صفحة 1
الكتاب: نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي
المؤلف: محمد بن صالح حمدي
طبعة: دار السلام
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) مقدِّمة
الحمد لله القائل: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فيِ الاَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، والقائل أيضا: {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: 7]، سبحانه، جعل من خصائص دينه الكامل الهادي، أَنَّهُ عقيدة وشريعة ومنهاج حياة متكامل الأجزاء، متَّصل الحلقات، لا يمكن في ظلِّه فصل العقيدة عن شؤون الحياة الفكريَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، وبعد:
أثناء دراستي الجامعيَّة للاقتصاد اطَّلعت على آراء وأفكار الغرب وتجاربه في ميدان التنمية والحلول التي وضعها للمشاكل الاقتصاديَّة، وقد كنت أعتقد أنَّ ذلك أنسب السبل لكي تلحق البلدان الإسلاميَّة بركب الحضارة، وتخرج من معضلة التبعيَّة التي ترزح فيها، وتنفض عن نفسها غبار التخلُّف الفكريِّ والمادِّيِّ الذي تعيش فيه.
لكن بعد اطِّلاعي على بعض المراجع في الفكر الإسلاميِّ عامَّة، والفكر الاقتصاديِّ الإسلاميِّ بصفة أخصَّ، تَبَيَّنَ لي أَنِّي على خطأ، فشقاء المسلمين إِنَّمَا يكمن في استيرادهم لأفكار وحلول غيرهم، وأنَّ شفاءهم من جميع أمراضهم إِنَّمَا هو في هدي القرآن الكريم، والسنَّة النبويَّة المطهَّرة؛ لذلك عدت أتمعَّن في قوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُومِنِينَ} [الإسراء: 82]، وقد كنت أعطيه المفهوم الضيِّق المتبادر للذهن، لكن بعد التمعُّن اتَّسع مفهومه لديَّ، وتيقَّنت أنَّ ما يعاني منه المسلمون اليوم من أزمات لها حلول في الشريعة الإسلاميَّة.
فالأموال تشكِّل العمود الفقريَّ لحياة الإنسان الماديَّة، كما عبَّر عنها القرآن الكريم، بل هي الدم الذي يمدُّ الحياة لجميع أجزاء الجسم، فإذا توقَّف القلب عن ضخِّه توقَّفت الحياة، فيجب أن ينساب بانتظام في دورة كاملة عبر شرايين وأوردة متينة ومحكمة؛ حَتَّى يُؤَدِّي الجسم دوره في حيويَّة ونشاط.
فدورة المال المتمثِّلة في التملُّك والإنتاج، ثُمَّ التوزبع والإنفاق، إِمَّا بالاستثمار (1/1)
صفحة 2
أو الاستهلاك، تحتاج أَوَّلاً إلى الضخِّ المستمرِّ، ثُمَّ التأكُّد ـ ثانيا ـ من صحَّة القنوات التي ينتقل فيها المال من محطَّة إلى أخرى على نحو سليم. لكن هناك أمر أهمُّ من ذلك كلِّه، هو التساؤل عن أصل ذلك المال: لمن هو؟ هل الإنسان يتملَّك المال أصالة أم نيابة واستخلافا عن صاحبه الحقيقيِّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هي ضوابط وقواعد ذلك الاستخلاف عبر المحطَّات التي يَمُرُّ عليها المال تملُّكا وانتاجا وتوزيعا؟
فإذا اتَّضَحَت هذه الحقائق في فكر المسلم، عرف كيف يتصرَّف تجاه المال، وأدرك طبيعة العلاقة التي تربطه به.
وقد اخترت البحث في هذا الموضوع (أثر الاستخلاف على وظيفة المال في الاقتصادالإسلاميِّ) للإجابة على هذه التساؤلات.
توخَّيت من وراء البحث في هذا الموضوع تحقيق جملة من الأهداف:
1) ربط السلوك الاقتصاديِّ للفرد بالعقيدة الإسلاميَّة الصحيحة، وبيان أَنَّ هذا السلوك هو جزء من العبادة التي خلق الإنسان من أجلها.
2) بيان أَهَمِّيَّة نظرية الاستخلاف على الأموال على مستوى الأفراد في تملُّكهم وإنتاجهم وإنفاقهم لتلك الأموال، وعلى مستوى الدولة التي تتحمل قسطا كبيرا من هذه المسؤوليَّة.
3) رصد الضوابط والقواعد التي تحكم الاستخلاف على الأموال، المستوحاة من تعاليم المالك الأصيل سبحانه وتعالى.
4) محاولة الخروج بنتائج تقنِّن وتبلور نظرة الإسلام إلى المال بعيدا عن الأفكار الوضعيَّة ـ التي تأثَّر بها كثير من المسلمين ـ والتي تنظر إلى المال من زاويته المادِّيَّة كوسيلة لإشباع رغبات الإنسان.
