صفحة 1
الكتاب: نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي
المؤلف: محَمَّد بن صالح حمدي
دار النشر: جمعية التراث
البلد: الجزائر
الطبعة: الأولى
سنة الطبع: 1425هـ / 2004م
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
[بحث مقدَّم لنيل درجة الماجستير في الفقه]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) محَمَّد بن صالح حمدي
نظرية الاستخلاف في الأموال
في الاقتصاد الإسلامي
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تقديم
د. ثابت محَمَّد ناصر
نشر جمعية التراث
القرارة - ولاية غرداية – الجزائر
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1425 هـ / 2004 م
تقديم محمد ناصر ثابت
دكتوراه دولة في العلوم الإسلاميَّة
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إنَّ الكتابة في موضوع تحت عنوان: «نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي» تعدُّ نادرة، خَاصَّةً بالنسبة للجزائر، حيث إِنَّ مواضيع الاقتصاد الإسلامي حديثة الإنتاج، وهي نادرا ما تُمزَجُ مع الفقه الإسلامي عَامَّة، والاقتصادي أو المالي خَاصَّةً. فحبَّذا لو أَنَّ البحوث الإِسلاَمِيَّة تجنح إِلىَ معالجة المسائل المعاصرة، اعتمادا على تخصيص وتجديد أو تحديث الدراسات الفِقْهِيَّة.
فَكُلَّمَا تعرَّض الباحث المسلم إلى دراسة ظاهرة واقعيَّة مثل مسألة المال فقها وأصولا واقتصاديًّا وعلاقتها بقاعدة الاستخلاف، مكَّن ذَلِكَ من إبراز هذه المسؤوليَّة وآثارها عَلَى ماهية الإدارة وشروطها ومقاصدها أو أبعادها وفق قواعد الفقه والاقتصاد الإسلاميَّين.
فمسؤوليَّة المسلم الشَّخصِيَّة أو الطبيعيَّة أو المعنويَّة على مستوى تسيير المشروع الاقتصادي وما يعتمد عليه أَو يخصِّص من موارد مادِّيَّة ـ وَخَاصَّةً منها العنصر المالي أَو رأس المال ـ ترتبط بما قد تتوفَّر لديه من شروط، مثل العقل والاستطاعة والإرادة والحرِّيَّة، وفق مجموعة من القواعد الفقهيَّة، مثل: «الغنم بالغرم»، و «الغلَّة بالضمان»، و «المسؤوليَّة حسب التعدِّي والتقصير» ... إلخ.
وتتحكَّم الضوابط الإِسلاَمِيَّة لتخصيص الموارد الاقتصاديَّة، ومنها عنصر المال في كُلِّ جوانب ومراحل الوظيفة الاستخلافيَّة، بدءًا بحيازة «الملكيَّة» إلى الاستثمار، أو العمارة والإنتاج والتوزيع وترشيد السلوك الاستهلاكي، بغية الادِّخار، ثُمَّ الاستثمار، لضمان استمراريَّة أو سيرورة العمران.
ثُمَّ إِنَّ شروط الحضارة المادِّيَّة والمعنويَّة أو الروحيَّة التي يجب أن تتمتَّع بقواعد السلامة الشَّرعِيَّة، قد تستفيد بنتائج “الحضارات” الْمَادِّيَّة المعاصرة، خَاصَّةً من ناحية تكنولوجيا التسيير والإنتاج، وَلَكِن مع مراعاة شروط أسلمتها، أي توظيفها في إطار مقاصد الشريعة، ضروريًّا وحاجيًّا وتكميليًّا.
كذلك إِنَّ قواعد السلامة الشَّرعِيَّة لا تتحكَّم فقط في مسؤوليَّة الأفراد أو العوائل والمؤسَّسات، ومنها الاقتصاديَّة، بل تضبط أَيضًا مسؤوليَّة الدولة الإِسلاَمِيَّة المعاصرة، والتي من وظائفها السهر عَلَى تطبيق القواعد الفِقْهِيَّة والتأصيليَّة، وكذا الوفاء بمسؤوليَّاتها وفق مبادئ، من حيث ضمان حدِّ الكفاية في إطار التكافل والواجبات العَامَّة، والسهر عَلَى تنظيم الاقتصاد ورعايته، وضبطه بقواعد شَرعِيَّة وعلميَّة وتقنيَّة، وضمان استخلاف الملكيَّة وفق السلامة الشَّرعِيَّة ... إلخ.
إِنَّ هَذَا البحث قد تعرَّض لجوانب عديدة من هَذِهِ التَّصَوُّرات، ويتمُّ تعظيم المصلحة من خلال نتائجه لو خضع للتحديث فقها وعلما، ولو أَنَّ المنهج الاستنباطي استكمل بالمنهج الاستقرائي لوقائع البلاد الإِسلاَمِيَّة، وَكَيفِيَّة ضبطها بضوابط الاستخلاف من منظور إسلامي.
د. محَمَّد ناصر ثابت
أصل هذا الكتاب بحث مقدَّم لنيل درجة الماجستير في الفقه بالمعهد الوطني للتعليم العالي للعلوم الإسلاميَّة - باتنة - الجزائر
إشراف الدكتور
محمَّد محدة
نوقش في 7 ذو القعدة 1418هـ / 5 مارس 1998م
مقدِّمة
الحمد لله القائل: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فيِ الاَرْضِ خَلِيفَةً} (البقرة: 30)، والقائل أيضا: {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} (الحديد: 7)، سبحانه، جعل من خصائص دينه الكامل الهادي، أَنَّهُ عقيدة وشريعة ومنهاج حياة متكامل الأجزاء، متَّصل الحلقات، لا يمكن في ظلِّه فصل العقيدة عن شؤون الحياة الفكريَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، وبعد:
إشكالية البحث:
فأثناء دراستي الجامعيَّة للاقتصاد اطَّلعت على آراء وأفكار الغرب وتجاربه في ميدان التنمية والحلول التي وضعها للمشاكل الاقتصاديَّة، وقد كنت أعتقد أنَّ ذلك أنسب السبل لكي تلحق البلدان الإسلاميَّة بركب الحضارة، وتخرج من معضلة التبعيَّة التي ترزح فيها، وتنفض عن نفسها غبار التخلُّف الفكريِّ والمادِّيِّ الذي تعيش فيه.
لكن بعد اطِّلاعي على بعض المراجع في الفكر الإسلاميِّ عامَّة، والفكر الاقتصاديِّ الإسلاميِّ بصفة أخصَّ، تَبَيَّنَ لي أَنِّي على خطأ، فشقاء المسلمين إِنَّمَا يكمن في استيرادهم لأفكار وحلول غيرهم، وأنَّ شفاءهم من جميع أمراضهم إِنَّمَا هو في هدي القرآن الكريم، والسنَّة النبويَّة المطهَّرة؛ لذلك عدت أتمعَّن في قوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُومِنِينَ} (الإسراء: 82)، وقد كنت أعطيه المفهوم الضيِّق المتبادر للذهن، لكن بعد التمعُّن اتَّسع مفهومه لديَّ، وتيقَّنت أنَّ ما يعاني منه المسلمون اليوم من أزمات لها حلول في الشريعة الإسلاميَّة.
فالأموال تشكِّل العمود الفقريَّ لحياة الإنسان الماديَّة، كما عبَّر عنها القرآن الكريم، بل هي الدم الذي يمدُّ الحياة لجميع أجزاء الجسم، فإذا توقَّف القلب عن (1/1)
صفحة 2
ضخِّه توقَّفت الحياة، فيجب أن ينساب بانتظام في دورة كاملة عبر شرايين وأوردة متينة ومحكمة؛ حَتَّى يُؤَدِّي الجسم دوره في حيويَّة ونشاط.
فدورة المال المتمثِّلة في التملُّك والإنتاج، ثُمَّ التوزبع والإنفاق، إِمَّا بالاستثمار أو الاستهلاك، تحتاج أَوَّلاً إلى الضخِّ المستمرِّ، ثُمَّ التأكُّد ـ ثانيا ـ من صحَّة القنوات التي ينتقل فيها المال من محطَّة إلى أخرى على نحو سليم. لكن هناك أمر أهمُّ من ذلك كلِّه، هو التساؤل عن أصل ذلك المال: لمن هو؟ هل الإنسان يتملَّك المال أصالة أم نيابة واستخلافا عن صاحبه الحقيقيِّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هي ضوابط وقواعد ذلك الاستخلاف عبر المحطَّات التي يَمُرُّ عليها المال تملُّكا وانتاجا وتوزيعا؟
فإذا اتَّضَحَت هذه الحقائق في فكر المسلم، عرف كيف يتصرَّف تجاه المال، وأدرك طبيعة العلاقة التي تربطه به.
وقد اخترت البحث في هذا الموضوع (أثر الاستخلاف على وظيفة المال في الاقتصادالإسلاميِّ) للإجابة على هذه التساؤلات.
الهدف من البحث:
توخَّيت من وراء البحث في هذا الموضوع تحقيق جملة من الأهداف:
1) ربط السلوك الاقتصاديِّ للفرد بالعقيدة الإسلاميَّة الصحيحة، وبيان أَنَّ هذا السلوك هو جزء من العبادة التي خلق الإنسان من أجلها.
2) بيان أَهَمِّيَّة نظرية الاستخلاف على الأموال على مستوى الأفراد في تملُّكهم وإنتاجهم وإنفاقهم لتلك الأموال، وعلى مستوى الدولة التي تتحمل قسطا كبيرا من هذه المسؤوليَّة.
3) رصد الضوابط والقواعد التي تحكم الاستخلاف على الأموال، المستوحاة من تعاليم المالك الأصيل سبحانه وتعالى. (1/2)
صفحة 3
4) محاولة الخروج بنتائج تقنِّن وتبلور نظرة الإسلام إلى المال بعيدا عن الأفكار الوضعيَّة ـ التي تأثَّر بها كثير من المسلمين ـ والتي تنظر إلى المال من زاويته المادِّيَّة كوسيلة لإشباع رغبات الإنسان.
منهج البحث:
نظرا لطبيعة الموضوع الذي هو (فقه الاقتصاد)، ولتحقيق هذه الأهداف ارتأيت ان أتَّبع في دراستي المنهج المتكوِّن من الخطوات الآتية:
1) التحليل: أي عرض وتحليل النصوص الشَّرعِيَّة.
2) الاستنباط: بمحاولة استنباط القواعد العامَّة من خلال النصوص.
3) المقارنة: حيث كثيرا ما أقف عند بعض العضايا مقارنا بين الأحكام الشَّرعِيَّة المتَّسمة بالدقَّة والشموليَّة، والأفكار الوضعيَّة التي هي من نتائج أفكار البشر، مبرزا الفروق بينهما في الأهداف، ونتائجَها على أرض الواقع.
خطة البحث:
قسَّمت الموضوع إلى تمهيد وخمسة فصول:
تناولت في التمهيد مبحثين رأيتهما ضروريَّين لاتِّصالهما بالموضوع، الأَوَّل: ماهية الاقتصاد الإسلاميِّ، ومنهجيَّة دراسته، وقبل تعريفه تطرَّقت إلى الجدل الدائر بين فقهاء الاقتصاد الإسلامي، هل هو علم أم نظام؟ ثُمَّ تطرَّقت إلى الغاية منه، وإلى المنهجيَّة التي ينبغي أن تتَّبع لدراسته. أَمَّا المبحث الثاني فيتناول نظرة الإسلام إلى المال بصفة عَامَّة، وفيه عرَّفت المال لغة واصطلاحا، وبيَّنت العلاقة بين المال والملكيَّة، ثُمَّ تطرَّقت إلى المال في القرآن، وكيف كان ينسب المال تارة إلى الله، وتارة إلى الإنسان، وأهمية ذلك، كما تطرَّقت إلى وظائف المال، مقسِّما إيَّاها إلى وظائف عامَّة وخاصَّة. (1/3)
صفحة 4
أَمَّا الفصل الأَوَّل: فتناولت فيه البحث في الاستخلاف ضمن خمسة مباحث، خصَّصت الأَوَّل لمفهوم الاستخلاف، فبعد تعريفه رصدت الآيات القرآنيَّة التي ورد فيها، ثُمَّ تناولته في السنَّة النبويَّة وعند المفسِّرين، كما بيَّنت أقسامه، مبرزا آراء الفقهاء في ذلك، وانتهيت إلى تقسيم أراه يناسب خلافة الإنسان. وفي المبحث الثاني: بحثت في الغاية منه، فبما أَنَّ الإنسان هو مركز الوجود على الأرض، فهو يدخل في علاقة مع خالقه ومع الكون، ومع بني جنسه أفرادا وجماعات، حَتَّى نصل إلى الغرض والغاية من الاستخلاف. ثُمَّ تناولت في المبحث الثالث مقتضيات الاستخلاف، إذ لكي يحمل الإنسان هذه الأمانة لا بُدَّ له من توفير الشروط، حَتَّى تمكن محاستبه إن هو تخلَّى أو انحرف عن مسووليَّته وهذه الشروط ـ كما أراها ـ هي:
أ) المسؤوليَّة الفرديَّة.
ب) العقل والاستطاعة.
ج) الحرِّيَّة والإرادة.
وقد خصَّصت لِكُلِّ شرط مطلبا، وتناولت في مطلب أخير الجزاء الذي هو ثمرة الاستخلاف .. وفي المبحث الرابع بحثت الضوابط التي تحكمه، مركِّزا على الضوابط على المال. أمَّا في المبحث الأخير فتعرَّضت لمكانة نظريَّة الاستخلاف قي الاقتصاد الإسلامي، التي هي من الأصول العَامَّة، مبرزا أثرها على العمارة والإنفاق والتوزبع، ثُمَّ عرضت رأي من ينتقدها، وبيَّنت بالحجج والأَدِلَّة على أنَّ هذا الرأي يستند على تخوُّفات ومبرِّرات لا أساس لها، مؤكِّدا صحَّة النَّظَرِيَّة وأثرها على السلوك الاقتصادي.
أَمَّا الفصل الثاني، فقد تناولت فيه البحث عن المال في الإسلام، مقسِّما إياه إلى أربعة مباحث، مخصِّصا المبحث الأَوَّل: لطبيعة الملكيَّة في الفقه الإسلاميِّ، حيث اختلف فيها الفقهاء إلى ثلاثة آراء، مبيِّنا حجج كلِّ فريق، ومرجِّحا أحد الآراء مع (1/4)
صفحة 5
تبرير ذلك، مع عرض رأي القانون الوضعيِّ في ذلك. وفي المبحث الثاني: تناولت أقسام المال في الاقتصاد الإسلاميِّ، مقارنا بينه وبين تقسيم الاقتصاد الوضعيِّ، مبرزا الهدف من كلِّ تقسيم، وأثر ذلك على وظيفة المال. وعرضت في المبحث الثالث أسباب كسب المال في الفقه الإسلاميِّ، وكيف أَنَّهَا محدَّدة في أربعة أسباب هي:
1) إحراز المباحات، 2) العقود، 3) الخلفية، 4) التولُّد عن المملوك، مركِّزا على أهمِّها وأوسعها استعمالا وهي العقود، التي فيها يتجلَّى المجهود البشريُّ. وفي المبحث الأخير: أدرت البحث حول أشكال الملكيَّة في الاقتصاد، محدِّدا المعيار الذي يميِّز بين أنواعها، ثُمَّ أفردت مطلبا للملكيَّة الفرديَّة، مفهومها ونطاقها.
أَمَّا الفصل الثالث، فتناولت فيه بالبحث مسؤوليَّة الدولة في الاستخلاف على الأموال، إذ إِنَّهَا تتحمَّل جزءًا كبيرا منها، مبرزا في المبحث الأَوَّل مبدأ المشروعيَّة في الإسلام وضرورة إقامة هيئة حاكمة لرعاية شوون الأمَّة، مستعرضا هذه الخلافة في القرآن الكربم، وفي مباحث تالية بحثت في أهمِّ مهامِّ وليِّ الأمر في الشؤون الماليَّة، مخصِّصا مبحثا: لدور الدولة في سكِّ العملة وتداولها، نظرا لأهمِّيَّة النقود ودورها في الاقتصاد، فهي من الأعمال السياديَّة للدولة، ومبحثا آخر: لوظيفتها في الإشراف على الأموال العامَّة، فتطرَّقت لمفهوم الملكيَّة العامَّة ونطاقها وأنواعها، مع المقارنة بالنظم الوضعيَّة، وبيَّنت في مبحث آخر ضرورة إقامة التوازن الاقتصاديِّ في أموال الأُمَّة، وهي أوكد مسؤوليَّات وليِّ الأمر الماليَّة، وهي:
أ) ضمان حدِّ الكفاية، ب) الوفاء بالحاجات العامَّة، ج) مراقبة الملكيَّة الفرديَّة والمحافظة عليها.
أَمَّا الفصل الرابع، فأدرت البحث فيه حول العمارة والاستخلاف، مبرزا العلاقة التلازميَّة بينهما، وقد تطرَّقت في مبحث أوَّل لمفهوم العمارة وأهدافها، وفي مبحث ثان لعناصر الإنتاج في الاقتصاد الإسلاميِّ والوضعيِّ، مبيِّنا أهمَّ الفروق بينهما، وأثر ذلك في ربط الأموال بمالكها الأصيل، ثُمَّ بيَّنت دور الدولة في إقامة (1/5)
صفحة 6
العمارة، التي هي مسؤوليَّة مشتركة بين الأفراد في الاقتصاد الإسلاميِّ، ثُمَّ قارنتُ بين المنهج الإسلاميِّ للعمارة مع التنمية في الاقتصاد الوضعيِّ، وفي الأخير أشرت إلى علاقة الإنتاج بالتوزيع.
أَمَّا الفصل الخامس، فتطرَّقت فيه إلى نَظَرِيَّة الاستخلاف والتوزيع والإنفاق، وركَّزت على أَهَمِّيَّة التوزيع، وكيف أولى له الاقتصاد الإسلاميُّ عنايته، وأشرت إلى نظم التوزيع في ظلِّ النظم الوضعيَّة والإسلام، وإلى المعايير المعتمدة في ذلك، وتعرَّضت للتكافل الاجتماعيِّ الذي يشكِّل الإطار الأمثل في التوزيع على أساس معيار الحاجة، وبحثت في الإنفاق والاستهلاك والادِّخار والاكتناز مبيِّنا مفاهيم هذه المصطلحات والفروق بينها، مبرزا مضارَّ الاكتناز ومحاسن الادِّخار كخطوة أولى نحو الاستثمار.
وأنهيت البحث بخاتمة تعرَّضت فيها لأهمِّ النتائج التي توصلت إليها وإلى بعض التوصيات التي أراها مناسبة، والتي أرجو أن تُؤخذ بعين الاعتبار، خدمة للبحث العلميِّ، وعملا على ترقيته، وقبل هذا وذاك تحقيق الأهداف التي حدَّدتها من دراستي لهذا الموضوع.
الصعوبات التي واجهت البحث:
لقد واجهت في رحلتي الشاقَّة مع الموضوع صعويات جمَّة، حاولت تذليلها والتغلُّب عليها.
وهذه الصوبات ـ في الحقيقة ـ ناجمة عن طبيعة الموضوع، فالاقتصاد الإسلاميُّ حديث النشأة كعلم، ومازالت أسسه لم تُرس بصفة نهائيَّة، إذ لا يزال الخلاف قائما بين المنظِّربن حول منهجيِّة دراسته، بل هناك جدل قائم: هل هو علم كسائر العلوم؟ أم هو نظام اقتصاديُّ؟ لذلك نجد أنَّ الكتَّاب يطرحون قضاياه كلٌّ من الزاوية التي يراه منها. (1/6)
صفحة 7
ثُمَّ إِنَّ الموضوع ذاته بكر، إذ لم يُبحث بحثا أكاديميًّا ـ في حدود علمي ـ إلاَّ من جانبه الاجتماعيِّ في الإسلام (للطالب الباحث: عبد الجبَّار حمد السبهاني من جامعة بغداد. انظر: مجلة الاقتصاد الإسلامي عدد 96 - سنة 1983).
ويمكن حصر أهمِّ الصعوبات فيما يأتي:
1) عدم وجود متخصِّصين في الاقتصاد الإسلاميِّ للرجوع إليهم.
2) ندرة المراجع والمصادر في هذا الميدان.
3) اختلاف المنظِّرين يصعِّب الحسم في كثير من القضايا التي يطرحها الواقع لإيجاد حلول لها من منظور إسلاميٍّ.
4) ونظرا لجدَّة الموضوع، فقد وجدت نفسي كمن يسلك طريقا غير معبَّد، غير آهل وبدون معالم، فجمعت شتاته من بطون كتب الفقه والتفسير، وممَّا كتبه فقهاء الاقتصاد الإسلاميِّ قديما وحديثا.
أخيرا: أرجو أن أكون قد وفِّقت إلى معالجة الموضوع بما يستحقُّ من العرض والتحليل، ولا أدَّعي أنِّي أضفت شيئا جديدا، وإنَّما أرجو أنِّي قد فتحت شهيَّة الباحثين لمعالجة وبحث كثير من القضايا الاقتصاديَّة التي تطرح نفسها بإلحاح في الوقت الحاضر، لإيجاد حلول لها في ضوء الشريعة الإِسلاَمِيَّة. (1/7)
صفحة 8
[صفحة بيضاء] (1/8)
صفحة 9
تمهيد
ماهية الاقتصاد الإسلامي ونظرة الإسلام إلى المال
بما أنَّ موضوع البحث يدور حول أثر الاستخلاف على وظيفة المال في الاقتصاد الإسلاميِّ. ارتأيت أن أتناول في عنصرين كمدخل للموضوع.
الأَوَّل: ماهية الاقتصاد الإسلامي ومميِّزاته، ومنهجيَّة دراسته، فهو يشكِّل الإطار العامَّ للموضوع.
والثاني: نظرة الإسلام إلى المال بصفة عامَّة، فوظيفة المال هي لبُّ الموضوع الذي ينصبُّ عليه الاستخلاف.
والاقتصاد الإِسلاَمِيُّ كعلم هو حديث النشأة، لا يمكن مقارنته بالعلوم التي تأصَّلت منذ قرون خلت، ثُمَّ إِنَّهُ لم يطبَّق عَلَى أرض الواقع تطبيقا كاملا في ظلِّ نظام اقتصاديٍّ تتبنَّاه الدولة؛ لذا فنحن نتحفَّظ كثيرا عَلَى إطلاق صفة العِلمِيَّة عليه، ثُمَّ إِنَّ طبيعته ذات صبغة قيميَّة، بمعنى أَنَّهُ يدرس كيف ينبغي أن يكون سلوك الإِنسَان الاقتصادي سلوكا سليما، فهو يضع السلوك الأمثل لمنهج المسلم في الحياة، ثُمَّ يطلب منه أن يطبِّق هَذَا المنهج في حياته الاقتصاديَّة؛ لهذا فالاقتصاد الإِسلاَمِيُّ اقتصاد عقديٌّ أخلاقيٌّ، لا تنفصل فيه العقيدة عن نظرة الإِنسَان إِلىَ المال، ولا تنفكُّ القيم الأخلاقيَّة عن السلوك العملي، بينما يدرس الاقتصاد الوضعيُّ ما هو كائن ـ أي طبيعته وَضْعِيَّة ـ بمعنى يدرس الظاهرة الاقتصاديَّة كما هي دون أن يتدخَّل في تغيير مسيرتها، وَهَذَا هو الفرق الجوهريُّ بين العلمين والنظامين؛ وَبِذَلِكَ يكون توزيع التمهيد كالآتي:
- المبحث الأَوَّل: الاقتصاد الإسلاميُّ: غايته ومنهجه.
- المبحث الثاني: نظرة الإسلام إلى المال. (1/9)
صفحة 10
[صفحة بيضاء] (1/10)
صفحة 11
المبحث الأَوَّل:
الاقتصاد الإسلامي
المطلب الأوَّل: تعريف الاقتصاد الإسلامي:
قبل تعريف الاقتصاد، لا بدَّ من التمييز بين النظام الاقتصاديِّ وعلم الاقتصاد. فعلم الاقتصاد: هو ذلك الفرع من العلوم الاجتماعيَّة الذي يبحث في زيادة الإنتاج وتحسينه ووسائل ذلك، مع اختلاف المنظِّرين في التعريف الجامع المانع (1). أَمَّا النظام الاقتصاديُّ لمذهب معين فهو ذلك المنهج الذي يقترحه لمعالجة القضايا الاقتصاديَّة المختلفة، مثل قضايا الملكيَّة، كيفيَّة تملُّكها وتوزيعها والتصرُّف فيها (2)، مثل النظام الرأسماليِّ، النظام الاشتراكيِّ. فعلم الاقتصاد لا تختلف المذاهب فيه كثيرا، فهو يكشف أو يحاول الكشف عن الحقائق والقوانين التي تحكم الحياة الاقتصاديَّة، دون زيادة أو تصرُّف، مثل: قانون العرض والطلب، الذي يقول إذا زاد العرض انخفض الثمن.
وإذا اتَّضح في أذهاننا الفرق الجوهريُّ بين علم الاقتصاد والنظام الاقتصاديِّ، نضع التساؤل الآتي: هل الاقتصاد الإسلاميُّ علم أم نظام اقتصاديٌّ؟
اختلف المنظِّرون اختلافا بيِّنا، فمنهم من يرى أنَّ الإسلام لم ينظر إلى الاقتصاد مطلقا.
__________
(1) انظر: فتح الله ولعلو: الاقتصاد السياسي، دار الحداثة - بيروت، ط2، 1982، ص25. ود/ حسين عمر، نظريَّة القيمة، دار الشروق - جدَّة، ط6، 1412هـ/1982م، ص10.
(2) داود عبد السلام العبادي، الملكيَّة في الشريعة الإسلاميَّة، طبيعتها ووظيفتها وقيودها، مكتبة الأقصى، عمَّان - الأردن، ط1، 1394هـ/1974م، القسم الأوَّل، ص123. (1/11)
صفحة 12
ومنهم من يرى أنَّ الإسلام دين تعبديٌّ محض، نظَّم العلاقة بين الإنسان وخالقه، ولا ينظر إلى الإنسان في علاقته مع أبناء جنسه ولا علاقته بالكون، وأن ليس للإسلام نظام اقتصاديٌّ للحياة الإنسانيَّة، كما لم يطلب أو يرشد إلى دراسة الاقتصاد كعلم (1).
الرأي الأَوَّل:
أنَّ الإسلام قد نظر إلى الاقتصاد نظره شاملة، فجاء بالأصول العامَّة لإرساء نظام اقتصاديٍّ عادل من خلال النصوص الشرعيَّة، كما يستأنس بالقواعد والمفاهيم العلميَّة. ويقول الدكتور عيسى عبده (2): «إنَّ الاقتصاد الإسلاميَّ يعترف بالمفاهيم العلميَّة كالقوانين والنماذج والمعادلات، وطائفة أخرى من ضوابط الدراسة التي اشتهر أمرها، كقانون العرض والطلب وقانون قريشام» (3).
الرأي الثاني:
يرى أنَّ الإسلام جاء بنظريَّات في علم الاقتصاد، فقد أرشد إلى كيفيَّة الإنتاج والتنمية وتكثير الثروة، فقد بيَّن الإنتاج الصناعيَّ. بل تدخَّل في بيان كيفيَّة القيام بالتصنيع التخصُّصي، مثل صناعة الحديد والأسلحة (4). ويستدلُّون على ذلك بآيات من القرآن الكريم.
__________
(1) انظر رأي: علي عبد الرزاق، والدكتور: محَمَّد عبد الجواد، كتاب: محمود الخالدي: مفهوم الاقتصاد في الإسلام - مكتبة الرسالة الحديثة - شركة الشهاب، الجزائر- بدون سنة الطبع، ص71.
(2) عيسى عبده - الاقتصاد الإسلاميُّ، مدخل ومنهاج - دار الاعتصام - القاهرة - سنة 1974، ص 38.
(3) قانون قريشام: إذا حدث في دولة ما أن كان يجري في التداول نوعان من النقود، أحدهما جيِّد والآخر رديء، فإنَّ النوع الرديء يميل إلى طرد النوع الجيِّد من التداول أو من الدولة.
(4) محَمَّد كمال عطية - التكاليف والتسعير في الفكر الإسلامي، نقلا عن: الخالدي، مفهوم الاقتصاد في الإسلام، مرجع سابق، ص75. (1/12)
صفحة 13
مناقشة هذه الآراء:
إنَّ الرأي القائل بأنَّ الإسلام دين تعبديٌّ يبتعد عن حقيقة الإسلام، بكونه عقيدة شريفة وشريعة ودستور حياة جاء ليقدِّم المنهج الأمثل للسعادة الإنسانيَّة في الدنيا والآخرة. أمَّا الرأي القائل بأنَّ الاقتصاد الإسلاميَّ علم، فلو نظرنا إلى منهج الإسلام لوجدناه منهجا يقوم على قلب الواقع الفاسد وتحويله إلى واقع سليم، وليس تفسيرا موضوعيًّا للواقع الذي هو موضوع العلم. ولنا بذلك أن نقول بأنَّ الاقتصاد الإسلاميَّ هو نظام أو مذهب وليس علما، وهو رأي كثير من الكتَّاب المعاصرين، فالإسلام دين يتكفَّل فيما يتكفل إلى تنظيم الحياة الاقتصاديَّة. فالوظيفة المذهبيَّة هي الكشف عن الصورة الكاملة للحياة الاقتصاديَّة وفقا للتشريع الإسلامي (1).
وعلى ضوء هذا التمييز بين علم الاقتصاد والنظام الاقتصاديِّ يمكننا أن نعرِّف الاقتصاد الإسلامي.
الفرع الأوَّل: الاقتصاد لغة:
القصد في الشَّيْء خلاف الإفراط، وهو ما بين الإسراف والتقتير. والقصد في المعيشة: أن لا يسرف ولا يقتر (2).
الفرع الثاني: الاقتصاد الإسلامي اصطلاحا:
نظرا لاختلاف المنظِّرين في طبيعة الاقتصاد الإسلاميِّ، فقد اختلفوا في تعريفه، إلاَّ أنَّنا سنقتصر على التعاريف التي ترى بأنَّ الاقتصاد الإسلامي هو نظام وليس علما، كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
__________
(1) المرجع نفسه، ص 77.
(2) ابن منظور - لسان العرب المحيط - دار الجيل، بيروت، سنة 1408هـ/1988م، مج5، ص96. الفيروزآبادي - القاموس المحيط - مؤسَّسة الحلبي وشركاؤه، القاهرة - بدرن سنة الطبع، المجلد الأوَّل، ص339. (1/13)
صفحة 14
يعرِّفه الأستاذ محَمَّد باقر الصدر (1): «هو المذهب الاقتصاديُّ الذي تتجسَّد فيه الطريقة الإسلاميَّة في تنظيم الحياة الاقتصاديَّة». ويرى الدكتور محَمَّد عبد الله العربي (2): «بِأَنَّهُ مجموعة الأصول العامَّة الاقتصاديَّة التي نستخرجها من الكتاب والسنَّة، والبناء الاقتصادي الذي نقيمه على أساس تلك الأصول بحسب كلِّ عصر وبيئة». بينما يعرِّفه الدكتور الفنجري (3): «هو الذي يوجِّه النشاط الاقتصاديَّ وينظمه وفقا لأصول الإسلام وسياسته الاقتصاديَّة». وقد وضع الأستاذ الخالدي مجموعة تعاريف متقاربة منها (4):
أ) مجموعة الأحكام الشرعيَّة التي تنظِّم سياسة حيازة الثروة.
ب) السياسة الشرعيَّة التي تعالج تدبير أمور الإنسان من الناحية المالية.
ج) هو النظام الذي يعالج توزيع الأموال والمنافع على جميع أفراد الرعيَّة، وتمكينهم من الانتفاع بها، وكيفيَّة السعي لها وحيازتها. وقد رجَّح الكاتب التعريف الأخير لأهميَّة التوزيع في الحياة الاقتصاديَّة. ونخلص من مجموعة التعاريف السابقة أَنَّهَا متقاربة في معانيها، وتهدف إلى ربط الحياة المعيشيَّة للإنسان بالمنهج الإسلامي الذي وَضعت النصوصُ الشرعيَّة من كتاب وسنَّة أسُسَه وقواعده.
فالاقتصاد الإسلاميُّ ذو وجهين:
- أوَّلهما: وجه ثابت يَتَعَلَّق بالأصول والمبادئ الاقتصاديَّة التي جاء بها الإسلام منذ أربعة عشر قرنا.
__________
(1) باقر الصدر محَمَّد - اقتصادنا - دار التعارف للمطبوعات - بيروت، سنة 1401هـ/1981م، الطبعة الرابعة عشرة، ص9.
(2) الفنجري محَمَّد شوقي - المذهب الاقتصادي في الإسلام - الهيئة المصريَّة العامَّة للكتاب، سنة 1986، ط2، ص30.
(3) الفنجري محَمَّد شوقي - المدخل إلى الاقتصاد الإسلامي، ص 55.
(4) الخالدي - مفهوم الاقتصاد - مرجع سابق، ص 32. (1/14)
صفحة 15
- ثانيهما: وجه متغيِّر يَتَعَلَّق بالتطبيق، أي كيفيَّة إعمال الأصول الاقتصاديَّة في مواجهة مشكلات المجتمع المتغيِّرة.
فالشقُّ الثابت يَتَعَلَّق بالأصول والمبادئ المستمدَّة من الكتاب والسنَّة، وهي ثابتة يلتزم بها المسلمون في كلِّ زمان ومكان، مهما تغيَّرت أوضاع الحياة الاقتصاديَّة ونمط المعيشة، وتطوَّرت أساليب الإنتاج. ومن هذه الأصول:
أ) أنَّ المال مال الله والبشر مستخلفون فيه، طبقا لقوله تعالى: {لِلَّهِ مَا فيِ السَّمَاوَاتِ وَمَا فيِ الاَرْضِ} (1). {وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الذِي ءَاتَاكُمْ} (2). {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} (3).
ب) ضمان حدِّ الكفاية لِكُلِّ فرد من أفراد المجتمع، مصداقا لقوله تعالى: {وَالذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ} (4). ولقوله J : « من ترك كلاًّ أو ضياعا فإليَّ» (5).
ج) تحقيق العدالة الاجتماعيَّة وحفظ التوازن الاقتصاديِّ {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةَم بَيْنَ الاَغْنِيَآءِ مِنكُمْ} (6).
د) احترام الملكيَّة وحمايتها: {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا} (7). {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} (8). ولقول الرسول J : « كلُّ المسلم على المسلم
__________
(1) سورة البقرة، آية 284.
(2) سورة النور، آية 33.
(3) سورة الحديد، آية 7.
(4) سورة المعارج، آية 24 - 25.
(5) أخرجه البخاري، كتاب النفقات، ج9، ص515. فتح الباري شرح صحيح البخاري للعسقلاني (دار المعرفة - بيروت).
(6) سورة الحشر، آية 7.
(7) سورة النساء، آية 32.
(8) سورة المائدة، آية 38. (1/15)
صفحة 16
حرام دمه وماله وعرضه» (1).
هـ) ترشيد الاستهلاك والإنفاق وذلك بـ:
1) تحريم التبذير: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} (2).
2) الحجر على السفهاء: {وَلاَ تُوتُوا السُّفَهَآءَ اَمْوَالَكُمُ} (3).
3) النهي عن البذخ والترف باعتباره جريمة في حقِّ المجتمع وسببا من أسباب عقاب الله في الدنيا والآخرة: {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} (4). {اِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَالِكَ مُتْرَفِينَ} (5).
وهناك مبادئ أخرى (6)، وإنَّما أكتفي بالتي يَتَعَلَّق بها موضوع البحث.
وتتميز هذه الأصول بخاصِّيَّتين أساسيَّتين: أَنَّهَا قليلة وعامَّة.
لذا كانت صالحة لِكُلِّ زمان ومكان، وغير قابلة للتبديل والتغيير، فهي تَتَعَلَّق بالحاجات الأساسيَّة لِكُلِّ مجتمع.
فهذا هو الشقُّ الثابت للاقتصاد الإسلاميِّ، وهو ما يعبَّر عنه في الاصطلاح الحديث بالأسس العقديَّة أو المذهبيَّة أو الإيديولوجيَّة لأيِّ نظام من الأنظمة.
فالاقتصاد الإسلاميُّ إذن اقتصاد عقديٌّ؛ لأَنَّهُ يقوم على جملة من الأصول الإيمانيَّة والأخلاقيَّة التي يتكوَّن منها الدين الإسلاميُّ، وعلى عكس من ذلك فإنَّ الاقتصاد الوضعيَّ يعزل الدين عن الحياة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، ومنه ما ينكر
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، مج3، ص491/ (دار صادر - بيروت) دون تاريخ، دون طبعة.
(2) سورة الإسراء، آية 27.
(3) سورة النساء، آية 5.
(4) سورة الإسراء، آية، 16.
(5) سورة الواقعة، آية 45.
(6) انظر: الفنجري - المذهب الاقتصادي، مرجع سابق، ص 31 وما بعدها. (1/16)
صفحة 17
الدين من أساسه، وهو المذهب الاشتراكي (1).
الجانب المتغيِّر من الاقتصاد الإسلامي:
هو إبراز وبلورة الأصول والمبادئ إلى واقع ملموس معيش، فهو عبارة عن الأساليب والخطط والحلول التي يتبنَّاها وليُّ الأمر في كلِّ مجتمع إسلاميٍّ لترجمة الأصول الاقتصاديَّة إلى خطَّة عمليَّة من أجل ضمان حياة كريمة لِكُلِّ أفراد المجتمع مادِّيَّة ومعنويَّة. ومثال ذلك:
1) إجراءات إعمار الأرض، وما يتطلَّب من وضع الخطط، وتوفير الموارد اللازمة، ومتابعة تنفيذ هذه العمليَّات ومراقبتها.
2) إذا كان توفير حدٍّ أدنى للمعيشة لِكُلِّ فرد من أبناء المجتمع الإسلاميِّ أصلا من أصوله، فإنَّ بيان هذا المقدار وسبل توفيره، والعمل على إيصاله إلى أصحابه ومستحقِّيه، يعتبر إجراء اقتصاديًّا من صميم الاقتصاد الإسلاميِّ في شقِّه المتغيِّر. لأنَّ مستوى المعيشة يتغيَّر من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان، كما أنَّ سبل توفيره يتطلَّب إجراءات تنفيذيَّة تختلف من مجتمع إلى آخر، فيمكن ضمانها من موارد الزكاة المتنوِّعة، أو بتوفير العمل، أو بالتوظيف من أموال الأغنياء.
3) تحديد مدى تدخُّل الدولة في النشاط الاقتصاديِّ: فمن مسؤوليَّة الدولة إقامة التوازن الاقتصاديِّ، وتقليل الفوارق المادِّيَّة بين أفراد المجتمع، وهذا كمبدأ وأصل عامٍّ، أَمَّا وسائل تحقيق هذا الهدف فمتعدِّدة، إِمَّا بالتوسُّع في نطاق الملكيَّة العامَّة، أو دعم وتشجيع الملكيَّة الخاصَّة، أو الحدِّ منها بما يحقِّق غاياتها وأهدافها.
هذه نماذج وأمثلة على بعض التطبيقات التي هي مجال الجانب المتغيِّر في الاقتصاد الإسلاميِّ، وهو من عمل المجتهدين في فقه المعاملات، وقد يختلفون فيه تبعا
__________
(1) د. حسين غانم - الاقتصاد العقائدي والاقتصاد الأيديولوجي، مجلَّة الاقتصاد الاسلامي، بنك دبي الإسلامي - عدد 87، 10/ 2988. (1/17)
صفحة 18
لتغيُّر ظروف الأزمنة والأمكنة، بل في الزمان والمكان الواحد تبعا لاختلافهم في فهمهم للأَدِلَّة الشرعيَّة (1).
ولنا دليل على ذلك من اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم في كيفيَّة التعامل بالأراضي التي فتحوها بالعراق، هل تملك ملكيَّة خاصَّة؟ كما هو ظاهر من عمل الرسول J في أراضي خيبر، أم تبقى ملكيَّة عامَّة ويعود ريعها لمجموع الأمَّة ولمستقبل الأجيال؟ (2).
المطلب الثاني: الغاية من النشاط الاقتصادي والعناصر التي تتحكَّم فيه
الفرع الأوَّل: الغاية من النشاط الاقتصادي:
يرى المذهب الوضعيُّ بشقَّيه الرأسماليِّ والاشتراكيِّ أنَّ الغاية من النشاط الاقتصادي هي إشباع الحاجات والغرائز الإنسانيَّة، ويختلفان في وسيلة تحقيق ذلك، فبينما تذهب الاشتراكيَّة إلى أنَّ الدولة هي التي تقوم بتحديد أهداف الإنتاج والاستهلاك، ومن ثَمَّ فلا مجال للحديث عن حرِّيَّة المستهلك، أمَّا الرأسماليَّة التي تقوم على أساس الحرِّيَّة، فتسود لديها قاعدة: سيادة المستهلك (3).
أَمَّا غاية الإسلام من النشاط الاقتصادي فتختلف اختلافا جذريًّا، فإشباع الغرائز والحاجات ليس هو الهدف الحقيقي أو النهائي، فلا يعدو مجرَّد وسيلة إلى غاية أسمى وأنبل، إلاَّ وهي عبادة الله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ
__________
(1) الفنجري - المذهب الاقتصادي، مرجع سابق، ص 36. الفنجري - الوجيز في الاقتصاد الإسلامي - دار الصحوة للنشر، القاهرة، سنة 1405هـ/1985م، ط1، ص16.
(2) أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم - الخراج، الكتاب الأوَّل من مجلد في التراث الاقتصادي الإسلامي، دار الحداثة - بيروت - 1990، ط1، ص123 وما بعدها.
(3) حسين غانم - مجلة الاقتصاد الإسلامي - مرجع سابق، سنة 1403هـ/1983م، ع: 24، ص26. (1/18)
صفحة 19
لِيَعْبُدُونِ} (1). فعبادة الله هي غاية الإنسان من جميع أنشطته، وليست المنفعة التي تحصل عليها من طعامه وشرابه هدفا في ذاتها، وَلَكِنَّهَا طريق إلى ابتغاء مرضاته.
فقد ربط القرآن الكريم التمتُّع بالطيِّبات بشكر المنعم: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِن كُنتُمُ, إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (2).
ويجدر هنا تسجيل ملاحظة هامَّة في الخلاف الجوهري بين النظم الوضعيَّة والنظام الإسلامي من حيث أهدافها، فقد يبدو من معالجة بعض القضايا الاقتصادية تشابهٌ في الطرح الإسلامي مع نظريَّة نظام من الأنظمة الوضعيَّة، لكن مع ذلك يظلُّ الخلاف جوهريًّا مادامت الأسس والغايات والأهداف متباينة (3).
خلاصة القول: إنَّ غاية الإنسان في الإسلام عبادة الله، وغايته في الفكر الوضعي بمدارسه المختلفة إشباع الحاجات والغرائز.
الفرع الثاني: العناصر التي تتحكَّم في الاقتصاد الإسلامي:
يقوم الاقتصاد الإسلاميُّ على ثلاثة عناصر تتعاون وتشترك في تحريك عجلته وتحقيق أهدافه، وهي:
1) الشعور النفسي الناشئ عن الإيمان والمفاهيم الاعتقاديَّة التي سبق بيانها، وهو الذي يدفع الإنسان إلى العمل، وإلى جعل هدفه ابتغاء رضوان الله تعالى.
2) قواعد تنظيميَّة أقامها الإسلام لتحقيق مجتمع نشيط تسوده العدالة والتكافل، وتراعى فيه جهود الفرد، وتوزيع عادل لخيرات وموارد الأمَّة.
__________
(1) سورة الذاريات، آية 56.
(2) سورة النحل، آية 114.
(3) المبارك محَمَّد - الاقتصاد: مبادئ وقوا عد عامَّة - دار الفكر- بيروت - الطبعة الثالثة - سنة 1401هـ/1981م، ص21، 26. (1/19)
صفحة 20
3) قوَّة خارجيَّة تتدخَّل لإقامة العدالة وحماية تلك القواعد والضوابط، وتأمين إقامة التوازن وضمان حدِّ الكفاية، وتتمثل في السلطة التي لا تنتهي مسؤوليتها في استتباب الأمن، وهو ما يعبَّر عنه في الفكر السياسيِّ بالدولة الحارسة، بل إنَّ غايتها إقامة العدل وإرساء قواعد المساواة، وضمان حقوق الأفراد والجماعات، والسهر على إقامة وتطبيق شريعة الله.
المطلب الثالث: طبيعة الاقتصاد الإسلامي:
إنَّ السمة البارزة لطبيعة الاقتصاد الإسلاميِّ هو الحركيَّة، فهو يقوم على أساس الربح مقابل بذل الجهد، ويحظر ـ بالمقابل ـ كلَّ ربح أو ثمرة عمل بدون سعي وعمل، وتشير آية الملك (1) صراحة إلى ذلك. فقد جعلت الأكل والاستفادة من رزق الله نتيجة المشي والسعي في مناكب الأرض. وقد قسَّم علماء الاقتصاد مداخيل الأفراد إلى خمسة أصناف هي:
الريع، الإيجار، الأجور، الربح، والفائدة (2).
وقسَّموا الاقتصاد وفقا لهذه الأعمال إلى:
- اقتصاد ساكن، ويشمل: الإيجار، الأجور، والفائدة.
- اقتصاد حركيٍّ، ويشمل: الريع، وهو الناتج عن الأرض، وربح المشروعات الصناعيَّة والتجاريَّة.
ويتميَّز الاقتصاد الساكن بالعمل الثابت، والدخل المحدَّد قيمته، والمضمون سداده في تاريخ معيَّن، بصرف النظر عن مصدر الدخل.
__________
(1) {هُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} سورة الملك، آية 15.
(2) الدموهي حمزة الجميعي - عوامل الإنتاج في الاقتصاد الإسلامي - دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة سنة 1405هـ/1985م، ط1، ص324. (1/20)
صفحة 21
أَمَّا الاقتصاد الحركيُّ فيتميَّز بالمخاطرة بالجهود والأموال حيث يتعرَّض القائم بهذا النشاط سواء أكان مالكا أم عاملا أم مُنظِّما لتغيُّرات طارئة وتقلُّبات مفاجئة.
ومن خلال النصوص الشرعيَّة نستشفُّ حركيَّة الاقتصاد الإسلاميِّ، فقد أمر الله تبارك وتعالى بالحركة لتحصيل الرزق: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الاَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} (1).
وقد أحلَّ الله التجارة ودعا إليها مع أنها ـ كما هو معلوم ـ تقوم على المخاطرة، حيث تتعرَّض السلع للتقلُّبات السعريَّة.
والتجارة وإن كانت تفرض على القائمين عليها سرعة الحركة وكثرة الانتقال، إلاَّ أنَّها أكثر فروع الإنتاج ربحا.
وينسحب على مفهوم التجارة كلُّ نشاط يقوم على المخاطرة والدخل المتغيِّر، كإقامة المشاريع الصناعيَّة والفلاحيَّة والخدميَّة.
والاقتصاد الحركيُّ هو المصدر الأَوَّل والأساسيُّ للإنتاج، ولولاه لما نشأ الاقتصاد الساكن المتمثِّل في الإيجار والأجور، لأَنَّهَا عبارة عن بعض عناصر نفقات الإنتاج التي تخصم من الإيرادات للوصول إلى صافي الأرباح في نهاية كلِّ سنة ماليَّة.
فلكى يحقِّق الاقتصاد الحركيُّ أغراضه يلجأ القائمون عليه إلى استئجار العمَّال، وكراء المباني والأراضي، لاستخدامها في الإنتاج، فهي عوامل مساعدة له (2).
إذن فالاقتصاد الحركيُّ هو عصب النشاط الاقتصاديِّ، وأساسه الذي يقوم عليه، فهو أولى بجهود الإنسان وأمواله وقد حضَّ الإسلام على هذا النوع من خلال حثِّه على النشاط والسعي والعمل، ومن خلال دعوته للتجارة التي هي قمَّة الاقتصاد الحركيِّ، إلاَّ أَنَّهُ من ناحية أخرى أجاز الإجارة والإيجار بشرط مراعاة
__________
(1) سورة الجمعة، آية 10.
(2) الدموهي - عوا مل الإنتاج، مرجع سابق، ص 328. (1/21)
صفحة 22
شروط العقود فيها، التي هي من عناصر الاقتصاد الساكن. أَمَّا الفائدة بمفهومها الاقتصاديِّ فقد حرَّمها الإسلام، لما تنطوي عليه من الحصول على أرباح بدون مقابل جهد وعمل حقيقي.
المطلب الرابع: منهج دراسة الاقتصاد الإسلامي، ومعرفة أفكاره
الفرع الأوَّل: منهج دراسة الاقتصاد الإسلامي
إذا كان موضوع الاقتصاد الإسلاميِّ يحتوي على جانبين اثنين:
أ) الجانب المذهبي الذي يحدِّد معالم التصوُّر الاقتصادي، ويضع القواعد والمبادئ العامَّة التي تحدِّد الشكل العامَّ والإطار الخارجيَّ له، وهو ما يعبَّر عنه بالشقِّ الثابت.
ب) جانب التحليل الاقتصادي الذي يكشف ـ على ضوء تلك المبادئ والتصوُّرات ـ عن كيفيَّة تشكيل الاستهلاك والادِّخار والأسعار وغيرها من المتغيِّرات في واقع مادِّيٍّ، وهو ما يعبَّر عنه بالشقِّ المتغيِّر. فإنَّ منهج الدراسة يحب أن يكون وفقا لهذه المعطيات.
لقد انتهج الكتَّاب الإسلاميُّون في عالم الاقتصاد أحد منهجين من مناهج البحث (1):
أ) الاستنباط من النصوص.
ب) عرض المشكلات على النصوص.
أَمَّا الأسلوب الأَوَّل فهو منهج فقهيٌّ، وقد استعمله المفكِّرون في العصر الحديث من أجل استنتاج واستنباط مبادئ النظام الاقتصاديِّ الإسلاميِّ، أَمَّا
__________
(1) منذر قحف - الاقتصاد الإسلامي - دار القلم، الكويت سنة 1399هـ/1979م، ط1، ص20. (1/22)
صفحة 23
الأسلوب الثاني فقد استعمله أولئك المفكِّرون حين شعروا بوطأة المشاكل الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة للمجتمع الإسلاميِّ، وحاولوا إيجاد الحلول المناسبة لها على ضوء الكتاب والسنَّة.
إلاَّ أن هذين الأسلوبين لا يصلحان إلاَّ للجانب الثابت من الاقتصاد الإسلاميِّ، أَمَّا الجانب المتغيِّر فينبغي اتِّباع أسلوب التحليل الرياضيِّ والإحصائيِّ المتعارف عليه في علم الاقتصاد الحديث (1). وهذا الأسلوب ليس جديدا، فقد استخدمه الفقهاء القدامى في استخلاص القواعد.
وهذه نقطة التقاء بين الاقتصاد الإسلاميِّ وعلم الاقتصاد في استخدام التحليل الرياضيِّ والعلميِّ، والاستعانة بالإحصائيَّات.
إلاَّ أنَّ الدكتور الفنجري يرى أنَّ دور الباحث في الاقتصاد الإسلاميِّ ـ بشقَّيه الثابت والمتغيِّر ـ يتمثَّل في الكشف عن حكم الله في المسائل الاقتصاديَّة فيقول: «إنَّ مهمَّة الباحث في الاقتصاد الإسلاميِّ ليست عمليَّة إنشاء المذهب الاقتصاديِّ، وليست عمليَّة ابتداع النظرات أو النظم الاقتصاديَّة، وإنَّما هي عمليَّة الكشف عن المذهب الاقتصاديِّ، وهي عمليَّة بيان الحلول الاقتصاديَّة، فيما يعرض للمجتمع من مشكلات. فالباحث في الاقتصاد الإسلاميِّ ليس كأيِّ باحث اقتصاديٍّ في بحثه إنَّما هو مقيَّد بالكشف عن حكم الله في المسائل الاقتصاديَّة بنصوص القرآن والسنَّة (2).
إنَّنا لا ننكر التقيُّد بحكم الله، فذلك هو الأصل، فحتَّى الباحث في النظام الرأسمالي مثلا مقيَّد في بحثه في إطار النظام الراسمالي، وإلاَّ فما هو الفرق بين الباحث في الاقتصاد الإسلامي والفقيه في فقه المعاملات؟.
__________
(1) منذر قحف- المرجع نفسه - ص 29.
(2) الفنجري - الوجيز في الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص37. (1/23)
صفحة 24
إنَّ دراسة الفقه بطبيعتها دراسة جزئيَّة، تقوم على استنباط الأحكام الفرعيَّة من النصوص، بينما تتطلب دراسة الاقتصاد استنباط نظريَّة عامَّة من النصوص، ففي حين يبحث الفقه بحثا نزوليًّا من النصِّ إلى فروعه، يبحث عالم الاقتصاد بحثًا صعوديًّا من النصِّ إلى مدلولاته (1).
خلاصة القول: إِنَّهُ يجب التمييز بين مَهمَّة الباحث في شقَّي الاقتصاد فهي استنباط النظريَّات والقواعد العامَّة في شقِّه الثابت، واستخدام الأساليب العلميَّة والتحليل الرياضي من أجل استخلاص القواعد والنظريَّات في مجال المتغيِّرات الاقتصاديَّة على ضوء الكتاب والسنَّة، في الشقِّ المتغيِّر منه.
الفرع الثاني: دراسة الفكر الاقتصادي الإسلامي:
مِمَّا يساعد الباحث في الاقتصاد الإسلاميِّ في مَهمَّته الاستكشافيَّة والتقعيديَّة، دراسة الفكر الاقتصاديِّ منذ نشأته على يد الصحابة رضوان الله عليهم، وعلى رأسهم الخليفة عمر بن الخطَّاب، الذي يعدُّ بحقٍّ أب الفكر الاقتصاديِّ الإسلاميِّ (2).
فدراسة التاريخ مُهمَّة جدًّا لفهم الاقتصاد؛ ذلك أنَّ التاريخ هو مختصر العلوم الاجتماعيَّة والإنسانيَّة. يقول الأستاذ منذر قحف: «إنَّ دراسة الفكر الاقتصاديِّ الإسلاميِّ المعاصر، وإيضاح معالم تطوُّر هذا الفكر من خلال العصور التاريخيَّة، ومن جهة أخرى سيساعد على إثراء الاقتصاد الإسلاميِّ المعاصر، وتوسيع مجالات تطبيقه (3).
إلاَّ أنَّ الكاتب يحذِّر من خطرين يجب التنبُّه لهما، حَتَّى لا يقع الباحث في استنتاجات خاطئة، وهو ما وقع فيه فعلا بعض الكتَّاب، وهذا الخطران هما:
__________
(1) منذر قحف - الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص23.
(2) انظر: آراء عمر الاقتصاديَّة - مجلة الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق 1407هـ/1987م، ع: 72، ص24.
(3) منذر قحف - الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص23. (1/24)
صفحة 25
أ) اعتبار التجارب التاريخيَّة متحكِّمة في الوقائع اللاحقة.
ب) عدم التمييز بين الأصول الاقتصاديَّة والوقائع التاريخيَّة.
ففي النقطة الأولى يضرب مثلا بدراسة الماليَّة العامَّة والضرائب للدولة بتلك الموارد التي وجدت في العهد الزاهر للدولة الإسلاميَّة منذ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه إلى الخليفة العبَّاسيِّ هارون الرشيد، ولقد أدَّى هذا إلى قلَّة اهتمام هؤلاء الكتَّاب بصياغة نظريَّة للماليَّة العامَّة في الإسلام على أساس الكتاب والسنَّة.
فكانت نتيجة عدم تمييزهم بين الفكرة الإسلاميَّة وتطبيقاتها التاريخيَّة أن قدَّموا ماليَّة عامَّة في الإسلام تقوم على الخراج والغنائم، الذي له حظٌّ قليل جدًّا في التطبيق العمليِّ في الواقع الإسلاميِّ المعاصر، نظرا للتغيُّرات الهائلة التي حدثت على الصعيد الاجتماعيِّ والاقتصاديِّ للماليَّة العامَّة للدولة في الوقت الحاضر.
أَمَّا النقطة الثانية التي نبَّه إليها الكاتب فهي اعتبار التجربة التاريخيَّة متحكِّمة في الوقائع اللاحقة، وأخذها وكأنَّهما من المبادئ والأصول الثابتة، فلا نخرج عَمَّا فعله أسلافنا، وذلك نتيجة عدم اتِّصالنا مباشرة بالمصادر الأساسيَّة لاستنباط النظريَّة الاقتصادية. فالتجربة التاريخيَّة تندرج ضمن القسم المتغيِّر من الاقتصاد الإسلاميِّ، فما صلح لأمَّة في عصر من العصور قد لا يصلح لأمَّة في عصر آخر، وانعكاسا لهذا الخطأ أصبحت تصاغ نظريَّات اقتصاديَّة ذات قالب تاريخيٍّ بدلا من روح الفكر العقديِّ (1).
وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار هاتين الملاحظتين يمكننا أن نأخذ التجربة التاريخيَّة للفكر الاقتصاديِّ كعامل مساعد في إطار البحث عن صياغة نظريَّات اقتصاديَّة معاصرة، وإيجاد الحلول للمشكلات المستجدَّة من روح النصوص الخالدة.
__________
(1) منذر قحف - الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص 25. (1/25)
صفحة 26
المبحث الثاني:
نظرة الإسلام إلى المال
المطلب الأوَّل: تعريف المال والملك لغة واصطلاحا:
قبل معرفة نظرة الإسلام إلى المال ينبغي تعريف المال لغة واصطلاحا. فتحديد المفاهيم يساعد على إيضاح المعاني ومناقشة الآراء.
الفرع الأوَّل: المال لغة:
ما ملكته من كلِّ شيء (1). أو ما ملكته من جميع الأشياء، والجمع أموال، والمال في الأصل ما يملك من الذهب والفضَّة، ثُمَّ أطلق على كلِّ ما يُقتنى ويُملك من الأعيان (2). وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأَنَّهَا كانت أكثر أموالهم (3). والمال من الميل، وهو العدول عن الوسط إلى أحد الجانبين، والمال يسمَّى بلك لكونه مائلا أبدا وزائلا، ولذلك سمِّي عَرَضًا (4).
أَمَّا عن أصل اشتقاق الكلمة فيرى البعض (5) أنَّها في الأصل مكوَّنة من ثلاث مقاطع هي «ما» الموصولة و «ل» الجرِّ والاسم المجرور الذي يدلُّ على صاحب الملك، فيكون التركيب هكذا: مالفلان، ثُمَّ مع كثرة الاستعمال استعملت ما
__________
(1) الفيروزآبادي - القاموس المحيط، مرجع سابق، مج4، ص52.
(2) ابن منظور- لسان العرب، مرجع سابق، مج11، ص635.
(3) د، عيسى عبده، أحمد إسماعيل يحيى - الملكيَّة في الإسلام - دار المعارف، مصر، بدون تاريخ، ص123.
(4) عطيَّة محيي الدين - الكشَّاف الاقتصادي لآيات القرآن الكريم، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، سنة 1412هـ/1992م، الطبعة الأولى، ص81.
(5) عبد الكريم الخطيب - السياسة الماليَّة في الإسلام - دار الفكر العربي، القاهرة، سنة 1976، الطبعة الثالثة، ص30. (1/26)
صفحة 27
الموصولة مع لام الجرِّ للدلالة على الملكيَّة منقطعة عن صاحب الملك، فصارت «مال» للدلالة على الشيء المملوك، ومن ثَمَّ أصبحت الكلمة جامدة لها دلالة واحدة: هي ما يُمتلك، ثُمَّ جمعت على أموال.
ويمكن إدراج الثروة في معنى المال، وهي: كثرة العدد من الناس والمال (1).
والرِّزق (بالكسر) هو ما يُنتفع به (2).
الفرع الثاني: المال اصطلاحا:
المال في اصطلاح الفقهاء قريب منه في اللغة وتعريفاتهم متقاربة، إلاَّ أَنَّهُم اختلفوا في منافع الأعيان مثل: سكنى الدار، فالأحناف لا يعتبرونها مالا، إذ لا يمكن حيازتها بالفعل (3).
فالمال اسم لغير الآدميِّ خلق لصالح الآدميِّ، وأمكن إحرازه والتصرُّف فيه على وجه الاختيار (4)، أو هو ما يميل إليه الطبع ويجري فيه البذل والمنع (5)، والتعريف الأَوَّل أشمل وأعمُّ، لأنَّ ميل الطبع أمر نسبيٌّ ونفسيٌّ، فقد لا يميل الطبع لبعض الأشياء مثل بعض الأدوية مع كونها مالا (6).
من خلال هذه التعاريف يتبيَّن لنا أنَّ المال هو كلُّ ما يملك ويحاز عليه بالفعل، فما لا يحاز لا يعتبر مالا، كأشعَّة الشمس التي لها منافع عظيمة، لكن ما دام لا يمكن
__________
(1) ابن منظور- لسان العرب، مرجع سابق، مج4، ص308.
(2) الفيروزآبادي - القاموس المحيط، مرجع سابق، مج3، ص235.
(3) عيسى عبده - الملكيَّة في الإسلام، مرجع سابق، ص124.
(4) ابن عابدين، محَمَّد أمين - حاشية ردِّ المحتار على الدرِّ المختار، بدون ذكر الناشر وسنة الطبع، مج4، ص4.
(5) التهانَّوي - كشَّاف اصطلاحات الفنون، نقلا عن: عيسى عبده - الملكيَّة في الإسلام، مرجع سابق، ص123.
(6) أبو زهرة - الملكيَّة ونظريَّة العقد - دار الفكر العربي، القاهرة، ص52. (1/27)
صفحة 28
حيازتها فلا تعدُّ مالا، والمال يعتبر مالا بتموُّل الناس له؛ لذلك كانت علاقته بالإنسان هي التي تعطيه خواصَّه الماليَّة والشرعيَّة (1).
إنَّ المال معنى مجرَّد؛ ومن ثَمَّ يغدو بلا أثر إلاَّ إذا ارتبط بالإنسان في علاقة يطلق عليها الملكيَّة. وفي صدد بحثنا عن وظيفة المال لا بدَّ من تصوُّره وهو مرتبط بالإنسان بواسطة الملكيَّة التي هي العلاقة التي تربط بين الإنسان والمال كما ذكرنا.
ولقد قرَّرت الشريعة الإسلاميَّة تلك العلاقة ورتَّبت عليها ثمارها ونتائجها.
والمال في الشريعة الإسلاميَّة ليس كلَّ مال صالح للانتفاع، مباح الاقتناء والاستعمال والاستغلال، بل من الأموال ما لا يباح الانتفاع به، مثل: الخمر والخنزير، ويسمَّى هذا النوع من المال مالا غير متقوَّم، فالشارع لا يعترف له بقيمة.
الفرع الثالث: المال والثروة في الاقتصاد الوضعي:
يرى علماء الاقتصاد الوضعيِّ أنَّ الثروة هي الأموال الاقتصاديَّة فقط، أَمَّا الأموال الحرَّة (2)، فليست عندهم ثروة. واشترطوا في الأموال لتكون ثروة ثلاثة شروط هي:
أ) المنفعة. ب) الندرة. ج) التبادل (3).
والمال في اصطلاح القانون: هو الحقُّ ذو القيمة الماليَّة أيًّا كان ذلك الحقُّ سواء كان عينيًّا أم شخصيًّا أم حقًّا من حقوق الملكيَّة الأدبيَّة والفنيَّة والصناعيَّة (4).
فإذا عرفنا معنى المال لغة واصطلاحا، ينبغي أيضا معرفة معنى الملك والملكيَّة؛ لأَنَّهَا هي العلاقة التي تربط الإنسان بالمال، وبدونها يصبح المال مجرَّدا لا معنى له.
__________
(1) نفس المرجع، ص 70.
(2) الأموال الحرَّة: هي المنافع التي يستفيد الإنسان منها بدون مقابل كالهواء وأشعَّة الشمس.
(3) الدموهي - عوامل الإنتاج، مرجع سابق، ص246.
(4) السنهوري عبد الرزَّاق - الوسيط في شرح القانون المدني - دار إحياء التراث العربي، بيروت سنة 1967، مج8، ص09. (1/28)
صفحة 29
الفرع الرابع: الملك لغة واصطلاحا:
أ) لغة: المَلك والمُلك والمِلك: احتواء الشيء والقدرة على الاستبداد به (1). ملكه يملكه ملكا مثلَّثة ... احتواه قادرًا على الاستبداد به (2).
ب) في اصطلاح الفقهاء: هو تمكُّن الإنسان شرعا بنفسه أو بنيابة عنه من الانتفاع بالعين، ومن أخذ العوض، أو تمكُّنه من الانتفاع خاصَّة (3).
فالملك إذن هو العلاقة التي أقرَّها الشارع بين الإنسان والمال.
ولفظة شرعا في التعريف تقرِّر أمرا متَّفقا عليه بين الفقهاء أنَّ الحقوق كلَّها ـ ومنها حقُّ الملكيَّة ـ لا تثبت إلاَّ بإثبات الشارع لها. فالعصمة والحرِّيَّة والملكيَّة حقوق أثبتها الله تعالى (4).
وإذا كان الملك حقًّا أو منحة مصدره الشارع كان إليه تحديده وتوجيهه الوجهة التي قصد إليها الشارع الحكيم، وهذا ما يعكس الطبيعة الاستخلافيَّة للملك، فالملكيَّة المطلقة والأصليَّة هي لله، الذي منح للإنسان ملكيَّة مقيَّدة، له حقُّ الانتفاع والاستغلال والتصرُّف في حدودٍ مرسومةٍ محدَّدة.
ج) الملكيَّة في عرف القانون: هي حقُّ التمتُّع والتصرُّف في الأشياء، بشرط ألاَّ تستعمل استعمالا تحرِّمه القوانين والأنظمة، ولمالك الشيء حقٌّ في كلِّ ثماره ومنتجاته وملحقاته، ما لم يوجد نصٌّ أو اتِّفَاق يخالف ذلك (5).
__________
(1) ابن منظور - لسان العرب، مرجع سابق، مج10، ص492.
(2) الفيروزآبادي - القاموس المحيط، مرجع سابق، مج3، ص320.
(3) القرافي - الفروق، نقلا عن: محَمَّد أبو زهرة: الملكية ونظريَّة العقد، دار الفكر العربي - القاهرة، بدون تاريخ، ص65.
(4) الغرناوي، أحمد بن محَمَّد بن نوح القاسي - الحاوي القدسي - مخطوطة في دار الكتب المصريَّة، نقلا عن العبادي - الملكيَّة في الشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، القسم الأوَّل، ص434.
(5) القانون المدني الجزائري - وزارة العدل - ديوان المطبوعات الجامعيَّة، الجزائر، سنة 1984، مادَّة 674 - 676، ص153. (1/29)
صفحة 30
وقد قسَّم فقهاء القانون حقَّ الملكيَّة إلى ثلاثة حقوق هي:
حقُّ الاستعمال، حقُّ الاستغلال، وحقُّ التصرُّف.
وقد كان حقُّ الملكيَّة حقًّا مطلقا منذ صياغته على يد الرومان، ومن قبلهم الإغريق، وبانتشار الفكر الاشتراكي وتأثير الاتِّجاهات الاجتماعيَّة ظهرت نظريَّة الوظيفة الاجتماعيَّة للملكيَّة على يد رجال القانون (1)، فقيَّد هذا الحقَّ في إطار القوانين واللوائح (2).
باستعراضنا لتعاريف المال والملكيَّة في الفكر الإسلاميِّ والفكر الوضعيِّ يتبيَّن لنا أنَّهما متَّفقان في كون الملكيَّة حقًّا مقيَّدا، غير أنَّ الفكر الإسلاميَّ يرى أنَّ هذا الحقَّ مستمدٌّ من الشارع، ومقيَّد بتعاليمه وتوجيهاته؛ بينما هو في الفكر الوضعيِّ مستمدٌّ من الحرِّيَّة الفرديَّة التي هي حجر الزاوية في الفكر الرأسمالي، ثُمَّ تطوَّر هذا الحقُّ فأصبح مقيَّدًا في ظلِّ الفكر الاشتراكي.
من هنا نلاحظ أصالة الإسلام الذي أُحكمت أحكامه، فهو يسند هذا الحقَّ ـ حقَّ الملكيَّة ـ إلى الخلاَّق العليم لا إلى أهواء البشر، كما أنَّ المال. الذي ينصبُّ عليه حقُّ الملكيَّة مقيَّد بشرط الانتفاع به شرعا، فما كان غير متقوَّم في نظر الشرع لا يعتبر مالاً ولو قدِّر بالملايين.
فهو يضع المصلحة هي الضابط، بينما الفكر الوضعيُّ يضع المنفعة هي الضابط، فما كان فيه منفعة ولو فوَّت مصالح العباد فهو المعتبر به. وهذا هو الفرق الجوهريُّ بين الفكر الإسلاميِّ والفكر الوضعيِّ، فالأوَّل فكر مصلحيٌّ (3)، والثاني فكر منفعيٌّ.
هكذا يظهر لنا جليًّا أثر الاستخلاف على الملكيَّة.
__________
(1) منهم العميد «ديجي» بقوله: «الملكيَّة ليست حقًّا وإنَّما هي وظيفة اجتماعيَّة».
(2) عيسى عبده وأحمد إسماعيل - الملكيَّة في الإسلام، مرجع سابق، ص30 - 34
(3) المصلحة في الفقه الإسلاميِّ مضبوطة أيضا بضوابط، وقد حدَّد الأصوليُّون هذه الضوابط. انظر مثلا: د/ محَمَّد سعيد رمضان البوطي: ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلاميَّة، مكتبة رحَّاب - الجزائر. (1/30)
صفحة 31
المطلب الثاني: المال والملك في القرآن الكريم
الفرع الأوَّل: المال:
ذكر المال في القرآن الكريم ستًّا وثمانين مرَّة (1) مفردا وجمعا ومعرَّفا ومُنَكَّرًا، وفي مواضيع شتَّى، منها: رعاية أموال اليتامى، والابتلاء بها، والتحذير من أكلها بالباطل (2).
لا شكَّ أنَّ ورودها بهذه الكثرة في كتاب الله دليل على نظرة الإسلام إليه نظرة اهتمام وتقدير آثاره في الحياة الإنسانيَّة، وأكبرُ ما يَرِدُ المال مقترنا بالأولاد والأنفس، مِمَّا يوحي على أَنَّهُ عديل الولد والنفس، بل نجده متقدِّما في الذكر عليهما في كلِّ الآيات التي جمعته بهما، ولم يتأخَّر إلاَّ مرَّة واحدة (3)، وَأَمَّا ما عداها فالمال مقدَّم دائما (4).
معاني المال في القرآن الكريم:
استعمل القرآن ألفاظا عديدة تحمل معنى المال، منها:
الخير، الرزق، الطيِّبات:
أ) الخير: جاء في قوله تعالى: ¨ {كُتِبَ عَلَيْكُمُ, إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ... } الآية (5). وقد أجمع المفسِّرون على أنَّ المراد بالخير في هذه الآية هو المال (6)، وقال البعض: لا يقال للمال خير حتَّى يكون كثيرا، ومن مكان طيِّب (7). ويقول
__________
(1) عبد الباقي محمَّد فؤاد - المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم - دار الريان للتراث، سنة 1407هـ/1987م، ص86.
(2) عطيَّة محيي الدين - الكشَّاف الاقتصادي، مرجع سابق، ص80 - 98.
(3) سورة التوبة، آية: 111.
(4) الخطيب عبد الكريم - السياسة الماليَّة، مرجع سابق، ص47.
(5) سورة البقرة، آية: 180.
(6) علوان عبد الله ناصح - التكافل الاجتماعي في الإسلام - دار السلام للطباعة، القاهرة، سنة 1409هـ/1989م، الطبعة الخامسة، ص36.
(7) الراغب الأصفهاني - معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم - تحقيق نديم مرعشلي - دار الكتاب العربي، سنة 1392هـ/1972م، ص163. (1/31)
صفحة 32
تعالى على لسان سيِّدنا موسى عليه السلام داعيا ربَّه: {إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} (1)، أي أنزلت إليَّ من مال، ويقول في بيان نفسيَّة الإنسان المجبولة على حبِّ الخير: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} (2). ويقول ردًّا على تساؤلات الصحابة عن أوجه الإنفاق: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْمَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ} ... الآية (3).
فالخير هو المال، وقد ذهب البعض إلى تقييده بالكثير كما أشرنا، لكنَّ ذكره في الآية الأخيرة يعمُّ القليل والكثير لدخول «من» التبعيضيَّة عليه وتنكيره (4).
وفي إطلاق الخير على المال إشارة لطيفة إلى أَنَّهُ لا يرى قيمة واعتبارا للمال إلاَّ إذا استعمل في أوجه البرِّ وأنفق في طرق الخير، فالخير في معناه اللغويِّ هو: ما يُرغب فيه وهو الشيء النافع، وضدُّه الشرُّ (5). وهو ما يَتَّفِقُ مع تعريف الفقهاء للمال، حيث يفرِّقون بين المال المتقوَّم وغير المتقوَّم، فما لا يجوز الانتفاع به لا يُعتبر مالا كما تقدَّم ذلك.
ب) الرزق لغة: ما يُنتفع به، والجمع أرزاق، والرزق العطاء (6). وهو من معاني المال، وقد ورد في القرآن في مواضيع عديدة، منها: الحثُّ على الإنفاق منه، والأكل منه، وابتغاؤه من فضل الله، وشكره، وضمانه، وبسطه، وتقديره، والتفاضل فيه (7). وهي كلُّها من معاني المال، ورزق الإنسان هو ما يمتلكه حقيقة، أو ما يستهلكه وهو مكتوب له لحظة نفخ الروح فيه.
__________
(1) سورة القصص، آية: 24.
(2) سورة العاديات، آية: 8.
(3) سورة البقرة، آية: 215.
(4) عطيَّة محيي الدين - الكشَّاف الاقتصادي، مرجع سابق، ص231.
(5) الأصفهاني - معجم مفردات ألفاظ القرآن، مرجع سابق، ص163.
(6) ابن منظور- لسان العرب، مرجع سابق، ج10، ص115.
(7) انظر عطيَّة محيي الدين - الكشَّاف الاقتصادي، مرجع سابق، ص266 - 271. (1/32)
صفحة 33
ج) الطيِّبات: هي صنف من أصناف المال، ولا تشمل كلَّ الأموال؛ لأنَّ أصل الطيِّب ما تستلذُّه الحواسُّ، وما تستلذُّه الأنفس (1)، بينما المال أعمُّ وأشمل، وقد أمرنا القرآن بالأكل من طيِّبات ما كسبنا، ونهانا عن تحريمهما (2).
الفرع الثاني: الملك:
وردت لفظة الملك في القرآن ثماني وأربعين مرَّة (3)، كلُّها تؤكِّد أنَّ الملك الحقيقيَّ هو لله تبارك وتعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ} (4). وملكيَّة الإنسان هي هبة من الله وإتيان منه: {وَهَبْ لِي مُلْكًا} (5)، {رَبِّ قَدَ ـ اتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ} (6).
فإذا استعرضنا هذه الآيات نلاحظ أنَّ المال والملك ينسب تارة إلى الله وتارة إلى الإنسان، فما حقيقة ذلك؟ وما هي العلاقة بين الملكيَّتين؟
1) نسبة المال والملك إلى الله: نجد طائفة من الآيات تنسبه إلى الله، منها: {للهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ} (7)، {وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ} (8)، {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُوتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ} (9). {وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الذِي ءَاتَاكُمْ} (10).
__________
(1) المرجع نفسه، ص 372.
(2) مثلا: البقرة/ 172 و267، المائدة 4 و87.
(3) عبد الباقي، محَمَّد فؤاد: المعجم المفهرس، مرجع سابق، ص673.
(4) سورة آل عمران، آية: 6.
(5) سورة ص، آية: 35.
(6) سورة يوسف، آية: 101.
(7) سورة المائدة، آية: 120.
(8) سورة النور، آية: 42.
(9) سورة آل عمران، آية: 26.
(10) سورة النور، آية: 33. (1/33)
صفحة 34
2) نسبة المال والملك إلى الإنسان: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ} (1)، {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوالِكُمْ} (2)، {اَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ} (3) {فَقَدَ ـ اتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا} (4).
فعندما يُراد من النصِّ بيان أصل الملكيَّة فإنَّ النسبة تكون لله مالك كلِّ شيء، فهذه الآيات تذكِّر الإنسان بأنَّ ما امتلكه من مال أو حكم فهو من عند الله الذي قدَّره له، وآتاه له بتيسير امتلاكه ليتصرَّف فيه تبعا لتوجيهاته (5)، وبعبارة أخرى فهو مستخلف فيما ملك.
وعندما يُراد من النصِّ الحضُّ على الإنفاق، وشكر النعم، وأداء حقوق الأموال، فإنَّ النسبة تكون للإنسان، إلاَّ أنَّ هذه النسبة مجازيَّة، لا تخرج عن كونها تخصيصا بمن آتاه الله المال، وتمييزا له عن الذين لا يملكون، وهي لا تغيِّر من حقيقة الملك شيئا. ولإيضاح الفرق الجوهريِّ بين الملكيَّتين لا بدَّ من بيان مصدرهما، فملكيَّة الله ذاتيَّة تصدر عنه لأنَّه الموجد المبدع من العدم دون الاستعانة بأحد، فتكون له الملكيَّة المطلقة، أمَّا ملكيَّة الإنسان فليست ذاتيَّة، وإنَّما هي اكتسابيَّة، استخلافيَّة محدودة في حدود وضعها المالك الحقيقيُّ، كما أنَّها مؤقَّتة زائلة تعود في النهاية إلى المالك الحقيقيِّ الذي يرث الأرض ومن عليها.
يقول الأستاذ عيسى عبده (6): "فالاستخلاف هو التكييف الصحيح لحيازة الإنسان لعين، أو لتمكُّنه من المنفعة، أو بسط سلطانه على كلٍّ منها»؛ فالعلاقة بين الملكيَّتين هي علاقة الأصل بالفرع، وتأكيد ارتباط الإنسان بخالقه الذي آتاه ووهب
__________
(1) سورة الأنعام، آية: 152.
(2) سورة البقرة، آية: 279.
(3) سورة النساء، آية: 53.
(4) سورة النساء، آية: 54.
(5) بابلي محمود محمَّد - إعمار الأرض - المكتب الإسلامي، بيروت 1408هـ/1988م، ط1، ص72.
(6) عيسى عبده وأحمد إسماعيل - الملكيَّة في الإسلام، مرجع سابق، ص148. (1/34)
صفحة 35
له ما بين يديه من نعم وأموال، وحين يحيد الإنسان عن هذا الارتباط والافتقار إلى الله، ولا يعترف بأنَّه مستخلف ووكيل، ويرى نفسه أنَّه المالك يؤدِّي ذلك إلى فساد نظرته إلى الحياة وإلى الغاية منها، يقول تعالى: {إِنَّ الاِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنَى} (1)، فطغيان الإنسان هو تجاوزه للحدود، ويكون نتيجة استغنائه وعدم اعترافه بعبوديَّته لله، فالغنى صفة المالك الذي يستغني عن سواه، وليس من مالك غنيٍّ حقًّا في هذا الكون إلاَّ الله (2).
والقرآن الكريم يقدِّم لنا صورا عن تجاوز ملكيَّة الإنسان عن هدفها بشعوره بالاستغناء، وهو انحراف ينبع من الخطأ في مفهوم الملكيَّة باعتبارها حقًّا ذاتيًّا لا خلافة، لها مسؤوليَّاتها (3).
ولعل أروع تلك الصور قصَّة الرجلين اللذين أغنى الله أحدهما واستخلفه على جنَّتين تتوفَّر فيهما شتَّى أنواع الخضر، فبدل أن يشكر الله على نعمه ويؤدِّي حقوقه، يشعر بالاستغناء والخيلاء: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ, أَنَآ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ, وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} (4).
المطلب الثالث: خصائص الملكيَّة في القرآن الكريم:
من خلال الآيات التي تناولت الملكيَّة نجدها تشير إلى خاصِّيَّتين:
1) حبُّ التملُّك فطرة إنسانيَّة.
2) البعد الزمني للملكيَّة.
__________
(1) سورة العلق، آية 6 - 7.
(2) المصري عبد السميع - مقومات الاقتصاد الإسلامي - مكتبة وهبة، القاهرة، سنة 1411هـ/1990م، الطبعة الرابعة، ص43.
(3) باقر الصدر محَمَّد - اقتصادنا، مرجع سابق، ص 568 - 569.
(4) سورة الكهف، آية: 35. (1/35)
صفحة 36
الفرع الأوَّل: حبُّ التملُّك فطرة إنسانيَّة:
فالقرآن الكريم يؤكِّد أنَّ حبَّ المال والتملُّك أمر فطريٌّ وغريزيٌّ في النفس البشريَّة: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَآءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ... } الآية (1)، {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} (2). ونلمس هذه الفطرة لدى الطفل الذي يتمسَّك بشدَّة بما يُعطى له، ولا يرضى التنازل عنه.
فتعاليم الإسلام تتَّفق مع هذه الفطرة، وتنسجم مع غريزة حبِّ التملُّك، وتوجِّه الإنسان الوجهة الصحيحة في طرق كسب المال وتملُّكه وفي إنفاقه واستهلاكه، حَتَّى يكون سببا في سعادة الإنسان لا في شقائه وتعاسته.
كما نجد أنَّ القرآن أبان الوجه البغيض للمال، ذلك الوجه الذي يزيِّن للناس الشرَّ، ويوقعهم في الفتنة والفساد، وحذَّر من الوقوع فيه، كما كشف عن الوجه الحسن، ودلَّهم عليه: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ... } الآية (3)، فالمال زينة، وليس في الدين ما يصدُّ الإنسان عن الزينة: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ التِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} (4).
الفرع الثاني: البعد الزمنيُّ للملكيَّة:
أعطى القرآن للملكيَّة بعدا زمنيًّا أوسع وأرحب من الحياة الدنيا القصيرة الأمد، والتي لا تنتهي بانتهاء عمر الإنسان القصير، بل تمتد إلى الآخرة، حيث الخلود الأبديُّ، فالقرآن يحرِّض ويحثُّ المؤمن على غنم المكاسب الأخرويَّة، فهي أبقى
__________
(1) سورة آل عمران، آية: 14.
(2) سورة العاديات، آية: 8.
(3) سورة الكهف، آية: 46.
(4) سورة الأعراف، آية: 32. (1/36)
صفحة 37
وأعظم: {مَن ذَا الذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفُهُ لَهُ, أَضْعَافًا كَثِيرَةً ... } (1). فيصبح التنازل عن الملكيَّة الدنيويَّة بالإنفاق في سبيل الخير عمليَّة رابحة إذا أدَّت إلى تعويض أعظم وأضخم في الحياة الأبديَّة.
وهذه العقيدة ـ إذا تعمَّقت في القلوب ـ تؤدِّي دورا إيجابيًّا في نظرة الإنسان إلى المال، وتتطوَّر الملكيَّة إلى غاية وليست وسيلة، ويسهل عليه تقبُّل التكاليف، والإنفاق في سبل الخير، والتضحية بمتاع الدنيا، مقابل الأجر المضاعف في الآخرة: {وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} (2).
هذه هي نظرة القرآن إلى المال الذي لا يقيسه بمقياس الحسِّ العاجل فحسب، بل يربط بين الحياتين، مع تفضيله وتقديمه للحياة الأخرويَّة.
المطلب الرابع: وظيفة المال في الإسلام:
إنَّ الكائن الحيَّ مدفوع بغريزة التملُّك إلى إشباعها بالعمل على الحصول على الأشياء التي يرغب فيها، وإنَّ حبَّ التملُّك ذاته ضرورة من ضروريَّات الحياة، ومن هنا كانت التشريعات التي وضعها الإسلام قائمة على الاعتراف بالمال، وفعاليَّته ومكانته في قلوب البشر كما أشرنا.
الفرع الأوَّل: المقصد الشرعي في الأموال:
والمقصد الشرعيُّ في الأموال كلِّها خمسة أمور (3):
1) رواج الأموال. 2) وضوح الأموال. 3) حفظ الأموال. 4) ثبات الأموال.
__________
(1) سورة البقرة، آية: 245.
(2) سورة سبأ، آية: 39.
(3) ابن عاشور محَمَّد الطاهر- مقاصد الشريعة الإسلاميَّة- مكتبة الاستقامة، تونس، سنة 1366هـ، الطبعة الأولى، ص 188 وما بعدها. (1/37)
صفحة 38
5) العدل في الأموال.
- أوَّلاً: رواج الأموال: وهو دورانها بين أيدي أكثر ما يمكن من الناس بوجه حقٍّ، وقد شرعت لتحقيق ذلك عقود المعاملات، بما في ذلك العقود المشتملة على شيء من الغرر، مثل: المغارسة، والسَّلَم. وفي سياق حثِّ القرآن على توثيق العقود، استثنى الصفقات التجاريَّة التي تتطلَّب السرعة ودوران الأموال: {إِلآَّ أَن تَكُونَ تِجارَةٌ حَاضِرَةٌ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا} (1). بل رخَّص الله التجارة حَتَّى في مواطن العبادة وذكر الله وهو موسم الحجِّ: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ اَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} (2).
إذن فتيسير دوران المال وجعله متنقِّلا من يد لأخرى مقصد شرعيٌّ في الأموال، وإلى هذا تشير الآية الكريمة: {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةَم بَيْنَ الاَغْنِيَآءِ مِنكُمْ} (3).
ومن جهة أخرى حرَّم الله الاكتناز، وتوعَّد الكانزين بأشدِّ العذاب، فالاكتناز نقيض التداول والرواج؛ لأَنَّهُ يحبس الأموال، ويصرفها عن مهمَّتها التي جعلت من أجلها.
- ثانيا: وضوح الأموال: وذلك بإبعادها عن الضرر، والتعرُّض للخصومات بقدر الإمكان، فاشترَط رضاء الطرفين في العقود وشرَع الإشهاد، وكتابة الديون، والرهن.
- ثالثا: حفظ الأموال: أصل هذا المقصد قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} (4)، وقول الرسول J : « إنَّ الله طيِّب لا يقبل إلاَّ
__________
(1) سورة البقرة، آية: 282.
(2) سورة البقرة آية: 198.
(3) سورة الحشر، آية: 7.
(4) سورة النساء، آية: 29. (1/38)
صفحة 39
طيِّبا» (1)، وغيرها من النصوص التي تَدُلُّ على أنَّ حفظ الأموال الخاصَّة وأموال الأمَّة عامَّة مقصد شرعيٌّ، ولذلك وضع التشريع الإسلاميُّ نظام الأسواق، وشرع الحسبة، وسنَّ الحدود الرادعة عند التعدِّي على أموال الغير.
- رابعا: ثبات الأموال: أن تقرَّ لأصحابها، ويختصَّ المالك بما يملك بوجه لا خطر فيه ولا منازعة، وله كامل الحرِّيَّة في التصرُّف فيه، في حدود الشرع والمصلحة، ولا تنزع منه بدون رضاه، وفي الحديث النبويِّ: «ليس لعرق ظالم فيه حقٌّ» (2).
- خامسا: العدل في الأموال: أن تملك الأموال بطرق الكسب المشروعة، وذلك عن طريق العمل أو المعاوضات أو التبرُّعات أو بالإرث.
- الفرع الثاني: وظائف المال في الإسلام:
إذا عرفنا المقصد العامَّ من الأموال في الإسلام، وأنَّ ملكيَّة الإنسان للأموال ملكيَّة استخلاف عن المالك الأصليِّ، وَأَنَّهَا وسيلة لبلوغ الغاية العظمى من وجود الإنسان، أدركنا أنَّ الوظيفة الأساسيَّة للأموال تتمثَّل في تسهيل مهمَّة الإنسان ليعبد الله حقَّ عبادته، فهي وسيلة لتحقيق غاية نبيلة. وفي هذا الصدد يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «إِنَّمَا خَلَق الأموال إعانة على عبادته، لأَنَّهُ إنَّما خلق الخلق لعبادته» (3)، فإذا أدرك الإنسان أبعاد هذه الغاية السامية نفى عن المال تلك النظرة التي تجعل منه هدفا في حدِّ ذاته، فيُطلب تجميعا وتكديسا شرها لا يرتوي ولا يشبع، وقد جاء في تصوير هذه النظرة إلى المال عن الرسول J قولُه: «يقول العبد مالي مالي، وليس لك من مالك إلاَّ ما أكلت فأفنيت ... » الحديث (4). «لو كان لابن آدم واديان من
__________
(1) أخرجه الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط3، 1388هـ/1968م، مج2، ص545.
(2) أخرجه البخاري، كتاب الحرث والمزارعة، مرجع سابق، ج5، ص18.
(3) ابن تيمية تقي الدين - السياسة الشرعيَّة في إصلاح الراعي والرعيَّة - قصر الكتاب، الجزائر، ص44.
