعا: أنه أعقب كلامه بقوله بل بما ظهر من ذلك بالنصوص الواضحة فكأنه ضرب قوله الأول واشترط للتعبد الاطلاع فيما ظهر تعليله من الأحكام... الخ.
قوله: والمطلوب المسامحة والعذر لأني لست بكف ء لهذا الشأن ولا من فرسان ذا الميدان .
أقول: وليته اعتر ف بهذا في أول مرة ولم يصب في جميع ما زخرفه إلا هذه المرة وإذا كان بهذه الحالة فالواجب عليه أن يسلم لأهل الدلالة :
وإذا كنت بالمدراج غرا ثم أبصرت حاذقا لا تماري
وإذا ا ثر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار. (1/47)
صفحة 48
لكنه لم يقله اعترافا بجهالته فقد أورد الافتخار بضلالته فهو بذلك جاهل محله وها أنا اعرفه منزله ومن جهلت نفسه قدره، . . . رأى غيره منه ما لا يرى ثم إن المسامحة مناله إن صفحنا عن كثير من زلاته وسترنا غالب عوراته فلو أشبعنا بها الكلام لاستدعى إطالة المقام، وغرضنا تنبيه الغافل، وتعليم الجاهل عن الاغترار بهذا القول العاطل { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ } (1) .
خاتمة
اعلم أنا قد استدللنا أولا على نجاسة الدم المسفوح بالكتاب والسنة والإجماع والقايس فحاصل استدلالنا بالكتاب قوله تعالى: { قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ...الآية } (2) فاستدللنا بها على أن نجاسته بطريقين الأول رجوع التعليل بالنجاسة إلى جميع المذكورات فيها فيلزم عليه إعادة الضمير إلى جميعها ضرورة فقلنا هكذا حرم الله الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير لنجاستها.
__________
(1) الأعراف:33.
(2) الأنعام: 145. (1/48)
صفحة 49
وقد استدللنا على جواز رجوع الضمير إلى الجميع في تلك الرسالة ودفعنا ما يرد عليه فلا نطيل بإعادته ولا يقال أن جميع المفسرين لم يذكروا المعنى الذي ذكرته فلا نسلم لك ما قلته، أقول إن المفسرين وإن لم يذكروه فهم غير مستوفين لجميع معاني القرآن وهم معترفون بذلك وإذا لم يدفع ما استنبط منه نص وإجماع فهو مقبول من صاحبه ومحمود عليه كيف والنصوص والإجماع تؤكد ما نحن عليه ويقويه ما قدمنا لك أن القيد الواقع بعد مفردات متعاطفة وراجع عليه ويقويه ما قدمنا لك أن القيد الواقع بعد مفردات متعاطفة راجع إلى جميعها عند الأصوليين والطريق الثاني إن (أو) في الآية بمعنى الواو وقد عطفت الدم على الميتة والميتة نجسة بالنصوص والإجماع وحكم المعطوف بالواو وما أشبهها وحكم المعطوف عليه بالإجماع فالدم نجس بالإجماع ولو لم يكن لنا إلا هذان الطريقان في الاستدلال لكفى بهما وكيف ومن السنة ما لا غيم ولا خفاء لديه منها قوله - صلى الله عليه وسلم - لعمار رضي الله تعالى عليه: «إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني والدم والقيء»، قال محشي الإيضاح: رواه أحمد والدارقطني.
ومنها ما روى السيوطي عن ابن عدي والعقيلي من طريق أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم»، ومنها ما رواه السيوطي أيضا عن الخطيب البغدادي في التاريخ عن أبي هريرة عنه - صلى الله عليه وسلم - « الدم مقدار الدرهم يغسل وتعاد منه الصلاة»، ومنها ما قدمنا ذكره في تلك الرسالة فلا نطيل بإعادته هنا. (1/49)
صفحة 50
وأما الإجماع فقد ذكرنا لك هنالك أنه نقله خبر واحد واعين لك هنا بعض ناقليه فمن نقله الإمام أبو نبهان رضي الله عنه والإمام أبو بكر في المصنف وصاحب الإيضاح في الإيضاح ولكن عبر عنه بلفظ الاتفاق، والشيخ إسماعيل في قواعده والنووي في شرح صحيح مسلم ونص عبارته: (وإن الدم نجس بإجماع المسلمين)، ويؤخذ أيضا من النقل من كلام الإمام أبي سعيد رضوان الله تعالى عليه في استقامته مع أنه لا مخالف لذلك إلا هذا المعاند وإلا فليأتني ببرهان مبين.
وأما القياس فهو أن دم الحيض ودم الاستحاضة نجسان بنص السنة والإجماع ولم يرد في تحريمهما بعينهما نص فثبوت نجاسة ما ثبت تحرينة بعينه بنص الكتاب أولى بجامع أن كلا منهما مستقذر بالطبع ولك أن تقول أن كلا منهما مؤذ من يدانيه ويقاربه، ولك أن تقول أن العلة الجنسية على مذهب من أجاز التعليل بالجنس والتعليل الأولين أقوى، فنقول في إثباته بالتعليل الثالث الدم المسفوح دم وكل دم فهو نجس إلا ما استثنت السنة طهارته فالدم المسفوح نجس ولقد أثبتنا الذب عن تعليلنا في تلك الرسالة فراجعها إن شئت الإفادة ولا تلتفت لهذا المتعسف في عماه المتشبث بهواه.
أعمى يقود الناس لا أبا لكم قد ضل من كان العميان تهديه
وليت شعري هل بعرف قومه أنه لا يصلح أن يرسم أدنى كتابة في تخليص أدنى عرض من السوق فقد طال ما كتب موضع الهاء تاء أو موضع الواو ياء أو موضع الهمزة ألفا وفي ذلك الرسم لم يزل متعسفا وكثيرا ما يزيد في محل النقصان وينقص في محل الزيادة أعاذنا الله والمسلمين من مثل هذه التخليطات ولتعسف في الورطات.
وختم الله لنا بمنّه وكرمه على خيره وصلى الله وسلم على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه وعلى جميع المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (1/50)
صفحة 51
هذا آخر ما يسره الله تعالى من هذا الاعتراض ولئن عدت على ما كنت عليه لأجلبن عليك خيل الأدلة ورجلها حتى تعرف الحق لأهله وتعترف بالباطل على من قال به.
فخذها كأري العاسلات سماعها ... أو الراح لما خالط الراح سلسل
أو الطعنة النجلاء من كف باتر ... يزغبلها ضرب وشيك مزغبل
أو الروضة الزهراء جاد قرارها ... أجش سماكي ملث مجلجل
كحاشية البرد المسهم نسجها ... وفي النشر مسك خالص وقرنفل
كأن أكاليل اللالئ سطورها ... بشذر ومرجان ودر مكلل
وترفل في خز المعاني كأنها ... فتاة لدى الأتراب في الخز ترفل
على أنها في قلب كل منافق ... سقام وفي أذنيه وقر وجندل (1/51)