نظرا لطبيعة الموضوع الذي هو (فقه الاقتصاد)، ولتحقيق هذه الأهداف ارتأيت ان (1/2)
صفحة 3
أتَّبع في دراستي المنهج المتكوِّن من الخطوات الآتية:
1) التحليل: أي عرض وتحليل النصوص الشَّرعِيَّة.
2) الاستنباط: بمحاولة استنباط القواعد العامَّة من خلال النصوص.
3) المقارنة: حيث كثيرا ما أقف عند بعض العضايا مقارنا بين الأحكام الشَّرعِيَّة المتَّسمة بالدقَّة والشموليَّة، والأفكار الوضعيَّة التي هي من نتائج أفكار البشر، مبرزا الفروق بينهما في الأهداف، ونتائجَها على أرض الواقع.
قسَّمت الموضوع إلى تمهيد وخمسة فصول:
تناولت في التمهيد مبحثين رأيتهما ضروريَّين لاتِّصالهما بالموضوع، الأَوَّل: ماهية الاقتصاد الإسلاميِّ، ومنهجيَّة دراسته، وقبل تعريفه تطرَّقت إلى الجدل الدائر بين فقهاء الاقتصاد الإسلامي، هل هو علم أم نظام؟ ثُمَّ تطرَّقت إلى الغاية منه، وإلى المنهجيَّة التي ينبغي أن تتَّبع لدراسته. أَمَّا المبحث الثاني فيتناول نظرة الإسلام إلى المال بصفة عَامَّة، وفيه عرَّفت المال لغة واصطلاحا، وبيَّنت العلاقة بين المال والملكيَّة، ثُمَّ تطرَّقت إلى المال في القرآن، وكيف كان ينسب المال تارة إلى الله، وتارة إلى الإنسان، وأهمية ذلك، كما تطرَّقت إلى وظائف المال، مقسِّما إيَّاها إلى وظائف عامَّة وخاصَّة.
أَمَّا الفصل الأَوَّل: فتناولت فيه البحث في الاستخلاف ضمن خمسة مباحث، خصَّصت الأَوَّل لمفهوم الاستخلاف، فبعد تعريفه رصدت الآيات القرآنيَّة التي ورد فيها، ثُمَّ تناولته في السنَّة النبويَّة وعند المفسِّرين، كما بيَّنت أقسامه، مبرزا آراء الفقهاء في ذلك، وانتهيت إلى تقسيم أراه يناسب خلافة الإنسان. وفي المبحث الثاني: بحثت في الغاية منه، فبما أَنَّ الإنسان هو مركز الوجود على الأرض، فهو يدخل في علاقة مع خالقه ومع الكون، ومع بني جنسه أفرادا وجماعات، حَتَّى نصل إلى الغرض والغاية من الاستخلاف. ثُمَّ تناولت في المبحث الثالث مقتضيات (1/3)
صفحة 4
الاستخلاف، إذ لكي يحمل الإنسان هذه الأمانة لا بُدَّ له من توفير الشروط، حَتَّى تمكن محاستبه إن هو تخلَّى أو انحرف عن مسووليَّته وهذه الشروط ـ كما أراها ـ هي:
أ) المسؤوليَّة الفرديَّة.
ب) العقل والاستطاعة.
ج) الحرِّيَّة والإرادة.
وقد خصَّصت لِكُلِّ شرط مطلبا، وتناولت في مطلب أخير الجزاء الذي هو ثمرة الاستخلاف .. وفي المبحث الرابع بحثت الضوابط التي تحكمه، مركِّزا على الضوابط على المال. أمَّا في المبحث الأخير فتعرَّضت لمكانة نظريَّة الاستخلاف قي الاقتصاد الإسلامي، التي هي من الأصول العَامَّة، مبرزا أثرها على العمارة والإنفاق والتوزبع، ثُمَّ عرضت رأي من ينتقدها، وبيَّنت بالحجج والأَدِلَّة على أنَّ هذا الرأي يستند على تخوُّفات ومبرِّرات لا أساس لها، مؤكِّدا صحَّة النَّظَرِيَّة وأثرها على السلوك الاقتصادي.