(4) أخرجه النسائي في سننه، كتاب الوصايا، مج6، ص548، تحت رقم: 3615. / دار المعرفة، بيروت، ط1، سنة 1411هـ/1991م. (1/39)
صفحة 40
الذهب لتمنَّى الثاني .... ولا يملأ جوف ابن آدم إلاَّ التراب» (1)؛ لذلك نجد القرآن ينفي أن يكون المال مظهرا لرضوان الله تعالى، فلم يسمح بأن ينظر إليه بوصفه مقياسا للاحترام والتقدير: {وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلآَ أَوْلاَدُكُم بِالتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى} (2)، إلاَّ إذا سخِّرت هذه الأموال ابتغاء رضاه: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} (3)، وأنَّه لولا تخوُّف الفتنة على ضعاف النفوس لاقتصر المال على الأشرار والكفَّار (4). فالمال سخَّره الله لعباده ليبتليهم به، فمن شاء كان له فضلا وكان رزقا يتمتَّع به ويؤدِّي منه حقوق الله والعباد، ومن شاء حوَّل هذه النعمة إلى نار تحرقه حين يذهب به مواطن التبذير والإسراف، ويرد به موارد الإثم والفساد (5). فالوظيفة الأولى للمال هو أن ينفقه الإنسان على نفسه وأسرته ليسعد به؛ لأنَّ حياه الإنسان على هذه الأرض لا تستقيم إلاَّ بسدِّ ما يكفي حاجته من المال، فالمال لازم للإنسان منذ استخلافه على هذه الأرض، فقد ورد في الآثار أنَّ أوَّل من ضرب الدراهم والدنانير هو آدم عليه السلام، ضربها وقال: لا تصلح المعيشة إلاَّ بهما (6).
إلاَّ أَنَّهُ ثبت تاريخيًّا أنَّ المقايضة (7) هي أصل المبادلات، وأنَّ النقود جاءت في مرحلة تالية لتلافي عيوب المقايضة المتعدِّدة، وذلك لتسهيل عمليَّات التبادل بسلعة وسيطة، سواء كانت ذهبا أو فضة، أو سلعة معيَّنة يتعارف عليها أفراد المجتمع. ويمكن تقسيم وظائف المال إلى وظيفتين أساسيَّتين هما:
__________
(1) أخرجه البخاري ومسلم، انظر: الترغيب والترهيب للمنذري، مرجع سابق، مج2، ص541.
(2) سورة سبأ، آية: 37.
(3) سورة آل عمران، آية: 92.
(4) الغزالي محمَّد - الإسلام والأوضاع الاقتصاديَّة - مكتبة رحاب، الجزائر، ص148.
(5) الخطيب - السياسة الماليَّة، مرجع سابق، ص 52.
(6) ابن أبي الدنيا، أبو بكر- إصلاح المال، تحقيق مصطفى مفلح القضاة - دار الوفاء للطباعة، المنصورة، مصر، سنة 1410هـ/1990م، الطبعة الأولى، ص182.
(7) المقايضة: مبادلة سلعة بسلعة أخرى، بدون واسطة النقود. (1/40)
صفحة 41
أ) وظيفة خاصَّة، وهي التي تعود منفعتها على الشخص المالك.
ب) وظيفة عامَّة، وهي التي تعود منفعتها على المجتمع كافَّة.
أوَّلا: الوظائف الخاصَّة:
يستفيد منها الإنسان مباشرة أو في نطاق أسرته لأمر دينه أو دنياه، وهي:
أ) الحرص على طاعة الله وابتغاء مرضاته، فالمال خير عون للمسلم على عبادة ربِّه، ولا يكون ذلك إلاَّ بتوفير ما يتطلَّبه الجسم من الغذاء بل إنَّ بعض الفروض ـ وان كانت على الاستطاعة ـ مثل الحجِّ والزكاة تحتاج إلى قدر معيَّن من المال، ولهذا قال محَمَّد بن المنكدر (1): «نعم العون على الدين الغنى» (2).
ولذلك قرَّر الإمام ابن تيمية أَنَّهُ لا يكتمل إيمان المسلم إلاَّ بعد سدِّ جميع حاجاته اللازمة (3).
ولو استعرضنا سيرة الأغنياء من صحابه الرسول J ، وكشفنا عن هدفهم في كسب المال، لتبيَّن لنا وظائف المال عندهم، فهو الوسيلة والمطيَّة لبلوغ رضوان الله تعالى، فهذا عبد الرحمن بن عوف يقول: «يا حبَّذا المال أصل به رحمي، وأتقرَّب إلى ربِّي عزَّ وجلَّ» (4). ويعدِّد صحابيٌّ آخر هو الزبير بن العوَّام رضي الله عنه مناقب وأهداف المال بقوله (5): «إن المال فيه صنائع المعروف وصلة الرحم والنفقة في سبيل الله عزَّ وجلَّ، وعون على حسن الخلق، وفيه مع ذلك شرف الدنيا ولذَّتها». فقد جعل اللذَّة الحسِّيَّة من متاع الدنيا آخر الوظائف بعد الإنفاق في سبيل الله وصلة الرحم.
__________
(1) محَمَّد بن المنكدر التميمي المدني، ثقة فاضل، مات سنة 130هـ أو ما بعدها. تقريب، 2/ 210. التهذيب، 9/ 473.
(2) ابن أبي الدنيا - إصلاح المال، مرجع سابق، ص 172.
(3) ابن تيمية - السياسة الشرعيَّة، مرجع سابق، ص 20.
(4) ابن أبي الدنيا - إصلاح المال، مرجع سابق، ص 190.
(5) نفس المرجع، ص 191. (1/41)
صفحة 42
ب) الاستغناء عن الناس: إنَّ في الاحتياج إلى الناس ذلَّة وهوان، فمن وظيفة المال أن يستغني الإنسان عَمَّا في أيدي الناس، فالكسب الحلال يغرس في النفس العزَّة والعفَّة عمَّا في أيدي الناس من متاع الدنيا.
ج) مساعدة الآخرين: بعد كفاية الإنسان لنفسه وعياله ينبغي عليه مساعدة غيره، ابتداء من دائرة الأسرة الصغيرة فتتَّسع هذه الدائرة حسب درجة القرابة، وحسب طاقة الإنسان وإمكانيَّاته، ويقول تعالى: {فَئَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} (1).
نلاحظ في الآية التدرُّج من القرابة المعروفة والمحدَّدة، إلى ابن السبيل الذي هو مفهوم عامٌّ يشمل معاني عديدة، وقد كان هدف الصحابة والتابعين الموسرين من جمع المال لإنفاقه في أعمال البرِّ والإحسان لا لتكديسه أو إنفاقه في مظاهر اللهو والترف، فهذا التابعيُّ الجليل سعيد بن المسيّب يقول: «لا خيرَ فيمن لا يريد جمع المال من حلِّه يكفُّ به وجهه عن الناس، ويصل به رحمه، ويعطي منه حقَّه» (2).
ثانيا: الوظائف العامَّة:
هي التي تعود بمنافعها على المجتمع كافَّة، خارج دائرة الفرد وأسرته، فمن وظائفه: الإنفاق على المحتاجين في صور مختلفة، منها: الزكاة التي شرعت لإقامة مجتمع الكفاية ومجتمع التكافل.
ثُمَّ أنواع الإنفاق التطوعيِّ الذي حثَّ الإسلام عليه، ويندرج فيه كلُّ أنواع الصدقات، فهي ليست مفروضة وليس لها مقدار معيَّن، إنَّما هي ما تجود به نفس صاحبه طواعية، ابتغاء رضوان الله؛ وهناك آيات كثيرة وأحاديث نبويَّة تحثُّ على هذا النوع من أعمال البرِّ.
__________
(1) سورة الروم، آية 38.
(2) ابن أبي الدنيا - إصلاح المال، مرجع سابق، ص 171. (1/42)
صفحة 43
- ... -
الفصل الأول
الاستخلاف
- ... - (1/43)
صفحة 44
تمهيد
إنَّ نظريَّة الاستخلاف تعدُّ من أهمِّ القواعد التي ينبني عليها الاقتصاد الإسلاميُّ، ومن الأسس العامَّة الثابتة التي لا تتغيَّر مهما تغيَّرت الظروف والأوضاع الاقتصاديَّة، كما تعدُّ حجر الزاوية في نظرة الإنسان إلى المال في دورته من حيث تملُّكه وإنتاجه وتداوله وتوزيعه.
وهي من المنطلقات الأساسيَّة التي تختلف حولها مختلف النظم الاقتصاديَّة، سواء منها الوضعيَّة أو الدينيَّة، فالإسلام يرى أنَّ المال مال الله، والبشر مستخلفون فيه، وهم بمثابة الوكلاء أو النواب أو الخلفاء على هذا المال.
بينما ترى النظم الوضعيَّة على اختلاف مشاربها أنَّ المال هو من كسب الإنسان، وله حقُّ التصرُّف والاستغلال بدون الخضوع إلى قوَّة غيبيَّة خارجة عن الإرادة الإنسانيَّة في تملُّك وتداول هذا المال؛ فله الحرِّيَّة الكاملة في كيفيَّة إنتاجه وتوزيعه حسب ما يحقِّق مصالحه ويشبع رغباته. ونتج عن هذه النظرة الشطط والمغالاة في إنتاج وتوزيع هذا المال، واستغلال الإنسان للثروات الطبيعيَّة بدون حسيب ولا رقيب، وظلم وتعسُّف في العلاقات الإنتاجيَّة، وتفاوت في التوزيع والاستهلاك، وإسراف وتبذير في الإنفاق.
غير أنَّ النظام الإسلاميَّ وضع ـ من خلال نظريَّة الاستخلاف ـ القواعد المنضبطة والنظرة المتوازنة للمال تحت هذه القاعدة العامَّة: «المال مال الله والبشر مستخلفون فيه». (1/44)
صفحة 45
المبحث الأوَّل
مفهوم الاستخلاف
المطلب الأوَّل: الاستخلاف لغة واصطلاحا:
الفرع الأوَّل: الاستخلاف لغة:
لإيضاح مفهوم الاستخلاف ينبغي معرفة معناه اللغويِّ والاصطلاحيِّ، ويقال: استخلف فلان من فلان جعله مكانه، وخلف فلانٌ فلانا إذا كان خليفته، ويقال: خلفت فلانا أخلفه تخليفا، وأستخلفه أنا: أجعله خليفتي، واستخلفه: جعله خليفة (1). والمعنى نفسه أورده الفيروزآبادي: خلائف وخلفاء، وخلفه خلافة كان خليفته وبقي بعده (2). أَمَّا غرضها فهي النيابة عن الغير، إِمَّا لغيبة المنوب عنه أو لموته، وإمَّا لعجزه، وإمَّا لتشربف المستخلَف، وعلى هذا الوجه الأخير استخلف الله أولياءه في الأرض (3)، وهو ما يَتَّفِقُ مع مقام الله وحكمته في استخلافه للبشر على الأرض، ومع هذا التشريف حمَّلهم أمانة التكليف التي أبت السماوات والأرض أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان.
__________
(1) ابن منظور: لسان العرب، مرجع سابق، مج 2، ص 883.
(2) الفيررزآبادي: القاموس المحيط، مرجع سابق، مج 3، ص 137.
(3) الراغب الأصفهاني: معجم مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق نديم مرعشلي، دار الكتاب العربي - بيروت، 1972، ص157. (1/45)
صفحة 46
الفرع الثاني: الاستخلاف اصطلاحا:
أَمَّا معنى الاستخلاف الفقهيّ فهو النيابة أو القوامة، أو الوكالة؛ فهي: إقامة الغير مقام النفس فيما يقبل النيابة من التصرُّفات، فهي عبارة عن تفويض تصرُّف إلى الغير ليفعله في حياته بشرائط خاصَّة (1).
ونلاحظ أنَّ هناك تقاربا بين المعنى اللغويِّ والاصطلاحيِّ، وأنَّ الخلافة والوكالة والنيابة تؤدِّي معنى عامًّا في جوهرها، إلاَّ أنَّ الشيخ بيُّوض (2) فرَّق بين الخلافة والوكالة، فيعطي للخلاقة مدلولا أوسع وأشمل، فمعنى الخلافة هي الوكالة المطلقة المفوَّضة، فإذا أطلق الخليفة فهو الوكيل المفوَّض، أَمَّا الوكيل فهو الوكيل على أشياء خاصَّة، والإنسان بجعله خليفة في الأرض كان السلطان المتصرِّف فيها (3).
وإذا كان الله قد استخلف بني آدم على الأرض وفضَّلهم على كثير من خلقه، سخَّر لهم ما في الكون منَّة منه وفضلا، فإنَّ ما بين أيديهم من أموال ملك من ملك الله، أعارهم إيَّاها للانتفاع به. والقيام على العارية في مفهوم البشر نيابة، فكلُّ فرد من أفراد البشر يعتبر نائبا عن ربِّه فيما سخَّره له من ملكوت الأرض، وهو مقيَّد في كلِّ تصرفاته بحدود هذه النيابة (4).
هكذا نجد أنَّ معنى الاستخلاف ينطبق تماما مع معنى الخلافة والوكالة والنيابة لغة واصطلاحا، ونتيجةُ ذلك أنَّ مركز المستخلف في الأرض هو مركز الخليفة أو
__________
(1) د/ نزيه حماد: معجم المصطلحات الاقتصاديَّة في لغة الفقهاء، المعهد العالمي للفكر الإسلامي - واشنطن، ط.1، 1414هـ/1993م، ص289.
(2) عالم وفقيه إباضيٌّ معاصر، ولد بالقرارة جنوب الجزائر سنة 1318هـ/1899م. قاد الحركة الإصلاحيَّة بالجنوب. اهتمَّ بالإصلاح التربوي والاجتماعيِّ خاصَّة. من آثاره: تفسير القرآن الكريم. وقد طبع منه 11 جزءا. توفِّي بالقرارة سنة 1401هـ/1981م.
(3) بيُّوض إبراهيم بن عمر: في رحاب القرآن، تفسير سورة الإسراء، تحرير عيسى الشيخ بالحاج. نشر جمعية التراث بالقرارة الجزائر، ط2، ص46.
(4) عبد القادر عودة: المال والحكم في الإسلام، ص20. (1/46)
صفحة 47
النائب، وأنَّ الخلافة أو النيابة هي عن الله، وهي قائمة في حدود ما سخَّر الله للبشر وفق الضوابط التي وضعها المستخلِف.
ويرى البعض (1) أَنَّهُ لا يستساغ أن يكون البشر خليفة لله، تنزيها وتعظيما لله تعالى، لأنَّ النيابة والخلافة تكون عمَّن يغيب أو يموت، فالله لا يغيب ولا يموت، كما يحتجُّون بأنَّ أبا بكر قيل له: يا خليفة الله، قال: لست خليفة الله، ولكنِّي خليفة رسول الله.
ويمكن الردُّ على هذه الشبهة بما يأتي:
أ) أَنَّهُ لا ينبغي أن يقاس البشر بمن {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (2)، فإذا كان من شأن البشر أن يستخلفوا في الغيبة والموت، فإنَّ الله يستخلف وهو شاهد ولا يغيب، حيٌّ لا يموت. فهذه الخلافة هي خلافة تشريف وتكليف، كما بيَّنَّا في معنى الاستخلاف.
ب) أَمَّا مقولة أبي بكر الصدِّيق فهو يريد بها خلافة الحكم والسياسة، لا استخلاف البشر عامَّة. فهو بذلك خليفة رسول الله، وليس بخليفة عن الله.
المطلب الثاني: الاستخلاف في القرآن الكريم:
وردت مادَّة «خلف» واشتقاقاتها في القرآن الكريم سبعا وعشرين مرَّة (3). وإذا أبعدنا المعاني الخارجة عن معنى الاستخلاف وجدناها ستَّ عشرة مرَّة، وردت في صيغ مختلفة، تارة في صيغة الامتنان والتفضيل، ومرَّة أخرى بالوعد والتمكين أو الوعيد والعبرة من الأمم السابقة. وفي تركيبها جاءت تارة بصيغة الفعل مضافة إليه:
__________
(1) انظر: د/ أحمد يوسف: القيم الإسلاميَّة في السلوك الاقتصادي، دار الثقافة للنشر، القاهرة، 1410هـ/1990م، هامش ص 36 - 37.
(2) سورة الشورى، آية 11.
(3) محَمَّد فؤاد عبد الباقي: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، مرجع سابق، ص239. (1/47)
صفحة 48
«ألف، وسين، وتاء» التي يراد بها الطلب، كما وردت بصيغة اسم الفاعل مفردا وجمعا: خليفة وخلائف، ولو استقصيناها تفصيلا وجدناها كما يأتي:
- مستخلفين: مرَّة واحدة:
- {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} (1).
- خليفة: مرَّتين:
- {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فيِ الاَرْضِ خَلِيفَةً} (2).
- {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الاَرْضِ} (3).
- خلائف: أربع مرَّات:
- {وَهُوَ الذِي جَعَلَكُمْ خَلآَئِفَ الاَرْضِ} (4).
- {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلآَئِفَ} (5).
- {وَجَعَلْنَاهُمْ خَلآَئِفَ} (6).
- {هُوَ الذِي جَعَلَكُمْ خَلآَئِفَ فِي الاَرْضِ} (7).
- خلفاء: ثلاث مرَّات:
- {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ} (8).
- {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنم بَعْدِ عَادٍ} (9).
__________
(1) سورة الحديد، آية 7.
(2) سورة البقرة، آية 30.
(3) سورة ص، آية 26.
(4) سورة الأنعام، آية 165.
(5) سورة يونس، آية 14.
(6) سورة يونس آية 73.
(7) سورة فاطر، آية 39.
(8) سورة الأعراف، آية 69.
(9) سورة الأعراف، آية 74. (1/48)
صفحة 49
- {أَمَّنْ يُّجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الاَرْضِ} (1).
- يستخلف: مرَّتين:
- {إِنْ يَّشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخلِفْ مِنم بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ} (2).
- {وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ} (3).
- يستخلفكم: مرَّة واحدة:
- {قَالَ عَسَى رَبُّكُمُ, أَنْ يُّهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الاَرْضِ} (4).
- ليستخلفنَّهم: مرَّة واحدة:
- {وَعَدَ اللهُ الذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فيِ الاَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} (5).
- استخلف: مرَّة واحدة: الآية السابقة.
المطلب الثالث: الاستخلاف في السنَّة النبويَّة:
لو استعرضنا كتب الحديث، لم نجد حديثا في معنى الاستخلاف العام الذي نحن بصدد البحث فيه، وإنَّما نجد حديثا عن عمر بن الخطَّاب بشأن الاستخلاف في الإمارة (6)، لكن ورد الاستخلاف في السنة بمعنى آخر وهو الأمانة والمسؤوليَّة، وأشهر حديث في هذا المعنى قوله J : « كلُّكم راع وكلُّ راع مسؤول عن رعيَّته
__________
(1) سورة النمل، آية 62.
(2) سورة الأنعام، آية 133.
(3) سورة هود، آية 57.
(4) سورة الأعراف، آية 129.
(5) سورة النور، آية 55.
(6) الإمام مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج: الجامع الصحيح مؤسَّسة دار التحرير - القاهرة، 1383هـ، مج2، ج6، ص 540. أبو دارد، سليمان بن الأشعث: سنن أبي داود. مطبعة مصطفى البابي الحلبي - القاهرة، 1371هـ/1952م، مج2، ص120. (1/49)
صفحة 50
يوم القيامة» (1). ثُمَّ ذكر أصنافا من هذه المسؤوليَّة أو الأمانة كالأمير على رعيَّته، والمرأة على بيت زوجها وعلى أبنائها والعبد على شؤون سيِّده.
كما جعل الرسول J من أمارات الساعة وأشراطها ضياع الأمانة التي تحمَّلها الإنسان، فقال: «إذا ضيِّعت الأمانة فانتظر الساعة، قيل: كيف إضاعتها؟ فقال: إذا وسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (2).
وإنَّنا إذا استعرضنا معاني الأمانة التي ذكرها العلماء نجدها تطابق معاني الاستخلاف، قال ابن التين: «الأمانة كلُّ ما تخفي ولا يعلمه إلاَّ الله من المكلَّف، وعن ابن عبَّاس: هي الفرائض التي أمروا بها ونهوا عنها، وقيل: هي الطاعة، وقيل: التكليف، وقيل: العهد الذي أخذه الله على عباده، وهذا الاختلاف وقع في تفسير آية الأمانة المذكورة في آية: من سورة الأحزاب، وقال صاحب التحرير: الأمانة المذكورة في الحديث هي الأمانة المذكورة في الآية، وهي عين الإيمان، فإذا استمكنت في القلب قام بأداء ما أمر به واجتنب ما نُهي عنه (3).
وممَّا يؤكِّد ارتباط معاني الأمانة بالاستخلاف، كون ارتفاع الأمانة مؤشِّرا من مؤشِّرات قيام الساعة، فإذا تخلَّى الإنسان عن مسؤوليَّته الاستخلافيَّة، وضيِّعت الأمانات، يعني أَنَّهُ غير مؤهَّل لهذه الأمانة، وبتخلِّيه عن دوره في هذه الحياة تصبح الحياة لا معنى لها ولا هدف، فيقضي الله بفنائها.
أَمَّا عن الاستخلاف الخاصُّ، فإنَّنا نجد حديث الاستخلاف في الإمارة الذي أشرنا إليه، أمَّا الاستخلاف على الأموال فلا نكاد نجد حديثا بهذه الصيغة التي وردت في القرآن في آية: 7 من سورة الحديد، وإنَّما نجدها بصيغ أخرى كما بيَّنَّا
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، مرجع سابق، ج2 ص380، رقم893.
(2) أخرجه البخاري، كتاب العلم، ج1 ص142، رقم 59.
(3) العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر: فتح الباري شرح صحيح البخاري. دار الفكر- بيروت، كتاب الفتن، مج13، ص40. (1/50)
صفحة 51
سابقا. وأبرز حديث يبيِّن مسؤوليَّة الإنسان على المال هو قوله J : « لا تزول قدما عبد يوم القيامة حَتَّى يُسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وماله من أين أكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم» (1).
فمسؤوليَّته على المال مضاعفة، فيسأل من أين اكتسب المال ثُمَّ يسأل ثانية فيم أنفقه.
المطلب الرابع: الاستخلاف عند المفسِّرين:
بعد استعراض الآيات التي تعرَّضت للاستخلاف، لا بدَّ من بيان معنى الاستخلاف في القرآن الكريم من خلال أقوال المفسِّرين.
إنَّ أبرز آية بيَّنت معنى الاستخلاف هي آية البقرة (2). في صيغة حوار بين الخالق تبارك وتعالى وملائكته حين أطلعهم على إرادته في جعل خليفة على الأرض.
فقد اختلف المفسِّرون في ماهية هذه الخلافة، فمنهم (3) من يرى أنَّ الآدميِّين خلفوا جنسا آخر كان يسكن الأرض سابقا، فأفسد فيها وسفك الدماء، ومن ثَمَّ تكون الخلافة على هذا الرأي خلافة جنس سابق. بينما يرى فريق (4) آخر أنَّ آدم عليه السلام هو المعنيُّ بالخلافة، منهم ابن عبَّاس وجميع أهل التأويل. فهو خليفة الله في إمضاء حكمه وأوامره؛ لأَنَّهُ أوَّل رسول إلى الأرض. فيما يذهب رأى ثالث (5)
__________
(1) أخرجه الترمذيُّ في سننه، كتاب صفة القيامة، رقم 2416 (دار عمران، بيروت، بدون تاريخ الطبع، وعدد الطبعة)، ص612.
(2) {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فيِ الاَرْضِ خَلِيفَةً ... } الآية: 30 من سورة البقرة.
(3) انظر: الزمخشري، محمود بن عمر: الكشَّاف عن حقائق وغوامض التنزيل. دار الكتاب العربي - بيروت، 1407هـ/1987م، ط3، ص124.
(4) انظر: القرطبي، أبو عبد الله محَمَّد بن أحمد: الجامع لأحكام القرآن. دار الكتب العلميَّة - بيروت، 1413هـ/1993م، مج1، ص182.
(5) انظر: ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل: تفسير ابن كثير. دار الأندلس - بيروت. 1406هـ/1986م، ط8 مج1، ص120. (1/51)
صفحة 52
إلى أنَّ المقصود بالخليفة بني آدم قاطبة، فهم يخلفون بعضهم بعضا جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن، كما قال تعالى: {وَهُوَ الذِي جَعَلَكُمْ خَلآَئِفَ الاَرْضِ} (1)، {فَخَلَفَ مِنم بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} (2)، ولم يقصد به آدم بعينه. وإذ لو كان ذلك لما حسن قول الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُّفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ} (3)، فإنَّهم أرادوا أنَّ من هذا الجنس من يفعل ذلك، وَكَأَنَّهُم علموا ذلك بعلم خاصٍّ، أو بما فهموه من الطبيعة البشريَّة.
وإلى هذا الرأي الأخير يميل كلٌّ من الشيخين رشيد رضا وبيُّوض إبراهيم، وهما من المفسِّرين المعاصرين، فيقول الأَوَّل بعد استعراضه لآراء المفسِّرين في المقصود من الخلافة، أهي خلافة جنس آخر أم خلافه عن الله: «فيصحُّ أن يكون معنى الخلافة عامًّا في كلِّ ما ميَّز الله به الإنسان على سائر المخلوقات، فالإنسان خلق ضعيفا كما قال في كتابه: {وَخُلِقَ الاِنسَانُ ضَعِيفًا} (4)، وخلقه الله جاهلا: ¨ {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنم بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا} (5). لكن على ضعفه وجهله عبرة لمن يعتبر؛ لأَنَّهُ مع ضعفه يتصرَّف في الأقوياء، ومع جهله في نشأته يعلم جميع الأشياء».
ويستطرد بعد بيان أسباب قوَّة الإنسان التي تكمن في العقل الذي وهبه الله وميَّزه به عن سائر الخلق: «فلهذا جعله خليفة في الأرض، وهو أحقُّ المخلوقات بهذه الخلافة» (6).
__________
(1) سورة الأنعام، آية 165.
(2) سورة الأعراف، آية 169.
(3) سورة البقرة، آية 30.
(4) سورة النساء، آية 28.
(5) سورة النحل، آية 78.
(6) رشيد رضا: تفسير المنار، دار المعرفة- بيروت. ط2، ج1 ص257. (1/52)
صفحة 53
ويرى الشيخ بيُّوض إبراهيم (1): «إن تفضيل وتكريم بني آدم يعود إلى كونهم خلفاء لله تعالى، وإنَّ الزعم بأنَّ آدم خلف جنسا كان يسكن الأرض قبله زعم لم يقم عليه دليل، وإنَّما هو خليفة الله، وهذا ما يتَّفق مع تكريم بني آدم وتفضيلهم».
وبعد عرض أقوال المفسِّرين في معنى الخلافة، نرى أنَّ الرأي الأخير هو الأرجح، وهو ما ذهب إليه كثير من المفسِّرين، وتؤيِّده كثير من آيات الاستخلاف التي استعرضناها سابقا، وإنَّ قصر الخلافة على آدم بمفرده لا يَتَّفِقُ مع رسالة الإنسان، وهي نظرة ضيِّقة لا تنسجم وحقيقة الاستخلاف العامَّ للبشر.
من خلال عرضنا للمدلول اللغويِّ والاصطلاحيِّ، والمعنى العامِّ لآيات الاستخلاف في القرآن الكريم، نلاحظ أنَّ هذه الآيات تناولت الإنسان من حيث هو إنسان لا من حيث أَنَّهُ حاكم، وأنَّ هذا الاستخلاف هو أعظم ما كرَّم به الله بني البشر.
فإنَّ كلمات الخليفة والاستخلاف لم تستعمل لدلالات سياسية إلاَّ بعد وفاة الرسول J ، فالمدلول القرآنيُّ للخلافة هو نظام كونيٌّ لخلافة الإنسان، وليس نظاما سياسيًّا لخلافة حاكم لحاكم، وبرفع هذا الاستخلاف الإنسان من درجة مواطن في أيَّة دولة زائلة إلى منزلة المواطن في الكون الإلهي، فيجعل منه أصل الوجود وحقيقته، ويصير بذلك سيِّد الكون بعد الله، وصانعا جديدا له، لا ينشر الفساد كما تصوَّرت الملائكة، بل يُحِلُّ فيه النظام والصلاح محلَّ الفوضى والفساد، فقد منحه الله مفاتيح الكون ليكشف عن أسراره، ويظهر حكمته على يده (2).
__________
(1) في تفسيره: في رحاب القرآن، مرجع سابق، ج1، ص47.
(2) د/ حسن صعب: إسلام الحرِّيَّة لا إسلام العبوديَّة. دار العلم للملايين - بيروت، ط3، 1981، ص78. (1/53)
صفحة 54
المطلب الخامس: أقسام الاستخلاف:
إنَّ الاستخلاف قسمان (1):
1) استخلاف عامٌّ. 2) استخلاف خاصٌّ.
فالاستخلاف العامُّ هو استخلاف كلِّ البشر على الأرض ليعمروها، قال تعالى: {وَهُوَ الذِي جَعَلَكُمْ خَلآَئِفَ الاَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ ءَاَتَاكُم} (2)، فالآية تَدُلُّ على الخلافة العامَّة للبشر، والهدف والغرض من هذا الاستخلاف هو الابتلاء والاختبار، أمَّا الاستخلاف الخاصُّ فهو استخلاف في الحكم، وهو نوعان:
أ) استخلاف الدول.
ب) استخلاف الأفراد.
فاستخلاف الدول: أن يمنَّ الله على أمَّة بالحرِّيَّة والاستقلال وبسط النفوذ بحيث تحكم غيرها من الأمم والشعوب، وقد بيَّن الله عز وجلَّ في كتابه أنَّ الذي يرشِّح لقيادة الأمَّة أمران: الإيمان والعمل الصالح: {وَعَدَ اللهُ الذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فيِ الاَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} (3). ومعناها أنَّ الله وعد الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح أن يستخلفهم في الأرض فيجعلهم الخلفاء الغالبين المالكين، كما استخلف عليها من قبلهم.
أَمَّا استخلاف الأفراد فهو الاستخلاف في الرئاسة، وقد يسمَّى المستخلَف خليفة أو إماما أو ملكا. ومن ذلك قوله تعالى: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الاَرْضِ
__________
(1) أحمد يوسف: القيم الإسلاميَّة في السلوك الاقتصادي. دار العلوم - القاهرة، 1410هـ/1990م، ص37.
(2) سورة الأنعام، آية 165.
(3) سورة النور، آية 55. (1/54)
صفحة 55
فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} (1). رغم أنَّ هذه الآية نزلت في حقِّ سيِّدنا داود عليه السلام، إلاَّ أَنَّهَا عامَّة في توجيهاتها لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحقِّ والعدل.
والتقسيم نفسه اعتمده الأستاذ عبد القادر عودة (2).
إلاَّ أن الأستاذ الحسب (3) اعتمد تقسيما آخر مستوحى من أشكال الملكيَّة في الإسلام، حيث ركَّز في تقسيمه على الاستخلاف الخاصِّ، مستبعدا الاستخلاف العامَّ؛ وذلك على الشكل التالي:
1 - استخلاف فردي: يتولاَّه الفرد في صورة ملكيَّة حقِّ انتفاع فرديٍّ.
2 - استخلاف جماعة: تتولاَّه مجموعة من الأشخاص في ضوء ملكيَّة انتفاع تمارسها الجماعة بشكل مشترك.
3 - استخلاف جماعي: تتولاَّه الدولة في صورة ملكيَّة عامَّة أو ملكيَّة اجتماعيَّة، باعتبار الدولة هي المسؤولة عن مصلحة أفراد المجتمع جميعا.
نرى أنَّ كلا التقسيمين ناقص بحيث لم يشمل أنواع الاستخلاف الذي ذكره الله في القرآن، فالأول أغفل نوعا من أنواع الاستخلاف الخاصِّ وهو الاستخلاف على الأموال؛ والثاني أهمل الاستخلاف العامَّ. وعلى ضوء آيات الاستخلاف في كتاب الله يمكننا أن نضع تقسيما جامعا لأنواع الاستخلاف، ولو استعرضناها لأمكننا تصنيفها صنفين: صنف يشمل الاستخلاف العامَّ، وصنف يشمل الاستخلاف الخاصَّ، والذي بدوره يحتوي على الاستخلاف في الحكم والاستخلاف في الأموال، إلاَّ أنَّ القرآن الكريم ركَّز بصفة عامَّة على الاستخلاف العامِّ؛ لأَنَّهُ يشمل خلافه الإنسان على الأرض بجميع أشكالها، منها: الحكم والمال.
__________
(1) سورة ص، آية 26.
(2) عبد القادر عودة: المال والحكم في الإسلام، مرجع سابق، ص14.
(3) الحسب، فاضل عبَّاس: في الفكر الاقتصادي الإسلامي. دار عالم المعرفة - بيروت. ط2، 1401هـ/1981م، ص39. (1/55)
صفحة 56
ففي هذين المجالين يُبتلى الإنسان أكثر وتُمتحن إرادته وتظهر إمكانية تحمُّله للأمانة التي تحمَّلها، أو يخفق في تحمُّلها.
فلو تتبَّعنا هذه الآيات لوجدنا أنَّ كلاًّ من آية النور (55)، والأنعام (33)، وهود (57)، والأعراف (129)، والبقرة (30)، والأنعام (165)، ويونس (14) و (73) وفاطر (39)، والأعراف (69، 74)، والنمل (62)، كلُّها تتناول الاستخلاف العامَّ، بينما خصَّت آية (ص: 26) بالخلافة الخاصَّة في الملك والحكم، وآية الحديد (7) بالخلافة الخاصَّة في الأموال.
وبما أنَّ موضوع البحث يدور أصلا حول الاستخلاف على الأموال، ينبغي بيان معنى الآية التي تناولته.
ليس هناك خلاف بين المفسِّرين في المعنى الذي يراد من الآية، فقد قرنت الإيمان بالله ولرسوله بالإنفاق من الأموال التي استخلف عليها البشر، والتي تؤكد أنَّ ملكيَّتهم ليست أصليَّة، وإنَّما هم مستخلفون عليها، وبعد بيان هذه الحقيقة وعد الله المؤمنين المنفقين بالأجر والثواب الكبير. ويتساءل المولى عزَّ وجلَّ عن الإحجام وعدم الإنفاق في مواطن البرِّ ما دام كلُّ شيء يؤول ويصير إليه: {وَمَا لَكُمُ, أَلاَّ تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ} (1)، ثُمَّ بيَّنت الآية مراتب الإنفاق مع وعد الجميع بالحسنى، وختم الله السياق بالدعوة إلى القرض الحسن، لما فيه من مظاهر التضامن والتكافل وسدِّ حاجات المحتاجين، وأعطى له نفحة ربَّانيَّة، فكان من أقرض أخاه قرضا كمن أقرض الله، فإنَّ الله غنيٌّ كريم، فسيضاعف له قرضه ويجازيه الجزاء الأوفى.
فالمعنى العامُّ للآية أنَّ الأموال التي بأيدي البشر إنَّما هي أموال الله، بخلقه وإنشائه لها، وهبها الله لهم، وخوَّل لهم الاستمتاع بها، وجعلهم خلفاء في التصرُّف
__________
(1) سورة الحديد، آية 10. (1/56)
صفحة 57
فيها، فهي ليست بأموالهم في الحقيقة، وإنَّما هم بمنزلة الوكلاء والنواب، فلينفقوا منها في حقوق الله، وليَهُن عليهم الإنفاق منها كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه (1).
ويضيف الفخر الرازي (2) معنى جديدا إلى المعنى الأَوَّل، فيقول: «إِنَّهُ جعلكم مستخلفين ممَّن كان قبلكم، لأجل أنه نقل أموالهم إليكم على سبيل الإرث، فاعتبروا بحالهم، فَإِنَّهَا لَمَّا انتقلت منهم إليكم فستنتقل منكم إلى غيركم فلا تبخلوا بها».
وحتَّى تكتمل الصورة العامَّة لأقسام الاستخلاف نورد تفسير آية الخلافة في الملك الذي ورد في آية واحدة، وهي آية سورة ص (3)، فهي وصيَّة عامَّة من الله عزَّ وجلَّ لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحقِّ، وإن وردت في سياق نداء خاصٍّ لنبيِّه داود عليه السلام بكونه خليفة يقتضي منه أن يلتزم بتوجيهات المستخلِف في علاقته مع مرؤوسيه، وقد اشتملت هذه التوجيهات على أمر ونهي: الأمر بالحكم بين الناس بالحقِّ، والنهي عن اتِّباع الهوى، وهي توصيات شاملة لأصول الحكم والسياسة. وختمت الآية بالوعيد الشديد لمن ينحرف عنها ويتناسى يوم الحساب (4).
وبعد النظر في التقسيمات السابقة، والتمعُّن في معاني آيات الاستخلاف، نرى أَنَّهُ يمكن تقسيم الاستخلاف على النحو الآتي:
1) استخلاف عامٌّ. 2) استخلاف خاصٌّ.
1 - فالعامُّ: يشمل البشر كلَّهم باستخلافهم على الأرض، ابتداء من آدم عليه السلام، الذي أنبأ الله ملائكته بجعله وذرِّيَّته من بعده خلفاء في الأرض، إلى آخر خلق يعيش على هذه الأرض.
__________
(1) الزمخشري، الكشَّاف، مرجع سابق، ج4، ص473.
(2) الفخر الرازي: التفسير الكبير. دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط3، ج29، ص216.
(3) {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الاَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} آية 26 من سورة ص.
(4) ابن كثير: تفسير ابن كثير، المرجع السابق، مج 6، ص55. (1/57)
صفحة 58
2 - والخاصُّ: يحتوي على قسمين:
أ) استخلاف الدول: ويشمل أولي الأمر بالقيام بالأمانة التي تحمَّلوها في رعاية حقوق الله وحقوق رعيَّتهم، وفي هذا الإطار يدخل الاستخلاف الذي ورد في سورة ص، الذي خاطب به ربُّ العزة نبيئه داود عليه السلام.
ب) استخلاف الأفراد: ويتضمَّن مسؤوليَّة كلِّ فرد في التصرُّف بالنعم التي امتنَّ الله بها على عباده، وعلى رأسها نعمة المال، التي نصَّ عليها القرآن في عدَّة آيات، منها آية الحديد (1).
ولأهمِّيَّة الاستخلاف على الأموال في حياة الأفراد والجماعات نجد أنَّ القرآن يصف دور المال بالقوامة: {وَلاَ تُوتُوا السُّفَهَآءَ اَمْوَالَكُمُ التِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَمًا} (2)، والقيام والقوام لغة: اسم لما يقوم به الشيء، أي: يثبت، كالعماد والسناد لما يعمد ويسند به (3)، فالأموال هي عماد الحياة المادِّيَّة للإنسان وقوامها، فبدونها لا يقوم صرح الحياة.
وإذا كانت الأموال كذلك، فلا بدَّ أن تقوم على أسس ثابتة وأرض صلبة، حَتَّى يشيَّد عليها بنيان الحياة الإنسانيَّة، ويعلو صرحها سامقا شاهقا.
__________
(1) {ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} (الحديد، آية 7).
(2) سورة النساء، آية 5.
(3) الراغب الأصفهاني: معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم، مرجع سابق، ص432. (1/58)
صفحة 59
المبحث الثاني
الغاية من الاستخلاف
إنَّ الغاية من الاستخلاف تقودنا إلى البحث عن الغاية من وجود الإنسان أصلا على هذه الأرض، فالإنسان مناط الاستخلاف، والغاية من الاستخلاف تحقيق الخير والصلاح لهذا الإنسان.
فالإنسان وثيق الصلة بخالقه الذي أوجده على هذه الأرض، وبالكون الذي سخَّره له الله في خدمته، كما أَنَّهُ وثيق الصلة ببني جنسه الذين يعيشون على أرض واحدة، وخلقوا لهدف واحد، فهذه حلقات مترابطة محكمة، بها يتقرَّر مصير الإنسان على هذا الكون.
المطلب الأول: الإنسان مركز الوجود
إنَّ العلاقات التي ذكرناها تجعل من الإنسان مركز الوجود، والأساس الذي تقوم عليه الحياة، فبدونه تصبح الحياة بدون معنى وبدون هدف، فما هي هذه العلاقات؟
الفرع الأوَّل: علاقة الإنسان بالخالق:
علاقة الإنسان بالله علاقة العابد بالمعبود، المخلوق بالخالق، فالله خلق الإنسان وسخَّر له من ملكوته ما يمكنه أن يتمكَّن من ناصيته، فأمره بالعبادة بمفهومها الشامل، وهي الإذعان والخضوع لسننه في الكون، والتزام ما جاءت به رسله في منهجه وسلوكه في الحياة: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ يُّطْعِمُونِ} (1).
__________
(1) سورة الذاريات، آية 56 - 57. (1/59)
صفحة 60
الفرع الثاني: علاقة الإنسان بالكون:
صلة الإنسان بهذه الأرض وبالكون عامَّة صلة عبوديَّة لخالق واحد لا يُعبد فيه سواه، وبهذا ترتبط علاقة الإنسان بالكون ارتباطا وثيقا لوحدة المبدع ووحدة الهدف (1).
فالكون يسير وفق سنن مضبوطة لا يمكنها أن تتخلَّف، ويمكن أن نعبر عنها بلغة العصر مبرمجة مسبقا: {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَّرَقَةٍ اِلاَّ يَعْلَمُهَا} (2)، {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} (3).
وإذا كانت هذه سنَّة الكون في الانضباط فبالأحرى أن تنطبق على الإنسان في علاقته بالكون بالانسجام مع سننها، فهو المستخلف على الأرض التي يتصرَّف فيها، فيجب أن تضبط تصرُّفاته بمقتضى سنن الخالق (4).
فالأرض ذلِّلت ليأخذ منها الإنسان منافعه: {هُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (5). فهي مستعدَّة للإجابة عن جميع تصرُّفاته المعاشيَّة والعمرانيَّة. وحتَّى الكواكب ذات فوائد بالنسبة للبشر، يقول الأستاذ مزيان: «فالشمس والقمر والنجوم داخلة في نسق حيويٍّ غير بعيد عن الإنسان، فهي مسخَّرة نوعا ما بإعطاء فوائدها من تداول الليل والنهار والفصول حَتَّى تتنوَّع الحياة من السعي إلى الراحة، وتتمَّ دورة النبت والنضج لفائدة البشر والأنعام» (6).
__________
(1) محَمَّد محمود بابلي: إعمار الأرض، مرجع سابق، ص33.
(2) سورة الأنعام، آية 59.
(3) سورة يس، آية 40.
(4) مزيان، عبد المجيد: النظريات الاقتصاديَّة عند ابن خلدون. المؤسَّسة الوطنيَّة للكتاب - الجزائر، ط2، 1988م، ص210.
(5) سورة الملك، آية 15.
(6) عبد المجيد مزيان: النظريات الاقتصاديَّة عند ابن خلدون، مرجع سابق، ص212. (1/60)
صفحة 61
الفرع الثالث: علاقة الإنسان بالإنسان:
هذه العلاقة تضبط بموازين القسط، وتضبط بقيم العدل والمساواة، وتحكمها الأخلاق: {لَقَدَ اَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (1)، فالله أرسل رسله وأنزل معهم الكتب والميزان ليبيِّنوا هذه الموازين التي تحكم علاقة الناس دون بغي أو ظلم.
فلا تمكن حياة البشر بدون شريعة تحكمهم وتنظِّم علاقة بعضهم ببعض، وحتَّى لا يظلَّ البشر في متاهات تجاربهم القاصرة أنزل إليهم على يد رسله هذه الرسائل السماويَّة ليستنيروا بهديها رحمةً بهم، وإقامةً للحجة عليهم: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (2)، {لِيَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةُم بَعْدَ الرُّسُلِ} (3).
بهذه العلاقات الثلاثة ترتبط في حلقة محكمة نحو تحقيق هدف واحد، فالله هو الخالق للإنسان وللكون، وفي درجة ثانية تعطي هذه العلاقة بعدا كونيًّا وتعلي من قيمته فوق الكائنات، وتكسبه حرِّيَّة وتصرُّفا في الكون، وفي درجة ثالثة تنبِّهه إلى علاقته مع بني جنسه، وتلفت نظره إلى الأخلاق الاجتماعيَّة والمعاشيَّة، وتجنِّبه الظلم والإسراف والتبذير.
ولعلَّنا نصل في النهاية إلى أنَّ الإنسان هو مركز الوجود باستخلافه على هذه الأرض، وممَّا يؤكِّد هذه المقولة أنَّ الكون كلَّه مسخَّر لبني آدم، فما هو هذا التسخير؟ فهذا ما سنتعرض له في المطلب الآتي:
__________
(1) سورة الحديد، آية 25.
(2) سورة الأنبياء، آية 107.
(3) سورة النساء، آية 165. (1/61)
صفحة 62
المطلب الثاني: الاستخلاف والتسخير:
التسخير لغة هو القيام بعمل دون مقابل، فيقال: سخَّره تسخيرا: كلَّفه عملا بلا أجر، سِخريًّا وسُخريًّا. وسَخَرَه كلَّفه ما لا يريد وقهره، وكلُّ مقهور مُدبَّر لا يملك لنفسه ما يخلِّص من القهر فذلك مسخَّر (1).
حين أسكن الله الإنسان على هذه الأرض، وجعله خليفته هيَّأ له سبل الانتفاع بها، بما زوَّده من ملكات: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالاَبْصَارَ وَالاَفْئِدَةَ} (2). وَلَمَّا كانت الأرض مصدر حياة ومعاش لهذا الإنسان، فإنَّ جميع ما فيها مخلوق مسخَّر له. بالإضافة إلى ما تحيط بها من أفلاك وعوالم تؤدِّي للإنسان خدمات كبرى: {وَهُوَ الذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا ... } الآية (3).
يقول الأستاذ عبد الستار:
«فالله سخَّر للإنسان كلَّ عناصر الثروات الطبيعيَّة من معادن الأرض وكنوزها وذخائر البحر وطبقات الجبال: {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} (4)، وكذلك سخَّر له خصائصها وقواها الكامنة فيها، فأودع في الزرع قوَّة النماء، وفي الأرض قوَّة النماء، وفي الماء قوَّة الإحياء، وفي الأحياء قوَّة التوالد والتكاثر. حَتَّى الرياح أودع فيها خصائص اقتصاديَّة كتلقيح الزرع. وأودع في الشمس والقمر ما لا يُحصى، كتهيئة الضوء والحرارة اللازمتين لنشوء أصناف الحياة الحيوانية والنباتية» (5). كلُّها تعمل في صمت وتواضع، ومجاَّنا بدون مقابل في خدمة الحياة الإنسانيَّة على هذه الأرض.
__________
(1) ابن منظور، لسان العرب المحيط، مرجع سابق، مج3، ص114.
(2) سورة النحل، آية 78.
(3) سورة النحل، آية 14.
(4) سورة الحديد، آية 25.
(5) عبد الستار فتح الله سعيد: المعاملات في الإسلام، دار الطباعة والنشر الإسلاميَّة - القاهرة، ط2، 1406هـ، ص119. (1/62)
صفحة 63
إنَّ للتسخير جانبين:
أ) جانب يهمُّ الطبيعة قاطبة، بتنوُّعها الواسع، يستغلُّها الإنسان بكامل الحرِّيَّة، وفي حدود الاستخلاف الذي استخلفه الله عليه.
ب) جانب يهمُّ علاقات الإنسان بالإنسان في الحياة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة التي تقتضي تسخير البشر بعضهم لبعض (1)، وهو الذي تعنيه الآية الكريمة: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا} (2).
ويندرج في إطار هذا التسخير تبادل المنافع والخدمات؛ فالله أوقع هذا التفاوت بين العباد في القوَّة والضعف، والعلم والجهل، والحذاقة والبداهة، لأَنَّهُ لو سوَّى بين خلقه في كلِّ هذه الأحوال فلن يخدم أحد أحدا، ولم يصر مسخَّرا لغيره، وحينئذ يفضي إلى خراب العالم وفساد نظام الدنيا (3).
وهذا ما تقتضيه الحياة المدنيَّة من توزيع الأعمال وتقسيمها على فئات المجتمع ليتمَّ العمران، فالإنسان ككائن اجتماعيٍّ مسخَّر لغيره، ومسخَّر لأمثاله. وهو في العلاقات محكوم بقيم، تقتضيها الحياة الاجتماعيَّة.
المطلب الثالث: الغرض من الاستخلاف:
إنَّ الغرض من الاستخلاف ثلاثة أشياء (4):
أ) عبادة الخالق.
ب) عمارة الأرض.
ج) تثميرها.
__________
(1) مزيان، عبد المجيد: النظريَّات الاقتصاديَّة عند ابن خلدون، مرجع سابق، ص213.
(2) سورة الزخرف، آية 32.
(3) الفخر الرازي: التفسير الكبير، مرجع سابق، ج27، ص210.
(4) أحمد يوسف، القيم الإسلاميَّة في السلوك الاقتصادي، مرجع سابق، ص41. (1/63)
صفحة 64
ويمكننا أن نختصر هذا الغرض في هدفين اثنين هما: عبادة الخالق وعمارة الأرض؛ لأنَّ التثمير هو جزء من العمارة، وثمرة من ثمارها، والعمارة بمفهومها الشامل هو ما يسمَّى بالتنمية في الاصطلاح الاقتصادي، ولنا عودة إلى هذا الموضوع عند البحث في الاستخلاف والعمارة في الفصل الرابع.
والغرض من الاستخلاف توضِّحه آيات من القرآن الكريم.
فآية الأنعام (1) تحصر الغرض والغاية من الاستخلاف في الابتلاء، بعد أن هيَّأ الله أسباب الخلافة. و «ما» الموصولة في الآية عامَّة تشمل جميع النعم التي أنعم بها الخالق، منها: نعمة المال والعلم والعقل، كيف يشكرها الخلق.
كما نلاحظ ارتباط الخلافة بالعبادة من خلال نصَّين من القرآن الكريم، يقول تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (2). ويقول: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فيِ الاَرْضِ خَلِيفَةً} (3) ففي هذين النصَّين برزت العبادة والخلافة مرتبطتين بالإنسان؛ فالأولى تنصُّ على أنَّ الهدف من خلق الإنسان عبادة الله، والثانية تقرِّر أنَّ الإنسان خليفة الله في الأرض، ومن تزاوج المعنين يتَّضح أنَّ الخلافة التي أرادها الله هي نفسها عبادة الله التي أمرنا بها.
فمركز الإنسان في هذا الكون أَنَّهُ مستخلف من قبل الله تعالى في إقامة العمران على سطح الأرض، فهو يمارس أعمال الخلافة هذه تبعا لإرشاد الله له، إنَّما هو بتعبير آخر يعبد الله.
يقول الأستاذ شوقي دنيا: «إنَّ خلافة الإنسان لله وعبادته له يمثِّلان وجهين لحقيقة واحدة، حيث إنَّ الخلافة إن هي إلاَّ تنفيذ أحكام الله تعالى في شتِّى
__________
(1) {وَهُوَ الذِي جَعَلَكُمْ خَلآَئِفَ الاَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ ءَاَتَاكُمُ} (الأنعام/ 165).
(2) سورة الذاربات، آية 56.
(3) سورة البقرة، آية 30. (1/64)
صفحة 65
المجالات، والعبادة المذكورة في آية الذاريات (1)، هي طاعة الله التامَّة، وهي أشمل من العبادات ذات التسميَّات المعروفة كالصلاة والزكاة، فمفهومها شامل لكلِّ أعمال الإنسان ونواياه (2).
إذن يمكن القول: إنَّ الخلافة هي العبادة، وهي الغرض الأسمى من الاستخلاف، وازدواج التسمية يؤدِّي أغراضا عديدة، منها اعتبار أنَّ سلوك الإنسان في حياته يعكس مركز الإنسان بين سائر المخلوقات، ويجعل من حياته كلِّها محراب عبادة الخالق.
وفي نهاية هذا المطلب لنا أن نضع التساؤل الآتي: هل الإنسان مجبر على أن يكون خليفة في الأرض؟
نعم، لأنَّ الله عزَّ وجلَّ جعله كذلك خليفة، وهذا هو الابتلاء الذي ابتلى به البشر، غير أنَّ الإنسان مخيَّر أن يكون خليفة لله، فتكون له السيادة في الأرض بتطبيق منهج الله وشرعه، فيحقِّق له الفوز والنجاح في الدنيا والآخرة، أو أن يكون خليفة للهوى والشيطان: {وَمَنَ اَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} (3).
فالناس ـ نتيجة لابتلائهم، ولتوفُّر مقوِّمات الحرِّيَّة والاختيار عندهم يصبحون بالضرورة مستخلفين (4)، ولهم اتِّباع أيِّ السبل التي يختارونها؛ سبل الهداية والرشاد، أو سبل الضلالة والهلاك: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} (5). فالله أناط بالإنسان عمارة الأرض: {الذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمُ, أَيُّكُمُ, أَحْسَنُ عَمَلاً} (6)، فقد حدَّد المقصود والغرض لاختبار إرادة البشر.
__________
(1) {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (الآية 56 من الذاريات).
(2) شوقي دنيا أحمد: الإسلام والتنمية الاقتصاديَّة. دار الفكر العربي - القاهرة، ط1، 1979، ص47.
(3) سورة القصص، آية 50.
(4) أحمد يوسف: القيم الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص 41.
(5) سورة البلد، آية 10.
(6) سورة ا لملك، آية 2. (1/65)
صفحة 66
فالعنصر الذي يستفيد من إعمار الأرض هو الإنسان.
ولا يقصد بلفظ الإنسان الإنسان المسلم فقط، وإنَّما بمفهومه الشامل المنحدر من ذرِّيَّة آدم قاطبة، لأنَّ الخلق كلَّهم عيال الله، كما ورد عن الرسول J أنَّه قال: «كلُّكم عيال الله، وأحبُّهم إليه أنفعهم لعياله» (1).
فالإنسان هو الجدير بخلافة الأرض لما ميَّزه على سائر خلقه من مميِّزات تجعله أهلا لهذا الاستخلاف، وهو الذي سيدير ثروات الله التي بثَّها في ملكوته.
hhhhh
__________
(1) لم أجد له أثرا في كتب الحديث المتوفِّرة لديَّ. (1/66)
صفحة 67
المبحث الثالث
مستلزمات الاستخلاف
إذا كان الاستخلاف يستلزم تحمُّل الأمانة والمسؤوليَّة، ويترتَّب عليه الجزاء من قِبل المستخلِف {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ ... } الآية (1)، فلا بدَّ من توفُّر شروط تمكِّن المكلَّف من تحمُّل هذه المسؤوليَّة والتبعيَّة، فالله ميَّز الإنسان بالعقل ليحكِّمه في اختياره، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأقام الحجَّة على خلقه.
فالإنسان حامل أمانة التكليف التي عُرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها؛ ولهذا خُلق الإنسان حرًّا ليطيع الله أو يعصيه باختياره، ومنح له وسائل السير وتحمُّل هذا العبء الثقيل، فأُعطي قوَّة العقل، فعاد أفضل الموجودات وأشرفها (2).
وقد حصر البعض (3) مناط المسؤوليَّة في ثلاثة أركان:
1) تبليغ. ... 2) علم. ... 3) عمل.
فلا تبعيَّة بلا تبليغ، كما أنَّه لا مسؤوليَّة بدون حرِّيَّة، {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} (4).
أَمَّا العلم فَإِنَّ أَوَّل آية في القرآن تلقَّاها صاحب الدعوة الإِسلاَمِيَّة محَمَّد رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، كانت أمرا بالعلم الذي تعلَّمه وامتاز به عن سائر المخلوقات، {وَعَلَّمَ ءَادَمَ الاَسْمَآءَ كُلَّهَا} (5).
__________
(1) سورة الأحزاب، آية 73.
(2) عطيَّة جمال الدين: النظريَّة العامَّة للشريعة الإسلاميَّة (مطبعة المدينة، 1407هـ/1988م، ط: 1) ص: 18.
(3) العقَّاد عبَّاس محمود: الإنسان في القرآن الكريم (مكتبة رحَّاب - الجزائر) ص: 12.
(4) سورة الإسراء، آية 15.
(5) سورة البقرة، آية 31. (1/67)
صفحة 68
أَمَّا العمل فهو مشروط بالتكليف الذي تسعه طاقة المكلَّف، وبالسعي الذي يسعاه لربِّه ولنفسه، {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا اِلاَّ وُسْعَهَا} (1).
وإذا توفَّرت هذه العناصر، ترتَّبت عنها المسؤوليَّة التكليفيَّة التي عبَّر عنها القرآن الكريم بالأمانة، فما هي هذه الأمانة؟
المطلب الأوَّل: الأمانة في القرآن الكريم:
إنَّ جوهر قضيَّة الاستخلاف تكمن في أنَّ الإنسان أقدر الكائنات الموجودة على ظهر الأرض على تحمُّل المسؤوليَّة، لأَنَّهُ الكائن الحرُّ المختار، وقد سمَّى القرآن الكريم هذه المسؤوليَّة، بالأمانة، فهذه المسؤوليَّة تستتبع القيام بالعمارة والإصلاح في الأرض، والمحافظة على الطاقات الكامنة في الطبيعة، بل وتنميتها وتوزيعها على أبناء البشريَّة توزيعا عادلا (2).
وقد وردت كلمة الأمانة في القرآن الكريم في خمسة مواضع (3)، وكلُّها تفيد التبعيَّة والعهد والمسؤوليَّة، باستثناء آية البقرة التي خصِّصت بوديعة المال وما إليه، وهي آية الدين، وذلك نظرا لأهمية المال ودوره في الحياة المادِّيَّة، فالمال جزء هامٌّ من الأمانة التي تحمَّلها الإنسان، كما أشرنا سابقا.
ولقد وضَّح معنى الأمانة في آية الأحزاب وضوحا لا يقبل اللبس أو التأويل بالخروج عن جوهره المقصود، وهو التكليف، فما لم يذكره المفسِّرون بنصِّه ذكروه بمقتضياته (4).
__________
(1) سورة البقرة، آية 286.
(2) أحمد يوسف: القيم الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص 41.
(3) عبد الباقي، محَمَّد فؤاد: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، مرجع سابق، ص88.
(4) العقَّاد، عبَّاس محمود: الإنسان في القرآن الكريم، مرجع سابق، ص37. (1/68)
صفحة 69
فيرى الزمخشريُّ أنَّ الأمانة يريد بها الطاعة، فعظم أمرها، وفخم شأنها (1)، أَمَّا الفخر الرازي فيرى أَنَّهَا التكليف (2).
أَمَّا ابن كثير (3) فأورد أقوال بعض الصحابة والتابعين وأعلن أنْ «لا تنافي بينها، بل هي متَّفقة، وراجعة إلى أنَّها التكليف وقبول الأوامر والنواهي»، ومن المفسِّرين المعاصرين (4) من يرى أنَّها الإرادة والإدراك وحمل التبعيَّة.
وإذا استعرضنا معاني الاستخلاف والأمانة والعبادة نراها متكاملة، فالله استخلف الإنسان على الأرض، فتحمَّل الأمانة ـ وهو التكليف ـ لأجل عبادة الله، إذن لا تنفكُّ الأمانة عن الاستخلاف، وإذا ما توصَّلنا إلى هذه النتيجة فإنَّ أمانة الاستخلاف تقتضي شروطا ومقوِّمات لا يمكن للإنسان بدونها أن يتحمَّل تبعات هذه الأمانة، فما هي هذه المقتضيات؟
يمكن حصرها في ثلاثة عناصر رئيسيَّة هي:
أ) المسؤوليَّة الشخصيَّة.
ب) العقل والاستطاعة.
ج) الحرِّيَّة والإرادة.
وسنخصُّ كلَّ عنصر من هذه العناصر بمطلب، كما نفرد الجزاء ـ الذي هو الثمرة الطبيعيَّة لهذه الأمانة ـ بمطلب خاصٍّ، والذي بدونه يعتبر الاستخلاف ضربا من العبث الذي ننزِّه عنه الخالق تبارك وتعالى، وقد أكَّدته آية الأحزاب صراحة، فبعد ذكرها لتحمُّل الإنسان لأمانة التكليف قال تعالى: {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ
__________
(1) الزمخشريُّ: الكشَّاف، مرجع سابق، مج3، ص564.
(2) الرازي: التفسير الكبير، مرجع سابق، ج25، ص234.
(3) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق، مج5، ص523.
(4) سيِّد قطب: في ظلال القرآن، دار الشروق - بيروت، ط3، 1398هـ، 1977م، مج5، ص2885. (1/69)
صفحة 70
وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} (1).
المطلب الثاني: المسؤوليَّة الشخصيَّة:
أكَّدت كثير من الآيات هذه المسؤوليَّة منها: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (2)، {وَكُلَّ إِنسَانٍ اَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ, فِي عُنُقِهِ} (3)، {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنَ اَسَآءَ فَعَلَيْهَا} (4)، {فَمَنْ يَّعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَّعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (5).
وقول رسول الله J : « كلُّكم راع وكلُّ راع مسؤول عن رعيَّته يوم القيامة» (6).
فالفرد في نظر الإسلام كائن حرٌّ مستقلٌّ مسؤول، فالمسؤوليَّة في الشريعة الإسلاميَّة شخصيَّة، وكلُّ فرد يتحمَّل تبعة كسبه وعمله، فإنَّ إثم أيِّ فرد لا يقع على عاتق الآخرين، وذلك خلافا للتصوُّر المسيحي (7) في وجود خطيئة أصليَّة متوارثة في جميع البشر منذ آدم عليه السلام (8).
فالقرآن يؤكِّد أنَّ آدم تاب من خطيئته وأنَّ الله قبل توبته: {وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} (9). فقصَّة آدم عليه السلام مثال واضح لما
__________
(1) سورة الأحزاب، آية 73.
(2) سورة النجم، آية 38.
(3) سورة الإسراء، آية 13.
(4) سورة الجاثية، آية 15.
(5) سورة الزلزلة، آية 7 - 8.
(6) تقدَّم تخريجه، انظر ص 50 من هذا البحث.
(7) لا يمكن نسبة هذه الفكرة إلى السيِّد المسيح عليه السلام، وإنَّما هي فكرة المسيحيَّة المنحرفة والمحرَّفة.
(8) عطية، جمال الدين: النظريَّة العامَّة للشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص20.
(9) سورة طه، آية 121 - 122. (1/70)
صفحة 71
يعرض للإنسان من الخطيئة والنجاة بالتوبة والإنابة، فخطيئته تدينه ولا تدين غيره، ونجاته رهينة بتوبته (1)، فهو محاسب عَمَّا اقترفته يداه، لا على ما فعله غيره.
وحتَّى الحساب يوم القيامة فرديٌّ، تبعا للمسؤوليَّة الفرديَّة: {وَكُلُّهُمُ, ءَاتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} (2). وينطبق ذلك على كلِّ أصناف البشر، حَتَّى الأنبياء، فلا يغني أحد عن أحد.
وإذا كان الأصل هو المسؤوليَّة الفرديَّة، فإنَّ دواعي التضامن الاجتماعيِّ بين أفراد المجتمع الواحد فرضت بعض الصور من المسؤوليَّة الجماعيَّة، وهو ما يعبَّر عنه في الفقه بالفروض الكفائيَّة، التي تظل مع ذلك هي الاستثناء من القاعدة الأصليَّة، وهي المسؤوليَّة الشخصيَّة.
ونستخلص مِمَّا تقدَّم أنَّ الإسلام يضع مبدأ المسؤوليَّة الفرديَّة ويكون الحساب على أساسها، غير أنَّ الفرد يرتبط بالجماعة ارتباط تعاون في بعض الفروض وفي الخير المشترك.
المطلب الثالث: العقل والاستطاعة:
إنَّ مناط المسؤوليَّة والتكليف هو العقل، فمتى غاب انتفى التكليف ورفعت المسؤوليَّة وسقط الجزاء، فقد رفعت المسؤوليَّة عن كلِّ الحالات التي ينعدم فيها العقل والتفكر وهي: الصِّبا والجنون والنوم، طبقا للحديث النبويِّ الشريف: «رفع القلم عن النائم حَتَّى يستيقظ، وعن الصبيِّ حتَّى يحتلم، وعن المجنون حَتَّى يعقل» (3).
__________
(1) عبد المنعم حسنين: الإنسان والمال في الإسلام، مرجع سابق، ص34.
(2) سورة مريم، آية 95.
(3) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الحدود، رقم 4403، دار الجفان - بيروت، ط1، سنة 1409هـ/1988م، مج2 ص546. (1/71)
صفحة 72
وقد ميَّز خليفته على الأرض بأن زوَّده بالعقل الذي به يدبِّر ويفكِّر، وامتاز به عن سائر خلقه.
ويبرز الإمام الغزاليُّ أهمِّيَّة العقل ومنزلته الأولى، فهو يسند إلى الرسول J قوله: «أوَّل ما خلق الله العقل» (1). وممَّا يؤكِّد هذا القول أنَّ ذكر العقل يلي آية الاستخلاف في سورة البقرة، إِنَّهَا آية الأسماء والمعقولات، أو المفاهيم التي علَّمها الله لآدم (2).
وقد وردت مادَّة عقل في القرآن الكريم تسعا وأربعين مرَّة (3)، أغلبها ورد في سياق التذكير بآيات الله، والتدبُّر في ملكوته، واستخدام العقل في التفكير، وردت حينا في صيغة الاستفهام الاستنكاريِّ، أو في صيغة الطلب، وأغلبها جاءت في صيغة المضارع المخاطب والغائب. فالعقل هو الذي يوفِّر سيادة الإنسان على سائر الكائنات بما يوفِّر له من إدراك ومعرفة، وطاقة تنظيمية خلاَّقة (4).
وقد استطاع الإنسان بالعقل أن ينهض بالاستخلاف وعمارة الأرض ويطوِّر وسائل كسبه ومعاشه، فهو بقوَّة العقل غير محدود الاستعداد ولا محدود الرغائب، ولا محدود العلم والعمل، فهو على ضعف أفراده يتصرَّف بمجموعه في الكون تصرُّفا لا حدَّ له، لذا جعله الله خليفته، وأحقَّ المخلوقات بذلك (5).
وقد خلق الله سائر المخلوقات لأغراض معيَّنة، وجعلها مسخَّرة بأمره بحيث تؤدِّي عملها دون إرادة منها، إلاَّ الإنسان فقد زوَّده بالعقل يؤدِّي عمله بإرادته، ومن هنا كان مسؤولا عن نتائج عمله (6).
__________
(1) الغزالي، الإمام أبو حامد محَمَّد بن محَمَّد: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، ج1، ص83.
(2) انظر: سورة البقرة، آية 31 - 33.
(3) محَمَّد فؤاد عبد الباقي: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، مرجع سابق، ص468.
(4) حسن صعب: إسلام الحرِّيَّة لا إسلام العبوديَّة، مرجع سابق، ص79.
(5) رشيد رضا: تفسير المنار، مرجع سابق، ج1، ص259.
(6) الدموهي: عوامل الإنتاج، مرجع سابق، ص126. (1/72)
صفحة 73
والعقل أيضا أداة استمراريَّة تطوُّر الإنسان، وبناء حضارته على هذه الأرض، فهو مسؤول ـ بعد توقُّف الوحي ـ عن استمراريَّة الخلافة وإبداع وسائل الحياة الكريمة، غير أَنَّهُ يستنير بنور الوحي، ولا يقفز على حقائقه، لأنَّ للعقل الإنسانيِّ حدودًا يقف عندها لا يتعدَّاها، كأيِّ طاقة من طاقات الإنسان (1).
غير أنَّ الغرور الإنسانيَّ قد يحمِّل العقل ما لا طاقة له، فيتجاوز حدوده، وينكر الغيب لعجزه عن العلم به؛ لذلك يجب إخضاع العقل لتعاليم الوحي والاستنارة به.
ويدور التكليف والمسؤوليَّة حول عقل الإنسان وحريَّته في توجيه إرادته وجودا وعدما، فمتى وجد العقل ووجدت الحرِّيَّة كان التكليف وكانت المسؤوليَّة، ومتى انعدما انتفى التكليف ورفعت المسؤوليَّة. فحيث لا إدراك فلا تكليف ولا مسؤوليَّة، ومن هنا كانت مباحث الأهليَّة سواء أكانت أهليَّة الوجوب أم أهليَّة الأداء أصلا من أصول الشريعة الإسلاميَّة (2).
المطلب الرابع: الحرِّيَّة والإرادة:
يعدُّ البحث في قضيَّة الحرِّيَّة جزءا من مباحث علم الكلام الذي يتناول الإيمان بالقضاء والقدر، وهل الإنسان مجبر أم مخيَّر في أفعاله وتصرُّفاته؟ وما حدود إرادة الله وإرادة الإنسان التي دلَّت عليه كثير من آيات القرآن الكريم (3) وكيفيَّة التوفيق بينهما؟.
فلا يمكننا الدخول في متاهات علم الكلام، وإنَّما علينا أن نبيِّن في هذا المجال العلاقة بين الاستخلاف والأمانة التي تحمَّلها الإنسان، وحرِّيَّته في كسبه وتصرُّفاته، حَتَّى يحاسب على أفعاله حسب اختياره.
__________
(1) ابن عاشور، محَمَّد الفاضل: روح الحضارة الإسلاميَّة، ط1، المعهد العالمي للفكر الإسلامي - واشنطن، ص5.
(2) جمال الدين عطية: النظرية العامَّة للشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص19.
(3) {وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ} (البقرة، آية 213). {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ} (الأعراف، آية 30). {فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَّشَآءُ وَيَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ} (إبراهيم، آية 4). (1/73)
صفحة 74
أسوق قولا للشيخ محَمَّد الغزالي يبيِّن فيه بدقَّة الفرق بين إرادة الخالق وأفعال العباد فيقول: «يَتَعَلَّق القضاء والقدر بوقائع الحياة وأحداثها وأعمال الناس وتصرُّفاتهم على نحوين واضحين مميَّزين، لِكُلٍّ منهما حكمه الخاصُّ، وآثاره التي يترتَّب عليها، وبين كلا القسمين فواصل قاتمة، وتجاهلها يوقع في الدِّين الغموضَ والاضطراب» (1)، ويضيف بعد تمييز النوعين وتأكيد خطر الخلط بينهما: «وإنَّ القسم الأَوَّل يتمُّ بإرادة الخالق وحده وعلى وفق مشيئته، أَمَّا القسم الثاني فهو يتَّصل بأعمال البشر على عكس الأولى، ونحن نشعر حين أدائها بيقظة عقولنا، وحركة ميولنا، ورقابة ضمائرنا، ونجد القرآن يؤكِّد هذا الإحساس وينوِّه بحرِّيَّة الإرادة الإنسانيَّة، بل إنَّ طبيعة هذا الدين ـ وهي التكليف والابتلاء ـ لا يتحقَّق مع استبعاد الحرِّيَّة، وتقييدها، وإيقاعُ الجزاء لا يتوجَّه ويقرُّ إلاَّ في هذا الجوِّ الفسيح (2).
لكن كيف نوفِّق بين القول بحرِّيَّة الإرادة الإنسانيَّة والقول: إنَّ أعمالها لن تخرج عن دائرة المشيئة الإلهيَّة؟
هنا يضرب الشيخ مثالا ملموسا من واقع الحياة فيقول: «العلم الإلهيُّ مثله كمثل مرآة تعكس تصرُّفات العباد وأعمالهم، فهي لا تتَّصل بالأعمال اتِّصال تصرُّف، وتحريك، وَلَكِنَّهُ اتِّصال انكشاف ووضوح، فهي تتبع العمل ولا يتبعها العمل، غاية ما يمتاز به العلم أَنَّهُ لا يكشف الحاضر فقط، بل يكشف الماضي والمستقبل أيضا» (3).
إذن، فالإنسان حرٌّ في تصرُّفاته وكسبه، وإن اطَّلعت الإرادة الإلهيَّة عليها مسبقا، ولا يحاسب إلاَّ بما كسبت يداه بمحض إرادته، ثُمَّ إنَّ العدل الإلهيَّ يتنافى مع الجبر، فالذي أعدَّ للعاصي عقابا لا يعاقب عن فعل مجبر عليه، وفي هذا يقول
__________
(1) محَمَّد الغزالي: عقيدة المسلم، دار الشهاب - باتنة، 1985، ص96.
(2) نفسه، ص97.
(3) نفسه، ص 90. (1/74)
صفحة 75
الشيخ بيُّوض (1): «ستَّة تنفي الجبر والجبْل معًا: المدح والذمُّ والأمر والنهي والثواب والعقاب، فأنت ترى أنَّ مدح الله للمحسنين وثناءه عليهم، وذمَّ المسيئين وإنكاره عليهم، والمدح والذمُّ عند العقلاء لا يقعان إلاَّ على فاعل مختار فيما يفعله، وَلَمَا أمره ونهاه، ولا فائدة من أمر من تجبره على العمل، ولا في نهي من تجبره على الترك، وإذا كان العقلاء ينزَّهون فكيف بالعليم الحكيم».
فهناك علاقة وطيدة بين حرِّيَّة الإنسان وكسبه، وبين خلافته في الأرض، إذ لو شاء الله لخلق الخلق مفطورا على عمل الخير كالملائكة، وعندئذ لا يكون الإنسان الذي جعله خليفته في الأرض، وكلَّفه بدينه وشرائعه، وأعدَّ له الثواب والعقاب، لَكِنَّهُ خلقه مختارا في أفعاله، حَتَّى يكون جزاؤه يوم القيامة تبعا لما اختاره بنفسه في حياته (2).
وهناك أيضا علاقة محكمة بين الحرِّيَّة والإنسانيَّة، فإذا انتفت الحرِّيَّة فلا إنسانيَّة، وإنَّما تصبح عبوديَّة وحيوانيَّة، فالحرِّيَّة هي الاختيار في الفعل، والترجيح والموازنة في الحكم على الأشياء وتقديرها، والإنسانية التي تميَّز بها الإنسان عن الحيوان هي استعداده لأنْ يفكِّر ويوازن فيما يفكِّر، ثُمَّ يختار ما هو جدير بالتجسيد والعمل والتنفيذ (3) ولو لم يكن للإنسان هذا الاستعداد لكان هو والحيوان سواء.
ويخلص من ذلك إلى نتيجة، وهي أنَّ الإنسانيَّة هي الحرِّيَّة، والحرِّيَّة هي الإنسانيَّة، فالإنسان هو وحده صاحب الحرِّيَّة، وصاحب الإنسانيَّة بين الكائنات، فهو حرٌّ فيما يعتقد، وحرٌّ فيما يملك، لا ضابط لحرِّيَّته إلاَّ التقيُّد بشريعة ربِّه، وإبعاد الأذى عن نفسه وعن غيره ممَّن معه في الوجود والمجتمع (4).
__________
(1) انظر: فتاوى الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض، تحقيق الشيخ بالحاج بكير، المطبعة العربيَّة - غرداية، 1988، ج1، ص43.
(2) شلتوت، محمود: الإسلام عقيدة وشريعة. مطبوعات الإدارة العامَّة - القاهرة، 1379هـ/1959م، ص43.
(3) البهي محَمَّد: الدين والحضارة الإنسانيَّة، مكتبه الشركة الجزائرية - الجزائر، ص165.
(4) الدريني، محَمَّد فتحي: الحقُّ ومدى سلطان الدولة في تقييده. ط2، مؤسَّسة الرسالة - بيروت، 1397هـ/1977م، ص74. (1/75)
صفحة 76
إذن، فالحرِّيَّة في الإسلام ليست حرِّيَّة مطلقه ـ كما قد يفهم ـ إنَّما مُنح الفردُ حقوقه الشخصيَّة، وقُيِّد ذلك بما ألقي عليه من المسؤوليَّة، دينيَّة ودنيويَّة، ولتجعل حرِّيَّته منسجمة مع رسالته الاستخلافيَّة.
وإذا كان الإسلام قد وضع قيودا لحرِّيَّة الإنسان في إطار التشريعات السماويَّة، فهو في آن واحد محرِّر الإنسان.
كيف ذلك؟
الإسلام حرَّر الإنسان بطريقتين (1):
أ) بالعقيدة التي تملأ القلب إيمانا بأنَّ العمر بيد الله والرزق بيده، فمن نخاف؟
ب) بالشريعة التي تكفل حرمة الدماء والأموال والحرمات، وهنا أكبر ضمان للحرِّيَّة والكرامة الإنسانيَّة.
وقد وضع الإسلام وسائل الرقابة على تنفيذ ذلك بوسيلتين:
1) صوت الضمير على أساس التقوى، وهي الوسيلة الأساسية في حياة المسلم، والقرآن مشحون بالآيات التي تحثُّ الفرد على تقوى الله وخشيته، لكن قد يضعف الإيمان، وتنخفض درجة التقوى، وتستعلي الشهوات ويتحكَّم الشيطان؛ لذلك شرع الإسلام الوسيلة الثانية، وهي:
2) سوط السلطان، وهي تأتي في الدرجة بعد الوسيلة الأولى؛ وذلك بإلزام أفراد المجتمع بتنفيذ الواجبات، والكفِّ عن المنهيَّات وإقامة الحدود على المعتدين على حرمات الله.
وعلى هذا الأساس يمكن تقسيم الحرِّيَّة إلى قسمين:
__________
(1) كمال يوسف: الإسلام والمذاهب الاقتصاديَّة المعاصرة، ط1، دار الوفاء - القاهرة، 1986م، ص117. (1/76)
صفحة 77
أ) حرِّيَّة داخليَّة.
ب) حرِّيَّة خارجيَّة.
فالأولى تتَّصل بالإنسان من زاوية معتقداته وأخلاقه والسيطرة على اتِّجاهاته، والرقيب عليها صوت الضمير والوازع الدينيُّ. والثانية تتَّصل بعلاقته مع الآخرين أفرادا وسلطة، فهي تتَّصل بالقوانين والأنظمة، والرقيب عليها سوط السلطان.
وإذا أدركنا هذه الحقيقة عن الحرِّيَّة تبيَّن لنا أنَّ الحرِّيَّة ليست هي الانسلاخ من القيم الأخلاقيَّة والدينيَّة والانغماس في حمم الشهوات (1)، فالقيود الضابطة للحرِّيَّة هي في الأصل نابعة من النفس وليست قيودا، وهي تتكوَّن من حقيقتين:
1) السيطرة على النفس.
2) الإحساس بحقِّ الغير.
المطلب الخامس: الجزاء
الجزاء لغة:
المكافأة على الشَّيْء، وعليه جزاء وجازاه مجازاة وجزاء (2)، فالجزاء هو ثمرة التكليف والمسؤوليَّة وتحمُّل الأمانة، كما أَنَّهُ المحفِّز على العمل طمعا بالفوز بالثواب أو خشية من العقاب، فلا معنى للمسؤوليَّة إن هي خلت من عنصر الجزاء.
الجزاء في القرآن:
وردت مادة «جزاء» في القرآن الكريم مائة وسبع عشرة مرَّة. منها اثنتان وثلاثون في صيغة مصدر جزاء، وواحد وعشرون في صيغة المضارع: «نجزي»،
__________
(1) أبو زهرة: تنظيم الإسلام للمجتمع. دار الفكر العربي، القاهرة، ص181.
(2) ابن منظور: لسان العرب المحيط، مرجع سابق، ج14، ص143. (1/77)
صفحة 78
والباقي على صيغ متعدِّدة، وإذا أضفنا إليه مادَّة العقاب والثواب واشتقاقاتهما ـ لأنَّ الجزاء يكون إِمَّا الثواب أو العقاب ـ نجد مادَّة العقاب وردت عشرين مرَّة، والثواب خمس عشرة مرَّة (1).
نلاحظ من هذا التكرار مدى اهتمام القرآن بالجزاء، وخاصَّة الجزاء الأخرويَّ؛ لأَنَّهُ هو ثمرة التكليف كما أشرنا.
وقد ارتبط الجزاء في القرآن بِكُلِّ التكاليف التي كلِّف بها الإنسان، وأوَّلها وأعمها الأمانة العامَّة التي يحملها، فارتباط الجزاء بالتكليف هو في الحقيقة مرتبط بالاستخلاف، لأنَّ التكليف هو سبب استخلاف الإنسان ووجوده على هذه الأرض.
والجزاء الأخرويُّ هو الأصليُّ والحقيقيُّ والعادل؛ لأنَّ الحياة الدنيا دار ابتلاء وامتحان، والآخرة دار الجزاء، إمَّا بالثواب وإمَّا بالعقاب، إلاَّ أنَّ الجزاء الأخرويَّ يسبقه مرحلة الحساب، فالله لا يجازي إلاَّ عن بيِّنة وحجَّة يقيمها على خلقه، لهذا فهو يحاسبهم ثُمَّ يجازيهم، كلٌّ حسب عمله وكسبه، يقول الرسول J : « لا تزول قدم عبد يوم القيامة حَتَّى يُسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه» (2). والجزاء عنصر جوهريٌّ في الشريعة الإسلاميَّة، بينما ترى بعض النظريَّات الوضعيَّة (3) أنَّ الجزاء، وإن كان أحد عناصر القاعدة القانونيَّة، إلاَّ أَنَّهُ ليس عنصرا جوهريًّا يترتَّب على غيابه افتقاد القاعدة صفتها القانونيَّة، ومثال ذلك القانون الدوليُّ، وجزء من القانون الدستوري.
__________
(1) عبد الباقي محَمَّد فؤاد: المعجم المفهرس، مرجع سابق، ص162 - 164، 467.
(2) تقدَّم تخريجه، انظر: ص 51 من الرسالة.
(3) عطيَّة جمال الدين: النظريَّة العامَّة للشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص41. (1/78)
صفحة 79
خصائص الجزاء في الشريعة الإسلاميَّة:
يتميَّز الجزاء في الشريعة الإسلاميَّة بخصائص عديدة منها:
1) لا يقتصر الجزاء على الجزاء الدنيويِّ، وإنَّما يشمل الدنيويَّ والأخرويَّ، ومن هنا كان تقسيم الأحكام إلى ما هو واجب ديانة فقط، حيث يقتصر على الجزاء الأخرويِّ، وما هو واجب قضاء، حيث يجمع الجزاء الدنيويَّ والأخرويَّ.
2) لا يقتصر الجزاء بنوعيه على العقاب، وإنَّما تجمع الشريعة الإسلاميَّة بين العقوبة والمثوبة، ترهيبا وترغيبا.
3) يتحقَّق التوازن بين الجزاء الدنيويِّ والأخرويِّ، حيث أعطى الله صلاحيَّات لوليِّ الأمر لإقامة الجزاء الدنيويِّ بإقامة الحدود والتعازير وفقا لقاعدة: «إنَّ الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» (1).
tTtT
__________
(1) مقولة تنسب للصحابيِّ الجليل عثمان بن عفَّان رضي الله عنه. انظر: عبد الكريم الخطيب: السياسة الماليَّة، مرجع سابق، ص127. (1/79)
صفحة 80
المبحث الرابع
ضوابط الاستخلاف
لم يستخلف الله الإنسان على الأرض عبثا، وإنَّما لرسالة سامية يحملها، فقد رسم الله له الحدود، وبيَّن له المعالم، بواسطة كتبه المنزَّلة على أيدي رسله، وبما أودعه في عقله من نعمة التفكير والتمييز. فالاستخلاف مؤقَّت ومقيَّد، فهو مؤقَّت بمشيئة الله لمدَّة، ثُمَّ يعود ميراث الأرض لله مالكها الأصليِّ والأزليِّ: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الاَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} (1)، فالآية تعلن وراثة الله تعالى لِكُلِّ ما في أيدي البشر، فكان الناس يحوزون ما يحوزونه وديعة أو عارية من الله، وأنَّه مؤقَّت لمدَّة محدَّدة، ثُمَّ يستردُّها خالقها ووارثها.
وهو استخلاف مقيَّد وليس مطلقا، فقد بيَّنت الشريعة أصوله وقواعده، فلم يترك أمر الناس فوضى دون تنظيم، فهو مقيَّد بقيود حدَّدت مداه وكيفيَّته، ووضَّحت طريقة الانتفاع والتمتُّع بما سخَّره الله تعالى للإنسان (2).
يقول الأستاذ سيِّد قطب في شأن الملكيَّة: «فهي ملكيَّة معارة له، خاضعة لشروط المالك الأصليِّ وتعليماته، فإذا تصرَّف المستعير تصرُّفا مخالفا لشروط المالك وقع هذا التصرُّف باطلا، وتحتَّم على المؤمنين ردُّه، أَمَّا في الآخرة فهو محاسب على باطله ومخالفته لشرط الملك صاحب الملك الأصيل (3).
وإذا قيل هذا في الملكيَّة التي هي أبرز مظاهر استخلاف الإنسان، فإنَّ القول ينسحب على قضيَّة الاستخلاف العامَّة، والاستخلاف على الأموال بصفة أخصَّ.
__________
(1) سورة مريم، آية 40.
(2) العبادي: الملكيَّة في الشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص410.
(3) سيِّد قطب: في ظلال القرآن، مرجع سابق، ج5، ص247. (1/80)
صفحة 81
سنن الاستخلاف في القرآن الكريم:
كما سبق أن أشرنا، فالمفهوم القرآنيُّ للاستخلاف أنَّ الإنسان خليفة الله، ولتحقيق ذلك سخَّر له من الكون ما يسهِّل له مَهمَّته، ووهب له العقل المدبِّر، ووضع له من الضوابط ما يحقِّق به هدفه.
كما هدَّده باستبدال غيره به إن لم يحسن القيام بهذه المهمَّة.
وفي معرض قصص القرآن عن الأمم الغابرة التي لم تحسن أداء هذه الأمانة، فالله يذكِّر كلَّ أمَّة بمن سبقها من الأمم، وكيف كان مصيرها لَمَّا تخلَّت عن رسالة ربِّها، كما يهدِّدها بنفس المصير إن هي لم تلتزم وتتقيَّد بشروط الخلافة.
تقول الآية الكريمة التي جاءت على لسان سيِّدنا هود عليه السلام يُذكِّر قومه أنَّ الله استخلفهم في الأرض بعد أن أهلك قوم نوح: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنم بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} (1). كما جاءت آية أخرى على لسان سيِّدنا هود نفسه عندما يئس وقنط من إصلاح قومه مبيِّنا سنَّة الله الاستخلافية. أَنَّهُ ما من أمَّة لم تلتزم بالمهمَّة فستسحب منها وتمنح لغيرها من الأمم: {فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدَ اَبْلَغْتُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا اِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} (2).
وفي نفس المعنى والسياق يُذكِّر سيِّدُنا صالح عليه السلام ويعلن لقومه أنَّ الله جعلهم خلفاء من بعد عاد، وأنَّ عليهم أن يؤدُّوا وظيفتهم الاستخلافية بشكل يرضي الخالق، محذِّرا إيَّاهم عاقبة الفساد: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنم بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الاَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا ... } الآية (3).
__________
(1) سورة الأعراف، آية 69.
(2) سورة هود، آية 57.
(3) سورة الأعراف، آية 74. (1/81)
صفحة 82
الانضباط في حدود الانتفاع:
ذكرنا أنَّ الاستخلاف وتسخير الكون للإنسان لا يعني الحرِّيَّة المطلقة للإنسان، رغم أنَّ الطبيعة بكاملها مسخَّرة له، فالكائنات كلُّها يمكن أن تُستغلَّ لفائدة النوع البشريِّ، على شرط ألاَّ يقع إتلافها دون مبرِّر، فالأرض والبحار والجبال، ودوابُّ الأرض تحتوي جميعا على منافع متجدِّدة، ويمكن تصنيف منافعها من القوت الضروريِّ للحياة إلى الرفه والزينة، دون حدٍّ في هذا التنويع إلاَّ الحظر بإتلاف الكائنات دون نفع ظاهر للإنسان (1).
فقد ورد في الحديث الشريف أنَّ طائرا عجَّ إلى ربِّه مشتكيا من الإنسان الذي ذبحه من غير منفعة (2)، فهذا الطائر ألهمه الله أنَّ حياته مسخَّرة لخدمة الإنسان، لكن في حدود الانتفاع لا في الإتلاف والضرر.
فالضابط العامُّ لحدود الاستخلاف فيما سخَّر الله للبشر من موارد الطبيعة وخيرات الأرض هو الانتفاع بها، فهي الأداة المساعدة لحياة الإنسان، ومرفق من مرافقها يجب الانتفاع بها في حدود النفع، بعيدا عن الإتلاف والضرر.
ويمكن تصنيف ضوابط الاستخلاف على صعيدين:
أ) على الصعيد العامِّ، وهي الضوابط التي تقيِّد الإنسان بصفته خليفة الله في أرضه.
ب) على الصعيد الخاصِّ، بصفته مالكا للمال، وسوف نركِّز على هذا النوع لأنَّه محلُّ البحث.
__________
(1) مزيان، عبد المجيد: النظريَّات الاقتصاديَّة عند ابن خلدون، مرجع سابق، ص211.
(2) نصُّ الحديث: «من قتل عصفورا عبثا عجَّ إلى الله يوم القيامة، يقول: يا ربِّ إنَّ فلانا قتلني عبثا ولم يقتلني منفعة». انظر: منتخب كنز العمَّال في سنن الأقوال والأفعال، بهامش مسند الإمام أحمد. دار صادر- بيروت، بدون تاريخ، مج2، ص208. (1/82)
صفحة 83
المطلب الأوَّل: الضوابط العامَّة:
وقد صنَّف الأستاذ أحمد يوسف هذه الضوابط إلى أربعة أصناف (1):
1) ما يضبط علاقة الإنسان بالله عزَّ وجلَّ.
أ) وجوب الخضوع له.
ب) وجوب الاعتقاد بأنَّ الملك لله وحده لا شريك له في ملكه.
2) ما يضبط علاقته بالكون.
أ) أنَّ كلَّ ما في الكون مسخَّر للإنسان.
ب) أنَّ الإنسان خليفة في الأرض.
3) ما يضبط علاقة الإنسان بنفسه.
أنَّ الحياة ليست الغاية، وأنَّه ثمَّة حياة أخرى، ومن ثَمَّ يجب أن يكون نشاطه كلُّه ـ ومنه نشاطه الاقتصادي ـ ابتغاء مرضاة الله.
4) ما يضبط علاقته بالناس من حوله.
إنَّ أبناء المجتمع كلَّهم إخوة، إمَّا لرابطة الدين والعقيدة، أو بحكم عقد الذمَّة الذي يسوِّي بين الحقوق والواجبات.
في الحقيقة إنَّ هذه الضوابط العامَّة هي من صميم عقيدة المسلم، الذي يدخل في علاقة انسجاميَّة مع خالقه، ومع نفسه ومع الكون، ومع من حوله من بني جنسه، ويؤكِّد هذا مدى ارتباط نظريَّة الاستخلاف بالعقيدة الإسلاميَّة، فمتى استقرَّت في قلب المؤمن ورسخت فيه انفعلت مع وجدانه، وترجمت إلى سلوك عمليٍّ بمقتضى هذه الرسالة الربَّانية.
__________
(1) أحمد يوسف: القيم الإسلاميَّة في السلوك الاقتصادي، مرجع سابق، ص11. (1/83)
صفحة 84
المطلب الثاني: الضوابط الخَاصَّة:
سوف نقتصر على الضوابط المُتَعَلِّقة بالاستخلاف على الأموال التي يمكن حصرها في ثلاثة بنود هي:
1) التزام الحلال الطيِّب.
2) اجتناب الخبيث المحرَّم.
3) أداء الواجبات الماليَّة.
1) التزام الحلال الطيِّب:
لقد وسَّع الله في دائرة الحلال الطيِّب، وجعله هو الأصل، والحرام هو الاستثناء: {قُل لآَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِليَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ, إِلآَّ أَنْ يَّكُونَ مَيْتَةً ... } الآية (1)، وعلى سبيل الحصر والتعداد. كما استنكر على من يحرِّم التمتُّع بزينة الحياة الدنيا، والانتفاع بالطيِّبات من الرزق في صيغة سؤال استنكاريٍّ: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ التِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} (2).
فقد نصَّ على الحرام، وحصره في أشياء معدودة، وترك ما عدا ذلك مباحا محلَّلا. أحلَّ البيع والتبادل والهبة والهديَّة والوصيَّة والإجارة والقرض والشركة، وكلَّ سبيل للحلال كالزراعة والصناعة والتجارة، وفي إطار مبدإ عامٍّ، وهو إباحة العقود في دائرة الحلال، ومع الالتزام بشروطها والوفاء بالتزاماتها: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالعُقُودِ} (3).
__________
(1) سورة الأنعام، آية 145.
(2) سورة الأعراف، آية 32.
(3) سورة المائدة، آية 1. (1/84)
صفحة 85
2) وجوب اجتناب الحرام الخبيث:
اجتناب كلِّ حرام خبيث سواء في ذاته أو في وسيلته مع تضييق دائرته عكس الحلال، ومدار التحريم فيه هو وصف «الخبث» وما يؤدِّي ذلك إلى ضرر شخصيٍّ أو اجتماعيٍّ مادِّيٍّ أو معنويٍّ، ويمكن تصنيفه على النحو الآتي:
أ) تحريم كلِّ خبيث العين: كالخمر والخنزير والميتة، فهي خارجة من دائرة الحلال، فيحرم استهلاكها أو التعامل بها وتبادلها.
ب) تحريم كلِّ وسيلة خبيثة للكسب: كالاتِّجار في الأعراض، وكذا كلُّ وسيلة من وسائل الغشِّ كالتدليس، واليمين الباطلة، والغرر.
ج) تحريم الكسب الذي لا يقابله جهد وعمل مشروع: كالقمار والمراهنة والغصب والسرقة، ويدخل في هذا الصنف «الربا»؛ لأَنَّهُ في الحقيقة استيلاء على المال بلا جهد حقيقيٍّ، أو مخاطرة يبذلها المرابي، بل هو استنزاف وامتصاص لجهود الآخرين (1).
3) أداء الحقوق الماليَّة:
شكرا لنعم المنعم، الذي هو السبب في كلِّ ما يملك الإنسان من أموال فهو خالقها وموجدها، وواضع خصائصها، والإنسان لا يملك أن يضيف ولو ذرَّة من مادَّة هذه الأرض وكلُّ ما يملك هو التركيب والتحليل والتطوير، واكتشاف خصائص الموادِّ للاستفادة منها، ألاَ يستحقُّ موجد ومنشئ وخالق هذه الموادِّ شكر نعمه وآلائه على خلقه؟ فهو لا يرجو من خلقه أن يطعموه أو يسقوه: {مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ يُّطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} (2)، وإنَّما
__________
(1) عبد الستَّار فتح الله سعيد: المعاملات في الإسلام، مرجع سابق، ص124.
(2) سورة الذاريات، آية 57 - 58. (1/85)
صفحة 86
يريد منهم أن يعبدوه. ومن أنواع عبادته أن يؤدُّوا الحقوق التي فرضها في أموالهم التي رزقهم إيَّاها.
وتكافلا مع أبناء المجتمع الواحد، وتضامنا مع الفئات المحرومة التي لم تستطع توفير كفايتها من المعاش، وضمان حدٍّ أدنى من مستوى المعيشة لسبب أو لآخر. لأجل هذا وذاك أوجب الله بعض الحقوق الماليَّة، يخرجها الإنسان مِمَّا ملَّكه الله واستخلفه عليه: {وَالذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ} (1)، {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} (2)، وهذه الحقوق نوعان:
أ) حقٌّ مفروض على سبيل الثبات والتحديد، وهو الزكاة التي أوجبها الله، وجعلها ركنا من أركان الإسلام التي لا يتمُّ إسلام المرء إلاَّ بأدائها، فقد حدَّدت السنَّة النبويَّة مقاديرها وأصنافها، ومن تجب عليه ومن يأخذها.
ب) حقٌّ واجب تبعا للحاجة العامَّة والخاصَّة، ودائرته أوسع من دائرة الزكاة، فيؤخذ بشروطها الشرعيَّة لسدِّ حاجات الأمَّة المسلمة، ومن هذه الحقوق:
1) النفقة على الأقارب.
2) التوظيف من أموال الأغنياء.
وأحكامهما ومداها وشروطها مفصَّلة في كتب الفقه. ودليل وجوبها من القرآن قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرُّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنِ الْبِرُّ مَنَ ـ امَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَالْمَلآَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيئِينَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ ... } الآية (3)، فالآية ميَّزت بين الزكاة كفرض من فرائض الإسلام وبين إيتاء المال فى بعض
__________
(1) سورة المعارج، آية 24 - 25.
(2) سورة الحديد، آية 7.
(3) سورة البقرة، آية 177. (1/86)
صفحة 87
مواضعه منها: ذوو القربى واليتامى والمساكين. وَأَمَّا دليلها من السنَّة فقوله J : « إنَّ في المال حقًّا سوى الزكاة» (1)، وهذا يؤكِّد ما جاء في الآية الكريمة.
وإذا كان كسب المال ينبغي أن يكون من دائرة الحلال، فإن إنفاقه واستهلاكه يستلزم أن يكون في ذلك السبيل، ولنا بذلك أن نضيف ضابطا إلى الضوابط المذكورة:
- أن يكون الإنفاق في وجوه الحلال الطيِّب؛ فالإنسان لا يملك أن يقول: هذا مالي كسبته بعرق جبيني، لي مطلق الحرِّيَّة في تصريفه، بل هو دائما مقيَّد بالتزامات المالك الحقيقيِّ، والقاعدة في كلِّ هذا: «ما حرِّم التكسُّب به حرِّم الإنفاق فيه». ويمكن عكس القاعدة: «كلُّ ما أحلَّ الكسب فيه أحلَّ الإنفاق منه».
لقد وضع الشارع الحكيم طريقا وسطا في الإنفاق بين الإسراف والتقتير، ورسم معالم ذلك حسب السعة والطاقة: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً اِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا} (2)، ويقول في الإنفاق باعتدال: {وَالذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يُقْتِرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَالِكَ قَوَامًا} (3)، هذا القوام يحدِّده المستوى العامُّ للمعيشة السائدة في الأمَّة حسب الزمان والمكان.
ويضع الله معيارا عامًّا لجميع أوجه الإنفاق بقوله: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَاهُ اللَّهُ} (4)، وإذا كانت الآية وردت في الإنفاق على الزوجة المطَلَّقَة إلاَّ أنَّ سياقها عامٌّ يشمل جميع أنواع الإنفاق.
ولنا عودة إلى هذا الموضوع عند التطرُّق إلى الاستخلاف ونظريَّة التوزيع في الفصل الخامس.
__________
(1) أخرجه الترمذيُّ في سننه، كتاب الزكاة، الباب 27، رقم 660، مرجع سابق، ج3 ص48 - 49.
(2) سورة الإسراء، آية 29.
(3) سورة الفرقان، آية 67.
(4) سورة الطلاق، آية 7. (1/87)
صفحة 88
فإذا التزم الإنسان بهذه الضوابط التي حدَّدتها الشريعة الإسلاميَّة بقسميها العامِّ والخاصِّ، مكَّن الله له ناصية الأرض، وضمن له الحياة الآمنة المطمئنَّة، فسنَّة الله في الاستخلاف أَنَّهُ مادامت الأمَّة أو الفرد قائما على أمر الله، كان الله له، سنَّة الله التي لا تبديل لها، فإذا انحرف وتعدَّى على هذه الضوابط استبدل به أو بأمة من يقيم أمر الله (1).
يقول تعالى: {الذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فيِ الاَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الاُمُورِ} (2)، فحقُّ التمكين يقابله الالتزام بهدي الله وشريعته، فقد ألزم الله البشر عامَّة يوم أسكنهم الأرض أن يهتدوا بهديه ويتَّبعوا أمره: {فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى وَمَنَ اَعْرَضَ عَن ذِكْري فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} (3)، كما عهد إليهم ألاَّ يتَّبعوا ما يملي عليهم الشيطان من الأهواء ويتركوا هدى الله: {أَلَمَ أَعْهَدِ اِلَيْكُمْ يَابَنِي ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (60) وَأَنُ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} (4).
فهذه هي حقوق وواجبات الاستخلاف التي التزم بها الإنسان للقيام برسالته على هذه الأرض.
[]
__________
(1) أحمد يوسف: القيم الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص39.
(2) سورة الحج، آية 41.
(3) سورة طه، آية 123 - 124.
(4) سورة يس، آية 60 - 61. (1/88)
صفحة 89
المبحث الخامس
نظرية الاستخلاف في الاقتصاد الإسلامي
تعدُّ نظريَّة الاستخلاف حجر الزاوية في علاقة الإنسان بالمال، فمتى اعتقد وأقرَّ في قرارة نفسه أنَّ المالك الحقيقيَّ للمال هو الله، وَأَنَّهُ مستخلف من قبل الله على ما بين يديه من مال، فهذا الاعتقاد متى تركَّز في قلب المؤمن أصبح قوَّة موجبة في مجال السلوك، وضابطا يفرض على المالك التزام التعاليم والحدود المرسومة من قبل المالك الأصلي، كما يلتزم الوكيل المستخلَف بإرادة مستخلِفه.
يقول الأستاذ باقر الصدر: «وهذه النظريَّة إذا نشأت وسادت وأصبحت عامَّة لدى أفراد المجتمع الإسلاميِّ، أصبح لها من القُوَّة ما يحدِّد سلوك الأفراد، ويعدِّل من الانعكاسات النفسيَّة للملكيَّة، ويطوِّر من المشاعر التي توحي بها الثروة إلى نفوس الأغنياء، وبذلك يصبح مفهوم الخلافة قوَّة محرِّكة موجَّهة في الحياة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة» (1).
المطلب الأوَّل: نظرية الاستخلاف من أصول الاقتصاد الإسلامي:
سبق أن رأينا في التمهيد (2) أنَّ الاقتصاد الإسلاميَّ يقوم على وجهين: ثابت ومتغيِّر، فالثابت يَتَعَلَّق بالمبادئ والأصول الاقتصاديَّة التي جاء بها الإسلام، فهي لا تتبدَّل ولا تتغيَّر، مهما تطوَّرت وتغيَّرت أساليب الحياة، وتقدَّمت مناهجها.
ومن هذه الأصول والمبادئ أنَّ المال مال الله، والبشر مستخلفون فيه، فهذا المبدأ مستمدٌّ من القرآن الكريم، حيث نصَّت كثير من الآيات على هذا المبدأ (3).
__________
(1) محَمَّد باقر الصدر: اقتصادنا، مرجع سابق، ص564.
(2) انظر ص 14 - 15 من البحث.
(3) الفنجري، محَمَّد شوقي: المذهب الاقتصادي في الإسلام، مرجع سابق، ص31. (1/89)
صفحة 90
فهذه النظريَّة من الأسس العقديَّة التي يقوم عليها النظام الاقتصاديُّ في الإسلام، فالإنسان مستخلف بوجه عامٍّ من الله على هذه الأرض لعمارتها واستثمارها.
فبهذا تربط نظريَّة الاستخلاف الاقتصاد بالعقيدة الصحيحة. فلو رأينا كيف أنَّ الاقتصاد الوضعيَّ باستبعاده لهذه العقيدة، وإيمانه المطلق أنَّ الإنسان هو سيِّد الكون بدون ارتباط بالخالق المستخلِف، وجعله يطلق حرِّيَّة الفرد بدون قيد أو ضابط في ظلِّ الاقتصاد الرأسمالي، أو الاشتراكي المنكر أصلا للدين كيف أنَّهما سبَّبَا قلقا واضطرابا في تجارب الإنسان الفاشلة، التي أورثت البشريَّة دمارًا وخرابًا، رغم التقدُّم الهائل في الجانب المادِّيِّ من حياة الإنسان، وبسبب عدم إيمانهم بِأَنَّهُم مستخلفون على ما بين أيديهم من خيرات أفرز تفاوتا صارخا في مداخيل الأفراد والجماعات والأمم. أمم وأفراد تعيش تحت مستوى المعيشة وفي فقر مدقع، وأمم ترمي بفائض منتوجاتها في البحر خوفا من تدهور أسعارها. بينما الاقتصاد الإسلاميُّ ينبني على هذا الأساس، أساس أنَّ البشر مستخلفون على أموالهم، فتكون جميع تصرُّفاتهم في إدارة هذه الأموال تنبع من الإيمان بهذه العقيدة.
إنَّ رسوخ هذه العقيدة ـ عقيدة الاستخلاف ـ تتولَّد عنه سلامة المقصد وحسن النتائج، يقول الأستاذ محمود بابلي: «إنَّ هذه العقيدة تحكم منطق إعمار الأرض، فلا يقبل صاحب هذه العقيدة أن يعطِّل أرضا، أو يفسد إنتاجا قائما أو ينتج إنتاجا ضارًّا، أو يتقاعس عن عمل يعود نفعه عليه وعلى غيره من عباد الله» (1).
وبهذا يكون صاحب هذه العقيدة إنسانا صالحا لعمارة الأرض والاستخلاف عليها، وعليه رقيب من صميم ذاته، وهي تقوى الله وخشيته، وهي الكابح الذي يكبح نفس المسلم عن هواها ويسدِّد خطاها نحو الصلاح.
__________
(1) بابلي، محَمَّد محمود: إعمار الأرض، مرجع سابق، ص61. (1/90)
صفحة 91
المطلب الثاني: نظريَّة الاستخلاف والعمارة:
يقول الله تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الاَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (1)، فقد أنشأ الله بني آدم من هذه الأرض وأمرهم بعمارتها. والعمارة هي كلُّ ما يقوم عليه العمران، من إحياء الأراضي بما تجعلها صالحة للإنتاج، أو البحث والتنقيب عن كنوز الأرض ومواردها من مياه ومعادن، أو إقامة المشاريع الصناعيَّة عليها ...
وكلُّ استغلال للطاقات الطبيعيَّة يدخل في مفهوم العمارة، فالآية الكريمة وإن وردت على لسان نبيء من أنبياء الله يدعو قومه ويذكِّرهم بنعم الله عليهم، ويأمرهم بعمارتها، إلاَّ انه لا ينفي عمومها، لأنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والطلب فيها بمعنى الأمر، فالله أنشأنا من الأرض وأمرنا بعمارتها بما يحقِّق وظيفة الاستخلاف.
إنَّ تسخير الأرض والكون للإنسان واستخلاف الله لما في الأرض يقتضيان انتفاع الإنسان بما خلق في الكون واستثماره لما في الأرض من خيرات وثمرات (2).
ثُمَّ إنَّ ربط العمارة بنظريَّة الاستخلاف يؤدِّي إلى تحقيق الرخاء الاقتصاديِّ لمجموع أفراد المجتمع.
وفي سبيل تحقيق الغاية من الاستخلاف، لا بدَّ أن يضع الإنسان في اعتباره القيام بعمليَّة تنظيم وتخطيط كامل لموارد الإنتاج المتاحة، واستغلال كلِّ الطاقات البشريَّة والمادِّيَّة، وتسخير كلِّ القوى الموجودة لديه في عمليَّة الإنتاج، فإذا اعتقد أَنَّهُ مأجور دنيا وأخرى على قيامه بعمليَّة العمارة كان حافزا قويًّا على المضيِّ في نشاطه وحيويَّته.
وسنعود إلى هذا الموضوع عند تطرُّقنا للاستخلاف والعمارة في الفصل الرابع بحول الله.
__________
(1) سورة هود، آية 61.
(2) محمَّد المبارك: نظام الإسلام - الاقتصاد، مرجع سابق، ص21. (1/91)
صفحة 92
المطلب الثالث: نظريَّة الاستخلاف، وترشيد الإنفاق، وعدالة التوزيع:
إذا كانت نظريَّة الاستخلاف تدعونا إلى الإنتاج وعمارة الأرض، فإنَّ عملية الإنتاج تعقبها عمليَّة الإنفاق والاستهلاك وتوزيع الخيرات المنتجة على عوامل الإنتاج التي لا تقلُّ أهمية على الإنتاج نفسه، فالإنتاج مع سوء توزيع الإنفاق هو من عيوب الأنظمة الوضعيَّة، التي أخفقت في إقامة عدالة للتوزيع وترشيد الإنفاق والاستهلاك.
بينما الاقتصاد الإسلاميُّ يعتني عناية خاصَّة بالتوزيع حَتَّى إنَّ هناك من اعتبر أنَّ الاقتصاد الإسلاميَّ ينحصر هدفه في حسن توزيع موارد الأمَّة توزيعا عادلا (1).
فما دور نظريَّة الاستخلاف في هذا المجال؟
كنَّا ربطنا الاستخلاف بالعقيدة الإسلاميَّة، وبيَّنَّا أنَّ الاستخلاف مضبوط بضوابط محدودة، فالإنتاج مضبوط، وكذا الإنفاق والاستهلاك محكومان في ظلِّ هذه النظريَّة بما فيه منفعة الفرد والجماعة، فلا يوضع مال إلاَّ في موضعه، وفي يد مستحقِّه، فلا تستهلك سلعة أو تؤدَّى خدمة (2) من الخدمات إلاَّ في مكانها المناسب.
فالآية الكريمة تقول: {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ... } الآية (3)، فالإنفاق يشمل الإنفاق على النفس، ثُمَّ على الأهل، ثُمَّ إخراج الحقوق الماليَّة التي أشرنا إليها في مبحث سابق (4)، كلُّها تدخل في باب الإنفاق. كما أن الإنفاق والاستهلاك مرتبط بالوسطيَّة التي أشارت إليه الآية الكريمة: {وَالذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ
__________
(1) انظر التمهيد من هذه الرسالة، ص 19.
(2) الخدمة في مفهومها الاقتصاديِّ: هي السلعة غير المادِّيَّة، وهي عمل إنسانيٌّ غير منتج لَكِنَّهُ ذو منفعة، لأَنَّهُ مرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بحاجات الإنسان، مثل النشاط الإداري والصحِّي والثقافي.
(3) سورة الحديد، آية 7.
(4) انظر ص 85 من هذه الرسالة. (1/92)
صفحة 93
يُسْرِفُواْ وَلَمْ يُقْتِرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَالِكَ قَوَامًا} (1)، وسنعود إلى هذا الموضوع في الفصل الخامس عند البحث في الاستخلاف والتوزيع.
كما أنَّ الاستخلاف يقتضي توزيع الموارد توزيعا عادلا بين جميع أفراد المجتمع، وهذه من مسؤوليَّة وليِّ الأمر.
وسنعود أيضا إلى الموضوع عند البحث في الاستخلاف ومسؤوليَّة وليِّ الأمر في الفصل الثالث من البحث.
المطلب الرابع: النقد الموجَّه لنظريَّة الاستخلاف والردُّ عليه:
انتقد بعض الكتَّاب (2) نظرية الاستخلاف التي ترتكز عليها الأموال والملكيَّة بصفة عامَّة، وزعموا أنَّها ليست قائمة على أسس شرعيَّة، مستدلِّين بما يلي:
أ) أنَّ المعنى الذي أشارت إليه الآيات الخاصَّة بملكيَّة الله تعالى هو معنى تعبُّدي محض لا أثر له في المعاملات، فالله مالك كلِّ شيء، لأَنَّهُ موجده ومصيِّره إليه، ومعنى ملكيَّته أي سيادته الكونيَّة، ويد الأفراد مهما طالت زائلة، فهذا المستوى من الملكيَّة أعلى من مستوى الملكيَّة في المعاملات، فهي ربَّانيَّة تعبُّديَّة، وليس في أحكام الشريعة ما يجعل لها أثرا ماليًّا، ولا يتأسَّس عليه أيُّ حكم من أحكام المعاملات.
ب) لم يرد بيان لهذه النظريَّة لا في القرآن ولا في السنَّة، ولا في أقوال الفقهاء.
ج) ليس هناك تكييف مفهوم للعلاقة بين ملكيَّة الله وملكيَّة الإنسان، هل هي شركة أم نيابة؟ وهل هي وديعة؟
__________
(1) سورة الفرقان، آية 67.
(2) د/ مصطفى كمال وصفي: المشروعيَّة في النظام الإسلامي، ص106 - 108. نقلا عن: العبادي: الملكيَّة في الشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص415 - 417. (1/93)
صفحة 94
د) هي نظريَّة خطيرة تفتح بابا واسعا للمغالاة، وقد يستغلُّها الشيوعيُّون كتعليل لمصادرة الأموال الفرديَّة، والاستيلاء عليها بدون ضابط.
بهذه الحجج مجتمعة ينسف الدكتور كمال وصفي نظريَّة الاستخلاف من أساسها، ويقطع الروابط المتينة بين ملكيَّة الله وملكيَّة الإنسان. ويضيف في بحث آخر قدَّمه إلى مجمع البحوث، مؤكِّدا رأيه بقوله: «إنَّ القول بالاستخلاف يؤدِّي إلى إزعاج الأحكام الشرعيَّة، وإلى أن تكون أحكاما قلقة، ويفتح بابا خطيرا واسعا للمغالاة» (1).
مناقشة هذا الرأي:
ساق الدكتور وصفي أربعة حجج لنفي نظريَّة الاستخلاف وإنكارها تماما، ورأى أنَّ القول بها يؤدِّي إلى إزعاج الأحكام الشرعيَّة حسب تعبيره.
وسنناقش الأَدلَّة التي أوردها الدكتور، والتي اتَّخذها أساسا لنسف هذه النظريَّة.
1) ينكر العلاقة بين ملكيَّه الله وملكيَّة الإنسان، ويرى أنَّ الأولى ربَّانية تعبُّديَّة، ولا علاقة بها بالمعاملات الإنسانيَّة على الأرض، وليس لها أثر ماليٌّ، فكيف سمح لنفسه هذا القول والقرآن يصرِّح بنصِّ العبارة: {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}، فالآية تَدُلُّ بأنَّ الأموال التي بين يدي البشر هي لله، وهم مستخلفون عليها، فهو بأمرهم بالإنفاق منها، أليست هناك علاقة وطيدة بين ملكيَّة الله الأصليَّة وملكيَّة الأفراد عن طريق الاستخلاف، وذات أثر مالي واضح، يتجلَّى في أمر المستخلف في كيفية التصرُّف في تلك الأموال.
__________
(1) د/ مصطفى كمال وصفي: الوظيفة الاجتماعيَّة للحقوق في الإسلام. بحث مقدَّم إلى مجمع البحوث الإسلاميَّة بالقاهرة، ص204. نقلا عن: بسيوني سعيد أبو الفتوح محَمَّد: الحرِّيَّة الاقتصاديَّة وأثرها في التنمية. ط1، دار الوفاء - ا لقاهرة، 1408هـ/1988م، ص59 - 61. (1/94)
صفحة 95
وقد بيَّنَّا في مبحث سابق (1) العلاقة بين الملكيَّتين، وكيف عبَّر عنها في بعض الآيات بالملكيَّة الإلهيَّة، وفي أخرى بالملكيَّة الإنسانيَّة، فملكيَّة الأفراد تدخل في دائرة ملكيَّة الله تعالى للكون، فلا تنافر بين المعنيين، فالمال مال الله والبشر مستخلفون عليه، والعلاقة بين الملكيَّتين علاقة الأصل بالنيابة.
ويضيف الدكتور أنَّ نظريَّة الاستخلاف لا يتأسَّس عليها أيُّ حكم من أحكام المعاملات.
نعم إنَّ نظريَّة الاستخلاف لا يتأسَّس عليها أيُّ حكم من أحكام المعاملات بصفة مباشرة، لَكِنَّهَا ترتبط بما هو أهمُّ من ذلك، فهي ترتبط بعقيدة المسلم وإيمانه، فمتى استقرَّ في قلبه أنَّ الأموال التي بين يديه هي لله، وَأَنَّهُ مستخلف عليها، فَإِنَّهُ يتقيَّد بتعاليم صاحبها في التصرُّف فيها، تمليكا وإنتاجا وإنفاقا واستهلاكا، أليس في هذا انعكاس للنظريَّة على أحكام المعاملات ولو بصفة غير مباشرة؟.
2) يدَّعي الدكتور أنَّه لم يرد بيان لهذه النظريَّة لا في القرآن ولا في السنَّة ولا في أقوال الفقهاء، نستغرب أن يورد الكاتب هذه الحجَّة مع أن القرآن مليء بالآيات التي تبيِّن أنَّ علاقة الإنسان بالمال علاقة استخلافية (2). وإذا كانت كتب الحديث لم ترو حديثا عن الرسول J عن الاستخلاف بهذا اللفظ وبهذا المعنى، إلاَّ أنَّ هناك أحاديث كثيرة تحمل المعنى ذاته (3). أمَّا الفقهاء فقد تعرَّض الأقدمون منهم والمتأخِّرون إلى هذا الموضوع، فهذا الإمام الزمخشريُّ يقول في معرض تفسيره لآية الاستخلاف على الأموال: إنَّما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها، ووهبها الله لهم، وخوَّل لهم الاستمتاع، وجعلهم خلفاء في التصرُّف فيها، فهي ليست بأموالهم في الحقيقة، وإنَّما هم بمنزلة الوكلاء والنواب» (4)، ويذهب الإمام
__________
(1) انظر المبحث الثاني من التمهيد، ص 26.
(2) انظر: الفصل الأوَّل، المبحث الأَوَّل، المطلب الثاني، ص 31.
(3) انظر الفصل الأَوَّل، المبحث الأوَّل، المطلب الثالث، ص 49.
(4) انظر: الفصل الأوَّل، المبحث الأوَّل، المطلب الرابع، ص 51. (1/95)
صفحة 96
الشاطبيُّ إلى أنَّ الملكيَّة الحقيقيَّة إنَّما هي لله، وأنَّ البشر يملكون الانتفاع بها: «إنَّ الأعيان لا يملكها في الحقيقة إلاَّ بارئها، وإنَّما للعبد منها المنافع» (1). ومعنى ذلك أنَّ اختصاص الأفراد والجماعات بشيء من المال المملوك لله تعالى هو نوع من الاستخلاف على هذا المال.
وهل مع هذا كلِّه يمكن للدكتور أن يزعم أنَّه لم يرد بيان لهذه النظريَّة لا في القرآن ولا في السنَّة وأقوال الفقهاء؟.
3) يرى الدكتور أَنَّهُ ليس هناك تكييف مفهوم للعلافة بين ملكيَّة الله وملكيَّة الإنسان، هل هي شركة أم نيابة؟ وهل هي وديعة؟ إنَّ العلاقة بين الملكيَّتين ليست علاقة شراكة، لأنَّ الملك الحقيقيَّ هو لله سبحانه وتعالى، الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما، وإنَّما هي علاقة استخلافيَّة ونيابة ووكالة من الله المالك الحقيقيِّ لبني البشر الذين استخلفهم على هذه الأرض، وهو ما أكَّدته كثير من الآيات، فمفهوم الخلافة والوكالة والنيابة يؤدِّي معنى واحدا، فعلى الفرد أن يشعر أنَّه ليس له الملكيَّة المطلقة، وَأَنَّهُ مقيَّد في تصرُّفاته بتعاليم المالك الأصليِّ.
4) يرى الدكتور أنَّ هذه النظرية خطيرة، فهي تفتح بابا واسعا للمغالاة، وفي الحقيقة لو أخذنا بهذه النظريَّة من منطلق عقديٍّ فهي تقيِّد تصرُّفات الأفراد والحكَّام وفق المنهح الربَّانيِّ، فكُلَّمَا سوَّلت نفس الإنسان الانحراف في سلوكه تجاه الملكيَّة تذكَّر أَنَّهُ ليس بالمالك، وَأَنَّهُ مستخلف فقط، عاد إلى رشده، وتقيَّد بتعاليم المستخلِف. ثُمَّ إنَّ الدكتور علَّل ردَّه للنظريَّة بكونها قد يتَّخذها الشيوعيُّون كذريعة لمصادرة الأموال الفرديَّة والاستيلاء عليها بدون ضابط.
فمتى كانت أفعال الناس حجَّة على سنن الله وشرعه؟! فإنَّ ذلك لا ينفي ولا ينقض النظريَّة، نعم أباح الإسلام لوليِّ الأمر التدخُّل في تحديد الملكيَّة الخاصَّة، لكن دائما في إطار نظريَّة الاستخلاف، فمسؤوليَّة وليِّ الأمر عظيمة تجاه أموال الأفراد
__________
(1) أبو زهرة: الملكيَّة ونظريَّة العقد، مرجع سابق، ص66. (1/96)
صفحة 97
وأموال الأمَّة، فلا يتَّخذ مثل ذلك الإجراء إلاَّ في إطار تحقيق المصلحة العامَّة، وفي ظروف وحالات معيَّنة، عندما تفوت الملكيَّة الخاصَّة مصلحة عامَّة، أو تجلب ضررا، فحُرمة الأموال مصونة في الإسلام، فتدخُّل وليِّ الأمر يكون في إطار الشريعة التي تقوم أساسا على حفظ الأموال الذي هو مقصد من مقاصدها العامَّة.
إذن فالتخوُّف من تجاوزات السلطة في التعدِّي على الملكيَّة لا يكفي كذريعة لنقد نظريَّة الاستخلاف، وإنَّما يجب أن توضع القيود التي تحدُّ السلطة من تجاوز صلاحيَّتها التي منحها لها الشارع في رعاية المصلحة العامَّة.
وكخلاصة للردِّ على نقد الدكتور وصفي أُورِد نصًّا للدكتور بسيوني في الموضوع: «إنَّ القول بنفي الاستخلاف للبشر يصطدم مع كثير من الآيات التي جاءت لتقرِّر هذا المعنى، وتلحَّ عليه، وتظهره بصورة لا غموض فيها ولا إبهام، فأيُّ باحث يقف على معنى الخلافة حينما يقرأ قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فيِ الاَرْضِ خَلِيفَةً} (1)، كما أنَّ القول بنفي الخلافة يجافي الطبع والواقع، إذ ما دمنا سلَّمنا أنَّ الله خالق الأشياء وبارئها، فلا بد أن نسلِّم أنَّه تعالى هو الذي يملك رقابها وذواتها، ومن هنا لا يمكن أن يؤدِّي القول بالاستخلاف ـ كما قيل ـ إلى إزعاج الأحكام الشرعيَّة، وإلى فتح باب المغالاة والتسلُّط والمصادرة من الدولة أو غيرها، ما دامت هنالك حدود مرعيَّة، وقيود متَّبعة، وضوابط شرعيَّة» (2).
__________
(1) سورة البقرة آية 30.
(2) بسيوني: الحرِّيَّة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص59. (1/97)
صفحة 98
خلاصة الفصل الأوَّل
بعد عرضنا لمفهوم الاستخلاف وأهدافه ومقتضياته وضوابطه، يمكننا استخلاص النتائج الآتية:
1 - أنَّ نظريَّة الاستخلاف جزء من عقيدة المسلم التي يجب أن تتأصَّل في القلوب، وتترجم إلى سلوك عمليٍّ، فهي صمام أمان لربط السلوك الاقتصاديِّ الفرديِّ والجماعيِّ بتعاليم المستخلِف.
فإذا استقرت هذه العقيدة في القلوب، وتمكَّنت من النفوس، تغيَّرت نظرة الناس إلى المال، تلك النظرة المثقلة بالمادِّيَّة الضيِّقة، إلى رحاب المفهوم الإسلاميِّ الواسع.
2 - أنَّ الاستخلاف والأمانة التي تحمَّلها الإنسان هما وجهان لعملة واحدة، فالإنسان استُخلف على الأرض ليتحمَّل المسؤوليَّة، وليحقِّق الغاية من وجوده، وهي عبادة الله.
3 - من الأصول العامَّة التي ينبني عليها الاقتصاد الإسلاميُّ أنَّ المال مال الله، والبشر مستخلفون فيه.
فلهذا الأصل تأثير إيجابيٌّ هامٌّ على تملُّك المال وإنتاجه وتوزيعه واستهلاكه.
بينما الاقتصاديَّات الوضعيَّة التي أبعدت العقيدة عن الاقتصاد أفرزت وضعا مضطربا قلقا متغيِّرا.
4 - يقتضي الاستخلاف أن يتحمَّل الإنسان نتائج أعماله، فهو يخضع في ذلك لسنن كونيَّة بغير إرادة منه، فينبغي له أن يخضع في سلوكه ـ وبإرادة منه ـ إلى شريعة ربَّانيَّة، وقد زوَّده خالقه بالعقل المميِّز، ليختار منهجه بحرِّيَّة وإرادة، فيحاسب محاسبة شخصيَّة.
5 - حدَّد المستخلِفُ ضوابط واضحة ومعالم بارزة يسير الإنسان على هديها، ويمكن ضبطها على صعيدين: (1/98)
صفحة 99
أ - على الصعيد العامِّ، وهي الضوابط التي يتقيَّد بها الإنسان بصفته خليفة الله في أرضه.
ب- على الصعيد الخاصِّ، بصفته مالكا للمال، وهو مدار بحثنا.
وعلى ضوء هذه الضوابط يمكن تقسيم الاستخلاف إلى استخلاف عامٍّ، واستخلاف خاصٍّ، فالخاصُّ يشمل فيما يشمل الاستخلاف على الأموال.
6 - نظريَّة الاستخلاف نظريَّة أصيلة، يتبلور مفهومها من القرآن الكريم الذي أكَّد عليها، فنفيها يصطدم مع كثير من الآيات التي جاءت لتقرِّرها وتلحَّ عليها وتظهرها بصورة لا غموض فيها ولا إبهام.
CD (1/99)
صفحة 100
[صفحة بيضاء] (1/100)
صفحة 101
(1)
- ... -
الفصل الثاني
المال في الإسلام
- ... -
__________
(1) سورة الأحزاب، آية 73. (1/101)
صفحة 102
تمهيد
إذا كان المال هو عصب الحياة المادِّيَّة، ووسيلة من وسائل الوفاء بحاجات الإنسان التي لا تقوم الحياة بدونها، فلا بدَّ من النظر والبحث في وسائل كسب هذا المال، وربطه بمالكه الحقيقي، وهو الله تبارك وتعالى، الذي له الملك والأمر، {وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ} (آل عمران: 189).
وقد كان من أهمِّ أسباب الصراع بين بني البشر منذ القديم هو الصراع من أجل الملكيَّة، ممَّا أدَّى بالفكر الشيوعي إلى إلغاء الملكيَّة الخاصَّة واحتكار الدولة لكلِّ وسائل الإنتاج، ويهدف من وراء ذلك إلى إزالة أسباب الصراع، غير أنَّ هذا الفكر تناسى أنَّ حبَّ الملكيَّة غريزة فطريَّة ركَّبها الله في الإنسان من أجل عمارة الأرض، فلا يمكن إلغاؤها. ومن جانب آخر فإنَّ الفكر الرأسمالي أرخى العنان للملكيَّة في ظلِّ الحرِّيَّة الاقتصاديَّة، فتسلَّط القويُّ على الضعيف، ونتج عنه استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وسوء التوزيع.
وبين هذا وذاك يقف الفكر الإسلامي شامخا في نظرته إلى الملكيَّة الخاصَّة ويصونها ويحميها، كما يضع حدود ومعالم الملكيَّة العامَّة، ويرسم لها أهدافها حتَّى تؤدِّي دورها في خدمة المصلحة العامَّة، كلُّ ذلك في إطار الملكيَّة الحقيقيَّة والمطلقة التي هي لله، الذي يرث الأرض ومن عليها وإليه تصير الأمور. (1/102)
صفحة 103
المبحث الأوَّل
طبيعة كسب المال في الاقتصاد الإسلامي
تمهيد:
لقد تطوَّر كسب المال بتطوُّر الحياة المعيشيَّة للإنسان، من أبسط حقوقه وهو الانتفاع بالمال، إلى أكثرها تطوُّرا وهو التصرُّف، إذ لم تكن الملكيَّة ـ أي كسب المال ـ في بادئ أمرها حيازة أو تصرُّفا، بل كانت حقًّا مشاعا بين أفراد القبيلة أو المجتمع، أمَّا الأمتعة ذات الاستعمال الخاصِّ، كالملابس والسلاح، فقد كانت تدفن مع صاحبها حين موته، كما أَنَّهُ لم يكن في حاجة إلى الادِّخار، لأنَّ الناتج يكفي لحاجات الناس البسيطة والمهيَّأة من الطبيعة مباشرة.
وبتطوُّر قوى الإنتاج (1) كثر الإنتاج، وتعدَّدت حاجات الإنسان، بدأت ظاهرة التملُّك تبرز وتتجسَّد في صورة ملكيَّة خاصَّة، وهكذا كُلَّمَا اتَّسعت أغراض الحياة وحاجاتها اتَّسع نطاق الملكيَّة وتطوَّرت وتنوَّعت.
إشكاليَّة أصل الخلافة:
انتهينا في الفصل السابق إلى أنَّ الإنسان مستخلف من قبل الله على هذه الأرض، لكن تثار إشكاليَّة أصل الخلافة: فهل هي في الأصل للجماعة؟ فيصبح الفرد مسؤولا أمام الجماعة، وتصير الملكيَّة الخاصَّة وظيفة اجتماعيَّة، وعلى هذا الأساس يستشعر الفرد بالمسؤوليَّة في تصرُّفاته الماليَّة أمام الله؛ لأَنَّهُ هو المالك
__________
(1) قوى الإنتاج: مجموع الوسائل والقوى التي تمكِّن المجتمع من الإنتاج. وهو عبارة عن وسائل العمل وقوَّة العمل، أي الإنسان الذي يستعمل تلك الوسائل. د/ محمَّد بشير عليَّة: القاموس الاقتصادي، المؤسَّسة العربيَّة للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1985، ص333. (1/103)
صفحة 104
الحقيقيُّ لجميع الأموال، كما يحسُّ بالمسؤوليَّة أمام الجماعة؛ لأنَّ الخلافة لها بالأصل، ومن حقِّ الجماعة أن تحجر عليه إذا لم يكن أهلا له للتصرُّف في ماله، وأن تستولي على الملكيَّة الخاصَّة بالتأميم إذا اقتضت المصلحة العامَّة .. أم أنَّ الأصل في الخلافة للفرد، فتنقطع صلة الجماعة، وتزول مسؤوليَّاتها بمجرَّد تملُّك الفرد للمال بوسائله المشروعة؟
في الحقيقة هذا إشكال اختلف فيه الفقهاء اختلافا كبيرا، ويظهر ذلك في نطاق الملكيَّة الخاصَّة وحدودها من جهة، وفي مدى مسؤوليَّة وليِّ الأمر في التدخُّل في الحدِّ من الملكيَّة الخاصَّة.
فسنبحث في هذا الفصل في طبيعة الملكيَّة وفي الملكيَّة الخاصَّة.
أَمَّا مدى مسؤوليَّة وليِّ الأمر في التدخُّل فسنرجئ البحث فيه إلى الفصل الثالث.
المطلب الأوَّل: طبيعة حقِّ الملكيَّة في الفقه الإسلامي:
اختلف الباحثون في طبيعة حقِّ الملكيَّة في الفقه على ثلاثة آراء:
أوَّلاً: الملكيَّة حقٌّ فرديٌّ مطلق:
فالأفراد أحرار في الاستيلاء على ما يشاؤون من ثروات، وهم أحرار في استغلالها والتصرُّف فيها على النحو الذي يرونه صالحا لهم. وهذا الرأي تبنَّاه كثير من فقهاء الزيديَّة والظاهريَّة الذين يرون إطلاق حرِّيَّة التصرُّف في الملك إلى أوسع مدى، جاء في البحر الزخَّار: «ولكلٍّ أن يفعل في ملكه ما شاء وإن ضارَّ الجار إجماعا» (1). أمَّا الظاهريَّة فيبرِّرون عدم الحدِّ من سلطات المالك بأنَّ كلَّ ذي حقٍّ أولى بحقِّه، ولعدم وجود دليل من الكتاب والسنة يقيِّد هذا الحقَّ، جاء في المحلَّى:
__________
(1) المهدي لدين الله: البحر الزخَّار، ص102، نقلا عن الفضل منذر عبد الحسين: الوظيفة الاجتماعيَّة للملكيَّة الخاصَّة، ديوان المطبوعات الجامعيَّة - الجزائر، ص47. (1/104)
صفحة 105
«ولكلٍّ أن يفتح ما شاء في حائطه من كوَّة أو باب أو أن يهدمه إن شاء في دار جاره أو في درب غير نافذ أو نافذ» (1).
وفي هذا النصِّ إطلاق حرِّيَّة تصرُّف المالك وإن ترتَّب على ذلك ضرر يلحق بالجار.
أَمَّا الحديث المرويُّ عن الرسول J : « لا ضرر ولا ضرار» (2) فقال فيه ابن حزم: «وهذا خبر لا يصحُّ، لأَنَّهُ إنَّما جاء مرسلا، أو عن طريق فيها زهير بن ثابت ـ وهو ضعيف ـ إلاَّ أنَّ معناه صحيح»، ويعلِّق على الحديث: «ولا ضرر أعظم من أن يمنع المرء من التصرُّف في مال نفسه مراعاة لنفع غيره، فهذا هو الضرر حقًّا» (3).
وكذا الأحناف، يذهبون في الاتِّجاه نفسه في إطلاق حرِّيَّة الفرد، فلم يعتبر الإمام أبو حنيفة حديث الضرار أصلا من أصول تقييد حقِّ الملكيَّة، فقد سُئل عن فتح الكوة على الجار فأجاب: «إنَّ المالك يتصرَّف في خالص ملكه ما يشاء من التصرُّفات، وإن كان يؤدِّي إلى إلحاق الضرر بغيره» (4). وفي نفس الخطِّ يسير الإمام السرخسيُّ، وهو من فقهاء الحنفيَّة: «إنَّ من يتصرَّف في خالص ملكه لم يمنع منه في الحكم وإن كان يؤدِّي إلى إلحاق الضرر بالغير»، ويضرب لذلك مثلا في حرِّيَّة ممارسة أيِّ نشاط تجاريٍّ: «ألاَ ترى أنَّ من اتَّجر في حانوته نوع تجارة لم يمنع ذلك وان كانت تكسد بسببه تجارة» (5).
__________
(1) ابن حزم، أبو محَمَّد علي بن أحمد بن سعيد: المحلَّى بالآثار. دار الكتب العلميَّة - بيروت، ج7، ص85.
(2) أخرجه ابن ماجه والدارقطنيُّ وغيرهما مسندا.
(3) ابن حزم: المحلَّى، مرجع سابق، الصفحة نفسها والجزء.
(4) الإمام أبو حنيفة: الفتاوى الخيرية، ج2، ص1300. نقلا عن: الفضل منذر بن عبد الحسين: الوظيفة الاجتماعيَّة للملكيَّة الخاصَّة، مرجع سابق، ص47.
(5) السرخسي: المبسوط، ج15، ص22، نقلا عن: الفضل منذر: الوظيفة الاجتماعيَّة للملكيَّة الخاصَّة، مرجع سابق، ص47. (1/105)
صفحة 106
من خلال هذين النصَّين نرى أنَّ الأحناف لم يقيِّدوا حقَّ الملكيَّة، لأَنَّهُم رأوا أنَّ معنى الملك التامِّ في الشريعة هو حقُّ التصرُّف الكامل، ومع ذلك فإنَّ حقَّ الملكيَّة مقيَّد ديانة وليس حكما، إذ كان الوازع الدينيُّ متحكِّما في تصرُّفات الناس في تلك العصور، فلا يجوز أن تُتَّخذ الملكيَّة وسيلة أو ذريعة إلى الإضرار بالآخرين عمدا.
وهناك فريق من رجال القانون المحدثين (1)، من يرى أن حقَّ الملكيَّة في الإسلام حقٌّ مقدَّس، ربَّما يكون قد أستند في رأيه هذا إلى آراء الأحناف والظاهريَّة.
وهذا الاتجاه نجد له نظيرا في القانون الوضعي، فقد اتَّجه فريق من فقهاء الفكر الوضعيِّ إلى أنَّ الملكيَّة الخاصَّة حقٌّ مطلق، والمالك يتمتَّع بجميع السلطات على ما يملك، وإن تعسَّف في استعمال حقِّه، أو أضرَّ بمصالح الآخرين، فقد نادى الفقيه «لوران» بأن مالك الأرض هو السيِّد المطلق الذي لا رادع لإرادته، فله أن يترك زراعتها أو يضاعف من إنتاجها (2). كما اعتقد البعض منهم أنَّ الملكيَّة واقعة تاريخيَّة ينبغي المحافظة عليها، وهي أسبق من القوانين التي تنظِّمها، وَأَنَّهَا أساس اكتمال شخصيَّة الفرد، وبدونها ينهار وجود الإنسان (3).
وبقيام الثورة الفرنسيَّة التي أتت برياح التغيير على المستوى السياسيِّ والاقتصاديِّ والاجتماعي، تبنَّت النزعة الفرديَّة التي بدأت تنمو في أوروبا حينئذ، فأصبحت الملكيَّة بمقتضى المادَّة "17" من إعلان حقوق الإنسان والمواطن لسنة 1789 حقًّا مقدَّسا لا يجوز انتهاك حرمته، ولا يجوز حرمان صاحبه منه (4).
__________
(1) موران: دراسات في الفقه الإسلامي، الجزائر 1931، ص212. نقلا عن: محَمَّد وحيد الدين سوار: النزعة الجماعيَّة في الفقه الإسلامي. المؤسَّسة الوطنيَّة للكتاب، الجزائر، 1986، ص20.
(2) ثروت أنيس الأسيوطي: مبادئ القانون، ج2.
(3) الفضل منذر: الوظيفة الاجتماعيَّة للملكيَّة الخاصَّة، مرجع سابق، ص80.
(4) المرجع نفسه، ص34. (1/106)
صفحة 107
ثانيا: الملكيَّة وظيفة اجتماعيَّة:
يرى بعض الباحثين (1) أنَّ الملكيَّة في الفقه الإسلامي تعدُّ وظيفة اجتماعيَّة، فالفرد وكيل عن الأمَّة فيما يملك، فهو يستثمر مال الجماعة، وينفق منه على مصالحها، فكلُّ ما فضل عن حاجاته الضروريَّة هو للأمَّة، وقد استدلَّ هؤلاء بعدد من الأَدِلَّة (2):
أ) المال مال الله، والناس جميعا عباد الله، منحهم هذا المال ليكون لهم جميعا، وإن اختصَّ الفرد بشيء منه، فإنَّ اختصاصه ليس إلاَّ ضربا من النيابة أو الولاية عن المجتمع.
ب) آية النساء (3) التي نسبت الأموال إلى الأمَّة رغم أَنَّهَا في الحقيقة هي أموال السفهاء. مِمَّا يَدُلُّ على أنَّ المال أصله للمجتمع، والفرد موظَّف فيه لصالح الجماعة.
ج) التكاليف الماليَّة المتعدِّدة التي فرضت على المالك في الشريعة لمصلحة المجتمع، منها: الزكاة، زكاة الفطر، حقُّ الفقراء في الكفاية من أموال الأغنياء، كلُّها يجعل من الملكيَّة وظيفة اجتماعيَّة.
د) رجوع مال من يتوفَّى من غير وارث إلى بيت مال المسلمين باعتباره خزانة لأموال المجتمع، فإليه يعود كلُّ مال لا يظهر له مالك.
بهذه الأَدلَّة يقرِّر هذا الفريق من الفقهاء أنَّ الفرد أشبه بالوكيل في هذا المال عن الجماعة، وأنَّ حيازته له إِنَّمَا هو وظيفة أكثر منه امتلاكا، ويسوقون أَدِلَّة أخرى من
__________
(1) انظر: سيِّد قطب: العدالة الاجتماعيَّة في الإسلام، مرجع سابق، ص106 - 107، 111. البهي الخولي: الثروة في ظلِّ الإسلام، ط4، دار القلم - الكويت، 1401هـ/1981م، ص140.
(2) العبادي: الملكيَّة في الشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص427. وحيد الدين سوار: النزعة الجماعيَّة في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص21.
(3) {وَلاَ تُوتُوا السُّفَهَآءَ اَمْوَالَكُمُ التِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَمًا} (النساء، آية 5). (1/107)
صفحة 108
أقوال المفسِّرين لمعنى الآية السابعة من سورة الحديد (1)، فالإمام الزمخشريُّ يرى أنَّ الأموال هي لله بخلقه وإنشائه، والبشر هم عليها بمنزله الوكلاء والنواب (2).
ويعقِّب الأستاذ الخولي بقوله: «وبما أنَّ الله جعل المال للجماعة وجعل الأفراد مستخلفين فيه، فكلٌّ منهم وكيل الجماعة أو نائب فيما معه ... تؤول الملكيَّة إلى وظيفة اجتماعيَّة ... ولنا القول: إنَّ الملكيَّة الخاصَّة وكالة عن الأمَّة» (3).
الوظيفة الاجتماعيَّة للملكيَّة في القانون الوضعي:
بعد سيادة النزعة الفرديَّة في الفكر الغربي التي تعزَّزت بفضل الثورة الفرنسيَّة، ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر آراء تنادي بالوظيفة الاجتماعيَّة للملكيَّة، فنفذت إلى صميم النظم الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة إبَّان القرن العشرين، ويعتبر العميد «ديجي DUGUIT» صاحب هذه الفكرة، فقد أنكر الحقوق الشخصيَّة، وأحلَّ محلَّها فكرة الوظيفة الاجتماعيَّة، واعتبر الملكيَّة وظيفة اجتماعيَّة، تقتضي تخصيص الثروة لتحقيق غاية اجتماعيَّة.
وما لبثت أن برزت الوظيفة الاجتماعيَّة لحقِّ الملكيَّة وذلك على حساب النظرة الذاتيَّة الفرديَّة (4).
وهناك من نادى بإزالة الملكيَّة الخاصَّة، لأَنَّهَا سبب الصراع والتفاوت بين الطبقات في المجتمع، بل رآها سرقة فهاجمها، ثُمَّ تراجع عن رأيه واعترف بوظيفتها الاجتماعيَّة في نطاق جهود الإنسان لإشباع حاجاته اللازمة (5).
__________
(1) {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} (سورة الحديد، آية 7).
(2) انظر الفصل الأوَّل من الرسالة، ص51.
(3) البهي الخولي: الثروة في ظلِّ الإسلام، مرجع سابق، ص140.
(4) السنهوري: عبد الرزاق أحمد: الوسيط في شرح القانون المدني، مرجع سابق، مج8، ص553.
(5) رأي برودون في الملكيَّة الخاصَّة، وهو من رواد الفكر الاشتراكي. انظر: الفضل منذر: الوظيفة الاجتماعيَّة للملكيَّة الخاصَّة، مرجع سابق، ص37. (1/108)
صفحة 109
إلاَّ أنَّ هناك من يفرِّق بين مجالات الملكيَّة التي تظهر فيها الوظيفة الاجتماعيَّة على مستويات مختلفة، وهذه المجالات هي:
أ) مجال الاستهلاك.
ب) مجال الخدمات.
ج) مجال الإنتاج.
د) مجال حقوق المؤلِّف الأدبيَّة.
وبما أنَّنا بصدد البحث عن الأموال التي هي شيء مادِّيٌّ فإنَّنا نعلِّق المجال الرابع المُتَعَلِّق بالحقوق المعنويَّة.
ففي المجال الأَوَّل تكاد تختفي الوظيفة الاجتماعيَّة، وتبدو فيه الوظيفة الفرديَّة، لأنَّ ملكيَّة الاستهلاك تعني تملُّك الأموال التي تفي بحاجات الإنسان المعيشية من مأكل ومشرب وملبس ومأوى.
أَمَّا المجال الثاني فيَتَعَلَّق بالخدمات الاجتماعيَّة المتمثلة في التعليم والصحَّة والمرافق العامَّة، كالماء والطاقة والمواصلات، فإنَّ الوظيفة الاجتماعيَّة تظهر في أوضح صورها، ويكون للدولة فيه شأن كبير، ضمانا لتوفيرها للجميع، مع رعاية العدالة في توزيعها.
أمَّا المجال الثالث الذي يختصُّ بالإنتاج فيشمل الإنتاج الصناعيَّ والزراعيَّ والتجاريَّ، فالفكر الاشتراكيُّ يرى أنَّ تملُّك وسائل الإنتاج ينبغي أن يكون للدولة، ضمانا للوظيفة الاجتماعيَّة لهذه الأموال (1).
هكذا يميِّز هذا الرأي مجال الوظيفة الاجتماعية بين مستويات مختلفة، فيبعده عن المستوى الاستهلاكي، ويقرُّه على المستويين: الإنتاج والخدمات.
__________
(1) الفضل منذر: الوظيفة الاجتماعيَّة، مرجع سابق، ص121. (1/109)
صفحة 110
ثالثا: الملكيَّة حقٌّ فرديٌّ ذو وظيفة اجتماعيَّة:
ويرى فريق من الباحثين (1) أنَّ الملكيَّة حقٌّ ذاتيٌّ وفرديٌّ، لها وظيفة اجتماعيَّة، فهم يميِّزون بين الملكيَّة كوظيفة اجتماعيَّة، والوظيفة الاجتماعيَّة للملكيَّة، وهناك فرق بين الوصفين، فالأوَّل ينكر الحقَّ الفرديَّ فيها، ويغلِّب العنصر الاجتماعيَّ لها، بينما الثاني يعطي الدور الاجتماعيَّ للملكيَّة دون أن يسلب الصفة الفرديَّة منها.
فالملكيَّة حقٌّ ذاتيٌّ في عناصره، فللمالك سلطة ذاتيَّة فيما يملك، له أن يستعمل الشَّيْء في شؤونه الخاصَّة، وله أن يستغلَّه ويتصرَّف فيه كامل التصرُّف، إرضاء لمصالحه الشخصيَّة، ووفاء لحاجاته الذاتيَّة، لكن يترتَّب عليها حقٌّ اجتماعيٌّ، فالإنسان كائن اجتماعيٌّ، ولا يمكن له أن يعيش إلاَّ في إطار مجتمع، ولكي يحيى حياة اجتماعيَّة لا بدَّ له أن يلتزم ببعض الواجبات تجاه مجتمعه.
إنَّ جوهر الخلاف بين هذه الآراء التي استعرضناها يتمثَّل في فهم أساس استخلاف البشر في الأرض، كما وضعنا الإشكالية في أوَّل الأمر، هل استخلاف الأفراد هو استخلاف عن الله؟ أم استخلاف عن الجماعة؟ فمن رأى الاستخلاف عن الله فهو يقرُّ بحقِّ الفرد في الملكيَّة الخاصَّة، غير أنَّ هذا الحقَّ له وظيفة اجتماعيَّة. أَمَّا من رأى أنَّ الاستخلاف عن الجماعة، فهو يؤمن بأنَّ الملكيَّة ما هي إلاَّ وظيفة اجتماعيَّة.
فالفرد في ملكيَّته وكيل عن الجماعة، والجماعة هي المستخلفة فعلا في مال الله، ولذلك إن لم يحسن التصرُّف بالمال كان للوليِّ أو الجماعة استرداد حقِّ التصرُّف بالحجج التي ذكرناها سابقا.
__________
(1) انظر: العبادي، محَمَّد داود: الملكيَّة في الشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص422. السنهوري: الوسيط في شرح القانون المدني، مرجع سابق، مج8، ص550. النبهان، محَمَّد فاروق: أبحاث في الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص46. (1/110)
صفحة 111
مناقشة هذه الآراء:
أَمَّا القول بأنَّ للفرد حرِّيَّة مطلقة في ملكيَّته دون حدود، فهو رأي يتنافى مع روح الشريعة الإسلاميَّة ومبادئها، إذ لا مجال في الإسلام لتصوُّر الحقوق المطلقة، لأنَّ أساسه هو التكليف، ومنع كلِّ ما يضرُّ الفرد والمجتمع، والتوفيق بين المصلحتين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة.
يقول الأستاذ العبادي: «إنَّ القول بأنَّ الملكيَّة في الشريعة الإسلاميَّة حقٌّ مطلق ارتجال لا يصدر عن شخص له إلمامة بسيطة بقواعد هذه الشريعة وأصولها وأحكامها» (1).
أمَّا ما نسب إلى الأحناف والظاهريَّة من إطلاقهم لحرِّيَّة التصرُّف، فقد ذكروا ذلك في باب الارتفاق (2) فقط، وليس ذلك هو مفهومهم لحقِّ الملكيَّة بصفة عامَّة. كما أَنَّهُم وإن أجازوا ذلك حكما حفاظا على الملك التامِّ، إلاَّ أنَّهم منعوا الضرر ديانة، حيث كان الوازع الدينيُّ قويًّا ورادعا على إحداث أيِّ ضرر للغير.
أَمَّا الرأي القائل بأنَّ الملكيَّة وظيفة اجتماعيَّة فالفرد ـ في ظلِّها ـ يذوب في المجتمع ويفقد شخصيَّته ويصبح آلة تقوم بدور معيَّن للمجتمع، فلو سلَّمنا بهذا الرأي فإنَّنا نقع في محذورين اثنين (3):
أ) إنكار فكرة الحقِّ من أساسها، فمركز المالك يختلف اختلافا جوهريًّا عن مركز الوكيل أو الموظَّف، فالمالك يستعمل سلطانه على ملكيَّته لحسابه، أمَّا الموظَّف فيباشر سلطانه لحساب الجماعة تحقيقا لمصالحها.
__________
(1) العبادي: الملكيَّة في الشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص427.
(2) الارتفاق: حقٌّ مقرَّر على عقار لمنفعة عقار آخر. انظر: نزيه حماد: معجم المصطلحات الاقتصاديَّة في لغة الفقهاء. المعهد العالمي للفكر الإسلامي، واشنطن، ط1، 1414هـ/1993م، ص43.
(3) وحيد الدين سوار: النزعة الجماعيَّة في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص23. (1/111)
صفحة 112
ب) أمَّا المحذور الثاني فهو الأهم، إذ تعطي هذه النظريَّة للدولة سلطات مطلقة على حقوق الأفراد، باعتبار أنَّ الاستخلاف هو أصلا للجماعة الممثَّلة في وليِّ الأمر، فهذا لا يَتَّفِقُ مع أحكام الشريعة التي تعترف بالملكيَّة الفرديَّة، وتعطي لها سلطة واسعة في مختلف أوجه استعمالها.
إنَّنا باستعراضنا للأَدِلَّة التي استند إليها أصحاب هذا الاتِّجاه نلاحظ ما يأتي:
أ) أنَّ آية "29" من سورة البقرة (1)، جاءت في سياق إظهار نعمة الله على خلقه، وَأَنَّهُ خلق لهم ما في الأرض لينتفعوا به، وإنَّ تحميلها معنى الملكيَّة الجماعيَّة لم يرد به منطوق ولا مفهوم الآية.
ب) أَمَّا الآية الخامسة من سورة النساء (2)، فالمفسِّرون لم يشيروا إلى المفهوم الذي فهمه القائلون بالنظريَّة الاجتماعيَّة للأموال، وكلُّ ما تعرض له المفسِّرون هو وجه نسبة أموال السفهاء إلى الأولياء، وإضافتها إليهم ويشيرون إلى حرص الآية على حماية هذه الأموال، والدعوة إلى تنميتها والمحافظة عليها حَتَّى تدفع إليهم عند تمام الرشد (3). فأموال السفهاء هي جزء من ثروة الأمَّة، فإن تركناها بين أيديهم بذَّروها واستهلكوها في مواطن الإسراف والفساد، لذلك حمَّلت الآية المسؤوليَّة لأولياء الأمر للمحافظة على أموال الأمَّة جمعاء.
ج) أمَّا القول بأنَّ التكاليف التي فُرضت على المالك لمصلحة المجتمع تجعل الملكيَّة وظيفة اجتماعيَّة، فَإِنَّهُ لا يصحُّ دليلا لهذه الدعوة، ذلك أنَّ هذه التكاليف تَدُلُّ على أنَّ للملكيَّة وظيفة اجتماعيَّة وليست الملكيَّة نفسها وظيفة اجتماعيَّة (4).
__________
(1) وهي قوله تعالى: {هُوَ الذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فيِ الاَرْضِ جَمِيعًا} (البقرة: 29).
(2) وهي قوله تعالى: {وَلاَ تُوتُوا السُّفَهَآءَ اَمْوَالَكُمُ التِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَمًا} (النساء: 5).
(3) انظر: الفخر الرازي: التفسير الكبير، مرجع سابق، ج2، ص153. الزمخشريُّ: الكشَّاف، مرجع سابق، ج1، ص122. ابن كثير: تفسير ابن كثير، مرجع سابق، مج1، ص117.
(4) العبادي: الملكيَّة في الشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص435. (1/112)
صفحة 113
فأصحاب هذا الاتِّجاه تأثَّروا بالنظريَّة الاجتماعيَّة التي ظهرت في الفكر الغربيِّ كردِّ فعل على النزعة الفرديَّة التي سادت في أوروبا.
أَمَّا الاتِّجاه الثالث الذي يرى أنَّ الملكيَّة حقٌّ فرديٌّ له وظيفة اجتماعيَّة، فهو ما ينسجم مع روح الشريعة الإسلاميَّة التي لا تنكر الحقَّ الفرديَّ للملكيَّة، مع سنِّها لوظائف عائليَّة واجتماعيَّة لها، فلا يجوز التعرُّض لها ما دام المالك ملتزما باستعمالها وفق إرادة الشارع، فهي ليست بوظيفة اجتماعيَّة، لأنَّ المال الذي يملكه الفرد لم يكن بتوظيف من المجتمع، بل هو منحة ربَّانيَّة، اكتسبه بالأسباب المشروعة.
وإذا كانت النظريَّات الحديثة قد استعملت تعبير «الوظيفة الاجتماعيَّة» من أجل تفسير القيود التي أدخلتها على الملكيَّة بعد أن استمرَّت لفترة طويلة مطلقه من كلِّ قيد، فالشريعة الإسلاميَّة ليست بحاجة إلى هذا التفسير ما دامت الملكيَّة فيها استخلافا ومنحة ربَّانيَّة للفرد، فهو يلتزم في استعماله لماله بما وضع الله من قواعد تنظِّم هذا الاستخلاف.
من خلال هذا العرض لطبيعة الملكيَّة في الشريعة الإسلاميَّة، نرى أَنَّهُ يجب أن تستمدَّ طبيعتها من روح النصوص الشرعيَّة، بعيدا عن تأثير الأفكار الوضعيَّة التي هي نتاج الفكر البشريِّ، فما أحرى بالمسلمين أن يستمدُّوا أفكارهم ونظريَّاتهم في شتَّى المجالات من روح النصوص الشرعيَّة، فنحن غير ملزمين بالتقيُّد بالفكر الوضعيِّ الذي يصنِّف الملكيَّة إلى نزعه فرديَّة ونزعة اجتماعيَّة، لأنَّ مفهوم الملكيَّة في الإسلام يختلف اختلافا جوهريًّا عَمَّا هو متعارف عليه في النظم الاقتصاديَّة (1)، فإنَّ شكل الملكيَّة فيها يتحدَّد ضمن العلاقة بين البشر أنفسهم التي مرَّت بأطوار معيَّنة من النظام العبوديِّ إلى الإقطاعيِّ إلى الرأسماليِّ إلى الاشتراكيِّ، بينما مفهوم الملكيَّة في الإسلام يتحدَّد في العلاقة بين البشر وخالقهم، فالله هو المالك والمقدِّر والباسط
__________
(1) الحسب: في الفكر الاقتصادي الإسلامي، مرجع سابق، ص49 - 50. (1/113)
صفحة 114
للرزق، وإنَّ البشر فردا كانوا أم جماعة مستخلفون في الانتفاع بما في الأرض من خيرات، وحيازتها ضمن ضوابط.
لنا أن نقول: إنَّ طبيعة الملكيَّة في الإسلام طبيعة استخلافيَّة، وحقٌّ منحه الله للفرد وبتوظيف منه، ليقوم بأداء وظائف شخصيَّة وأسريَّة واجتماعيَّة (1).
وتنطلق طبيعة الملكيَّة من التوجيهات القرآنيَّة التي حدَّدت مكانة الفرد في الوجود، ونظرته إلى المال، ونظرة الإسلام إلى المال، ودور المال في المجتمع، لذلك جاءت الآيات القرآنية مقرِّرة فكرة الاستخلاف الإنسانيِّ على الأرض، بصفة عامَّة ومؤكِّدة على الاستخلاف على المال، للإيحاء بأنَّ الإنسان مستخلف على ما في يده من أموال (2).
PPP
__________
(1) العبادي: الملكيَّة في الشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص438.
(2) النبهان: أبحاث في الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص51. (1/114)
صفحة 115
المبحث الثاني
أقسام المال في الاقتصاد الإسلامي
لو وضعنا مخطَّطا إجماليًّا لتقسيم المال في الاقتصاد الإسلاميِّ إلى جانب مخطَّط لأقسام المال في الاقتصاد الوضعيِّ، لوجدنا الفرق كبيرا بين التقسيمين، نظرا إلى أنَّ التقسيم الوضعيَّ ينبني على معايير مادِّيَّة بحتة، بينما يقوم التقسيم الإسلاميُّ على أسس دينيَّة وأخلاقيَّة، وله إيحاءات يترتَّب عليها مجتمع نظيف.
أ) التقسيم الإسلامي للمال (1):
طيِّبات
مشتركة أموال
أعيان منافع متقوَّم غير متقوَّم قيمي مثلي
عقار ... منقول ... عروض ... أثمان
قنية ... تجارة
لا تبقى عينها ... تبقى عينها ... تبقى عينها بالاستعمال ... لا تبقى عينها
__________
(1) يوسف كمال: فقه الاقتصاد الإسلامي «النشاط الخاص». دار القلم - الكويت، ط1، 1408هـ/1988م، ص121. (1/115)
صفحة 116
ب) التقسيم الوضعي:
سلع
حرَّة ... اقتصاديَّة
سلع ... خدمات
استهلاكية استثمارية رأس المال ثابت
رأس مال متداول
معمرة غير معمرة ذات استعمال واحد ذات استعمال متعدِّد
فالإسلام يعرِّف المال بِأَنَّهُ: كلُّ ما له قيمة وجاز الانتفاع به شرعا على السعة والاختيار (1)، ليربط ملكيَّة المال بإجازة صاحب المال الحقيقيِّ، كما يسمِّي الأموال بالطيِّبات أو الخير أو الرزق (2)، وهي ألفاظ توحي بمعاني سامية، وتضفي لها مدلولا روحيًّا إلى جانب مادِّيَّتها.
ولا نجد ذلك في التقسيم الوضعيِّ المادِّيِّ والجافِّ.
وسنتدرج مع كلا التقسيمين، واقفين عند أهمِّ الاختلافات:
أوَّلاً: الأموال المشتركة:
الأموال المشتركة تقابلها السلع الحرَّة في الوضعيِّ، والتعريف الإسلاميُّ بتقسيمه هذا يحمي حقَّ الجميع في الانتفاع بالخيرات التي لم يبذل فيها جهد في إنتاجها ووفَّرها
__________
(1) يوسف كمال: فقه الاقتصاد، مرجع سابق، الصفحة نفسها. انظر تعريف المال، تمهيد، ص27 من الرسالة.
(2) انظر التمهيد، ص31 إلى 32 من الرسالة. (1/116)
صفحة 117
الله للجميع كالماء، فلا يجوز بيع ماء النهر، ما لم يبذل فيه جهد، وهو ما يشير إليه الحديث: «الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار» (1). وهذه الموادُّ هي على سبيل المثال لا الحصر، والعلَّة الأصليَّة فيها هي كونها من الموادِّ الطبيعيَّة المبذولة للجميع، دون جهد يبذل فيها، ومقصود الحديث ألاَّ يحتكر إنسان هذه الموادَّ فيبيعها، ولا أن تؤمِّمها الدولة، وإنَّما تتركها ملكا مشاعا للجميع (2)، وتنظِّم حقَّ الانتفاع بها.
والدليل على ذلك حديث رجوع النبيِّ J عن الاستقطاع في قصَّة ملح مأرب لأحد الصحابة، فَلَمَّا تبيَّن أنَّه كالماء العد الذي لا ينقطع، ويحصل عليه بغير جهد أو استثمار فاسترجعه، يقول أبو عبيد: «عن أبيض بن حمال المازني: أنَّه استقطع رسول الله الملح الذي بمأرب فقطعه له، قال: فَلَمَّا ولَّى، قيل: يا رسول الله أتدري ما قطعت له؟ إنَّما أقطعته الماء العد، قال: فرجعه منه» (3)، أي أرجعه إلى المال المشترك بين المسلمين.
إلاَّ أن هناك من يرى (4) أنَّه يجب على وليِّ الأمر أن يضع يده على هذه الأموال المشتركة، وأن يقضي على الاحتكار والمحتكرين ـ أفرادا أو شركات ـ من محاولة استغلالها، وأن يعمل على توزيعها على أفراد الأمَّة بعدالة.
وسنعود إلى هذه القضيَّة للفصل فيها، عند بحث أشكال الملكيَّة في الإسلام في المبحث الثالث من هذا الفصل.
أَمَّا التقسيم الوضعيُّ، فلا يعطي أيَّة قيمه للسلع الحرَّة، لأَنَّهَا مبذولة من الطبيعة مجَّانا، فلا سبيل لتقييمها، وإنَّما يعطي القيمة للسلع التي تتَّصف بالندرة النسبيَّة (5).
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، مج5، ص364، وابن ماجه في سننه، كتاب الرهون، الباب 16، ص826، مرجع سابق.
(2) يوسف كمال: الإسلام والمذاهب الاقتصادية، مرجع سابق، ص162.
(3) أبو عبيد القاسم بن سلاَّم: الأموال. مؤسَّسة ناصر الثقافية - بيروت، ط1، ص118.
(4) محَمَّد الغزالي: الإسلام والأوضاع الاقتصاديَّة، مكتبه رحَّاب - الجزائر، 1985، ص147.
(5) انظر: معنى المال والثروة في الاقتصاد الوضعي، التمهيد، ص28 من هذه الرسالة. (1/117)
صفحة 118
ثانيا: المال المتقوَّم وغير المتقوَّم:
يتميَّز الفقه الإسلاميُّ ـ وخاصَّة لدى الأحناف ـ بتقسيم المال إلى متقوَّم وغير متقوم.
فالمتقوَّم هو ما حِيز بالفعل، وأباح الشارع الانتفاع به في حالة السعة والاختيار (1). وغير المتقوَّم: هو ما لم يحز بالفعل، أو حيز ولكن حرَّم الشارع الانتفاع به في حال السعة والاختيار، فأساس هذه الفكرة عنصران:
أ) الحيازة. ب) إباحة الشرع الانتفاع به.
فالتقوُّم هو أساس احترام الملكيَّة الخاصَّة، وصيانتها والمحافظة عليها كما أَنَّهُ أساس إجازة التصرُّف الشرعيِّ بالمال.
فإذا كان متقوَّما صحَّ التصرُّف فيه بالبيع وفي كلِّ أحوال التصرُّف، أمَّا غير المتقوَّم فلا يصحُّ التصرُّف فيه.
وهذا التقسيم سلب صفة المال عن المال غير المتقوَّم، فلم يبح الشارع كسبه ولا الانتفاع به كالخمر والخنزير، فلا تصان ملكيَّته ولا يعوَّض متلفه، كما لا تضفي الشرعيَّة على التصرُّفات الواردة عليه.
ويشمل المال غير المتقوَّم ما لم يحز ويملكه أحد، كالسمك في الماء، والطير في الهواء، أي ما فقد عنصر الحيازة، فلا يصحُّ بيعه وشراؤه. ومن أهمِّ نتائج هذا التقسيم أنَّ التشريع الإسلاميَّ يشترط لانعقاد العقود التي ترد على الأموال أن تكون متقوَّمة، وإلاَّ كان العقد باطلا. ويختلف التقسيم الفقهيُّ عن الوضعيِّ الذي يعتبر كلَّ مَا له قيمة مادِّيَّة فهو متقوَّم، ما لم يمنع القانون اقتناءه (2)، أَمَّا التقسيم الاقتصاديُّ فلم يعر اهتماما لهذا التقسيم، ما دامت السلعة تشبع حاجة من حاجات الإنسان.
__________
(1) العبادي: الملكيَّة في الشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص189.
(2) النبهان: أبحاث في الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص35. (1/118)
صفحة 119
نلاحظ كيف أنَّ التشريع الإسلاميَّ ميَّز بين المال المتقوَّم وغير المتقوَّم، واشترط توفير عنصرين أساسيَّين، حَتَّى يصبح المال جائز التملُّك وهما:
الحيازة وإباحة الشرع للانتفاع به، فالملكيَّة في الإسلام محدَّدة بضوابط، ومقيَّدة بالأحكام العامَّة للشريعة.
ثالثا: العروض والأثمان:
يقسِّم الفقهاء المال إلى عروض وأثمان، والعروض جمع عرض: وهو ما عدا النقود والحيوانات والمكيلات والموزونات، كالمتاع والقماش (1)، إلاَّ أن ابن قدامة يوسِّع من مفهومه ويدخل فيه كلَّ الأموال ماعدا النقود: «العروض جمع عرض وهو غير الأثمان من المال على اختلاف أنواعه من النبات والحيوان والعقار وسائر الأموال» (2). ويستفاد مِمَّا سبق أنَّ الأثمان مقصود بها النقود السلعيَّة، وهي النقدان: الذهب والفضَّة وما يجري مجراهما، أما العروض فيعنى بها الأصول الثابتة والمتداولة (3).
والعروض تنقسم بدورها إلى عروض قينة وعروض تجارة، وهو ما يسمَّى في الاقتصاد الوضعي بالأصول الثابتة والأصول المتداولة وهي تنقسم بدورها إلى ما تبقى عينه وما لا تبقى عينه:
- ما تبقى عينه: وهي السلع والخدمات والأعيان التي تستهلك منفعتها مع بقاء أصلها، كالمعدَّات والأشجار المعمَّرة وخدمة الطبيب.
- ما لا تبقى عينه: كالخامات والوقود، وهي لا تبقى عينها إذا استعملت وإنَّما تستهلك تماما.
__________
(1) نزيه حماد: معجم المصطلحات الاقتصادية، مرجع سابق، ص197.
(2) ابن قدامة: أبو عبد الله محَمَّد، المغني، دار الكتاب العربي - بيروت، 1983، ج2، ص622.
(3) د/ أبو بكر متولِّي، د/ شوقي إسماعيل شحاته: اقتصاديات النقود، مكتبة وهبة - القاهرة، ط1، 1403هـ/1983م ص15. (1/119)
صفحة 120
وتظهر ثمرة كلِّ هذا التقسيم والتفصيل فيما يلي:
1) أَنَّهُ تجوز إجارة ما تبقى عينه ولا يجوز ذلك فيما لا تبقى عينه، يقول ابن حزم: «الإجارة جائزة في كلِّ شيء له منفعة، فيُؤجَّر ليُنتفع به ولا يستهلك عينه» (1).
2) تحريم البيع والشراء في النقود، أي الأثمان وإباحتها في العروض: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (2)، فالربا هو مبادلة نقد بنقد مع الزيادة والأجل، ويلحق به المبادلة في السلع ذات العلَّة الربويَّة، وهو ما يسمَّى بربا البيوع، إلاَّ إذا كانت يدا بيد كما نصَّ على ذلك حديث الرسول J : « الذهب بالذهب والفضَّة بالفضَّة» (3).
3) إعفاء عروض القينة أي الرأسمال الثابت من الزكاة، لأَنَّهُ مال الضمار، ويستهلك بالتدريج من الناتج الذي يؤخذ عليه الزكاة (4).
إلاَّ أنَّ تعليل إعفاء عروض القينة بِأَنَّهَا مال الضمار تعليل غير صحيح؛ لأنَّ مال الضمار في اصطلاح الفقهاء هو: المال الذي لا يتمكن صاحبه من استنمائه، لزوال يده عنه، وانقطاع أمله في عودته إليه، وأصله من الإضمار، وهو في اللغة: التغيُّب والاختفاء، وعلى ذلك عرَّفه الفقهاء بِأَنَّهُ «كلُّ مال غير مقدور الانتفاع به مع قيام أصل الملك» (5). والأصل في إعفاء عروض القينة من الزكاة هو قياسها بالثمار التي تجب فيها الزكاة، حيث يعفى أصلها، وهي الأشجار المعمَّرة، ويأخذ الزكاة من ثمرتها (6).
ولا نجد نظير هذا التقسيم والتفصيل في إظهار حقوق العباد وحقوق الله في التقسيم الوضعي.
__________
(1) ابن حزم: المحلَّى، مرجع سابق، مج7، ص3.
(2) سورة البقرة، آية 275.
(3) أخرجه مسلم، كتاب البيوع، باب الصرف، ج5، ص44، مرجع سابق.
(4) يوسف كمال: فقه الاقتصاد، مرجع سابق، ص123.
(5) نزيه حماد: معجم المصطلحات الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص181.
(6) انظر: يوسف القرضاوي: فقه الزكاة. مؤسَّسة الرسالة - بيروت، ط6، 1401هـ/1981م، ج1، ص476 وما بعدها. (1/120)
صفحة 121
رابعا: العقار والمنقول:
العقار: هو الثابت الذي لا يمكن نقله، مثل الأراضي، والمنقول عكس العقار ما أمكن تحويله ونقله من مكان لآخر، مثل ما كان على الأرض من زرع وأشجار وحيوان، مع خلاف بين الفقهاء في المعيار المميِّز بين العقار والمنقول. على أنَّ الإمام مالكًا يجعل البناء والشجر من العقار، وأنَّ المنقول في رأيه هو ما أمكن نقله مع الاحتفاظ بصورته التي كان عليها، وغير ذلك هو العقار، فالبناء بعد هدمه يصير أنقاضا والشجر أخشابا (1).
ولهذا التقسيم آثار إيجابيَّة من الناحية الدينيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، ويمكن تلخيصها كالآتي (2):
أ) العقار: محلُّ الشفعة، والمنقول ليس محلاًّ لها.
ب) ليس للوصيِّ بيع العقار إلاَّ بمسوِّغ شرعيٍّ، كإيفاء دَين أو لمصلحة راجحة، أَمَّا المنقول فليس عليه ذلك القيد.
ج) العقار يصحُّ وقفه بالإجماع، أَمَّا المنقول ففيه خلاف بين الفقهاء.
د) يُقدَّم في إيفاء ديون المدين المعسر بيع المنقول على العقار.
هـ) يجوز بيع العقار قبل قبضه بخلاف المنقول.
نلاحظ من خلال تقسيم الأموال إلى عقار ومنقول مدى الأهمِّيَّة التي يوليها الفقهاء للعقارات ـ وهو ما يسمَّى بالأصول الثابتة في الاقتصاد الوضعي ـ نظرا لمكانتها الاقتصاديَّة، ولِمَا يتطلَّب إنشاؤها كثيرا من الجهود والنفقات، ولا يظهر ثمرتها إلاَّ بعد أمد طويل، ولصعوبة إيجاد بدائل لها في حالة التنازل عنها بالبيع، بينما
__________
(1) عيسى عبده: الملكيَّة، مرجع سابق، ص125.
(2) يوسف كمال: فقه الاقتصاد، مرجع سابق، ص122. (1/121)
صفحة 122
المنقول غالبا ما يوجد له بدائل في السوق، لذلك وضع الفقهاء جملة من القيود عند اقتضاء بيعها، وحدَّدوا تصرُّفات الوصيِّ على أموال وصيِّه في العقارات.
ويقابل هذا التقسيم في الاقتصاد الوضعيِّ: الأصولُ الثابتة، والأصول المتداولة، الذي يبيِّن بدوره أهمِّيَّة الأصول الثابتة، لكن ينظر إليها من الناحية المادِّيَّة فقط، فهي أهمُّ وأنفع من الأموال المتداولة، وذلك لأنَّ طول بقائها واطِّراد إنتاجها يكفلان تغطية ما أنفق عليها بمرور الزمن، لذلك تعمل الأمم المتمدِّنة في العصر الحاضر على الإكثار من رؤوس الأموال الثابتة الطويلة الأمد (1).
خامسا: المال المثلي والقيمي:
- المثلي: هو ما له نظير في السوق بلا تفاوت، أو بتفاوت يسير يتساهل فيه التجَّار، مثل المكيلات والموزونات.
- القيمي: هو ما لا يوجد له مثيل في الأسواق، أو يوجد لكن بتفاوت كبير، مثل الحيوانات من إبل وبقر وغنم ونحوها. فما أثر هذا التقسيم على المعاملات الماليَّة؟
إنَّ فائدة هذا التقسيم تظهر فيما يأتي (2):
أ) إذا تعدَّى إنسان على مال مثليٍّ، يكون عليه مثل ما أتلف حَتَّى يكون التعويض على أكمل وجه، أَمَّا القيميُّ فيضمن قيمته ما دام لا مثيل له.
ب) تدخل القسمة جبرا في المال المثليِّ المشترك، وليس كذلك في المال القيميِّ.
ج) يصحُّ في البيع أن يكون المثليُّ ثمنا، لأَنَّهُ يتعيَّن تماما، كما يصحُّ أن يكون مبيعا، أَمَّا القيميُّ فلا يصحُّ أن يكون ثمنا، إلاَّ إذا تحدَّد ثمنه.
__________
(1) يوسف محَمَّد رضا: دراسات في الاقتصاد السياسي، المكتبة العصريَّة - صيدا (بيروت)، بدون تاريخ، ص144.
(2) عيسى عبده: الملكيَّة، مرجع سابق، ص126. (1/122)
صفحة 123
نلاحظ مدى الدقَّة التي يتوخَّاها الفقهاء عند تقسيمهم المال إلى قيميٍّ ومثليٍّ، حَتَّى تكون المبادلات واضحة ولا تشتمل على أيِّ غرر، يكون الثمن معلوما محدَّدا، درءا لِكُلِّ غبن أو إجحاف لأحد الطرفين.
سادسا: المنافع والأعيان:
تنقسم الأموال من حيث محلِّ الملك إلى منافع وأعيان. فالأعيان: هي عين الشَّيْء، وهو المال الحاضر تراه العيون (1). وهو ما ينتفع به مباشرة.
أَمَّا المنافع: فهي الفوائد غير الحسِّيَّة التي تنال من الأشياء (2). أو هي الفائدة العرضيَّة التي تستفاد من الأعيان بطريق استعمالها، كسكنى الدار وركوب السيَّارة.
وقد اختلف الفقهاء في ماليَّتها، فالحنفيَّة لا يعتبرونها من الأموال (3)؛ لأَنَّهَا لا يمكن حيازتها بالفعل، بينما ذهب الجمهور إلى اعتبار ماليَّتها (4)، ويلحق بها ماليَّة الديون في الذمم، فهي عند الجمهور مالٌ؛ لأَنَّهُم لا يشترطون ـ كالأحناف ـ أن يكون المال عينا مادِّيَّة يمكن إحرازها وادِّخارها.
ونجد نظير هذا التقسيم في الاقتصاد الوضعيِّ بتقسيمه الأموال إلى سلع وخدمات.
ويإدخال الجمهور المنافع ضمن الأموال يستوعب الفقه الإسلاميُّ جميع أنواعها، التي وجدت في العصر الحاضر، مثل المحلِّ التجاريِّ، والعلامة المسجَّلة، وبراءة الاختراع، وحقوق المؤلِّف المعنويَّة.
__________
(1) نزيه حماد: معجم المصطلحات الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص206.
(2) العبادي: الملكية في الشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص180.
(3) انظر الفصل التمهيدي، ص27 من الرسالة.
(4) العبادي: الملكيَّة في الشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص180. (1/123)
صفحة 124
من خلال كلِّ التقسيمات التي أوردناها ورصدنا أبعادها الأخلاقيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة نخرج بالخلاصة الآتية:
1) أنَّ التقسيم الفقهيَّ شامل للتقسيم الوضعيِّ ويزيد عليه تقسيمات جديدة لاعتبارات دينيَّة واجتماعيَّة.
2) إنَّ التقسيم الوضعيَّ مادِّيٌّ بحت، بينما الفقهيُّ يأخذ بعين الاعتبار الوظيفة الاجتماعيَّة للمال.
3) نستشفُّ الصفة الاستخلافية على المال، فهو مرتبط بتوجيهات المالك الحقيقيِّ، ومقيَّد بقيود لأداء وظيفته، وفي حدود الغاية والغرض منه.
0 M2 (1/124)
صفحة 125
المبحث الثالث
أسباب كسب المال في الفقه الإسلامي
بما أنَّ ملكيَّة الإنسان للمال ملكيَّة استخلافيَّة فإنَّ الشارع الحكيم لم يترك طرق كسب المال مطلقة، بل حدَّدها في وسائل معيَّنة وحرَّم ما سواها، فالمال مال الله وهو مالكه، فقد حدَّد سبل كسب المال الحلال، وحذَّرنا من غيرها، وجعل طلب الحلال فريضة: {كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُواْ صَالِحًا} (1)، فقد أمرنا أن نطيِّب مأكلنا، ويعني أيضا أن نجتنب الخبيث منه، ويقول رسول الله J : « طلب الحلال الفريضة بعد الفريضة» (2). وبالمقابل يحذِّرنا أيضا من الكسب الخبيث: «كلُّ لحم نبت من حرام فالنار أولى به» (3).
وقد حدَّد الفقهاء أسباب التملُّك التي أقرَّها التشريع الإسلاميُّ في أربعة (4):
1) إحراز المباحات.
2) العقود.
3) الخلفية.
4) التولُّد عن المملوك.
ولا يمكن تصوُّر سبب من أسباب تملُّك المال خارج هذه الأسباب الأربعة، وقد كانت في الجاهليَّة أسباب اكتساب المال حرَّمها الإسلام، والبعض منها هذَّبها
__________
(1) سورة المؤمنون، آية 51.
(2) منتخب كنز العمَّال في سنن الأقوال والأفعال، بهامش مسند الإمام أحمد بن حنبل، مرجع سابق، مج2 ص208.
(3) المصدر نفسه، ص211.
(4) الزرقا، مصطفى أحمد: المدخل الفقهي العام. مطبعة جامعة دمشق، 1379هـ/1959، ط6، ج1، ص221. (1/125)
صفحة 126
وجعلها تتماشى مع روح التشريع الإسلاميِّ ومبادئه، والبعض منها أبقاها على حالها بدون تغيير، وممَّا ألغاه وحرَّمه مثل:
1) الغزو الذي كان منتشرا بين قبائل العرب، فقد استساغه المجتمع الجاهليُّ، فغدا وسيلة من وسائل الكسب والإثراء.
ب) استرقاق المدين إذا عجز عن أداء دَينه، الذي كان معمولا به في الجاهليَّة وعند الرومان، فالرقُّ كان وسيلة من وسائل الكسب، إلاَّ أنَّ الإسلام حرَّمه، وأبقاه في حالة واحدة وهي الأسر في حرب مشروعه ضدَّ الكفَّار، معاملة بالمثل.
ج) التقادم: يقال في اللغة تقادم الشَّيْء إذا صار قديما، وفي الاصطلاح الفقهيِّ: التقادم بمرور الزمان، أَمَّا أصل المسألة فهو أنَّ لوليِّ الأمر منع القضاة من سماع الدعوى في بعض الحالات بعد مضيِّ مدَّة محدودة، وذلك تلافيا للتزوير والتحايل، وإن ترك الدعوى زمانا مع التمكُّن من إقامتها يدلُّ على عدم الحقِّ ظاهرا، وقد حدَّدها فقهاء الحنفيَّة بثلاثين سنة في دعاوي الوقف ومال اليتيم والغائب والإرث، وبخمس عشرة سنة في دعاوي الدَّين والوديعة والعقار المملوك.
وعدم سماع الدعوى بعد مرور المدَّة المحدَّدة ليس مبنيًّا على سقوط الحقِّ في ذاته، وإنَّما هو مجرَّد منع القضاء من سماعها مع بقاء الحقِّ لصاحبه (1)، وقد قبل الفقه الإسلاميُّ بقاعدة التقادم لا على أساس أَنَّهُ سبب من أسباب الملكيَّة، بل هو مانع من سماع الدعوى بالحقِّ الذي مرَّ عليه زمن معيَّن، أَمَّا أصل الحقِّ فباق، لذلك إذا أقرَّ الخصم بالحقِّ انهدم مرور الزمان لزوال الشكِّ بإقراره.
فالتقادم إذن ليس سببا من أسباب كسب الملكيَّة في الإسلام، وإنَّما هو إجراء قضائيٌّ منعا للتزوير والتحايل، وحقُّ الملكيَّة باق مهما طال عليه الزمان.