أَمَّا الفصل الثاني، فقد تناولت فيه البحث عن المال في الإسلام، مقسِّما إياه إلى أربعة مباحث، مخصِّصا المبحث الأَوَّل: لطبيعة الملكيَّة في الفقه الإسلاميِّ، حيث اختلف فيها الفقهاء إلى ثلاثة آراء، مبيِّنا حجج كلِّ فريق، ومرجِّحا أحد الآراء مع تبرير ذلك، مع عرض رأي القانون الوضعيِّ في ذلك. وفي المبحث الثاني: تناولت أقسام المال في الاقتصاد الإسلاميِّ، مقارنا بينه وبين تقسيم الاقتصاد الوضعيِّ، مبرزا الهدف من كلِّ تقسيم، وأثر ذلك على وظيفة المال. وعرضت في المبحث الثالث أسباب كسب المال في الفقه الإسلاميِّ، وكيف أَنَّهَا محدَّدة في أربعة أسباب هي:
1) إحراز المباحات، 2) العقود، 3) الخلفية، 4) التولُّد عن المملوك، مركِّزا على أهمِّها وأوسعها استعمالا وهي العقود، التي فيها يتجلَّى المجهود البشريُّ. وفي (1/4)
صفحة 5
المبحث الأخير: أدرت البحث حول أشكال الملكيَّة في الاقتصاد، محدِّدا المعيار الذي يميِّز بين أنواعها، ثُمَّ أفردت مطلبا للملكيَّة الفرديَّة، مفهومها ونطاقها.
أَمَّا الفصل الثالث، فتناولت فيه بالبحث مسؤوليَّة الدولة في الاستخلاف على الأموال، إذ إِنَّهَا تتحمَّل جزءًا كبيرا منها، مبرزا في المبحث الأَوَّل مبدأ المشروعيَّة في الإسلام وضرورة إقامة هيئة حاكمة لرعاية شوون الأمَّة، مستعرضا هذه الخلافة في القرآن الكربم، وفي مباحث تالية بحثت في أهمِّ مهامِّ وليِّ الأمر في الشؤون الماليَّة، مخصِّصا مبحثا: لدور الدولة في سكِّ العملة وتداولها، نظرا لأهمِّيَّة النقود ودورها في الاقتصاد، فهي من الأعمال السياديَّة للدولة، ومبحثا آخر: لوظيفتها في الإشراف على الأموال العامَّة، فتطرَّقت لمفهوم الملكيَّة العامَّة ونطاقها وأنواعها، مع المقارنة بالنظم الوضعيَّة، وبيَّنت في مبحث آخر ضرورة إقامة التوازن الاقتصاديِّ في أموال الأُمَّة، وهي أوكد مسؤوليَّات وليِّ الأمر الماليَّة، وهي:
أ) ضمان حدِّ الكفاية، ب) الوفاء بالحاجات العامَّة، ج) مراقبة الملكيَّة الفرديَّة والمحافظة عليها.
أَمَّا الفصل الرابع، فأدرت البحث فيه حول العمارة والاستخلاف، مبرزا العلاقة التلازميَّة بينهما، وقد تطرَّقت في مبحث أوَّل لمفهوم العمارة وأهدافها، وفي مبحث ثان لعناصر الإنتاج في الاقتصاد الإسلاميِّ والوضعيِّ، مبيِّنا أهمَّ الفروق بينهما، وأثر ذلك في ربط الأموال بمالكها الأصيل، ثُمَّ بيَّنت دور الدولة في إقامة العمارة، التي هي مسؤوليَّة مشتركة بين الأفراد في الاقتصاد الإسلاميِّ، ثُمَّ قارنتُ بين المنهج الإسلاميِّ للعمارة مع التنمية في الاقتصاد الوضعيِّ، وفي الأخير أشرت إلى علاقة الإنتاج بالتوزيع.
أَمَّا الفصل الخامس، فتطرَّقت فيه إلى نَظَرِيَّة الاستخلاف والتوزيع والإنفاق، وركَّزت على أَهَمِّيَّة التوزيع، وكيف أولى له الاقتصاد الإسلاميُّ عنايته، وأشرت إلى نظم التوزيع في ظلِّ النظم الوضعيَّة والإسلام، وإلى المعايير المعتمدة في ذلك، (1/5)
صفحة 6
وتعرَّضت للتكافل الاجتماعيِّ الذي يشكِّل الإطار الأمثل في التوزيع على أساس معيار الحاجة، وبحثت في الإنفاق والاستهلاك والادِّخار والاكتناز مبيِّنا مفاهيم هذه المصطلحات والفروق بينها، مبرزا مضارَّ الاكتناز ومحاسن الادِّخار كخطوة أولى نحو الاستثمار.
وأنهيت البحث بخاتمة تعرَّضت فيها لأهمِّ النتائج التي توصلت إليها وإلى بعض التوصيات التي أراها مناسبة، والتي أرجو أن تُؤخذ بعين الاعتبار، خدمة للبحث العلميِّ، وعملا على ترقيته، وقبل هذا وذاك تحقيق الأهداف التي حدَّدتها من دراستي لهذا الموضوع.