__________
(1) نزيه حماد: معجم المصطلحات الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص104. (1/126)
صفحة 127
أَمَّا ما هذَّبه الإسلام من أسباب كسب المال، فمثل العمرى، وهي نوع من الهبة، وهي في اللغة مأخوذة من العمر، وهو مدة عمارة البدن بالحياة، بشرط الاسترداد بعد موت الواهب أو الموهوب له (1)، وقد أقرَّها الرسول J لكن هذَّبها بإسقاط شرط الاسترداد، بقوله: «من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيًّا وميِّتا ولعقبه»، وفي رواية: «أيُّما رجل أعمر عمرى فهي له ولعقبه» (2).
أوَّلاً: كسب المباحات:
وهو أوَّل أسباب الملكيَّة تاريخيًّا، حيث كان الإنسان يشبع حاجاته من الطبيعة مباشرة، حيث يصطاد أنواعا من الحيوانات البرِّيَّة، والبحريَّة، أو يتوجَّه إلى شجرة فيقطف من ثمارها ما يشبع نهمه، ويتحوَّل إلى نبع الماء يرتوي منه عطشه، فالأموال كانت في الأصل مباحة لا يختصُّ بها أحد، إلى أن قام نظام الجماعة وتطوَّر، فأصبحت كثير من الأموال تملك ملكيَّة جماعيَّة.
وهذا السبب يتوقَّف على ثلاثة شروط (3):
1) ألاَّ يوجد مانع شرعيُّ في تملُّكه.
2) ألاَّ يكون قد سبق إلى إحرازه شخص آخر.
3) قصد التملُّك، فلو حصل المباح في حوزة الإنسان دون قصد التملُّك فلا يتملَّكه.
فإذا توفَّرت هذه الشروط جاز هذا التملُّك شرعا، إلاَّ أنَّ الشرط الثالث يحتاج إلى مناقشة وتمحيص، فلنتصوَّر مثلا أنَّ صيادا كان على ظهر سفينته فسقطت عليه سمكة، فهل يقال له: إنَّه لا يجوز لك تملُّكها لأنَّك لم تنو صيدها؟.
__________
(1) المرجع نفسه، ص 202.
(2) أخرجه أبو داود في سننه، باب الإجاز، الباب 877، ص316، رقم3551، مرجع سابق.
(3) الزرقا: المدخل الفقهي العام، مرجع سابق، ج1، ص223. (1/127)
صفحة 128
فالإحراز على المباح قد يحصل بدون قصد نية، ويمكن لنا إضافة قيد آخر، وهو ألاَّ يكون هذا المباح من الأموال المشتركة التي يشترك فيها عامَّة الناس، فله أن يأخذ منها حاجته دون احتكار أو إحراز.
ويدخل في نطاق هذا السبب كلُّ إجراء يُتَّخذ لتملُّك المباح، سواء من قِبل الأفراد أو من قِبل السلطان، ويدخل في هذا المجال:
1) الإقطاع.
2) الإحياء.
3) الاحتجار.
وهذه كلُّها ممهِّدات أو مقدِّمات لإحراز المباح وتملُّكه.
1) الإقطاع:
يطلق الإقطاع في الاصطلاح الفقهيِّ على ما يقطعه الإمام، سواء ما يعطيه من الأراضي ملكيَّة منفعة أو ملكيَّة رقبة، وتسمَّى تلك الأراضي قطائع، وقد قسَّمه الفقهاء إلى ثلاثة أقسام (1):
أ) إقطاع تمليك.
ب) إقطاع استغلال.
ج) إقطاع إرفاق.
وأصل مشروعيَّته فعل النبيِّ J ، إذ كان يقتطع من يرى فيه الكفاية والقدرة لإصلاح أرض من الموات لا مالك لها (2)، وقد اقطع النبيُّ J لبعض أصحابه بعض
__________
(1) نزيه حماد: معجم المصطلحات، مرجع سابق، ص67.
(2) أبو عبيد: الأموال، مرجع سابق، ص117. (1/128)
صفحة 129
الأراضي، منهم الزبير وبلال بن الحارث، وغيرهم كثير، كما فعل الخلفاء الراشدون من بعده مثل عمله (1).
ويشترط في الإقطاع:
أ) أن يكون في أرض بيضاء، لا عمران فيها.
ب) لا مالك لها.
ج) ألاَّ يكون في المرافق العامَّة ولا في حريمها.
فقد سأل أمير المؤمنين هارون الرشيد الإمامَ أبا يوسف عن أراضي كثيرة لا يرى فيها أثر زراعة، ولا بناء لأحد ما الصلاح فيها؟ فأجابه أبو يوسف: «إذا لم يكن في هذه الأرضين أثر بناء ولا زرع ولم يكن فيئا لأهل قرية ولا مسرحا، ولا موضع مقبرة، ولا موضع محتطبهم، ولا موضع مرعى أغنامهم ودوابِّهم، وليست بملك أحد، ولا في يد أحد، فهي موات، فمن أحياها أو أحيى منها شيئا فهي له، ولك أن تقطع من أحببت ورأيت» (2).
نستنتج من هذا النصِّ أنَّ الإقطاع لا يكون إلاَّ في أراض بيضاء، وأنَّ الإقطاع من حقِّ الإمام لمن يشاء، بما يصلح له تلك الأراضي.
وبما أنَّ الإقطاع يقصد منه إحياء الأرض، فإنَّ حقَّ الإقطاع يسقط، فمن أهمل الأرض التي أقطعت له ولم يعمرها، يستردُّها الإمام منه، وإذا ثبت أنَّ المقطع له لا يستطيع استغلال كلِّ ما أقطع له، يمسك قدر طاقته ويردُّ الباقي إلى الإمام، إذ قال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه لبلال بن الحارث الذي أقطعه الرسول J أرضا في حياته: «إنَّك لا تطيق ما في يديك، فانظر ما قويت عليه منها فأمسكه وما لم تطق ولم تقو عليه فادفعه إلينا» (3).
__________
(1) أبو عبيد: الأموال، مرجع سابق، ص 118.
(2) أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم: كتاب الخراج. دار الحداثة - بيروت، ط1، 1990، ص175 - 176.
(3) يحيي بن آدم القرشي: كتاب الخراج، دار الحداثة - بيروت، ط1، 1990، ص488. (1/129)
صفحة 130
2) الإحياء:
هو عمارة الأرض الخربة التي لا مالك لها ولا ينتفع بها أحد، وهو قريب المعنى بالإقطاع في مفهومه وأحكامه. فالإحياء: هو عمارة أراضي الموات، سواء بإذن الإمام وإقطاعه أو بدون إقطاع، أَمَّا الإقطاع فهو إحياء الموات بإذن الإمام.
ولأهمِّيَّة الإحياء، فسنعود إليه في الفصل الرابع عند البحث في العمارة وأثر الاستخلاف فيها.
3) التحجير:
إجراء من إجراءات إحراز المباح، وهو منع الغير من إحياء أرض الموات، بوضع علامة كحجر أو غيره على الجوانب الأربعة، وهو يفيد شرعا الاختصاص لا التمليك (1).
والتحجير لا يعتبر إحياء، لكن المحتجر أحقُّ بالأرض من غيره لمدَّة ثلاث سنوات، فقد روى ذلك أبو عبيد، عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أَنَّهُ جعله ثلاث سنوات (2). وهذه المدَّة كافية في تهيئة الأرض وإعدادها للإنتاج، وإذا لم يتمكَّن من ذلك خلال تلك المدة، فللإمام استرجاعها وتسليمها لمن يقدر على إحيائها.
ثانيا: العقود:
العقد في اصطلاح الفقهاء: ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يظهر أثره في محلِّه، وفي اصطلاح القانون: اتِّفَاق شخصين فأكثر على إنشاء حقٍّ أو على نقله أو على إنهائه (3)، مثل: البيع، الإجارة، الهبة، الكفالة، ونحوها من العقود، ولكي تتمَّ صحَّة العقود يشترط فيها شروط منها: الأهليَّة والاختيار، فإذا انتفى شرط من
__________
(1) نزيه حماد: معجم المصطلحات الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص93.
(2) أبو عبيد: الأموال، مرجع سابق، ص123.
(3) الزرقا: المدخل الفقهي العام، مرجع سابق، ص225. (1/130)
صفحة 131
هذين الشرطين، فلا يمكن للعقد أن يؤدِّي إلى نقل الملكيَّة كبيع المكره، أو الصغير بدون إذن وليِّه.
والعقود: هي من أهمِّ وأعظم أسباب الملكيَّة، لأَنَّهُ يتجلَّى فيها النشاط الإنسانيُّ، بخلاف الأسباب الثلاثة الأخرى.
والعقود لا تعدُّ سببا ناقلا للملكيَّة إلاَّ فيما أبِيح للمسلم أن يتملَّكه، وهي الأموال المتقوَّمة (1).
ويمكن الجمع بين إحراز المباحات والعقود في سبب واحد هو العمل، فإحراز المباحات يستلزم بذل الجهد سواء أكان بالإحياء أم التحجير الذي هو مقدمة للإحياء، أو الإقطاع، أو أيِّ عمل من أصناف إحراز المباحات، كما يدخل فيه كلُّ عقود العمل، كالإيجار أو المضاربة أو البيع والشراء، ولا يستثنى من ذلك إلاَّ التبرعات: كالهبة والصدقة التي هي من العقود التي لا تعبِّر عن العمل.
وهناك من يرى أنَّ العمل هو الوسيلة والسبب الوحيد لتملُّك المال (2)، وهو أزكى وسائل كسب المال، ما لم يكن في محرَّم أو ينتج عنه ضرر أو تشويه شبهة أو غشٍّ، والإسلام دين سماويٌّ يقدِّس العمل ويجعله أساس الخير في الحياة الدنيا والآخرة، حيث حثَّ المسلمين على خوض عمارة الحياة بالعمل: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُومِنُونَ} (3)، {هُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (4).
__________
(1) انظر الفصل الثاني، ص118.
(2) سيِّد قطب، العدالة الاجتماعيَّة في الإسلام، مرجع سابق، ص122. محَمَّد باقر الصدر: اقتصادنا، مرجع سابق، ص529.
(3) سورة التوبة، آية 105.
(4) سورة الملك، آية 15. (1/131)
صفحة 132
كما أنَّ الملكيَّة هي ثمرة من ثمار العمل، فإذا أريد للملكيَّة الفرديَّة أن تقوم على أساس مشروع، فخير أساس لها هو العمل، فالعامل يكسب أجر عمله، وهذا الكسب الحلال هو بذرة الملكيَّة الفرديَّة (1).
ثالثا: الخلفية:
الخلفية هي: حلول شخص أو شيء جديد محلَّ قديم زائل من الحقوق، وهي نوعان (2):
1) خلفيَّة شخص عن شخص، وهي الإرث.
2) خلفية شيء عن شيء، وهي التضمين أو التعويض.
1) الإرث:
الخلافة عن الميِّت، وهو حقٌّ قابل للتجزئة يثبت لمستحقٍّ بعد موت من كان له ذلك (3)، ولا تحتاج الأمر إلى موافقة أحد الطرفين، لأنَّ الإرث يتمُّ بحكم الشارع، ولا يرتبط بالإرادة البشريَّة، ويشترط لنقل الإرث ألاَّ يكون الدَّين الواجب على الموروث مستغرقا لماله، وألاَّ يوجد في الوارث مانع من موانع الميراث.
ومن حِكم الميراث أَنَّهُ يشجِّع الأفراد على بذل الجهد والعمل، لأنَّ الفرد حين يشعر أنَّ أمواله ستنتقل إلى ورثته يعمل جاهدا في سبيل تنميتها، بخلاف ما إذا شعر أنَّ أمواله ستؤول إلى غير نسله وذرِّيَّته، فلا يجد ما يدفعه إلى المزيد من الجهد والعمل (4).
__________
(1) السنهوري: الوسيط في شرح القانون المدني، مرجع سابق، ص480.
(2) الررقا: المدخل الفقهي العام، مرجع سابق، ص229.
(3) د/ محَمَّد محدة: التركات والمواريث في الشريعة الإسلاميَّة. دار الطباعة الأوراسيَّة - باتنة، ص7.
(4) النبهان، محَمَّد فاروق: أبحاث في الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص49. (1/132)
صفحة 133
2) التعويض:
إذا أتلف أحد لآخر شيئا أو غصبه منه فهلك أو فُقد، يجب عليه ضمان ما أتلفه، وتعويض الضرر الذي باشره أو تسبَّب فيه. ويدخل في هذا: الدية وأرش الجنايات، وكلُّ ذلك يُملَك بسبب الخلفيَّة.
وهذا السبب يتميَّز بما يأتي:
1) يكون بدون إرادة المكتسب للملكيَّة، بل هو امتداد للموروث إلى خَلَفه، أو هو تعويض عن مال بمال مثله أو بقيمته.
2) يفتقد إلى عنصر العمل أو الجهد الذي يعتبر هو السبب الأصيل لملكيَّة الأموال.
رابعا: التولُّد عن المملوك:
كلُّ ما يتولَّد عن المملوك سواء ذلك ما ينتج بسبب مالك الأصل وعمله، أم ما يحصل بطبعه دون عمل، فهو ملك لمالك الأصل، فثمرة الشجرة، وولد الحيوان، وصوف الغنم ولبنها وأمثالها كلُّها مملوكة لصاحب الأصل (1).
غير أَنَّهُ يمكن إدراج هذا السبب ضمن الأسباب الأخرى، لأنَّ ثمرة الشَّيْء هي تابعة لأصلها، فإن كان أصل الملكيَّة بسبب إحراز المباحات أُلحق بها، وإذا كان بسبب العقد ألحق بسبب العقد وهكذا.
لذلك يمكننا أن نعتبر أنَّ أسباب تملُّك المال ثلاثة هي:
أ) إحراز المباحات.
ب) العقود.
ج) الخلفيَّة.
__________
(1) الزرقا: مصطفى أحمد: المدخل الفقهي العام، مرجع سابق، ص235. (1/133)
صفحة 134
ويبقى السبب الثاني هو الأهمُّ والأوسع نطاقا ومبرزا لأهمِّيَّة العمل والنشاط الإنسانيِّ في كسب الملكيَّة.
بعد استعراض أسباب تملُّك المال في الشريعة الإسلاميَّة نرى أنَّ الإسلام أوجب على الإنسان ألاَّ يسلك وسيلة أخرى غير هذه الأسباب لكسب المال وتحصيله، فإذا سلك واحدا منها، اصطبغت ملكيَّته بالصبغة الشرعيَّة، وأضفى عليها الإسلام حمايته، وكفل لها كلَّ الاحترام، ووضع العقوبات الرادعة لِكُلِّ من تمتدُّ يده للمساس بها. وبهذا تحقَّقت الصبغة الاستخلافيَّة للملكيَّة في الإسلام.
cCcCcC (1/134)
صفحة 135
المبحث الرابع
أشكال الملكيَّة في الاقتصاد الإسلامي
انتهينا في المبحث الأَوَّل من هذا الفصل إلى أنَّ طبيعة الملكيَّة في الإسلام ليست بالمطلقة، ولا هي وظيفة اجتماعيَّة، وإنَّما هي ذات طبيعة استخلافية، فهي حقٌّ منحه الله للفرد أو للجماعة وبتوظيف منه، لأداء وظائف اجتماعيَّة وأسريَّة وشخصيَّة، ومن هذا المنطلق تتحدَّد أشكال الملكيَّة في الإسلام، فالمال الذي يدار بين الأمَّة ينظر إليه من زاويتين: فمن جهة فهو حقٌّ عامٌّ للأمَّة يعود عليها بالغنى، فمن شأن الشريعة أن تضبط أسلوب إدارته وحفظه، موزَّعا بين أفراد الأمَّة بالعدل، واضعة قواعد نمائه، ومن جهة أخرى كحقٍّ فرديٍّ راجع لمكتسبه، تضبط أيضا أسلوب اكتسابه وحفظه ونمائه.
فالمال بهذا النظر ينقسم إلى مال خاصٍّ يختصُّ به أفراد أو جماعات معيَّنة، وإلى مال عامٍّ مرصود لتلبية رغبات أفراد الأمَّة بغير تعيين (1). ويعتبر تحديد شكل ملكيَّة الثروة في غاية الأهمِّيَّة، لأنَّ تحديد شكل ملكيَّة وسائل الإنتاج يحدِّد مضمون أيِّ نظام اقتصاديٍّ، كما أَنَّهُ أوضح المجالات للمقارنة بين النظم الاقتصاديَّة المختلفة (2).
وإذا سلَّمنا بالقاعدة الأساسيَّة أنَّ المال منه ما هو خاصٌّ ومنه ما هو عامٌّ، فإنَّ الشريعة وضعت معيارا محدَّدا للتمييز بين ما يصحُّ أن يقع تحت تملُّك الأفراد، وما لا يصحُّ، بمعنى ما يصحُّ أن يحاز جميعه ويستأثر به صاحبه، وما يجب أن يكون لمجموع الأمَّة يجوز لكلِّ فرد منهم الانتفاع به (3).
__________
(1) ابن عاشور، محَمَّد الطاهر: مقاصد الشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص182.
(2) الحسب: في الفكر الاقتصادي، مرجع سابق، ص21.
(3) العبادي: الملكيَّة، مرجع سابق، ص245. (1/135)
صفحة 136
معيار التفرقة:
وضع الإسلام معيارا للتمييز بين ما يمكن أن يملك ملكيَّة خاصَّة وبين ما يبقى ملكيَّة عامَّة، وينحصر هذا المعيار في صفتين:
1) أن يكون المورد الإنتاجيُّ ذا نفع ضروريٍّ للمجتمع.
2) أن يكون المورد وفيرا ظاهرا لا يحتاج إلى بذل عمل كبير للحصول عليه.
ويمكن أن نعبِّر عن ذلك اقتصاديًّا بقولنا (1): إذا كانت التكلفة الحدِّية (2) للمورد الإنتاجيِّ هي تكلفة معدومة فإنَّ المورد يُملَّك ملكيَّة جماعيَّة.
فإذا توفَّرت هاتان الصفتان في أيِّ مورد من موارد الإنتاج وجب أن يكون هذا المورد ملكيَّة عامَّة، ولا يجوز للدولة أن تملِّكه لأحد لا بالبيع ولا بالهبة، وإذا انتفيا فإنَّ ذلك يعني صلاحيَّة المورد لكي يملك ملكيَّة خاصَّة، الدليل على ذلك:
قول الرسول J : « المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار» (3)، وفي رواية زاد الملح، فهذا الحديث يقرِّر أنَّ هذه المواد لا يجوز أن تقع تحت تملُّك الأفراد، وإنَّما يجب أن تظلَّ شركة بين جميع المسلمين.
والمقصود بالماء هنا المياه الطبيعيَّة التي لم يستخرجها الناس بمجهود خاصٍّ، كالأنهار والبحار والسيول، والكلأ المقصود منه العشب والحشيش النابت بنفسه في الأراضي، أَمَّا المستنبت بفعل صاحب الأرض فهو ملكه، والنار يقصد بها موارد الطاقة عامَّة من أشجار أو فحم حجريٍّ، أو الطاقة المستخرجة من باطن الأرض كالبترول والغاز الطبيعي. وقد بيَّن الفقهاء علَّة هذا الحكم به، وأنَّ الموارد
__________
(1) محَمَّد أنس الزرقا: نظم التوزيع الإسلاميَّة، بحث بمجلَّة أبحاث الاقتصاد الإسلامي، العدد الأوَّل، المجلَّد الثاني، سنة 1404هـ1984م، المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي، جدَّة، م. ع. س، ص17.
(2) التكلفة الحدِّيَّة: هي التكلفة الإضافيَّة التي يتطلَّبها إنتاج مقدار آخر من المنتوج.
(3) تقدَّم تخريجه، انظر: ص117 من البحث. (1/136)
صفحة 137
المذكورة هي على سبيل المثال لا الحصر، فهي موارد لا تتناسب المنفعة التي تنال منها مع ما يبذل في سبيل الحصول عليها من جهد ونفقة، كما أَنَّهَا ذات منفعة ضروريَّة للمجتمع (1).
واستدلُّوا أيضا بما أخرجه أبو داود والنسائيُّ (2)، فقول الأقرع بن حابس في وصف هذا الملح، وهو بأرض ليس بها ملح تعني أَنَّهُ تَتَعَلَّق به حاجة الجميع، ومن قوله: «ومن ورده أخذه، وهو بمثل الماء العد بأرض» يعني أَنَّهُ لا يتطلَّب بذل مجهود يتناسب مع الإنتاج الوفير.
وبهذا نجد أنَّ الرسول J والفقهاء، من بعده يعتبرون أنَّ ما كان ذا نفع ضروريٍّ لجميع الناس، ولا يبذل في سبيل الحصول عليه، جهدا كبيرا يكون مملوكا لِكُلِّ الناس ملكيَّة جماعيَّة، لهم جميعا حقُّ الشركة فيه.
المطلب الأوَّل: أقسام الملكيَّة:
قرَّرنا بصفة عامَّة المعيار المميِّز بين الملكيَّة العامِّة والخاصَّة وبقي أن نبيِّن أنواع وأقسام هذه الملكيَّة.
فهي تنقسم باعتبار صاحبها إلى (3):
أ) ملكيَّة خاصَّة.
ب) ملكيَّة بيت المال.
ج) ملكيَّة عامَّة.
__________
(1) بسيوني سعيد: الحرِّيَّة الاقتصاديَّة في الإسلام، مرجع سابق، ص220.
(2) نص الحديث: عن أبيض بن حمال أنه استقطع رسول الله الملح الذي بمأرب، فقطعه له، فَلَمَّا ولَّى، قيل: يا رسول الله، أتدري ما قطعت له؟ إنَّما أقطعه الماء العد، قال: فرجعه منه. (أبو عبيد: الأموال، مرجع سابق، ص118.
(3) العبادي: الملكيَّة، مرجع سابق، ص243. (1/137)
صفحة 138
أ) الملكيَّة الخاصَّة: ما يقتصر تملُّكه على فرد أو أكثر، وتنتفي فيه الصفات التي ذكرناها في الأموال العامَّة، ويكون كسبه بسبب من الأسباب الأربعة المذكورة، وسنعود إلى نطاقها وقيودها في المبحث الآتي.
ب) الملكيَّة العامَّة: تعني اشتراك الناس جميعا في المصادر الهامَّة للثروة التي تقوم عليها ضروريَّات الحياة، وتعني مسؤوليَّة الجماعة عن إدارة أموال معيَّنة يحدِّدها النظام الإسلاميُّ، ومن صور الملكيَّة العامَّة:
- المرافق والمباحات: كالمياه العظيمة في البحار والأنهار والشوارع والطرقات والغابات، وعلى الدولة أن تمنع التعدِّي والضرر عليها، وأن تصلح بين المنتفعين عند الخصومة بوضع نظام للانتفاع، ويجوز لها أن تتدخَّل في تنظيم الانتفاع بالمرافق، بما يجوز لها أن تقطعه إقطاع إرفاق لا تمليك، مثل تحديد الأماكن للباعة في الأسواق (1).
ج) ملكيَّة بيت المال أو ملكيَّة الدولة: هي الملكيَّة التي يكون صاحبها بيت المال أو الدولة، فالأموال التي تتعلَّق بها تكون لبيت المال، كالأموال الخاصَّة يجوز للإمام التصرُّف فيها بالإنفاق والبيع وغيرها، بشرط تحقيق المصلحة العامَّة في ذلك.
وبيت المال يعني أموال الدولة، سواء أكانت هذه الأموال منقولة كالنقود والعروض أو عقارات كالأراضي، ولذلك يجب ألاَّ يفهم من بيت المال أنَّه مجرَّد صندوق أو خزانة توضع فيه النقود، إنَّ بيت المال يمتدُّ مفهومه ليشمل أراضي الدولة، ومخازن الحبوب، ومخازن الأسلحة، فبيت المال أشبه بالذمَّة الماليَّة منه بالصندوق، وهو أشبه بالشخصيَّة المعنويَّة منه بالمكان الحسِّيِّ، وهو أشبه بالسجلِّ منه بالصندوق، ولعلَّ هذا ما يعنيه الماورديُّ بقوله: «بيت المال عبارة عن الجهة لا عن المكان» (2).
__________
(1) رفيق المصري: أصول الاقتصاد الإسلامي. دار القلم - دمشق، الدار الشامية - بيروت، ط2، 1413هـ/1993م، ص43.
(2) الماوردي، أبو الحسن علي بن محَمَّد: الأحكام السلطانيَّة والولايات الدينيَّة، تحقيق أحمد مبارك، ط1، دار الوفاء بالقاهرة، 1409هـ/1989م، ص213. (1/138)
صفحة 139
التفرقة بين الملكيَّة العامَّة وملكيَّة الدولة:
إنَّ الملكيَّة الخاصَّة واضح أمرها وتظهر خصائصها، فهي ملك للأفراد، يتصرَّفون بها رقبة ومنفعة، أَمَّا التفريق بين الملكيَّة العامَّة وملكيَّة الدولة فأمره دقيق، فكلتاهما يعود أمرها إلى الدولة تتصرَّف فيها، لكنَّ الفارق بينهما أنَّ ملكيَّة الدولة تتصرَّف بها الدولة تصرُّف الأفراد بالملكية الخاصَّة، أمَّا الملكيَّة العامَّة فلا تتصرَّف فيها الدولة ولا الأفراد إذ هي ملك عامٌّ لجماعة المسلمين يجوز الانتفاع بها دون التصرُّف برقبتها.
غير أنَّ هناك (1) من يرى أنَّ تطوُّر الإنتاج في العصر الحديث ينفي أيَّة فائدة من هذا التقسيم والتمييز بين الملكيَّة العامَّة وملكيَّة الدولة، نظرا لاستحالة قدرة الأفراد على استخراج ما يسدُّ حاجتهم من جهة، ونظرا لضآلة ما يمكن أن يستخرجه الفرد بالنسبة للمصدر الطبيعيِّ من جهة أخرى.
وأرى أنَّ هذا التعليل صحيح؛ لذلك يمكن إدراج الملكيَّة العامَّة ضمن ملكيَّة الدولة عامَّة، وبذا يكون شكل الملكيَّة متمثِّلا في نوعين:
أ) ملكيَّة فرديَّة.
ب) ملكيَّة الدولة.
باعتبار الأساس الذي انطلقنا منه، والمعيار الذي حدَّده الفقهاء للتمييز بينهما. وتبقى الدولة هي التي تشرف على الملكيَّة العامَّة، وتتصرَّف فيها بما يحقِّق المصلحة العامَّة للأمَّة.
ولا مبرِّر للتخوُّف الذي أبداه الدكتور رفيق المصري (2) الذي يرى ضرورة التمييز بين ملكيَّة الدولة والملكيَّة العامَّة، فإنَّ عدم التمييز يؤدِّي إلى نتائج خطيرة
__________
(1) منذر قحف: الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص95.
(2) رفيق يونس المصري: أصول الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص49. (1/139)
صفحة 140
حسب رأيه، فالدولة لها حقُّ التصرُّف في ملكيَّة الدولة دون الملكيَّة العامَّة، لأَنَّهُ لو ترك الأمر كذلك لأدَّى إلى رغبة بعض الناس مثلا لشراء أنهار البلاد كلِّها وبمنع بقيَّة الخلق عنها.
غير أنَّ هذه التخوُّفات تزول إذا وضعت الدولة الضوابط التي حدَّدها الفقهاء في التمييز بين الملكيَّة الخاصَّة والعامَّة، ولو سلَّمنا بفكرة الدكتور، وميَّزنا بين الملكيَّتين فلا بدَّ للملكيَّة العامَّة من الرعاية والصيانة، فالدولة أحقُّ بهذه الرعاية، وما دام كذلك فهي دائما تحت تصرُّفها وعهدتها سواء سمَّيناها عامَّة أو أدخلناها تحت أموال الدولة.
وفي بعض الحالات يمكن أن تتحوَّل الملكيَّة العامَّة إلى ملكيَّة فرديَّة إذا انتفت إحدى خصائصها، وقد نصَّ الفقهاء أَنَّهُ إذا حوِّل الطريق العامُّ مثلا فاستغني عن موقعه، فإنَّ لوليِّ الأمر أن يبيعه لحساب بيت المال، ويصبح ملكا خاصًّا، ومثل ذلك سائر ما يُستغنى عنه من الأموال العامَّة (1).
المطلب الثاني: نطاق الملكيَّة الفرديَّة ومفهومها:
توصَّلنا إلى أنَّ في الاقتصاد الإسلاميِّ ملكيَّة فرديَّة وملكيَّة عامَّة تحت إشراف وإدارة الدولة، وسنتعرض في هذا المطلب إلى الملكيَّة الفرديَّة، نطاقها وقيودها، أَمَّا الملكيَّة العامَّة فسنعود إليها في الفصل الثالث عند بحث مسؤوليَّة وليِّ الأمر في الاستخلاف على الأموال.
فالإسلام ينظر إلى الفرد والجماعة معا، فيعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه في الحدود التي تكفل توازن المجتمع، فهو يترك للفرد حرِّيَّة التملُّك لينمِّي ملكاته، ويشجِّع غرائزه ليختبر عمله، لَكِنَّهُ يوقفها عند الحدِّ الذي لا يتضرَّر فيه الغير، فهو نظام متجاوب مع مصلحة الفرد والجماعة (2).
__________
(1) العبادي: الملكيَّة في الشريعة، مرجع سابق، ص245.
(2) يوسف كمال: الإسلام والمذاهب الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص160. (1/140)
صفحة 141
فالأساس الذي تنبني عليه الملكيَّة الفرديَّة كما رأينا في أسباب التملُّك أن تقتصر على الأموال التي يمكن للعمل أن يتدخَّل في إيجادها وتكوينها، إمَّا بصفة مباشرة، كإحراز المباحات والعقود، أو بصفة غير مباشرة، أي: لا يكون العمل من صاحب المال مباشرة، وإنَّما من شخص آخر كالهبة والخلفيَّة ونتائج المال المملوك، فالذي يرث مالا مثلا لم يقم ببذل الجهد في سبيل تحصيله، وإنَّما قام به سلفه، ومثل هذا يقال في الهبة.
ولقد أقرَّ القرآن الكريم الملكيَّة الفرديَّة، وهو ما توحي به كثير من الآيات، ويستنتج من كثير من الأحكام التي شرعها الإسلام.
- {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوالِكُمْ} (1).
- {الذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} (2).
- {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا ِلأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ} (3).
وقد ترتَّب على إقرار القرآن بالملكيَّة الفرديَّة أن اعترف بالتفاوت بين الناس وتقسيمهم إلى درجات، تلك سنَّة تقتضيها الحياة.
ولقد شَرع الحقَّ في الميراث، ووضع أحكامه ونظمه، وأوجب على الغنيِّ واجبات نحو الفقير، كما حثَّ على النفقات، وسنَّ المهور في النكاح، ووضع عقوبات على الاعتداء على مال الغير، كلُّ هذه التشريعات تستلزم بالبداهة الإقرار بالملكيَّة الفرديَّة، لأنَّ هذه الحقوق محلُّها المال وهذه التشريعات تَتَعَلَّق به أو بحمايته (4).
__________
(1) سورة البقرة، آية 279.
(2) سورة الحشر، آية 8.
(3) سورة الكهف، آية 32.
(4) الدبو، إبراهيم فاضل: الضمان الاجتماعي في الإسلام، مطبعة الرشاد - بغداد، ط1، 1408هـ/1988م، ص8. (1/141)
صفحة 142
وإلى جانب كون الملكيَّة الفرديَّة حقيقة شرعيَّة، فهي ضرورة فطريَّة، فالله خلق الإنسان وركَّب فيه الطبائع والميول والغرائز، وركَّب فيه الحبَّ الفطريَّ لتملُّك الأشياء.
كما أنَّ استخلاف البشر يقتضي وجود الملكيَّة الفرديَّة كقاعدة أساسيَّة في النظام الاقتصاديِّ، ليشعر الإنسان أَنَّهُ سيحاسب فيما ملك أمام المالك الحقيقيِّ الذي استخلفه فيما وهب له من نعم منها المال، فيسأل عنه من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، ولا يكون الإنسان مسؤولاً إلاَّ إذا أعطيت له حرِّيَّة التملُّك (1).
والإسلام من جهة أخرى يهدف من وراء إقرار الملكيَّة الفرديَّة إلى تحرير الفرد من قيود المادَّة، ليضمن له العزَّة والكرامة، وليتحرَّر من المادَّة فلا تذلُّه، فالملكيَّة وسيلة لصيانة الفرد من الاستغلال لا وسيلة استغلال كما يزعم الماركسيُّون (2).
فضلا عن كونها وسيلة مثمرة لإذكاء الحافز الذاتيِّ للفرد وتنشيط مواهبه، ذلك أنَّ الإنسان من طبعه حبُّ الذات ما يجعله أقوى ما يكون نشاطا وإقبالا على العمل والإنتاج عندما يعلم أنَّ لعمله جزاء يستأثر به لنفسه ولا يشاركه فيه أحد.
فالملكيَّة الفرديَّة أفضل جزاء على العمل وأقوى حافز له وخير ضمان للاستقلال والحرِّية (3).
إلاَّ أنَّ الإسلام وضع الإطار الذي تنمو فيه الملكيَّة الفرديَّة وأحاطها بسياج من القيود، حَتَّى لا تخرج عن إطارها، لا كما فعل المذهب الفرديُّ حين أطلق العنان للملكيَّة بدون قيود، فأفرز وضعا قلقا يتَّسم بالتباين الصارخ في الملكيَّة.
__________
(1) أحمد يوسف: القيم الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص26.
(2) كمال يوسف: الإسلام والمذاهب الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص151.
(3) السنهوري، عبد الرزَّاق أحمد: الوسيط في شرح القانون المدني، مرجع سابق، مج8، ص553. (1/142)
صفحة 143
وجاءت النظرة الاجتماعيَّة كردِّ فعل لما سبَّبه المذهب الفرديُّ ورأى أصحابها أنَّ سبب المصائب التي حلَّت بالإنسانيَّة هي الملكيَّة الفرديَّة، فعملت على إلغائها وإلحاقها بملكيَّة الدولة.
لكنَّ هذا الشطط الذي ارتكبه المذهب الفرديُّ لا يبرِّر إلغاء فكرة الحقِّ في التملُّك وعدم الاهتمام بشخصيَّة الفرد ومصلحته الخاصَّة، لأنَّ الخطأ لا يكمن في الملكيَّة، وإنَّما في عدم تحديد نطاقها وإخضاعها في نطاق المصلحة العامَّة للأمَّة، إذن فلا بدَّ من الإبقاء عليها، لكن على أن تقيَّد بما في تحقيق التوازن بين المصلحة العامَّة والخاصَّة (1).
والحقيقة أنَّ كون الملكيَّة في الإسلام ذات طبيعة استخلافيَّة هو القيد الأساسيُّ لها، فحدود ونطاق الملكيَّة محدَّد ضمن توجيهات وتشريعات المالك الحقيقيِّ.
كما أنَّ الأصل في الشريعة أنَّ مصدر الحقوق ـ ومنها حقُّ الملكيَّة ـ هو الله سبحانه وتعالى. فلا تثبت إلاَّ بإثبات الشارع لها (2)، فالله هو الذي منح هذه الحقوق وأقرَّها، وبيَّن طرق استعمالها ووجوه الانتفاع بها على النحو الذي يحقِّق المقاصد والغايات من تشريعها (3).
ويمكن حصر القيود على الملكيَّة الخاصَّة فيما يلي:
1) إلزام المالك باستثمار ماله وتنميته بالطرق المشروعة.
2) الفرائض الماليَّة الواجبة.
3) نزع الملكيَّة الفرديَّة لمصلحة أولى بالاعتبار.
4) عدم التعسُّف في استعمال حقِّ الملكيَّة.
__________
(1) العبادي، داود عبد السلام: الملكيَّة في الشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص422.
(2) أبو زهرة: الملكيَّة ونظريَّة العقد، مرجع سابق، ص65.
(3) بسيوني: الحرِّيَّة الاقتصاد في الإسلام، مرجع سابق، ص59. (1/143)
صفحة 144
ويمكن إدراج بعض هذه القيود في إطار وظائف المال التي تطرَّقنا إليها في التمهيد كالفرائض الماليَّة.
أَمَّا إلزام المالك باستثمار ماله وعدم اكتنازه فسنعود إليه في الفصل الرابع، لذلك يبقى لنا الآن البحث في القيدين الآخرين وهما:
أوَّلاً: نزع الملكيَّة الفرديَّة لمصلحة أولى بالاعتبار:
الأصل في انتقال الملكيَّة هو توافر الرضا، فلا يجوز لإنسان أخذ مال غيره بغير رضاه، وإن كان محتاجا إليه: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلآَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} (1) وينقسم هذا القيد إلى نوعين:
أ) نزع الملكيَّة من أجل مصلحة عامَّة أولى بالاعتبار.
ب) نزع الملكيَّة من أجل مصلحة أخرى أولى بالاعتبار.
أ) نزع الملكيَّة من أجل مصلحة عامَّة:
إنَّ المصلحة العامَّة قد تقتضي نزع الملكيَّة جبرا من صاحبه وبدون رضاه، فهل ذلك اعتداء على الملكيَّة وانتهاك لحرمتها؟
إنَّ الفقهاء متَّفقون على جواز تحويل الملكيَّة الفرديَّة للمنفعة العامَّة كتوسعة مسجد ونحو ذلك (2).
فمتى كانت المنفعة التي تعود على المالك من بقاء العين في ملكه أقلَّ من الضرر الذي يلحق بالجماعة بهذا البقاء؟
تطبيقا للقاعدة: ارتكاب أخفِّ الضررين، فَإِنَّهُ يجوز تحويل الملكيَّة الفرديَّة للمصلحة العامَّة ما دام لا يوجد سبيل لتحقيقها إلاَّ بها، مع ضمان ثمن المثل لصاحب الملكيَّة المحوَّلة.
__________
(1) سورة النساء، آية 29.
(2) بسيوني: الحرِّيَّة الاقتصاديَّة في الإسلام، مرجع سابق، ص150. (1/144)
صفحة 145
ويستدلُّ الفقهاء بعمل الصحابة في هذا المجال، فقد حوَّل عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه بعض مساكن الصحابة وأدخلها إلى المسجد لَمَّا عزم على توسيعه، وكذلك فعل عثمان بن عفَّان رضي الله عنه، كما اشترى عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه دار صفوان بن أميَّه ليجعلها سجنا بأربعة آلاف دينار، وبذلك حوَّلها من ملكيَّة فرديَّة إلى ملكيَّة جماعيَّة (1).
إلاَّ أنَّ هناك من يوكِّد على شرط الرضا في كلِّ الأحوال مستدلِّين بقصَّة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه مع العبَّاس، فقد عزم عمر أن يشتري دار العبَّاس ليوسِّع بها الحرم المكِّيَّ، فلم يرض العبَّاس أن يبيعه إيَّاها، فتحاكما إلى أُبَيِّ بن كعب، فحكم بِأَنَّهُ لا يجوز أن يشتريها منه بدون رضاه.
فهذه القصَّة تَدُلُّ على أهمِّيَّة عنصر الرضا، فلا تنتزع ملكيَّة بدون رضا صاحبها، إذ لو أنَّنا أخذنا بعين الاعتبار مصلحة توسعة المسجد لوجدناها أهمَّ بالاعتبار من الملكيَّة الفرديَّة، ومع ذلك فإنَّ الصحابيَّ الجليل رأى أنَّه لا يصحُّ ذلك بدون رضا صاحبه.
ويمكن أن يكون ذلك خاصًّا بالمساجد وخاصَّة المسجد الحرام لِمَا له من قدسيَّة وحرمة، فلا يدخل في رحابها ما أخذ بغير رضا صاحبه، فقد استدلَّ هذا الصحابيُّ بقول الرسول J : إنَّ سليمان بن داود لَمَّا بنى المقدس جعل كُلَّمَا بنى حائطا أصبح متهدِّما، فأوحى الله إليه أن لا تبني في حقِّ رجل حَتَّى ترضيه (2).
وتبقى القاعدة العامَّة في هذا الشأن هو الجواز، لكن بشرط تعيين المصلحة العامَّة وضروريَّتها، مع ضمان ثمن المثل.
__________
(1) موسوعة فقه عمر بن الخطَّاب، مكتبة الفلاح، الكويت، ط2، 1404هـ/1984م، ص620.
(2) د/ محَمَّد رواس قلعه جي: موسوعة فقه عمر بن الخطَّاب، مرجع سابق، ص608. (1/145)
صفحة 146
ب) قيود على الملكيَّة الفرديَّة مراعاة لمصلحة أخرى أولى بالاعتبار:
وهي القيود التي ترد على أموال ناقصي الأهليَّة، وهو ما يسمَّى بالتحجير، الذي سنعود إليه في الفصل الثالث. وقيود ترد على أموال كاملي الأهليَّة في حالات منها (1):
1) منع الزوجة في التصرُّف في مالها بما يزيد عن الثلث إلاَّ بإذن زوجها.
2) أثر مرض الموت في تقييد حرِّيَّة المالك في التصرُّف في ماله.
3) تقييد سلطة المالك في ماله عن طريق الوصيَّة فيما زاد عن الثلث.
4) إجبار المالك على نقل ملكيَّته في الحالات الآتية:
أ) الشفعة.
ب) بيع أموال المدين جبرا للوفاء بدَينه.
ج) إجبار البائع على بيع حصَّته في المال غير القابل للقسمة.
فهذه كلُّها قيود ترد على حرِّيَّة المالك في التصرُّف في أمواله حفاظا على مصالح أولى بالاعتبار، فالمريض مرض الموت تقيَّد تصرُّفاته في أمواله حفاظا على حقوق الورثة، وإجبار المدين على بيع أمواله وفاء لحقوق دائنيه وهكذا ...
ثانيا: التعسُّف في استعمال الحقِّ:
التعسُّف في استعمال الحقِّ هو استعمال الإنسان لحقِّه على وجه غير مشروع، أو هو المضارَّة في استعمال الحقِّ. ومن القيود التي تتوجَّه إلى كيفيَّة استعمال المالك لملكه، قيد عدم الإضرار بالغير، لقوله J : « لا ضرر ولا ضرار» (2)، فإذا كان
__________
(1) سوار، محَمَّد وحيد الدين: النزعة الجماعيَّة في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص133 - 144.
(2) أخرجه ابن ماجه والدارقطنيُّ، ومالك في الموطَّأ. نقلا عن: الشيخ أحمد الزرقا: شرح القواعد الفقهيَّة، دار الغرب الإسلامي - بيروت، ط1، 1403هـ/1983م، ص113. (1/146)
صفحة 147
استعمال الحقِّ ينشأ عنه ضرر بالغير وجب التوازن بين المصلحة المشروعة التي تهدف إليها والمضرَّة التي تترتَّب على استعماله له، فإن رجحت مصلحة المالك قدِّم حقُّه، وإن رجحت مضرَّة الغير قيِّد حقُّه بما يدفع الضرر.
ومن التطبيق العمليِّ لهذه القاعدة ما روي عن النبيِّ J أَنَّهُ كان لسمرة بن جندب نخل في حائط رجل من الأنصار قال: ومع الرجل أهله، قال: فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذَّى به يشقُّ عليه، فطلب إليه أن يبيعه فأبى، فطلب إليه أن يناقله فأبى، فأتى النبيَّ J فذكر ذلك له، فطلب النبيُّ J أن يبيعه فأبى، فطلب إليه أن يناقله فأبى قال: «فهبه له ولك كذا أو كذا» أمرا رغَّبه فيه فأبى، فقال: «أنت مضارٌّ»، فقال النبيُّ J للأنصاريِّ: «اذهب فاقلع نخله» (1).
ومن هذه الواقعة نرى أنَّ النبيَّ J قد اعتبر مالك المنخل مسيئا في استعمال حقِّه ووصفه بِأَنَّهُ «مضارٌّ»، وقد قدَّم له جميع الاختيارات لمنع الضرر عن الغير، فأبى، ومن ثَمَّ لم تحترم تلك الملكيَّة المتعدِّية، فأمر الأنصاريَّ بقلع نخيله، لأنَّ الضرر يجب دفعه بإزالته.
وخلاصة القول أنَّ الملكيَّة الفرديَّة نوع هامٌّ من أشكال الملكيَّة في الإسلام إلى جانب الملكيَّة العامَّة، فهي ضرورة اجتماعيَّة واقتصاديَّة، إلى جانب كونها فطرة إنسانيَّة تلبِّي غريزة من غرائز النفس البشريَّة أقرتها الشريعة الإسلاميَّة وشملتها برعايتها وحمايتها، وسنَّت لها الضوابط في كسبها ونموِّها، كما حدَّدت بدقَّة الشروط والظروف لتحويلها إلى ملكيَّة عامَّة أو العكس، كما وضعت المعالم الواضحة للتمييز بينها وبين الملكيَّة العامَّة، حَتَّى تؤدِّيا دورهما في تكامل وتناسق وانسجام.
__________
(1) أخرجه الإمام أبو داود، السنن، شركة مصطفى البابي الحلبي - القاهرة، ط2، 1371هـ/1952م، ج2، كتاب الأقضية، ص283. (1/147)
صفحة 148
خلاصة الفصل الثاني:
بعد استقصاء البحث في نظرة الإسلام إلى المال، يمكننا الخروج بالنتائج الآتية:
- الملكيَّة في الإسلام منحة إلهيَّة ذات طبيعة استخلافيَّة يتحدَّد مفهومها في علاقة ثابتة بين البشر وخالقهم، وتقوم بوظائفها في إطار الأهداف التي رسمها المالك الحقيقيُّ.
أمَّا الملكيَّة في النظم الوضعيَّة فتقوم ضمن العلاقة بين البشر أنفسهم، وتتغيَّر طبيعتها حسب تغيُّر تلك النظم.
- نظرة الإسلام إلى المال تنبع من نظرته إلى الإنسان ذاته كخليفة، ويعطيه أبعادا متعدِّدة متكاملة شاملة.
- بناء على أن المُلك الحقيقيَّ لله، فوسائل كسب المال محدَّدة من مصادر التشريع الإسلاميِّ، وما عداها فسُحْتٌ واغتصابٌ وأكلٌ لأموال الغير بالباطل.
- يقوم الاقتصاد الإسلاميُّ على ازدواجيَّة الملكيَّة: عامَّة وخاصَّة، بحيث لا تطغى إحداهما على الأخرى، كما وضع الفقهاء معيارا دقيقا للتمييز بينهما.
- فالملكيَّة الخاصَّة معترف بها كثمرة للنشاط الإنسانيِّ، وذلك استجابة للفطرة الإنسانيَّة في حبِّ التملُّك، لكن أحاطها التشريع الإسلاميُّ بجملة من الضوابط لتقوم بهدفها في إطار خلافة الإنسان.
\ E (1/148)
صفحة 149
- ... -
الفصل الثالث
دور الدولة في تطبيق
الاستخلاف على الأموال
- ... - (1/149)
صفحة 150
[صفحة بيضاء] (1/150)
صفحة 151
تمهيد:
رأينا في الفصل الأَوَّل أنَّ الاستخلاف قسمان: استخلاف عامٌّ واستخلاف خاصٌّ، وأنَّ الخاصَّ يشتمل على استخلاف الدول واستخلاف الأفراد، وأنَّ استخلاف الدول هو مسؤوليَّة أولي الأمر في القيام بالأمانة التي تحمَّلوها في رعاية حقوق الله وحقوق الرعيَّة.
ولقد لخَّص ابن خلدون مفهوم هذه الخلافة بحيث بيَّن دور وليِّ الأمر ومسؤوليَّته العامَّة بقوله: «والخلافة هي حمل الكافَّة على مقتضى النظر الشرعيِّ في مصالحهم الأخرويَّة والدنيويَّة الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلُّها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به» (1).
فالنصُّ يعبِّر بحقٍّ عن معنى الاستخلاف ويربط الخلافة بالعقيدة، إذ يلزم الخليفة بحمل الجميع على مقتضى النظر الشرعيِّ، أي يسوس رعيَّته في مصالحهم الدينيَّة والدنيويَّة وفقا للتشريع الربَّانيِّ، ثُمَّ يحدِّد مسؤوليَّته في بندين عريضين:
أ) حراسة الدين. ب) سياسة الدنيا بالدين.
فالمسؤوليَّة الأولى تتمثَّل في حراسة الدين، فهو الراعي الأَوَّل في تمكين الدين: تبليغا وتفقيها وتطبيقا وتشريعا، والثانية تشتمل على رعاية مصالح العباد والبلاد بما يَتَّفِقُ وهذا الدين.
وتحت هذا البند تدخل مسؤوليَّة وليِّ الأمر في الاستخلاف على الأموال، فمن أهمِّ مسؤوليَّات الخليفة رعاية الحقوق الماليَّة التي استرعى الله ولاة الأمور، فهي
__________
(1) ابن خلدون: المقدِّمة، مرجع سابق، ص338. (1/151)
صفحة 152
جزء من أمانة الاستخلاف على الأموال التي تعتبر من أهمِّ مسؤوليَّاته، والتي نصَّ عليها القرآن (1)، ويعتبر المال الدعامة الكبرى للملك، فالمركز الماليُّ لأيِّ دولة يعكس لدرجة كبيرة وضعيَّة الدولة من حيث القوَّة والضعف، ومكانتها بين الأمم (2).
M
MM
__________
(1) سورة الحديد، آية 7. سورة النساء، آية 5.
(2) د/ الريس، محَمَّد ضياء الدين: الخراج والنظم الماليَّة للدولة الإسلاميَّة. مكتبة دار التراث - القاهرة، سنة 1985، ط5، ص3. (1/152)
صفحة 153
المبحث الأوَّل
مبدأ المشروعيَّة والخلافة في الإسلام
المطلب الأوَّل: مبدأ المشروعيَّة:
إذا كانت المسؤوليَّة الماليَّة جزءا من مسؤوليَّة وليِّ الأمر العامَّة ينبغي ـ أوَّلا ـ الوقوف عند مبدأ المشروعيَّة في الإسلام، أي من أين يستمدُّ السلطان سلطاته المخولة له.
أَمَّا في الفكر الغربيِّ فقد سادت نظريَّتان:
- الأولى: نظريَّة سيادة الأمَّة.
- الثانية: نظريَّة سيادة الشعب.
- الأولى: تقوم على فكرة العقد الاجتماعيِّ الذي جاء بها "روسو"، ومضمونها أنَّ السلطة لا تعود إلى فرد من الأفراد بذواتهم، بل تعود إلى الأمَّة باعتبارها شخصا معنويًّا، يمثِّل الأفراد المكوِّنين لها سواء السابقين أم اللاحقين (1).
- الثانية: ترى هذه النظريَّة تصوُّرا آخر، إذ إنَّ السيادة في الواقع يمتلكها مجموع أفراد الشعب (2) لا بذواتهم الحسِّيَّة. ولكلا النظريَّتين مؤيِّدون ومعارضون، ونتائج تترتَّب على كلٍّ منها.
__________
(1) د/ عبد ا الجليل، محَمَّد علي: مبدأ المشروعيَّة في النظام الإسلامي، عالم الكتب - القاهرة. سنة 1984م، ط1، ص221.
(2) المرجع نفسه، ص 226. (1/153)
صفحة 154
هذا في الفكر الغربيِّ، أَمَّا الإسلاميُّ، فإنَّ المفكِّرين القدامى لم يتعرَّضوا لهذه النظريَّة ولم يذكروا عنها شيئا، ولم يبحثوا فيها (1)، غير أنَّ هناك من يرى (2) أنَّ نظريَّة العقد الاجتماعيِّ نفسها مقتبسة من الإمامة الإسلاميَّة عن طريق مفكِّري الغرب الذين درسوا في جامعات الأندلس، في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، فالخلفاء الراشدون تولَّوا الحكم عن طريق البيعة التي سمَّاها الفقهاء عقد الإمامة، ويعتبرونها عقدا بين الأمَّة والحاكم يترتَّب لكلٍّ من الطرفين التزاما. وإذا كان العقد الاجتماعيُّ مفترض غير واقع فإنَّ عقد الإمامة في الإسلام واقعيٌّ، إذ كانت تتمُّ البيعة فعلاً.
وإذا أخذنا بالرأي القائل بعدم تعرُّض القدامى فإنَّ السبب الذي جعلهم لم يبحثوا في أمرها أنَّها كانت من المسلَّمات التي تدخل في صميم العقيدة في الإسلام، إنَّ الحاكم يستمدُّ سلطته من خلافته لخلفاء رسول الله J الذي كان أوَّل رئيس دولة في الإسلام، فالخليفة مقيَّد في حكمه بالشريعة، ثُمَّ إنَّ واقع الخلافة الإسلاميَّة كانت تستمدُّ مشروعيَّتها من كتاب الله وسنَّة رسول الله J من جهة، ومن جهة أخرى من أفراد الأمَّة الذين بايعوه بتلك الخلافة.
أَمَّا في الفكر الإسلاميِّ المعاصر، فقد تبلورت آراء الفقهاء في ثلاث اتِّجاهات، بناء على التشريع الإسلاميِّ وواقع الخلافة الرشيدة، هي:
أ) السيادة للتشريع الإلهيِّ: الحاكميَّة لله.
ب) السيادة للأمَّة.
ج) ازدواج السيادة.
وسنعرض هذه النظريَّات بإيجاز (3):
__________
(1) المرجع نفسه، ص 230.
(2) د/ مدكور/ محمَّد سلام، معالم الدولة الإسلاميَّة، مكتبة الفلاح - الكويت، ط1، 1403هـ/1983م، ص87.
(3) د/ عبد الجليل محمَّد علي: مبدأ المشروعيَّة، مرجع سابق، ص230. (1/154)
صفحة 155
أ) الحاكميَّة لله: مصداقا لقوله تعالى: {اِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلآَّ إِيَّاهُ} (1) وهو صاحب الحاكميَّة المطلقة، فهو الآمر الناهي، وعلى الإنسان الطاعة والامتثال. يقول سيِّد قطب: «إنَّ القاعدة التي يقوم عليها النظام الإسلاميُّ تختلف اختلافا كلِّيًّا عن التي تقوم عليها الأنظمة البشريَّة جميعا، إِنَّهُ يقيمها على أساس أنَّ الحاكميَّة لله وحده» (2).
2) السيادة للأمَّة: يرى أصحاب هذه النظريَّة أنَّ السيادة للأمَّة مستندين في رأيهم إلى أنَّ الخليفة هو نائب أو وكيل في ممارسة السيادة، وليس بصاحبها، فقد منحت له باعتبار صفته لا بذاته، وعليه سياسة الرعيَّة وفق الأحكام الإلهيَّة، فالأمَّة هي مصدر السيادة، بما في ذلك سلطان الخليفة، فهي التي أقامته بالبيعة، ولها الحقُّ في سلب هذه الصفة منه بعزله إذا تقاعس في أداء مهامِّه فتسقط خلافته وتنتفي طاعته.
3) ازدواج السيادة: وهي تجمع بين النظريَّتين، وتحاول التوفيق بينهما في نظريَّة واحدة على الوجه الآتي:
أ) سيادة مطلقة للتشريع الإلهيِّ في النصوص التي لا تقبل التأويل.
ب) سيادة محدودة لجمهور المسلمين فيما دون الأحكام الثابتة، وهذه النظريَّة الأخيرة مرجَّحة؛ لأَنَّهَا الأقرب إلى الواقع، وتتماشى مع روح التشريع الإسلاميِّ الذي وضع الأصول الثابتة، وترك الباب مفتوحا في وجه الإجماع والاجتهاد في المسائل المستجدَّة، مع مراعاة المصلحة، وعدم مصادمة النصوص، كما أنَّ الوقائع التاريخيَّة تؤيِّدها بعقد البيعة بين الخليفة وأفراد الأمَّة.
فوليُّ الأمر يستمدُّ سلطته من التشريع الإلهيِّ أوَّلاً، ثُمَّ من الأمَّة التي اختارته ليكون خليفة لها.
__________
(1) - سورة يوسف، آية 40.
(2) سيِّد قطب: العدالة الاجتماعيَّة، مرجع سابق، ص94. (1/155)
صفحة 156
المطلب الثاني: تعيين وليِّ الأمر لأمانة الاستخلاف:
استخلف الله الإنسان على الأرض، فهو بطبعه لا يمكنه العيش منفردا منعزلا، وتقتضي الحياة أن ينضوي في مجموعات في شكل أسر وقبائل كما كان في عهوده الأولى، أو في مجموعات سكنيَّة في القرى والمدن.
فالحياة الجماعيَّة ضرورة اجتماعيَّة، ولحماية المصالح المشتركة بين الجميع فلا بدَّ من اختيار مسؤول لرعايتها، فلا يمكن تصوُّر تعايش مجموعة بشريَّة بدون سلطة ـ مهما كانت هذه السلطة ـ يُحتكم إليها عند النزاع، وترعى الحقوق الجماعيَّة والخاصَّة، فالسلطة ضرورة اجتماعيَّة، كما هي ضرورة دينيَّة لإقامة التكاليف الشرعيَّة، وحفظ بيضة الإسلام، فقد أناطت الشريعة الإسلاميَّة كثيرا من الأحكام بالسلطة العامَّة، فبدون خلافة لا يمكن تطبيق الشريعة تطبيقا كاملا، فقد كان من أوَّلويَّات الرسول J لَمَّا هاجر إلى المدينة توطيد أركان دولته الفتيَّة (1). وبعد وفاته J كان لا بدَّ أن يتَّجه الناس بولاتهم إلى حاكم يقيم موازين العدل بينهم، ويحفظ الأمن لهم، وقد اتَّفقوا بعد جدال بينهم على تنصيب أبي بكر الصدِّيق خليفة لرسول الله، ولم يخالف أحد من الصحابة في ضرورة إقامة خليفة يرعى شؤون الدولة، وما حدث من خلاف كان في الشخص الذي يُختار للخلافة، وحجَّتهم في ذلك ما وردت به النصوص من كتاب وسنَّة فى وجوب طاعة أولي الأمر، والولاء له. فمن القرآن قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَمْرِ مِنكُمْ} (2). ومن السنَّة أحاديث كثيرة منها: «على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدِّي الأمانة، فإن فعل ذلك فحقٌّ على الرعيَّة أن يسمعوا ويطيعوا» (3)، يقول صاحب المحلَّى: «لا يحلُّ لمسلم
__________
(1) محمَّد سلام مدكور: معالم الدولة الإسلامية، مرجع سابق، ص227.
(2) سورة النساء، آية 59.
(3) كنز العمال بهامش مسند أحمد، مرجع سابق، مج2، ص117. (1/156)
صفحة 157
أن يبيت ليلتين ليس في عنقه لإمام بيعة» (1)، مستدلاًّ بقول الرسول J : « ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهليَّة» (2).
كما يستدلُّ على وجوب الخلافة على الأمَّة من ناحية العقل، فإنَّ ترك الناس فوضى يأكل القويُّ منهم الضعيف، وسيادة قانون الغاب، ضرر واجب الإزالة، وما لا يتمُّ الواجب إلاَّ به فهو واجب، لذا اهتمَّ الصحابة بإقامة الخلافة، وجعلوها من أولى الأولويَّات (3).
المطلب الثالث: نظرة الخلفاء الراشدين إلى الاستخلاف على الأموال:
لقد وعى الخلفاء الراشدون هذه المسؤوليَّة، وتحمَّلوا هذه الأمانة، وأدَّوها حقَّ الأداء، فهذا الخليفة أبو بكر الصدِّيق يتَّخذ إجراءً صارما في صدر خلافته بقتال مانعي الزكاة، لأَنَّهُم أبطلوا حقًّا من الحقوق الماليَّة، وألغوا موردا هامًّا من موارد بيت المال، فقاتلهم عليها، وقال قولته المشهورة: «والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدُّونها إلى رسول الله لقاتلتهم على منعها» (4). وقد كان حريصا على توزيع ما يرد إليه من أموال الفتوحات بالسويَّة بين المسلمين ولا يستبقي منها شيئا، فَلَمَّا مات لم يجدوا عنده من مال الدولة إلاَّ دينارا سقط من غرارة (5).
وهذا الخليفة الثاني عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يقول: «والله الذي لا إله إلاَّ هو ـ ثلاثا ـ ما من الناس أحد إلاَّ له في هذا المال حقٌّ
__________
(1) ابن حزم: المحلَّى، مرجع سابق، مج8 ص120.
(2) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، حديث 1851، مرجع سابق.
(3) مدكور سالم، الدولة الإسلامية، مرجع سابق، ص236.
(4) الكفراوي، عطوف محمود: سياسة الإنفاق العامِّ في الإسلام. مؤسَّسة شباب الجامعة - الإسكندريَّة، 1409هـ/1989م، ص45.
(5) المرجع نفسه، ص47. (1/157)
صفحة 158
أُعطِيَهُ أو مُنعَه» (1). فقد تعهَّد بأن يؤدِّي لِكُلِّ ذي حقٍّ حقَّه من أموال الأمَّة. وقد لاحظ أحد الصحابة بأنَّ عمر يقتِّر على نفسه وعلى عياله في النفقة فقال له: لو وسَّعت على نفسك في النفقة من مال الله. فأجابه عمر رضي الله عنه: أتدري ما مثلي ومثل هؤلاء كمثل قوم كانوا في سفر فجمعوا ما عندهم من مال وسلَّموه إلى أحد منهم ينفقه عليهم، فهل الرجل يستأثر عنهم مالهم؟» (2)، فقد بيَّن له بالمثال الواضح عن روح المسؤوليَّة التي تحلَّى بها ولاة الأمور في صدر الإسلام، وكيف أَنَّهُم أدركوا مسؤوليَّتهم العظيمة تجاه الرعيَّة، فهو المستخلف أو الوكيل عن أموال الأمَّة، وليس له منها إلاَّ ما يكفي حاجته وحاجة أسرته.
ويبيِّن قول آخر للخليفة عمر وظيفة وليِّ الأمر في مهمَّته تجاه أموال الأمَّة في عبارة مختصرة في مبناها، لَكِنَّهَا عظيمة في معناها، تحمل كلَّ ما تتضمَّنه هذه المسؤوليَّة من وظائف بقوله: «إنَّ الله جعلني خازنا وقاسما» (3)، فهو الخازن الأمين لأموال الأمَّة، يجمعها من مصادرها الشرعيَّة، ويعمل على المحافظة عليها وصيانتها، ثُمَّ يوزِّعها على مستحقِّيها بعدل ومساواة.
وهذا الخليفة الثالث عثمان بن عفَّان رضي الله عنه يكتب إلى عمَّال الخراج في الأمصار يحسِّسهم بهذه المسؤوليَّة: «أَمَّا بعد فإنَّ الله خلق الخلق بالحقِّ فلا يقبل إلاَّ الحقَّ، خذوا الحقَّ وأعطوا الحقَّ به، والأمانةَ الأمانة، قوموا عليها ولا تكونوا أولى من يسلبها، والوفاء الوفاء، لا تظلموا اليتيم ولا المعاهد، فإنَّ الله خصم لمن ظلمهم» (4). فقد أوصاهم بثلاثة أمور هي أساس المعاملات الماليَّة:
__________
(1) الواقدي، محَمَّد بن سعد: الطبقات، تصحيح إدوارد سخاو، منشورات مؤسَّسة النصر- طهران، سنة 1321هـ، مج3، ص215.
(2) ابن تيميَّة، تقيُّ الدين أحمد: السياسة الشرعيَّة في إصلاح الراعي والرعيَّة، مرجع سابق، ص35.
(3) دنيا، شوقي: الإسلام والتنمية، مرجع سابق، ص196.
(4) قطب، إبراهيم محَمَّد: السياسة الماليَّة لعثمان بن عفَّان، الهيئة المصريَّة العامَّة للكتاب، 1986، ص59. (1/158)
صفحة 159
أ) الأخذ والعطاء بالحقِّ.
ب) القيام بالأمانة أحسن قيام.
ج) الوفاء بالحقوق وعدم الظلم.
كما كان الخليفة الرابع عليُّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهه شديد المحاسبة في الشؤون الماليَّة، لنفسه ولعمَّاله، كما كان حريصا على توزيع الأموال ولا يتركها حبيسة بيت المال، كما كان زاهدا ورعا، فقد أشرف يوما على بيت المال وهي ملأى بالنقود والجواهر فقال: «يا بيضاء ويا حمراء ابيضِّي واحمرِّي وغرِّي غيري»، ثُمَّ أمر فقسم جميع ما فيها من أموال (1). ومن وصاياه إلى أحد عماله: «فدع الإسراف مقتصدا، واذكر في اليوم غدا، وأمسك من المال بقدر ضرورتك، وقدِّم الفضل ليوم حاجتك» (2).
المطلب الرابع: المسؤوليَّة الاستخلافيَّة لوليِّ الأمر:
إنَّ القاعدة الإسلاميَّة التي يعمل بها أولو الأمر في الإسلام نجدها ملخَّصة في القرآن: {وَلْتَكُن مِّنكُمُ, أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلىَ الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} (3)، فقد وضعت للهيئة الحاكمة أسلوب العمل يتضمَّن ثلاثة أسس بها يضمن الإسلام إقامة العدل، وإحقاق الحقِّ، وإزالة الباطل، وهي (4):
1 - الدعوة إلى الخير. ... 2 - الأمر بالمعروف. 3 - النهي عن المنكر.
__________
(1) الكفراوي، عوف: سياسة الإنفاق العام في الإسلام، مرجع سابق، ص79.
(2) الإمام عليُّ بن أبي طالب: نهج البلاغة، جمع الشريف الرضي، وشرح الإمام الشيخ محَمَّد عبده، دار الجيل - بيروت، بدون تاريخ، ج2، ص19.
(3) سورة آل عمران، آية 104.
(4) د/ صابر طعيمة: الإسلام والتقدُّم الاجتماعي، المكتبة العصرية - بيروت، ط2، 1973، ص116. المبارك، محمَّد: نظام الإسلام: الاقتصاد، مرجع سابق، ص107. (1/159)
صفحة 160
هكذا وردت مرتَّبة حسب أهمِّيَّتها، ولا يمكن أن تخرج سلطة وليِّ عن هذه الأسس الثلاثة:
أوَّلاً: الدعوة إلى الخير:
وليس هو ذلك المعنى الدارج والمتعارف عليه بِأَنَّهُ الموعظة الحسنة والقول الحسن فقط، وإنَّما الخير خير القرآن، وهو العمل الإيجابيُّ في كلِّ مجالات العمل الصالح، فالقيام بعمارة الأرض والنهوض بالتنمية الاقتصاديَّة، وضمان حدِّ الكفاية لِكُلِّ فرد من أفراد المجتمع، والعمل على إزالة كلِّ تناقضات المجتمع واختلالاته، بتحقيق التوازن الاقتصاديِّ والاجتماعيِّ، كلُّها دعوة إلى الخير الذي يشمله المعنى القرآنيُّ. والخلاصة هو تحقيق مقتضيات الخير في كلِّ ما يأمله أفراد المجتمع.
ويندرج في هذا المعنى إقامة التوازن بين المصلحة العامَّة والخاصَّة، فالأساس الذي ينبني عليه دور الدولة يقوم على قاعدة «تصرُّف الإمام على الرعيَّة منوط بالمصلحة» (1).
لهذا رأى الفقهاء ضرورة قيام الدولة بالخدمات التي تَتَعَلَّق بها مصالح المسلمين، وتقوم بالإنفاق عليها وهو ما يعبَّر عنه بالقطاع العامِّ الذي هو مرتبط بحاجات أفراد المجتمع وضروريَّاته، وأوَّل هذه المهامِّ: دور الدولة في الإشراف على الدفاع والأمن والعدالة والمرافق العامَّة، وكلُّ ما يعجز الأفراد عن تحقيقه، أو إلى احتكاره بحيث يسبِّب ضررا بالمجتمع. فالإسلام يوازن بين هذه المصالح ومصلحة الأفراد فيعطي الفرد القدر الذي لا يطغى به على الجماعة.
فالإنسان مسؤول عن عمله مسؤوليَّة فرديَّة، ولا يتحمَّل انحرافَه غيرُه، لكنَّ الجماعة مسؤولة عن مراعاة مصلحة الجميع، يقول الدكتور شبرا: «إنَّ الإسلام يعترف بالحرِّيَّة الفرديَّة، ولكنَّه لا يقدِّس قوى السوق، فإنَّ العمل الأعمى لقوى
__________
(1) محَمَّد يوسف كمال: فقه الاقتصاد العام، ستابرس للطباعة والنشر، 1410هـ/1990م، ص152. (1/160)
صفحة 161
السوق لا يكافئ بالضرورة تلقائيًّا الجهد الإنتاجيَّ الاجتماعيَّ، ولا يكبح الاستغلال ولا يساعد الضعفاء والمحتاجين، فمن مسؤوليَّة الدولة أن تلعب دورا إيجابيًّا في توجيه وتنظيم الاقتصاد (1).
هكذا يتميَّز الاقتصاد الإسلاميُّ في ظلِّ التوجيه القرآنيِّ إلى الخير بالتدخُّل الاقتصاديِّ للدولة ولا يترك تنظيمه لقوى السوق كما فعلت الرأسماليَّة، إلاَّ أَنَّهُ حدَّد مجالات التدخُّل وجعل لها معيارا محدَّدا وهو تحقيق المصلحة، فكُلَّمَا اقتضت المصلحة العامَّة مدَّت يدها بالتنظيم والمراقبة، وإلاَّ تركت المبادرة الفرديَّة تؤدِّي دورها تحت إشرافها ورعايتها.
ثانيا: الأمر بالمعروف:
بعد الدعوة إلى الخير العامِّ وتوفير سبل الحياة في كنف المجتمع المتوازن، فوليُّ الأمر مطلوب منه الأمر بالمعروف، وهو القاعدة الكلِّيَّة العامَّة التي فرضها الإسلام بإقامة التكاليف وأداء الحقوق، وصيانة المجتمع في مجال المعاملات والأخلاق والآداب العامَّة، والمعروف مفهوم شامل، فهو اسم لكُلِّ فعل يُعرف بالعقل أو الشرع حُسنُه (2)، فكل فعل محسَّن شرعا وعقلا، فالله يأمر بإتيانه والقيام به، من طرف الأفراد ومن الجماعة الممثَّلة في وليِّ الأمر، كلٌّ في نطاق صلاحيَّاته ومستواه.
ثالثا: النهي عن المنكر:
والمنكر: هو ما يترتَّب عليه إلحاق الضرر بالفرد أو الجماعة، وهو كلُّ ما قبَّحه وأنكره الشرع والعقل، أي: عكس المعروف، والنهي عن المنكر يشمل كلَّ ما نهت عنه أصول التشريع الإسلاميِّ، فالاحتكار منكر، والاكتناز منكر، وبخس
__________
(1) د/ شبرا، محَمَّد عمر: نحو نظام نقدي عادل. دار البشير، عَمَّان (الأردن)، ط2، 1410هـ/1990م، ص70.
(2) الأصفهاني: معجم مفردات ألفاظ القرآن، مرجع سابق، ص343. (1/161)
صفحة 162
المكيال والميزان منكر، فعلى وليِّ الأمر محاربتها والقضاء عليها. وله كامل الصلاحيَّة في اتِّخاذ الوسائل لتحقيق ذلك. هذه هي الأسس التي تقوم عليها مسؤوليَّة أولي الأمر، دعوة إلى الخير وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ويمكن جمعها كلِّها في تحقيق المصلحة، فوليُّ الأمر محكوم في تصرُّفه بتحقيق المصلحة، والمصلحة العامَّة هي المحافظة على مقصود الشرع، يقول الإمام أبو حامد الغزالي: «نعني بالمصلحة العامَّة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة، فكلُّ ما يتضمَّن حفظ هذه الأصول فهو مصلحة، وكلُّ ما يفوِّتها فهو مفسدة ودفعها مصلحة» (1).
حقوق وواجبات الأفراد تجاه السلطة:
إذا كانت مسؤوليَّة وليِّ الأمر تقتضي مراعاة مصالح العباد والبلاد، فإنَّ للأفراد واجبات وحقوقا ينبغي القيام بها ليسود الانسجام والتكامل بين أطراف عقد البيعة المبرم بين الأفراد والسلطة:
أ) الحقوق:
ذكر ابن حزم في المحلَّى أنَّ للمسلم على الدولة حقوقا (2)، وهي:
1) للمسلم على الوليِّ حقُّ المأكل والملبس والمشرب، فلا يجوز أن يجوع مسلم أو يعرى.
2) حقُّ التعلُّم، فعلى الدولة توفير سبل التعليم.
3) حقُّ العمل كُلَّمَا طلبه الأفراد، وإن لم تستطع الدولة توفير فرص العمل فعليها ضمان معيشتهم.
4) حماية دم المسلم وماله وعرضه.
__________
(1) الإمام أبو حامد الغزالي: المستصفى، ج1 ص85.
(2) أبو السعود، محمود، خطوط رئيسيَّة في الاقتصاد الإسلامي، الاتِّحاد الإسلامي للمنظمات الطلاَّبيَّة - السالميَّة (الكويت)، 1398هـ/1978م، ص71. (1/162)
صفحة 163
هذه هي الحقوق الأساسية لكُلِّ فرد، إلى جانب الحقوق العامَّة المستمدَّة من روح الشريعة ونصوصها وهي المساواة والعدل بين جميع أفراد الأمَّة.
ب) الواجبات:
على أنَّ للأفراد مراعاة الواجبات التي على أعناقهم بصفتهم مواطنين تجاه السلطة الحاكمة، وتتلخَّص في واجب الطاعة والامتثال لكُلِّ التشريعات والتنظيمات التي تصدرها ابتغاء تحقيق المصلحة العامَّة.
تعرَّضنا في ثنايا هذا المبحث إلى قضيَّة المشروعيَّة التي ترتكز عليها سلطة وليِّ الأمر، ثُمَّ ضرورة إقامة السلطة شرعا وعقلا، وإلى لمحة عن نظرة الخلفاء الراشدين إلى المال وسياستهم الاقتصاديَّة، وإلى مسؤوليَّة وليِّ الأمر المستوحاة من القرآن الكريم، وسنعرض في المباحث الثلاثة القادمة إلى أهمِّ مجالات مسؤوليَّة وليِّ الأمر المتعلِّقة بالوظائف الماليَّة، بدءا بدورها في سكِّ النقود وتداول العملة والمحافظة عليها.
I` I` (1/163)
صفحة 164
المبحث الثاني
دور الدولة في سكِّ العملة وتداولها
بما أنَّ العملة هي وسيلة تبادل الخيرات بين أفراد المجتمع، بغضِّ النظر عن كونها نقودا ذهبيَّة أو فضِّيَّة، أو معدنا آخر، أو على شكل بنكنوت (1)، فهي مال في الاصطلاح الذي اعتمدناه في البحث، وسوف يقتصر البحث في هذا المجال على سكِّ العملة وتداولها دون الدخول في السياسات الماليَّة والنقديَّة التي على الدولة أن تتَّخذها لوضع منهج لسياستها الاقتصاديَّة، لأنَّ ذلك خارج عن نطاق البحث، لذا فسوف يدور المبحث في نقطتين أساسيَّتين:
1) سكُّ النقود من الأعمال السياديَّة للدولة.
2) مسؤوليَّة الدولة في المحافظة على القوَّة الشرائيَّة للنقود.
وقبل ذلك نتعرَّض بإيجاز إلى تعريف العملة ودورها في الدولة الإسلاميَّة.
العملة: هي مجموع الرموز والإشارات المادِّيَّة وغير المادِّيَّة التي تسمح توزيع الخيرات الاقتصاديَّة اعتمادا على نظام للمداخيل والأسعار (2).
فالدور الأساسيُّ للنقود كونها أداة التبادل والمقياس العامَّ للقيمة، وقد استخدمها الإنسان للتخلُّص من مشاكل المقايضة لِمَا تتَّسم به من خصائص جعلتها تقوم بهذا الدور الأصيل، غير أنَّ دور النقود تطوَّر، واستعمل لغرض آخر غير الغرض الأصليِّ، فأصبح هدفها الاكتناز والادِّخار (3).
__________
(1) البنكنوت سند إذني يصدره عادة البنك المركزي بقيمة معيَّنة قابلة للدفع لحامل السند لدى الطلب، فله قوَّة إبراء غير محدودة بمقتضى القانون، وتمثِّل هذه العملة الورقة عادة: الأداة الرئيسية في الوفاء بالمدفوعات النقديَّة. د/ حسين عمر: موسوعة المصطلحات الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص58.
(2) هني، أحمد: العملة والنقود. ديوان المطبوعات الجامعيَّة - الجزائر، ص7، بدون التاريخ والطبعة.
(3) الصدر، محَمَّد باقر: اقتصادنا، مرجع سابق، ص659. (1/164)
صفحة 165
وهكذا استقرَّ في الفكر الاقتصاديِّ أنَّ وظائف النقود أربعة:
1) وسيلة للتبادل.
2) مقياس للقيم.
3) مخزن للقيم.
4) معيار للدفوعات الآجلة (1).
إلاَّ أن الفكر الاقتصاديَّ الإسلاميَّ حدَّد وظائف النقود كما يراها ابن خلدون في ثلاث وظائف، بقوله: «إنَّ الله خلق الحجرين المعدنين من الذهب والفضَّة قيمة لِكُلِّ متموَّل، وهما الذخيرة والقِنْية لأهل العالم في الغالب» (2).
ففي قوله: «قيمة لكُلِّ متموَّل» تحديدٌ لوظيفة قياس القيم. وفي قوله: «الذخيرة» تحديدٌ لوظيفة تخزين القيمة، وفي قوله: «القنية» تحديد لوظيفة التوسُّط في التداول (3).
ظهور النقود في الدولة الإسلاميَّة:
كان اعتماد الدولة الراشدة وصدر الدولة الأمويَّة في معاملاتها الماليَّة على العملات الأجنبيَّة، وهي الدنانير الروميَّة والدراهم الفارسيَّة في الغالب، وفي جزء منها على العملة اليمنيَّة، يقول الماوردي: «كانت الدنانير ترد روميَّة والدراهم ترد كسرويَّة وحميريَّة قليلة» (4).
غير أنَّ الدولة الإسلاميَّة فكَّرت بعد اتِّساع رقعتها وتزايد نشاطها الاقتصاديِّ، ألاَّ تبقى معتمدة على عملات أجنبيَّة، خاصَّة وأنَّ ظروف الحرب ما تزال قائمة
__________
(1) يوسف كمال محَمَّد: فقه الاقتصاد النقدي، دار الهداية، دار الصابوني، ط1، 1414هـ/1993م، ص28.
(2) ابن خلدون: المقدِّمة، مرجع سابق، ص680.
(3) يوسف كمال محَمَّد: فقه الاقتصاد النقدي، مرجع سابق، ص28.
(4) الماوروي، أبو الحسن علي بن محَمَّد: الأحكام السلطانيَّة والولايات الدينيَّة، دار الوفاء- المنصورة (مصر)، ط1، 1409هـ/1989م، ص197. (1/165)
صفحة 166
بينها وبين جيرانها عقب الفتوحات، زد على ذلك أَنَّهَا كثيرا ما ترد عليها مغشوشة، كلُّ هذه العوامل مجتمعة عجَّلت بوضع عملة إسلاميَّة مستقلَّة.
يقول ضياء الدين الريس: «يقول المؤرِّخون: هناك صلة بين سوء العلاقات بين دولتي الإسلام والروم وبين التفكير في وضع عملة مستقلَّة» (1).
فكان أوَّل من ضرب الدراهم باسم الدولة الإسلاميَّة هو عبد الملك بن مروان، يقول الماوردي: «قال سعيد بن المسيّب: إنَّ أوَّل من ضرب الدراهم المنقوشة عبد الملك بن مروان .... فأمر الحجَّاج أن يضرب الدراهم بالعراق فضربها سنة أربع وسبعين، وقال المدائنيُّ: بل ضربها الحجَّاج سنة خمس وسبعين، ثُمَّ أمر بضربها في النواحي سنة ستٍّ وسبعين» (2).
ولا يهمُّ الاختلاف في الشخص، وإن كنَّا نرجِّح أن يكون عبد الملك هو الذي ضربها، أو أمر الحجَّاج بضربها، لأنَّ أمرا بهذه الخطورة لا يمكن أن يصدر من والي العراق بمفرده.
المطلب الأوَّل: سكُّ النقود من مهام وليِّ الأمر:
نظرا للدور الهامِّ الذي تقوم به النقود في الحياة الاقتصاديَّة فَإِنَّهُ يجب أن يكون سكُّ العملة من الأعمال السياديَّة للدولة فلا تتنازل عنها لأيِّ مؤسَّسة أو جهة أخرى (3)، كما أنَّ عليها المحافظة على قيمتها باتِّخاذ السبل الكفيلة، ونهج سياسة اقتصاديَّة وماليَّة صحيحة.
وإنَّ مبدأ إصدار النقد من قبل الدولة ينبغي أن يشمل أيضا ما يسمَّى بالنقود الخطِّيَّة (4) التي تصدرها البنوك، وليس فقط النقود الورقيَّة والمعدنيَّة.
__________
(1) الريس، محمَّد ضياء الدين: الخراج والنظم الماليَّة للدولة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص204.
(2) الماوردي. الأحكام السلطانيَّة، مرجع سابق، ص197.
(3) منذر قحف: الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص145.
(4) النقود الخطِّيَّة: هي مثل النقود الورقيَّة تعتمد على ثقة الناس بها، إلاَّ أَنَّهَا تختلف عنها بكونها عبارة عن أوراق تحرَّر كتابيًّا مثل: الصكوك المصرفية والبريديَّة، وكلُّ السندات التي تمثِّل قيمة معيَّنة، ما عدا الأوراق النقديَّة. (1/166)
صفحة 167
وقد بيَّن المقريزي (1) أنَّ النقود يجب سكُّها من قبل الحاكم، ويجب أن تكون مضبوطة غير مغشوشة، ويردُّ أسباب المجاعات التي حدثت في مصر إلى التلاعب بقيمة النقود فيقول: «وليس بالناس غلاء، وإنَّما نزل بهم سوء التدبير من الحكَّام نتيجة التلاعب بالنقد وضريهم الفلوس بكثرة إلى درجة أصبحت معها النقد الرائج الوحيد في التعامل تقريبا» (2). ويضيف في إعطاء العلاج لهذا التدهور لقيمة النقود قولَهُ: «فلو وفَّق الله من أسند إليه أمر عباده حَتَّى ردَّ المعاملات إلى ما كانت عليه قبل، من المعاملة بالذهب خاصَّة، وردَّ قيم السلع، وعوض الأعمال كلِّها إلى الدينار لكان في ذلك غياث الأمَّة وصلاح الأمور» (3).
والعلاج يكمن ـ في رأي المقريزي ـ في الرجوع إلى قاعدة الذهب، وهو ما كان سائدا في العصر الحديث إلى قيام الحرب العالميَّة الأولى.
ذلك لأنَّ إصدار النقود والتوسُّع في ذلك دون حاجة اقتصاديَّة يؤدِّي إلى انخفاض قيمتها الشرائيَّة لزيادة كمِّيَّتها مِمَّا يسبِّب زيادة الأسعار فيؤدِّي إلى آثار تضخُّمية، فيؤثِّر سلبا على الحياة الاقتصاديَّة (4).
لهذا اهتمَّت الدولة الإسلاميَّة بالنقود وثبات قيمتها، وأداء دورها المنوط بها، حَتَّى لا تحدث تقلُّبات في الاقتصاد، أو تحوِّل القوَّة الشرائيَّة لصالح طبقة على حساب الأخرى، ولا يختلُّ التكامل والتضامن الاجتماعيُّ بين أفراد المجتمع الإسلامي.
__________
(1) هو تقيُّ الدين أحمد بن علي المقريزي، ولد بمصر عام 766هـ، وتوفِّي عام 845هـ، من مؤلَّفاته: إغاثة الأمَّة بكشف الغمَّة، وفيه يبيِّن أسباب المجاعات الإنسانيَّة.
(2) المقريزي: تاريخ المجاعات في مصر، تقديم بدر الدين السباعي، 1956م، ص87.
(3) المرجع نفسه، ص84.
(4) الكفراوي، عوف محمود: النقود والمصارف في النظام الإسلامي، دار الجامعات المصريَّة - الإسكندريَّة، ط2، 1407هـ، ص326. (1/167)
صفحة 168
المطلب الثاني: مسؤوليَّة الدولة في المحافظة على قيمة النقود:
يقول سهل بن عبد الله التستريُّ: «أطيعوا السلطان في سبعة: ضرب الدراهم والدنانير والمكاييل والأوزان والأحكام والحجِّ والجمعة والعيدين والجهاد» (1).
حتَّى إن لم نتأكَّد من مصدر القول وصاحبه، فَإِنَّهُ من الناحيه المنطقيَّة والعقليَّة، تعتبر هذه الأمور من رموز وحدة الأمَّة، فلا يعقل أن يكون لأمَّة واحدة عملتان مختلفتان أو مكيالان، أو أن تقام صلاة العيد في يومين مختلفين، فإن حدث ذلك فَإِنَّهُ يعتبر من مؤشِّرات التصدُّع في كيان الأمَّة، واختلاف اتِّجاهاتها، فعلى الرعيَّة التزام الطاعة في هذه المسائل التي تعبِّر عن وحدة الأمَّة. وبناء على ذلك يكون لوليِّ الأمر الحقُّ في (2):
أ) سكِّ النقود المعدنيَّة، ووزن وعيار كلِّ معدن يدخل في صنعها، وتحديد الوحدة الرئيسيَّة لعملتها، وبيان أسعار العملات الأجنبيَّة بها، وأسعار الذهب والفضَّة.
ب) إصدار الأوراق النقديَّة، وإصدار القوانين التي تفرض صفتها الإلزاميَّة في التعامل، سواء مع النقود المعدنيَّة، أو الورقيَّة.
ج) الإشراف على الائتمان الذي تصدره البنوك، وهو ما يعبَّر عنه بالنقود الخطِّيَّة، وتحديد نسبته وفقا لسياسة الدولة النقديَّة.
د) تحديد النقود كمًّا ونوعًا، طبقا لحاجة التعامل الفعليَّة في إطار سياسة نقديَّة رشيدة، واتِّخاذ الإجراءات اللازمة للمحافظة على قوَّتها الشرائيَّة عن طريق زيادة الإنتاج.
هـ) على وليِّ الأمر أن يوقع أشدَّ العقوبات على كلِّ من يبدِّل أو يغيِّر أو يغشُّ أيَّ عملة من العملات، حرصا على سلامتها وحفاظا على قوَّتها الشرائيَّة.
__________
(1) الدموهي: عوامل الإنتاج، مرجع سابق، ص305.
(2) الدموهي: نقس المرجع، ص306. (1/168)
صفحة 169
المحافظة على قيمة النقود عند فقهاء الإسلام:
كما رأينا أن إصدار النقود يكون من سلطات الهيئة الحاكمة، فإنَّ فقهاء المسلمين يرون أنَّ ذلك من تمام سيادة الدولة، يقول النوويُّ:
«ويكره لغير الإمام ضرب الدراهم والدنانير، وإن كانت خالصة فَإِنَّهُ لا يؤمن فيها الغشُّ والفساد» (1).
فهو يعزي سبب ذلك إلى مظنَّة الغشِّ والفساد، غير أنَّ الضرورة الاقتصاديَّة أولى بالاعتبار، فالنقود لها أثر بالغ في التبادل لا يمكن أن تكون بيد غير سلطة الدولة، بينما يعلِّل أبو يعلى سبب اختصاص الإمام بضرب الدراهم والدنانير، بأَنَّهُ لو سمح بذلك للأفراد لاحتكروا ولأثَّروا في سير اقتصاد الأمَّة، بنقله عن الإمام أحمد قوله: «ولا يصلح ضرب الدراهم إلاَّ في دار الضرب بإذن السلطان؛ لأنَّ الناس إذا رخِّص لهم ركبوا العظائم» (2).
فهذه النصوص تؤكِّد أنَّ ضرب النقود هو من اختصاص السلطان، خوفا من استشراء الفساد والفوضى وغلقا لباب الاحتكار والتحكُّم في مصير الاقتصاد، كما أنَّ دور السلطة لا يقتصر فقط على سكِّ العملة، بل يتعدَّاه إلى المحافظة على قيمتها الشرائيَّة بمنع كلِّ ما يخفض من قيمتها.
ويوجب الفقهاء على السلطات النقديَّة المحافظة على القوَّة الشرائيَّة للنقود، ويحرمون استخدامها مَصدرًا لإيراد الدولة. ويمنعون الإضرار بالناس بإلغاء عملة سائدة وإصدار غيرها. ثُمَّ إِنَّهُم لا يُحمِّلون العملة تكاليف إصدارها، وإنَّما يتحمَّلها بيت المال (3).
__________
(1) النووي: المجموع، نقلا عن كمال يوسف: فقه الاقتصاد، مرجع سابق، ص388.
(2) أبو يعلى: الأحكام السلطانيَّة، نقلا عن كمال يوسف، نفس المرجع والصفحة.
(3) كمال يوسف. فقه الاقتصاد النقدي، مرجع سابق، ص380. (1/169)
صفحة 170
يقول البهوتي: «قال الشيح: ينبغي للسلطان أن يضرب لهم فلوسا تكون بقيمة العدل في معاملاتهم من غير ظلم، تسهيلا عليهم وتيسيرا لمعاشهم، ولا يتجر السلطان في الفلوس بأن يشتري نحاسا فيضربه فيتَّجر فيه، ولا يحرِّم عليهم الفلوس التي بأيديهم ويضرب لهم غيرها، لأَنَّهُ إضرار بالناس وخسران عليهم، بل يضرب النحاس فلوسا بقيمته من غير ربح فيه للمصلحة العامَّة، وتعطى أجرة الصنَّاع من بيت المال، فإنَّ التجارة فيه ظلم عظيم من أبواب ظلم الناس، وأكل أموالهم بالباطل (1).
ففي هذا النصِّ توجيهات اقتصاديَّة في كيفيَّة سكِّ العملة وتداولها وضعها فقهاء الإسلام قبل قرون من ظهور علم الاقتصاد، حَتَّى وكأنَّ التشريعات المعاصرة أخذت منها، فقد نصَّت تشريعات الدول الحديثة على ذلك.
فنرى مثلا المشرِّع الجزائريَّ ينصُّ:
- في المادَّة: 58 من قانون النقد والقرض على ما يلي (2): يصدر البنك المركزيُّ مجَّانا الأوراق النقديَّة.
في المادة: 4 من نفس القانون (3): يعود للدولة امتياز إصدار الأوراق النقديَّة والقطع المعدنيَّة في التراب الوطني.
وقد تضمَّنت هذه التوجيهات ثلاث نقاط رئيسية:
1) إصدار كمِّيَّة النقود بقيمة العدل، بما يقابل الإنتاج، فإصدار النقود بكمِّيَّات أكبر يؤدِّي إلى التضخُّم.
__________
(1) البهوتي: كشَّاف القناع عن متن الإقناع، نقلا عن كمال يوسف: فقه الاقتصاد النقدي، مرجع سابق، ص387.
(2) ترقية الاستثمار: نصوص تشريعيَّة. الناشر: الشركة الوطنيَّة للنشر والإشهار - الجزائر، ص36.
(3) المرجع نفسه، ص 25. (1/170)
صفحة 171
2) إنَّ النقود تسكُّ للتداول، فلا يحقُّ للسلطان اتِّخاذها تجارة، وقد ذكر صورة التجارة بالنقود في عهده، أما الآن فإنَّ التجارة بالنقود اتَّخذت شكلا جديدا وخطيرا، إذ إنَّ أغلب الدول ـ وخاصَّة النامية منها ـ تغطِّي عجزها في ميزانياتها بأسلوب التمويل بالعجز، أي بطبع كمِّيَّة من النقود الورقيَّة بدون مقابل، لتسدَّ بها الخلل الناجم في موازينها، ويترتَّب على ذلك ضرر فاحش باقتصاد الأمَّة، إذ تتسبَّب في ارتفاع الأسعار وزيادة التضخُّم، وهذا نوع من التجارة التي أشار إليها الشيخ وحذَّر منها، واعتبرها ظلما، وأكلا لأموال الناس بالباطل.
3) أن تسدَّد تكاليف سكِّ العملة من بيت المال، حَتَّى تعطى لها قيمتها الحقيقيَّة، كأساس للتبادل، لا بقيمها الذاتيَّة.
عقوبة من يقوم بكسر الدراهم والدنانير:
حفاظا على قيمة النقود، وعلى قوَّتها الشرائيَّة، فقد نصَّ الفقهاء على عقوبة من يقوم بتكسير الدنانير وقطع النقود، وقد نصَّت كثير من النصوص على تحريم ذلك؛ لأَنَّهُ إضرار بالمجتمع والأفراد، فعلى وليِّ الأمر التصدِّي لذلك. ويندرج في هذا التحريم كلُّ ما يؤدِّي إلى تخفيض قيمة النقود، إمَّا بكسرها مادِّيًّا، أو تخفيض قوَّتها الشرائيَّة بإصدار النقود الورقيَّة دون ما يقابلها من العمل والإنتاج.
وإذا كان النوع الأَوَّل هو السائد عند عصور الفقهاء القدامى، إلاَّ أنَّ هذا الشكل من النقود قد زال منذ أن حلَّت النقود الورَقيَّة محلَّ النقود المعدنيَّة.
يقول ابن العربي: «وكسر الدنانير والدراهم ذنب عظيم؛ لأَنَّهَا الواسطة في تقدير قيم الأشياء، والسبيل إلى معرفة كمِّيَّة الأموال وتنزيلها في المعارضات، حَتَّى عبَّر عنها بعض العلماء أَنَّهَا القاضي بين الأموال عند اختلاف المقادير أو جهلها».
ويضيف قائلا: «والدراهم والدنانير إذا كانت صحاحا قام معناها وظهرت فائدتها، فإذا كسرت صارت سلعة وبطلت الفائدة، فأضرَّ بذلك الناس فلأجله (1/171)
صفحة 172
حرِّم»، وقد قال ابن المسيّب قطع الدنانير والدراهم من الفساد في الأرض، إلاَّ أنَّ هناك من الفقهاء من يذهب إلى كراهيَّة ذلك بدل الحرمة، منهم الإمام مالك وأكثر فقهاء المدينة، وبذهب الإمام أبو حنيفة وفقهاء العراق إلى أنَّ كسرها غير مكروه (1). إلاَّ أن القول الأَوَّل أرجح ـ أي الحرمة ـ نظرا للضرر البالغ الذي يحدثه، ولشدة العقوبة التي نصَّ عليها الفقهاء، ولو كان مكروها لما وضعوا له تلك العقوبة، كما نصُّوا أيضا على ردِّ شهادة الذي يقوم بتقطيع العملة.
واختلف الفقهاء، في نوع العقوبة إلى ثلاثة أقوال (2):
أ) عقوبته مطلقا.
ب) قطع اليد.
ج) التعزير.
وإذا كان تكسير النقود وتقطيعها زال مع زوال النقود المعدنيَّة (الذهب والفضَّة) وظهر محلَّها نقودٌ ورقيَّة أو غيرها من الأشكال فإنَّ روح الحكم يبقى ساريا على كلِّ حالة من الحالات التي تؤدِّي إلى إضعاف قيمة النقود، والتخفيض من قوَّتها الشرائيَّة.
ويتجلَّى ذلك في صورتين: إحداهما ظاهرة وجليَّة قد وضعت لها السلطات التشريعات لمكافحتها، والأخرى وهي الأخطر وهي خفيَّة لا يظهر أثرها إلاَّ بعد مدَّة في انخفاض القيمة الشرائيَّة للنقود.
أَمَّا الأولى: فهي تزوير الأوراق النقديَّة، وإصدارها من غير جهتها المختصَّة، فهو الغشُّ الجليُّ الذي نهت عنه التعاليم الإسلاميَّة، ونصَّت القوانين الوضعيَّة على
__________
(1) الماوردي: الأحكام السلطانيَّة، مرجع سابق، ص198.
(2) المرجع نفسه، ص 198. (1/172)
صفحة 173
عقوبة من يقوم بها، فقد نصَّت المادَّة: 197 من قانون العقوبات الجزائري (1): بالعقوبة على تقليد وتزوير الأوراق النقديَّة والقطع النقديَّة التي أصدرها البنك الجزائريُّ أو أصدرتها أيَّة سلطة نقديَّة قانونيَّة أجنبيَّة أخرى، كما يعاقب طبقا لنفس المادَّة أعلاه على إدخال هذه الأوراق النقدية المقلَّدة أو المزوَّرة وبيعها بالتجوُّل وتوزيعها».
أَمَّا الصورة الثانية: فهي إصدار العملة بدون مقابل، فهي تشبه الصورة الأولى من حيث النتيجة، لكنَّ خطورتها تكمن في أنَّهَا تقوم بها السلطات النقديَّة المسؤولة عن حماية القيمة الشرائيَّة للنقود، فعند عجز الميزانيَّة العامَّة للدولة، يُسدُّ الخلل بإصدار مزيد من الأوراق النقديَّة بدون مقابل ـ كما أشرنا سابقا ـ. والمتضرِّر الأكبر من هذه العمليَّة هو الاقتصاد القوميُّ بصفة عامَّة، وفئات المجتمع ذوي الدخل المحدود.
فإذا كانت التشريعات الوضعيَّة وضعت العقوبات للصورة الأولى، فمن يحمي النقود من الصورة الثانية، خاصَّة وأنَّها تقوم بها السلطات النقديَّة نفسها كإجراء اقتصاديٍّ لمعالجة عجز الميزانيَّة؟!.
فإذا كان العالم يقف في حيرة أمام هذا الداء ـ داء التضخُّم ـ فإنَّ الإسلام ينفرد بعلاج شاف لهذا الداء، فعلى السلطات النقديَّة أن تتعبَّد بالبحث عن الأساليب التي توفِّر ثبات القوَّة الشرائيَّة للعملة كأصل من أصول النظام العامِّ (2).
]]]
__________
(1) ترقية الاستثمار، نصوص تشريعيَّة، مرجع سابق، ص25.
(2) كمال يوسف: فقه الاقتصاد النقدي، مرجع سابق، ص390. (1/173)
صفحة 174
المبحث الثالث
دور الدولة في الإشراف على الأموال العامَّة
تعرَّضنا في الفصل الثاني إلى أشكال الملكيَّة في الاقتصاد الإسلامي، وانتهينا إلى أنَّها قسمان: فرديَّة وعامَّة، ووضعنا المعيار المميِّز بين الملكيَّتين، فالأولى يرعاها الأفراد بحكم الغريزة الفطريَّة، مع ارتباطها بالوظيفة الاستخلافية، أَمَّا الثانية فإنَّ وليَّ الأمر هو المسؤول عنها وعلى رعايتها وضمان أداء دورها، وهي التي تقوم بالوفاء بالحاجات الجماعيَّة.
المطلب الأوَّل: الأدلَّة المثبتة للملكيَّة العامَّة في الإسلام:
قد يُعتقد أنَّ نشأة الملكيَّة العامَّة هي نتاج الفكر الاشتراكيِّ المعاصر، إلاَّ أنَّ الوقائع التاريخيَّة تؤكِّد أنَّه مع وضع أسس الدولة الإسلاميَّة بعد هجرة الرسول J إلى المدينة المنوَّرة كانت ملامح كلٍّ من الملكيَّتين العامَّة والخاصَّة متميِّزة، فقد وردت أَدلَّة من الكتاب والسنَّة وفعل الصحابة ما يؤكِّد ذلك (1):
أ) قال تعالى: {هُوَ الذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فيِ الاَرْضِ جَمِيعًا} (2)، وفي معنى من معاني الآية ما يفيد الملكيَّة الجماعيَّة (3).
ب) قال الرسول J : « المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار» (4)، وهي أشياء ضروريَّة لا غنى للإنسان عنها.
__________
(1) بسيوني: الحرِّيَّة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص218.
(2) سورة البقرة، آية 29.
(3) انظر: البهي الخولي: الثروة في ظلِّ الإسلام، مرجع سابق، ص93.
(4) تقدَّم تخريجه، انظر: ص117 من الرسالة. (1/174)
صفحة 175
ج) يقول الرسول J : « من أحيى أرضا ميِّتة فهي له» (1). فالإحياء تمليك بالاختصاص من الأصل الذي هو أنَّ ملكيَّة الأرض تعود إلى الملكيَّة العامَّة.
د) قوله تعالى: {مَآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ اَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ... } الآية (2)، المعنى العامُّ للآية أنَّ أموال الفيء والغنائم قبل قسمتها تكون ملكا لجماعة المسلمين، ويقول بعض المفسِّرين (3) إنَّه عندما ترد كلمة «لله وللرسول»، فَإِنَّهُ يقصد بها الحقُّ العامُّ، مثل ما ورد في حدِّ الحرابة في قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَآؤُاْ الذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ, وَيَسْعَوْنَ فِي الاَرْضِ فَسَادًا ... } الآية (4)، فالحرابة لا تكون إلاَّ للأشخاص والممتلكات العامَّة والخاصَّة.
هـ) يقول الرسول J : « لا حمى إلاَّ لله ولرسوله» (5)، فالحمى لا يكون إلاَّ لمصلحة ومنفعة عامَّة ولا يخصُّ أحدا، والحمى هو نوع من أنواع الملكيَّة العامَّة التي شرعها الرسول J ، وحدَّد نطاقها وأهدافها.
المطلب الثاني: أهداف الملكيَّة العامة وأشكالها
الفرع الأوَّل: أهدافها:
إنَّ الغاية من تشريع الملكيَّة العامَّة تحقيق أهداف بعيدة، والاضطلاع بمهامَّ تعود بالفائدة لصالح الجميع، ويمكننا أن نستنتج من خلال النصوص الواردة في تشريع الملكيَّة بعض الأهداف (6):
__________
(1) أخرجه البخاريُّ، كناب الحرث وا لمزارعة، الباب 15، ج5، ص18/ مرجع سابق.
(2) سورة الحشر، آية 7.
(3) انظر: سيِّد قطب: في ظلال القرآن، مرجع سابق، مج2، ص873 - 879.
(4) سورة المائدة، آية 33.
(5) أخرجه البخاريُّ، كتاب الجهاد، ج1 - 2، ص291، رقم 1292 / مرجع سابق.
(6) النبهان: محَمَّد فاروق: الاتِّجاه الجماعي، مرجع سابق، ص251. (1/175)
صفحة 176
1) إيجاد إيراد عامٍّ لتمويل النفقات العامَّة للدولة التي تحتاج إليها، فعلى الإمام إيجاد قطاع عامٍّ يكون المصدر الرئيسيَّ لهذه النفقات، وقد أستخدم النبيُّ J ريع أراضي خيبر في جانب كبير منه للمصالح العامَّة، كما فعل كذلك بأراضي الحمى التي حماها، ونفس الموقف اتَّخذه الخليفة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه من أراضي السواد بالعراق لَمَّا افتتحها، فأبى قسمتها كملكيَّة خاصَّة، بل تركها من أموال القطاع العامِّ، وفرض على استغلالها الخراج لتمويل الخزانة العامَّة وتغطية نفقاتها.
2) الملكيَّة العامَّة أداة من أدوات إقامة التوازن الاجتماعي في المجتمع الإسلامي، فهي بمثابة إجراء توزيعيٍّ يهدف إلى إشباع حاجات الفئات الفقيرة، وقد وظَّفها عمر بن الخطَّاب لهذا الغرض لَمَّا حمى الربذة، وقال لعامله عليها: «أدخل ربَّ الصريمة والغنيمة ـ أي صاحب الإبل القليلة والغنم القليلة ـ ودعني من نعم ابن عفَّان وابن عوف ... » (1). وعلَّل ذلك بأنَّهما من الأغنياء ولهم موارد أخرى، بينما ربُّ الغنيمة والصريمة ليس له مورد غيرها.
ويمكن أن يتَّخذ هذا الإجراء أشكالا أخرى لإقامة التوازن الاجتماعيِّ والاقتصاديِّ في إطار الملكيَّة العامَّة.
3) وإذا اعتبرنا أنَّ الوقْف شكل من أشكال الملكيَّة العامَّة، فإنَّ ذلك تشجيع للأعمال الخيريَّة، لِمَا يقوم به من تقديم خدمات عامَّة في التعليم والرعاية الصحِّيَّة ومساعدة الفقراء والمساكين وأبناء السبيل.
الفرع الثاني: أشكال الملكيَّة العامَّة:
عند البحث عن أنواع الملكيَّة رجَّحنا التقسيم الذي يقسِّمها إلى صنفين: ملكيَّة عامَّة وملكيَّة خاصَّة بالمعيار المميِّز بين الملكيَّتين.
__________
(1) أبو عبيد: الأموال، مرجع سابق، ص 125. (1/176)
صفحة 177
إلاَّ أنَّ اصطلاح الملكيَّة العامَّة يمكن أن يأخذ مصطلحا معبِّرا وجامعا، وهو ملكيَّة الأمَّة، فهي تشمل ملكيَّة الدولة والملكيَّة العامَّة، وتعبِّر من ناحية أخرى أنَّ هذه الأموال هي حقٌّ للأمَّة جمعاء، كما أنَّها تقابل النوع الثاني من الملكيَّة وهي ملكيَّة الأفراد.
إلاَّ أَنَّهُ لا مشاححة في المصطلحات، وسواء أصطلحنا عليها بملكيَّة الأمَّة أو الملكيَّة الجماعيَّة، فهي تعبِّر عن الأموال التي تملك ملكيَّة جماعيَّة، وتشرف عليها الدولة.
وقبل استعراض أنواع الأموال العامَّة في الإسلام، لا بأس من عرض مختصر لأشكال الأموال العامَّة في الاقتصاد الوضعيِّ:
أوَّلاً: أشكال الأموال العامَّة في الاقتصاد الوضعي:
تقسِّم النظم المعاصرة أملاك الدولة إلى نوعين (1):
أ) الدومين العام: ويراد به ممتلكات الدولة المعدَّة للاستعمال العامِّ، ولخدمة المرافق العامَّة، مثل: الطرق والجسور والمباني الإداريَّة، كالوزارات والبلديَّات، والحدائق العامَّة، وعادة ما لا تطلب الدولة من الأفراد ثمنا مقابل استعمالهم لهذه الأموال، إلاَّ أنَّها قد تفرض رسوما عليها، مثل زيارة المتاحف والحدائق.
ب) الدومين الخاص: يقصد به الأموال التي تملكها الدولة كالملكيَّة الخاصَّة للأفراد، بصفتها شخصا معنويًّا من أجل الصالح العامِّ، ويدرُّ الدومين الخاصُّ ـ عكس العام ـ إيرادا يشكِّل جزءا من إيرادات الدولة. وينقسم الدومين الخاصُّ تبعا لنوع المال الذي يتكوَّن منها إلى ثلاثة أقسام:
1) الدومين الزراعي: يشمل الأراضي الزراعيَّة والغابات.
__________
(1) د/ رفعت المحجوب: الماليَّة العامَّة، دار النهضة العربية - القاهرة، 1979، ص188. (1/177)
صفحة 178
2) الدومين التجاري والصناعي: يشمل المشروعات الصناعيَّة والتجاريَّة.
3) الدومين المالي: يشمل محفظة الدولة من الأوراق الماليَّة.
ثانيا: أشكال الأموال العامَّة: في صدر الإسلام:
عند استعراضنا لأشكال الأموال العامَّة في الإسلام لا نجدها تختلف في كثير من مكوِّناتها عن التقسيم الوضعي، إلاَّ أنَّنا نجد بعض الأموال تزيد في التقسيم الإسلاميِّ، وهي تتطابق مع روح الشريعة في الحضِّ على بذل الخير ومساعدة الضعفاء، مثل: الوقف والحمى، كما أنَّ معيار التمييز بين أنواعه يختلف من نظام لآخر.
ونظرا للدور الاقتصاديِّ والاجتماعيِّ للملكيَّة العامَّة فقد عمل الرسول J على إيجادها وتنظيمها، وإن كان نطاقها ضيِّقا في زمنه J مقارنة بالوقت الحاضر، إلاَّ أَنَّهُ يجب أن يوضع في الحسبان أنَّ الاقتصاد الإسلاميَّ كان ذا طابع رعويٍّ زراعيٍّ، حيث تسود تربية الأنعام، خاصَّة الإبل والغنم وزراعة النخيل في المدينة.
وقد اتَّخذ الرسول J إجراءات في هذا المجال لتأكيد مهمَّة ملكيَّة الأمَّة ووجودها منذ نشأة دولة الإسلام:
أ) أنَّه حَمى النقيع:
يقول أبو عبيد: «حمى الرسول J النقيع، وهو موضع معروف بالمدينة لخيل المسلمين» (1)، وقال: «لا حمى إلاَّ الله ولرسوله» (2)، تصحيحا لعرف كان سائدا في الجاهليَّة، يستند إلى القوَّة والغلبة، فقد كان الرجل العزيز من العرب إذا قصد لأجل الكلأ بلدا مخصبا أوفى بكلب على جبل ثُمَّ استعوى الكلب بعد أن وقف له من يسمع صوته بالعواء، فحيث بلغ صوته حماه من كلِّ ناحية، فيمنع الناس من الرعي
__________
(1) أبو عبيد: الأموال، مرجع سابق، ص125.
(2) تقدَّم تخريجه، انظر فيما سبق، ص175. (1/178)
صفحة 179
في هذا الحمى، ويرعى مع الناس في باقي الأرض، وهذا المفهوم الخاصُّ للحمى منعه الإسلام (1)، وشرع المفهوم العامَّ له، وهو الذي يكون لمصلحة عامَّة للمسلمين، مثل جمع خيل الجهاد أو أنعام الصدقة والجزية.
فالحمى نوع من ملكيَّة الأمَّة التي شرعها الإسلام لمصلحة عامَّة، يمكن أن يطوَّر ويوسَّع في مفهومه، طبقا للتطوُّر الاجتماعيِّ والاقتصاديِّ، فيؤدِّي دوره كشكل من أشكال الملكيَّة العامَّة، وعلى وليِّ الأمر تقنينه وتنظيمه بناء على الأسس التي أقامه عليها الرسول J .
كما سلك عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه نفس السبيل في حمايته للربذة، يقول أبو عبيد: حمى عمر لإبل الصدقة ولابن السبيل جميعا (2)، ويستدلُّ من وصيَّة عمر لعامله على الربذة أنَّه جعلها أيضا لأنعام الفقراء من المسلمين (3).
ومن خلال إجراء الرسول J وعمر بن الخطَّاب رضي الله عنه نرى أنَّ ملكيَّة الأمَّة تقوم بدور رعاية مصالح الأمَّة، والوفاء بالحاجات العامَّة حيث طبيعة النشاط الاقتصادي السائد.
ب) خراج الأراضي المفتوحة عنوة:
أوَّلاً: خراج أراضي خيبر:
ذكر أبو عبيد: «وممَّن منَّ عليه النبيُّ J أهل خيبر، وإنَّما افتُتحت عنوة، فقد قسم رسول الله J أرضها ومنَّ على رجالها، وتركهم عمَّالا في الأرض معاملة بالشطر لحاجة المسلمين كانت إليهم، حَتَّى أجلاهم عمر حين استغنى الناس
__________
(1) رفيق المصري: أصول الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص172.
(2) أبو عببد: الأموال، مرجع سابق، ص52.
(3) انظر نصَّ الوصية فيما سبق، ص176. (1/179)
صفحة 180
عنهم» (1). كانت خيبر مصدر خراج للماليَّة العامَّة في الإسلام، أي موردًا من موارد القطاع العامِّ الذي يلبِّي حاجات الأمَّة في مجال الإنفاق، منذ فتحها في عهد الرسول J ، حَتَّى عهد عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، حيث استبدل العمَّال اليهود بالعمَّال المسلمين لَمَّا تدرَّبوا، وأتقنوا فنَّ الزراعة والفلاحة، وبقيت خيبر تموِّل بيت مال المسلمين.
ومن أسباب موافقة الرسول J على الصلح الذي تقدَّم به اليهود، أنَّ الحدائق والنخيل التي كانت تحفل بها، هي في حاجة إلى الأيدي العاملة الوفيرة والمدرَّبة لضمان الإنتاج. وإن كان الأنصار أهل زراعة، فقد كانت أرضهم في حاجة إلى جهودهم كما كانوا جنودا في الجيش الإسلاميِّ (2)، ولَمَّا لغيرت الأمور في عهد عمر بن الخطَّاب، استبدل اليد العاملة، غير أنَّ تلك الأراضي بقيت تؤدِّي دررها الاقتصاديَّ كقطاع عامٍّ لتمويل بيت مال المسلمين.
ثانيا: خراج أراضي السواد:
لَمَّا تمَّ فتح أراضي العراق والشام جعلها عمر بن الخطاب فيئا على المسلمين ما تناسلوا ولم يخمِّسه، رغم معارضة بعض الصحابة على ذلك، لَكِنَّهُ حاجَّهم بأَدلَّة من القرآن، ووافقه على رأيه عليُّ بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل (3)، وقال في معرض حجَّته: «إن قسَّمت أرض العراق بعلوجها، وأرض الشام بعلوجها، وما يكون للذرِّيَّة والأرامل بهذا البلد وبغيره من أرض الشام والعراق» (4). ولذلك رأى ما يلي:
أ) توقف الأرض بعمَّالها، أي تصبح ملكا للأمَّة الإسلاميَّة عامَّة، ويوضع عليها الخراج، وفي رقاب أصحابها الجزية.
__________
(1) أبو عبيد: الأموال، مرجع سابق، ص52.
(2) قطب، إبراهيم محَمَّد: الماليَّة العامَّة في الدولة الإسلاميَّة، ص161.
(3) أبو عبيد: الأموال، مرجع سابق، ص163.
(4) أبو يوسف: الخراج، مرجع سابق، ص124 - 125. (1/180)
صفحة 181
ب) يؤول ذلك الخراج ـ بالإنفاق ـ إلى مصالح المسلمين، وخاصَّة الجيوش في الثغور، فالزمن كان زمن فتوحات، والإنفاق العسكريُّ يتطلب موارد ضخمة، لضمان إدرار العطاء على الجيوش (1).
من خلال هذين النموذجين: خراج خبير الذي وضعه الرسول J ، وخراج سَوَاد العراق الذي وضعه الخليفة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، ندرك مدى أهمِّيَّة الملكيَّة العامَّة لدى الرسول J وخلفائه من بعده.
ج) المرافق العامَّة:
تقوم المرافق العامَّة بدور هامٍّ في الحياة الاجتماعيَّة المتمثِّلة في الوفاء بالرغبات الإنسانيَّة والمعنويَّة والمادِّيَّة، فعلى وليِّ الأمر إنشاء كلِّ مرفق يراه ضروريًّا لتوفير حياة أفضل لأفراد أمَّته، ولمساعدتهم على إدراك الغايات التي من أجلها خلقوا.
انطلاقا من غاية المرافق العامَّة نجد أنَّ الرسول J أنشأ عدَّة مرافق عند تأسيسه لدولته بالمدينة، وسنخصُّ بالذكر مرفقين هامَّين لهما أثرهما البالغ في الحياة السياسيَّة والاقتصاديَّة:
1) بناؤه للمسجد.
2) إنشاؤه للسوق.
1) بناء المسجد: عقب وصوله J إلى المدينة فكر ـ أوَّل ما فكَّر ـ في بناء مسجده ليجمع كلمة المسلمين، ويكون نقطة ارتكاز في بناء دولته الفتيَّة، فكان يقوم بدور المدرسة والمحكمة والبرلمان، إلى جانب جمعه للمسلمين خمس مرَّات في اليوم لأداء الصلوات المفروضة.
__________
(1) قطب، إبراهيم محَمَّد. الماليَّة العامَّة، مرجع سابق. ص163. (1/181)
صفحة 182
2) إنشاء السوق: وجد النبيُّ J عند هجرته إلى المدينة أنَّ اليهود يحتكرون الحياة الاقتصاديَّة، إذ كان سوقهم في بني قينقاع، فكانت لهم السيادة عليه، فمضى الرسول J إلى مكان فسيح وضرب فيه برجله، وقال: «هذا سوقكم لا تنتقص ولا يضرب عليه خراج» (1)، فقامت السوق قويَّة منظَّمة، على هدي الرسول J وتعاليمه، فأزيل تسلُّط اليهود على الأسواق واحتكارهم.
د) الوقف:
يدخل في نطاق ملكيَّة الأمَّة، وهو يشبه في غرضه وهدفه ما وُقف لجماعة المسلمين، كالأراضي التي فتحت عنوة ولم توزَّع على الغانمين، والوقف لغة: الحبس، وفي الاصطلاح الفقهيِّ: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة (2)، على خلاف بين الفقهاء لمن تنتقل إليه الملكيَّة؟ إلى الله أم للموقوف له، أم تبقغى على ملك الواقف.
والأصل في الوقف قول الرسول J لعمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ أصاب أرضا بخيبر فاستشاره في كيفيَّة استثمارها فقال: «إن شئت حبست أصلها وتصدَّقت بثمرتها» (3).
وقوله J : « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاَّ من ثلاث: صدقة جارية ... » (4)، والصدقة الجارية قد تكون وقفا على جهة البرِّ والمعروف. وقد أدَّى الوقف عبر التاريخ الإسلامي مهمَّة عظيمة في ميدان التضامن والتكافل الاجتماعيِّ في مختلف المجالات الإنسانيَّة، وهو نوع من أنواع أموال الأمَّة.
__________
(1) عبد السميع المصري: التجارة في الإسلام، مكتبة وهبة - القاهرة، ط2، 1406هـ/1986م، ص16.
(2) نزيه حماد: معجم المصطلحات الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص289.
(3) أخرجه البخاريُّ، كتاب الوصايا، الباب 28، ج5 ص399، رقم 2772 / مرجع سابق.
(4) أخرجه الترمذيُّ، كتاب الأحكام، الباب 36، في الوقف، مج3، ص660، رقم 1376 / مرجع سابق. (1/182)
صفحة 183
وقد قسَّم بعض الفقهاء المحدثين الوقف باعتبار الجهة الموقوفة له إلى قسمين: أهليٍّ وخيريٍّ.
أ) الأهلي: وقف المرء على نسبه أو ذرِّيَّته وأقاربه.
ب) الخيري: وهو الوقف الحقيقيُّ الذي حثَّ عليه الرسول، وأشار إليه في قصَّته مع عمر بن الخطاب، وهو وقف على جهة البرِّ والمعروف كالمساجد والمدارس والملاجئ والمستشفيات.
من خلال تتبُّعنا لأشكال ملكيَّة الأمَّة في صدر الإسلام يتبيَّن لنا أنَّ الدولة الإسلاميَّة فكَّرت في إنشاء ملكيَّة عامَّة لضمان الوظائف التي ذكرناها آنفا، وان كان قد اقتصر شكلها على القطاع الزراعيِّ، لأنَّ الاقتصاد السائد كان زراعيًّا بالدرجة الأولى، إلاَّ أن ذلك لا يمنع إيجاد أموال الأمَّة في المجالات التي يتطلَّبه، التطوُّر كالمجالات الصناعيَّة والتجاريَّة والماليَّة.
المطلب الثالث: الأموال التي اختلف الفقهاء في شكل ملكيَّتها:
بعد عرضنا لنماذج من الملكيَّة العامَّة الموجودة منذ عهد الرسول J وخلفائه من بعده، نورد بعض الأموال التي اختلف فيها المجتهدون في شكل ملكيَّتها؛ أتملك ملكيَّة عامَّة أم خاصَّة؟
وهذا الاختلاف يؤكِّد مرونة الشريعة الإسلاميَّة، وصلاحيَّتها لِكُلِّ زمان ومكان، إذ يصلح أن تكون بعض الأموال تحت الملكيَّة العامَّة في ظلِّ ظروف وزمان ومكان معيَّن، بينما تملك ملكيَّة فرديَّة متى تغيَّرت تلك الظروف.
إلاَّ أنَّ المعيار الذي وضعه الفقهاء للتمييز بين الملكيَّتين يبقى دائما هو الحَكَم والمقياس.
وممَّا اختلف الفقهاء في ملكيَّته نوعان من المال يعتبران موردين هامَّين من الموارد الاقتصاديَّة، هما: (1/183)
صفحة 184
أ) الأراضي الزراعيَّة.
ب) المعادن.
الفرع الأوَّل: الأراضي الزراعيَّة:
ينبغي التمييز في البحث عن ملكيَّة الأراضي الزراعية على مستويين:
أوَّلاً: التاريخ الإسلامي.
ثانيا: الواقع المعاصر.
أوَّلا: التاريخ الإسلامي:
قسَّم الفقهاء ملكيَّة الأراضي باعتبار دخولها في الإسلام إلى خمسة أنواع كما يلي (1):
نوع الأرض ... الحكم فيها
1 ... الأراضي التي أسلم عليها أهلها ... تبقى لأهلها مع حرمة دمائهم
2 ... الأراضي التي صولح عليها أهلها ... على ما صولح عليها واتَّفَقوا عليه
3 ... الأراضي التي فتحت عنوة ... خلاف بين الفقهاء في تقسيمها وتركها
4 ... الأراضي التي جلا عنها أهلها ... تعود لملكيَّة الأمَّة
5 ... الأراضي التي لم تكن في حوزة أحد ... تعود لملكيَّة الأمَّة
والنوع الخامس والأخير وهو عادي: الأرض التي لا مالك لها أثناء دخول الفتح الإسلامي، وهي صنفان:
__________
(1) العبادي: الملكيَّة في الشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص272. الصدر: اقتصادنا، مرجع سابق، ص441. (1/184)
صفحة 185
أ) الأراضي الموات: وهي ليست أراضي زراعيَّة، ولا يوجد عليها بناء ولا حريم لأهل قرية مجاورة، فهذه الأرض يمكن أن يقطعها الإمام لمن أراد، أو تملك ملكيَّة فرديَّة بالإحياء.
ب) الصوافي: وهي الأرض التي تأخذها الدولة بعد أن باد أهلها أثناء الحرب، وحكمها حكم أرض الموات (1).
آراء الصحابة والتابعين في أراضي العنوة (2):
الأقوال ... القائلون به
1 ... وجوب تقسيمها على الفاتحين (تملك ملكيَّة خاصَّة) ... بلال والزبير وأنس بن مالك
2 ... تصير وقفا لجميع المسلمين (تملك ملكيَّة عامَّة) ... عمر بن الخطَّاب وعليُّ بن أبي طالب ومعاذ
3 ... للإمام الخيار بين الوقف والتقسيم ... أبو عبيد وسفيان بن سعيد
ثانيا: الواقع المعاصر:
ذهب بعض المحدثين (3) إلى أنَّ الأرض التي فتحت عنوة ما زالت تعتبر ملكا مشتركا بين جميع المسلمين، فلا تباع ولا تشترى ولا تورث، وتبقى كذلك إلى يوم الدين، فهو بذلك يعتبر معظم أراضي البلاد العربيَّة أراضي مشتركة، ويستدلُّ على ذلك بآيات من القرآن، وبما فعله عمر بن الخطَّاب بأراضي الشام والعراق وما قال به أئمَّة المذاهب.
__________
(1) الحسب: في الفكر الاقتصادي، مرجع سابق، ص36.
(2) أبو عبيد: الأموال، مرجع سابق، ص33.
(3) محَمَّد المنتصر الكتاني: الأموال، القسم الأوَّل، ص50 - 1 5. نقلا عن: العبادي، الملكيَّة في الشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ج1، ص335. (1/185)
صفحة 186
ولو أخذنا بهذا الرأي لمنعنا تمليك الأراضي ملكيَّة فرديَّة إلاَّ في نطاق الاستغلال. غير أنَّ التاريخ الإسلاميَّ يبيِّن لنا أنَّ بعض الملوك حاولوا استرجاع هذه الأراضي إلى بيت المال مرَّة أخرى، لكن عارضه علماء زمانه، فهذا الملك الظاهر بيبرس الذي حكم مصر وتوفِّي سنة 676هـ أراد أن يعيد إلى بيت المال كلَّ أرض لا يُثبِتُ مَن هي تحت تصرُّفه عقدَ ملكيَّته، فعارضه العلماء، وعلى رأسهم الإمام النوويُّ (1). ويقرِّر الإمام أبو زهرة وهو من العلماء المعاصرين بأنَّ أراضي البلاد الإسلاميَّة أراضٍ مفتوحة، لذلك فهي تملك تمليك منفعة لا ملكيَّة رقبة، إلاَّ أَنَّهُ أباح التصرُّف فيها بالبيع والشراء والإجارة والمزارعة (2).
فهو تعطي كلَّ صلاحيَّات ملكيَّة الرقبة للمنتفع بها، ولا يلزمه دفع أيِّ خراج للدولة، ويعطي لوليِّ الأمر حقَّ استرجاعها متى اقتضت المصلحة.
وأغلب التشريعات الحديثة في البلاد العربيَّة والإسلاميَّة تعتبر الأراضي غير المملوكة ملكيَّة فردية من أملاك الدولة، ولا يجوز التصرُّف فيها إلاَّ بإذنها، فقد نصَّ المشرِّع الجزائريُّ في مادَّة 773 من القانون المدنيِّ (3): «تعتبر ملكا من أملاك الدولة جميع الأموال الشاغرة التي ليس لها مالك، وكذلك أموال الأشخاص الذين يموتون من غير وارث أو الذين تهمل تركتهم».
أخلص من بيان مواقف مذاهب المسلمين قديما وحديثا حيال الأرض أنَّ الشريعة أولت لها اهتماما كبيرا باعتبارها من الأموال الإنتاجيَّة التي تهمُّ مصلحه الأمَّة إلى جانب المصالح الفرديَّة، فقد حرَّم الإسلام إهمال الأرض وتركها دون نفع، وحثَّ على إعمارها، وتنمية موارد الأمَّة. وأنَّ اشتراط قبول وليِّ الأمر في إحياء الأراضي ضرورة تنظيميَّة تقتضيها الظروف المعاصرة (4).
__________
(1) العبادي: الملكيَّة، مرجع سابق، ج1، ص330.
(2) أبو زهرة: الملكيَّة ونظريَّة العقد، مرجع سابق، ص110.
(3) وزارة العدل: القانون المدني، ديوان المطبوعات الجامعيَّة - الجزائر، 1984، ص179.
(4) الفضل: الوظيفة الاجتماعيَّة، مرجع سابق، ص76. (1/186)
صفحة 187
الفرع الثاني: المعادن:
يقصد بالمعادن كلُّ ما يخرج من العناصر المخلوقة في الأرض من غير التراب، كالذهب والفضَّة من الجوامد، والنفط والقار من السوائل. ويقسِّم الفقهاء المعادن إلى قسمين:
أ) معادن ظاهرة: وهي المعادن التي لا يحتاج تحصيلها إلى طلب، وهي تتميَّز عن الأرض، ويوصل إليها من غير مؤونة مثل الملح.
ب) معادن باطنة: وهي التي يحتاج تحصيلها إلى طلب، فلا تتميَّز عن الأرض، ولا يوصل إليها إلاَّ بالعمل والمؤونة (1).
وقد ميَّز الفقهاء أيضا في بيانهم لأحكام المعادن بين أنواع الأراضي التي توجد فيها، أهي مملوكة ملكيَّة خاصَّة أم ملكيَّة الأمَّة، ولقد اتَّفَقت كلمة المذاهب على أنَّ المعادن الموجودة في الأراضي التابعة للأمَّة تعود لبيت مال المسلمين، أمَّا ما كان في ملكيَّة خاصَّة ففيه خلاف بين أئمَّة المذاهب، فيقول ابن حزم:
«ومن خرج في أرضه معدن فضَّة أو ذهب أو نحاس أو أيِّ شيء كان له، ويورث عنه، وله بيعه ولا حقَّ للإمام معه فيه، ولا لغيره، وهو قول أبي حنيفة والشَّافعيِّ، وقال مالك: تصير الأرض للسلطان (2).
ولو سلَّمنا بقول ابن حزم ومن معه، فإنَّ الشريعة لا تعفي مالك المعدن من الحقِّ الواجب فيه، فهو يصرف مصرف الزكاة، فيعتبر ركازًا أو ممَّا يخرج من الأرض: {أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الاَرْضِ} (3)، أو يخرج مخرج الفيء على القول الآخر (4)، فيخرج منه خمسه، أي عشرون بالمائة 20 %.
__________
(1) نزيه حماد: معجم المصطلحات الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص257.
(2) ابن حزم: المحلَّى، مرجع سابق، ج7، ص80.
(3) سورة البقرة، آية 267.
(4) الزرقا: نظم التوزيع، مرجع سابق، ص13. (1/187)
صفحة 188
وقد ذهب المالكيَّة كما أشرنا (1) والشيعة (2) إلى أنَّ المعادن مهما كانت طبيعة الأرض، ومهما كانت طبيعة المعدن، ظاهرة أو باطنة تعود ملكيَّتها إلى الأمَّة، أي: لا يجوز تمليكها ملكيَّة خاصَّة نظرا لأهمِّيَّتها، وعدم التوافق بين الجهد المبذول والناتج الذي يحصل منها.
وهو رأي جدير بالاهتمام والأخذ به، خاصَّة وأنَّ الصناعات الاستخراجيَّة تعتبر القاعدة الأساسية لبناء اقتصاد الأمَّة، وتشكِّل الجزء الأكبر من دخل الأمَّة، ممَّا لا يجوز أن تبقى ملكا للأفراد (3).
خلاصة القول: إنَّ الملكيَّة العامَّة أصليَّة في التشريع الإسلاميِّ، وقد وضع الرسول J أسسها ومبادئها منذ هجرته إلى المدينة، فقد شرعت لأداء وظائف معيَّنة، وعلى وليِّ الأمر إنشاء كلِّ مرفق يرى ضرورته وفائدته التي تعود على أفراد المجتمع، كما عليه المحافظة عليها بالتعهُّد والرعاية، لأنَّها جزء من أموال الأمَّة.
وإذا اختلف الفقهاء في شكل ملكيَّة بعض الأموال فإنَّ ذلك دليل على مرونة الشريعة وصلاحيَّتها لكلِّ زمان ومكان.
fh8
__________
(1) النبهان: الاتِّجاه الجماعي، مرجع سابق، ص249 - 250.
(2) محمَّد باقر الصدر: اقتصادنا، مرجع سابق، ص506.
(3) النبهان: محمَّد فاروق: الاتِّجاه الجماعي، مرجع سابق، ص249. (1/188)
صفحة 189
المبحث الرابع
إقامة التوازن الاقتصادي في أموال الأمَّة
من أهمِّ وظائف وليِّ الأمر السعي إلى إقامة التوازن الاقتصاديِّ، وتحقيق العدالة في أموال الأمَّة، بحيث لا تطغى المصالح الفرديَّة على المصلحة العامَّة أو العكس، لأَنَّهُ بمثابة المستخلف العامِّ على الأمَّة، ولقد أكَّد القرآن على هذه المسؤوليَّة وارتباطها بوليِّ الأمر في أكثر من آية، وجاءت مرَّة في صيغة نداء إلى الأنبياء والرسل بوصفهم خلفاء الله في الأرض، أو بنداء عامٍّ لأولي الأمر من المؤمنين.
{لَقَدَ اَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (1)، {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الاَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} (2)، {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} (3)، فالعدل والحقُّ والقسط معان متقاربة تَدُلُّ على المساواة والمطابقة والعدالة، وقد أمرنا القرآن بالعدل في أحكامنا وسلوكنا دون تأثُّر بأيِّ عاطفة أو هوى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (4). {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُم ... } الآية (5).
ومن الناحية الماليَّة فالدولة مسؤولة عن إقامة العدل والمساواة وإقامة التوازن في جمعها وعطائها لموارد الأمَّة، وهو من الحقِّ والعدل والقسط الذي تضمَّنته الآيات القرآنيَّة، فالتفاوت الاجتماعيُّ والاقتصاديُّ بين أفراد وطبقات المجتمع ضرر بالغ
__________
(1) سورة الحديد، آية 25.
(2) سورة ص، آية 26.
(3) سورة النساء، آية 58.
(4) سورة المائدة، آية 8.
(5) سورة النساء، آية 135. (1/189)
صفحة 190
الأثر يورث الإحن، ويولِّد البغضاء، ويسبِّب الصراع. فالسلطة مسؤولة عن إقامة ميزان العدل بين أفراد المجتمع فهي تعطي للأفراد حرِّيَّتهم إلاَّ أَنَّهَا تقيِّدهم بضوابط لا يمكن تجاوزها، فمن طبيعة الإنسان أنَّه يسعى لتحقيق مصالحه، ولو أدَّى ذلك إلى الإضرار بغيره، لذلك فإنَّ مسؤوليَّة الدولة أن تتدخّل في الحياة الاقتصاديَّة، كي تقيم العدل بين المجتمع.
فالحرِّيَّة والعدالة مطلبان أساسيَّان في الشريعة الإسلاميَّة (1)، وسنتعرَّض لأهمِّ المجالات التي تتجلَّى فيها مسؤوليَّة وليِّ الأمر في إقامة التوازن، فلو تخلَّى عن التدخُّل في هذه المجالات لأدَّى إلى الاختلال والتفاوت الطبقيِّ الذي يحاربه الإسلام، وذلك في ثلاثة مطالب:
أ) ضمان حدِّ الكفاية.
ب) الوفاء بالحاجات العامَّة.
ج) مراقبة الملكيَّة الخاصَّة.
وسنخصِّص مطلبا رابعا لبيان مفهوم التوازن وعرض نماذج من التوازن الاقتصاديِّ في صدر الإسلام.
المطلب الأوَّل: ضمان حدِّ الكفاية:
الكفاية ما فيه سدُّ الخلَّة وبلوغ المراد من الأمر (2). أَمَّا حدُّ الكفاية: فهو ما كان بقدر الحاجة، ولا يفضل منه شيء، ويكفُّ عن السؤال (3)، فالكفاية ما يتعلَّق بمتطلَّبات الحياة الكريمة، ويعبَّر عنه أحيانا بحدِّ الغنى، بمعنى أن يعدَّ الفرد فقيرا ما لم تتوفَّر له متطلَّبات بالقدر الذي يجعله في غنى عن غيره، أَمَّا
__________
(1) وحيد الدين سوار: النزعة الجماعيَّة، مرجع سابق، ص14.
(2) الراغب الأصفهاني: مفردات ألفاظ القرآن، مرجع سابق، ص454.
(3) نزيه حماد: معجم المصطلحات، مرجع سابق، ص232. (1/190)
صفحة 191
حدُّ الكفاف فهو الحدُّ الأدنى من المأكل والملبس والمأوى، الذي بدونه لا يستطيع أن يعيش (1).
وحدُّ الكفاية من المفاهيم المرنة التي يتَّسع مضمونها كلَّما ازدادت متطلَّبات الحياة العامَّة يسرا ورخاءًا. ويضع الماوردي ثلاثة عوامل في تقدير الكفاية الفرديَّة (2):
أ) عدَّة من يعوله من الذراري والمماليك.
ب) عدد ما يربطه من الخيل والظهر.
ج) الموضع الذي يحلُّه من الغلاء والرخص.
فتقدَّر كفايته في نفقته وكسوته لعامه كلِّه. والعامل الثالث مهمٌّ في تقدير الكفاية واختلافها باختلاف الزمان والمكان، حسب المستوى العام للمعيشة.
وقد حدَّد الفقهاء حدَّ الكفاية كمؤشِّر للحقِّ في مال الزكاة، فمن وفَّر بنفسه حدَّ الكفاية يعتبر غنيًّا، فلا حقَّ له في الزكاة ومن لم يستوف هذا الحدَّ فهو فقير فله الحقُّ فيها (3).
وهناك من رجال الاقتصاد الإسلاميِّ المعاصرين من يرى أنَّ ضمان حدِّ الكفاية هو أصل من أصول الاقتصاد الإسلاميِّ الثابت الذي لا يتغيَّر مهما تغيَّرت الأحوال والظروف، فوليُّ الأمر مطالب بتوفيره لجميع أفراد الأمَّة، مستندا في ذلك إلى آيات من القرآن الكريم (4).
إذ لو نظرنا إلى النصوص الشرعيَّة من الكتاب والسنَّة لوجدناها تجعل ضمان حدِّ الكفاية من صميم الدين، وإنَّ مجرَّد إنكاره أو إهداره هو تكذيب لرسالة الإسلام.
__________
(1) الفنجري: الإسلام والمشكلة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص26.
(2) الماوردي: الأحكام السلطانيَّة، مرجع سابق، ص269.
(3) يوسف القرضاوي: فقه الزكاة، مرجع سابق، ج2 ص554.
(4) الفنجري، محَمَّد شوقي: المذهب الاقتصادي، مرجع سابق، ص 32. (1/191)
صفحة 192
يقول تعالى: {أَرَآيْتَ الذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَالِكَ الذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} (1)، ويقول أيضا: {لَيْسَ الْبِرُّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنِ الْبِرُّ مَنَ ـ امَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَالْمَلآَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيئِينَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} (2)، ويقول J : « من ترك كَلاًّ أو ضُيَّاعا فإليَّ» (3)، أي من ترك ذرِّيَّة ضعيفة فليأتني بصفتي الإمام، فأنا مسؤول عنه وكفيل به، ويقول أيضا: «فأيُّكم ترك دينا أو ضياعا فإليَّ وعليَّ» (4).
فالدولة إذن مسؤولة أمام الله في ضمان حدِّ الكفاية لِكُلِّ فرد من أفراد الرعيَّة على السواء دون التمييز بين المسلم وغير المسلم، لأنَّ الجميع يشتركون في الإنسانيَّة، والرحمة أعمُّ من أن تخصَّص بمسلم دون غيره، وقصَّة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مع الشيخ اليهوديِّ الضرير الذي لقيه يسأل الصدقة، فقال لخازنه خارجة بعد أن أمر له بالصدقة من بيت المال: والله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثُمَّ نخذله عند الهرم (5).
هذه القصَّة خير دليل على اهتمام أولي الأمر في الإسلام بضمان حدِّ الكفاية لِكُلِّ أفراد المجتمع الإسلامي.
وإنَّ مهمَّة الدولة في هذا المجال تكون على مراحل (6):
- أوَّلاً: تهيئة الدولة فرص العمل للقادرين عليه للعيش الكريم بعرق الجبين، وإذا كان الفرد فقيرا، أي لم يتح له دخله مستوى حدِّ الكفاية، أو عاجزا عن العمل بسب المرض أو الشيخوخة، أو كانت مجالات العمل غير متوفِّرة حلَّت المرحلة الثانية.
__________
(1) سورة الماعون، الآيات 1 - 3.
(2) سورة البقرة، آية 177.
(3) أخرجه البخاريُّ، كتاب النفقات، الباب15، ج9، ص515 / مرجع سابق.
(4) أخرجه مسلم، كتاب الفرائض، ج5، ص62 / مرجع سابق.
(5) أبو يوسف: الخراج، مرجع سابق، ص 255.
(6) الفضل: الوظيفة الاجتماعيَّة، مرجع سابق، ص147. (1/192)
صفحة 193
- ثانيا: تعتبر تطبيقا لمبدأ التضامن الاجتماعيِّ في سدِّ حاجات الأفراد وتعبِّر عن التكافل الاجتماعيِّ، وما يقتضيه حقُّ الفرد في كفاية الدولة. والإسلام ـ من جهة أخرى ـ يوفِّر الموارد الكافية لضمان حدِّ الكفاية للمستحقِّين من رعايا الدولة، وأكبر مورد لذلك هو الزكاة.
وأمَّا إذا شحَّت الموارد، وانخفضت المداخيل بسبب من الأسباب فإنَّ الناس يتساوون على حدِّ الكفاف، وقد عبَّر عن ذلك عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أحسن تعبير بقوله: «إنِّي لحريص على ألاَّ أدع حاجة إلاَّ سددتها ما اتَّسع بعضنا لبعض، فإذا عجزنا تأسَّينا حَتَّى نستوي على الكفاف» (1).
المطلب الثاني: الوفاء بالحاجات الأساسيَّة الجماعيَّة:
إنَّ ثاني الوظائف التي يلتزم بها وليُّ الأمر أمام الرعيَّة هي الوفاء بالحاجات العامَّة.
الحاجة: هي الأشياء التي يشعر الإنسان أو المجتمع بالحاجة إليها، وهي عدَّة أنواع: حاجات أوَّليَّة، وحاجات ثانويَّة (2).
وإذا كانت الحاجات الثانويَّة لا تتوقَّف عند حدٍّ معيَّن لفطرة الإنسان في حبِّ التملُّك وحبِّ البقاء، فإنَّ الحاجات الأساسيَّة يمكن ضبطها وتحديدها، ووضع معيار لتحديدها على كافَّة الأفراد والمجتمعات، فحاجات الإنسان الأساسيَّة كفرد هي: المأكل والملبس والمسكن، وهى لا تتبدَّل ولا تتغيَّر لأَنَّهَا تتعلَّق بالناحية البيولوجيَّة للإنسان.
__________
(1) الفنجري: الضمان الاجتماعي، مرجع سابق، ص 35. وقد نقله عن: ابن الجوزي، سيرة عمر بن الخطَّاب، ص101.
(2) د/ علية محَمَّد بشير: القاموس الاقتصادي، مرجع سابق، ص145. (1/193)
صفحة 194
ونفس الأمر بالنسبة للحاجات الأساسيَّة الجماعيَّة يمكن تحديدها في أيِّ مجتمع مهما كان نهجه وانتماؤه السياسيُّ والاقتصاديُّ والاجتماعيُّ، ومن استقراء واقع المجتمع، نجد الحاجات الأساسيَّة الجماعيَّة ثلاثة (1):
أ) الأمن.
ب) الصحَّة.
ج) التعليم.
فالشرع جعل من مسؤوليَّات الدولة توفير هذه الحاجات الأساسيَّة للجماعة، والدليل على ذلك الأَدِلَّة الواردة في وجوب قيام الدولة برعاية شؤون الناس، يقول الرسول J : « الإمام راع فهو مسؤول عن رعيَّته» (2).
أوَّلاً: الأمن:
يتجسَّد إشباع حاجة الأمن في بعدين:
أ) الدفاع عن الأمَّة ضدَّ أيِّ عدوان خارجيٍّ، بإقامة الثغور، وردِّ أيِّ اعتداء.
ب) السهر على الأمن الداخليِّ للأشخاص بواسطة الجهاز القضائي.
ثانيا: الصحَّة:
فالحرص على سلامة الأجسام أدعى لبقاء خلافة الإنسان في عمارة الأرض، فالدعوة إلى التداوي من الأمراض، وتحريم إيقاع النفس في التهلكة هي حاجة من حاجات المجتمع التي تتطلَّب من الدولة إعداد المستشفيات وتجهيزها وتكوين الأطبَّاء وتوفير الأدوية.
__________
(1) د/ محمود الخالدي: سوسيولوجيا الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص15.
(2) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، ج6، ص8 / مرجع سابق. (1/194)
صفحة 195
ثالثا: التعليم:
فالعلم هو أساس العمل، فلا تقوم الحياة على الجهل، فهي حاجة معنويَّة وليست مادِّيَّة كالحاجات الفسيولوجيَّة، فهي تتعلَّق بقيم الإنسان الذي تميَّز بالعقل والإدراك عن سائر المخلوقات، وقد حثَّ الإسلام على العلم فكانت أوَّل آية نزلت من القرآن الكريم (1) تدعو إلى القراءة، وكان أوَّل ما عمل آدم في مهمَّته الاستخلافيَّة تعلُّم الأسماء: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ الاَسْمَآءَ كُلَّهَا} (2).
فعلى وليِّ الأمر توفير وسائل إشباع هذه الحاجة من بناء المدارس وإعداد المعلمين وإعداد الكتب ومستلزمات الدراسة.
المطلب الثالث: مراقبة الملكيَّة الخاصَّة:
إذا كانت مهمَّة وليِّ الأمر فيما تخصُّ ملكيَّة الأمَّة الإشراف عليها وتسييرها وصيانتها، فإنَّ دوره فيما يتعلَّق بالملكيَّة الفرديَّة يقتصر على مراقبتها والمحافظة عليها من أيِّ تعدٍّ، لأنَّ الإشراف والتسيير والاستثمار هي المهمَّة الفطريَّة لأربابها.
وتتحدَّد مهمَّة وليِّ الأمر تجاه الملكيَّة الخاصَّة في عدَّة مجالات، ولتنفيذ هذه المسؤوليَّة فقد وضعت الشريعة الإسلاميَّة عدَّة تنظيمات وتشريعات يمارس فيها الإمام سلطته في مراقبة الأفراد منها:
1 - الحسبة.
2 - التحجير.
3 - نزع الملكيَّة لمصلحة عامَّة.
__________
(1) وهي قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ} (سورة العلق، آية 1).
(2) سورة البقرة، آية 31. (1/195)
صفحة 196
الفرع الأوَّل: الحسبة:
هي الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه، والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله (1)، وهي سلطة أو ولاية من السلطات العامَّة، والمحتسب هو المشرف على هذه الولاية، وله صلاحيَّات عديدة منها: مراقبة الأسواق والنظر في المكاييل والموازين وتحديد الأسعار ومنع الاحتكار، ومنع الغشِّ والتدليس ورفع الضرر عن الطريق (2).
والحسبة هي رقابة إداريَّة تقوم بها الدولة عن طريق موظَّفين خاصِّين على نشاط الأفراد تحقيقا للعدل والفضيلة وفقا للمبادئ الأساسيَّة (3).
والدليل على ذلك من الكتاب قوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمُ, أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلىَ الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} (4). وأمر الرسول J بذلك في عدَّة أحاديث منها: «من رأى منكم منكرا فليغيِّره ... » (5)، كما كان يجول بنفسه في الطرقات والأسواق يراقب السلع ويحثُّ التجَّار على إيفاء الكيل والميزان، وعدم الغشِّ والتدليس في السلع، فالحسبة في الإسلام من أهمِّ سلطات الإمام الاقتصاديَّة، إذ هو مطالب بالقيام بدور الرقيب للدفاع عن مصالح المجتمع.
ومن أهمِّ صلاحيات المحتسب ما يلي:
1 - التسعير.
2 - منع الاحتكار.
3 - منع الغشِّ والتدليس.
__________
(1) الماوردي: الأحكام السلطانيَّة، مرجع سابق، ص315.
(2) البشري الشوربجي: التسعير في الإسلام. شركة الإسكندريَّة، 1393ه/ 1973م، ص121.
(3) بسيوني: الحرِّيَّة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص44.
(4) سورة آل عمران، آية 104.
(5) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، ج1، ص50 / مرجع سابق. (1/196)
صفحة 197
أوَّلاً: التسعير:
اختلف الفقهاء اختلافا كبيرا في مسألة التسعير، فمنهم من نهى عن التسعير ورأى أنَّ حرِّيَّة السوق تقتضي ترك الأسعار تتحدَّد حسب العرض والطلب، واستدلُّوا بأحاديث نبويَّة منها: لَمَّا غلا السعر في عهده J فقالوا يا رسول الله، لو سعَّرت، فقال: «إنَّ الله هو القابض الباسط وإنِّي لأرجو أن ألقى الله ... » (1).
كما روي عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أَنَّهُ تراجع عن التسعير بعد أن همَّ أن يسعِّر، وقال: «إنَّ الذي قلت ليس بعزمة ولا قضاء، وإنَّما أردت الخير لأهل البيت، فحيث شئت فبع، وكيف شئت فبع» (2).
أَمَّا القائلون بالتسعير فيستندون على ثلاث حقائق:
1) أنَّ الاحتكار محرَّم بنصوص صريحة، والتسعير لازم لمقاومة الاحتكار.
2) التسعير سياسة شرعية تسدُّ بها ذرائع الاستغلال والجشع، وتكفل سلامة البيع، وسدُّ الذرائع من الأدلَّة الفقهيَّة المعروفة، فالذرائع هي الوسائل الموصلة إلى الشَّيْء، وسدُّها هو المنع منها، فسدُّ الذرائع هو المنع من بعض المباحات، لأَنَّهَا تؤدِّي إلى مفسدة، ومقتضى ذلك: أنَّ ما يؤدِّي إلى الحرام فهو حرام فيجب منعه.
3) المصلحة تقتضي التسعير، فكلُّ ما فيه مصلحة للناس أو دفع مضرَّة عنهم يكون واجبا شرعا، فالتسعير لا يعدو أن يكون سياسة لتحقيق المصلحة العامَّة، ودفع الغلاء المفتعل عنهم.
إلاَّ أن القائلين بالتسعير فصَّلوا في الأمر، وبيَّنوا الأحوال التي يجب فيها التسعير، والموادَّ التي يشملها، ورسموا سياسة التسعير (3).
__________
(1) أخرجه ابن ماجه، كتاب التجارات، مج2، ص741، رقم2200.
(2) منتخب كنز العمَّال، بهامش المسند، مرجع سابق، مج2، ص238.
(3) البشري الشوربجي: التسعير، مرجع سابق، ص114. (1/197)
صفحة 198
ثانيا: منع الاحتكار:
الاحتكار: شراء ما يحتاج الناس إليه من طعام ونحوه وحبسه انتظارا لغلائه وارتفاع ثمنه (1)، وقد وردت أَدلَّة قاطعة في تحريم الاحتكار، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لا يحتكر إلاَّ خاطئ» (2)، «من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فقد برئت منه ذمَّة الله» (3).
وفضلا عن هذه النصوص الشرعيَّة فإنَّ القواعد العامَّة للشريعة تفيد هذا النهي، فهو النهي عن الظلم والعدوان، ومنعا لضرر الاحتكار فإنَّ المحتسب يجبر المحتكر على بيع السلع المحتكرة بالثمن المعقول. يرى الإمام مالك جواز التسعير لدفع الضرر عن الناس، لا بجبر الناس على البيع، ولكن بمنعهم من البيع بغير السعر المحدَّد (4).
ثالثا: منع الغش والتدليس:
الغشُّ: أن يوهم وجود مفقود مقصود وجوده في المبيع، أو يكتم وجود موجوب فقده. والتدليس: بمعنى أدلس العيب أي: كتمه عن المشتري مع علمه به، أو غطَّاه عنه بما يوهم المشتري عدمه، أمَّا الفرق بينهما فقد ذهب أكثر الفقهاء إلى أنَّ الغشَّ أعمُّ من التدليس (5).
وأصل ذلك أنَّ النبيَّ J مرَّ على صرَّة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ فقال أصابته السماء يا رسول الله فقال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غشَّ فليس منَّا» (6).
__________
(1) نزيه حماد: معجم المصطلحات، مرجع سابق، ص32.
(2) أخرجه ابن ماجه، كتاب التجارات، الباب 6، ج2، ص728، رقم 2154.
(3) أخرجه الإمام أحمد بن حنبل، انظر: الترغيب والترهيب للمنذري، مرجع سابق، ج2، ص582.
(4) النبهان: الاتِّجاه الجماعي، مرجع سابق، ص382.
(5) د/ نزيه حماد: معجم المصطلحات، مرجع سابق، ص96، 211.
(6) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، ج1 ص69 / مرجع سابق. (1/198)
صفحة 199
فيدخل في هذا النطاق كل إيهام يقوم به البائع في أوصاف المبيع للاستزادة في الثمن، فعلى وليِّ الحسبة مراقبة مثل هذه العمليَّات الخارجة عن نطاق الشريعة بإجبار البائعين على إظهار السلع على حقيقتها، وإن كانت معيبة حَتَّى يكون المشتري على بيِّنة، ويتمَّ التبايع بالمعاينة والرضا.
الفرع الثاني: التحجير:
وثاني مظاهر مراقبة الملكيَّة الخاصَّة من قِبل السلطة، والتدخُّل في الحدِّ من نشاط هذا النوع من الملكيَّة هو التحجير، والحجر هو المنع في التصرُّف في المال وهو نوعان:
أ) حجر على الإنسان لحقِّ نفسه، كالحجر على الصبيِّ والمجنون.
ب) حجر على الإنسان لحقِّ غيره كالحجر على المفلس لحقِّ الغرماء، وعلى الراهن في التصرُّف في العين المرهونة لحقِّ المرتهن (1).
والأصل في ذلك قوله تعالى: {وَلاَ تُوتُوا السُّفَهَآءَ اَمْوَالَكُمُ التِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَمًا} (2)، واختلف المفسِّرون في الخطاب، فمنهم من يرى أَنَّهُ موجَّه إلى الجماعة، أي وليِّ أمر المسلمين باعتبار أنَّ المال هو مال الجماعة أعطاها الله إيَّاها لتقوم به، فهي متكافلة في الانتفاع بهذا المال على أحسن الوجوه (3)، ومنهم من رأى أَنَّهُ موجه إلى الأولياء، ومنهم من يرى أَنَّهُ موجَّه إلى الآباء (4)، وقال محَمَّد رشيد رضا: «هي عامَّة في كلِّ سفيه» (5)، فالصحيح أنَّ المراد به الجميع لقوله تعالى: {التِي جَعَلَ
__________
(1) نزيه حماد: معجم المصطلحات، مرجع سابق، ص119.
(2) سورة النساء، آية 5.
(3) سيِّد قطب: في ظلال القرآن، مج 1، ص585.
(4) الرازي: التفسير الكبير، مرجع سابق، مج9، ص184. الزمخشري: الكشَّاف، مرجع سابق، ج1 ص471.
(5) محمَّد رشيد رضا: تفسير المنار، ط2، دار المعرفة - بيروت، بدون تاريخ، مج4، ص379. (1/199)
صفحة 200
اللَّهُ لَكُمْ قِيَمًا} (1)، والقول الأَوَّل هو الأرجح؛ لأنَّ سياق الآية يَدُلُّ عليه، وعليه فإنَّ مسؤوليَّة وليِّ الأمر واضحة في هذا المجال، والقضاء هو المكلَّف بتعيين الأوصياء والأولياء على السفهاء حَتَّى يستأنس منهم الرشد إن كانوا صغارا أو فاقدي العقول، أو تستوفى الحقوق إن كانوا غرماء.
إلاَّ أنَّ الفقهاء اختلفوا في الحجر على الكبير، فذهب الإمام مالك وجمهور الفقهاء إلى التحجير عليه، أَمَّا أبو حنيفة فيرى عدم التحجير على من بلغ عاقلا، إلاَّ أن يكون مفسدا ماله (2).
فإذا كان كذلك يمنع من تسلُّم المال حَتَّى يبلغ خمسا وعشرين سنة، فإذا بلغها سلِّم إليه بكُلِّ حال، سواء أكان مفسدا أو غير مفسد (3).
وقول الجمهور أرجح لعموم الآية، وذلك لمصلحة السفيه نفسه والاحتياط في حفظ الأموال.
إذن فمسؤوليَّة وليِّ الأمر ثابتة في هذا الشأن، وعليه اتِّخاذ الإجراءات التي تنظِّم هذا النوع من التدخُّل في شأن الملكيَّة الخاصَّة.
الفرع الثالث: تحويل الملكيَّة الفرديَّة إلى ملكيَّة الأمَّة:
قد تتجاوز مهمَّة الإمام ـ في إطار المصلحة العامَّة ـ مهمَّة المراقبة والمحافظة على الملكيَّة الفرديَّة إلى نزعها وتحويلها إلى ملكيَّة الأمَّة، إلاَّ أنَّ هذا الإجراء أحيط في الشريعة الإسلاميَّة بسياج من الشروط حَتَّى لا يصبح هو القاعدة؛ لأنَّ الأصل هو حُرمة الملكيَّة الخاصَّة، ويبقى النزع هو الاستثناء، وذلك إذا اقتضت المصلحة العامَّة، فإنَّ للإمام حقُّ التدخُّل في تحويل الملكيَّة الخاصَّة إلى ملكيَّة عامَّة، فتدخُّل وليِّ الأمر في أيِّ مجال يكون غرضه تحقيق مصلحة الجماعة.
__________
(1) سورة النساء، آية 5.
(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق، مج3، ص22.
(3) النبهان: الاتِّجاه الجماعي، مرجع سابق، ص372. (1/200)
صفحة 201
وتحقيق المصلحة هو ما قرَّره الفقهاء «فحيثما وجدت المصلحة فثمَّ شرع الله»، ولم تترك الشريعة أمر تقدير المصلحة بدون ضوابط، بل بيَّنت حدودها وفق شروط وضعها الفقهاء، ويجب توافرها، من أهمِّها (1):
أ) أن تكون قطعيَّة، ولا تعارضها مصلحة أهمُّ منها أو مثلها.
ب) أن تكون عامَّة لا نادرة تتعلَّق بآحاد الناس.
ج) أن تكون ضروريَّة يتعلَّق بها رفع الحرج اللازم.
د) أن تكون ملائمة لمقاصد الشرع، فلا تصادم نصًّا أو دليلا. فإذا رأى الإمام تحقيق المصلحة في نقل الملكيَّة الخاصَّة إلى ملكيَّة الأمَّة بهذه الشروط نقلها بشرط ضمان التعويض العادل لصاحب الملك.
التعويض العادل: وهو شرط أساسيٌّ لإتمام عمليَّة التحويل، وإلاَّ كانت غصبا لا تقرُّه الشريعة الإسلاميَّة، وقد أشرنا في الفصل الثاني أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه اشترى بعض ديار الصحابة الملاصقة للمسجد الحرام لَمَّا عزم على توسعته، كما اشترى دار صفوان بن أميَّة ليجعلها سجنا بأربعة آلاف (2).
أَمَّا شرط الرضا فقد وقع فيه خلاف بين الصحابة (3).
المطلب الرابع: مفهوم التوازن ونماذج منه في صدر الإسلام:
إنَّ إقامة التوازن الاقتصاديِّ في المجتمع الإسلاميِّ من أوكد المهامِّ الاستخلافيَّة للإمام، لأَنَّهُ هو الذي يملك أدواته، ولا يعني ذلك المساواة التامَّة بين أفراد وفئات
__________
(1) البوطي، محمَّد سعيد رمضان: ضوابط المصلحة، مرجع سابق، ص110 وما بعدها.
(2) قلعه جي، محَمَّد رواس: موسوعة فقه عمر بن الخطَّاب، مرجع سابق، ص620.
(3) انظر: المبحث الرابع، الفصل الثاني من هذه الرسالة، ص145. (1/201)
صفحة 202
المجتمع، لأنَّ التفاوت في المواهب ومداخيل الأفراد سنَّة كونيَّة تقتضيها الحياة الإنسانيَّة، يقول تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} (1). وقد علَّلت الآية الكريمة هذا التفاوت لتتمَّ الاستفادة من كلٍّ من مواهبه وخبرته، ولو تساوى الناس لَمَا استقامت الحياة، فضلا على أنَّ التساوي غير ممكن من الناحية الواقعيَّة، فلو فرضناه فرضا في مجتمع ما، فتركنا الناس يعمل كلٌّ بجهده وإمكاناته، فهل تبقى المساواة بعد ذلك؟ حتما لا، ولو حاولنا أن نعيد المساواة مرَّة ثانية، بأن نأخذ ممَّن معه أكثر لمن هو أقلَّ، فماذا سيحدث؟ يفرز ذلك نتيجتين سلبيَّتين:
أ) أنَّ الذي بذل أكثر حَتَّى كثر ماله، سيترك بذل الجهد عندما يرى أنَّه لا يستفيد من ثمرة جهده، بل يذهب لغيره.
ب) أنَّ الذي لم يبذل الجهد سيزداد كسلا لرؤيته وصول المال إليه دون تعب أو نصب (2).
ونخلص من هذا إلى أنَّ التوازن الاقتصاديَّ هو في مستوى المعيشة لا في مستوى الدخل، والتوازن في مستوى المعيشة يعني تطبيق حقيقتين (3):
1 - أنَّ المال يكون موجودا ومتداولا بين أفراد المجتمع.
2 - ضمان الإمام حدَّ الكفاية لمن لم يتمكَّن من توفيره بعمله الخاصِّ.
وقد قام الإسلام من ناحيته بتحقيق هذا الهدف بضغط مستوى المعيشة من أعلى، بتحريم الإسراف والتبذير والاكتناز، وبضغط من أسفل برفع ومساعدة مستوى دخل الضعفاء، وبهذا الأسلوب يتمُّ التوازن المنشود في المجتمع.
__________
(1) سورة الزخرف، آية 32.
(2) سعيد حوى: الإسلام، شركة الشهاب - الجزائر، ط2، 1408هـ/1988م، ص409.
(3) الصدر، محَمَّد باقر: اقتصادنا، مرجع سابق، ص708. (1/202)
صفحة 203
الفرع الأوَّل: إقامة التوازن الاقتصادي بين المهاجر ين والأنصار:
ولأهمِّيَّة هذا التوازن يقرِّره القرآن في آية محكمة، هي بمثابة أصل من أصول الاقتصاد الإسلاميِّ، بقوله: {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةَم بَيْنَ الاَغْنِيَآءِ مِنكُمْ} (1)، وذلك تعقيبا على تقسيم أموال بني النضير على المهاجرين دون الأنصار، إذ كانت الوضعيَّة الاقتصاديَّة للمسلمين بعد الهجرة تتَّسم بالتمايز الشديد بين الفقر الشديد الذي كان عليه المهاجرون، الذين تركوا ديارهم وأموالهم، وبين الغنى النسبيِّ الذي كان عليه الأنصار، وهو وضع لم يكن بسبب الظلم والاحتكار والاستغلال، وإنَّما سببه وضع خاصٌّ وهو الهجرة، وهذا الاختلال كان يقلق النبيَّ J ، ولَمَّا جاءت غنائم بني النضير، ولم يكن ما يحقِّق التوازن ويزيل الخلل إلاَّ صرف المال إلى الفقراء المهاجرين (2)، فقسَّم رسول الله J ما سوى الأرضين من أموال بني النضير على المهاجرين دون الأنصار، إلاَّ سهل بن حنيف وأبا دجانة، فهما من الأنصار، فإنَّهما ذَكَرَا فَقْرًا فأعطاهما (3).
فهذه الآية وضعت قاعدة كبرى من قواعد التنظيم الاقتصاديِّ، فهي تمثِّل جانبا كبيرا من أسس النظريَّة الاقتصاديَّة، قاعدة ألاَّ يكون المال دولة بين الأغنياء، ممنوع التداول بين الفقراء، فكلُّ وضع ينتهي إلى أن يكون المال بين الأغنياء وحدهم فهو وضع مخالف للنظريَّة الاقتصاديَّة في الإسلام (4)، فالمال لا يجوز أن يكون متداولا أو محتكرا بين طبقة الأغنياء وحدهم، فاحتكارهم يورثهم شعورا بالاستعلاء والامتياز، فيختلُّ التوازن الاجتماعيُّ، وتضعف أو تنعدم مشاعر التقارب والتواصل، ويؤدِّي هذا الوضع إلى الأثرة وجموح المطامع لِمَا لهم من جاه ونفوذ في دوائر الحكم،
__________
(1) سورة الحشر، آية 7.
(2) البهي الخولي: الثروة في ظلِّ الإسلام، مرجع سابق، ص115.
(3) الماوردي: الأحكام السلطانيَّة، مرجع سابق، ص217.
(4) سيِّد قطب: في ظلال القرآن، مج6، ص3525. (1/203)
صفحة 204
فيستغلُّون حقوق الضعفاء (1). ويسبِّبون ضغطا على القرارات الاقتصاديَّة، لتكون في خدمة مصالحهم الاحتكاريَّة.
فالطبيعة البشريَّة مجبولة على حبِّ المال، وعلى الشحِّ والظلم والطغيان.
أ) حبُّ المال: {وَتَاكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمًّا وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} (2).
{وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} (3).
{وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} (4).
ب) شحُّ الإنسان: {وَكَانَ الاِنسَانُ قَتُورًا} (5)، {وَأُحْضِرَتِ الاَنفُسُ الشُّحَّ} (6)، {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنَ ـ اتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّآ ءَاتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ} (7).
ج) ظلم الإنسان: {إِنَّ الاِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} (8)، {وَحَمَلَهَا الاِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً} (9).
د) طغيان الإنسان: {كَلآَّ إِنَّ الاِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنَى} (10). فإذا كانت هذه هي الطبيعة الإنسانيَّة، فإنَّ الشريعة الإسلاميَّة هذَّبت من هذه النزعة بالترغيب والترهيب، منها مسؤوليَّة وليِّ الأمر بالحدِّ منها، لتحقيق التوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع.
__________
(1) البهي الخولي: الثروة في ظلِّ الإسلام، مرجع سابق، ص113.
(2) سورة الفجر، الآيتان 19 - 20.
(3) سورة العاديات، آية 8.
(4) سورة المعارج، آية 21.
(5) سورة الإسراء، آية 100.
(6) سورة النساء، آية 128.
(7) سورة التوبة، الآيتان 75 - 76.
(8) سورة إبراهيم، آية 34.
(9) سورة الأحزاب، آية 72.
(10) سورة العلق، الآيتان 6 - 7. (1/204)
صفحة 205
الفرع الثاني: تجر بة الخليفة عمر بن الخطَّاب في إقامة التوازن بين الأجيال:
لم يكتف ولاة الأمور في الصدر الإسلاميِّ بإقامة التوازن بين الجيل الواحد الذين يعيشون في مجتمع واحد كما فعل الرسول J بأموال بني النضير، وإنَّما تعدَّاه إلى إقامة التوازن بين الأجيال الحاضرة واللاحقة، لتتكافأ حظوظهم في الانتفاع بأموال الأمَّة، فَلَمَّا تمَّ فتح العراق والشام قرَّر عمر بن الخطَّاب عدم توزيع الأراضي على الفاتحين.
وإنَّما تركها كملكيَّة للأمَّة، يعود ريعها لكافَّة أفراد المجتمع، وحافظ بذلك على المبدأ الاقتصاديِّ القائم على التوازن، ليس بين الحاضرين فحسب، بل نظر بنظرته الثاقبة إلى توازن الأجيال، فقال ردًّا على الذين طالبوه بتقسيم الأراضي على الفاتحين: «لولا آخر الناس ما افتتحت قرية إلاَّ قسمتها». فأرسل بكتابه إلى سعد بن أبي وقَّاص قائلا: «انظر ما جلبوا به عليك في العسكر من كراع ومال فاقسمه بين من حضر من المسلمين، واترك الأراضي والأنهار بعمَّالها ليكون ذلك في أعطيات المسلمين، فإنَّنا لو قسَّمنا بين من حضر لم يكن لمن بعدهم شيء» (1).
هكذا علَّل عدم التقسيم حفاظا على مصالح الأجيال اللاحقة حَتَّى تستفيد من خيرات الأمَّة، فقسَّم العروض من الأموال المنقولة، وترك الأموال الثابتة ـ وتتمثَّل في الأراضي الزراعيَّة ـ ملكا للأمَّة، يعمل فيها عمَّالها، ويكون ريعها لأبناء الأمَّة جيلا بعد جيل.
كما أدَّت وجهة نظر عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه إلى تفادي خلق طبقة من كبار الملاَّك والإقطاعيِّين في المجتمع الإسلاميِّ، وهذه لو وجدت فإنَّها تتحوَّل بمرور الزمن إلى طبقه مترفة، تخلُّ بتوازن المجتمع، وتكون متميِّزة، ومتسلِّطة على قرارات السلطة، ومتحكِّمة في رقاب العباد (2).
__________
(1) أبو عبيدة الأموال، مرجع سابق، ص32.
(2) قطب، إبراهيم محَمَّد: الماليَّة العامَّة للدولة الإسلاميَّة، دار الشهاب - القاهرة، معهد الدراسات الإسلاميَّة، ط4، 1408هـ/1988م، ص169. (1/205)
صفحة 206
خلاصة الفصل الثالث
- إنَّ الحاكم في ظلِّ الإسلام يستمدُّ مشروعيَّته من الله أوَّلاً، الذي هو مالك الملك وله الحكم، وعليه أن يلتزم بتعاليمه في استخلافه، ثُمَّ من الرعيَّة الذين أبرموا معه عقد الإمامة، فعليه تحقيق مصالحهم بما يتَّفق ومقتضى الشرع.
- إنَّ مبايعة الخليفة في الإسلام ضرورة دينيَّة شرعيَّة، إذ لا يتمُّ تطبيق الشريعة إلاَّ بها، كما أنَّها ضرورة اجتماعيَّة يقتضيها العقل ويوجبها.
- إنَّ النموذج الأمثل للسياسة الماليَّة في الإسلام والتوازن الاقتصاديِّ يؤخذ من منابعه في عهد الرسول J وخلفائه الراشدين، ثُمَّ يطوَّر حسب تغيُّر الظروف والأساليب والأدوات، وقد وضعت مصادر التشريع أسسها وقواعدها.
- حدَّد الفقه الإسلاميُّ وظائف النقود بدقَّة قبل بروز الاقتصاد الحديث بقرون، ووضع كلَّ الإجراءات لحمايتها والمحافظة على قيمتها وقوَّتها الشرائيَّة. وأكَّد على اختصاص وليِّ الأمر في سكِّها وتداولها.
- لا يؤيِّد الفقه الإسلاميُّ أسلوب التمويل بالعجز الذي تستعمله الدول في الوقت الحاضر لتغطية العجز في موازينها، لأَنَّهُ يؤدِّي إلى التضخُّم، وفي ذلك ضرر جسيم باقتصاد الأمَّة. ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام.
- يقوم الاقتصاد الإسلاميُّ على الملكيَّتين الفرديَّة والعامَّة. وكانت ملامحهما بارزة منذ صدر الإسلام، وقد حدَّد أهدافهما في تكامل وتناسق، ووليُّ الأمر هو المسؤول عن الملكيَّة العامَّة.
- إنَّ اختلاف الفقهاء في شكل ملكيَّة بعض الأموال يَدُلُّ على سعة ومرونة الشريعة الإسلاميَّة، إلاَّ أنَّ معيار التفرقة بينهما يبقى هو الحَكَم في ذلك. (1/206)
صفحة 207
- من أوكد وظائف وليِّ الأمر تحقيق التوازن الاقتصاديِّ، ويقاس مدى التقدُّم بمدى تحقيق حدِّ الكفاية للأفراد والوفاء بالحاجات العامَّة.
- الملكيَّة الفرديَّة ليست مطلقة، بل هي مقيَّدة بنظريَّة الاستخلاف، وبناء على ذلك فعلى وليِّ الأمر مراقبتها وصيانتها وتتمثَّل هذه المراقبة في بعض الوظائف التي هي أداة من أدوات التوازن الاقتصاديِّ، وهي:
- الحسبة.
- التحجير.
- نزع الملكيَّة الخاصَّة لمصلحة عامَّة.
0 H3 (1/207)
صفحة 208
[صفحة بيضاء] (1/208)
صفحة 209
- ... -
الفصل الرابع
الاستخلاف والعمارة
- ... - (1/209)
صفحة 210
[صفحة بيضاء] (1/210)
صفحة 211
تمهيد:
ينبغي أن يتمَّ البحث في العمارة في الإسلام على ضوء الرسالة العامَّة للإنسان، وهي أَنَّهُ خليفة الله في هذه الأرض، ومن ثَمَّ كان عليه القيام بكُلِّ مهامِّ الخلافة، منها تعمير الأرض، وقد أشرنا في الفصل الأَوَّل إلى علاقة نظريَّة الاستخلاف بالعمارة (1)، أَنَّهَا علاقة ترابطيَّة. فالهدف من الاستخلاف لا يتحقَّق إلاَّ بعمارة الأرض، لذلك تعجب الملائكة لَمَّا أنبأهم الله أَنَّهُ سيجعل في الأرض خليفة هو الإنسان، ظنًّا منهم أَنَّهُ سيفسد ويسفك الدماء بدلا من أن يصلح ويعمِّر.
وَلَمَّا كانت العمارة مرتبطة برسالة الإنسان، فإن مفهومها لا يقتصر على الجانب المادِّيِّ، من توفير الإنتاج وتحقيق الرفاهية، بل ترقى بالإنسان ليكون في مستوى الأمانة التي تحمَّلها.
إِنَّ التنمية والإنتاج أو العمارة بمفهومها الإسلاميِّ حلقة هَامَّة في دورة الاقتصاد، فقد أولى الإسلام لها العناية الكاملة، وأمر بالإنتاج للوفاء بالحاجات العَامَّة والخاصَّة للإنسان، إذ لولاه لَمَا كان هناك تملُّك ولا توزيع ولا تداول، غير أَنَّ هَذَا الإنتاج يجب أن يكون طيِّبًا، ويُكتسب بالطرق المباحة، وينبغي أن يرتبط بغايات وأهداف سامية لا تقتصر عَلَى الجانب المادِّي فقط.
وإذا كانت القدرة والعناية الإلهيَّة قد وهبت للإنسان وسخَّرت له ما في الأرض من خيرات وثروات، فما عليه إلاَّ أن يوظِّف قواه العَقلِيَّة والجسديَّة لاستخراجها وتكييفها وجعلها أكثر ملاءمة للانتفاع بها واستهلاكها.
__________
(1) انظر الفصل الأوَّل، المبحث الخامس من هذه الرسالة، ص 91. (1/211)
صفحة 212
المبحث الأوَّل
مفهوم وهدف العمارة والتنمية
المطلب الأوَّل: العمارة لغة واصطلاحا:
أ) لغة:
العمارة: نقيض الخراب، يقال عمَّر أرضه يعمرها، واستعمرته إذا فوَّضت إليه العمارة (1). يقول تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الاَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (2). فالله خلق الإنسان على هذه الأرض لعمارتها، وهذا الإعمار مرتبط بوجوده وعليه تتوقَّف حياته.
ب) اصطلاحا:
1) في الفكر الوضعي:
العمارة مفهوم إسلاميٌّ محض، ونجد ما يقابلها في الفكر الوضعيِّ هو التنمية الاقتصاديَّة، أو الإنتاج، فالتنمية أو النموُّ: تحقيق معدَّل سريع للتوسُّع الاقتصاديِّ يؤدِّي بالدولة المتخلِّفة إلى الانتقال من معيشة الكفاف إلى مستويات مرتفعة من الرفاهيَّة الاقتصاديَّة (3). أَمَّا الإنتاج فهو استخراج المادَّة من الطبيعة وتحويلها لتصبح صالحة للاستعمال والاستهلاك (4)، فعمليَّة الإنتاج هي نقطة الانطلاق للدورة
__________
(1) الأصفهاني: مفردات القرآن، مرجع سابق، ص 359.
(2) سورة هود، آية 61.
(3) حسين عمر: موسوعة المصطلحات الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص79.
(4) فتح الله ولعلو الاقتصاد السياسي، مرجع سابق، ص16. (1/212)
صفحة 213
الاقتصاديَّة، فبدون إنتاج لا يمكن توزيع واستهلاك المنتجات (1)، وكلُّ عمليَّة يترتَّب عليها إنشاء منفعة اقتصاديَّة جديدة تعتبر إنتاجا.
من خلال تعريف التنمية والإنتاج يتبيَّن لنا أَنَّهَا عمليَّة تنظيميَّة، أي: اتِّخاذ الأسباب والأدوات لزيادة الإنتاج لرفع مستوى الدخل القومي.
رغم اتِّفَاق المذاهب الاقتصاديَّة على مبدأ تنمية الإنتاج، إلاَّ أَنَّهَا تختلف في الهدف منها، فسؤال لماذا ننتج؟ وما دور الثروة؟ يجيب عليه كلُّ مذهب بطريقته الخاصَّة.
إنَّ موضوع التنمية ليس حديثا، فقد اهتمُّ به المؤرِّخون الاقتصاديُّون منذ مدَّة؛ لأَنَّهُ مرتبط بالحياة المعيشيَّة للإنسان، وبالتالي لم يكن مهملا في العصور الماضية، إلاَّ أَنَّهُ زاد الاهتمام به على المستوى النظريِّ والعمليِّ، وعلى المستوى القوميِّ والدوليِّ منذ نهاية الحرب العالميَّة الثانية (2). نظرا لتطوُّر دور الدولة الاقتصاديِّ، ولتشابك العلاقات الاقتصاديَّة الدوليَّة.
2) في الفكر الإسلامي:
إنَّ المعنى الإسلاميَّ للعمارة نأخذه من القرآن الكريم، فقد تضمَّنت آيتان المعنى المقصود منه: الأولى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الاَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (3). والثانية: {كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الاَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} (4).
فالآية الأولى تحمل الدلالة على وجوب عمارة الأرض (5)، والاستعمار طلب العمارة، والطلب المطلق من الله يَدُلُّ على الوجوب، وقد أشار المفسِّرون إلى طبيعة
__________
(1) محَمَّد بشير علية: القاموس الاقتصادي، مرجع سابق، ص68.
(2) عطيَّة عبد الواحد. دور السياسة الماليَّة الإسلاميَّة. دار النهضة العربيَّة - القاهرة، ط1، 1993م، ص366.
(3) سورة هود، آية 61.
(4) سورة الروم، آية 9.
(5) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق، مج5، ج9 ص38 - 39. (1/213)
صفحة 214
القوم الذين نزلت الآية في حقِّهم (1)، فقد كانوا زرَّاعا وصنَّاعا وبنَّائين، إلاَّ أَنَّهُم حادوا عن جادَّة وهدف الاستخلاف، فحقَّ عليهم عذاب الله.
والآية الثانية تبيِّن شروط العمارة بربطها بهدف الإنسان في هذه الحياة، فالعمران المادِّيُّ لا يكفي وحده لرسالة الإنسان، فالآية موجَّهة إلى مشركي قريش ليعتبروا بمن سبقهم من المدنيَّات المادِّيَّة التي عمرت الأرض واستخرجت كنوزها، فأثارتها وعمرتها بمختلف مظاهر العمران، لكنَّ ذلك لا يكفي، لعدم ربطه برسالة الإنسان. ولتكذيبهم بالرسل الذين جاؤوا إليهم حاملين هدي السماء، فلم تغن عنهم مدنيَّتهم وعمرانهم المادِّيُّ شيئًا، لَمَّا حلَّ عليهم عذاب ربِّهم.
وهناك آية ثالثة، لم تذكر العمارة بالاسم، وإنَّما حثَّت على عمارة الأرض من خلال سياقها وهي: {هُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (2).
ففي الآية أمر بالتسبُّب والكسب، فالأكل من الرزق لا يكون إلاَّ بعد بذل الجهد والعمل، فالأرض مهيَّأة لنا بما أودع الله فيها من خيرات كاملة وأرزاق مقدَّرة، فهي تدرُّ للإنسان بقدر ما يبذل من طاقة وجهد في تعميرها (3).
كما أنَّ التمكين الذي دلَّت عليه الآية الكريمة: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الاَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} (4) يحمل نفس دلالة العمارة، وكلاهما يَدُلُّ على التنمية الاقتصاديَّة، يقول أحد المفسِّرين: مكَّنَّاكم من سُكْنَاها وزرعها والتصرُّف فيها (5).
__________
(1) محمَّد رشيد رضا: تفسير المنار، مرجع سابق، ج12، ص121.
(2) سورة الملك، آية 15.
(3) كمال يوسف. فقه الاقتصاد، مرجع سابق، ص107.
(4) سورة الأعراف، آية 10.
(5) محَمَّد علي الصابوني: صفوة التفاسير، ط1، دار القرآن الكريم - بيروت، 1401هـ/1981م، ج4، ص8. (1/214)
صفحة 215
المطلب الثاني: مفهوم العمارة عند مفكِّري الإسلام:
هناك آثار كثيرة وردت فيها كلمة العمارة باعتبارها مرادفة للتنمية.
أ) من ذلك ما كتبه الإمام عليُّ بن أبي طالب إلى واليه بمصر، وتعتبر هذه الكتب بمثابة السياسة العامَّة التي يرسمها وليُّ الأمر لولاته في الأقاليم (1): «وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأنَّ ذلك لا يدرك إلاَّ بالعمارة، ومن طلب الخراج من غير عمارة أخرب البلاد».