أخيرا: أرجو أن أكون قد وفِّقت إلى معالجة الموضوع بما يستحقُّ من العرض والتحليل، ولا أدَّعي أنِّي أضفت شيئا جديدا، وإنَّما أرجو أنِّي قد فتحت شهيَّة الباحثين لمعالجة وبحث كثير من القضايا الاقتصاديَّة التي تطرح نفسها بإلحاح في الوقت الحاضر، لإيجاد حلول لها في ضوء الشريعة الإِسلاَمِيَّة. (1/6)
صفحة 7
صفحة 8 بيضاء (1/7)
صفحة 8
- ... -
الفصل الأول
الاستخلاف
- ... - (1/8)
صفحة 9
تمهيد
إنَّ نظريَّة الاستخلاف تعدُّ من أهمِّ القواعد التي ينبني عليها الاقتصاد الإسلاميُّ، ومن الأسس العامَّة الثابتة التي لا تتغيَّر مهما تغيَّرت الظروف والأوضاع الاقتصاديَّة، كما تعدُّ حجر الزاوية في نظرة الإنسان إلى المال في دورته من حيث تملُّكه وإنتاجه وتداوله وتوزيعه.
وهي من المنطلقات الأساسيَّة التي تختلف حولها مختلف النظم الاقتصاديَّة، سواء منها الوضعيَّة أو الدينيَّة، فالإسلام يرى أنَّ المال مال الله، والبشر مستخلفون فيه، وهم بمثابة الوكلاء أو النواب أو الخلفاء على هذا المال.
بينما ترى النظم الوضعيَّة على اختلاف مشاربها أنَّ المال هو من كسب الإنسان، وله حقُّ التصرُّف والاستغلال بدون الخضوع إلى قوَّة غيبيَّة خارجة عن الإرادة الإنسانيَّة في تملُّك وتداول هذا المال؛ فله الحرِّيَّة الكاملة في كيفيَّة إنتاجه وتوزيعه حسب ما يحقِّق مصالحه ويشبع رغباته. ونتج عن هذه النظرة الشطط والمغالاة في إنتاج وتوزيع هذا المال، واستغلال الإنسان للثروات الطبيعيَّة بدون حسيب ولا رقيب، وظلم وتعسُّف في العلاقات الإنتاجيَّة، وتفاوت في التوزيع والاستهلاك، وإسراف وتبذير في الإنفاق.
غير أنَّ النظام الإسلاميَّ وضع ـ من خلال نظريَّة الاستخلاف ـ القواعد المنضبطة والنظرة المتوازنة للمال تحت هذه القاعدة العامَّة: «المال مال الله والبشر مستخلفون فيه». (1/9)
صفحة 10
المبحث الأوَّل
مفهوم الاستخلاف
المطلب الأوَّل: الاستخلاف لغة واصطلاحا:
الفرع الأوَّل: الاستخلاف لغة:
لإيضاح مفهوم الاستخلاف ينبغي معرفة معناه اللغويِّ والاصطلاحيِّ، ويقال: استخلف فلان من فلان جعله مكانه، وخلف فلانٌ فلانا إذا كان خليفته، ويقال: خلفت فلانا أخلفه تخليفا، وأستخلفه أنا: أجعله خليفتي، واستخلفه: جعله خليفة (1). والمعنى نفسه أورده الفيروزآبادي: خلائف وخلفاء، وخلفه خلافة كان خليفته وبقي بعده (2). أَمَّا غرضها فهي النيابة عن الغير، إِمَّا لغيبة المنوب عنه أو لموته، وإمَّا لعجزه، وإمَّا لتشربف المستخلَف، وعلى هذا الوجه الأخير استخلف الله أولياءه في الأرض (3)، وهو ما يَتَّفِقُ مع مقام الله وحكمته في استخلافه للبشر على الأرض، ومع هذا التشريف حمَّلهم أمانة التكليف التي أبت السماوات والأرض أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان.
الفرع الثاني: الاستخلاف اصطلاحا:
أَمَّا معنى الاستخلاف الفقهيّ فهو النيابة أو القوامة، أو الوكالة؛ فهي: إقامة الغير مقام النفس فيما يقبل النيابة من التصرُّفات، فهي عبارة عن تفويض تصرُّف إلى الغير ليفعله في حياته بشرائط خاصَّة (4).
__________
(1) ابن منظور: لسان العرب، مرجع سابق، مج 2، ص 883.
(2) الفيررزآبادي: القاموس المحيط، مرجع سابق، مج 3، ص 137.
(3) الراغب الأصفهاني: معجم مفردات ألفاظ القرآن، مرجع سابق، ص157.
(4) نزيه حماد: معجم المصطلحات الاقتصاديَّة في لغة الفقهاء (واشنطن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط.1، 1414هـ/1993م،) ص289. (1/10)
صفحة 11
ونلاحظ أنَّ هناك تقاربا بين المعنى اللغويِّ والاصطلاحيِّ، وأنَّ الخلافة والوكالة والنيابة تؤدِّي معنى عامًّا في جوهرها، إلاَّ أنَّ الشيخ بيُّوض (1) فرَّق بين الخلافة والوكالة، فيعطي للخلاقة مدلولا أوسع وأشمل، فمعنى الخلافة هي الوكالة المطلقة المفوَّضة، فإذا أطلق الخليفة فهو الوكيل المفوَّض، أَمَّا الوكيل فهو الوكيل على أشياء خاصَّة، والإنسان بجعله خليفة في الأرض كان السلطان المتصرِّف فيها (2).