في هذا الكتاب إرشادات اقتصاديَّة هامَّة، يوجِّه اهتمام الوالي إلى عمارة الأرض، بكُلِّ ما يجعلها صالحة للإنتاج، من شقِّ الترع وتهيئة الأراضي، خاصَّة وأنَّ مصر تتوفَّر على أراضي زراعيَّة خصبة، وموارد مائيَّة ضخمة، تتطلَّب العمل الإنسانيَّ لجعلها منتجة، وهذه المهمَّة لها الأولويَّة على جمع الخراج؛ لأنَّ الخراج يأتي كثمرة لعمارة الأرض، وطلب الخراج بدون عمارة يؤدِّي إلى إثقال كاهل الفلاَّحين، مِمَّا يؤدِّي إلى هجرتهم للعمارة، وبالتالي إلى الخراب الذي يعمُّ البلاد.
ب) وقد شاع استخدام مفهوم العمارة عند ابن خلدون في مقدِّمته، في مواضع كثيرة، نذكر منها قوله ناصحا للملك: «أيُّها الملك إنَّ الملك لا يتمُّ عزُّه إلاَّ بالشريعة والقيام لله بالملك، ولا عزَّ للملك إلاَّ بالرجال، ولا قوام للرجال إلاَّ بالمال، ولا سبيل إلى المال إلاَّ بالعمارة، ولا سبيل للعمارة إلاَّ بالعدل (2).
فالنصُّ يؤكِّد أنَّ المال لا يكون إلاَّ من العمارة، وهو ما تذهب إليه التنمية الاقتصاديَّة في النظم الوضعيَّة، بوجوب الاستثمار في القطاعات الإنتاجيَّة، حَتَّى تتحقَّق التنمية، إلاَّ أنَّ ابن خلدون يضيف بعدا جديدا لم تهتمَّ به الاقتصاديَّات
__________
(1) الإمام عليُّ بن أبي طالب: نهج البلاغة، جمع الشريف الرضي، دار الجيل - بيروت، بدون تاريخ، ج2، ص96.
(2) ابن خلدون: المقدِّمة، مرجع سابق، ص508. (1/215)
صفحة 216
الحديثة، وهو ربط التنمية بالعدل، العدل في الإنتاج، العدل في التوزيع، العدل في الاستهلاك، فإذا اختلَّ ميزان العدل تحقَّقت تنمية مشوَّهة لا متوازنة.
ج) ويورد الإمام أبو يوسف العمارة في معرض حديثه عن وجوب الإنفاق من بيت المال على تهيئة الأراضي واستصلاحها، واستخراج المياه لريِّها وسقيها، بدون تكليف أصحاب الأراضي بذلك، وفي ذلك تشجيع لهم على الإنتاج والعمارة وتحقيق المصلحة العامَّة للمسلمين بزيادة الخراج، يقول:
«رأيت أن تأمر عمَّال الخراج إذا أتاهم قوم من أهل خراجهم فذكروا لهم أنَّ في بلادهم أنهارا عادية قديمة وأرضين كثيرة غامرة، وأنَّهم إن استخرجوا لهم تلك الأنهار واحتفروها، وأجري الماء فيها عمرت هذه الأرضون الغامرة وزاد في خراجهم ... فإنَّ النفقة على هذا كلِّه من بيت المال لا يحمل على أهل الخراج من ذلك شيء، لأنَّ مصلحة هذا على الإمام خاصَّة، لأَنَّهُ أمر عامٌّ لجميع المسلمين» (1).
ويتَّضح من هذه النصوص والآثار أنَّ الفكر الإسلاميَّ يعرف التنمية الاقتصاديَّة، مقوِّماتها وأهدافها تحت مصطلح العمارة. ويعطيها بعدا عقديًّا وحضاريًّا، ويربطها برسالة الإنسان الاستخلافيَّة، إلى جانب الاهتمام بالناحية المادِّيَّة منها.
المطلب الثالث: العمارة مهمَّة استخلافيَّة:
حين يتأمَّل الإنسان في هذه الأرض، وما حوته من موارد ومعادن يجد فيها من الخيرات ما هو ضروريٌّ للحياة البيولوجية للإنسان، لكن تحتوي أيضا عدا ذلك من الثروات ما لا حاجة للبدن إليه مباشرة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى استودع الله في الإنسان من المواهب والملكات ما يعتبر مفاتيح لهذه الثروات، والتقابل بين الأمرين يوحي أنَّ الله أراد من الإنسان حياة أوسع وأشمل من توفير الحاجات
__________
(1) أبو يوسف: الخراج، مرجع سابق، ص 234. (1/216)
صفحة 217
الضروريَّة، وإلاَّ لجعل الأرض منبتا لها، وَلَمَا توسَّع في ملكات البشر بأكثر من جعلهم حيوانات تسعى وراء الكلأ، إذن فعمارة الأرض مشيئة ربَّانيَّة (1)، إذ ركب الخالق في خليفته من المواهب ما يجعله أهلا لتفكيك ألغاز الطبيعة واستنتاج قوانينها، وتسخيرها واستغلالها لمصلحته لتتحقَّق العمارة.
لكن هل يقتضي استخراجُ خيرات الأرض، استهلاكَها وإشباعَ الرغبات بها؟
يستبعد أن يكون الله خلق الخلق للاستهلاك، فهو لم يُخلق عبثا، لكن خلق واستخلف ليعمر الأرض لحكمة سامية.
اعتبر الإسلام تعمير الكون وتنمية الإنسان هو غاية خلقه ووجوده، فلم يخلقه لمجرَّد أن يأكل ويشرب ويتمتَّع بمتاع الدنيا، وإلاَّ فما الفرق بينه وبين الحيوان؟
فالإنسان ينبغي أن يعمل وينتج ويعمر الأرض ويشكر فضل الله عليه، ليقابله في النهاية بعمله وكدحه: {يَآ أَيُّهَا الاِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ اِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ} (2)، ولقد بلغ من حرص الإسلام على التنمية والتحريض عليها أن قال J : « إذا قامت الساعة، وفي يد أحدكم فسيلة فاستطاع ألاَّ تقوم حَتَّى يغرسها فليغرسها فله بذلك أجر» (3)، وفي هذا لَبيانٌ بليغ على حرص الإسلام على العمارة، حَتَّى في الظروف التي يفقد فيها كلُّ أمل في الحياة تستحبُّ العمارة.
كما ساوى الإسلام بين المجاهدين في سبيل نشر وإعلاء كلمة الله وبين الساعين في سبيل الرزق والنشاط الاقتصاديِّ: {وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الاَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (4)، فالضرب في الأرض يعني كلَّ نشاط في سبيل تحصيل الرزق.
__________
(1) البهي الخولي: الثروة في ظلِّ الإسلام، مرجع سابق، ص62.
(2) سورة الانشقاق، آية 6.
(3) أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، مج 3، ص191 / مرجع سابق.
(4) سورة المزِّمِّل، آية 20. (1/217)
صفحة 218
وفي الآية التفاتة هامَّة بربطها لهذا النشاط بالله تعالى، حَتَّى لا يغترَّ الإنسان بما أنتجه، ويدَّعي أنَّه من سعيه، ويتيقَّن أنَّ كلَّ ما أنتجه إِنَّمَا هو بفضل الله ومنَّته، وأنَّ الإنتاج والكسب هو السعي والتسبُّب، وأنَّ الرزق هو من الله.
المطلب الرابع: مميِّزات العمارة في الإسلام:
إذا أجرينا مقارنة بين مفهوم العمارة في الإسلام والتنمية في الاقتصاد الوضعيِّ، نجد أنَّ العمارة رسالة إنسانيَّة، يقوم بها البشر في إطار خلافتهم، أَمَّا التنمية فترى الإنسان من جانبه المادِّيِّ، ومن الحياة تمتُّعا وتفاخرًا وتكاثرًا، فهي تهدف لرفع الطاقة الإنتاجيَّة أو زيادة الدخل القومي الفرديِّ، لذلك نجد أنَّ العمارة تتميَّز بخصائص تعطيها طابع الشموليَّة، وتربطها بالعقيدة الإسلاميَّة التي ترى الحياة الدنيا هي مطيَّة الآخرة، وأنَّها دار عمل وكدح وإنتاج، من ثَمَّ فإنَّ من خصائص العمارة أَنَّهَا عبادة وفريضة.
الفرع الأوَّل: العمارة عبادة:
يقول الرسول J : « من غرس غرسا فأكل منه طير أو بهيمة كان له فيه صدقة» (1)، فهذا الأثر النبويُّ يضفي صفة العبادة على الغراسة التي هي نوع من أنواع العمارة والإحياء، «وقد قال العلماء وروى الفقهاء أَنَّهُ من غرس غرسا يكون له أجرها ولو بعد موته ما دامت تلك الغراس قائمة، وذكروا أَنَّهُ من غرس أربعين غرسة حَتَّى أخذت في الأرض فهي فكاكه من النار» (2).
بهذا غدت العمارة صنفا من أصناف العبادة التي ترفع الدرجات، وتمحو الخطايا وتكون سترا بين الإنسان والنار، وهناك اثر آخر يحمل نفس الدلالة: «سبع
__________
(1) أخرجه البخاريُّ، كتاب الحرث، ج5 ص3، رقم2320.
(2) أبو العبَّاس أحمد بن محَمَّد: القسمة وأصول الأرضين، تحقيق وتقديم د/ محَمَّد صالح ناصر والشيخ بالحاج بكير بن محمَّد، مكتبة الضامري - عُمان، ط1، 1414هـ/1994م، ص459. (1/218)
صفحة 219
يجري للعبد أجرهنَّ وهو في قبره بعد موته: من كرى نهرا ـ يعني أجرى نهرا ـ أو حفر بئرا أو غرس نخلا أو بنى مسجدا أو علَّم علما أو ورَّث مصحفا أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته» (1).
فهذا الأثر جعل العمارة من أعمال البرِّ التي تدخل الأجر لصاحبها بعد موته، ما دام نفعها قائما يستفيد منها العباد والدوابُّ.
فالعمارة المتمثِّلة في استصلاح الأراضي وإحيائها بمختلف أنواع المنتجات إلى جانب أهمِّيَّتها المادِّيَّة في دفع عجلة التنمية وتوفير حاجات المجتمع تعتبر من أهمِّ العبادات، ويؤجر عليها صاحبها في الآخرة، وإنَّ المؤمن من صميم عقيدته الإيمان بالجزاء الأخرويِّ.
فالعقيدة تعتبر أكبر حافز على التنمية وبذل الجهد في سبيل نيل جزاء الدارين، فإذا اعتقد المرء أنَّ جهده لن يضيع، حَتَّى وإن لم ينل ثمرة جهده في الدنيا فسيجد أجره موفورا عند ربِّه في الآخرة، ضاعف هذا الإيمانُ من طاقة عمله وجهده.
وإذا كانت العمارة تنصبُّ على الجهد الإنسانيِّ، فإنَّ الإسلام يقدِّس العمل، وترفع السنَّة النبويَّةُ مقامَ العمل إلى جعله مكفِّرا للذنوب، فيقول الرسول J : « من الذنوب ذنوب لا يكفِّرها إلاَّ الهمُّ في طلب المعيشة» (2).
ومن الأحاديث ذات الدلالة القويَّة على مفهوم العمل وربطه بالعبادة ما روي أنَّ الرسول J كان جالسا مع أصحابه ذات يوم، فنظروا إلى شابٍّ ذي جلد وقوَّة، وقد بكَّر يسعى، فقالوا: ويح هذا؟ لو كان شبابه وجلده في سبيل الله، فقال عليه السلام: «لا تقولوا هذا، فَإِنَّهُ إن كان يسعى على نفسه ليكفَّها عن المسألة ويغنيها عن الناس فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على أبوين ضعيفين أو ذرِّيَّة
__________
(1) أخرجه السيوطيُّ في الجامع الصغير. انظر: مختصر شرح الجامع الصغير للمناوي، ط1، دار إحياء الكتب العربيَّة، 1373هـ/1954م، ج2، ص50.
(2) منتخب كنز العمَّال، بهامش مسند الإمام أحمد، مرجع سابق، مج 2، ص208. (1/219)
صفحة 220
ضعاف ليغنيهم ويكفيهم فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى تفاخرا وتكاثرا فهو في سبيل الشيطان» (1).
فالحديث يضع مفهوما رحبا للعمل في سبيل الله، ولو كان الفرد يسعى لكفاية نفسه وعياله، فإذا سلمت النيات والمقاصد غدت كلُّ أعمال العمارة عبادة. ويقول الرسول J أيضا: «من بات كالاًّ من عمله بات مغفورا له» (2). وروي أنَّ الرسول J قيل له: أيُّ الكسب أفضل؟ قال: «عمل الرجل بيده، وكلُّ كسب مبرور» (3).
ولقد ساوى الإسلام بين المجاهدين لنشر الدعوة الإسلاميَّة وبين الساعين في جلب الرزق بالتجارة أو غيرها من أوجه النشاط، بل قدَّمهم في الذكر: {وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الاَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (4). وأكثر من ذلك فقد اعتبر الإسلام السعي على الرزق وخدمة المجتمع وتنميته أفضل ضروب العبادة، فقد ذكر للنبيِّ J رجل كثير العبادة، فسأل: من يقوم به؟ قالوا: أخوه، قال عليه السلام: «أخوه أعبد منه» (5). كما أراد أحد الصحابة الخلوة والاعتكاف لذكر الله، فقال له عليه السلام: «فإنَّ مقام أحدكم في سبيل الله ـ أي في خدمة المجتمع وتنميته ـ أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما» (6).
نخلص مِمَّا تقدَّم أنَّ التنمية الاقتصاديَّة في الإسلام من أفضل ضروب العبادة ـ بعد إقامة الفرائض ـ ويتأكَّد هذا القول خاصَّة إذا كان المجتمع الإسلاميُّ في حالة
__________
(1) عبد العظيم المنذري: الترغيب والترهيب، ط 3، دار إحياء التراث العربي - بيروت، 1384هـ/1968م، ج2، ص524.
(2) منتخب كنز العمَّال، بهامش المسند، مرجع سابق، مج2، ص209.
(3) الترغيب والترهيب للمنذري، مرجع سابق، ج2، ص524.
(4) سورة المزَّمِّل، آية 20.
(5) السيوطي: الجامع الصغير، ج2، ص251.
(6) أخرجه الترمذيُّ في جامعه الصحيح. دار عمرا ن - بيروت، بدون تاريخ، مج4، ص181. (1/220)
صفحة 221
تخلُّف وتأخُّر، وفي حالة فقر واحتياج، وهي حالة لا يقبلها الإسلام ولا يرضى بها الرسول J ، الذي يقول: «كاد الفقر أن يكون كفرا» (1).
وأكثر من ذلك فقد اعتبر الإسلام مجرَّد ترك فرد من أفراد المجتمع ضائعا أو جائعا هو تكذيب للدين نفسه (2)، فيقول تعالى: {أَرَآيْتَ الذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَالِكَ الذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} (3). وإذا كانت التنمية عبادة فيجب أن تقوم على أسس من الطيِّبات والحلال، فالإسلام يحرِّم إنتاج الخبائث والمحرَّمات. فالمسلم يجب عليه أن يتحرَّى في إنتاجه الحلال الطيِّب، وبتجنَّب إنتاج كلِّ ما هو محرَّم، أو في أراضي مغصوبة.
فالتنمية الاقتصاديَّة لا يمكن لها أن تحقِّق النجاح إلاَّ إذا استندت إلى عقيدة راسخة بأنَّ كلَّ ما يقوم به الفرد أو الجماعة هو في سبيل ابتغاء مرضاة الله (4).
الفرع الثاني: العمارة فر يضة وواجب:
إلى جانب كون الإنتاج والتنمية عباده ينال بها أجر الدنيا والآخرة فهي واجب على كاهل الدولة والأفراد.
يقول محَمَّد بن الحسن الشيباني: «إنَّ الله فرض على العباد الاكتساب لطلب المعاش، ليستعينوا به على طاعة الله، والله يقول: {وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} (5)، فجعل الاكتساب سببا للعبادة. ويقول J : « طلب الحلال، الفريضة بعد الفريضة» (6). وقد كان عمر بن الخطَّاب رضي
__________
(1) منتخب كنز العمَّال، بهامش المسند، مرجع سابق، مج3، ص17.
(2) الفنجري: المذهب الاقتصادي، مرجع سابق، ص111.
(3) سورة الماعون، الآيات 1 - 3.
(4) عطيَّة عبد الواحد: دور السياسة الماليَّة، مرجع سابق، ص411.
(5) سورة الجمعة، آية 10.
(6) منتخب كنز العمال، بهامش المسند، مج 2، ص208. (1/221)
صفحة 222
الله عنه يقدِّم درجة الكسب على درجة الجهاد بقوله: «لأن أموت بين شعبتي رحلي أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله، أحبُّ إليَّ من أن أقتل مجاهدا في سبيل الله، لأنَّ الله قدَّم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله على المجاهدين» (1).
وهذه النصوص تَدُلُّ على ارتفاع درجة الإنتاج إلى درجة الفريضة التي يسأل عنها الإنسان كما يسأل عن الفرائض الدينيَّة، وقرن الكسب والضرب في الأرض ابتغاء فضل الله بالجهاد، حَتَّى إنَّ عمر بن الخطَّاب تفطَّن إلى تقديم الإنتاج على الجهاد فتمنَّى الموت وهو في فجاج الأرض يتكسَّب الرزق الحلال.
ولنا في قصَّة الرسول مع المتسوِّل الذي جاء يسأل الصدقة دليل على ما نقول، فقد كان باستطاعته J أن يمنَّ عليه بما تجود به يداه، لأَنَّهُ أجود من الرياح السخيَّة في الربيع، لكن أشار إليه أن يحتطب ويأكل من عمل يده أفضل له من أخذ الصدقة، فلفت انتباهه إلى أنَّ الإنتاج والعمل واجبٌ فرديٌّ. ولو حلَّلنا الأبعاد الخلقيَّة والاقتصاديَّة لهذه القصَّة لرأينا كيف أنَّ الرسول J أراد أن يحلَّ هذه المشكلة الاجتماعيَّة في نطاق الواجب، وفي نطاق الإنتاج (2). فالفرد مطالَبٌ بالعمل وبذل الجهد لتوفير العيش الكريم، ولا يسمح له بالتسوُّل إلاَّ لضرورة ملحَّة حدَّدها حديث قبيصة بن محارق إذ يقول: «تحمَّلت حمالة فأتيت النبيَّ J فقال: أقم يا قبيصة حَتَّى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها»، ثُمَّ قال ـ مبيِّنا الحالات المسموحة والمبيحة للتسوُّل ـ: «إنَّ المسألة لا تحلُّ إلاَّ لأحد ثلاثة: رجل تحمَّل حمالة فحلَّت له المسألة فسأل حَتَّى يصيبها ثُمَّ يمسك، ورجل أصابته فاقة حَتَّى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: قد أصابت فلانا فاقة،
__________
(1) الشيباني، محَمَّد بن الحسن: الاكتساب في الرزق المستطاب، تحقيق محَمَّد عرنوس، ط1، دار الكتب العلميَّة - بيروت، 1406هـ/1986م، ص17.
(2) مالك بن نبي: المسلم في عالم الاقتصاد، ص 85. (1/222)
صفحة 223
فحلَّت له المسألة حَتَّى يصيب قواما من عيش ثمَّ يمسك، وما سواهنَّ من المسألة يا قبيصة سحتٌ يأكلها صاحبها سحت» (1).
فالسؤال استثناء من قاعدة العمل، لا يجوز العمل به إلاَّ في حالات خاصَّة حدَّدها الحديث الشريف، وما عدا ذلك فهو طلب السحت، وإذا كان كذلك يصبح العمل فريضة كما نصَّت عليه أحاديث أخرى. لأَنَّهُ لا مجال لمعيشة الإنسان إلاَّ أن يطلب أو يتكسَّب بعمل يديه.
وفي الحديث تضييق لسبل السؤال، وحصر مجالاته، وفتح أبواب العمل المكسب، الحافظ لكرامة الإنسان.
ولقد جعل الإسلام من واجبات وليِّ الأمر توفير أدوات العمل لمن لا يستطيع توفيرها بنفسه، حَتَّى تتوفَّر فرص العمل للجميع، ويعمَّ الإنتاج، وتتحقَّق العمارة، ويزدهر الاقتصاد.
وإذا كان العمل فرضا عينيًّا على كلِّ فرد قادر على العمل، فمن جانب آخر فهناك من الفقهاء (2) من يعتبر الإنتاج والعمل من فروض الكفاية، وهو: ما يطالب بأدائه كلُّ المكلَّفين، وإذا فعله واحد سقط الطلب عن الآخرين، وإذا لم يفعله أحد أثموا جميعا، وتنقلب إلى واجب عينيٍّ (3). وفي هذا الصدد يقول ابن تيمية: «ومن ذلك أن يحتاج الناس إلى صناعة ناس، مثل حاجة الإنسان إلى الفلاحة والبناية، فإنَّ الناس لا بدَّ لهم من طعام يأكلونه، وثياب يلبسونها، ومساكن يسكنونها»، إلى أن يقول: «فلهذا قال غير واحد من الفقهاء من أصحاب الشافعيِّ وأحمد بن حنبل وغيرهم كأبي حامد الغزالي وأبي الفرج الجوزي وغيرهم: إنَّ هذه الصناعات فرض على الكفاية» (4).
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، مج3، ص477.
(2) غير واحد من الفقهاء من أصحاب الشافعيِّ وأحمد بن حنبل وغيرهم، كأبي حامد الغزالي وأبي الفرج بن الجوزي.
(3) أبو زهرة: أصول الفقه، دار الفكر العربي - القاهرة، بدون تاريخ، ص36.
(4) ابن تيمية مجموع الفتاوى. نقلا عن: كمال يوسف: فقه الاقتصاد العام، مرجع سابق، ص146. (1/223)
صفحة 224
وخلاصة القول: إنَّ العمل والإنتاج هو من جانب فرض عينيٌّ على كلِّ قادر عليه، ومن جانب آخر فرض كفائيٌّ قائم على توزيع القدرات الإنتاجيَّة على كافَّة القطاعات التي تتعلَّق بها مصلحة الأمَّة، وعلى وليِّ الأمر أن يقوم به إذا عجز الأفراد عن القيام به. فقد جعل الإمام ابن تيمية الإنتاج الصناعيَّ والزراعيَّ من فروض الكفاية لارتباطها بمصلحة الأمَّة، مِمَّا يعني أنَّ كلَّ منتج في حقل من حقول الإنتاج هو قائم بواجب بدون شعور منه نيابة عن الآخرين.
المطلب الخامس: هدف العمارة وخصائصها
الفرع الأوَّل: هدف العمارة والتنمية:
أشرنا فيما سبق إلى أنَّ كلَّ المذاهب الاقتصاديَّة تسعى إلى التنمية والرفاهيَّة الاقتصاديَّة، إلاَّ أَنَّهَا تختلف في الهدف من التنمية، أي في الإجابة عن السؤال: لماذا ننتج؟
ففي الرأسماليَّة: فإنَّ هدف التنمية هو تحقيق أكبر قدر من الربح، مِمَّا يؤدِّي عادة إلى الانحراف بالإنتاج عن إنتاج احتياجات المجتمع الضروريَّة. أَمَّا الاشتراكيَّة فهدف التنمية هو إشباع حاجات المجتمع وفق أطماع ورغبات القائمين على الحكم، ولا وفق احتياجات المواطنين أنفسهم.
أَمَّا التنمية والعمارة الإسلاميَّة فباعثها وهدفها ليس الربح الماديَّ، شأن الرأسمالية، ولا أهواء القائمين على الحكم، شأن التنمية الاشتراكيَّة، وإنَّما هو توفير حدِّ الكفاية لكُلِّ مواطن ليتحرَّر من أيَّة عبوديَّة أو حاكميَّة، إلاَّ عبوديَّة وحاكميَّة الله وحده، فغاية التنمية الإسلاميَّة هي الإنسان نفسه. لا تستعبده المادَّة شأن الرأسماليَّة، ولا يستغلُّه الغير شأن الاشتراكيَّة، وإنَّما هو محرَّر مكرَّم «يعمر الدنيا ويحييها بالعمل الصالح، ليكون بحقٍّ خليفة الله في أرضه» (1).
__________
(1) الفنجري: المذهب الاقتصادي في الإسلام. مرجع سابق، ص115. (1/224)
صفحة 225
فالإنتاج دائما تحدوه غاية، فإمَّا أن يكون غايته مجرَّد الاستحواذ على المنافع، وإمَّا أن يكون الهدف إسعاد الفرد والمجتمع، وهنا يكون الإنتاج وسيلة لبلوغ غاية، وهذا ما يهدف إليه الاقتصاد الإسلامي.
ولقد بيَّنت آية من القرآن الكريم هدف الإنتاج والتنمية بوضوح وجلاء، وأجابت عن السؤال: لماذا ننتج؟ ولمن ننتج؟
يقول تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ للهِ إِن كُنتُمُ, إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (1).
فالمقصود بالأكل الانتفاع من جميع الوجوه (2)، أمَّا الرزق والطيِّبات فقد تقدَّم تعريفهما (3). وأمَّا الشكر فله تعريفات عديدة، منها: تصوُّر النعمة وإظهارها (4)، والتعريف الذي يلقى القبول، ويَتَّفِقُ مع توجُّهاتنا هو: صرف النعمة فيما خلقت له (5)، وحيث إنَّ كلَّ شيء خلق لهدف معيَّن، فإنَّ توجيه الشَّيْء للهدف الذي خلق من أجله يعتبر شكرا لله على هذه النعمة، فالشكر ليس كلمة تقال، وإنَّما هو سلوك يسلك (6).
وبعد تعريف المفردات التي تضمَّنتها الآية الكريمة يظهر معناها العامُّ فيما يلي:
أ) فالمؤمنون مأمورون بالأكل الذي يعني مطلق الانتفاع، وليس بمجرَّد التغذية الجسميَّة، ولا يتأتَّى ذلك إلاَّ عن طريق الإنتاج، فمن فحوى الخطاب ألاَّ يكون الانتفاع إلاَّ بعد الإنتاج، إذن الأمر بالإنتاج ضمنيٌّ، وهو نفس الأسلوب
__________
(1) سورة البقرة، آية 172.
(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق، مج1، ج2، ص145.
(3) انظر: المبحث الثاني من التمهيد من هذه الرسالة، ص 32 - 33.
(4) الأصفهاني: المفردات، مرجع سابق، ص472.
(5) الشاطبي: الموافقات. ط2، دار المعرفة - بيروت، 1395هـ/1975م، ج2، ص321.
(6) شوقي دنيا: الإسلام والتنمية، مرجع سابق، ص80. (1/225)
صفحة 226
الذي استعمله القرآن الكريم في آية الملك: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (1).
ب) وهذا الانتفاع يكون في دائرة الحلال، وبالتالي يكون الإنتاج ضمن هذه الدائرة، فلا ننتج إلاَّ طيِّبا، ولا ننتفع ولا نستهلك إلاَّ الطيِّب من الرزق.
ج) ومدلول الشكر يقتضي توجيه الإنتاج لما خلق له، وقد خلقت الأموال لوظيفة الوفاء بالحاجات الإنسانيَّة، كما ترتَّب عليها حقُّ الغير، فينبغي أن تُؤَدَّى حَتَّى يتحقَّق مفهوم الشكر.
د) وقد ربطت عمليَّة الإنتاج والانتفاع والشكر بعبادة الله التي هي الغاية الكبرى لوجود الإنسان، أي: إنَّنا إذا سلكنا هذه الطرق بالإنتاج الطيِّب والانتفاع الطيِّب وشكر النعمة نكون قد حقَّقنا عبادة الله في سلوكنا.
فعبادة الله متوقِّفة على توافر عنصرين اثنين (2):
1) الإنتاج الطيِّب. 2) التوزيع العادل.
الفرع الثاني: خصائص العمارة:
نستطيع أن نخلص إلى أنَّ الصيغة الإسلاميَّة للعمارة بِأَنَّهَا تنمية شاملة ومتوازنة (3).
- أوَّلاً: شاملة: فهي لا تستهدف رقيَّ الإنسان ماديًّا فحسب، وإنَّما روحيًّا بصفة أساسيَّة.
والروحانيَّة في الإسلام ليست كما يتصوَّر البعض قضيَّة غيبيَّة، بل كلُّ نشاط مادِّيٍّ أو دنيويٍّ يباشره الإنسان هو في نظر الإسلام عمل روحيٌّ أو أخرويٌّ، طالما
__________
(1) سورة الملك، آية 15.
(2) شوقي دنيا: الإسلام والتنمية، مرجع سابق، ص 82.
(3) الفنجري: المذهب الاقتصادي، مرجع سابق، ص111. (1/226)
صفحة 227
كان مشروعا، ويقصد به ابتغاء رضوان الله (1). كما أنَّ مبدأ الشمول في التنمية يقتضي أن تضمن كافَّة الاحتياجات البشريَّة، من مأكل وملبس ومسكن ونقل وتعلُّم وتطبيب وترفيه، وحقِّ العمل، وحرِّيَّة التعبير، وممارسة الشعائر الدينيَّة، بحيث لا تقتصر التنمية على إشباع بعض الضروريَّات أو الحاجيَّات دون الأخرى. ومن هنا فإنَّ الإسلام لا يقبل تنمية رأسماليَّة تضمن حرِّيَّة التعبير ولا تضمن لقمة الخبز، ولا تنمية اشتراكيَّة تضمن لقمة الخبز وتقتل حرِّيَّة التعبير (2).
- ثانيا: متوازنة: إنَّهَا لا تستهدف زيادة الإنتاج فحسب، وإنَّما ترمي إلى تحقيق العدل، أي: عدالة التوزيع، بحيث يعمُّ الخير جميع البشر أيًّا كان موقعهم في المجتمع، ويضمن كلُّ فرد حقَّه من الكفاية، بحيث يستشعر نعم الله وفضله، فيتَّجه تلقائيًّا إلى حمده وشكره، ذلك الحمد والشكر الذي يعبَّر عنه بالعمل لا بالقول، لقوله تعالى: {اِعْمَلُوا ءَالَ دَاوُودَ شُكْرًا} (3).
فالتوازن يحصل برفع الإنتاجيَّة، وعدالة التوزيع، فوفرة الإنتاج مع سوء التوزيع هو احتكار واستغلال، لا مكان له في الإسلام، كما أنَّ عدالة التوزيع دون إنتاج كاف هو توزيع للفقر والبؤس الذي يرفضه الإسلام (4).
ومن مبدأ التوازن أيضا توازن جهود التنمية بين كافَّة القطاعات والجهات، فلا تنفرد بالتنمية المدن دون القرى، أو أن نستأثر الصناعة بها دون الزراعة، أو تقدَّم الكماليَّات أو التحسينيَّات على الضروريَّات، أو أن تسبق الصناعات الثقيلة الصناعات الاستهلاكيَّة والمحلِّيَّة، أو أن يركَّز على البناء والتنمية دون توفير المرافق العامَّة والبنية التحتيَّة الأساسيَّة، كالطرق والجسور والموانئ. ويعبِّر عن فكرة التوازن
__________
(1) الفنجري: ذاتيَّة السياسة الاقتصاديَّة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص54.
(2) الفنجري: المذهب الاقتصادي، مرجع سابق، ص112.
(3) سورة سبأ، آية 13.
(4) الفنجري: الإسلام والمشكلة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص58. (1/227)
صفحة 228
قول عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: «لو مات جمل ضياعا على شطِّ الفرات لخشيت أن يسألني الله عنه» (1)، فقد شعر بحسِّه المرهف بالمسؤوليَّة الملقاة عليه برعاية المصلحة لجميع أطراف رقعة الدولة الإسلاميَّة، بتهيئة المرافق الضروريَّة وتعبيد الطرق، وتوفير العيش الكريم لأفراد المجتمع.
gsSG
__________
(1) ابن سعد: الطبقات الكبرى، دار صادر- بيروت، 1405هـ/1985م، مج3، ص305. (1/228)
صفحة 229
المبحث الثاني
عناصر الإنتاج وعوامله
إذا كانت العمارة تحصل وتتحقَّق بالإنتاج في مختلف المجالات، فإنَّ الإنتاج يتكوَّن من عناصر وعوامل تتركَّب منه العمليَّة الإنتاجيَّة، وهي تعمل مجتمعة متكاملة، فإذا أبعدنا أحد العناصر أو أهملنا دوره كاملا، لا نصل إلى الهدف المنشود من تحقيق تنمية شاملة متوازنة.
فما هي عناصر وعوامل الإنتاج؟
سنعرض عناصر الإنتاج في الاقتصاد الإسلاميِّ، ثُمَّ الوضعيِّ لندرك الفروق بينهما.
المطلب الأوَّل: عناصر الإنتاج في الاقتصاد الإسلامي:
عوامل الإنتاج ـ كما عرَّفها رجال الاقتصاد ـ هي: كلُّ شيء يدخل في إنتاج السلع والعروض، وهي بتفاعلها مع بعضها تؤدِّي إلى تحقيق الإنتاج (1).
إلاَّ أنَّنا نلاحظ أنَّ عناصر الإنتاج مثار خلاف بين رجال الفكر الاقتصاديِّ في الإسلام، والسبب في ذلك اختلاف نظرتهم إلى هذه العناصر وتقسيمها، وإلى مفهوم الإنتاج ذاته، غير أنه اختلاف شكليٌّ لا يرقى إلى الجوهر.
فيرى البعض منهم (2) أنَّ عناصر الإنتاج التي يعترف بها الإسلام هي: العمل، ورأس المال، فهو يحصر هذه العناصر في اثنين فقط، بينما يضيف فريق
__________
(1) بسيوني: الحرِّيَّة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص325.
(2) منذر قحف: الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص 59 - 60. (1/229)
صفحة 230
منهم (1) عنصر الأرض لأهمِّيَّتها في تكوين الإنتاج، فمنها تتكوَّن الموادُّ الأساسيَّة لأيِّ إنتاج.
بينما يذهب فريق ثالث إلى تقسيم مغاير، فيدخل الإنسان كعامل من عوامل الإنتاج، فيقسِّمها إلى ثلاثة أقسام:
أ) الطبيعة بمفهومها الواسع.
ب) الإنسان بعمله ورأس ماله وعقله وإيمانه وعلمه.
ج) التنظيم الذي يعني الجمع بين العوامل الأخرى لتكوين أحسن إنتاج (2).
فهذا التقسيم يعتبر الإنسان مالا من الأموال التي تدخل في تكوين الإنتاج، فالإنتاج هو لتحقيق مصلحة الإنسان، ولا يكون الإنسان وسيلة وهدفا في آن واحد، كما أنَّنا نسمو بالإنسان الذي كرَّمه الله وفضَّله على سائر خلقه أن نضعه في مستوى الرأسمال والأرض وسائر العوامل، وإنَّما الذي يصلح أن يكون عاملا من عوامل الإنتاج هو نتاج فكر الإنسان وعمله وعلمه، الذي تتجلَّى فيه قوَّة الإنسان الجسديَّة والفكريَّة.
ومن خلال عرضنا لآراء المفكِّرين في تقسيم عوامل الإنتاج يمكننا أن نصل إلى تقسيم مقبول، وذلك باعتبار أنَّ عوامل الإنتاج ثلاثة هي:
1) الطبيعة.
ب) العمل.
ج) الرأسمال.
فندمج التنظيم ضمن العمل، لأَنَّهُ جهد بشريٌّ يؤلِّف بين مختلف العوامل كما أسلفنا القول، وكذا استبعاد الإنسان أن يكون عاملا من عوامل الإنتاج.
__________
(1) فكري نعمان: النظريَّة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص206.
(2) الدموهي: عوامل الإنتاج، مرجع سابق، ص14. (1/230)
صفحة 231
فالعامل الأَوَّل: هو الطبيعة: وهي هبة ربَّانيَّة من الخالق الرازق للإنسان الذي استخلفه على هذه الأرض، وأودع فيها من كنوز المعادن والطاقات على ظاهرها وباطنها، والبحار وما تحتويه من ثروات ومعادن. ولقد نبَّه القرآن الكريم إلى علاقة الإنسان بهذا العامل، فالكون كلُّه مسخَّر لخدمة الإنسان، وهو مكلَّف بعمارة الأرض، واستغلالها فيما يجلب له النفع والصلاح. وعامل الطبيعة هو العامل الأَوَّل والأساسيُّ في الإنتاج، بل هو أساس العوامل الأخرى، فلا العمل ولا الرأسمال يمكن استغلالهما في غياب العامل الأَوَّل، لأَنَّهُ لا يمكن الانطلاق من فراغ، فالطبيعة تهيَّأ للاستخدام والاستهلاك بواسطة العمل والرأسمال.
العامل الثاني: العمل: وهو المجهود الذي يبذله الإنسان لتحقيق المنفعة، سواء أكان يدويًّا كعمل الفلاح والعامل، أم عقليًّا، كعمل الطبيب والمدرِّس، فالطبيعة خلقت خاما، فهي لا تفي بحاجات الناس على هيأتها الأولى، فلا بدَّ من عمل الإنسان حَتَّى يجعل منها منافع للاستعمال، فالخشب ـ مثلا ـ الموجود في الطبيعة، والذي يمكن أن يستعمل لأغراض متعدِّدة، لا بدَّ من يد الإنسان لتقطيعه وتصميمه وصنعه طاولات وكراسي وأغراضا أخرى ينتفع بها.
والإسلام اهتمَّ اهتماما كبيرا بهذا العامل، وجعله مصدرا أساسيًّا للكسب، واعتبره حقًّا وواجبا في آن واحد، فلم يفصل بينه وبين العبادة، بل هو ترجمة واقعيَّة للعقيدة، لذلك نجده مقرونا بالإيمان في كثير من الآيات القرآنيَّة (1)، بل هو نفسه العبادة إذا اقترن بالنية الصادقة، التي هي ميزان العمل، فإذا نوى الإنسان بعمله تأدية حقٍّ من حقوق، أو الاكتفاء والاستغناء عن سؤال الناس، وسدِّ حاجاته المعيشيَّة، والابتعاد عن المحرَّمات، وطلب السعة في الرزق، والإنفاق في سبل الله يعتبر ذلك عبادة يثاب عليها، يقول الرسول J : « إنَّما الأعمال بالنيات، ولكلِّ امرئ ما نوى» (2). وإلى جانب الثمار
__________
(1) سورة الانشقاق، آية 25. سورة البروج، آية 11. سورة البيِّنة، آية 7.
(2) أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب بدء الوحي، ج1، ص9، رقم 1. (1/231)
صفحة 232
المادِّيَّة التي تجنيها من العمل فهناك الأجر عند الله، وهو خير وأبقى، بل قد يكون العمل مكفِّرا للذنوب، كما يقول الرسول J : « إنَّ من الذنوب ذنوبا لا يكفِّرها صوم ولا صلاة ولا صدقة ولكن يكفِّرها السعي في الرزق» (1).
إذن فالعمل في الإسلام عبادة يجازى عليها حسب المقصد والنية، كما أنَّه يمحو الخطايا والذنوب، وهذه طاقة معنويَّة هائلة، وهي ضرورة حيويَّة في التنظيم الاقتصاديِّ، وحافز من حوافز الإنتاج الذي يمتاز به الاقتصاد الإسلاميُّ.
فالعمل سنَّة فطريَّة؛ لأَنَّهُ مقرَّر بحكم الطبيعة لبقاء الحياة واستمرارها، وحفظ النوع وتطوير معيشة الإنسان، بمعنى أنَّ الفطرة توجبه (2). غير أنَّ الإسلام أرشد إلى العمل الصالح الطيِّب، ولذلك يتطوَّر العمل من مستواه الفطريِّ والغريزيِّ إلى مستوى فضيلة خلقيَّة اجتماعيَّة، ويترقي إلى مستوى العبادة.
العامل الثالث: الرأسمال: إنَّ معنى رأس المال بمفهومه المعاصر لم يتبلور لدى الفقهاء الأوائل؛ لذلك نجد مدلوله يقتصر لديهم على جملة الأموال التي يدفعها ربُّ المال إلى العامل ليستثمرها في أنواع التجارات، مثل شركة المضاربة (3). إلاَّ أنَّ معنى رأس المال ـ الذي نحن بصدد البحث فيه ـ هو أعمُّ من المعنى الفقهيِّ، إلاَّ أنَّ الفقهاء تناولوا رأس المال ضمن مباحثهم في المال بصفة عامَّة.
لذلك يمكن وضع التعريف الذي نعتمده للرأسمال وهو: ناتج العمل المنصبّ على موهبة من مواهب الطبيعة، والمهيَّأ لاستخدامه في إنتاج طيِّبة من الطيِّبات (4)، سلعة كانت مادِّيَّة أو خدمة معنويَّة، ذلك بقصد استعمالها في إنتاج طيِّبة لاحقة.
__________
(1) منتخب كنز العمال، بهامش مسند أحمد، مرجع سابق، مج3، ص9.
(2) خالد إبراهيم عربي: نظرات في الاقتصاد الإسلامي، منشورا ت جمعيَّة الدعوة الإسلاميَّة - طرابلس (ليبيا) 1401هـ/1981م، ص58.
(3) نزيه حماد: معجم المصطلحات الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص140.
(4) محمود أبو السعود: خطوط رئيسيَّة في الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص54. (1/232)
صفحة 233
إلاَّ أنَّ هناك من يرى (1) أن رأس المال ليس عنصرا من عناصر الإنتاج، ويُبرِّرُ ذلك بأنَّ رأس المال هو عبارة عن ثروة تمَّ إنتاجها من خلال عمل بشريٍّ، يعني أنه عمل مدَّخر يساهم من جديد في الإنتاج، وهو بذلك يخرج من إطار نظريَّة الإنتاج، ويدخل في إطار نظريَّة التوزيع. والحقيقة أنَّ هذا الاختلاف موجود أيضا لدى منظِّري الفكر الاقتصاديِّ الوضعيِّ، في حصر وتقسيم عوامل الإنتاج، فهناك من يرى أنَّ رأس المال العيني لا يعدُّ عنصرا أصيلا من عناصر الإنتاج، ويقرِّر البعض الآخر أنَّ هناك صعوبات في عمليَّة التمييز بين الأرض ورأس المال (2).
فالعمل هو جهد إنسانيٌّ لا لبس فيه، ويبقى التمييز دقيقا وصعبا بين الطبيعة ورأس المال، إلاَّ أنَّه بالرجوع إلى التقسيم الإسلاميِّ لعوامل الإنتاج نجد أنَّ الطبيعة: هي هبه إلهيَّة ومنحة ربَّانيَّة، وتشمل كلَّ ما في الأرض وما في باطنها من خيرات، أَمَّا رأس المال فهو ناتج العمل الإنسانيِّ المنصبِّ على الطبيعة، أي كان للبشر يد في تكوينه.
ومهما قيل في رأس المال أهو عامل رئيسيٌّ أو مشتقٌّ يعدُّ ضرورة فنِّيَّة استوجبتها ضرورة التقدُّم التقنيِّ في ميادين الإنتاج، حيث أصبح الإنسان يستخدم في العمليَّة الإنتاجيَّة أدوات وأجهزة لا محيد عنها لإدراك مستوى معيَّن من الإنتاج.
ومن الناحية الشرعيَّة البحتة لا يوجد ما يناقض هذه النظريَّة، بل نجد أنَّ كتب الفقه تميِّز بين ربِّ المال وربِّ العمل في الشركات، مِمَّا يَدُلُّ على أنَّ رأس المال عنصر من عناصر الإنتاج.
__________
(1) فكري نعمان: النظريَّة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص208.
(2) حسين عمر: المنافسة والاحتكار، مرجع سابق، ص10 - 11. (1/233)
صفحة 234
المطلب الثاني: عوامل الإنتاج في الاقتصاد الوضعي:
تنقسم عناصر الإنتاج في الاقتصاد الوضعيِّ إلى أربعة هي: العمل، الأرض، رأس المال، التنظيم (1).
والعوائد أو الدخول التي تتلقَّاها هذه العناصر نتيجة مساهمتها في العمليَّة الإنتاجيَّة مبيَّنة في الجدول الآتي:
عنصر الإنتاج ... العائد
العمل ... الأجر
الأرض ... الريع
ا لرأسمال ... الفائدة
التنظيم ... الربح
الإنتاج كما سبق تعريفه هو استخراج المادَّة من الطبيعة وتحويلها لتصبح صالحة للاستعمال. إلاَّ أن مفهومه تطوَّر في ظلِّ الاقتصاد الوضعيِّ، فقد كان يراه الفيزوقراط (2)، هو خلق مادَّة جديدة من مادَّة موجودة أصلا، لهذا اعتبروا أنَّ الزراعة هي العمل المنتج الوحيد، بينما الأعمال الأخرى من تجارة ونقل وخدمات أعمال غير منتجة (3).
تطوَّر هذا المفهوم، فأصبح المقصود بالإنتاج ليس خلق المادَّة كما اعتقدوا، فالخلق ليس من مقدور البشر، وإنَّما هو لله الخالق البارئ المصوِّر، وكلُّ ما في مقدور البشر هو تغيير وتحوير شكل المادَّة لتناسب استخدامها واستهلاكها، ولذلك أصبح مفهوم الإنتاج هو: إيجاد منفعة، وليس خلق المادَّة.
__________
(1) د/ عمرو محيي الدين: مبادئ علم الاقتصاد. دار النهضة العربيَّة - بيروت، دون تاريخ، ص220 - 225.
(2) الفيزوقراط: أي الطبيعيُّون، وهم مدرسة اقتصاديَّة ظهرت في القرن الثامن عشر في فرنسا على يد الدكتور فرونسوا كيناي، وإليهم يرجع الفضل في إنشاء الاقتصاد السياسي.
(3) فكري أحمد نعمان: النظريَّة الاقتصاديَّة في الإسلام، مرجع سابق، ص205. (1/234)
صفحة 235
قام الإنتاج البدائيُّ على عاملين متضافرين، هما: العمل والأرض، غير أنَّ التطوُّر الاقتصاديَّ طوَّر الآلة اليدويَّة البسيطة المستعملة في الإنتاج إلى آلة ميكانيكيَّة معقَّدة، فأنشئت المعامل والمصانع، ومن ثَمَّ دخل رأس المال كعنصر ثالث من عناصر الإنتاج.
وفي تطوُّر آخر في مجال التسيير والتحكُّم في الإنتاج: أضيف عنصر رابع هو التنظيم الذي يقوم بدور التنسيق، حيث يولف بين عناصر الإنتاج ويتحمَّل نتائجه.
ولنبدأ في عرضنا لهذه العوامل بالأرض؛ لأَنَّهَا عنصر أساسيٌّ في تكوين العمليَّة الإنتاجيَّة.
أوَّلاً: الأرض:
والأرض اصطلاح اقتصاديٌّ يستعمل في التعبير عن الموارد والقوى المستمدَّة من الطبيعة لاستخدامها في الإنتاج، وهو لا يعني الأرض في مفهومها العادي، بل سطح الأرض وما فوق أديمها من ثروة نباتيَّة وحيوانيَّة، وما في جوفها من ثروة معدنيَّة، وما يكتنفها من ثروة مائيَّة تتمثَّل في البحيرات والأنهار والمحيطات (1)، وبالخلاصة: تضمُّ كافَّة الموارد الطبيعيَّة غير البشريَّة التي تساهم فعلا، أو يمكن أن تساهم في إشباع حاجات الإنسان.
وعنصر الأرض يتميَّز بخصائص عن عناصر الإنتاج الأخرى، وهي:
1 - ثبات مساحة الأرض.
2 - عدم تجانس الأرض.
__________
(1) د/ حسين عمر: نظرية القيمة، دار الشروق - جدة، ط6، 1402هـ/1982م، ص74. (1/235)
صفحة 236
ثانيا: العمل:
العمل عنصر بشريٌّ يضمُّ الأعداد من الناس التي تعمل فعلاً، أو القادرة على العمل، ومهما بلغت أهمِّيَّة الأرض ورأس المال كعنصرين أساسيَّين في العمليَّة الإنتاجيَّة، فإنَّ أثرهما ينعدم بدون مجهود العامل الذي يحرِّكهما ويوجِّههما في تحقيق هدف إنتاجيٍّ معيَّن، ولقد أكَّد آدم سميث على أهمِّيَّة عنصر العمل، منتقدا الذين سبقوه بعدم اهتمامهم بهذا العنصر، ومقرًّا بأنَّ مصدر كلِّ الثروات لا يوجد إلاَّ حيث يوجد العمل، وأنَّ زيادة الثروة تتوقَّف على زيادة إنتاجيَّة العمل (1).
ثالثا: رأس المال:
الرأسمال: «أداة الإنتاج التي لا تستخدم لأغراض الاستهلاك المباشر وإنَّما للمساهمة في إنتاج سلع أخرى» (2)، فهو رصيد المجتمع أو ثروته من كافَّة الموارد التي صنعها الإنسان لتساعده في إنتاج الحاجات. ومن خصائصه أَنَّهُ لا ينشأ نشأة ذاتيَّة كالعمل والأرض، وإنَّما ينشأ نتيجة تضافر هذين العاملين، فهو عنصر مساعد وليس بالأساسيِّ. وينقسم إلى رأس مال ثابت، ويضمُّ: المباني والتجهيزات، ورأس مال متغيِّر، يضمُّ الموادَّ الخام والسلع نصف المواد المصنعة والمخزون منها، ومن المزايا التي يقدِّمها للعمليَّة الإنتاجيَّة أَنَّهُ يوفِّر كثيرا من الجهود العضليَّة، عندما تحلُّ الآلة محلَّ العمَّال في أداء أنواع كثيرة من عمليَّات التصنيع، ثُمَّ إنَّه ساعد في زيادة إنتاجيَّة العناصر الأخرى، كالأرض وقوَّة العمل.
رابعا: التنظيم:
لا يمكن لعناصر الإنتاج الثلاثة: العمل - الأرض - رأس المال أن تتضافر تلقائيًّا بعضها مع بعض في سبيل إنتاج أيِّ سلعة أو خدمة معيَّنة، إذ لا بدَّ من أداء وظيفة
__________
(1) حسين عمر: نظريَّة القيمة، مرجع سابق، ص90.
(2) المرجع نفسه، ص 113. (1/236)
صفحة 237
اقتصاديَّة هامَّة، هي الجمع بين الإنتاج بالنسب الملائمة، والمنظِّم هو الذي يؤدِّي هذه الوظيفة، وقراراته هي التي تحدِّد الأسلوب الفنِّيَّ للإنتاج.
إلاَّ أنَّ هذا العنصر هو محلُّ خلاف بين منظِّري الفكر الاقتصاديِّ، فهناك من يدمجه ضمن عنصر العمل؛ لأَنَّهُ في الأصل مجهود بشريٌّ، إلاَّ أَنَّهُ بتطوُّر الاقتصاد وتطوُّر الشركات تلاشى دور المنظِّم، إذ أصبح مديرو الشركات يتقاضون أجورا ومرتَّبات، أي اندمجوا ضمن قوَّة العمل، بينما انفصل أرباب الأموال عن تسيير شركاتهم لصالح هؤلاء المديرين، فلم يعد صاحب المشروع هو المسيِّر الفعليّ لمنشأته، ولذلك أصبح التنظيم معدوما.
المطلب الثالث: مقارنة بين التقسيمين:
من خلال عرض عوامل الإنتاج في كلٍّ من الاقتصاد الإسلاميِّ والوضعيِّ نلاحظ ما يأتي:
- أوَّلاً: أنَّ الإسلام اهتمَّ بعنصر الطبيعة أو الأرض بمفهومها الاقتصادي، فهي عنصر أساسيٌّ في تكوين الإنتاج، ولا دخل للإنسان في إيجادها وتكوين عناصرها، فليس له إلاَّ تكييفها وتهيئتها لتلبية حاجة من حاجاته، فهي نعمة ربَّانيَّة وهبها الله للإنسان، واستخلفه على عمارتها، وسخَّر له مكوِّناتها لاستغلال خيراتها: {قُلَ اَينَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالذِي خَلَقَ الاَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ, أَندَادًا ذَالِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِلسَّآئِلِينَ} (1)، فعلى الإنسان شكر هذه النعم بدل كفرها، واستعمالها بما يتَّفقُ وطبيعته الاستخلافيَّة.
كما أنَّ الأرض تشتمل على نعم لا تدخل أصولها تحت سلطان أحد، فلا يستطيع الإنسان أن يتحكَّم فيها أو يسيطر عليها، فالهواء والماء وأشعَّة النور ونزول
__________
(1) سورة فصِّلت، الآيتان 9 - 10. (1/237)
صفحة 238
المطر لا يتطاول أحد أن يتحكَّم فيها، أو تسعى شركة لاحتكار توزيعها، ومن رحمته تعالى أن جعلها كذلك، لأنَّ من طبيعة البشر الإمساك والشحُّ والظلم، فهي شركة بين الناس جميعا.
بينما الاقتصاد الوضعيُّ ـ مع تركيزه على أهمِّيَّة عنصر الأرض ـ لم يبيِّن مصدرها، وَأَنَّهَا هبة ربَّانيَّة ومنحه إلهيَّة، ينبغي للإنسان شكرها، كما أبعد ما يسمَّى بالسلع الحرَّة من أن يعطي لها صفتها الاقتصاديَّة، فالهواء وأشعَّة الشمس والمطر لا تدخل في نطاق بحثه كنعم من الأنعم الكثيرة، كَأَنَّهَا جاءت اعتباطا بدون موجد، فلا ثمن لها ولا قيمة. والسبب في ذلك أنَّ الاقتصاد الوضعيَّ قائم على أساس فصل الاقتصاد عن الدين، لغرض تحقيق الموضوعيَّة والحياد.
بينما الاقتصاد الإسلاميُّ قائم على أساس ربط السلوك الاقتصاديِّ بالعقيدة، وربطه بغاية الإنسان من الوجود.
- ثانيا: اعتبر الإسلام العمل عنصرا حيويًّا، وأضفى عليه طابعا تعبُّديًّا إلى جانب الجزاء المادِّيِّ الذي يحصل عليه الإنسان من كسب يديه، فهو عبادة ينال بها أجر الدنيا والآخرة، مهما كانت طبيعة هذا العمل، بشرط عدم خروجه من دائرة الحلال وإنتاج الطيِّبات، وهو أكبر محفِّز على مضاعفة الإنتاج والعمل، ومن جهة أخرى يعتبر العمل فريضة على كلِّ قادر عليه، فإذا استشعر الفرد المسلم بهذا الواجب وجعله في مستوى الفروض التعبُّديَّة، جنِّدت كلُّ الطاقات البشريَّة للمساهمة في الإنتاج والعمارة بالعمل الجادِّ المنتج، أَمَّا العمل في الاقتصاد الوضعيِّ يقوم على الحافز المادِّيِّ ولا يرقى إلى مرتبة العبادة والفريضة، كما يفتقر إلى العنصر الروحيِّ بجعله الهدف من العمل هو معظمة الربح وتحقيق المصالح الشخصيَّة، فلا اعتبار عنده للقيم الإنسانيَّة، كالإخاء والإيثار والتضحية التي تقوم عليها كثير من أعمال البرِّ والإحسان في ظلِّ الاقتصاد الإسلامي. (1/238)
صفحة 239
- ثالثا: العدالة في توزيع العائد بين عناصر الإنتاج:
يقوم الاقتصاد الإسلاميُّ على العدالة في توزيع عوائد الإنتاج على العناصر التي ساهمت في العمليَّة الإنتاجيَّة، فيعطي للعامل أجره، فيأمر بوفاء حقِّه والإحسان إليه.
كما يعطي للعوامل الأخرى حقَّها مع خلاف بين الفقهاء (1) في ريع الأرض، أيكون نسبة معيَّنة من الربح؟ أم أجرا ثابتا؟ أو يكره كراؤها أصلا؟.
إلاَّ أنَّ الفرق يظهر جليًّا بين النظامين في توزيع العائد بين رأس المال والتنظيم، إذ يعطي النظام الوضعيُّ فائدة بنسبة معيَّنة من رأس المال، سواء حقَّق المشروع ربحا أو سجَّل خسارة وهو الربا المحرَّم شرعا. أمَّا الإسلام فيوزِّع ـ بعد تغطية كلِّ التكاليف الإنتاجيَّة ـ بين عنصري رأس المال والتنظيم في صيغة نسب مئويَّة يُتَّفق عليها مسبقا، مِمَّا يحقِّق العدالة بين الطرفين، ومساهمتهما في تحمُّل نتائج المشروع، سواء أكانت ربحا أم خسارة، وبذلك تُطبَّق قاعدة: «الغنم بالغرم» (2)، التي هي أصل من أصول المعاملات الماليَّة في الإسلام.
hhh
__________
(1) انظر تفاصيل هذه الآراء في: فكري نعمان: النظريَّة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص245 وما بعدها.
(2) وهو في الأصل حديث رواه الخمسة، سنن أبي داود، 3/ 779/3508. سنن النسائي: 7/ 255. سنن الترمذي: 6/ 28 ... (1/239)
صفحة 240
المبحث الثالث
حوافز العمارة في الاقتصاد الإسلامي
يملك الإسلام عدَّة حوافز يحرِّك بها المسلم في سبيل تحقيق التنمية، ومن أقوى هذه الحوافز فعاليَّة الحافز الدينيِّ، باعتبار أنَّ العمارة عبادة وفريضة دينيَّة، فقيمة تحصيل الثواب عند المسلم لا تقلُّ أهمِّيَّة عن تحصيل المال.
بالإضافة إلى هذا الحافز يقرُّ الإسلام أيضا الحوافز الماليَّة، وكلُّها تعمل عملها في تقوية الإنتاج ومضاعفته، ودفع عجلة التنمية، وهذه الحوافز صنفان:
أ) حوافز إيجابيَّة.
ب) حوافز سلبيَّة.
المطلب الأوَّل: الحوافز الإيجابيَّة:
أوَّلاً: ضمان تمليك ثمرة الجهد والعمل:
يقوم الإسلام على ضمان نتيجة الكدح والجهد، يقول تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلاِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} (1)، وهذا السعي يكون باتِّباع سبل الكسب المشروعة، كما أَنَّهُ يحمي الملكيَّة من كلِّ اعتداء أو اغتصاب، ويشرِّع العقوبة الرادعة للحدِّ من العدوان والظلم، ويضمن انتقالها ـ بعد موت المالك ـ إلى الورثة الشرعيِّين، وفي ذلك تحفيز وتشجيع على مضاعفة الإنتاج وزيادته، ولقد قامت تجربة في العصر الحديث بمصادرة الجهد البشريِّ وإلغاء الملكيَّة الفرديَّة بحجَّة أَنَّهَا سبب النزاع وأداة
__________
(1) سورة النجم، آية 39. (1/240)
صفحة 241
استغلال، فنادت بما يسمَّى بالملكية الجماعيَّة لوسائل الإنتاج، فأرادت بذلك أن تخالف غريزة من غرائز الإنسان في حبِّه للتملُّك، فكانت نتيجتها الخسرانُ، وتقهقُرُ الإنتاج، وتدنِّي المعيشة، على مستوى الأفراد وعلى المستوى الجماعيِّ على حدٍّ سواء، أمَّا الإسلام باعترافه بحقِّ الملكيَّة، استجاب لفطرة الإنسان وغرائزه، لكن لم يتركها بدون انضباط وتحديد، كما فعلت الرأسماليَّة، بل وضع لها حدودها، ورسم معالمها، بحيث تستغلُّ عنصر الغريزة في زيادة الإنتاج.
فالملكية الفرديَّة ضروريَّة لإيجاد القوى الدافعة على التنمية والعمران، فهي تدفع بالأفراد إلى التنافس على بذل أقصى الجهود فيما يفيدهم ويفيد المجتمع من وراء ذلك.
ثانيا: التمليك بالإحياء:
يقول الرسول J : « من أحيى أرضا ميِّتة فهي له» (1)، فإحياء الأراضي نوع من أنواع التنمية والعمارة، ومفهومه كما تقدَّم يعني استصلاح الأراضي الميِّتة التي لا مالك لها، وجعلها أرضا منتجة، ويتطلَّب ذلك بذل الجهد، باستخراج المياه، وتسوية الأرض، وتهيئتها للإنتاج، أو بإقامة مبان عليها، فالشرع الإسلاميُّ يكافئ المحيي بتمليكه الأرض الجرداء التي أحياها، وهذا حافز قويٌّ على العمل المنتج، باتِّجاه الأفراد إلى الأراضي الميِّتة بإحيائها؛ مِمَّا يؤدِّي إلى زيادة الإنتاج وتوفير احتياجات الإنسان.
فلو رفع هذا الشعار في الوقت الحاضر الذي تشتكي فيه الدول الإسلاميَّة من التخلُّف والتبعيَّة الغذائيَّة لأعدائها، لحقَّقت تنمية اقتصاديَّة هائلة بفضل الموارد التي تتوفَّر عليها أراضيها، ولوفَّرت الشغل للملايين من أبنائها الذين يشتكون من البطالة، ولضمنت حدَّ الكفاية لِكُلِّ أفراد مجتمعاتها الذين يعيش الكثير منهم على عتبة الفقر والاحتياج. فالإحياء أداة من أدوات التنمية، وحافز من حوافزها الإيجابيَّة.
__________
(1) تقدَّم تخريجه، ص 175. (1/241)
صفحة 242
المطلب الثاني: الحوافز السلبيَّة:
إلى جانب الحوافز الإيجابيَّة التي تساعد على دفع النشاط الاقتصاديِّ والعمارة، فهناك حوافز سلبيَّة هي في الحقيقة تشريعات سنَّت لسدِّ مفاسد اقتصاديَّة واجتماعيَّة، إلاَّ أَنَّهَا تعتبر من ناحية أخرى تحفيزا على العمل المثمر، ومن هذه الحوافز نذكر ما يأتي:
أوَّلاً: تحديد مدَّة معيَّنة لتحجير الأرض:
سبق أن رأينا التحجير (1)، وأنَّه إجراء تمهيديٌّ لتهيئة الأرض، وإعدادها للإحياء، إلاَّ أنَّ الفقهاء حدَّدوه لأجل معيَّن، حَتَّى لا تتعطَّل الأراضي بدعوى التحجير، فقد ثبتت أحاديث صحيحة عن الرسول J ، وما طبَّقه الحلفاء الراشدون من بعده، خاصَّة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، أَنَّهُ جعل أقصى مدَّة للتحجير ثلاث سنوات، وهي مدَّة كافية لتهيئة الأرض للإنتاج، فإذا تبيَّن أنَّ صاحب الأرض المحجَّرة لا ينوي استغلالها أو لا يقدر على استثمارها كلِّها حقَّ للإمام أن يسترجعها منه ويمكِّنها لمن يستطيع القيام بذلك، فالتحجير بدون استغلال واستثمار نوع من الاحتكار الذي لا يرضاه الإسلام.
ولقد فهم الخليفة عمر روح التشريع وأسراره لما استردَّ أرضا من صحابيٍّ، رغم أنَّ الرسول J هو الذي أقطعها له، لَمَّا تبيَّن له أَنَّهُ حجرها مدَّة بدون استغلال، فاحتجَّ الصحابيُّ بذلك، فردَّ عليه: «إنَّك لا تقدر على استغلالها كلِّها»، فترك له كفايته واستردَّ الباقي. وإذا علم المحجِّر للأرض أَنَّهُ ستنزع منه بعد فترة إن هو لم يستصلحها، فَإِنَّهُ سيحرص على إعدادها واستغلالها خلال تلك المدَّة، وفي ذلك تحفيز على العمارة والإنتاج.
__________
(1) انظر الفصل الثاني، المبحث الثالث من هذه الرسالة، ص 130. (1/242)
صفحة 243
ثانيا: إخراج الزكاة:
الزكاة: هي اقتطاع نسبة أو مقدار معيَّن من القيمة الصافية للثروة متى بلغت النصاب، وهي مفروضة على الثروة الصافية، سواء أكانت مستعملة أم معطَّلة، وسواء أكان استعمالها فى المشاريع الإنتاجيَّة أم في أدوات ومواد الرفاه كالحليِّ (1)، فإنَّ وجوب الزكاة يقتضي ألاَّ ينخفض معدَّل الربح عن النسبة اللازمة لإبقاء الثروة غير متناقصة، وهذا المعدَّل يعادل المعدَّل الإجماليَّ للزكاة (2)، أي إذا بقي المال بدون تنمية فإنَّهُ سيؤول إلى النقصان، ولذلك حثَّ الرسول J على استثمار الأموال حَتَّى لا تأكلها الزكاة بقوله: «اتَّجروا في أموال اليتامى حَتَّى لا تأكلها الزكاة» (3)، فإذا كان النصُّ متعلِّقا بأموال اليتامى لأَنَّهَا مظنَّة الإهمال وعدم الاهتمام بها، فإنَّ المعنى ينطبق على عموم الأموال، لأنَّ الزكاة تطيل كلَّ الأموال، وتأتي عليها لو لم يتمَّ عمليَّة استثمارها. فالزكاة صيانة للمال من الانتقاص، وحفزًا على النماء، وإذا أخذنا بعين الاعتبار العلاقة العكسيَّة بين الزكاة وبين الدخل، بمعنى أَنَّهُ كُلَّمَا زاد معدَّل الدخل كُلَّمَا نقص مبلغ الزكاة المدفوع، فإنَّ ذلك يعدُّ حافزا لاستثمار الدخل وتوظيفه في المشروعات الإنمائيَّة.
ومن جهة أخرى فالزكاة تعني منع الاكتناز، وهو يعني تطبيق الأحكام الشرعيَّة بتوظيف المال وتشغيله، اتِّقاءً لعذاب وإثم اكتنازه، وتحاشيا للنقص في رأس المال بسبب الاقتطاع منه بالزكاة.
وكلُّ ذلك يعني توظيف المال وتحريك عناصر الإنتاج وتشغيل طاقات الإنتاج، وبالتالي مضاعفة الإنتاجيَّة والدخول، وتحقيق الرفاه الاقتصاديِّ والاجتماعيِّ للأفراد (4).
إذن فالزكاة حافز على القيام بالتنمية الاقتصاديَّة.
__________
(1) مع اختلاف الفقهاء في زكاة الحليِّ. انظر: القرضاوي: فقه الزكاة، مرجع سابق، ج1، ص285.
(2) منذر قحف: الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص113.
(3) أخرجه الإمام مالك في الموطَّأ، كتاب الزكاة، ص127، رقم 588، دار الكتب - الجزائر، سنة 1985م، بدون رقم الطبعة.
(4) غازي عناية: الزكاة والضريبة، منشورا ت دار الكتب - الجزائر، 1991م، ص273. (1/243)
صفحة 244
ثالثا: تحر يم الر با:
إذا كانت الزكاة تحفِّز على الاستثمار وعدم الاكتناز كما رأينا، فقد يفكِّر أرباب الأموال على توظيف أموالهم واستثمارها بالوسائل القائمة على الربا، إمَّا بإقراضها مباشرة الى المستثمرين بفوائد ربويَّة، أو بإيداعها في البنوك التي تنوب عنهم في استثمار أموالهم. على أنَّ تحريم الإسلام لهذه الطرق لِمَا تنطوي عليه من الربا المحرَّم، يكون قد وضع الأموال في قنواته الصحيحة تنساب في طرق الحلال الطيِّب، وسَدِّ كلِّ المنافذ للكسب الحرام، فاكتناز الأموال وتكديسها بدون استثمارها يواجه التآكل والاضمحلال بفعل الزكاة، أو الوعيدَ الإلهيَّ، كما أنَّ استثمارها بالوسائل الربويَّة محرم في الإسلام، وفي هذا تحفيز لإدخال الأموال المدَّخرة في الدورة الإنمائيَّة للحياة الاقتصاديَّة.
إذْ لا سبيل لها إلاَّ أن تسلك هذا المسلك، الذي هو المخرج الوحيد الذي يتَّسم بالتعاون وحسن توزيع ثمار التنمية بين أرباب المال وأرباب الأعمال بعدالة، وتحمُّل الطرفين معا للنتائج الإيجابيَّة والسلبيَّة للعمليَّة الإنتاجيَّة.
يمكننا القول في النهاية: إنَّ الأحكام الشرعيَّة لم تشرَّع إلاَّ لمصلحة العباد، الدينيَّة والدنيويَّة، وقد رأينا أنَّ البعض منها في جانبها الظاهريِّ هي نواهٍ ومحرَّمات، إلاَّ أنَّ لها بعدا آخر، فهي محفِّزة ومساعدة على الأنشطة السويَّة، كما رأينا ذلك مثلا في أثر تحريم الربا، وتحديد مدَّة التحجير، كعوامل مساعدة على مضاعفة النشاط التنموي.
qQqQqQ (1/244)
صفحة 245
المبحث الرابع
العمارة والتنمية بين المنهج الإسلامي والاقتصاد الوضعي
إذا كانت الأسس التي تقوم عليها كلٌّ من العمارة في الإسلام والتنمية في الاقتصاد الوضعي متباينة، فإنَّ الأهداف والمناهج والطرق المؤدِّية لتحقيق هذه الأهداف تكون متباينة أيضا.
وسنرصد في هذا المبحث مجالات الخلاف بين المنهجين في الغايات والأهداف وفي المنهج والتطبيق.
المطلب الأوَّل: الغاية والهدف:
يهدف الإسلام من العمارة تحقيق غاية الخلافة على الأرض، وخلافة الأرض تعني إصلاحها وتعميرها، وقد تفرَّد الإسلام باعتبار نظريَّة الاستخلاف، التي هي بمثابة عقد بين الخالق تبارك وتعالى وبني آدم الذين مكَّنهم في الأرض، وسخَّر لهم ما فيها ليعبدوه، وقد تميَّز الإسلام عن سائر الأديان الأخرى التي جعلت الحياة الإنسانيَّة على الأرض عقوبة لآدم وذرِّيَّته (1)، فالحياة في نظر الإسلام ليست إلاَّ إعمارا، وإعمار الأرض ليس هدفا نهائيًّا، بل هو وسيلة لتحقيق هدف نهائيٍّ منشود.
بينما التنمية في النظم الوضعيَّة تقصد لذاتها بهدف ترقية الحياة المادِّيَّة للإنسان، فيسلك إليها كلَّ سبيل مهما كان فيه من استغلال أو ربا أو احتكار، وهو هدف مادِّيٌّ بحت، فلا سبيل للقيم الروحيَّة والأخلاقيَّة، وإنَّما تهدف إلى إشباع أقصى
__________
(1) انظر: الفصل الأَوَّل، المبحث الثاني، من هذه الرسالة، ص 62. (1/245)
صفحة 246
الحاجات بالنسبة للمستهلك، والوصول إلى تعظيم الربح بالنسبة للمنتج، بدون قيود أو ضوابط تضبط سلوك المنتج أو المستهلك على حدٍّ سواء.
أَمَّا في الإسلام فإنَّ هدف الإعمار هو طاعة الله، فقد جعل كلَّ سبيل يؤدِّي إلى طاعته يثاب عليه ولو كان ضئيلا، وضبط سلوك الفرد والجماعة، بما يَتَّفِقُ ورضوان الله (1).
المطلب الثاني: في المنهج والتطبيق:
وإذا كان الخلاف بين المنهجين خلاقا في الأهداف، فلا بدَّ أن يختلفا في المنهج والتطبيق، وإذا وجد التشابه فيكون ظاهريًّا لا حقيقيًّا، وفيما يلي مناقشة بعض مبادئ التنمية ومفاهيمها في المنهجين الإسلاميِّ والوضعيِّ (2).
1) الإنسان أساس التنمية.
2) الاستثمار محرِّك التنمية.
3) التوازن بين الحاجة والإنفاق.
4) التوازن بين القطاع العامِّ والخاصِّ في إقامة التنمية.
الفرع الأوَّل: الإنسان أساس التنمية:
الإنسان محور التنمية، بل هو أيضا أداة التنمية، إذ لا تنمية بدون الإنسان، وقد اعتبر الإسلام كلَّ ما من شأنه أن يكون تنمية للإنسان، تكريمًا له، وهذا يعني أن تكون التنمية لتكريم الإنسان والحفاظ على آدميَّته: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} (3)، وتشير الآية
__________
(1) د/ سمير ستيتيه، مجلَّة الاقتصاد الإسلامي، ع. 57، 1986، ص384/ 5.
(2) المرجع نفسه والصفحة نفسها.
(3) سورة الإسراء، آية 70. (1/246)
صفحة 247
بوجه خاصٍّ إلى تنمية وسائل الاتِّصالات البرِّيَّة والبحريَّة، واستغلال كنوزها واستخلاص خيراتها.
وإذا كانت النظم الوضعيَّة لا تنكر دور الإنسان في عمليَّات التنمية، فَإنَّهَا تنزل الظلم به بصورة أو بأخرى، فالنظم الرأسماليَّة تجعل الفرد معيارًا رئيسيًّا في عمليَّات التنمية، مِمَّا يجعل المجتمع تحت رحمة الأفراد الأغنياء والشركات الكبرى الذين يتملَّكون مقدرات المجتمع وموارده الاقتصاديَّة، فيسيئون استخدامها وينحرفون في استغلالها واستثمارها، والنظم الاشتراكيَّة تستهين بالأفراد وتقيِّد حركاتهم، وتجعل طبقة واحدة من المجتمع ـ وهم زعماء الحزب الواحد ـ هم المحرِّكين الأساسيِّين لعمليَّة التنمية، وهذا من شأنه أن يعطِّل طاقات الأفراد، التي لا بدَّ منها لتطوير التنمية.
الفرع الثاني: الاستثمار محرِّك التنمية:
هذا مبدأ اقتصاديٌّ يَتَّفِقُ عليه المنهجان الإسلاميُّ والوضعيُّ، لكنَّ أسلوب ومنهج الاستثمار في الإسلام مقيَّد بضوابط عديدة ذكرت في ثنايا البحث، من أهمِّها الكسب المشروع، فكلُّ ما كان كسبه مشروعا كان استثمار الأموال فيه مشروعا، وكلُّ ما كان محرَّما حرِّم الاستثمار فيه، ومن هنا فإنَّ كثيرا من الموارد التي تعتبرها النظم الوضعيَّة مصادر هامَّة للدخل وموردا اقتصاديًّا، لا تعتبر في نظر الإسلام مالاً متقوَّما أصلا، مثل الخمر والخنزير، أو اتِّباع أساليب محرَّمة في الاستثمار، مثل الربا والاحتكار، فهي محرَّمة في الإسلام، رغم ما قد تدرُّه من أرباح مادِّيَّة آنيَّة، غير أنَّه لو تعمَّقنا في آثارها لوجدناها تسبِّب آثارا سلبيَّة على الاقتصاد وعلى الأنفس والمجتمع، فإنَّ الله لا يحرِّم شيئا إلاَّ لحكمة، وَلِمَا يشتمل عليه من أضرار قد لا تبدو للعيان. (1/247)
صفحة 248
الفرع الثالث: التوازن بين الحاجة والإنفاق:
الحاجة والإنفاق عنصران أساسيَّان في التنمية والإنتاج، غير أنَّ الحاجة في الإسلام منضبطة ومرتبطة بتوفير الحاجات الأساسيَّة للإنسان، وبالوصول إلى طاعة الله من خلال توفير والحاجات، بينما يذهب علماء الاقتصاد والاجتماع في النظم الوضعيَّة إلى أنَّ حاجات الإنسان متنوِّعة وغير محدودة، فإذا أشبعها تطلَّع إلى إشباع حاجات أخرى جديدة.
ويتمُّ التوازن بين الحاجة والإنفاق حين تحدَّد الحاجات ويحدَّد الإنفاق المناسب لها، سواء أكان إنفاقا استهلاكيًّا أم إنتاجيًّا، مِمَّا يؤدِّي إلى أن تنفق الأموال في سبلها المشروعة، ولا يمكن تصوُّر التوازن في ظلِّ فكر يتصوَّر عدم محدوديَّة الحاجات وانضباطها.
الفرع الرابع: التوازن بين القطاع العامِّ والقطاع الخاصِّ في إقامة التنمية:
تتمُّ العمارة والتنمية في كلِّ مجتمع حسب العقيدة التي يعتقدها وتعتنقها، ففي المجتمع الذي يتبنى الاشتراكيَّة، فالتنمية تقع على عاتق الدولة، لأنَّ ملكية وسائل الإنتاج كلِّها تعود إلى الدولة، لذا فهي التي تقوم بمهمَّة التنمية، أمَّا المجتمعات التي تتَّخذ من الرأسماليَّة مذهبا، فالتنمية تقوم أساسا على عاتق الأفراد، أي القطاع الخاصّ.
أَمَّا في الإسلام فإنَّ مسؤوليَّة الاستخلاف على الأموال مزدوجة بين الأفراد ووليِّ الأمر، فالعمارة هي مسؤوليَّة الفرد والمجتمع، ويصوِّر هذه المسؤوليَّة التضامنيَّة حديثُ السفينة أروع تصوير (1)، والحديث: «كلُّكم راع وكلُّ راع مسؤول عن رعيَّته يوم القيامة» (2) يؤكِّد هذه المسؤوليَّة. فالعمارة
__________
(1) «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها ... ». رواه البخاري. انظر: عز الدين بليق: منهاج الصالحين، دار الفتح - بيروت، بدون تاريخ، ص413.
(2) تقدَّم تخريجه. انظر: ص 50. (1/248)
صفحة 249
في الإسلام شأنها شأن نظام التكافل، تبدأ من الفرد إلى الأسرة إلى المجتمع بشكل متكامل.
ففي المجال الاقتصادي يحدِّد العلاقة بين فئات المجتمع، فهو يراعي حقوق القطاع الخاصِّ، فيضع على عاتق الدولة توفير المناخ الأمنيِّ والإطار القانونيِّ والماليِّ، وتوفير كلِّ مستلزمات الإنتاج، وإذا عجز القطاع الخاصُّ عن القيام بالاستثمار في أيِّ مجال من مجالات الحياة، إمَّا لكثرة تكاليفه أو لقلَّة أرباحه كالصناعات الثقيلة، وجب على وليِّ الأمر الاستثمار فيها، لأَنَّهُ يصبح واجبا كفائيًّا.
فالعمارة مسؤوليَّة متكاملة متوازنة بين الأفراد والمجتمع المتمثِّل في وليِّ الأمر، الذي له السلطة والصلاحية الواسعة في رعاية المصلحة العامَّة للأمَّة.
يقول الخليفة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه في بيان مسؤوليَّة الدولة: «إنَّ الله استخلفنا على عباده لنسدَّ جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفِّر لهم حرفتهم» (1).
فتوفير فرص العمل لرفع الكفاية الإنتاجيَّة، وتوفير المعدَّات والمستلزمات التي تدخل في الإنتاج، وذلك إمَّا بفتح مشاريع للقطاع العامِّ لتوظيف العمَّال، أو تيسير السبل أمام القطاع الخاصِّ لإيجاد مناصب الشغل، كلُّها معان اقتصاديَّة تحملها مقولة عمر بن الخطَّاب في فهمه لمسؤوليَّته أمام مجتمعه، فمسؤوليَّة الدولة تتَّسع لتشمل كلَّ ما يحتاج إليه المجتمع في سبيل إقامة العمارة.
dDdD
__________
(1) محَمَّد باقر الصدر: اقتصادنا، مرجع سابق، ص672. (1/249)
صفحة 250
المبحث الخامس
العلاقة بين الإنتاج والتوزيع
رأينا في المباحث السابقة مفهوم التنمية والعمارة وأهدافها، والحوافز الإسلاميَّة للإنتاج، بقي أن نجيب عن سؤال: لمن ننتج؟ لأنَّ الإنتاج، وثمار التنمية والعمارة لا بدَّ أن توزَّع على المساهمين في إنتاجها، وهذا ما نجيب عنه في الفصل الخامس، لكن هناك علاقة وطيدة بين الإنتاج والتوزيع، لا بدَّ من بيان أهمِّيَّتها كمدخل للبحث في التوزيع.
إنَّ هدف التنمية يتمثَّل في رفع مستوى أفراد المجتمع للوصول به إلى سدِّ احتياجاته، وتحقيق اليسر والرخاء، وَأَمَّا حين تنمو الثروة بشكل منفصل عن حياة الناس، فسوف يكسب هدف المال نوعا من الجمود، ويصبح هدفا لا وسيلة، فما لم تساهم التنمية في إشاعة الرخاء واليسر بين الأفراد وتوفِّر لهم الشروط التي تمكِّنهم من تحقيق رسالتهم، فلن تؤدِّي التنمية دورها في الحياة.
إذن، فالتنمية مرتبطة بالتوزيع العادل والمنصف لثروات الأمَّة وخيراتها، فلا تنمية ـ مهما كان حجمها ومستواها ـ إذا لم يظهر أثرها في الوفاء بمتطلَّبات أفراد المجتمع.
وتقوم فكرة صلة الإنتاج بالتوزيع على أساس النقاط التالية (1):
1) أنَّ الاقتصاد الإسلاميَّ يعتبر قواعد التوزيع التي جاء بها صالحة لِكُلِّ زمان ومكان، لا فرق بين عصر الآلة البخاريَّة وعصر الطاقة الكهربائيَّة، فالقاعدة الأساسيَّة تبقى ثابتة «من حقِّ العامل أن يقطف ثمار عمله».
__________
(1) محَمَّد باقر الصدر: اقتصادنا، مرجع سابق، ص679. (1/250)
صفحة 251
2) إنَّ عمليَّات الإنتاج التي يمارسها الفرد تعتبر مرحلة تطبيق لتلك القاعدة، فإحياء الأرض، واستخراج المعادن من باطن الأرض، كلُّها عمليَّات إنتاجيَّة، وهي في آن واحد تؤدِّي إلى تطبيق القاعدة العامَّة للتوزيع.
3) إنَّ الإنتاج إذا ارتفع مستواه بفضل استخدام الوسائل التكنولوجيَّة في مضاعفة الإنتاج مِمَّا قد يتيح للإنسان استغلال القواعد العامَّة للتوزيع، فقد يشكِّل خطرا على التوازن العامِّ، ففي هذه الحالة يجب على وليِّ الأمر التدخُّل لمنع استغلال قواعد التوزيع استغلالاً سيِّئا، محافظة على عدالة التوزيع واتِّساقه مع أهداف الإنتاج في خدمة المجتمع.
وإذا تأمَّلنا في الحلقة الاقتصاديَّة المتمثِّلة في الإنتاج، ثُمَّ التبادل، ثُمَّ التوزيع والاستهلاك، نرى كيف أنَّ عمليَّة التوزيع تحتلُّ الأهمِّيَّة المميِّزة، فهي تطبع الحياة الاقتصاديَّة في الإسلام؛ لأَنَّهَا هي التي تحدِّد هدف الإنتاج من ناحية، ورقعة الاستهلاك من ناحية أخرى، إلاَّ أنَّ كلَّ هذه الحلقات متفاعلة مترابطة.
ومن خلال تفاعل هذه الحلقات نستطيع وضع شروط الفعاليَّة الاقتصاديَّة في صورة مسلَّمتين (1):
1) لقمة العيش حقٌّ لكُلِّ فم.
2) العمل واجب على كلِّ ساعد.
فالأولى يفرضها الواجب الدينيُّ بوصفه من أسس الاقتصاد الإسلاميِّ، كما يفرضه واجب التضامن والتكافل الاجتماعيِّ والإنسانيِّ، أَمَّا الثانية فتعتبر ضرورة تفرضها المسلَّمة الأولى لاستمرار التفاعل بين الإنتاج والاستهلاك، فَإنَّهُ لا إنتاج من دون استهلاك، ولا استهلاك من دون إنتاج.
__________
(1) مالك بن نبي: المسلم في عالم الاقتصاد، مرجع سابق، ص 86 - 89. (1/251)
صفحة 252
وقد صوَّر الأستاذ مالك بن نبي (1) العلاقة بين الإنتاج والتوزيع في علاقة متكاملة بين الحقِّ والواجب.
فالواجب هو ما نعطيه للمجتمع، والمتمثِّل في واجب العمل على كلِّ ساعد، والحقُّ هو ما نأخذه منه، فمن حقِّ العامل أن يستفيد من ثمار عمله.
وتتوقَّف أسس الحياة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة في نظره على مدى تفضيلنا أحدهما على الآخر أو الموازنة بينهما.
ففي حالة تركيز المجتمع على مفهوم الواجب، تكون معادلته الاقتصاديَّة إيجابيَّة بفائض الإنتاج على الاستهلاك، ويستطيع استثمار فائض إنتاجه في العمليَّات والميزانيَّات المقبلة، أمَّا في حالة توازن بين الطرفين فإنَّ كفَّتي الميزانيَّة متعادلة، فهو لا يصعد ولا يهبط فهو مجتمع راكد.
أَمَّا في حالة تركيزه على مفهوم الحقِّ، أي المطالبة بالحقِّ من غير أن يقابله القيام بالواجب تكون كفَّة الاستهلاك أرجح، فهو مجتمع منهار.
هكذا صاغ الأستاذ مالك بن نبي العلاقة بين الإنتاج والتوزيع، فهو يراها مؤشِّرا هامًّا لبيان تقدُّم وتخلُّف المجتمعات.
العلاقة بين الإنتاج والتوزيع في الاقتصاد الوضعي:
بعد أن بحثنا في علاقة الإنتاج والتوزيع في الاقتصاد الإسلاميِّ، تستعرض ـ بشكل مختصر ـ نظرة الاقتصاد الوضعيِّ إلى هذه العلاقة:
أ) الاشتراكية: تؤمن بالعلاقة بين الإنتاج والتوزيع وتؤكِّدها، وترى بأنَّ كلَّ شكل من أشكال الإنتاج يفرض نوعا خاصًّا من التوزيع، وينسجم مع ذلك الشكل الإنتاجي، فهي ترى أنَّ نظام التوزيع يتبع دائما شكل الإنتاج، فالقضيَّة الأساسيَّة في
__________
(1) المسلم في عالم الاقتصاد، مرجع سابق، ص89. (1/252)
صفحة 253
حياه الإنسان هو أن ينتج. أما كيف يتمُّ التوزيع؟ فالإنتاج يتَّخذ في كلِّ مرحلة تاريخيَّة الأسلوب المؤقَّت من التوزيع.
ب) الرأسماليَّة: من العيوب التي تعاب عليها الرأسماليَّة والتي سبَّبت الشرخ بين مختلف الطبقات الاجتماعيَّة أَنَّهَا لا ترى أيَّ صلة بين الإنتاج والتوزيع، فهي تنظر إلى التنمية بصورة منفصلة عن نوع توزيعها، فلا تجعل من التنمية هدفًا لحسن توزيع ثمارها، لذلك نلاحظ أنَّ النظام الرأسماليَّ يتميَّز بحسن الإنتاج وسوء التوزيع (1).
من خلال عرضنا لصلة الإنتاج بالتوزيع في مختلف النظم نرى كيف أنَّ الإسلام اعتبر التوزيع هو الهدف الأساسيَّ ويتمُّ بقواعد ثابتة لا تتغيَّر، وأنَّ التنمية والإنتاج يكونان في خدمة الإنسان والمجتمع، بينما الرأسماليَّة لا ترى أيَّ صلة بينهما، والاشتراكيَّة ترى أنَّ الأصل هو الإنتاج، وأنَّ التوزيع يتمُّ وفق قواعد مؤقَّتة حسب النمط الإنتاجيِّ السائد.
C9C
__________
(1) ردَّ الأستاذ محَمَّد باقر الصدر على هذه النظريَّة وفنَّدها. انظر كتابه: اقتصادنا، مرجع سابق، ص17. (1/253)
صفحة 254
خلاصة الفصل الرابع:
بعد هذا العرض الذي استعرضنا من خلاله العمارة في ظلِّ نظريَّة الاستخلاف نسجِّل ما يلي:
1 - أنَّ العلاقة بين الاستخلاف والعمارة علاقة تلازميَّة، فلا استخلاف بلا عمارة، كما لا عمارة ـ مهما كانت نتائجها المادِّيَّة ـ بدون ارتباطها بالرسالة الاستخلافيَّة.
2 - سبق الإسلام إلى الدعوة إلى العمارة، من خلال النصوص الشرعيَّة من الكتاب والسنَّة، وتوجيهات ولاة أمور المسلمين، وكتابات الفقهاء والمفكِّرين، وإن أخذت مفهوما ومصطلحا متميِّزا، إلاَّ أَنَّهَا تنفي الزعم بأنَّ التنمية الاقتصاديَّة هي وليدة النهضة الأوروبيَّة.
3 - تتميَّز العمارة بخصائص لا نظير لها في النظم الأخرى، مِمَّا يضفي لها طابع الشموليَّة والتوازن بين كافة مهامِّ الإنسان المادِّيَّة والروحيَّة، فالعمارة ليست نتاجا مادِّيًّا فحسب، بل هي عبادة من أجلِّ العبادات إلى جانب كونها فريضة لا تقلُّ شأنا عن الفرائض الأخرى.
إذن فالإسلام يربط بين العمارة والعقيدة.
4 - سنَّ الإسلام تشريعات كثيرة، هي من المنظور الفقهيِّ أوامر ونواه، لكن لها مدلول اقتصاديٌّ هامٌّ، إذ تشكِّل حوافز على العمارة وإقامة التنمية، منها مثلا: فرض الزكاة، وتحديد مدَّة التحجير، وتحريم الربا، كلُّها تؤدِّي دورها في الحياة الاقتصاديَّة، فلا فصل في الإسلام بين الدين والحياة.
5 - إنَّ عوامل الإنتاج التي تستخدم للعمليَّة الإنتاجيَّة، هي في الأصل نعم ربَّانيَّة وهبات إلهيَّة من الله تعالى لعباده، عليهم تسخيرها والانتفاع بها وشكر المنعم عليها. (1/254)
صفحة 255
هذه هي نظرة الإسلام إلى عوامل الإنتاج، والاقتصاد الوضعيُّ لا يعير اهتماما لهذا الجانب، كأنَّ هذه العوامل وجدت اعتباطا بدون موجد، أو أوجدها الإنسان نفسه.