وإذا كان الله قد استخلف بني آدم على الأرض وفضَّلهم على كثير من خلقه، سخَّر لهم ما في الكون منَّة منه وفضلا، فإنَّ ما بين أيديهم من أموال ملك من ملك الله، أعارهم إيَّاها للانتفاع به. والقيام على العارية في مفهوم البشر نيابة، فكلُّ فرد من أفراد البشر يعتبر نائبا عن ربِّه فيما سخَّره له من ملكوت الأرض، وهو مقيَّد في كلِّ تصرفاته بحدود هذه النيابة (3).
هكذا نجد أنَّ معنى الاستخلاف ينطبق تماما مع معنى الخلافة والوكالة والنيابة لغة واصطلاحا، ونتيجةُ ذلك أنَّ مركز المستخلف في الأرض هو مركز الخليفة أو النائب، وأنَّ الخلافة أو النيابة هي عن الله، وهي قائمة في حدود ما سخَّر الله للبشر وفق الضوابط التي وضعها المستخلِف.
ويرى البعض (4) أَنَّهُ لا يستساغ أن يكون البشر خليفة لله، تنزيها وتعظيما
__________
(1) عالم وفقيه إباضيٌّ معاصر، ولد بالقرارة جنوب الجزائر سنة 1318هـ/1899م. قاد الحركة الإصلاحيَّة بالجنوب. اهتمَّ بالإصلاح التربوي والاجتماعيِّ خاصَّة. من آثاره: تفسير القرآن الكريم. وقد طبع منه 11 جزءا. توفِّي بالقرارة سنة 1401هـ/1981م.
(2) بيُّوض إبراهيم بن عمر: في رحاب القرآن، تفسير سورة الإسراء، تحرير عيسى الشيخ بالحاج. نشر جمعية التراث بالقرارة الجزائر، ط2، ص46.
(3) عبد القادر عودة: المال والحكم في الإسلام، ص20.
(4) انظر: أحمد يوسف: القيم الإسلاميَّة في السلوك الاقتصادي، (القاهرة: دار الثقافة للنشر، د. ط، 1410هـ/1990م،) هامش ص 36 - 37. (1/11)
صفحة 12
لله تعالى، لأنَّ النيابة والخلافة تكون عمَّن يغيب أو يموت، فالله لا يغيب ولا يموت، كما يحتجُّون بأنَّ أبا بكر قيل له: يا خليفة الله، قال: لست خليفة الله، ولكنِّي خليفة رسول الله.
ويمكن الردُّ على هذه الشبهة بما يأتي:
أ) أَنَّهُ لا ينبغي أن يقاس البشر بمن {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11]، فإذا كان من شأن البشر أن يستخلفوا في الغيبة والموت، فإنَّ الله يستخلف وهو شاهد ولا يغيب، حيٌّ لا يموت. فهذه الخلافة هي خلافة تشريف وتكليف، كما بيَّنَّا في معنى الاستخلاف.
ب) أَمَّا مقولة أبي بكر الصدِّيق فهو يريد بها خلافة الحكم والسياسة، لا استخلاف البشر عامَّة. فهو بذلك خليفة رسول الله، وليس بخليفة عن الله.
المطلب الثاني: الاستخلاف في القرآن الكريم:
وردت مادَّة «خلف» واشتقاقاتها في القرآن الكريم سبعا وعشرين مرَّة (1). وإذا أبعدنا المعاني الخارجة عن معنى الاستخلاف وجدناها ستَّ عشرة مرَّة، وردت في صيغ مختلفة، تارة في صيغة الامتنان والتفضيل، ومرَّة أخرى بالوعد والتمكين أو الوعيد والعبرة من الأمم السابقة. وفي تركيبها جاءت تارة بصيغة الفعل مضافة إليه: «ألف، وسين، وتاء» التي يراد بها الطلب، كما وردت بصيغة اسم الفاعل مفردا وجمعا: خليفة وخلائف، ولو استقصيناها تفصيلا وجدناها كما يأتي:
- مستخلفين: مرَّة واحدة:
- {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد:7].
- خليفة: مرَّتين:
__________
(1) محَمَّد فؤاد عبد الباقي: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، مرجع سابق، ص239. (1/12)
صفحة 13
- {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فيِ الاَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30].
- {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الاَرْضِ} [ص:26].
- خلائف: أربع مرَّات:
- {وَهُوَ الذِي جَعَلَكُمْ خَلآَئِفَ الاَرْضِ} [الأنعام:165].
- {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلآَئِفَ} [يونس:14].
- {وَجَعَلْنَاهُمْ خَلآَئِفَ} [يونس73].
- {هُوَ الذِي جَعَلَكُمْ خَلآَئِفَ فِي الاَرْضِ} [فاطر:39].
- خلفاء: ثلاث مرَّات:
- {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ} [الأعراف:69].
- {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنم بَعْدِ عَادٍ} [الأعراف:74].
- {أَمَّنْ يُّجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الاَرْضِ} [النمل:62].
- يستخلف: مرَّتين:
- {إِنْ يَّشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخلِفْ مِنم بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ} [الأنعام:133].
- {وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ} [هود:57].
- يستخلفكم: مرَّة واحدة:
- {قَالَ عَسَى رَبُّكُمُ, أَنْ يُّهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الاَرْضِ} [الأعراف:129].
- ليستخلفنَّهم: مرَّة واحدة:
- {وَعَدَ اللهُ الذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فيِ الاَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [النور:55].
- استخلف: مرَّة واحدة: الآية السابقة. (1/13)
صفحة 14
المطلب الثالث: الاستخلاف في السنَّة النبويَّة:
لو استعرضنا كتب الحديث، لم نجد حديثا في معنى الاستخلاف العام الذي نحن بصدد البحث فيه، وإنَّما نجد حديثا عن عمر بن الخطَّاب بشأن الاستخلاف في الإمارة (1)، لكن ورد الاستخلاف في السنة بمعنى آخر وهو الأمانة والمسؤوليَّة، وأشهر حديث في هذا المعنى قوله J : « كلُّكم راع وكلُّ راع مسؤول عن رعيَّته يوم القيامة» (2). ثُمَّ ذكر أصنافا من هذه المسؤوليَّة أو الأمانة كالأمير على رعيَّته، والمرأة على بيت زوجها وعلى أبنائها والعبد على شؤون سيِّده.
كما جعل الرسول J من أمارات الساعة وأشراطها ضياع الأمانة التي تحمَّلها الإنسان، فقال: «إذا ضيِّعت الأمانة فانتظر الساعة، قيل: كيف إضاعتها؟ فقال: إذا وسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (3).
وإنَّنا إذا استعرضنا معاني الأمانة التي ذكرها العلماء نجدها تطابق معاني الاستخلاف، قال ابن التين: «الأمانة كلُّ ما تخفي ولا يعلمه إلاَّ الله من المكلَّف، وعن ابن عبَّاس: هي الفرائض التي أمروا بها ونهوا عنها، وقيل: هي الطاعة، وقيل: التكليف، وقيل: العهد الذي أخذه الله على عباده، وهذا الاختلاف وقع في تفسير آية الأمانة المذكورة في آية: من سورة الأحزاب، وقال صاحب التحرير: الأمانة المذكورة في الحديث هي الأمانة المذكورة في الآية، وهي عين الإيمان، فإذا استمكنت في القلب قام بأداء ما أمر به واجتنب ما نُهي عنه (4).
وممَّا يؤكِّد ارتباط معاني الأمانة بالاستخلاف، كون ارتفاع الأمانة مؤشِّرا من مؤشِّرات قيام الساعة، فإذا تخلَّى الإنسان عن مسؤوليَّته الاستخلافيَّة، وضيِّعت الأمانات، يعني أَنَّهُ غير مؤهَّل لهذه الأمانة، وبتخلِّيه عن دوره في هذه الحياة تصبح الحياة لا معنى لها ولا هدف، فيقضي الله بفنائها.
أَمَّا عن الاستخلاف الخاصُّ، فإنَّنا نجد حديث الاستخلاف في الإمارة الذي أشرنا إليه، أمَّا الاستخلاف على الأموال فلا نكاد نجد حديثا بهذه الصيغة التي وردت في القرآن في آية: 7 من سورة الحديد، وإنَّما نجدها بصيغ أخرى كما بيَّنَّا سابقا. وأبرز حديث يبيِّن مسؤوليَّة الإنسان على المال هو قوله J : « لا تزول قدما عبد يوم القيامة حَتَّى يُسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وماله من أين أكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم» (5).
فمسؤوليَّته على المال مضاعفة، فيسأل من أين اكتسب المال ثُمَّ يسأل ثانية فيم أنفقه.
المطلب الرابع: الاستخلاف عند المفسِّرين:
بعد استعراض الآيات التي تعرَّضت للاستخلاف، لا بدَّ من بيان معنى الاستخلاف في القرآن الكريم من خلال أقوال المفسِّرين.
إنَّ أبرز آية بيَّنت معنى الاستخلاف هي آية البقرة (6). في صيغة حوار بين الخالق تبارك وتعالى وملائكته حين أطلعهم على إرادته في جعل خليفة على الأرض.