6 - يتفاعل الإنتاج مع التوزيع في ظلِّ الاقتصاد الإسلاميِّ ويترابطان في عمليَّة متكاملة، فإذا كان التوزيع حقًّا لِكُلِّ فرد أن ينال كفايته من الإنتاج، فالإنتاج واجب على كلِّ فرد قادر عليه، فكلُّ حقٍّ يقابله واجب، فلا يمكن المطالبة بالحقِّ من غير أداء الواجب، ومن هذا المنطلق نخلص إلى أنَّ الإنتاج واجب على كلِّ قادر عليه، والتوزيع حقٌّ لكُلِّ فرد.
` ih`i (1/255)
صفحة 256
[صفحة بيضاء] (1/256)
صفحة 257
- ... -
الفصل الخامس
نظريَّة الاستخلاف والتوزيع والإنفاق
- ... - (1/257)
صفحة 258
[صفحة بيضاء] (1/258)
صفحة 259
تمهيد:
إنَّ توزيع الأموال هو المؤشِّر الأساسيُّ على سلامة اقتصاد ما، فإذا اختيرت المعايير التي يقوم عليها، ونفِّذت على أرض الواقع كان الاقتصاد سليما ومتوازنا، وإذا أقيمت معايير غير منسجمة ولا تتماشى مع الحاجات الأساسيَّة، كان الاقتصاد مشوَّها، مهما كان الإنتاج وفيرا، وهذه هي العلَّة التي تعاني منها الاقتصاديَّات الوضعيَّة من رأسماليَّة واشتراكيَّة.
وكلُّ عمليَّة إنتاجيَّة تعقبها عمليَّة التوزيع، أي توزيع المنتوج على من اشتركوا في تكوينه في صورة مداخيل، وهذه المداخيل يعبَّر عنها نقديًّا بأثمان عناصر الإنتاج التي ساهمت في العمليَّة.
تعتبر مشكلة التوزيع من أهمِّ القضايا الاقتصاديَّة التي اختلفت فيها المذاهب والنظم الاقتصاديَّة، وذلك تبعا للاختلاف العقديِّ في أسس التوزيع، وقبل البحث في هذه الأسس ينبغي معرفة التوزيع لغة واصطلاحا.
فالتوزيع لغة: القسمة والتفريق، وزَّع الشيء: قسَّمه وفرَّقه. وتوزَّعوه فيما بينهم أي تقاسموه (1).
والتوزيع في الاصطلاح الاقتصاديِّ: هو وسيط بين الإنتاج والاستهلاك، وهو مجموع العمليَّات الرامية إلى إيصال الإنتاج إلى المستهلك (2).
ويجيب التوزيع في علم الاقتصاد على سؤال: لمن ننتج؟ وهو من الأسئلة الكبرى التي يواجهها الاقتصاد في ظلِّ نظام معيَّن، أعني: من الذي سيحصل على السلع والمنتجات (3). بما يوحي بالعلاقة الوطيدة بين الإنتاج والتوزيع، وهو ما بحثناه في مبحث سابق.
__________
(1) الفيروزآبادي: لسان العرب المحيط، مرجع سابق، مج6، ص919.
(2) محَمَّد بشير عطيَّة: القاموس الاقتصادي، مرجع سابق، ص133.
(3) الزرقا: نظم التوزيع، مرجع سابق، ص2. (1/259)
صفحة 260
المبحث الأوَّل
التوزيع في النظم الاقتصاديَّة
المطلب الأوَّل: التوزيع في النظام الرأسمالي:
إنَّ أوَّل من أثار مشكلة التوزيع في إطار الاقتصاد الرأسمالي هم الفيزوقراط، الذين استعملوا طريقة للتحليل ذات الطابع الاجتماعي، فقسَّموا المجتمع إلى ثلاث طبقات تتوزَّع الناتج الصافي العامَّ وهي (1):
أ) طبقة الملاَّك.
ب) طبقة المزارعين.
ج) الطبقة العقيمة: الصناعة والتجارة والمهن غير الفلاحيَّة.
وترى هذه المدرسة أنَّ الطبقة المنتجة الحقيقيَّة هي طبقة المزارعين؛ لأَنَّهَا الطبقة الوحيدة التي تخلق الإنتاج.
ثُمَّ تطورت هذه النظريَّة بارتباطها بعوامل الإنتاج، أي كيفية توزيع الإنتاج على مختلف عوامله، وهو ما يطلق عليه بالتوزيع الوظيفي، فكلُّ عامل من عوامل الإنتاج ينال العائد الذي يستحقُّه: فالأجر للعمل، والريع للأرض، والفائدة للرأسمال، والربح للتنظيم.
إلاَّ أنَّ هناك شكلا آخر من أشكال التوزيع تقوم به الدولة ويسمَّى بإعادة التوزيع، ويكون بالطرق الآتية (2):
__________
(1) فتح الله ولعلو: توزيع المداخيل، دار الحداثة - بيروت، ط1، ص9.
(2) المرجع نفسه، ص 169. (1/260)
صفحة 261
أ) الضرائب: باقتطاع جزء من الدخول وإعادة توزيعها كإنفاق عامِّ.
ب) تدخُّل المؤسَّسات الاجتماعيَّة عن طريق الاقتطاعات والتحويلات الاجتماعيَّة.
ويعتبر كينز (1) صاحب فكرة تدخُّل الدولة لتحسين توزيع المداخيل في اتِّجاه تعادليٍّ، وحفاظا على التوازن بين الطلب العامِّ والعرض العامِّ.
نلاحظ على نظام التوزيع في الرأسمالية أمرين اثنين:
1) حين دراستها لتوزيع عوائد الإنتاج على العناصر التي ساهمت فيه لا تنظر إلى الثروة الكلِّيَّة للمجتمع، وإنَّما تنصبُّ دراستها فقط على الثروة المنتجة في زمن معيَّن، مِمَّا يجعل نظرتها غير شاملة لكُلِّ الأموال الموجودة فعلا، وبعبارة أخرى: تقوم على أساس توزيع القيمة النقديَّة للناتج بغضِّ النظر عن الثروة العامَّة للأمَّة (2)، التي تشمل كلَّ الأموال المنتجة في سنوات سابقة.
2) إنَّ التوزيع يكون على أساس الملكيَّة الخاصَّة، فهي أداة إنتاج وأداة توزيع في آن واحد، ويترتَّب على ذلك التفاوت الشديد في المداخيل بحسب التفاوت الشديد في ملكيَّة أدوات ووسائل الإنتاج (3)، إلاَّ أنَّ آراء "كينز" في تدخُّل الدولة عقب أزمة الرأسماليَّة الخانقة قد عدَّلت كثيرا من أفكار هذا النظام لصالح إعادة التوزيع.
إلاَّ أَنَّهُ بالرغم من تصحيح مسار الرأسماليَّة فإنَّ نظرتها للتوزيع ظلَّت ثابتة، ولم تتغيَّر من الناحية المنهجيَّة.
__________
(1) هو: جُون مِيرانْد كِينْز، اقتصاديٌّ إنجليزي (1883 - 1946)، نادى بضرورة تدخُّل الدولة للإنعاش الاقتصادي. من أشهر مؤلَّفاته: النظرية العامَّة للاستخدام والفائدة والنقد .. انظر: علية محَمَّد بشير: القاموس الاقتصادي، مرجع سابق، ص343.
(2) فكري نعمان: النظريَّة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص207.
(3) الفنجري: الإسلام وعدالة التوزيع، مرجع سابق، ص11. (1/261)
صفحة 262
المطلب الثاني: التوزيع في النظام الاشتراكي:
يقوم هذا النظام على أساس الملكيَّة العامَّة لوسائل الإنتاج، أي لا يسمح للأفراد إلاَّ بامتلاك الأشياء الخاصَّة غير المنتجة، كالمسكن مثلا، والمعيار الذي يقوم عليه أساس التوزيع ينبني على قاعدة: «لِكُلٍّ حسب عمله، ومن كل حسب طاقته»، ثُمَّ تتطوَّر حسب منظِّريه (1)، لتصبح في النهاية في ظلِّ الشيوعيَّة: «لِكُلٍّ حسب حاجته، ومن كلٍّ حسب طاقته» (2). إلاَّ أنَّ هذا النظام لم يحقِّق حلمه بالوصول بالمجتمع إلى تحقيق كافَّة احتياجات الأفراد، بل انهار وهو في المرحلة الأولى ـ مرحلة الاشتراكيَّة ـ لأنَّ مبادئه تصادم الواقع والفطرة الإنسانيَّة.
يقوم أساس التوزيع في النظام الاشتراكيِّ على العمل، فهو أداة إنتاج وأداة توزيع في آن واحد، فيجب أن يكون توزيع القيم المنتجة في مختلف فروع الثروة على العمل، وينتج عن ذلك لكُلٍّ حسب عمله، ومن كلٍّ حسب طاقته، فلكلِّ عامل الحقُّ أن يحصل على ما أنتج من قيم، مهما كانت النتيجة ضئيلة أو كبيرة، وبذلك فالحاجة مستبعدة في ظلِّ هذا التوزيع وفي ظلِّ هذه النظريَّة، فإنَّ الطبقة التي لا تملك من القدرة الفكريَّة والجسديَّة إلاَّ ما يؤمِّن لها الحدَّ الضروريَّ، عليها أن تستسيغ الفوارق الكبيرة في مستوى معيشتها بينها وبين الفئات التي تتوفَّر لها الحظوظ للحصول على عوائد كبيرة.
أَمَّا الفئة الثالثة وهي المجرَّدة كلِّيَّة من وسائل الإنتاج وعن طاقة العمل، وهم العاجزون طبيعيًّا عن العمل، فلا يوجد تفسير علميٌّ على الطريقة الاشتراكية يبرِّرُ نصيب هؤلاء من التوزيع وحقَّهم في الحياة (3).
__________
(1) صاغ هذه النظرية مؤسِّس المذهب: كارل ماركس.
(2) محَمَّد باقر الصدر: اقتصادنا، مرجع سابق، ص345.
(3) محَمَّد باقر الصدر: اقتصادنا، مرجع سابق، ص357. (1/262)
صفحة 263
المطلب الثالث: التوزيع في ظلِّ الاقتصاد الإسلامي:
قبل تناول البحث في قضيَّة التوزيع في الاقتصاد الإسلاميِّ، لا بدَّ من بيان نقطتين وهما:
أ) الأهداف الشرعيَّة للتوزيع.
ب) المعايير المعتمدة في التوزيع.
أ) الأهداف الشرعيَّة للتوزيع:
إذا كان المال مال الله، والبشر مستخلفين فيه، فإنَّ توزيعه يعتبر من صميم الاستخلاف الذي يتحمَّل مسؤوليَّته الأفراد والأمَّة في توزيعه وإيصاله إلى مستحقِّيه، وقد حصرت الأهداف الشرعيَّة كالآتي:
1) إشباع حاجة المخلوقات، وهو هدف رئيسيٌّ قائم على أساس توفير الكفاية لِكُلِّ فرد، فإذا لم يَفِهِ عمله، أو كان بدون عمل أصلا قامت وسائل أخرى بمدِّه بالكفاية، وقد بيَّنت الشريعة موارد هذه الوسائل.
2) إحداث آثار إيجابيَّة في المساهمين في التوزيع، وفي إعادة التوزيع، فالغنيُّ الذي يساهم في هذه العمليَّات بالزكاة وغيرها من الصدقات تطهير لنفسه وماله من الشحِّ، وتثبيت على الطاعة والإيمان، وشعوره بالنعم التي أنعم الله بها عليه.
3) إحداث آثار إيجابيَّة في المستفيدين من التوزيع بتأليف القلوب والشعور بالتضامن والأخوَّة، وإزالة الضغائن من النفوس.
4) تخفيف التفاوت في توزيع الدخل والثروة، وهو ما دلَّت عليه آية الحشر في توزيع فيء بني النضير على الفئة المحرومة من المهاجرين: {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةَم بَيْنَ الاَغْنِيَآءِ مِنكُمْ} (1).
__________
(1) سورة الحشر، آية 7. (1/263)
صفحة 264
ب) المعايير المعتمدة في التوزيع:
يقصد بمعيار التوزيع القاعدة التي على أساسها ينبني التوزيع، ويكون من توفَّرت فيه صفاتها مستحقًّا لدخل معيَّن، فمعايير التوزيع التي طبَّقتها البشريَّة عبر العصور هي (1):
1) المعاوضة.
2) الحاجة.
3) المعايير المستندة إلى قيم اجتماعيَّة وأخلاقيَّة.
وهناك معيار رابع طبَّقته البشريَّة هو معيار القوَّة، وهو الاستيلاء على الحقوق والأموال غصبا باستعمال القوَّة، إلاَّ أَنَّهَا مرفوضة في غالبيَّة النظم الأخلاقيَّة، إلاَّ أنَّ أسلوب القوَّة السافر لم يعد مطبَّقا، وإنَّما الغالب أن يُعصب بثوب أخلاقيٍّ ولو كان مهلهلا، مثل استغلال الدول القويَّة لخيرات وموارد الدول الضعيفة تحت شعارات وأساليب متنوِّعة.
1) المعاوضة: بحسب هذه القاعدة يأخذ الإنسان من الدخل بقدر ما أعطى من الإنتاج، فمن أنتج مثلا قيمة مائة من الوحدات النقديَّة يحقُّ له أن يتقاضى من السلع والخدمات ما يساوي مائة، وهو ما يقابل التوزيع الوظيفيَّ في الاقتصاد الرأسماليِّ، أو العمل في الاقتصاد الاشتراكيِّ.
إلاَّ أَنَّهُ لا يمكن تطبيق هذه القاعدة على من لا ينتجون أصلا من الأطفال والعجزة، غير أَنَّهُ يمكن اعتبار هذه القاعدة ركنا أساسيًّا في التوزيع، لأَنَّهَا تعبِّر عن فكرة العدالة، إذ يرتبط فيها الجهد بالجزاء.
2) الحاجة: يوزَّع الدخل بمقدار ما يحتاج كلُّ فرد، بصرف النظر عَمَّا قدَّمه، فمن يعول عائلة كبيرة مثلا يُعطى دخلا أكبر من الأعزب، حَتَّى ولو قاما بنفس العمل، والعاجز يُعطى قدر حاجته ولو لم يقدِّم أيَّ شيء.
__________
(1) الزرقا: نظم التوزيع، مرجع سابق، ص3. (1/264)
صفحة 265
فهذه القاعدة تعبِّر عن سموِّ الإنسان وتقدُّمه أخلاقيًّا وحضاريًّا (1).
3) النطام الأخلاقي والقيم الاجتماعيَّة: هذا المعيار يأخذ بعين الاعتبار الفوارق الاجتماعيَّة، ويكون التوزيع على أساس أخلاقيٍّ، تراعى فيه العدالة الاجتماعيَّة، وهو أشمل معيار للتوزيع، لأَنَّهُ يمكن أن يتضمَّن المعايير الأخرى، ويكمِّل نقصها، فالمعاوضة مثلا لا يمكن اعتبارها معيارا وحيدا، لأَنَّهَا تخرج منها كثير من الفئات التي لا تملك أيَّ وسيلة للعمل، حَتَّى يتمَّ لها المعارضة.
الفرع الأوَّل: أهمِّيَّة التوزيع في الاقتصاد الإسلامي:
لقد منيت الإنسانيَّة عبر العصور بشتَّى أنواع الظلم والاستغلال لعدم وجود معايير سليمة لتوزيع ثروات الأمَّة، التي تقوم أحيانا على أساس فرديٍّ بحت، وأحيانا على أساس جماعيٍّ، فكان الأَوَّل تعدِّيا على حقوق الجماعة، والثاني بخسا لحقوق الأفراد (2).
ولقد وضع الإسلام جهازا عادلا لتوزيع الثروات، بحيث يوازن بين حقوق الأفراد والجماعة، ويؤدِّي وظيفة المال الاستخلافيَّة.
والإسلام يرى أنَّ المشكلة الاقتصاديَّة سببها الرئيسيُّ هو سوء التوزيع، وَأَنَّهُ قد أودع في الكون ما يكفي حاجة البشر قاطبة، لو أَنَّهَا استغلَّت هذه الإمكانيَّات ووزَّعتها بعدالة، يقول الله تعالى: {للَّهُ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الاَنْهَارَ} (3)، لكنَّ الإنسان لم يستثمر هذه الموارد الطبيعيَّة بسبب ظلمه وكفرانه كما أشارت الآية الكريمة.
__________
(1) نفس المرجع، ص5.
(2) الصدر: اقتصادنا، مرجع سابق، ص348.
(3) سورة إبراهيم، الآيات 32 - 34. (1/265)
صفحة 266
فظلم الإنسان وكفرانه هما السببان الأساسيَّان للمشكلة الاقتصاديَّة وليس بعجز الموارد عن الوفاء بإشباع رغبات الإنسان كما ترى الرأسماليَّة، أو التناقص بين الإنتاج وقوى الإنتاج كما ترى الاشتراكيَّة (1).
فظلم الإنسان على الصعيد الاقتصاديِّ يتمثَّل في سوء التوزيع، وكفرانه للنعمة بتجسَّد في إهماله الإنتاج واستثمار مواهبه في استغلال الطبيعة.
ولقد كفل الإسلام لهذه المشكلة بما قدَّمه من منهجيَّة التوزيع العادلة، وهو ما سنعالجه في هذا الفصل، كما عالج جانب الكفران بما وضع للإنتاج والعمارة من أهمِّيَّة، وبما حفَّه من حوافز، وهو ما تقدَّم في الفصل السابق.
مكانة التوزيع في الاقتصاد الإسلامي:
يتمُّ التوزيع على مستويين:
أوَّلاً: توزيع المصادر المادِّيَّة للإنتاج.
ثانيا: توزيع الثروة المنتجة.
فالمصادر المادِّيَّة للإنتاج هي: الأرض والموارد الأوَّليَّة والأدوات اللازمة لإنتاج السلع المختلفة، لأنَّ هذه العوامل تساهم جميعها في الإنتاج.
إذن هناك ثروة أوَّليَّة وهي: مصادر الإنتاج، وثروة ثانويَّة: هي ما يظفر به الإنسان عن طريق استخدام تلك المصادر. والبحث في التوزيع ينبغي أن يستوعب كلتا الثروتين.
ومن الواضح أنَّ توزيع المصادر الأساسيَّة للإنتاج يسبق عمليَّة الإنتاج نفسها، لأنَّ الأفراد إنَّما يمارسون نشاطهم، وفقا للطريقة التي يقسِّم بها المجتمع مصادر الإنتاج.
__________
(1) الصدر: اقتصادنا، مرجع سابق، ص349 - 350. (1/266)
صفحة 267
فالاقتصاد الإسلاميُّ يعالج قضيَّة التوزيع، ويعطيها بعدا شموليًّا على أوسع نطاق، فهو لا يكتفي بمعالجة توزيع الثروة المنتجة، بل يبدأ بمصادر الإنتاج، فيبيِّن كيف توزع، ويتدخَّل تدخُّلا إيجابيًّا في توزيع الخيرات الطبيعيَّة، وما تضمنه من مصادر الإنتاج، واهتمَّ بها وقسَّمها عدَّة أقسام في إطار الملكيَّة.
لذا أصبح التوزيع هو نقطة الانطلاق في الاقتصاد الإسلاميِّ بدلا من الإنتاج (1).
أَمَّا الدراسات الاقتصاديَّة الوضعيَّة فهي تبدأ بالإنتاج ثُمَّ التوزيع، تاركة القضيَّة الأولى ـ وهي امتلاك وتوزيع المصادر الأولى للإنتاج ـ يسيطر عليها القويُّ، ثُمَّ هي ـ كما أشرنا ـ لا تنظر إلى الثروة الكلِّيَّة للمجتمع، وإنَّما تنظر إلى توزيع الثروة المنتجة، أي: القيمة النقديَّة للإنتاج لسنة ما، لذلك تعتبر الإنتاج هو الموضوع الأَوَّل من مواضيع البحث، فتدرس الإنتاج ثُمَّ التوزيع.
غير أنَّ الواقع أنَّ المشكلة التي تواجه الاقتصاد تكمن في التوزيع وليس في الإنتاج، ونقصد بالتوزيع التوزيع الشامل الذي يراه الاقتصاد الإسلاميُّ، وخاصَّة وأنَّ التقدُّم التكنولوجي وفَّر إنتاجا عظيما يكفي حاجات الناس، فليست هناك مشكلة مضاعفة الإنتاج بقدر ما هو مشكلة توزيع الناتج، ونجد كثيرا من الآيات القرآنيَّة والأحاديث النبويَّة تشير إلى المشكلة التي تتعلَّق بالفقر وسوء التوزيع، وحيازة الثروة، حَتَّى إنَّ هناك من يرى أنَّ الاقتصاد الإسلاميَّ اقتصاد توزيعيٌّ، أي أنَّ هدفه الأساسيَّ هو حلُّ مشكلة التوزيع وإقرار العدالة في الحصول على الثروة (2).
كما أنَّ هناك من يربط مشكلة التوزيع بمشكلة تداول النقود التي أصبحت عائقا في سبيل التداول بدلا أن تكون مشجِّعا لها (3).
__________
(1) الصدر: اقتصادنا، مرجع سابق، ص435.
(2) الخالدي: مفهوم الاقتصاد في الإسلام، مرجع سابق، ص33.
(3) أبو السعود: خطوط رئيسيَّة في الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص68. (1/267)
صفحة 268
الفرع الثاني: نظريَّة التوزيع عند عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه:
تعتبر تطبيقات الصحابة واجتهاداتهم في مجال المال المصدر الذي يستمدُّ منه الاقتصاد الإسلاميُّ أسسه ومبادئه بعد الكتاب والسنَّة، أهمُّها وأبرزها اجتهادات الخليفة عمر بن الخطَّاب لأسباب منها:
1 - بقاء أغلب الصحابة في المدينة.
2 - طول فترة خلافته النسبيَّة واستقرارها.
3 - التدفُّق المالي بسبب الفتوحات.
ولقد لخَّص الخليفة عمر سياسته في التوزيع بقوله: «فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقِدَمه في الإسلام، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته» (1).
وقد ضبط الخليفة عمر معيار التوزيع ضبطا دقيقا، ورتَّبه حسب الأولويَّات، مصدِّرا إيَّاه بمعيار العمل، بقوله «الرجل وبلاؤه»، فالعمل أساس التوزيع الأَوَّل، وقسَّم أفراد المجتمع إلى مراتب، القائم على التفاضل في الأعطيات، مخالفا بذلك سلفه أبا بكر، الذي أقام التوزيع على أساس المساواة بين الجميع (2)، ثُمَّ تأتي الدرجة الثانية وهي الحاجة «الرجل وحاجته»، وقد ضبط الفقه الإسلاميُّ مفهوم الحاجة وحدَّدها في إطار ضمان حدِّ الكفاية (3).
التوزيع حسب ظروف المعيشة:
ولم يكتف الخليفة عمر بوضعه معيار التوزيع، بل جعل لِكُلِّ ظرف من الظروف الاقتصاديَّة التي تمرُّ عليه الأمَّة ـ رخاء وعسرا ـ أساسا للتوزيع، فيقول:
__________
(1) الواقدي: الطبقات، مرجع سابق، مج3، ص215.
(2) قطب إبراهيم: الماليَّة العامَّة للدولة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص209.
(3) انظر: الفنجري: الإسلام والمشكلة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص31. (1/268)
صفحة 269
«إنِّي لحريص على ألاَّ أدع حاجة إلاَّ سددتها ما اتَّسع بعضنا لبعض، فإذا عجزنا تأسَّينا في عيشنا حَتَّى نستوي في الكفاف» (1)، فهو يضع سياسة التوزيع في الحالة العادية والحالة الاستثنائية، ففي الأولى حيث يسود الرخاء يسعى إلى توفير حدِّ الكفاية بصفته المسؤول الأَوَّل على المجتمع، وفي الحالة الثانية إذا نزل مستوى المعيشة دون حدِّ الكفاية، ففي هذه الوضعيَّة يتساوى الناس في المعيشة لضمان الحدِّ الأدنى للمعيشة وهو ما يعبَّر عنه بحدِّ الكفاف، وهو ما طبَّقه الخليفة عمر فعلا في عام الرمادة (المجاعة) سنة 18هـ فقال: «لو لم أجد للناس ما يسعهم إلاَّ أن أدخل على أهل كلِّ بيت عُدَّتهم فيقاسموهم أنصاف بطونهم حَتَّى يأتي الله بالحيا ـ أي: المطر ـ فعلت، فإنَّهم لن يهلكوا على أنصاف بطونهم» (2).
خلاصة القول: إنَّهُ في الظروف الاستثنائية كالحروب والمجاعات يساوى المسلمون في حدِّ الكفاف، وفي الظروف العادية يتساوون من حيث توفير حدِّ الكفاية، وما فوق ذلك يكون لكُلٍّ حسب عمله وبلائه (3). فالاقتصاد الإسلاميُّ يميِّز في التوزيع بين الحالات العادية والحالات الاستثنائيَّة.
الفرع الثالث: المعايير التي اعتمدها الاقتصاد الإسلاميُّ في التوزيع:
بعد عرض المعايير التي اعتمدتها النظم الوضعيَّة والمعيار الذي اعتمده الإسلام من خلال تطبيقات الصحابة واجتهاداتهم يبرز لنا جهاز التوزيع في الاقتصاد الإسلاميِّ، الذي اعتمد على معيارين اثنين هما (4):
1) العمل.
ب) الحاجة.
__________
(1) ابن سعد: الطبقات، مرجع سابق، مج 3، ص224.
(2) المرجع نفسه، ص 225.
(3) الفنجري: الإسلام والمشكلة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص 70.
(4) عربي: نظرات في الاقتصاد، مرجع سابق، ص102. (1/269)
صفحة 270
وهما وسيلتان متكاملتان، عندما تتخلَّف إحداهما تعوِّضها الأخرى؛ فالعمل أساس لتملُّك المال في نظر الإسلام، وبالتالي فهو أداة رئيسيَّة في جهاز التوزيع، لأنَّ كلَّ عامل يحصل على ثمرة عمله، وفقا لقاعدة أنَّ العمل سبب الملكيَّة، أَمَّا دور الحاجة في التوزيع، فقد بيَّنه الإسلام من خلال تقسيم المجتمع إلى ثلاث فئات (1):
الفئات ... نوعية طاقتها ... أساس التوزيع
أ) ... تتمتَّع بطاقة فكريَّة وعمليَّة، وتستطيع توفير معيشتها ... العمل (فقط)
ب) ... تتمتَّع بطاقة فكريَّة وعمليَّة، لكن لا تستطيع توفير معيشتها ... العمل + الحاجة
ج) ... لا تستطيع توفير معيشتها لضعف بدنيٍّ ... الحاجة (فقط)
فعلى أساس الاقتصاد الإسلاميِّ تعتمد الفئة (أ) في كسب نصيبها من التوزيع على العمل بوصفه أساسا وسببا للملكيَّة، وأداة رئيسيَّة للتوزيع، فيحصل كلُّ فرد من هذه الفئة على حظِّه الكامل من التوزيع بالعمل، فالحاجة لا تعمل شيئا بالنسبة لهذه الفئة، بينما ترتكز الفئة (ج) في كيانها الاقتصاديِّ على أساس الحاجة وحدها، فهي تحصل على نصيب التوزيع لتضمن حياتها كاملة على أساس حاجتها، وفقا لمبادئ التضامن والكفالة في المجتمع الإسلاميِّ.
أَمَّا الفئة (ب) التي تعمل ولا تجني من عملها إلاَّ الحدَّ الأدنى من المعيشة فهي تعتمد في دخلها على العمل والحاجة معا، فالعمل الذي تمارسه لا يوصلها إلى عتبة حدِّ الكفاية، ثُمَّ يُكمل لها بقدر ما يوصلها إلى ذلك المستوى على أساس الحاجة، وفقا لمبادئ الكفالة والتضامن، وذلك بأساليب وطرق محدَّدة سنتعرض لها في المبحث اللاحق.
بعد استعراض أسس التوزيع بين كلٍّ من النظام الرأسماليِّ والاشتراكيِّ والاقتصاد الإسلاميِّ نستطيع إدراك أوجه الاختلاف لدور الحاجة بين هذه النظم المختلفة بصفتها أداةً ومعيارَ توزيع.
__________
(1) الصدر: اقتصادنا، مرجع سابق، ص 353. (1/270)
صفحة 271
حيث لم نجد تفسيرا علميًّا لأساس التوزيع للفئة (ج) في ظلِّ النظام الاشتراكيِّ الذي يقوم التوزيع فيه على أساس العمل فقط.
أمَّا النظام الرأسماليُّ القائم على أساس التوزيع الوظيفيِّ، فلم يراع الفئات المحرومة من الدخل، إلاَّ من خلال إدخال نظام التحويلات الاجتماعيَّة التي أدخلت على هذا النظام بعد ظهور الأفكار الاشتراكيَّة. إلاَّ أنَّ الاقتصاد الإسلاميَّ يُبنى من أساسه على ضمان حقِّ العامل من الاستفادة بمجهوده، كما ضمن حقَّ المحروم من ضمان كفايته من التوزيع على أساس الحاجة.
الفرع الرابع: كيفيَّة تطبيق هذه المعايير على مستويات التوزيع:
بعد استعراض أسس التوزيع في كلٍّ من الأنظمة الوضعيَّة والاقتصاد الإسلاميِّ، نرى كيف طبِّقت هذه المعايير على مستويات التوزيع، ويمكن إجمال مستويات التوزيع في ثلاث (1):
المستوى ... أصناف التوزيع ... مجالها ... أساس التوزيع
المستوى الأَوَّل ... توزيع الثروات على أساس الكفاءة ... الإحياء، الإقطاع، الحمى ... التملُّك أو الاستغلال
المستوى الثاني ... توزيع الدخول على أساس المعاوضة ... الريع = الأرض. ... العمل ... الأجر = العمل. ... الربح = المضاربة.
المستوى الثالث ... إعادة التوزيع على أساس الحاجة. ... الصدقات ... الحاجة
- الزكاة ... - النفقات ... - التحويلات الاِجتِمَاعِيَّة
__________
(1) رفيق المصري: أصول الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص161. (1/271)
صفحة 272
- المستوى الأَوَّل: توزيع الثروات والمصادر الطبيعيَّة، وهو ما يختصُّ به الاقتصاد الإسلاميُّ دون غيره من النظم، وقد اعتنت كتب الأموال والخراج بهذا النوع من التوزيع، وأولت له أهمِّيَّة كبرى، لأَنَّهُ يعتبر نقطة الانطلاقة في التوزيع السليم، فتعرَّضت إلى أحكام الأرض بمختلف أنواعها (1)، وكيفيَّة توزيعها واستغلالها، فهذه الثروات منحة ربَّانيَّة من الأراضي والمياه والثروات الظاهرة والباطنة بمختلف أنواعها.
ويعتبر الأستاذ محَمَّد باقر الصدر، أوَّل من سلَّط الضوء على هذا الصنف من التوزيع في العصر الحاضر، في كتابه القيم "اقتصادنا"، وتعتبر هذه الفكرة من صميم عقيدة المسلم الذي يستشعر نعم الله التي مَنَّ الله بها عليه، ومنحها إيَّاه، فهو مستخلف عليها، يستثمر منها قدر حاجته، وعليه بشكر المنعم على هذه النعم، والقرآن الكريم مليء بالآيات التي تذكِّرنا بهذه الخيرات التي وهبها الله لخلقه أجمعين (2).
- المستوى الثاني: يعتبر المستوى الأَوَّل قاعدة للمستوى الثاني؛ فالإنتاج يكون باستخدام الموادِّ الأوليَّة من أرض ومعادن ومياه، وهذا الإنتاج ينشئ الدخول، ويقسَّم الدخل على مختلف عوامل الإنتاج التي ساهمت في إنشائه، وهي الأرض والرأسمال والعمل والتنظيم، على خلاف بين المفكِّرين في عددها (3).
أَمَّا في الفكر الإسلاميِّ (4)، فتتألف عناصر الإنتاج من عاملين فقط، هما: العمل والمال، بحيث يصبح التنظيم مشمولا بالعمل، بينما الأرض تدخل في المستوى الأَوَّل
__________
(1) انظر المبحث الثالث من الفصل الثالث، من هذه الرسالة، ص184. وانظر: أيضا:
- أبو عبيد: الأموال، مرجع سابق، ص31 وما بعدها.
- أبو يوسف: الخراج، مرجع سابق، ص129 وما بعدها.
- ابن آدم القرشي: الخراج، مرجع سابق، ص476 وما بعدها.
(2) مثل: - النحل، آية 14. - القصص، آية 73. - السجدة، آية 9.
(3) انظر المبحث الثاني من الفصل الرابع من هذه الرسالة.
(4) رفيق المصري: أصول الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص181. (1/272)
صفحة 273
من التوزيع، وذلك بالعمل بالمبدأ السائد في فقه الشركات بأنَّ استحقاق الربح في الإسلام يكون بالمال والعمل.
وهذا التقسيم يتماشى مع النظريَّة الاستخلافيَّة التي تعتبر الطبيعة وما فيها من خيرات هبة ربَّانيَّة يجب على الإنسان الاستشعار بها والعمل على شكر المنعم عليها.
- المستوى الثالث: تقوم به الدولة والمؤسَّسات والأفراد لإعادة التوازن على مستوى التوزيع الأَوَّل والثاني، وضمان حدِّ الكفاية لمن لم يتمكَّن من الحصول عليه بصفة جزئيَّة أو كليَّة، فتقوم الدولة بجمع الزكاة، ووضعها في مستحقِّيها، كما يقوم الأفراد بواجب الزكاة والنفقات، كما يبقى الباب مفتوحا أمام الصدقات التطوُّعيَّة التي تساعد أيضا في إعادة التوازن على مستوى التوزيع، وذلك بحثِّ الأفراد على الإنفاق التطوعيِّ، إلى جانب الإنفاق الإلزاميِّ من زكاة ونفقات.
والتوزيع على أساس الحاجة، قد يسمَّى بالتوزيع التوازني؛ لأَنَّهُ يعيد التوازن، بخلاف التوزيع على أساس العمل ينبني على أساس توزيع الثمرة على من ساهم في تكوين الدخل، أما التوزيع على أساس الحاجة، فينبني على أساس إقامة التوازن بين أفراد المجتمع، خاصَّة الأفراد الذين لم يساهموا مباشرة في إنتاج الدخل، أو الذين لم يتيسَّر لهم بدخلهم الحصول على عائد يكفيهم نظير مساهمتم في الإنتاج، وتلك تمثِّل فئة عريضة من المجتمع، وقد احتواها هيكل التوزيع، ووضع لها المبادئ والتنظيم الذي يحقِّق لها مستوًى معيشيًّا كريما (1).
المطلب الرابع: نتائج هذا التقسيم على نظرية التوزيع في الاقتصاد الإسلامي:
أخذا بمبدأ العمل والحاجة في التوزيع في الاقتصاد الإسلاميِّ يترتَّب على ذلك نتائج تعكس وجهة النظر الإسلاميَّة في وظيفة المال.
__________
(1) شوقي دنيا: الإسلام والتنمية، مرجع سابق، ص274. (1/273)
صفحة 274
- أوَّلاً: إنَّ الإسلام لا يسمح بالثروة والاغتناء إلاَّ بعد توفير حدِّ الكفاية لا الكفاف لكُلِّ فرد، أو بعبارة أخرى لا يسمح بالغنى مع وجود الفقر والحرمان، وإنَّما يبدأ الغنى والتفاوت بعد إزالة الفقر والقضاء على الحرمان، وذلك من خلال توفير وضمان حدِّ الكفاية، وهو حقُّ الله تعالى الذي يعلو فوق كلِّ الحقوق (1).
وعلى هذا فالإسلام يعترف بالغنيِّ بعد ضمان حدِّ الكفاية، ويكون ملزما بشرع الله في توظيفه للمال وفقا للاعتبارات التالية:
أ) لا يستسيغ لنفسه كنز المال وحبسه عن التداول والإنتاج؛ لأَنَّهُ مطالب باستثمار ماله كلِّه لصالح المجتمع.
ب) لا يتصرَّف في ماله عن هوى، بعيدا عن تحكُّم الحكمة والتعقُّل، وإلاَّ اعتُبر سفيها وجاز عليه الحجر، فهو مطالب بالرشد في إنفاقه.
ج) لا يعيش عيشة المترفين، لأنَّ الترف ظلم وفساد في الطبع، تأنفه الأخلاق الإسلاميَّة.
د) وهو ملزم بإخراج حقوق الله وحقوق العباد في ماله، فهو ينفق كلَّ ما زاد عن حاجته في سبيل الله، إمَّا إنفاقا استثماريا، بإقامة المشاريع الإنتاجيَّة، وإمَّا إنفاقا مباشرا في أوجه الخير والبرِّ.
ثانيا: التفاوت المنضبط في المجتمع الإسلاميِّ:
التفاوت في المداخيل والثروات بين أفراد المجتمع الإسلاميِّ أمر طبيعيٌّ باعتباره محفِّزا على العمل والجدِّ والتنافس، ومُيسِّرا لتقديم الخدمات المختلفة بين الأفراد، إذ لو تساوى الناس لانعدم التبادل والتعاون. إلاَّ أنَّ هذا التفاوت الذي يسمح به الإسلام، هو تفاوت منضبط ومتوازن، أي بالقدر الذي يحقِّق التكامل لا التناقض، والتعاون لا الصراع، بحيث لا يؤثِّر على التوازن الاقتصاديِّ في المجتمع.
__________
(1) الفنجري: الإسلام والمشكلة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص73. (1/274)
صفحة 275
ثالثا: شرعيَّة الملكيَّة الخاصَّة متوقِّفة على ضمان حدِّ الكفاف:
إنَّ الملكيَّة الخاصَّة لها حرمتها في الإسلام، فقد وضع لها الضمانات الكافية لحمايتها، إلاَّ أنَّ هذه الحرمة مشروطة بضمان حدِّ الكفاف لِكُلِّ مواطن كحدٍّ أدنى، بحيث إذا وجد في المجتمع الإسلامي جائع واحد فإنَّ حقَّ الملكيَّة الخاصَّة في الأقوات لا يُحترم، وهو معنى قول الرسول J : « إذا بات مؤمن جائعا فلا مال لأحد» (1)، إلى جانب الجريمة التي تقترف في حقِّ الإنسانيَّة، بل اعتبر الفقه ذلك من باب قتل نفس بغير حقٍّ، يقول الإمام ابن حزم:
«إذا مات رجل جوعا في بلد، اعتُبر أهله قتلة، وأخذت منهم دية القتيل» (2).
وإذا تقاعس المجتمع عن ضمان حدِّ الكفاف، يحقُّ للفرد أن يطلب حقَّ الحياة من أفراد المجتمع، وإن أبوا عليه أخذه أخذا ولو باستعمال القوَّة، ولا يعدُّ غاصبا أو متعدِّيا، يقول الصحابيُّ الجليل أبو ذرٍّ رضي الله عنه في وصف هذه الوضعيَّة: «عجبت لمن لم يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه» (3)، وهي حالة لا يصل إليها المجتمع الإسلاميُّ القائم على التضامن والتكامل، والذي تقوم فيها الأمَّة وأفرادها بواجبهم في العمل أوَّلا، ثُمَّ بواجب الإنفاق والصدقات.
>
__________
(1) أخرجه أبو داود.
(2) ابن حزم: المحلَّى، مرجع سابق.
(3) الفنجري: الإسلام والمشكلة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص71. نقلا عن: عبد الحميد جودت السحار: أبو ذرٍّ الغفاري، مطبوعات مكتبة مصر، ص8. (1/275)
صفحة 276
المبحث الثاني
التكافل الاجتماعي والضمان الاجتماعي
تمهيد:
تعرَّضنا في المبحث السابق إلى وسائل التوزيع، ورجَّحنا المعيار القائم على تقسيم التوزيع إلى أساسين رئيسيَّين، وهما: العمل والحاجة، فالمعيار الأَوَّل ـ وهو العمل ـ يحمل معه واسطة التنفيذ، أي أنَّ كسب الإنسان يتطلَّب جني ثمار مجهوداته دون غيره، إلاَّ أنَّ الأساس الثاني وهو الحاجة يحتاج إلى واسطة التنفيذ، وهو ما سنعرض له في هذا المبحث.
فالتوزيع على أساس الحاجة يكون إمَّا:
أ- بواسطة وليِّ الأمر، ويتمثَّل في جمع الزكاة والواجبات الماليَّة.
ب- بواسطة الأفراد، ويتمثَّل في النفقات الإجباريَّة.
ج- بواسطة الأفراد تطوُّعا، ويتمثَّل في الصدقات الاختياريَّة.
وقبل البحث في هذه الوسائل يجب أن نميِّز بين بعض المفاهيم التي قد تبدو مترادفة وتحمل معنى واحدا، إلاَّ أنَّها تحمل معاني مختلفة.
أ) الضمان الاجتماعي: كفالة الدولة حدَّ الكفاية لكُلِّ فرد يعيش في المجتمع، سواء أكان مسلما أم غير مسلم، وذلك بالنسبة لِكُلِّ من عجز عن تحقيق هذا المستوى لنفسه (1).
__________
(1) عطية عبد الواحد: دور السياسة الماليَّة، مرجع سابق، ص642. (1/276)
صفحة 277
ب) التكافل الاجتماعي: أن يتضامن أبناء المجتمع ويتساندوا فيما بينهم ـ سواء أكانوا أفرادا أم جماعات، حكَّاما أم محكومين ـ على اتِّخاذ مواقف إيجابيَّة فيما بينهم كرعاية اليتيم، أو سلبية كتحريم الاحتكار، بدافع من شعور إيمانيٍّ وجدانيٍّ عميق ينبع من أصل العقيدة الإسلاميَّة، حيث يتعاون الجميع وتتضامنوا لإيجاد المجتمع الأفضل (1).
ج) التأمين الاجتماعي: تتولاَّه الدولة والمؤسَّسات الخاصَّة، وهو يتطلَّب مساهمة المستفيد باشتراكات يؤدِّيها، وتمنح له مزايا التأمين، أيَّا كان نوعها متى توافرت فيه شروط استحقاقه بغض النظر عن دخله (2).
وفي صدد بحثنا سنعرض للمفهوم الأَوَّل والثاني، مبعدين المفهوم الثالث المتعلِّق بالتأمين الاجتماعي؛ لأَنَّهُ لا يعبِّر عن التوزيع على أساس الحاجة، بينما يعبِّر المفهومان الأوَّلان عن ذلك.
والتوزيع على أساس الحاجة، قد يسمَّى بالتوزيع التوازني؛ لأَنَّهُ يعيد التوازن، بخلاف التوزيع على أساس العمل ينبني على أساس توزيع الثمرة على من ساهم في تكوين الدخل، أَمَّا التوزيع على أساس الحاجة فينبني على إقامة التوازن بين أفراد المجتمع.
وإعادة التوزيع أو التوزيع التوازنيُّ كما عبَّر عنه البعض، أو تحت اسم التكافل الاجتماعي أو الضمان الاجتماعي، كلُّها تسميات تعبِّر عن قضيَّة واحدة، وهي معيار الحاجة في التوزيع، إلاَّ أنَّ الحاجة لا تنفرد فقط كمعيار وأساس للتوزيع، بل قد تشترك معها معايير أخلاقيَّة ودينيَّة واجتماعيَّة، تعطي للتوزيع بعدا تكافليًّا، مِمَّا يجسِّم الوحدة والتلاحم بين أفراد المجتمع. ومن هذه الأسس التودُّد والقرابة، وهو ما يجسِّده نفقات الأقارب والمواريث والهبات والوصايا (3).
__________
(1) عبد الله ناصح علوان: التكافل الاجتماعي، مرجع سابق، ص15.
(2) الفنجري: الإسلام والضمان الاجتماعي، مرجع سابق، ص30.
(3) رفيق المصري: أصول الاقتصاد، مرجع سابق، ص226. (1/277)
صفحة 278
المطلب الأوَّل: الدليل الشرعي لنظام التكافل الاجتماعي:
إنَّ روح التشريع الإسلاميِّ يقوم أساسا على تكوين مجتمع متماسك متعاون متضامن، كما أنَّ نصوصا عديدة من الكتاب والسنَّة تؤكِّد هذا التوجُّه العامَّ للشريعة الإسلاميَّة.
أ) من الكتاب: {لَيْسَ الْبِرُّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنِ الْبِرُّ مَنَ ـ امَنَ بِاللهِ} ... {وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ} (1)، فقد قرنت الآية إيتاء المال ـ على حبِّه ـ مع الإيمان بالله واليوم الآخر، وقدَّمته على الصلاة والزكاة، مِمَّا يَدُلُّ على أهمِّيَّة بذل المال على هذه الأصناف.
{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ} (2)، فهذه الآية جاءت في صيغة الأمر بالإحسان، وأوَّل الإحسان إلى هذه الأصناف هو الإنفاق عليها، كما أنَّ سياق الآية يَدُلُّ على ذلك، وهو ما تشير إليه الآية الموالية.
ب) من السنَّة: أمَّا السنَّة النبويَّة فإنَّ الأحاديث الكثيرة التي وردت في هذا المجال لخير دليل على اهتمام الشريعة بهذا الجانب الهامِّ من حياة المسلم، لأَنَّهُ يعبِّر بحقٍّ عن الأخوَّة والتعاون والتضامن، يقول الرسول J : « ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادِّهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى» (3)، كما أنَّ حديثا آخر للرسول J جعل الإيمان الحقيقيَّ في أن يحبَّ المسلم لأخيه المسلم ما يحبُّ لنفسه، بمعنى ألاَّ يترك أخاه المسلم
__________
(1) سورة البقرة، آية 177.
(2) سورة النساء، آية 36.
(3) أخرجه البخاريُّ، كتاب الأدب، ج10، ص438، رقم: 6011. (1/278)
صفحة 279
في حاجة وفاقة وهو يتنعَّم بالرفاه والغنى، يقول عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم حَتَّى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه» (1).
ج) الإجماع: فإنَّ المسلمين قد أجمعوا في كلِّ زمان ومكان على التعاون والتكافل والتساند، واتَّفقوا على حماية الضعيف، ونصرة المظلوم وإغاثة الملهوف، والتعاون الشامل في حالتي الشدَّة والرخاء (2).
كما أنَّ مبدأ التكافل الاجتماعيِّ يجد موقعه في نفس كلِّ مسلم، فهو يستند إلى شعور في نفس كلٍّ منهم، وأنَّه لا يسوغ أن يتنعَّم هو ويجوع غيره، وإذا غاب هذا الشعور كان لوليِّ الأمر أن يوقظه بما له من سلطة في التشريع (3).
والمجتمع الذي يسوده نظام التكافل ويقوم على أساس التعاون ويعمُّ أرجاءَه الشعورُ بالمحبَّة والإخاء والأخوَّة، يقتضي أن يكون مجتمعا حصينا متماسكا.
والتعاون ظاهرة اجتماعيَّة قديمة قدم الإنسانيَّة، وقد أكَّدتها الشرائع السماويَّة، وأدرجتها ضمن العقيدة والإيمان الحقيقيِّ، وقد اتَّسع نطاقها باتِّساع الجماعة البشريَّة، وبتعدُّد وتنوُّع الحاجات الإنسانيَّة وفق التطوُّر المعيشيِّ عبر العصور.
المطلب الثاني: نطاق ومجال التكافل الاجتماعي:
لا شكَّ أنَّ الأسرة هي الخليَّة الأولى في المجتمع الذي يتكوَّن من مجموعها، وتتكوَّن منها الدولة إذا توافرت المقوِّمات الأخرى (4).
وبهذا يكون مجال ونطاق التكافل الاجتماعيِّ على هذا النحو:
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، ج1، ص49.
(2) عبد الله علوان: التكافل الاجتماعي، مرجع سابق، ص16.
(3) عطية: دور السياسة الماليَّة، مرجع سابق، ص658.
(4) الفضل: الوظيفة الاجتماعيَّة، مرجع سابق، ص139. (1/279)
صفحة 280
أ) التكافل الاجتماعيُّ في نطاق الأسرة.
ب) التكافل الاجتماعيُّ في نطاق المدينة أو القرية.
ج) التكافل الاجتماعيُّ في نطاق الدولة.
وقد بحثنا في الفصل الثالث التكافل الاجتماعيَّ في نطاق الدولة، وقد سمِّي بالضمان الاجتماعيِّ، تمييزا له عن التكافل الاجتماعيِّ، وبيَّنَّا واجب الدولة في ضمان توفير حدِّ الكفاية والوفاء بالحاجات الأساسيَّة العامَّة (1). وبتضافر الجهود على هذه المستويات: الدولة والمدينة والأسرة يتمُّ التكافل العامُّ، ويتحقَّق التضامن الاجتماعيُّ ويسود مبدأ العدالة الاجتماعيَّة.
وينصبُّ بحثنا هنا على نطاق الأسرة، والمجتمع الصغير: المدينة أو القرية، وذلك في فرعين:
الفرع الأوَّل: التكافل في نطاق الأسرة:
ويشمل هذا التكافل: وجوب نفقة الرجل على زوجته وأبنائه القاصرين، أي على أسرته الصغيرة الخاصَّة، فقد أوجب الإسلام على الآباء والأمَّهات تربية أبنائهم وإرضاعهم وحضانتهم، والنفقة عليهم، ولا تقتصر الكفاية على الرعاية المادِّيَّة فحسب بل تشمل التربية الإيمانيَّة، والناحية العقليَّة والخُلقيَّة والناحية النفسيَّة.
ثُمَّ يتَّسع نطاق التكافل ليشمل النفقة الواجبة بسبب القرابة في حالة احتياج هؤلاء الأقارب، ففي كلِّ عائلة لا بدَّ أن يكون منهم أغنياء ومتوسطو الحال وفقراء، فلو قام الأغنياء منهم بكفالة الفقراء لما بقي في المجتمع محتاج ولا فقير.
إنَّ التكافل في نطاق الأسرة والقرابة يخفِّف عبئا كبيرا عن المجتمع والدولة بالاستناد إلى رابطة فطريَّة، وإلى علاقة القرابة والرحم، وبهذه الطريقة يستفيد
__________
(1) انظر المبحث الرابع من الفصل الثالث من هذه الرسالة، ص190 وما بعدها. (1/280)
صفحة 281
المجتمع من تنظيم طبيعيٍّ يستند إلى الفطرة والغريزة، وهو انقسام المجتمع إلى مجموعات منظَّمة، بسبب رابطة الزواج والقرابة، وهي الأسرة، باعتبارها خلايا ووحدات اجتماعيَّة تشدُّ أفرادَها روابطُ اجتماعيَّة وعاطفيَّة يمكن أن يستفيد منها المجتمع (1).
ومن حيث الثواب والأجر نجد أن الشريعة الإسلاميَّة جعلت الإنفاق على الأقارب والأرحام يترتَّب عليه أجران: أجر الصدقة، وأجر صلة الرحم (2)؛ يقول الرسول J : « الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة» (3).
الفرع الثاني: التكافل على مستوى المجتمع (المدينة والقر ية)
إذا كانت الأسرة تتكوَّن من أفرادها الذين تربطهم رابطة الدم أو النسب، فإنَّ المجتمع يتكوَّن من مجموع الأسر، وإذا كانت الشريعة قد عنيت عناية فائقة بالأسرة، فإنَّ ما ساقته من أحكام لتنظيم الأسرة هو تنظيم للمجتمع، ومن هنا جاءت نصوص القرآن والسنَّة تقضي بمسؤولية المجتمع المشتركة، من قِبل أفراده، والوقائع التاريخيَّة تعطينا مثالا حيًّا للمجتمع الإسلامي المتجسِّد في المجتمع الذي أقامه الرسول J في المدينة غداة هجرته من مكَّة، فقد آخى بين المهاجرين والأنصار، وتقاسموا معًا تكاليف الحياة، وتأصَّلت بينهم صلات المودَّة والتضامن، حَتَّى غدا الواحد منهم يرث الآخر إذ وصلت درجة العلاقات بينهم إلى مرتبة القرابة الدمويَّة. وتتجسَّد كفالة المجتمع في رعاية الأصناف الآتية، والتي يجمعها معيار الحاجة، فلا بدَّ للمجتمع أن يوفِّر لها كفايتها من العيش الكريم، وهي (4):
__________
(1) محمَّد المبارك: نظام الإسلام، الاقتصاد، مرجع سابق، ص138.
(2) عبد الله ناصح علوان: التكافل الاجتماعي، مرجع سابق، ص112.
(3) أخرجه الترمذيُّ في سننه، كتاب الزكاة، الباب 126 ص46، رقم: 658.
(4) عبد الله علوان: التكافل الاجتماعي، مرجع سابق، ص61. (1/281)
صفحة 282
- أوَّلا: كفالة اليتيم: اليتيم: هو من مات أبوه وتركه صغيرا وهو ضعيف يحتاج إلى رعاية وكفالة، وقد اهتمَّ الإسلام به اهتماما بالغا، من حيث تربيته وضمان معيشته حَتَّى ينهض ويقوم على ساقيه ويتحمَّل أعباء الحياة، وجعل القرآن الكريم احتقار اليتيم من التكذيب بالدين: {أَرَآيْتَ الذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَالِكَ الذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ} (1)، كما أمر سبحانه بالمحافظة على أموال اليتامى والإحسان فيها: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ} (2). وأحسن إجراء يقام تجاه أموال اليتامى هو استثمارها في المشاريع الإنتاجيَّة حَتَّى لا تأكلها الزكاة، يقول الرسول J : « اتَّجروا في أموال اليتامى حَتَّى لا تأكلها الزكاة» (3). كما اهتمَّ الإسلام بالحضِّ على كفالة اليتيم ووجوب رعايته: «أنا وكافل اليتيم في الجنَّة كهاتين» (4). فيجب على المجتمع فتح دور لرعاية اليتامى ورعايتهم والإنفاق عليهم، حَتَّى يكونوا في مأمن عن التشرُّد والضياع.
يندرج في هذا الإطار رعاية اللقيط وهو المولود الذي لا يعرف له أبٌ ولا أمٌّ، ويجب على من رآه أن يلتقطه، وفي التقاطه رحمة بالصغار ودليل الإيمان.
فالإسلام بتشريعه العادل الحكيم لم يأخذ اللقيط ـ وإن كان ولد زنى ـ بجريرة أبويه، فهو من الناحية الإنسانيَّة لا يختلف عن اليتيم الذي مات عنه أبواه، لذلك يجب على المجتمع كفالته، «وكان عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه إذ أوتي بلقيط فرض له مائة، وفرض له رزقا يأخذه وليُّه كلَّ شهر ما يصلحه، ثُمَّ ينقله من سنة إلى سنة، وكان يوصي بهم خيرا ويجعل رضاعتهم من بيت المال» (5).
فقد راعى الإسلام نفسيَّة اللقيط وأعطاه الحقوق الممنوحة للولد الشرعيِّ دون تمييز بينهما.
__________
(1) سورة الماعون، الآيتان 1 - 2.
(2) سورة الأنعام، آية 152.
(3) أخرجه الإمام مالك في الموطَّأ، كتاب الزكاة، ص127. رقم 588.
(4) أخرجه البخاريُّ، كتاب الأدب، ج 10. ص436، رقم 6005.
(5) ابن سعد: الطبقات، مرجع سابق، مج3، ص215. (1/282)
صفحة 283
- ثانيا: كفالة العاجزين: يدخل في هذا الصنف العاجزون بسبب عاهة أو ضعف بدنيٍّ، أو العجز بسبب الشيخوخة والهرم، وأهمُّ هذه الفئات (1):
1) العميان.
2) الصمُّ البكم.
3) الصرعى.
4) المعتوهون.
5) أصحاب الأمراض المزمنة.
6) الشيوخ العجزة.
فهؤلاء يجب أن يعطف عليهم المجتمع، ويشملهم برعايته وكفالته، تحقيقا لقوله J : « الراحمون يرحمهم الرحمن» (2).
يجب أن تتضافر جهود الأسر والمجتمع والدولة في تحقيق الخير والتكافل، والعيش الأفضل، حَتَّى يشعروا بروح العطف والتعاون، وأنَّهم محلُّ العناية الكاملة.
- ثالثا: كفالة المطلَّقات والأرامل: المطلَّقة هي التي تخلَّى عنها عائلها بسبب انحلال العقدة الزوجيَّة، والأرملة هي التي فقدت كفيلها بسبب الموت، فلا بدَّ للمجتمع أن يعوِّضهن الرعاية والكفالة والإنفاق عليهنَّ، ولا يتركهنَّ للضياع، والرعاية لا تقتصر على الناحية المادِّيَّة، بل تشمل أيضا الناحية الخلقيَّة والنفسيَّة على السواء، ليشعرن بالكرامة، والصيانة، ومن أفضل الرعاية لهنَّ، هو تشجيعهنَّ على العودة إلى الحياة الزوجيَّة مرَّة أخرى، يقول تعالى: {وَأَنكِحُواْ الاَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآئِكُم} (3).
__________
(1) عبد الله علوان: التكافل الاجتماعي، مرجع سابق، ص63.
(2) أخرجه الترمذيُّ، كتاب البرِّ، الباب 16، ص324، رقم: 1924.
(3) سورة النور، آية 32. (1/283)
صفحة 284
- رابعا: كفالة المنكوبين والمكروبين: إنَّ الحياة الدنيا لا يسلم فيها المرء من النكبات والكروب التي قد تحيل الغنيَّ فقيرا، والموسر معدما، فالإسلام يوجب التضامن والتكافل مع هؤلاء للتخفيف عن مصائبهم، ويحثُّ على التفريج عن الكروب، وإغاثة المنكوب، يقول J : « من فرَّج عن أخيه المسلم كربة فرَّج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة» (1). والإسلام يربِّي المجتمع على هذه المعاني السامية، من التكافل والإيثار والتضحية بمتاع الدنيا من أجل حصول المثوبة الكبرى يوم القيامة، بإدخال السرور وإزالة الكروب على كافَّة أفراد المجتمع.
yWy
__________
(1) أخرجه البخاريُّ، كتاب الظلم، الباب 3، ج5، ص97، رقم: 2442. (1/284)
صفحة 285
المبحث الثالث
الإنفاق والاستهلاك في ظلِّ نظرية الاستخلاف
إنَّ توزيع المال يؤدِّي إمَّا إلى إنفاقه واستهلاكه، أو إلى ادِّخاره وإعادة إدخاله في دورة الإنتاج من جديد، فالإنفاق هو القناة الثالثة التي يصبُّ فيها المال بعد تملُّكه وإنتاجه وتوزيعه.
وقد ضبط التشريع الإسلاميُّ طرق إنفاق المال، حَتَّى يكون في إطار الوظيفة التي أناطها بالمال، والتي من خلاله يستشعر الإنسان أَنَّهُ مستخلف على هذا المال، وبالتالي مراعاته للتعاليم الإسلاميَّة في إنفاقه واستهلاكه وادِّخاره لهذا المال.
وسنخصِّص هذا المبحث للإنفاق والاستهلاك، ونفرد الادِّخار بمبحث خاصٍّ.
المطلب الأوَّل: الإنفاق لغة واصطلاحا:
قبل التعرُّض إلى الإنفاق ودوره في الاقتصاد الإسلاميِّ ينبغي معرفة معنى النفقة لغة واصطلاحا.
أ) لغة: ما ينفقه الرجل من الدراهم ونحوها. القوم نفقت سوقهم، ونفق السلعة تنفيقا: روَّجها كأنفقها (1)، نفق الشَّيْء: مضى ونفذ، إما بالبيع أو الموت، أو بالفناء، والإنفاق يكون في المال وفي غيره، وقد يكون واجبا أو تطوُّعا (2).
ب) شرعا: ما يلزم المرء صرفه لمن عليه مؤونته من زوجته أو قنه أو دابَّته (3).
__________
(1) الفيروزآبادي: القاموس المحيط، مرجع سابق، ج3، ص286.
(2) الأصفهاني: مفردات ألفاظ القرآن، مرجع سابق، ص523.
(3) نزيه حماد: معجم المصطلحات، مرجع سابق، ص276. (1/285)
صفحة 286
ج) اصطلاحا: صرف المال الحلال للحصول على منافع مادِّيَّة أو معنويَّة مشروعة تساعد في تحقيق الإشباع المادِّيِّ والروحيِّ (1).
نستنتج من خلال هذه التعاريف أنَّ النفقة والإنفاق من وجهة نظر الفقهاء هي النفقة الواجبة، إلاَّ أنَّ مقصودنا هو الإنفاق بصفة عامَّة، كما نلاحظ تقارب المعنى الاصطلاحيِّ مع المعنى اللغويِّ الذي يقصد الإخراج والإفناء مقابل منافع، وقد قيِّد هذا الإخراج أن يكون من دائرة الحلال، ويقصد به إشباع منافع مشروعة، فالإنفاق على محرَّمات لا يسمَّى إنفاقا، كما وسِّع من دائرة الإشباع ليشمل الإشباع الروحيَّ، فالذي ينفق ماله ليؤدِّي فريضة الحجِّ مثلا، يكون قد حقَّق منفعة روحيَّة.
وقد شاع مصطلح النفقات العامَّة، ويقصد بها النفقات التي تتولاَّها الدولة من خزينتها العامَّة، من أجل غرض عامٍّ.
المطلب الثاني: الإنفاق في القرآن الكريم:
ذكر الإنفاق واشتقاقاته في القرآن الكريم في 73 موضعا (2)، ولو أضفنا إليه المعاني التي تحمل معنى الإنفاق، كإطعام المساكين والحثِّ على الصدقات لوجدناها كثيرة، مِمَّا يَدُلُّ على اعتناء القرآن الكريم بهذا الجانب من توزيع المال. ومن اليقين أنَّ التركيز الإلهيَّ على برِّ المحتاجين والإنفاق، وجزيل ثوابه للمنفقين، ولوم أصحاب الشحِّ والبخل والأثرة، يؤكِّد في نفوس المسلمين مفهوما يجب أن يرسخ في الأعماق وهو مسؤوليَّة المجتمع على كافَّة الأصعدة، ابتداء من الأسرة إلى مستوى الدولة في الإنفاق على ذوي الحاجات، بما أنَّ هذا المال هو مال الله وهم مستخلفون فيه (3).
__________
(1) حسين شحاته: اقتصاد البيت المسلم، مرجع سابق، ص45.
(2) محَمَّد فؤاد عبد الباقي: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، مرجع سابق، ص716.
(3) رفيق المصري: مقوِّمات الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص44. (1/286)
صفحة 287
وإنَّا لنرى من آيات القرآن الكريم أنَّ الصحابة الكرام حين تقرَّرت لديهم هذه الحقيقة، كيف تحرَّجوا في كيفيَّة الإنفاق، ماذا ينفقون وما يبقون؟ فذهبوا إلى رسول الله J يسألونه ماذا ينفقون؟ وقد تكرَّر هذا السؤال أكثر من مرَّة، وسجَّل القرآن موقفين في سورة البقرة.
أ) {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالاَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ ... } (1)، وقد أجابت هذه الآية لمن يكون الإنفاق ورتَّبته حسب الأولويَّة.
ب: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العَفْوَ} (2) فقد حدَّدت هذه الآية معيار ووعاء الإنفاق وهو العفو، وقد ذكر المفسِّرون ستَّة تأويلات لمعنى العفو (3)، إلاَّ أنَّ أرجحها هو ما فضل عن الأهل.
ونظرة القرآن إلى الإنفاق تعطى بعدا عقديًّا مرتبطا بإيمان المسلم باليوم الآخر، وشعوره بوجوب تعاونه وتآزره للأخوَّة في الإيمان، فحين يأمر بالنفقة لا يبيح أن يكون ذلك في الترف والبذخ، وهي نظرة تختلف عن نظرة الاقتصاد الوضعيِّ للإنفاق.
يظنُّ غير المؤمن أنَّه إذا أنفق المال افتقر وإذا جمعه تموَّل، ويقول القرآن ويؤكِّد أنَّ الله يبارك في مال الرجل إذا أنفق منه ويضاعفه له: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَامُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً} (4).
ويظنُّ غير المؤمن أنَّ ما ينفقه من مال يضيع إلى غير رجعة، ويقول القرآن: إنَّ المال لا يضيع بالإنفاق، بل يعود على صاحبه بالخير العميم: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} (5).
__________
(1) سورة البقرة آية 215.
(2) سورة البقرة، آية 219.
(3) محيي الدين عطيَّة: الكشَّاف الاقتصادي، مرجع سابق، ص112.
(4) سورة البقرة، آية 268.
(5) سورة البقرة، آية 272. (1/287)
صفحة 288
لا شكَّ أنَّ هذه النظريَّة غريبة في نظر الاقتصاد الوضعيِّ، إذ من الغريب حقًّا أنَّ يزيد المال بالإنفاق، ويرجع على صاحبه لا بتمامه بل مع فائدة مزيدة: {وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} (1)، فالإسلام يعطى لهذه الزيادة بعدين (2): بعدًا أخرويًّا، وهو مضاعفة الأجر والثواب في الآخرة للمنفقين في سبيل الله في مختلف الأغراض، وبعدًا دنيويًّا، فقد دعا الإسلام إلى الإنفاق وحثَّ عليه، لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى الرواج وانتعاش الأحوال، أما الإمساك فيؤدِّي إلى الكساد والبطالة وركود الحالة الاقتصاديَّة، فالنفقة سواء أكانت على النفس أو الأهل والأقارب أو على محتاج تؤدِّي في النهاية إلى تداول الإنتاج والأموال والإقبال على شراء السلع، مِمَّا يتطلب الزيادة في الإنتاج (3).
المطلب الثالث: مراتب الإنفاق:
إنَّ مراتب الإنفاق على درجتين: من حيث أولويَّتها ومن حيث وجوبها وندبها.
الفرع الأوَّل: من حيث أولويَّتها (4):
لقد وضع الإسلام أولويَّات يجب الالتزام بها في مجال الإنفاق لتحقيق مقاصد الشرع.
1) الضروريَّات: وهي ما يتعلَّق بقوام الحياة والمخلوقات، والتي بدونها لا تستقيم الحياة، مثل الإنفاق على المأكل والمشرب والصحَّة والتعليم، وهي مقدَّمة على غيرها، فلا يعقل شرعا ولا منطقا أن ينفق المرء على الحاجيَّات والتحسينيَّات تاركا ضروريَّات الحياة.
__________
(1) سورة الروم، آية 39.
(2) المودودي: أسس الاقتصاد، مرجع سابق، ص147.
(3) بسيوني: الحرِّيَّة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص465.
(4) حسين شحاته: اقتصاد البيت المسلم، مرجع سابق، ص50. (1/288)
صفحة 289
2) الحاجيَّات: ويقصد بها الإنفاق على ما يحتاجه المرء لتيسير سبل العيش، والتخفيف من المشاقِّ والمتاعب، وتأتي بعد استيفاء المطالب الضروريَّة.
3) التحسينيَّات: وتشمل النفقات التي تجعل حياة الإنسان طيِّبة، وعلى أحسن حال، وتأتي في المرتبة الثالثة، إلاَّ أنَّه يجب عدم الإسراف فيها؛ لأَنَّهَا مدخل للترف والبذخ، فعلى المرء أن يراعي محيطه الذي قد لا تتسنَّى له ظروف الحياة لاستيفاء الضروريَّات من مطالب الحياة.
الفرع الثاني: من حيث وجوبها وندبها:
ينقسم الإنفاق في الإسلام إلى قسمين رئيسين:
1) إنفاق الفريضة.
2) إنفاق التطوُّع.
- القسم الأوَّل: إنفاق الفريضة: هو ما افترضه الله على المسلم وألزمه بأدائه في السبل التي أرشده إليها، وفي الحالات التي يجب فيها هذا الإنفاق، ويدخل أوَّل ما يدخل في هذا القسم ما ينفقه الإنسان على نفسه وعلى عياله، من أبناء وزوجة ووالدين، تطبيقا لمبدأ «ابدأ بمن تعول» (1)، ويحدِّد حديث آخر مراتب ودرجات النفقة: «ابدأ بنفسك فتصدَّق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا وهكذا، يقول: فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك» (2).
فهذا المبدأ الذي وضعه الرسول، يضع الإنفاق في دوائر تتَّسع، حسب طاقة الفرد وإمكانيَّاته، والإنفاق على الأهل من أفضل الصدقات، لقوله J : « أفضل دينار المرء دينار ينفقه على أهله» (3).
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، ج3، ص294، رقم: 1426.
(2) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، ج3، ص79.
(3) محَمَّد بن الحسن الشيباني: الاكتساب في الرزق المستطاب، مرجع سابق، ص66. (1/289)
صفحة 290
وقد فصَّل الفقهاء في أسباب وشروط ودرجات القرابة الموجبة للنفقة.
فأسبابها: النكاح والقرابة، فالأوَّل يوجبها للزوجة على الزوج. والثاني لكُلٍّ من القريبين على الآخر (1)، وهناك من أضاف سببا ثالثا هو الملك: مثل الإنفاق على العبد المملوك أو الحيوان المملوك، أو الأشياء المملوكة لصيانتها وحفظها (2). أَمَّا درجات القرابة، فقد اختلف الفقهاء في تحديدها، والواقع أنَّ المذهب الحنبلي أكثر المذاهب الإسلاميَّة توسُّعا في القرابة الموجبة للنفقة، فهو يعمُّ القرابة كلَّها بلا استثناء، فكلُّ من يرث الفقير العاجز عن الكسب إذا مات غنيًّا تجب عليه نفقته في حال عجزه، لأنَّ الحقوق متبادلة، والغرم بالغنم (3)، وهو رأي يتماشى مع روح التشريع الإسلاميِّ، ويحقِّق صورة أوضح للتكافل والتضامن الاجتماعيِّ.
أَمَّا شروط النفقة على الترتيب فهي:
1) حاجة القريب الذي يطالب بالنفقة، فإذا لم يكن محتاجا لا يستحقُّ النفقة.
2) عجزه عن العمل، لأنَّ إعطاء المحتاج مع قدرته على العمل تعطيل لقوَّة من قوى الإنتاج، وتشجيع على الكسل والاتِّكال.
3) ألاَّ يكون القريب الذي يطالب بالنفقة موسرا.
وهذه الشروط خاصَّة بالقرابة من الدرجة الثانية فما فوق، أَمَّا نفقة الوالد على أولاده أو الولد على والديه العاجزين أو على زوجته، فهي واجبة في كلِّ الظروف والحالات أن يقاسمهم ما يملك من قوت، فيأكلون مِمَّا يأكل.
- القسم الثاني: إنفاق التطوُّع: إنَّ إنفاق التطوُّع ليس له حدود، وإنَّما هو متروك لأريحيَّة المنفق ورغبته في ابتغاء رضوان الله، وقد حثَّت آيات كثيرة
__________
(1) الدبو: الضمان الاجتماعي، مرجع سابق، ص227.
(2) رفيق المصري: أصول الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص227.
(3) ابن حزم: المحلَّى، مرجع سابق، ج7، ص226. (1/290)
صفحة 291
وأحاديث نبويَّة عليه، ووعدت المنفقين بأجزل الثواب وأعظم الأجر (1)، هذا النوع لا يصحُّ من صاحبه إلاَّ بعد أداء إنفاق الفريضة الذي يعتبر دينا في عنق صاحبه، فلا يصحُّ من المدين التبرُّع وذمَّته مشغولة بالدَّين (2).
وأبرز سبل إنفاق التطوُّع:
أ) صدقة التطوُّع.
ب) الوقف (الصدقة الجارية).
ج) الهبة والهديَّة.
د) القرض الحسن.
وقد أدرج القرض الحسن في هذا السبيل مع أنَّه يستردُّه صاحبه لأَنَّهُ يلبِّي حاجات الناس في الضائقات الماليَّة، ويخفِّف عن المعسرين، فقد روى ابن ماجه: «ما من مسلم يقرض مسلما مرَّتين إلاَّ كان كصدقة مرَّة»، وعن أبي الدرداء أنَّه قال: «لأن أقرض دينارين ثُمَّ يردَّان، ثُمَّ أقرضهما أحبُّ إليَّ من أن أتصدَّق بهما» (3).
المطلب الرابع: ضوابط الإنفاق:
إذا كان الإسلام قد رسم الخطوط العامَّة لكسب المال من طرقه المشروعة، فإنَّهُ أيضا رسم الخطوط العريضة لإنفاقه، يؤدِّي فيها المال دوره في تلبية مطالب الحياة الطيِّبة الكريمة.
__________
(1) من ذلك:
- قوله تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} سورة المزَّمِّل، آية 20.
- قوله عليه الصلاة والسلام: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلاَّ ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهمَّ أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهمَّ أعط ممسكا تلفا». رواه البخاري.
(2) البابلي: الكسب والإنفاق، مرجع سابق، ص126.
(3) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الصدقات، الباب 19 (القرض)، ص812، رقم 2431. (1/291)
صفحة 292
1) الإنفاق على إشباع الحاجيات الإنسانيَّة ومتطلَّباته من مأكل ومسكن وملبس، وكلِّ متطلَّبات الحياة الكريمة، وهو مأمور به على سبيل الوجوب بلا إسراف ولا تبذير ولا تقتير: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا} (1).
2) الإنفاق التعاوني على الأسرة والأقارب والمجتمع بصفة عامَّة، وهو مأمور به على جهة الوجوب في بعض صوره، وعلى جهة الندب والتطوُّع في صور أخرى، ومطلوب ذلك في اعتدال بلا تبذير، يقول تعالى: {وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ, وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} (2).
3) وما بقي بعد ذلك، فإمَّا أن يدَّخره لوقت الحاجة ولمواجهة الطوارئ، وإمَّا أن ينفقه في شكل إنفاق استثماريٍّ لتنمية أمواله، والمساهمة في تداول المال وتحقيق التنمية العامَّة للأمَّة، وليتمكَّن من الوفاء بالإنفاق على حاجته مستقبلا (3).
هكذا يكون الإسلام قد وضع القنوات التي ينساب فيها المال، فبعد أن تُؤدَّى الحقوق المتعلِّقة بالمال من زكاة ونفقة على النفس والولد والقرابة، وما تجود به النفس في سبل الخير فما فضل بعد ذلك كان من الواجب أن يستثمر ولا يمسك به في ظلمات الاكتناز، فالمال قوَّة يجب أن تؤدِّي وظيفتها في الحياة وألاَّ تتعطَّل، فتدخل في حقل التنمية والعمارة. من تشييد وبناء واستصلاح، فإنَّ في ذلك نماء لثروة المجتمع، ومضاعفة لقوَّتها.
من ضوابط الإنفاق:
أوَّلاً: الموازنة بين الكسب والإنفاق:
إذا كان الإسلام قد وضع مراتب الإنفاق، ابتداء من ضروريَّات الحياة إلى المحسِّنات، فإنَّه لا يولي اعتبار التوازن في الجانب الإنفاقي فحسب، بل ينظر
__________
(1) سورة الأعراف، آية 31.
(2) سورة الإسراء، آية 26.
(3) بسيوني: الحرِّيَّة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص472. (1/292)
صفحة 293
إلى جانب الكسب، فالكسب والإنفاق عمليَّة دائريَّة تؤول في النهاية إلى الجهد الإنسانيِّ.
فعندما ينفق الإنسان مالا فإنَّهُ في الحقيقة ينفق جهدا، أي: الجهد الذي اكتسب به المال (1). ويعبِّر القرآن الكريم عن هذه الموازنة أحسن تعبير: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَاهُ اللَّهُ} (2)، فالكسب هو وعاء للإنفاق، فكُلَّمَا اتَّسع الوعاء اتَّسع الإنفاق، فلا يكلِّف الإنسان نفسه ما لا تطيق، ويرمي بها في دوَّامة الاستدانة، ويؤدِّي بها إلى الإفلاس والخراب.
فإذا التمس الإنسان كسبه من طرق سليمة، وجمع المال من وجوهه المشروعة، كان من المحتم عليه أن ينفقه في وجوه سليمة، فالمرء يُسأل يوم القيامة سؤالين في المال: «من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه» (3)، ولذلك يتحرَّى المسلم الوسائل المشروعة في كسبه وفي إنفاقه، وقد قال الحسن البصريُّ: «إذا أردتم أن تعرفوا من أين اكتسب الرجل ماله، فانظروا فيم أنفقه» (4).
فالإنسان الذي بذل الجهد في كسبه، وسلك سبل الحلال في ذلك يتخيَّر مواضع الإنفاق ويميِّز بين مراتبها، لأَنَّهُ يحسُّ أنَّ جزءا من مجهوده ضاع لو وضع المال في غير موضعه، أَمَّا الذي يكتسب المال بدون بذل الجهد وبطرق ملتوية وسريعة، فإنَّهُ يعمد إلى ماله ينفقه كيفما اتَّفَق، ويبدِّده بإسراف في مواطن الترف، وفي الكماليَّات والتحسينيَّات.
ثانيا: الوسطية في الإنفاق:
يقوم الإسلام على الوسطيَّة في كلِّ شَيْء ومنها الاعتدال في الإنفاق دون إسراف أو تقتير.
__________
(1) حسين غانم: مجلَّة الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص32.
(2) سورة الطلاق، آية 7.
(3) ورد في حديث نبويِّ: «لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة حَتَّى يُسأل ... »، تقدَّم تخريجه، انظر ص51.
(4) بسيوني: الحرِّيَّة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص471. (1/293)
صفحة 294
فالإسراف في اللغة: تجاوز الحدِّ في كلِّ فعل يفعله الإنسان، وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر. أَمَّا التبذير فهو صرف المال في غير مصارفه المعروفة عند العقلاء (1).
أَمَّا التقتير: فمن القتر: تقليل النفقة (2)، وهو الرمقة من العيش (3).
أمَّا اصطلاحا: فالإسراف هو الإنفاق في مباح إذا زاد عن الحدِّ، أو الإنفاق في حرام ولو قلَّ.
أمَّا التبذير فهو أشدُّ من الإسراف، فهو المغالاة في تجاوز الحدِّ، والتوسُّع في الإنفاق على المحرَّمات والمعاصي (4).
والفرق بينهما أنَّ الإسراف هو الجهل بمقادير الحقوق، والتبذير هو الجهل بمواقع الحقوق، وكلاهما مذموم (5).
فصاحب المال ليس حرًّا في التقتير وغلِّ ما في يديه كما يشاء، أو في بسطها والإسراف في الإنفاق كما يشاء، فاليد المغلولة والمبسوطة بإسراف لا يقبلهما الإسلام، لما فيه من ضرر عائد على النفس والجماعة (6): {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً اِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا} (7).
ويحذِّرنا الرسول J من الإسراف حَتَّى في ماء الوضوء، فيقول لجابر وهو يتوضَّأ: «ما هذا السرف؟ فقال جابر: أفي الوضوء سرف يا رسول الله؟ فقال: نعم، لا سرف في الماء ولو كنت على نهر جارٍ» (8)، وعلى النقيض من ذلك نهى
__________
(1) نزيه حماد: معجم المصطلحات، مرجع سابق، ص57. عبد الباقي: المعجم المفهرس، مرجع سابق، ص236.
(2) محَمَّد فؤاد عبد الباقي: المصدر نفسه، ص407.
(3) ابن منظور: لسان العرب المحيط، مرجع سابق، ج5، ص16.
(4) رفيق المصري: أصول الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص155.
(5) بسيوني: الحرِّيَّة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص478.
(6) سيِّد قطب: العدالة الاجتماعيَّة، مرجع سابق، ص138.
(7) سورة الإسراء، آية 29.
(8) منتخب كنز العمَّال، بهامش مسند أحمد، مرجع سابق، مج3. ص441. (1/294)
صفحة 295
الإسلام عن التقتير وغلِّ اليد؛ لأَنَّهُ حرمان النفس من المتاع المشروع، فهو يأمر الإنسان أن يتمتَّع بالحياة وزيتها في إطار الحدود الشرعيَّة: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ التِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ... } (1)، ففي الآية أمر صريح بالتمتُّع بزينة الحياة والطيِّبات من الرزق، في صيغة سؤال استنكاريٍّ.
ثالثا: تجنُّب النفقات الترفيَّة:
الترف: هو التوسُّع في النعمة، يقال: أترف فلان فهو مترف (2)، والترف أشدُّ من التبذير فهو التوسع في ملاذ الدنيا وشهواتها إلى حدِّ البطر، فالشريعة الإسلاميَّة تحرِّم النفقات الترفيَّة؛ لأَنَّهَا تؤدِّي إلى الفساد والهلاك، وهي مؤشِّر إلى تردِّي الأخلاق، وخراب الذمم، وخواء الضمائر، فهو آية ومؤشِّر للانهيار والإفلاس، يقول تعالى: {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} (3). {وَكَمَ اَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةِم بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} (4).
لذلك نجد الإسلام قد نهى الرجال عن لبس الحرير والذهب؛ لأَنَّهُ دليل البطر والترف، وهو يؤدِّي إلى الميوعة والفساد. والحكمة الكبرى من هذه الأحكام أنَّ هذه الثروة يمكن أن تسدَّ الحاجات لكثير من الفقراء والمعدومين، وتوفِّر لهم حدَّ الكفاية، بدلا من صرفها في تزيين الجسد، وزخرفة البيوت، وتجميل الوجوه، وفي اللهو والشهوات (5).
ويمكن إجمال هذه العناصر كلِّها في النهي عن إضاعة المال، فالسرف والتبذير والترف تدخل كلُّها في هذا المعنى، وقد نهى J عن إضاعة المال: «إنَّ الله كره لكم ثلاثا: القيل والقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» (6).
__________
(1) سورة الأعراف، آية 32.
(2) الراغب الأصفهاني: مفردات ألفاظ القرآن، مرجع سابق، ص70.
(3) سورة الإسراء، آية 16.
(4) سورة القصص، آية 58.
(5) الموسوي: لمحات في اقتصاديات الملكيَّة الخاصَّة، مرجع سابق، ص67.
(6) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، ج3، ص340، رقم: 1477. (1/295)
صفحة 296
رابعا: تجنُّب النفقات غير المشروعة:
إذا كان الإسراف والتبذير والترف تصرُّفات ينهى عنها التشريع الإسلاميُّ، فإنَّ الإنفاق في محرَّم لا يجوز قطعا لما فيها من مضرَّة مادِّيَّة، كالخمر والخنزير والميتة، يقول تعالى: {إِنَّمَا حَرَمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ} (1)، أو لمضرَّة معنويَّة، كالأكل مِمَّا لم يذكر اسم الله عليه: {وَلاَ تَاكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ, لَفِسْقٌ} (2). أي إنَّ الأكل منه لمعصية وخروج عن طاعة الله، فلا تأكلوا أيُّها المؤمنون مِمَّا ذبح لغير الله، كالذي يذبح للأوثان (3).
فالإنفاق على هذه المحرَّمات المنصوص عليها لا يجوز قطعا، ويقاس عليها كلُّ ما يؤدِّي إلى المضرَّة بالفرد أو المجتمع، كتناول السموم وكذا المخدِّرات.
المطلب الخامس: نظرية الاستهلاك في الاقتصاد الوضعي:
بعد البحث واستعراض نظرة الإسلام إلى الإنفاق، والضوابط التي شرعها لتحقيق الوسطيَّة والاعتدال، نرى كيف ينظر الاقتصاد الوضعيُّ إلى الاستهلاك، وما هي أهدافه منه.
وقبل البحث في نظريَّة المستهلك ينبغي وضع بعض التعاريف ليسهل فهم هذه النظريَّة على ضوء المفاهيم المتعلِّقة بها.
الاستهلاك: هو استعمال السلع والخدمات في إشباع الحاجات (4). أي الاستعمال المباشر للسلع والخدمات، ويعدُّ حجر الزاوية، ونقطة الانطلاق لجميع
__________
(1) سورة البقرة، آية 173. سورة النحل، آية 115.
(2) سورة الأنعام، آية 121.
(3) محَمَّد علي الصابوني: صفوة التفاسير، مرجع سابق، ج3، ص94.
(4) الدموهي: عوامل الإنتاج، مرجع سابق، ص283. (1/296)
صفحة 297
أنواع النشاط الاقتصادي. وينقسم إلى استهلاك فرديٍّ، واستهلاك جماعيٍّ على مستوى المجتمع، كالتعليم والأمن والدفاع، وهو إِمَّا أن يكون عن طريق السوق، وقد يكون ذاتيًّا مثل ما يقوم به المزارع من استهلاك جزء من إنتاجه (1)، وهو يقابل الإنفاق في الاقتصاد الإسلاميِّ.
الحاجات: هي الأشياء التي يشعر الإنسان أو المجتمع بالحاجة إليها، وهي عدَّة أنواع: حاجات أوَّليَّة، حاجات ثانويَّة (2).
المنفعة: قدرة السلعة أو الخدمة على إشباع رغبة إنسانيَّة (3).
إنَّ دراسة تصرُّف المستهلك في الاقتصاد الوضعيِّ لا يقصد به وضع القواعد التي يجب أن يلتزم بها المستهلك في تصرُّفاته، بل يفترض أَنَّهُ شخص عاقل ويتَّصف بالرشد الاقتصادي، يسعى أساسا للحصول على أقصى إشباع ممكن من دخله (4).
ويتحكَّم في الاستهلاك أربعة عوامل هي:
1) الدخل الذي يحصل عليه المستهلك.
2) كيفية توزيع الدخل بين الاستهلاك والادِّخار.
3) الحاجات الشخصيَّة لأفراد المجتمع، إذ يختلف الاستهلاك كمًّا ونوعا باختلاف ميول المستهلك ومعتقداته وعاداته.
4) الثمن المحدَّد للسلع والخدمات، فكُلَّمَا زادت الأسعار انخفض الاستهلاك.
وعلى ضوء هذه العوامل يتَّخذ المستهلك قراراته في الاستهلاك.
__________
(1) عفر: النظام الاقتصادي، مرجع سابق، ص157.
(2) علية: القاموس الاقتصادي، مرجع سابق، ص145.
(3) حسين عمر: موسوعة المصطلحات، ص 231.
(4) أحمد داود: محاضرات في الاقتصاد الجزئي، مرجع سابق، ص25. (1/297)
صفحة 298
الفرع الأوَّل: نظر يَّة الاستهلاك في الاقتصاد الرأسمالي:
إنَّ نظريَّة المستهلك في الاقتصاد الرأسماليِّ تقوم على أساس تحصيل الحدِّ الأعلى من المنفعة، فهي هدف المستهلك في سلوكه وسعيه، وليس له إلاَّ محفِّز واحد وهو حاسَّة حبِّ المال، ولقد مرَّت بمرحلتين:
أ) كانت مرتبطة بالنظريَّة الحدِّيَّة (1)، وتبعا لذلك فقد كان ينظر إلى المنفعة على أَنَّهَا شيء قابل للقياس، وأنَّ الوصول إلى توازن المستهلك يتحقَّق عندما يصل المستهلك الحدَّ الأعلى من المنفعة.
ب) وهي حديثة فهي تستبعد إمكانيَّة قياس المنفعة عدديًّا، ولا شكَّ أنَّ قياس المنفعة بوحدات عدديَّة ما هو إلاَّ ضرب من المستحيل، ذلك لأنَّ المنفعة التي يحصل عليها الفرد من الاستهلاك هي مسألة شخصيَّة تختلف من شخص لآخر (2).
فهي تقوم على تفضيل المستهلك كمِّيَّة معيَّنة من سلعة على كمِّيَّة من سلعة أخرى، أو تفضيل مجموعة من سلع مختلفة على مجموعة أخرى. وعلى هذا الأساس فالمستهلك يوزِّع دخله بين السلع والخدمات الاستهلاكيَّة حسب تفضيلاته وميوله، وفي إطار العوامل المحدَّدة للاستهلاك، ولذلك تسود قاعدة سيادة المستهلك حيث حرِّيَّة توزيع دخله بين السلع والخدمات دون قيد أو تدخُّل من المجتمع، حَتَّى ولو كان هذا الاستهلاك ترفيًّا أو ضارًّا بالفرد نفسه.
إلاَّ أنَّ هذه القاعدة تسود نظريًّا، أَمَّا في أرض الواقع، فإنَّ أجهزة التسويق المختلفة تبذل جهودا ضخمة، وتنفق أموالا طائلة للتأثير على سلوك وقرار المستهلك
__________
(1) النظرية الحدِّيَّة: نظريَّة اقتصاديَّة ظهرت في حدود سنة 1870، مبنيَّة على فكرة أنَّ القيمة التبادليَّة لسلعة ما متوقِّفة على المنفعة التي تحقِّقها آخر وحدة منتجة من هذه السلعة. علية: القاموس الاقتصادي، ص451.
(2) داود محَمَّد: محاضرات في الاقتصاد الجزئي، مرجع سابق، ص26. (1/298)
صفحة 299
من خلال الدعاية والإعلان عبر وسائل الإعلام المختلفة، حَتَّى يغيِّر من قراراته، ويتَّجه وفق رغبات الشركات الإنتاجيَّة، دونما اعتبار لقواعد اجتماعيَّة أو أخلاقيَّة، مِمَّا يؤدِّي في النهاية إلى انحراف الإنتاج في الاستخدام الأمثل للموارد في توفير الاحتياجات الحقيقيَّة للمجتمع، والتوسُّع في إنتاج السلع الكماليَّة والترفيهيَّة على حساب الحاجات الأساسيَّة للمجتمع (1).