فقد اختلف المفسِّرون في ماهية هذه الخلافة، فمنهم (7) من يرى أنَّ
__________
(1) مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج: الجامع الصحيح (القاهرة: مؤسَّسة دار التحرير، 1383هـ، مج2، ج6، ص 540. أبو داود، سليمان بن الأشعث: سنن أبي داود. (القاهرة: مطبعة مصطفى البابي الحلبي، 1371هـ/1952م، مج2، ص120.
(2) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، مرجع سابق، ج2 ص380، رقم893.
(3) أخرجه البخاري، كتاب العلم، ج1 ص142، رقم 59.
(4) العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر: فتح الباري شرح صحيح البخاري. دار الفكر- بيروت، كتاب الفتن، مج13، ص40.
(5) الترمذيُّ، سنن الترمذي، (بيروت: دار عمران، د. ت. ط)، كتاب صفة القيامة، رقم 2416 (دار عمران، بيروت، د. ت. ط)، ص612.
(6) {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فيِ الاَرْضِ خَلِيفَةً ... } الآية: 30 من سورة البقرة.
(7) انظر: الزمخشري، محمود بن عمر: الكشَّاف عن حقائق وغوامض التنزيل (بيروت: دار الكتاب العربي، ط3،1407هـ/1987م،) ص124. (1/14)
صفحة 15
الآدميِّين خلفوا جنسا آخر كان يسكن الأرض سابقا، فأفسد فيها وسفك الدماء، ومن ثَمَّ تكون الخلافة على هذا الرأي خلافة جنس سابق. بينما يرى فريق (1) آخر أنَّ آدم عليه السلام هو المعنيُّ بالخلافة، منهم ابن عبَّاس وجميع أهل التأويل. فهو خليفة الله في إمضاء حكمه وأوامره؛ لأَنَّهُ أوَّل رسول إلى الأرض. فيما يذهب رأى ثالث (2) إلى أنَّ المقصود بالخليفة بني آدم قاطبة، فهم يخلفون بعضهم بعضا جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن، كما قال تعالى: {وَهُوَ الذِي جَعَلَكُمْ خَلآَئِفَ الاَرْضِ} [الأنعام:165]، {فَخَلَفَ مِنم بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} [الأعراف:169]، ولم يقصد به آدم بعينه. وإذ لو كان ذلك لما حسن قول الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُّفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ} [البقرة:30]، فإنَّهم أرادوا أنَّ من هذا الجنس من يفعل ذلك، وَكَأَنَّهُم علموا ذلك بعلم خاصٍّ، أو بما فهموه من الطبيعة البشريَّة.
وإلى هذا الرأي الأخير يميل كلٌّ من الشيخين رشيد رضا وبيُّوض إبراهيم، وهما من المفسِّرين المعاصرين، فيقول الأَوَّل بعد استعراضه لآراء المفسِّرين في المقصود من الخلافة، أهي خلافة جنس آخر أم خلافه عن الله: «فيصحُّ أن يكون معنى الخلافة عامًّا في كلِّ ما ميَّز الله به الإنسان على سائر المخلوقات، فالإنسان خلق ضعيفا كما قال في كتابه: {وَخُلِقَ الاِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء:28]، وخلقه الله جاهلا: ¨ {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنم بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل:78]. لكن على ضعفه وجهله عبرة لمن يعتبر؛ لأَنَّهُ مع ضعفه يتصرَّف في الأقوياء، ومع جهله في نشأته يعلم جميع الأشياء».
__________
(1) انظر: القرطبي، أبو عبد الله محَمَّد بن أحمد: الجامع لأحكام القرآن (بيروت: دار الكتب العلميَّة بيروت، د. ط، 1413هـ/1993م)، مج1، ص182.
(2) انظر: ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل: تفسير ابن كثير (بيروت: دار الأندلس، ط8، 1406هـ/1986م) مج1، ص120. (1/15)
صفحة 16
ويستطرد بعد بيان أسباب قوَّة الإنسان التي تكمن في العقل الذي وهبه الله وميَّزه به عن سائر الخلق: «فلهذا جعله خليفة في الأرض، وهو أحقُّ المخلوقات بهذه الخلافة» (1).
ويرى الشيخ بيُّوض إبراهيم (2): «إن تفضيل وتكريم بني آدم يعود إلى كونهم خلفاء لله تعالى، وإنَّ الزعم بأنَّ آدم خلف جنسا كان يسكن الأرض قبله زعم لم يقم عليه دليل، وإنَّما هو خليفة الله، وهذا ما يتَّفق مع تكريم بني آدم وتفضيلهم».
وبعد عرض أقوال المفسِّرين في معنى الخلافة، نرى أنَّ الرأي الأخير هو الأرجح، وهو ما ذهب إليه كثير من المفسِّرين، وتؤيِّده كثير من آيات الاستخلاف التي استعرضناها سابقا، وإنَّ قصر الخلافة على آدم بمفرده لا يَتَّفِقُ مع رسالة الإنسان، وهي نظرة ضيِّقة لا تنسجم وحقيقة الاستخلاف العامَّ للبشر.