الفرع الثاني: الاستهلاك في النظام الاشتراكي:
إنَّ الدولة في النظام الاشتراكيِّ تقوم نيابة عن المجتمع بتخطيط كلٍّ من الإنتاج والاستهلاك، لتحقيق المستوى المناسب لهما، وفقا لتقديراتها، وهي تسعى لتوفير الاحتياجات الأساسيَّة للمواطنين بالسعر المناسب، أَمَّا الاحتياجات غير الأساسيَّة فهي ترفع أسعارها لتحقيق فائض مناسب لدعم الطاقة الإنتاجيَّة.
إنَّ هذا النمط من السلوك يحقق استخداما أفضل للموارد، وإشباعا أنسب للمستهلكين، إلاَّ أَنَّهُ يعاب عليه أَنَّهُ يتمُّ من وجهة نظر مجموعة من رجال التخطيط والاقتصاد على المستوى المركزيِّ لأجهزة الدولة، وليس للمستهلكين رأي في الأمر، وفي ذلك تقييد من حرِّيَّة المواطنين، وقد لا تتناسب ورغباتهم التي تتَّصف بالتنوُّع والتغيُّر (2).
المطلب السادس: الاستهلاك والإنفاق بين النظريَّة الوضعية والاقتصاد الإسلامي:
سوف نجري هذه المقارنة من خلال النقاط التالية:
أ) إنَّ أوَّل الاختلافات تتعلَّق بمفهوم التوازن، فالإسلام يهتمُّ بتوازن سلوك
__________
(1) عفر: النظام الاقتصادي، مرجع سابق، ص157.
(2) عفر: النظام الاقتصادي، مرجع سابق، ص158. (1/299)
صفحة 300
المستهلك، فهو يأمر بالاعتدال في النفقات، والابتعاد عن السرف والترف، بينما النظريَّة الوضعيَّة تهتمُّ بتوازن المستهلك نفسه، والفرق واضح بين توازن المستهلك وتوازن سلوك المستهلك.
فالنظريَّة الوضعيَّة تقوم على أساس الفلسفة المادِّيَّة، وهي تنظر إلى الكون والحياة نظرة مادِّيَّة بحتة، لذلك ترى الإنسان من جانبه المادِّيِّ ككائن له احتياجاته البيولوجيَّة، وترى أنَّه يحصل التوازن بتحقيق أكبر قدر من الإشباع (1).
لكن الإسلام بواقعيَّته، ينظر إلى الإنسان من حيث كونه خلقه الله من طين، ثُمَّ نفخ فيه من روحه، واستخلفه على الأرض، وفضَّله على سائر خلقه، وأكرمه بنعمة العقل والتفكير، لكي يؤدِّي رسالة سامية في هذه الحياة، فهو لا يفصل بين التكوين المادِّيِّ والتكوين الروحيِّ، لذلك كان طبيعيًّا أن يهتمَّ بسلوك المستهلك من حيث كونه سلوكا متوازنا أو سلوكا منحرفا، ووضع التعاليم والإجراءات لتقويمه وتسديده عند الانحراف.
ب) إنَّ العوامل المهمَّة التي تدخل في تحديد قرارات المستهلك هي دخل الفرد والأسعار السائدة في السوق، فهو يسعى إلى تعظيم المنفعة بالحصول على السلع والخدمات التي يسمح بها دخله في ظلِّ الأسعار السائدة، فهو يحقِّق التوازن. طبقا للنظريَّة التقليديَّة، عندما تتساوى المنفعة الحدِّيَّة للنقود من كافَّة السلع والخدمات التي يحصل عليها، أمَّا طبقا لتحليل منحنيات السواء، فإنَّ شرط التوازن يتحقَّق عند النقطة التي يمسُّ فيه خطُّ الميزانيَّة ـ أي خطُّ الدخل ـ أحد منحنيات السواء. إنَّ هذا الشرط يتحقَّق مهما كان مستوى دخل المستهلك، فصاحب الدخل المنخفض الذي لا يحصل على إشباع كلِّ رغباته من السلع والخدمات يتوازن عندما تتساوى المنفعة الحدِّيَّة للنقود، أو عندما يمسُّ خطُّ الميزانيَّة أحد منحنيات سوائه، فهو طبقا لهذه النظريَّة في حالة توازن رغم الحرمان الذي يعاني منه.
__________
(1) حسين غانم: مجلَّة الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، 531. (1/300)
صفحة 301
ج) إنَّ هذه النظريَّة لا تتضمَّن أيَّ ضوابط وقيود للتحكُّم في سلوك المستهلك، بل تترك ذلك لمحض حرِّيَّته واختياره، فالمستهلك الذي يفضِّل كأسا من الخمر على شريحة من اللحم مثلا يقال عنه: إنَّه متوازن، والذي يحرم نفسه من الطيِّبات ويسرف في الملذَّات والشهوات يقال عنه: إنَّه متوازن، وهكذا يصبح مصطلح التوازن خاليًا من أيِّ محتوى موضوعيٍّ، لأَنَّهُ في الواقع لا يميِّز بين الاختلال والتوازن.
د) لو سلَّمنا بالرشد الاقتصاديِّ للمستهلك الذي تفرضه النظريَّة الوضعيَّة، أي أنَّ المستهلك يسلك سلوكا رشيدا في قراراته، إلاَّ أنَّ وسائل الدعاية التي تقوم بها المؤسَّسات الإنتاجيَّة، بمختلف أنواع الإشهار تؤثِّر على سلوك المستهلك، تجعله ينقاد إلى استهلاك سلعة معنيَّة تحت تأثير الإغراء، ولو كانت فيه مضرَّة له، مثل الإشهار لمختلف أنواع السجائر الذي تقوم به أجهزة الإعلام المختلفة، رغم أنَّ مضرَّتها محقَّقة.
إنَّ الإسلام لا يفترض تحقيق التوازن تلقائيًّا، ولا الرشد الاقتصاديّ؛ لأنَّ الناس منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، فقد ألهم الله النفس البشريَّة فجورها وتقواها. لذلك يستخدم الإسلام وسائل فعَّالة من أجل ترشيد سلوك المستهلك، لكي تتحقَّق الوسطيَّة في الإنفاق والاستهلاك ويمنع كلُّ انحراف بالتقتير والإسراف، كما وضع أوَّليَّات الإنفاق ودرجاته.
ووسائل الإسلام في هذا السبيل: إمَّا ذاتيَّة، تنبع من شعور من ضمير المسلم وإيمانه ومراقبته لربِّه، وإمَّا وسائل يستخدمها وليُّ الأمر بتنفيذ التشريعات في هذا المجال، وهي ما ذكرناه في مباحث سابقة من الرسالة. (1/301)
صفحة 302
المبحث الرابع
الادِّخار والاكتناز في ظلِّ الاستخلاف
ذكرنا في المبحث السابق أنَّ المال بعد توزيعه يؤول إِمَّا إلى الاستهلاك أو إلى الادِّخار، وقد تقدَّم بحثنا في الاستهلاك والإنفاق في الإسلام مع مقارنة بالنظم الوضعيَّة، وتبقى القناة الأخيرة التي يصبُّ فيها المال وهي الادِّخار، الذي هو في الحقيقة الوعاء الذي يتجمَّع فيه المال، ليذهب مرَّة أخرى في دورة جديدة للإنتاج والاستثمار، أو إلى الاستهلاك، ولا يبقى في ذلك الوعاء إلاَّ ليتجمع لينطلق من جديد، فإن بقي في ذلك الوعاء يتحوَّل إلى الاكتناز الذي يحاربه الإسلام ويعاقب عليه أشدَّ العقاب، فيصبح كالماء الآسن الراكد في المستنقع، فما مفهوم الادِّخار في الإسلام، وما الفرق بينه وبين الاكتناز؟
هذا ما سنتناوله في هذا المبحث.
المطلب الأوَّل: معنى الادِّخار والاكتناز:
أ) لغة: الادِّخار: تخبئة الشَّيْء لاستخدامه عند الحاجة (1).
الاكتناز: من الكنز، وهو جعل المال بعضه على بعض وحفظه (2)، والكنز: المال المدفون. واكتنز: أجمع وامتلأ (3).
ب) اصطلاحا: الادِّخار: هو الفرق الحاصل بين الكسب الطيِّب والإنفاق المقتصد (4)، وفي اصطلاح الاقتصاديِّين: هو الفرق بين الدخل والاستهلاك،
__________
(1) نزيه حماد: معجم المصطلحات الاقتصادية، مرجع سابق، ص39.
(2) الأصفهاني: معجم مفردات ألفاظ القرآن، مرجع سابق، ص360.
(3) الفيروزآبادي: القاموس المحيط، مرجع سابق، ج2، ص189. .
(4) شحاته: اقتصاد البيت المسلم، مرجع سابق، ص52. (1/302)
صفحة 303
وبالتالي تخصيص الجزء الذي لم يذهب إلى الاستهلاك من الدخل للاكتناز أو للتوظيف أو التسليف أو الاستثمار المباشر، ويسمَّى الأَوَّل بالادِّخار العقيم؛ لأَنَّهُ لا يساهم في الإنتاج.
ويعتبر الادِّخار المصدر الداخليَّ لتكوين رأس المال (1).
الاكتناز: بخلاف الادِّخار هو سحب النقد من التداول والاحتفاظ به دون توظيف أو استثمار (2).
من خلال هذه التعاريف يتجلَّى لنا الفرق الجوهريُّ بين الادِّخار والاكتناز، فالاكتناز هو جمع المال وتراكمه وسحبه من التداول، أمَّا الادِّخار فهو تخصيص جزء من الدخل لاستثماره من جديد، أو لمواجهة الطوارئ.
وقد شدَّد التشريع الإسلاميُّ في تحريم الاكتناز وتوعَّد المكتنزين بأشدِّ العذاب، لما يسبِّبه من ضرر فادح على اقتصاد الأمَّة، ومن ناحية أخرى شجَّع على الادِّخار، واعتبره من حسن التدبير.
المطلب الثاني: الاكتناز في القرآن الكريم:
إنَّ الآية الصريحة والواضحة في الاكتناز هي آية التوبة (3)، وقد توعَّدت الكانزين بأشدِّ العذاب، نظرا لفداحة الضرر الذي يلحقونه بالاقتصاد بسحبهم لجزء من الكتلة النقديَّة من التداول، وقد اختلف الفقهاء في المال المزكَّى هل يعتبر كنزا أو لا يسمَّى كنزا بإخراج الزكاة؟.
__________
(1) عليه: القاموس الاقتصادي، مرجع سابق، ص24.
(2) المرجع نفسه، ص62.
(3) {وَالذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ اَلِيمٍ ... } سورة التوبة، آية 34. (1/303)
صفحة 304
وقبل بيان أقوال الفقهاء في ذلك، ينبغي بيان تطوُّر معنى الاكتناز بتطوُّر دور النقود في الحياة الاقتصاديَّة، وإذ لم تكن النقود ـ التي تسكُّ نقودا ذهبيَّة أو فضِّيَّة أو من معادن أخرى ـ تتداول على نطاق وأسع في العهد الإسلامي الأَوَّل، فقد كانت المقايضة هي الأسلوب السائد في المبادلات. كما كان الاقتصاد اقتصادا زراعيًّا بالدرجة الأولى، كما أنَّ الحاجات الإنسانيَّة لم تكن متنوِّعة متعدِّدة كما هي الآن، كلُّ هذه العوامل جعلت النقود لا تؤدِّي الوظيفة الحسَّاسة التي أصبحت تؤدِّيها الآن، إذ هي العصب الرئيسيُّ للاقتصاد المعاصر، فحبسها عن التداول يؤدِّي إلى ضرر اقتصاديٍّ بالغ.
لذلك كانت نظرة المفسِّرين القدامى وجمهور الفقهاء إلى الاكتناز من الجانب الدينيِّ، فقد أكَّدوا أنَّ المال إذا أدِّيت زكاته ليس بكنز، قال ابن عمر: «ما أُدِّي زكاته فليس بكنز، وان كان تحت سبع أرضين، وكل ما لم تؤدَّ زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض» (1). غير أنَّ هناك من الصحابة من يرى خلاف ذلك، فهذا الإمام عليُّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهه يقول: «ما كثر من المال فهو كنز، وإن أدَّيت زكاته» (2). فهو لم يحدِّد هذه الكثرة بمعيار مضبوط، إلاَّ أنَّ هناك من يذهب إلى التشديد أكثر، فيرى أنَّ ما فضل عن حاجة الإنسان فهو كنز يجب التصدُّق به، فقد روي عن الصحابيِّ الجليل أبي ذرٍّ الغفاريِّ: «الكنز ما فضل عن الحاجة» (3).
وإذا أخذنا برأي الجمهور، فالمال المكنوز سيتناقص بالتدريج بالزكاة وسيزول لا محالة من يد صاحبه، فمن حكمة تشريع الزكاة تحفيز الاستثمار ومنع الاكتناز، وإيجاب الزكاة في المال النامي بالقوَّة أو بالفعل يَدُلُّ دلالة قاطعة على محاربة اكتناز النقود وتجميدها وتعطيل وظائفها، إذ إنَّ النقود مال نام حكما بالقوَّة (4)، وإيجاب الزكاة فيه ولو لم يكن لها نماء بالفعل مدعاة لعدم اكتنازها.
__________
(1) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق، مج4، ص80.
(2) المصدر نفسه والصفحة نفسها.
(3) المصدر نفسه والصفحة نفسها.
(4) القرضاوي: فقه الزكاة، مرجع سابق، ج1، ص142. (1/304)
صفحة 305
وقد اتَّجه التشريع الإسلاميُّ إلى تحريم كلِّ ما يمنع ويصدُّ عن الإنتاج، ويعيق التنمية، وليس كنز المال فحسب، فقد منع الفقهاء أيضا تحجير الأرض من أجل إحيائها أكثر من ثلاث سنين، فإن لم يستثمرها يحقُّ لوليِّ الأمر أخذها منه ودفعها لمن يحييها (1).
مضارُّ الاكتناز:
إنَّ الاكتناز يقلِّل من الرزق وفرص الكسب، فبقاء الأموال مسحوبة من التداول تشكِّل خطرا على الاقتصاد، فعدم تداول النقود يُوقف عجلة التنمية، وهو ما ينتج عنه انخفاض مستوى المعيشة، وانتشار البطالة، وضعف القدرة الشرائيَّة تؤثِّر في تقليل الإنتاج، وبالقضاء على الاكتناز تتدفَّق الأموال على جميع مجالات الإنتاج (2)، فحبسه تعطيل لوظيفته في توسيع ميادين التنمية.
ويعتبر كتاب طاهر بن الحسين (3) إلى ابنه عبد الله أحسن بيان في مضارِّ الاكتناز: «واعلم أنَّ الأموال إذا كنزت وادُّخرت في الخزائن لا تنمو، وإذا كانت في صلاح الرعيَّة وإعطاء حقوقهم، وكفِّ الأذية عنهم نمت وزكت وصلحت به العامَّة، وبرحت به الولاية، وطاب به الزمان، واعتقد فيه العزُّ والمنفعة، فليكن كنز خزانتك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله» (4).
كما صوَّر الإمام الغزاليُّ النقدين حاكما بين المسلمين، نظرا للوظيفة التي تقوم بها النقود في المبادلات، وإنَّ اكتنازهما كمن حبس الحاكم عن القيام بمهامِّه المنوطة به، يقول: «فكلُّ من عمل فيهما ـ النقدين ـ عملا لا يليق بالحكم بل يخالف الغرض المقصود بالحكم، فقد كفر نعمة الله فيهما ... فإنَّ من كنزهما فقد ظلمهما، وكان
__________
(1) انظر المبحث الثالث من الفصل الرابع من الرسالة، ص241.
(2) الخالدي: سوسيولوجيا الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص62.
(3) طاهر بن الحسين: مشهور بكتابه الذي أرسله إلى ابنه عبد الله لَمَّا ولاَّه المأمون على مصر.
(4) ابن خلدون: المقدِّمة، مرجع سابق، ص546. (1/305)
صفحة 306
كمن حبس حاكم المسلمين في سجن يمتنع عليه الحكم بسببه، لأَنَّهُ إذا كنز فقد ضيَّع الحكم، ولا يحصل الغرض المقصود به» (1).
ويستطرد في بيان وظيفة النقود: «وما خلقت الدراهم والدنانير لزيد أو عمرو خاصَّة، إذ لا غرض للآحاد في أعيانهما، فإنَّهما حجران، وإنَّما خلقا لتتداولهما الأيدي، فيكونا حاكمين بين الناس، وعلامة معرفة المقادير، ومقوِّمة للمراتب» (2).
فهل يبقى لنا الآن القول بأنَّ تكديس الأموال ـ وإن أدِّيت زكاته ـ ليس بالكنز الذي وعد الله أصحابه بأشدِّ أنواع العذاب؟.
وخلاصة القول: إنَّ الاكتناز يشمل منع الزكاة وحبس المال، فمنع الزكاة منع للإنفاق في سبيل الله، وحبس المال تجميد وإخلال بوظائفه التي خلق من أجلها، وهي التداول والدوران.
المطلب الثالث: الاكتناز في الاقتصاد الوضعي:
يرى الاقتصاد الوضعيُّ أنَّ الاكتناز هو الادِّخار العقيم، لأَنَّهُ سحب النقود من التداول، فهو يحرم الاقتصاد جزءًا من الكتلة النقديَّة، فيؤثِّر سلبا على سوق المبادلات.
ويرتفع مستوى الاكتناز عند انخفاض أسعار الفائدة، إذ تغدو غير مشجِّعة على الاستثمار، أو في حالة عدم الاستقرار السياسيِّ والاجتماعيِّ، فيفضِّل الأفراد اكتناز النقود إحجاما عن المخاطرة بها في ظلِّ تلك الظروف.
وقد حاول بعض الاقتصاديِّين معالجة ظاهرة الاكتناز باقتراح تحديد مدَّة صلاحيَّة النقود، ومن ثَمَّ فقد قيمتها بعد مضيِّ مدة معيَّنة من الزمن
__________
(1) الإمام أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، كتاب الشكر، ج4، ص91 - 92.
(2) المرجع نفسه، والصفحة نفسها. (1/306)
صفحة 307
فتبطل صلاحيَّتها للادِّخار والكنز، وتسمَّى هذه العملة المقترحة بالعملة الدائبة (1).
كما اقترح بعضهم فكرة أخرى، وهي فرض «دمغة» أي ضريبة شهريَّة على كلِّ ورقة نقدية، حَتَّى يحاول كلُّ من يحوزها في يده التخلُّص منها قبل نهاية الشهر وهذا يؤدِّي إلى نشاط التبادل واتِّساع حركة التداول، وإنعاش الاقتصاد بوجه عامٍّ (2).
ولو قارنَّا بين هذه الحلول المقترحة، والتي واجهت صعوبات على أرض الواقع، وبين العلاج الإسلاميِّ، لوجدنا الحلَّ الإسلاميَّ حلاًّ واقعيًّا، ينبع من عقيدة المسلم وإيمانه، وذلك على صعيدين:
أ) فالإسلام يحرِّم الاكتناز، ويعد الكانزين بأشدِّ العقاب، كما يحثُّ على الإنفاق والصدقات والاستثمار.
ب) طريقة عمليَّة بسيطة تقاوم الاكتناز، وهي فرض 2.5 % كزكاة على الأموال، مِمَّا يحفِّز الإنسان حفزا إلى تنمينها واستغلالها، حَتَّى تنمو فعلا، وتدرَّ دخلا منتظما، وإلاَّ أكلتها الزكاة بمرور الأيَّام (3).
المطلب الرابع: الادِّخار وعاء الاستثمار:
بيَّنَّا الفرق الجوهريَّ بين الادِّخار والاكتناز، وذكرنا مضارَّ الاكتناز وحكم الإسلام فيه، فما هو موقف الإسلام من الادِّخار؟.
لقد وضع الإسلام القواعد التي تنظِّم الادِّخار على النحو التالي (4):
__________
(1) القرضاوي: مجلَّة الاقتصاد الإسلامي، سنة87، ع. 68،، 6/ 297.
(2) محمود أبو السعود: خطوط رئيسيَّة في الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص42.
(3) القرضاوي: مجلَّة الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص297.
(4) حسين شحاته: اقتصاديات البيت المسلم، مرجع سابق، ص53. (1/307)
صفحة 308
1) ادِّخار ما يفيض عن الحاجات الأساسيَّة:
إذا كان الإسلام يحثُّ على الاقتصاد في النفقة والوسطيَّة فيها، فَإِنَّهُ يحثُّ على ادِّخار ما يفيض عن الحاجات الأساسيَّة، فالرسول J يقول: «رحم الله امرءًا اكتسب طيِّبا وأنفق قصدا، وقدَّم فضلا ليوم فقره وحاجته» (1)، والمسلم يمرُّ بحالات الرخاء وسعة الرزق، كما يمرُّ بحالات شدَّة وضيق في الرزق، لذلك يجب أن يأخذ من وقت الرخاء لوقت الشدَّة، القول نفسه يقال على الادِّخار على مستوى الأمَّة.
فقد قصَّ لنا القرآن الكريم في سورة يوسف كيف وضع سيِّدنا يوسف خطَّة اقتصاديَّة لمواجهة الأزمة الغذائيَّة بسبب الجفاف الذي تنبَّأ به من خلال تعبيره لرؤيا الملك، فكان من بين الإجراءات التي اتَّخذها: الحدُّ من الاستهلاك، وادِّخار ما فضل عن الحاجة. يقول تعالى: {ثُمَّ يَاتِي مِنم بَعْدِ ذَالِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَاكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ} (2). والإحصان هو حفظ الشَّيْء بحرص شديد يكاد يبالغ بصاحبه حرصه على الشرف، وإذا تعلَّق هذا الحرص بالموارد الغذائيَّة فإنَّ الأمر لا يخرج عن مدلول الادِّخار بالتعبير الاقتصاديِّ (3).
2) الادّخار لصالح الأجيال القادمة:
يحثُّ الإسلام على أن يستشعر الوالدان على مستوى الأسرة، ووليُّ الأمر على مستوى الدولة، أنَّ للأجيال القادمة حقًّا في أموالهم، فلا يبذِّروا ولا يسرفوا في استنزاف خيرات الأسرة والأمَّة، وأن يضعوا في حسبانهم الاستثمار والادِّخار لصالح الأجيال اللاحقة، ولقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك: {وَالذِينَ جَآءُوا مِنم بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الذِينَ سَبَقُونَا بِالاِيمَانِ} (4).
__________
(1) منتخب كنز العمَّال، بهامش مسند الإمام أحمد بن حنبل، مرجع سابق، مج2، ص208.
(2) سورة يوسف، آية 48.
(3) سمير نوفل: مجلَّة الاقتصاد الإسلامي، ع57، سنة 86، 5/ 360.
(4) سورة الحشر، آية 10. (1/308)
صفحة 309
وقد كان من أسباب عدم تقسيم سيِّدنا عمر بن الخطَّاب لأراضي الفتوحات أَنَّهُ رأى لو قسِّمت لَمَا وجد لمن يأتي من بعد أرضا ولا خراجا (1).
والسنَّة النبويَّة حافلة بالأحاديث التي تؤكِّد ذلك، منها قول الرسول J : « إنَّك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكفَّفون الناس» (2).
وفي ذلك تحسيس للآباء بأن يدَّخروا لأبنائهم من بعدهم، وهكذا تتواصل الأجيال، ويترحَّم بعضهم على بعض. وفي ذلك حثٌّ على عدم الإسراف والتبذير وتبديد الأموال في الحاجات الآنيَّة.
هكذا تتجلَّى لنا صورة الادِّخار في الإسلام على مستويين:
1 - ادِّخار لمواجهة الطوارئ، والتحسُّب لتقلُّبات الدهر.
2 - ادِّخار لصالح الأجيال القادمة على مستوى الأسرة والأمَّة، ولا يتأتَّى ذلك بتكديس الأموال في الخزائن وإنَّما بإنشاء وإقامة المشاريع الاقتصاديَّة التي تدرُّ إيراداتها على الأجيال القادمة.
وإذا كان الادِّخار وعاء الاستثمار ـ كما أشرنا ـ فعلى وليِّ الأمر تشجيع الأفراد عليه، وإبراز فوائده، بفتح صناديق للادِّخار على الطريقة الإسلاميَّة الخالية من الربا. أو القيام بالادِّخار الإجباريِّ باقتطاع جزء من أجور الموظَّفين والعمَّال، واستثماره في المشاريع الإنمائيَّة، ثُمَّ إعادته إليهم في صورة تحويلات المعاش حين بلوغهم سنَّ التقاعد.
ولقد سنَّت النظم الوضعيَّة أنواعا من الادِّخار، فلا بأس للاقتصاد الإسلاميِّ أن يستفيد من هذه الأساليب والنظم المتطوِّرة شرط أن يخلِّصها من شائبة الربا القائمة عليه.
__________
(1) انظر المبحث الرابع من الفصل الثالث من هذه الرسالة، ص205.
(2) أخرجه البخاريُّ، كتاب الوصايا، ج5، ص363، رقم 2742. (1/309)
صفحة 310
خلاصة الفصل الخامس:
بعد استعراض نظريَّة التوزيع في الاقتصاد الإسلاميِّ، نصل إلى النتائج الآتية:
- أوَّلاً: ينظر الاقتصاد الإسلاميُّ إلى عمليَّة التوزيع بنظرة شاملة ومميَّزة عن النظم الوضعيَّة. فالتوزيع يتمُّ على مستويين:
1 - مستوى توزيع مصادر الإنتاج.
2 - مستوى توزيع الثروة المنتجة.
فالمستوى الأَوَّل لا تدرجه النظم الوضعيَّة ضمن نظريَّة التوزيع، فالرأسمالية تترك ذلك لمبادرة الأفراد والشركات الاحتكاريَّة، بينما الاشتراكيَّة تجعل مصادر الإنتاج تحت تصرُّف الدولة، بينما الإسلام أولى عناية فائقة بهذا الجانب من التوزيع الذي يسبق الإنتاج. فنظَّم ملكيَّة وسائل الإنتاج من أراضي ومعادن وغيرها من الثروات المبثوثة في الطبيعة، فالانحراف في التوزيع يبدأ من كيفيَّة ملكيَّة وسائل الإنتاج.
- ثانيا: وضع الاقتصاد الإسلامي معايير للتوزيع تتَّفق مع طبيعة الإنسان، وتنسجم مع هدفه في الحياة، فالمعيار الأَوَّل والأساسيُّ هو العمل، ثُمَّ يليه في الترتيب معيار الحاجة، الذي ينال بموجبه كلُّ فرد في المجتمع حقَّه من خيرات الأمَّة.
- ثالثا: يستقي الاقتصاد الإسلاميُّ أسسه ومبادئه من تطبيقات الرسول J ، ومن اجتهادات الصحابة رضوان الله عليهم، ومنهم الخليفة عمر بن الخطَّاب، الذي أرسى منهجا مثاليًّا في التوزيع، ينبغي على فقهاء الاقتصاد الإسلاميِّ في الوقت الحاضر دراسته وإسقاطه على الواقع المعيش.
- رابعا: إنَّ التكافل الاجتماعيَّ في الإسلام هو تطبيق وتنفيذ لمعيار الحاجة في نظريَّة التوزيع الذي يتمُّ ضمن دوائر متكاملة، من الأسرة إلى المجتمع إلى الدولة. (1/310)
صفحة 311
- خامسا: إنَّ الإنفاق في الإسلام لا يعني فقط التصدُّق على الفقراء والمساكين، بل مفهومه يتَّسع في الاقتصاد الإسلامي ليشمل ما ينفقه وليُّ أمر المسلمين، إمَّا على سبيل توفير حدِّ الكفاية، أو الإنفاق على المرافق العامَّة، أو التكفُّل بالحاجات العامَّة للأفراد، كما يشمل أيضا إنفاق الأفراد، سواء أكان إنفاقا استهلاكيًّا على النفس والعيال والقرابة، أم إنفاقا استثماريًّا في إقامة المشاريع الإنمائيَّة.
فهذا المفهوم الشامل للإنفاق يجعله من صميم عقيدة المسلم التي تؤكِّد أنَّ المال مال الله، والبشر مستخلفون فيه.
وهذا المفهوم لا نجده في النظم الوضعيَّة التي ترى الإنفاق من جانبه المادِّيِّ النفعيِّ.
- سادسا: بقدر ما حارب الإسلام الاكتناز، وتوعَّد المكتنزين بأشدِّ العذاب لما يسبِّب من أضرار اجتماعيَّة واقتصاديَّة، بقدر ما شجَّع الادِّخار، الذي هو وعاء الاستثمار، حيث تتجمَّع الأموال لتنطلق من جديد في دائرة الإنتاج.
ونلاحظ أنَّ النظم الوضعيَّة تلتقي مع الاقتصاد الإسلاميِّ في نظرتها إلى الاكتناز، فتسمِّيه: الادِّخار العقيم، إلاَّ أنَّهما يختلفان في طرق محاربته ومكافحته.
k (1/311)
صفحة 312
[صفحة بيضاء] (1/312)
صفحة 313
- ... -
الخاتمة
- ... - (1/313)
صفحة 314
[صفحة بيضاء] (1/314)
صفحة 315
بعد البحث والاستقصاء في نظريَّة الاستخلاف وأثرها على وظيفة المال، لا أدَّعي أنِّي قد أعطيت الموضوع ما يستحقُّه من بحث وتمحيص، فبضاعتي قليلة، وتجربتي قصيرة، بل لا يزال الموضوع في حاجة إلى مزيد من البحث وتسليط الأضواء على مختلف جوانبه، ذلك أنَّ البحث في الاقتصاد الإسلاميِّ بصفة عامَّة مازال بكرا، رغم العشرات بل المئات من البحوث والرسائل الجامعيَّة التي قُدِّمت، وحاولت الكشف عن الجانب الاقتصاديِّ للشريعة الإسلاميَّة، التي هي الأساس الذي يعتمد عليه وجود الاقتصاد الإسلاميِّ، فهي تقدِّم للنظام الاقتصاديِّ الإسلاميِّ مذهبه الذي يحدِّد فلسفة النظام وأسسه وغايته.
إنَّ نظريَّة الاستخلاف تعتبر سلسلة من حلقات ارتباط الشريعة الإسلاميَّة بالاقتصاد الذي هو جزء من النظام الإسلاميِّ الشامل لجميع مجالات الحياة: الفكريَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة.
لقد توصَّلت إلى نتائج أرجو أن يستفيد منها الباحثون في مجال الفكر الإسلاميِّ، الذي يجب أن تُعاد قراءته بنظرة عصريَّة، فعلى العاملين في مجال الدعوة التركيز على نظرة الإسلام إلى المال، باعتبارها جزءا من العقيدة الصحيحة، كما ألفتُ انتباه من بيدهم اتِّخاذ القرارات الاقتصاديَّة إلى أنَّ الإسلام يقدِّم الحلول لكُلِّ المشاكل التي تتخبَّط فيها الاقتصاديَّات العصريَّة.
ويمكن حصر النتائج كالآتي:
1 - إنَّ نظريَّة الاستخلاف جزء من عقيدة المسلم التي يجب أن تتأصَّل في القلوب، وتُترجم إلى سلوك عمليٍّ، فهي صمام أمان يربط السلوك الاقتصاديَّ الفرديَّ والجماعيَّ بتعاليم المستخلِف عزَّ وجلَّ. فإذا استقرَّت هذه العقيدة في النفوس وتمكَّنت من القلوب تغيَّرت نظرة الناس إلى المال المثقلة بالمادِّيَّة الضيِّقة لتتَّسع في رحاب المفهوم الإسلامي. (1/315)
صفحة 316
2 - إنَّ الاستخلاف والأمانة التي تحمَّلها الإنسان هما وجهان لعملة واحدة، فالإنسان استُخلف على الأرض ليتحمَّل المسؤوليَّة، وليحقِّق الغاية من وجوده، وهي عبادة الله.
3 - من الأصول العامَّة التي ينبني عليها الاقتصاد الإسلاميُّ أنَّ المال مال الله، والبشر مستخلفون فيه. فهذا الأصل له تأثير إيجابيٌّ هامٌّ على تملُّك المال وإنتاجه وتوزيعه واستهلاكه. بينما الاقتصاديَّات الوضعيَّة أبعدت العقيدة عن الاقتصاد، فأفرزت وضعا قلقا مضطربا متغيِّرا.
4 - يقتضي الاستخلاف أن يتحمَّل الإنسان نتائج أعماله، فهو يخضع لسنن كونية بغير إرادة منه، فينبغي له أن يخضع أيضا في سلوكه ـ بإرادة منه ـ إلى شريعة ربَّانيَّة، فحتَّى تتمَّ محاسبته محاسبة شخصيَّة، فقد زوَّده خالقه بالعقل المميِّز، ليختار منهجه بحرِّيَّة وإرادة منه.
5 - حدَّد المستخلِف ضوابط واضحة ومعالم بارزة تسيِّر الإنسان على هديها، ويمكن ضبطها على صعيدين:
أ) على الصعيد العامِّ، وهي الضوابط التي يتقيَّد بها الإنسان بصفته خليفة الله في أرضه.
ب) على الصعيد الخاصِّ، بصفته مالكا للمال ـ وهو مدار بحثنا ـ وعلى ضوء هذه الضوابط يمكن تقسيم الاستخلاف إلى استخلاف عامٍّ واستخلاف خاصٍّ، فالخاصُّ يشمل فيما يشمل الاستخلاف على الأموال.
6 - نظريَّة الاستخلاف نظريَّة أصيلة، يتبلور مفهومها من القرآن الكريم الذي أكَّد عليها، فنفيها يصطدم مع كثير من الآيات التي جاءت لتقرِّرها، وتلحُّ عليها، وتظهرها بصورة لا غموض فيها ولا إبهام.
7 - الملكيَّة في الإسلام منحة إلهيَّة ذات طبيعة استخلافيَّة، يتحدَّد مفهومها في (1/316)
صفحة 317
علاقة ثابتة بين البشر وخالقهم، وتقوم بوظائفها في إطار الأهداف التي رسمها المالك الحقيقيُّ.
أَمَّا الملكيَّة في النظم الوضعيَّة فتقوم ضمن العلاقة بين البشر أنفسهم، وتتغيَّر طبيعتها حسب تغيُّر تلك النظم.
8 - نظرة الإسلام إلى المال تنبع من نظرته إلى الإنسان ذاته كخليفة، وتعطيه أبعادا متعدِّدة متكاملة شاملة.
9 - بناء على أنَّ الملُك الحقيقيَّ لله فوسائل كسب المال محدَّدة من مصادر التشريع الإسلاميِّ، وما عداها فسُحت واغتصابٌ وأكلٌ لأموال الغير بالباطل.
10 - يقوم الاقتصاد الإسلاميُّ على ازدواجيَّة الملكيَّة: عامَّة وخاصَّة، استجابة للفطرة الإنسانيَّة في حبِّ التملُّك، لكن أحاطها التشريع الإسلاميُّ بجملة من الضوابط لتقوم بهدفها في إطار خلافة الإنسان.
والوقائع التاريخيَّة تَدُلُّ على وجود الملكيَّة العامَّة منذ بناء الدولة الإسلاميَّة في المدينة على يد الرسول J ، وهي تعكس الواقع الاقتصاديَّ لتلك الفترة، فقد حدَّد التشريع الإسلاميُّ دورها وأهدافها، ووليُّ الأمر هو المسؤول عن الملكيَّة العامَّة، وإذا اختلف الفقهاء في شكل ملكيَّة بعض الأموال، فإنَّ ذلك يَدُلُّ على سعه ومرونة الشريعة الإسلاميَّة. إلاَّ أنَّ معيار التفرقة بين الملكيَّتين يبقى هو الحكَم في ذلك.
11 - إنَّ الحاكم في ظلِّ الإسلام يستمدُّ مشروعيَّته من الله أوَّلا، الذي هو مالك الملك، وعليه أن يلتزم بتعاليمه، ثُمَّ من الرعيَّة الذين أبرم معهم عقد الإمامة، فعليه تحقيق مصالح الأمَّة بما يتَّفقُ ومقتضى الشرع.
12 - حدَّد الفقهاء وظائف النقود بدقَّة قبل بروز الاقتصاد الحديث بقرون، ووضعوا كلَّ الإجراءات لحمايتها والمحافظة على قيمتها وقوَّتها الشرائيَّة، وأكَّدوا على اختصاص وليِّ الأمر بسكِّها وتداولها. (1/317)
صفحة 318
لا يؤيِّد الفقه الإسلاميُّ أسلوب التمويل بالعجز، الذي تستعمله الدول في الوقت الحاضر كنوع من الإيرادات لتغطية العجز في موازينها؛ لأَنَّهُ يؤدِّي إلى التضخُّم، وفي ذلك ضرر جسيم باقتصاد الأمَّة، فلا ضرر ولا ضرار في الإسلام.
13 - ومن أوكد وظائف وليِّ الأمر: تحقيق التوازن الاقتصاديِّ، ويقاس مدى التقدُّم لدولة ما بمدى تحقيق حدِّ الكفاية للأفراد، والوفاء بالحاجات العامَّة.
ومن مهامِّ وليِّ الأمر مراقبة الملكيَّة الفرديَّة، وتتمثل هذه المهمَّة في المظاهر الآتية:
أ - الحسبة.
ب - التحجير.
ج - نزع الملكيَّة الخاصَّة لمصلحة عامَّة.
14 - إنَّ العلاقة بين الاستخلاف والعمارة علاقة تلازميَّة، فلا استخلاف بلا عمارة، كما لا عمارة ـ مهما كانت نتائجها المادِّيَّة ـ بدون ارتباطها بالرسالة الاستخلافيَّة.
فقد سبق الإسلام بالدعوة إلى العمارة من خلال النصوص الشرعيَّة وتوجيهات ولاة أمور المسلمين وكتابات الفقهاء والمفكِّرين، وإن أخذت مفهوما ومصطلحا متميِّزا، إلاَّ أَنَّهَا تنفي الزعم بأنَّ التنمية الاقتصاديَّة هي وليدة النهضة الأوروبيَّة.
15 - تتميَّز العمارة بخصائص لا نظير لها في النظم الأخرى، مِمَّا يضفي عليها طابع الشموليَّة والتوازن بين كافة مهامِّ الإنسان، المادِّيَّة والروحيَّة، فالعمارة ليست نتاجا مادِّيًّا فحسب، بل هي عبادة من أَجَلِّ العبادات إلى جانب كونها فريضة لا تقلُّ شأنا عن الفرائض الأخرى.
16 - وضع الاقتصاد الإسلاميُّ معايير للتوزيع تتَّفق مع طبيعة الإنسان، وتنسجم مع هدفه في الحياة، فالمعيار الأَوَّل والأساسيُّ هو العمل، ثُمَّ يليه في الترتيب معيار الحاجة، الذي ينال بموجبه كلُّ فرد في المجتمع حقَّه من خيرات الأمَّة. (1/318)
صفحة 319
17 - يستقي الاقتصاد الإسلاميُّ أسسه ومبادئه من تطبيقات الرسول J ، ومن اجتهادات الصحابة رضوان الله عليهم، ومنهم الخليفة عمر بن الخطَّاب الذي أرسى منهجا مثاليًّا في التوزيع، ينبغي على فقهاء الاقتصاد الإسلاميِّ في الوقت الحاضر دراسته وإسقاطه على الواقع المعيش.
18 - إنَّ التكافل الاجتماعيَّ في الإسلام هو تطبيق وتنفيذ لمعيار الحاجة في نظريَّة التوزيع، الذي يتمُّ ضمن دوائر متكاملة من الأسرة إلى المجتمع إلى الدولة.
19 - الإنفاق في الإسلام لا يعني فقط التصدُّق على الفقراء والمساكين، بل مفهومه يتَّسع في الاقتصاد الإسلاميِّ ليشمل ما ينفقه وليُّ الأمر إمَّا على سبيل توفير حدِّ الكفاية، أو الإنفاق على المرافق العامَّة، أو التكفُّل بالحاجات العامَّة للأفراد، كما يشمل إنفاق الأفراد سواء أكان إنفاقا استهلاكيًّا على النفس والعيال والقرابة أم إنفاقا استثماريًّا في إقامة المشاريع الإنمائيَّة، فهذا المفهوم الشامل للإنفاق يجعله من صميم عقيدة المسلم التي تؤكِّد على أنَّ المال مال الله والبشر مستخلفون فيه، وهو ما لا يوجد في الاقتصاد الوضعيِّ.
20 - بقدر ما حارب الإسلام الاكتناز وتوعَّد المكتنزين بأشدِّ العذاب لما يسبِّبه من أضرار اقتصاديَّة واجتماعيَّة، بقدر ما شجَّع الادِّخار الذي هو وعاء الاستثمار، حيث تتجمَّع الأموال لتنطلق من جديد في دائرة الإنتاج.
ونلاحظ أنَّ الاقتصاد الوضعيَّ يلتقي مع الاقتصاد الإسلاميِّ في نظرته إلى الاكتناز، فيسمِّيه بالادِّخار العقيم، إلاَّ أنَّهما يختلفان في طرق محاربته ومكافحته.
التوصيات:
باستعراض أهمِّ نتائج البحث أكون قد أشرفت على نهاية جولتي في مضمار الموضوع، وأغتنم هذه الفرصة لأقدِّم التوصيات الآتية: (1/319)
صفحة 320
- إلى الباحثين ..
ألفت الانتباه إلى أنَّ التحدِّي الذي يواجه المسلمين في الوقت الحاضر هو التحدِّي الاقتصادي بالدرجة الأولى، فقد أشهر الغرب هذا السلاح من خلال أنظمته الماليَّة، فعلى الباحثين إظهار موقف الإسلام من جميع القضايا الاقتصاديَّة المطروحة، وبيان أَنَّهُ قادر على مقابلة هذا التحدِّي بنظام إسلاميٍّ شامل لِكُلِّ نواحي الحياة .. بدلا من طرح المواضيع التي أشبعت بحثا وتحميصا.
- إلى المعاهد والجامعات الإسلاميَّة ..
- فتح تخصُّصات لدراسة الاقتصاد الإسلاميِّ دراسة مقارنة مع علم الاقتصاد الوضعيِّ، كما هو حاصل في بعض الأقطار العربيَّة والإسلاميَّة، حيث يتحصَّل الطالب على المعرفة العلميَّة لعلم الاقتصاد إلى جانب تضلُّعه في العلوم الشرعيَّة.
- عقد ندوات ولقاءات لطرح المشاكل الاقتصاديَّة التي تواجه اقتصادنا من منظور إسلاميٍّ.
- تزويد المكتبات بالمصادر والمراجع في هذا التخصص، فلا يمكن تصوُّر خلوُّ مكتبة لجامعة إسلاميَّة من مصادر مثل: الأموال لأبي عبيد، والخراج لأبي يوسف، وغيرهما من المراجع المهمَّة.
- إلى رجال الاقتصاد والسياسة ..
إنَّ من أسباب تخلُّف الأمَّة الإسلاميَّة استيرادها لأفكار وأنظمة الغير، ولنا في الإسلام غناء في كلِّ المجالات، خاصَّة من الناحية الاقتصاديَّة، فلو طبِّقت النظريَّة الإسلاميَّة للاقتصاد لضمنَّا تنمية اقتصاديَّة حقيقيَّة، ومجتمعا إسلاميًّا يسوده الرخاء والاستقرار.
والحمد لله والصلاة والسلام على رسوله أوَّلاً وآخرا. (1/320)
صفحة 321
- ... -
الفهارس
- فهرس المصادر والمراجع.
- فهرس الآيات القرآنية الكريمة.
- فهرس الأحاديث النبويَّة الشريفة.
- فهرس موضوعات الرسالة.
- ... - (1/321)
صفحة 322
[صفحة بيضاء] (1/322)
صفحة 323
فهرس المصادر والمراجع
- القرآن الكريم: كتاب الله عزَّ وجلَّ.
- إبراهيم؛ أحمد داود:
1 - محاضرات في الاقتصاد الجزئي، المؤسَّسة الوطنيَّة للكتاب - الجزائر، 1984.
- ابن أبي الدنيا؛ أبو بكر:
2 - إصلاح المال، تحقيق: مصطفى مفلح القضاة، دار الوفاء للطباعة - المنصورة (مصر)، ط1، بدون تاريخ.
- ابن تيمية؛ تقي الدين أحمد:
3 - السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعيَّة، قصر الكتاب، البليدة (الجزائر).
- ابن حزم؛ أبو محَمَّد علي بن أحمد:
4 - المحلَّى بالآثار، دار الكتب العلميَّة - بيروت.
- ابن خلدون؛ عبد الرحمن:
5 - المقدِّمة، دار الكتاب اللبناني - بيروت، 1982.
- ابن سعد الواقدي:
6 - الطبقات، مؤسَّسة النصر- طهران، سنة 1321هـ.
- ابن عابدين؛ محَمَّد أمين:
7 - حاشية ردِّ المحتار على الدرِّ المختار.
- ابن عاشور؛ محَمَّد الطاهر:
8 - مقاصد الشريعة الإسلاميَّة، مكتبة الاستقامة - تونس، ط1، 1366هـ.
- ابن عاشور محَمَّد الفاضل:
9 - روح الحضارة الإسلاميَّة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي. (1/323)
صفحة 324
- ابن كثير؛ أبو الفداء إسماعيل:
10 - تفسير ابن كثير، دار الأندلس - بيروت، ط8، 1406هـ/1986م.
- ابن منظور:
11 - لسان العرب المحيط، دار الجيل - بيروت، 1408هـ/1988م.
- أبو بكر متولي، شوقي شحاتة:
12 - اقتصاديَّات النقود، مكتبة وهبة - القاهرة، ط1، 1403هـ/1983م.
- أبو داود؛ سليمان بن الأشعث:
13 - سنن أبي داود، مكتبة مصطفى البابي الحلبي - القاهرة، 1371هـ/ 1952م.
- أبو زهرة؛ محَمَّد:
14 - تنظيم الإسلام للمجتمع، دار الفكر العربي - القاهرة.
- أبو السعود؛ محمود:
15 - خطوط رئيسيَّة في الاقتصاد الإسلاميِّ، الاتِّحاد الإسلامي للمنظمات الطلاَّبيَّة - الكويت، 1398هـ/1978م.
- أبو العبَّاس؛ أحمد بن محَمَّد:
16 - القسمة وأصول الأرضين، تحقيق وتقديم: الدكتور محَمَّد ناصر والشيخ بالحاج بكير. مكتبة الضامري - عُمان، ط1، 1414هـ/1994م.
- أبو عبيد؛ القاسم بن سلام:
17 - الأموال، مؤسَّسة ناصر للثقافة - بيروت.
- أبو يوسف؛ يعقوب بن إبراهيم:
18 - الخراج. دار الحداثة - بيروت، ط1، 1990م.
- أحمد؛ يوسف:
19 - القيم الإسلاميَّة في السلوك الاقتصادي، دار العلوم، القاهرة، 1410هـ/1990م. (1/324)
صفحة 325
- الأصفهاني؛ الراغب:
20 - معجم مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق: نديم مرعشلي، دار الكتاب العربي - لبنان، 1972.
- بابلي؛ محَمَّد محمود:
21 - إعمار الأرض، المكتب الإسلامي، دمشق، ط1، 1408هـ/1988م.
22 - الكسب والإنفاق، المكتب الإسلامي، بيروت، ط1، 1409هـ/1988م.
- باقر الصدر؛ محمَّد:
23 - اقتصادنا، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ط1، 1411هـ/1981م.
-بسيوني؛ سعيد أبو الفتح محَمَّد:
24 - الحرِّيَّة الاقتصاديَّة في الإسلام، داو الوفاء، المنصورة (مصر)، ط1، 1408هـ/1988م.
- البعلي، عبد الحميد محمود:
25 - الملكيَّة وضوابطها في الإسلام، مكتبة وهبة - القاهرة، ط1، 1405هـ/1985م.
- بنك دبي الإسلامي:
26 - مجلَّة الاقتصاد الإسلامي، المجلَّدات 5 - 6 - 8 - 9، دولة الإمارات العربيَّة المتَّحدة.
- البهي الخولي:
27 - الثروة في ظلِّ الإسلام، دار القلم - الكويت، ط4، 1401هـ/1981م.
- البهي؛ محَمَّد:
28 - الدين والحضارة الإنسانيَّة، مكتبة الشركة الجزائريَّة، باب عزُّون (الجزائر).
- بيُّوض؛ إبراهيم بن عمر:
29 - في رحاب القرآن، تفسير سورة الإسراء، تحرير: عيسى بن محَمَّد الشيخ بالحاج، جمعيَّة التراث - القرارة (الجزائر)، ط2، بدون تاريخ. (1/325)
صفحة 326
30 - فتاوى الإمام الشيخ بيُّوض. تحقيق الشيخ بالحاج بكير. المطبعة العربيَّة - غرداية (الجزائر) 1988م.
- الجمال؛ محَمَّد عبد المنعم:
31 - موسوعة الاقتصاد الإسلامي، دار الكتاب المصري - القاهرة، ط2، 1406هـ/1986م.
- الحسب؛ فاضل عبَّاس:
32 - في الفكر الاقتصادي الإسلامي، عالم المعرفة - بيروت، ط2، 1401هـ/1981م.
- حسن صعب:
33 - إسلام الحرِّيَّة لا إسلام العبوديَّة، دار العلم للملايين - بيروت، ط3، 1981م.
- حسين عمر:
34 - موسوعة المصطلحات الاقتصاديَّة، دار الشروق - جدَّة، ط3، 1399هـ/1979م.
35 - نظريَّة القيمة، دار الشروق - جدَّة، ط6، 1402هـ/1982م.
- حوَّى؛ سعيد:
36 - الإسلام، شركة الشهاب - الجزائر، ط2، 1408هـ/1988م.
- الخالدي؛ محمود:
37 - سوسيولوجيا الاقتصاد الإسلامي، شركة الشهاب - الجزائر، 1989م.
38 - مفهوم الاقتصاد في الإسلام، شركة الشهاب - الجزائر.
- الخطيب؛ عبد الكريم:
39 - السياسة الماليَّة في الإسلام، دار الفكر القاهرة، ط3، 1976م.
- الدبو؛ إبراهيم فاضل:
40 - الضمان الاجتماعي في الإسلام، مطبعة الرشاد، بغداد، ط1، 1408هـ/1988م. (1/326)
صفحة 327
- الدريني؛ محَمَّد فتحي:
41 - الحقُّ ومدى سلطان الدولة في تقييده، مؤسَّسة الرسالة - بيروت، ط 2، 1397هـ/1977م.
- الدموهي؛ حمزة الجميعي:
42 - عوامل الإنتاج في الاقتصاد الإسلامي، دار التوزيع والنشر الإسلاميَّة - القاهرة، ط1، 1405هـ/1985م.
-رضا؛ محمَّد رشيد:
43 - تفسير المنار، دار المعرفة - بيروت.
-رضا؛ يوسف محَمَّد:
44 - دراسات في الاقتصاد السياسي، منشورات المكتبة العصريَّة - بيروت.
- رفعت المحجوب:
45 - الماليَّة العامَّة، دار النهضة العربيَّة - القاهرة، 1979م.
- رفيق المصري:
46 - أصول الاقتصاد الإسلامي، دار القلم - دمشق، ط2، 1413هـ/1993م.
- الريس؛ محَمَّد ضياء الدين:
47 - الخراج والنظم الماليَّة للدولة الإسلاميَّة، مكتبة دار التراث - القاهرة، ط5، 1985م.
- الزرقا؛ محَمَّد أنس:
48 - نظم التوزيع الإسلاميَّة، المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي - جدَّة.
- الزرقا؛ مصطفى أحمد:
49 - المدخل الفقهي العام، مطبعة جامعة دمشق، ط6، 1379هـ/1959م.
-الزمخشري: محمود بن عمر:
50 - الكشَّاف عن حقائق وغوامض التنزيل، دار الكتاب العربي - بيروت، ط3، 1407هـ/1987م. (1/327)
صفحة 328
- السنهوري؛ عبد الرزَّاق:
51 - الوسيط في شرح القانون المدني، دار إحياء التراث العربي - بيروت، 1967م.
- سوار؛ محَمَّد وحيد الدين:
52 - النزعة الجماعيَّة في الفقه الإسلامي، المؤسَّسة الوطنيَّة للكتاب - الجزائر، 1986م.
-سيِّد قطب:
53 - العدالة الاجتماعيَّة في الإسلام، دار الشروق - بيروت، 1394هـ/1974م.
54 - في ظلال القرآن، دار الشروق - بيروت، ط3، 1398هـ/1977م.
- شابرا؛ محَمَّد عمر:
55 - نحو نظام نقديٍّ عادل، دار البشير - الأردن، ط2، 1410هـ/1990م.
- الشاطبي؛ أبو إسحاق:
56 - الموافقات، دار المعرفة - بيروت، ط2، 1395هـ/1975م.
- شحاتة: حسين:
57 - اقتصاديات البيت المسلم، دار الطباعة والنشر الإسلاميَّة - القاهرة، بدون تاربخ.
-شلتوت؛ محمود:
58 - الإسلام عقيدة وشريعة. مطبوعات الإدارة العامَّة للأزهر - القاهرة. 1379هـ1959م.
- الشوربجي؛ البشري:
59 - التسعير في الإسلام، شركه الإسكندريَّة للطباعة، 1393هـ/1973م.
- شوقي؛ أحمد دنيا:
60 - الإسلام والتنمية الاقتصاديَّة، دار الفكر العربي - القاهرة، ط1، 1979م. (1/328)
صفحة 329
- الشيباني؛ محَمَّد بن الحسن:
61 - الاكتساب في الرزق المستطاب. تحقيق: محَمَّد عرنوس، دار الكتب العلميَّة - بيروت، ط1، 1406هـ/1986م.
- الصابوني؛ محمَّد علي:
62 - صفوة التفاسير، دار القرآن الكريم - بيروت، ط1، 1401هـ/1981م.
- طعيمة؛ صابر:
63 - الإسلام والتقدُّم الاجتماعي، المكتبة العصريَّة - بيروت ط2، 1973م.
- العبادي؛ داود عبد السلام:
64 - الملكيَّة في الشريعة الإسلاميَّة، مكتبة الأقصى - عمَّان، ط1، 1394هـ/1974م.
- عبد الباقي؛ محَمَّد فؤاد:
65 - المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، دار الريَّان للتراث، 1407هـ/1987م.
- عبد الجليل؛ محَمَّد علي:
66 - مبدأ المشروعيَّة في النظام الإسلامي، عالم الكتب - القاهرة، ط1، 1984م.
- عبد الستَّار؛ فتح الله سعيد:
67 - المعاملات في الإسلام، دار الطباعة والنشر الإسلاميَّة - القاهرة، ط2، 1406هـ.
- عبد المنعم؛ حسنين:
68 - الإنسان والمال في الإسلام، دار الوفاء - المنصورة (مصر)، ط1، 1407هـ/1986م.
- عبده؛ عيسى:
69 - الاقتصاد الإسلامي، مدخل ومنهاج، دار الاعتصام، القاهرة، 1974م.
- عيسى عبده، وأحمد إسماعيل يحيى:
70 - الملكيَّة في الإسلام، دار المعارف - مصر. (1/329)
صفحة 330
- عربي: خالد إبراهيم:
71 - نظرات في الاقتصاد الإسلامي، جمعيَّة الدعوة الإسلاميَّة - ليبيا، ط1، 1401هـ/1991م.
- العسقلاني؛ أحمد بن علي بن حجر:
72 - فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار الفكر -بيروت.
- عطيَّة؛ جمال الدين:
73 - النظريَّة العامَّة للشريعة الإسلاميَّة، ط1، 1407هـ/1988م.
- عطيَّة؛ عبد الواحد:
74 - دور السياسة الماليَّة، دار النهضة - القاهرة، 1993م.
- عطية؛ محيي الدين:
75 - الكشَّاف الاقتصادي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 1412هـ/1992م.
- عفر؛ محَمَّد عبد المنعم:
76 - النظام الاقتصادي الإسلامي، دار المجمع العلمي - جدَّة، 1399هـ/1979م.
- العقَّاد؛ عبَّاس محمود:
77 - الإنسان في القرآن الكريم، مكتبة رحَّاب - الجزائر.
- علال الفاسي:
78 - مقاصد الشريعة الإسلاميَّة ومكارمها، مكتبة الاستقامة - تونس، ط1، 1366هـ.
- علوان؛ عبد الله ناصح:
79 - التكافل الاجتماعي في الإسلام. دار السلام - القاهرة، ط5، 1409هـ/1989م.
- عليه؛ محمَّد بشير:
80 - القاموس الاقتصادي، المؤسَّسة العربيَّة للنشر - بيروت ط1، 1985م. (1/330)
صفحة 331
- عمرو محيي الدين، يسري عبد الرحمن أسد:
81 - مبادئ علم الاقتصاد، دار النهضة العربيَّة - القاهرة.
- عوده؛ عبد القادر:
82 - المال والحكم في الإسلام، دار الكتاب العربي - القاهرة، 1951م.
- الغزالي؛ أبو حامد محَمَّد بن محَمَّد:
83 - إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت.
- الغزالي؛ محَمَّد:
84 - الإسلام والأوضاع الاقتصاديَّة، مكتبة رحَّاب - الجزائر.
85 - عقيدة المسلم، دار الشهاب - الجزائر، 1985م.
- فخر الدين الرازي:
86 - التفسير الكبير، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط3.
- الفضل؛ منذر عبد الحسين:
87 - الوظيفة الاجتماعيَّة للملكيَّة الخاصَّة، ديوان المطبوعات الجامعيَّة - الجزائر.
- فكري؛ نعمان أحمد:
88 - النظريَّة الاقتصاديَّة في الإسلام، المكتب الإسلامي - بيروت، 1405هـ/1985م.
- الفنجري؛ محَمَّد شوقي:
89 - الإسلام وعدالة التوزيع، مطبوعات الاتِّحاد الدولي للبنوك الإسلاميَّة، ط1، 1402هـ/1982م.
90 - الإسلام والضمان الاجتماعي، الهيئة المصريَّة العامَّة للكتاب، ط3، 1990م.
91 - المذهب الاقتصادي في الإسلام، الهيئة المصريَّة العامَّة للكتاب، ط2، 1986م.
92 - الوجيز في الاقتصاد الإسلامي، دار الصحوة - القاهرة، ط1، 1405هـ/1985م. (1/331)
صفحة 332
- الفيروزآبادي:
93 - القاموس المحيط، مؤسَّسة الحلبي - القاهرة.
- القرشي؛ يحيى بن آدم:
94 - الخراج، دار الحداثة - بيروت، ط1، 1990م.
- القرضاوي؛ يوسف:
95 - فقه الزكاة، مؤسَّسة الرسالة - بيروت، ط6، 1401هـ/1981م.
- القرطبي؛ أبو عبد الله محَمَّد بن أحمد:
96 - الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب العلميَّة، بيروت، 1413هـ/1993م.
- قطب؛ إبراهيم محَمَّد:
97 - الماليَّة العامَّة للدولة الإسلاميَّة، دار الشباب - القاهرة، ط4، بدون تاريخ.
- قلعه جي؛ محَمَّد رواس:
98 - فقه عمر بن الخطَّاب، مكتبة الفلاح - الكويت، 1404هـ/1984م.
- الكفراوي؛ عوف محمود:
99 - النقود والمصارف في النظام الإسلامي، دار الجامعات المصريَّة، الإسكندريَّة، ط2، 1407هـ.
-كمال؛ يوسف:
100 - الإسلام والمذاهب الاقتصاديَّة المعاصرة. دار الوفاء، المنصورة (مصر)، ط1، 1986م.
101 - فقه الاقتصاد الإسلامي، النشاط الخاص، دار القلم - الكويت، ط1، 1408هـ/1988م.
102 - فقه الاقتصاد العام. ستابرس للطباعة والنشر (دون المكان)، ط 1، 1410هـ/1990م.
103 - فقه الاقتصاد النقدي، دار الهداية - دار الصابوني، ط1، 1414هـ/1993م (1/332)
صفحة 333
- مالك بن نبي:
104 - المسلم في عالم الاقتصاد، دار الفكر - الجزائر، ط3، 1407هـ/1987م.
- الماوردي؛ أبو الحسن علي بن محَمَّد:
105 - الأحكام السلطانيَّة والولايات الدينيَّة، تحقيق أحمد مبارك البغدادي، دار الوفاء - المنصورة، مكتبة دار ابن قتيبة - الكويت، ط3، 1409هـ/1989م.
- المبارك؛ محَمَّد:
106 - نظام الإسلام: الاقتصاد، دار الفكر - بيروت، ط3، 1401هـ/1981م.
-محده؛ محَمَّد:
107 - التركات والمواريث في الشريعة الإسلاميَّة، دار الطباعة الأوراسيَّة - باتنة.
- مدكور؛ محَمَّد سلام:
108 - معالم الدولة الإسلاميَّة، مكتبة الفلاح - الكويت، ط1، 1403هـ/1983م.
- مزيان؛ عبد المجيد:
109 - النظريَّات الاقتصاديَّة عند ابن خلدون، المؤسَّسة الوطنيَّة للكتاب - الجزائر، ط2، 1988م.
- مسلم؛ أبو الحسين بن الحجاج:
110 - الجامع الصحيح، مؤسَّسة دار التحرير - القاهرة، 1383هـ.
- المصري؛ عبد السميع:
111 - مقوِّمات الاقتصاد الإسلامي، مكتبة وهبة - القاهرة، ط4، 1411هـ/1990م.
- المقريزي؛ تقي الدين أحمد بن علي:
112 - تاريخ المجاعات في مصر، بدون دار الطبع ومكان النشر، 1956م.
- منذر؛ قحف:
113 - الاقتصاد الإسلامي، دار القلم - الكويت، ط1، 1399هـ/1979م. (1/333)
صفحة 334
- المودودي؛ أبو الأعلى:
114 - أسس الاقتصاد بين الإسلام والنظم المعاصرة، الدار السعوديَّة للنشر والتوزيع، 1408هـ/1988م.
- الموسوي؛ ضياء مجيد:
115 - لمحات في اقتصاديات الملكيَّة الخاصَّة في الفقه الإسلامي، ديوان المطبوعات الجامعيَّة - الجزائر.
- النبهان؛ محَمَّد فاروق:
116 - الاتِّجاه الجماعي في التشريع الاقتصادي الإسلامي، مؤسَّسة الرسالة - بيروت، ط3، 1405هـ/1985م.
117 - أبحاث، في الاقتصاد الإسلامي. مؤسَّسة الرسالة - بيروت، ط2، 1409هـ/1988م.
- نزيه حماد:
118 - معجم المصطلحات الاقتصاديَّة في لغة الفقهاء، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 1414هـ/1993م.
- هني؛ أحمد:
119 - العملة والنقود، ديوان المطبوعات الجامعيَّة - الجزائر.
- وزارة العدل:
120 - القانون المدني، ديوان المطبوعات الجامعيَّة - الجزائر.
- وَلَّعلو؛ فتح الله:
121 - الاقتصاد السياسي: توزيع المداخيل، دار الحداثة - بيروت، ط1، 1981م.
122 - الاقتصاد السياسي: مدخل للدراسات الاقتصادية، دار الحداثة - بيروت، ط2، 1982.
123 - الاقتصاد السياسي، دار الحداثة - بيروت، ط1، 1984م. (1/334)
صفحة 335
فهرس الآيات القرآنيَّة الكريمة
السورة ... رقم الآية ... نص الآية ... الصفحات
البقرة ... {هُوَ الذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فيِ الاَرْضِ جَمِيعًا}. ... 112
البقرة ... {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فيِ الاَرْضِ خَلِيفَةً}. ... 1، 48، 64، 97
البقرة ... {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُّفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ}. ... 52
البقرة ... {وَعَلَّمَ ءَادَمَ الاَسْمَآءَ كُلَّهَا}. ... 67
البقرة ... {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ للهِ إِن كُنتُمُ, إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}. ... 225
البقرة ... {إِنَّمَا حَرَمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ}. ... 296
البقرة ... {لَيْسَ الْبِرُّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنِ الْبِرُّ مَنَ ـ امَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَالْمَلآَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيئِينَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ}. ... 86، 192، 278
البقرة ... {كُتِبَ عَلَيْكُمُ, إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا}. ... 31
البقرة ... {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ اَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ}. ... 38
البقرة ... {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْمَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالاَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ}. ... 32، 287
البقرة ... {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العَفْوَ}. ... 287
البقرة ... {مَن ذَا الذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفُهُ لَهُ, أَضْعَافًا كَثِيرَةً}. ... 37
البقرة ... {أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الاَرْضِ}. ... 187 (1/335)
صفحة 336
البقرة ... {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَامُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً}. ... 287
البقرة ... {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}. ... 287
البقرة ... {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}. ... 120
البقرة ... {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوالِكُمْ}. ... 34، 141
البقرة ... {إِلآَّ أَن تَكُونَ تِجارَةٌ حَاضِرَةٌ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا}. ... 38
البقرة ... {لِلَّهِ مَا فيِ السَّمَاوَاتِ وَمَا فيِ الاَرْضِ}. ... 15
البقرة ... {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا اِلاَّ وُسْعَهَا}. ... 68
آل عمران ... {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ}. ... 33
آل عمران ... {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَآءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ}. ... 36
آل عمران ... {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُوتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ}. ... 33
آل عمران ... {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}. ... 40
آل عمران ... {وَلْتَكُن مِّنكُمُ, أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلىَ الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}. ... 159، 196
النساء ... {وَلاَ تُوتُوا السُّفَهَآءَ اَمْوَالَكُمُ التِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَمًا}. ... 16، 112، 199، 200
النساء ... {وَخُلِقَ الاِنسَانُ ضَعِيفًا}. ... 52
النساء ... {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلآَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ}. ... 38، 144
النساء ... {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا}. ... 15
النساء ... {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ}. ... 278 (1/336)
صفحة 337
النساء ... {اَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ}. ... 34
النساء ... {فَقَدَ ـ اتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا}. ... 34
النساء ... {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}. ... 189
النساء ... {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَمْرِ مِنكُمْ}. ... 156
النساء ... {وَأُحْضِرَتِ الاَنفُسُ الشُّحَّ}. ... 204
النساء ... {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُم}. ... 189
النساء ... {لِيَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةُم بَعْدَ الرُّسُلِ}. ... 61
المائدة ... {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالعُقُودِ}. ... 84
المائدة ... {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}. ... 189
المائدة ... {إِنَّمَا جَزَآؤُاْ الذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ, وَيَسْعَوْنَ فِي الاَرْضِ فَسَادًا}. ... 175
المائدة ... {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا}. ... 15
المائدة ... {للهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ}. ... 33
الأنعام ... {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَّرَقَةٍ اِلاَّ يَعْلَمُهَا}. ... 60
الأنعام ... {وَلاَ تَاكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ, لَفِسْقٌ}. ... 296
الأنعام ... {إِنْ يَّشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخلِفْ مِنم بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ}. ... 49
الأنعام ... {قُل لآَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِليَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ, إِلآَّ أَنْ يَّكُونَ مَيْتَةً}. ... 84
الأنعام ... {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ}. ... 34، 282 (1/337)
صفحة 338
الأنعام ... {وَهُوَ الذِي جَعَلَكُمْ خَلآَئِفَ الاَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ ءَاَتَاكُم}. ... 48، 52، 54، 64
الأعراف ... {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الاَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ}. ... 214
الأعراف ... {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا}. ... 292
الأعراف ... {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ التِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}. ... 36، 84، 295
الأعراف ... {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنم بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ}. ... 48، 81
الأعراف ... {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنم بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الاَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا}. ... 48، 81
الأعراف ... {قَالَ عَسَى رَبُّكُمُ, أَنْ يُّهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الاَرْضِ}. ... 49
الأعراف ... {فَخَلَفَ مِنم بَعْدِهِمْ خَلْفٌ}. ... 52
التوبة ... -76 ... {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنَ ـ اتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّآ ءَاتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ}. ... 204
التوبة ... {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُومِنُونَ}. ... 131
يونس ... {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلآَئِفَ}. ... 48
يونس ... {وَجَعَلْنَاهُمْ خَلآَئِفَ}. ... 48
هود ... {فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدَ اَبْلَغْتُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا اِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ}. ... 49، 81
هود ... {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الاَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}. ... 91، 213 (1/338)
صفحة 339
يوسف ... {اِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلآَّ إِيَّاهُ}. ... 155
يوسف ... {ثُمَّ يَاتِي مِنم بَعْدِ ذَالِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَاكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ}. ... 308
يوسف ... {رَبِّ قَدَ ـ اتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ}. ... 33
إبراهيم ... - 34 ... {للَّهُ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الاَنْهَارَ}. ... 265
إبراهيم ... {إِنَّ الاِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}. ... 204
النحل ... {وَهُوَ الذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا}. ... 62
النحل ... {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنم بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا}. ... 52
النحل ... {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالاَبْصَارَ وَالاَفْئِدَةَ}. ... 62
النحل ... {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِن كُنتُمُ, إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}. ... 19
النحل ... {إِنَّمَا حَرَمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ}. ... 295
الإسراء ... {وَكُلَّ إِنسَانٍ اَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ, فِي عُنُقِهِ}. ... 70
الإسراء ... {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}. ... 67
الإسراء ... {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}. ... 16، 295
الإسراء ... {وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ, وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا}. ... 292
الإسراء ... {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ}. ... 16
الإسراء ... {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً اِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا}. ... 87، 294 (1/339)
صفحة 340
الإسراء ... {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ}. ... 246
الإسراء ... {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُومِنِينَ}. ... 1
الإسراء ... {وَكَانَ الاِنسَانُ قَتُورًا}. ... 204
الكهف ... {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا ِلأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ}. ... 141
الكهف ... {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ, أَنَآ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ, وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ}. ... 35
الكهف ... {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}. ... 36
مريم ... {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الاَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ}. ... 80
مريم ... {وَكُلُّهُمُ, ءَاتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}. ... 71
طه ... -122 ... {وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى}. ... 70
طه ... - 124 ... {فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى وَمَنَ اَعْرَضَ عَن ذِكْري فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا}. ... 88
الأنبياء ... {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}. ... 61
الحج ... {الذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فيِ الاَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الاُمُورِ}. ... 88
المؤمنون ... {كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُواْ صَالِحًا}. ... 125
النور ... {وَأَنكِحُواْ الاَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآئِكُم}. ... 283 (1/340)
صفحة 341
النور ... {وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الذِي ءَاتَاكُمْ}. ... 15، 33
النور ... {وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ}. ... 33
النور ... {وَعَدَ اللهُ الذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فيِ الاَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}. ... 49، 54
الفرقان ... {وَالذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يُقْتِرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَالِكَ قَوَامًا}. ... 87، 93
النمل ... {رَبِّ أَوْزِعْنِيَ أَنَ اَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ}. ... ز
النمل ... {أَمَّنْ يُّجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الاَرْضِ}. ... 49
القصص ... {إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}. ... 32
القصص ... {وَمَنَ اَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ}. ... 65
القصص ... {وَكَمَ اَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةِم بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا}. ... 295
الروم ... {كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الاَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا}. ... 213
الروم ... {فَئَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ}. ... 42
الروم ... {وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ}. ... 288
الأحزاب ... {وَحَمَلَهَا الاِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً}. ... 204
الأحزاب ... {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}. ... 67، 70
سبأ ... {اِعْمَلُوا ءَالَ دَاوُودَ شُكْرًا}. ... 227
سبأ ... {وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلآَ أَوْلاَدُكُم بِالتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى}. ... 40 (1/341)
صفحة 342
سبأ ... {وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}. ... 37
فاطر ... {هُوَ الذِي جَعَلَكُمْ خَلآَئِفَ فِي الاَرْضِ}. ... 48
يس ... {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}. ... 60
يس ... - 61 ... {أَلَمَ أَعْهَدِ اِلَيْكُمْ يَابَنِي ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (60) وَأَنُ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}. ... 88
ص ... {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الاَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ}. ... 48، 5، 57، 189
ص ... {وَهَبْ لِي مُلْكًا}. ... 33
فصلت ... - 10 ... {قُلَ اَينَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالذِي خَلَقَ الاَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ, أَندَادًا ذَالِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِلسَّآئِلِينَ}. ... 237
الشورى ... {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}. ... 47
الزخرف ... {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا}. ... 63، 202
الجاثية ... {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنَ اَسَآءَ فَعَلَيْهَا}. ... 70
الذاربات ... {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}. ... 19
الذاريات ... - 57 ... {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ يُّطْعِمُونِ}. ... 64، 65
الذاريات ... - 58 ... {مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ يُّطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}. ... 59، 85
النجم ... {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}. ... 70 (1/342)
صفحة 343
النجم ... {وَأَن لَّيْسَ لِلاِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى}. ... 240
الواقعة ... {اِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَالِكَ مُتْرَفِينَ}. ... 16
الحديد ... {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}. ... 1، 15، 58، 86، 92، 108
الحديد ... {وَمَا لَكُمُ, أَلاَّ تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ}. ... 56
الحديد ... {لَقَدَ اَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}. ... 61، 62، 189
الحشر ... {وَالذِينَ جَآءُوا مِنم بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الذِينَ سَبَقُونَا بِالاِيمَانِ}. ... 308
الحشر ... {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةَم بَيْنَ الاَغْنِيَآءِ مِنكُمْ}. ... 15، 38، 48، 203، 263
الحشر ... {مَآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ اَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ}. ... 175
الحشر ... {الذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ}. ... 141
الجمعة ... {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الاَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ}. ... 21
الجمعة ... {وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا}. ... 221
الطلاق ... {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَاهُ اللَّهُ}. ... 87، 293
الملك ... {الذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمُ, أَيُّكُمُ, أَحْسَنُ عَمَلاً}. ... 65
الملك ... {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}. ... 60، 226
الملك ... {هُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}. ... 20، 131، 214 (1/343)
صفحة 344
المعارج ... {وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا}. ... 204
المعارج ... - 25 ... {وَالذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ}. ... 15، 86
المزمل ... {وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الاَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}. ... 217، 220
الانشقاق ... {يَآ أَيُّهَا الاِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ اِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ}. ... 217
الفجر ... -20 ... {وَتَاكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمًّا وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا}. ... 204
البلد ... {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}. ... 65
العلق ... - 7 ... {كَلآَّ إِنَّ الاِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنَى}. ... 35، 204
الزلزلة ... -8 ... {فَمَنْ يَّعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَّعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}. ... 70
العاديات ... {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ}. ... 32، 36، 204
الماعون ... - 3 ... {أَرَآيْتَ الذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَالِكَ الذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}. ... 192، 221، 282 (1/344)
صفحة 345
فهرس الأحاديث النبويَّة الشريفة
بداية الحديث ... الصفحة
ابدأ بنفسك وتصدَّق عليها
اتَّجِروا في أموال اليتامى ...
أخوه أعبد منه
إذا بات مؤمن جائعا ...
إذا ضيِّعت الأمانة ...
إذا قامت الساعة ...
إذا مات ابن آدم ...
اذهب فاقطع نخله
استقطع رسول الله ...
إنَّ الله طيِّب لا يقبل إلاَّ طيِّبا
إنَّ الله هو القابض الباسط
إنَّ المسألة لا تحلُّ إلاَّ ...
إن شئت حبست أصلها
إنَّ في المال حقًّا سوى الزكاة
إنَّ مقام أحدكم في سبيل الله ...
أنا وكافل اليتيم ...
إِنَّكَ أن تذر ورثتك ...
إِنَّمَا الأعمال بالنيات ...
ترى المؤمنين في تراحمهم ...
الخراج بالضمان
الذهب بالذهب ... (1/345)
صفحة 346
الراحمون يرحمهم الرحمن
رفع القلم عن النائم ...
الصدقة على المسكين ...
طلب الحلال الفريضة ...
على الإمام أن يحكم بما أنزل الله
عمل الرجل بيده
فأيُّكم ترك دينا أو ضيَّاعا ...
كاد الفقر أن يكون كفرا
كلُّ المسلم على المسلم حرام ...
كلُّ لحم نبت من حرام ...
كلُّكم راع وكلُّ راع مسؤول عن رعيَّته ... ، 248
كلُّكم عيال الله ...
لا تزول قدم عبد يوم القيامة ... ... ، 293
لا تقولوا هذا، فإن كان سعى ...
لا حمى إلاَّ لله ولرسوله ... ، 178
لا ضرر ولا ضرار
لا يؤمن أحدكم حَتَّى يحبَّ ...
لا يحتكر إلاَّ خاطئ
لو كان لابن آدم واديان ...
ليس لعرق ظالم فيه حقٌّ
ما من مسلم يقرض مسلما ...
ما هذا يا صاحب الطعام؟ ...
مثل القائم على حدود الله ...
من أحيا أرضا ميِّتة فهي له ... ، 241
من أعمر عمرى ... (1/346)
صفحة 347
من احتكر حكرة ...
من الذنوب ذنوب ... ... ، 232
من بات كالاًّ من عمله ...
من بات وليس في عنقه بيعة
من ترك كلاًّ أو ضياعا ...
من رأى منكم منكرا ...
من غرس غرسا ...
من فرَّج عن أخيه كربة ...
الناس شركاء في ثلاث ... ... ، 174
هذا سوقكم لا تنتقص ...
يقول العبد مالي مالي ...
M (1/347)
صفحة 348
فهرس موضوعات الرسالة
الإهداء هـ
شكر وتقدير ز
تقديم محَمَّد ناصر ثابت ط
مقدِّمة 1
تمهيد
ماهية الاقتصاد الإسلامي ونظرة الإسلام إلى المال
المبحث الأَوَّل: الاقتصاد الإسلامي 11
المطلب الأوَّل: تعريف الاقتصاد الإسلامي 11
الفرع الأوَّل: الاقتصاد لغة 13
الفرع الثاني: الاقتصاد الإسلامي اصطلاحا 13
المطلب الثاني: الغاية من النشاط الاقتصادي والعناصر التي تتحكَّم فيه 18
الفرع الأوَّل: الغاية من النشاط الاقتصادي 18
الفرع الثاني: العناصر التي تتحكَّم في الاقتصاد الإسلامي 19
المطلب الثالث: طبيعة الاقتصاد الإسلامي 20
المطلب الرابع: منهج دراسة الاقتصاد الإسلامي، ومعرفة أفكاره 22
الفرع الأوَّل: منهج دراسة الاقتصاد الإسلامي 22
الفرع الثاني: دراسة الفكر الاقتصادي الإسلامي 24
المبحث الثاني: نظرة الإسلام إلى المال 26
المطلب الأوَّل: تعريف المال والملك لغة واصطلاحا 26
الفرع الأوَّل: المال لغة 26
الفرع الثاني: المال اصطلاحا 27
الفرع الثالث: المال والثروة في الاقتصاد الوضعي 28
الفرع الرابع: الملك لغة واصطلاحا 29 (1/348)
صفحة 349
المطلب الثاني: المال والملك في القرآن الكريم 31
الفرع الأوَّل: المال 31
الفرع الثاني: الملك 33
المطلب الثالث: خصائص الملكيَّة في القرآن الكريم 35
الفرع الأوَّل: حبُّ التملُّك فطرة إنسانيَّة 36
الفرع الثاني: البعد الزمنيُّ للملكيَّة 36
المطلب الرابع: وظيفة المال في الإسلام 37
الفرع الأوَّل: المقصد الشرعي في الأموال 37
- الفرع الثاني: وظائف المال في الإسلام 39
الفصل الأول
الاستخلاف
المبحث الأوَّل مفهوم الاستخلاف 45
المطلب الأوَّل: الاستخلاف لغة واصطلاحا 45
الفرع الأوَّل: الاستخلاف لغة 45
الفرع الثاني: الاستخلاف اصطلاحا 46
المطلب الثاني: الاستخلاف في القرآن الكريم 47
المطلب الثالث: الاستخلاف في السنَّة النبويَّة 49
المطلب الرابع: الاستخلاف عند المفسِّرين 51
المطلب الخامس: أقسام الاستخلاف 54
المبحث الثاني الغاية من الاستخلاف 59
المطلب الأول: الإنسان مركز الوجود 59
الفرع الأوَّل: علاقة الإنسان بالخالق 59
الفرع الثاني: علاقة الإنسان بالكون 60
الفرع الثالث: علاقة الإنسان بالإنسان 61
المطلب الثاني: الاستخلاف والتسخير 62
المطلب الثالث: الغرض من الاستخلاف 63 (1/349)
صفحة 350
المبحث الثالث مستلزمات الاستخلاف 67
المطلب الأوَّل: الأمانة في القرآن الكريم 68
المطلب الثاني: المسؤوليَّة الشخصيَّة 70
المطلب الثالث: العقل والاستطاعة 71
المطلب الرابع: الحرِّيَّة والإرادة 73
المطلب الخامس: الجزاء 77
المبحث الرابع ضوابط الاستخلاف 80
المطلب الأوَّل: الضوابط العامَّة 83
المطلب الثاني: الضوابط العامَّة 84
المبحث الخامس نظرية الاستخلاف في الاقتصاد الإسلامي 89
المطلب الأوَّل: نظرية الاستخلاف من أصول الاقتصاد الإسلامي 89
المطلب الثاني: نظريَّة الاستخلاف والعمارة 91
المطلب الثالث: نظريَّة الاستخلاف، وترشيد الإنفاق، وعدالة التوزيع 92
المطلب الرابع: النقد الموجَّه لنظريَّة الاستخلاف والردُّ عليه 93
خلاصة الفصل الأوَّل 98
الفصل الثاني
المال في الإسلام
المبحث الأوَّل طبيعة كسب المال في الاقتصاد الإسلامي 103
تمهيد 103
إشكاليَّة أصل الخلافة 103
المطلب الأوَّل: طبيعة حقِّ الملكيَّة في الفقه الإسلامي 104
أوَّلاً: الملكيَّة حقٌّ فرديٌّ مطلق 104
ثانيا: الملكيَّة وظيفة اجتماعيَّة 107
ثالثا: الملكيَّة حقٌّ فرديٌّ ذو وظيفة اجتماعيَّة 110 (1/350)
صفحة 351
المبحث الثاني أقسام المال في الاقتصاد الإسلامي 115
أوَّلاً: الأموال المشتركة 116
ثانيا: المال المتقوَّم وغير المتقوَّم 118
ثالثا: العروض والأثمان 119
رابعا: العقار والمنقول 121
خامسا: المال المثلي والقيمي 122
سادسا: المنافع والأعيان 123
المبحث الثالث أسباب كسب المال في الفقه الإسلامي 125
أوَّلاً: كسب المباحات 127
ثانيا: العقود 130
ثالثا: الخلفية 132
رابعا: التولُّد عن المملوك 133
المبحث الرابع أشكال الملكيَّة في الاقتصاد الإسلامي 135
المطلب الأوَّل: أقسام الملكيَّة 137
المطلب الثاني: نطاق الملكيَّة الفرديَّة ومفهومها 140
أوَّلاً: نزع الملكيَّة الفرديَّة لمصلحة أولى بالاعتبار 144
ثانيا: التعسُّف في استعمال الحقِّ 146
خلاصة الفصل الثاني 148
الفصل الثالث
دور الدولة في تطبيق الاستخلاف على الأموال
تمهيد 151
المبحث الأوَّل مبدأ المشروعيَّة والخلافة في الإسلام 153
المطلب الأوَّل: مبدأ المشروعيَّة 153
المطلب الثاني: تعيين وليِّ الأمر لأمانة الاستخلاف 156
المطلب الثالث: نظرة الخلفاء الراشدين إلى الاستخلاف على الأموال 157
المطلب الرابع: المسؤوليَّة الاستخلافيَّة لوليِّ الأمر 159 (1/351)
صفحة 352
المبحث الثاني دور الدولة في سكِّ العملة وتداولها 164
المطلب الأوَّل: سكُّ النقود من مهام وليِّ الأمر 166
المطلب الثاني: مسؤوليَّة الدولة في المحافظة على قيمة النقود 168
المبحث الثالث دور الدولة في الإشراف على الأموال العامَّة 174
المطلب الأوَّل: الأدلَّة المثبتة للملكيَّة العامَّة في الإسلام 174
المطلب الثاني: أهداف الملكيَّة العامة وأشكالها 175
الفرع الأوَّل: أهدافها 175
الفرع الثاني: أشكال الملكيَّة العامَّة 176
المطلب الثالث: الأموال التي اختلف الفقهاء في شكل ملكيَّتها 183
الفرع الأوَّل: الأراضي الزراعيَّة 184
الفرع الثاني: المعادن 187
المبحث الرابع إقامة التوازن الاقتصادي في أموال الأمَّة 189
المطلب الأوَّل: ضمان حدِّ الكفاية 190
المطلب الثاني: الوفاء بالحاجات الأساسيَّة الجماعيَّة 193
أوَّلاً: الأمن 194
ثانيا: الصحَّة 194
ثالثا: التعليم 195
المطلب الثالث: مراقبة الملكيَّة الخاصَّة 195
الفرع الأوَّل: الحسبة 196
الفرع الثاني: التحجير 199
الفرع الثالث: تحويل الملكيَّة الفرديَّة إلى ملكيَّة الأمَّة 200
المطلب الرابع: مفهوم التوازن ونماذج منه في صدر الإسلام 201
الفرع الأوَّل: إقامة التوازن الاقتصادي بين المهاجر ين والأنصار 203
الفرع الثاني: تجر بة الخليفة عمر بن الخطَّاب في إقامة التوازن بين الأجيال 205
خلاصة الفصل الثالث 206 (1/352)
صفحة 353
الفصل الرابع
الاستخلاف والعمارة
تمهيد 211
المبحث الأوَّل مفهوم وهدف العمارة والتنمية 212
المطلب الأوَّل: العمارة لغة واصطلاحا 212
المطلب الثاني: مفهوم العمارة عند مفكِّري الإسلام 215
المطلب الثالث: العمارة مهمَّة استخلافيَّة 216
المطلب الرابع: مميِّزات العمارة في الإسلام 218
الفرع الأوَّل: العمارة عبادة 218
الفرع الثاني: العمارة فر يضة وواجب 221
المطلب الخامس: هدف العمارة وخصائصها 224
الفرع الأوَّل: هدف العمارة والتنمية 224
الفرع الثاني: خصائص العمارة 226
المبحث الثاني عناصر الإنتاج وعوامله 229
المطلب الأوَّل: عناصر الإنتاج في الاقتصاد الإسلامي 229
المطلب الثاني: عوامل الإنتاج في الاقتصاد الوضعي 234
المطلب الثالث: مقارنة بين التقسيمين 237
المبحث الثالث حوافز العمارة في الاقتصاد الإسلامي 240
المطلب الأوَّل: الحوافز الإيجابيَّة 240
المطلب الثاني: الحوافز السلبيَّة 242
المبحث الرابع العمارة والتنمية بين المنهج الإسلامي والاقتصاد الوضعي 245
المطلب الأوَّل: الغاية والهدف 245
المطلب الثاني: في المنهج والتطبيق 246
المبحث الخامس العلاقة بين الإنتاج والتوزيع 250
خلاصة الفصل الرابع 254 (1/353)
صفحة 354
الفصل الخامس
نظريَّة الاستخلاف والتوزيع والإنفاق
تمهيد 259
المبحث الأوَّل التوزيع في النظم الاقتصاديَّة 260
المطلب الأوَّل: التوزيع في النظام الرأسمالي 260
المطلب الثاني: التوزيع في النظام الاشتراكي 262
المطلب الثالث: التوزيع في ظلِّ الاقتصاد الإسلامي 263
الفرع الأوَّل: أهمِّيَّة التوزيع في الاقتصاد الإسلامي 265
الفرع الثاني: نظريَّة التوزيع عند عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه 268
الفرع الثالث: المعايير التي اعتمدها الاقتصاد الإسلاميُّ في التوزيع 269
الفرع الرابع: كيفيَّة تطبيق هذه المعايير على مستويات التوزيع 271
المطلب الرابع: نتائج هذا التقسيم على نظرية التوزيع في الاقتصاد الإسلامي 273
المبحث الثاني التكافل الاجتماعي والضمان الاجتماعي 276
تمهيد 276
المطلب الأوَّل: الدليل الشرعي لنظام التكافل الاجتماعي 278
المطلب الثاني: نطاق ومجال التكافل الاجتماعي 279
الفرع الأوَّل: التكافل في نطاق الأسرة 280
الفرع الثاني: التكافل على مستوى المجتمع (المدينة والقرية) 281
المبحث الثالث الإنفاق والاستهلاك في ظلِّ نظرية الاستخلاف 285
المطلب الأوَّل: الإنفاق لغة واصطلاحا 285
المطلب الثاني: الإنفاق في القرآن الكريم 286
المطلب الثالث: مراتب الإنفاق 288
الفرع الأوَّل: من حيث أولويَّتها 288
الفرع الثاني: من حيث وجوبها وندبها 289
المطلب الرابع: ضوابط الإنفاق 291
المطلب الخامس: نظرية الاستهلاك في الاقتصاد الوضعي 296 (1/354)
صفحة 355
الفرع الأوَّل: نظر يَّة الاستهلاك في الاقتصاد الرأسمالي 298
الفرع الثاني: الاستهلاك في النظام الاشتراكي 299
المطلب السادس: الاستهلاك والإنفاق بين النظريَّة الوضعية والاقتصاد الإسلامي 299
المبحث الرابع الادِّخار والاكتناز في ظلِّ الاستخلاف 302
المطلب الأوَّل: معنى الادِّخار والاكتناز 302
المطلب الثاني: الاكتناز في القرآن الكريم 303
المطلب الثالث: الاكتناز في الاقتصاد الوضعي 306
المطلب الرابع: الادِّخار وعاء الاستثمار 307
1) ادِّخار ما يفيض عن الحاجات الأساسيَّة 308
2) الادّخار لصالح الأجيال القادمة 308
خلاصة الفصل الخامس 310
الخاتمة 313
الفهارس
فهرس المصادر والمراجع 323
فهرس الآيات القرآنيَّة الكريمة 335
فهرس الأحاديث النبويَّة الشريفة 345
فهرس موضوعات الرسالة 348
z (1/355)