من خلال عرضنا للمدلول اللغويِّ والاصطلاحيِّ، والمعنى العامِّ لآيات الاستخلاف في القرآن الكريم، نلاحظ أنَّ هذه الآيات تناولت الإنسان من حيث هو إنسان لا من حيث أَنَّهُ حاكم، وأنَّ هذا الاستخلاف هو أعظم ما كرَّم به الله بني البشر.
فإنَّ كلمات الخليفة والاستخلاف لم تستعمل لدلالات سياسية إلاَّ بعد وفاة الرسول J ، فالمدلول القرآنيُّ للخلافة هو نظام كونيٌّ لخلافة الإنسان، وليس نظاما سياسيًّا لخلافة حاكم لحاكم، وبرفع هذا الاستخلاف الإنسان من درجة مواطن في أيَّة دولة زائلة إلى منزلة المواطن في الكون الإلهي، فيجعل منه أصل الوجود وحقيقته، ويصير بذلك سيِّد الكون بعد الله، وصانعا جديدا له، لا ينشر الفساد
__________
(1) رشيد رضا: تفسير المنار (بيروت: دار المعرفة، ط2،) ج1 ص257.
(2) إبراهيم بيوض، في رحاب القرآن، مرجع سابق، ج1، ص47. (1/17)
صفحة 17
كما تصوَّرت الملائكة، بل يُحِلُّ فيه النظام والصلاح محلَّ الفوضى والفساد، فقد منحه الله مفاتيح الكون ليكشف عن أسراره، ويظهر حكمته على يده (1).
المطلب الخامس: أقسام الاستخلاف:
إنَّ الاستخلاف قسمان (2):
1) استخلاف عامٌّ. 2) استخلاف خاصٌّ.
فالاستخلاف العامُّ هو استخلاف كلِّ البشر على الأرض ليعمروها، قال تعالى: {وَهُوَ الذِي جَعَلَكُمْ خَلآَئِفَ الاَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ ءَاَتَاكُم}، فالآية تَدُلُّ على الخلافة العامَّة للبشر، والهدف والغرض من هذا الاستخلاف هو الابتلاء والاختبار، أمَّا الاستخلاف الخاصُّ فهو استخلاف في الحكم، وهو نوعان:
أ) استخلاف الدول.
ب) استخلاف الأفراد.
فاستخلاف الدول: أن يمنَّ الله على أمَّة بالحرِّيَّة والاستقلال وبسط النفوذ بحيث تحكم غيرها من الأمم والشعوب، وقد بيَّن الله عز وجلَّ في كتابه أنَّ الذي يرشِّح لقيادة الأمَّة أمران: الإيمان والعمل الصالح: {وَعَدَ اللهُ الذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فيِ الاَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [النور:55]. ومعناها أنَّ الله وعد الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح أن يستخلفهم في الأرض فيجعلهم الخلفاء الغالبين المالكين، كما استخلف عليها من
__________
(1) د/ حسن صعب، إسلام الحرِّيَّة لا إسلام العبوديَّة. (بيروت: دار العلم للملايين ط3، 1981م) ص78.
(2) أحمد يوسف، القيم الإسلاميَّة في السلوك الاقتصادي (القاهرة: دار العلوم، 1410هـ/1990م،) ص37. (1/18)
صفحة 18
قبلهم.
أَمَّا استخلاف الأفراد فهو الاستخلاف في الرئاسة، وقد يسمَّى المستخلَف خليفة أو إماما أو ملكا. ومن ذلك قوله تعالى: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الاَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} [ص:26]. رغم أنَّ هذه الآية نزلت في حقِّ سيِّدنا داود عليه السلام، إلاَّ أَنَّهَا عامَّة في توجيهاتها لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحقِّ والعدل.
والتقسيم نفسه اعتمده الأستاذ عبد القادر عودة (1).
إلاَّ أن الأستاذ الحسب (2) اعتمد تقسيما آخر مستوحى من أشكال الملكيَّة في الإسلام، حيث ركَّز في تقسيمه على الاستخلاف الخاصِّ، مستبعدا الاستخلاف العامَّ؛ وذلك على الشكل التالي:
1 - استخلاف فردي: يتولاَّه الفرد في صورة ملكيَّة حقِّ انتفاع فرديٍّ.
2 - استخلاف جماعة: تتولاَّه مجموعة من الأشخاص في ضوء ملكيَّة انتفاع تمارسها الجماعة بشكل مشترك.
3 - استخلاف جماعي: تتولاَّه الدولة في صورة ملكيَّة عامَّة أو ملكيَّة اجتماعيَّة، باعتبار الدولة هي المسؤولة عن مصلحة أفراد المجتمع جميعا.
نرى أنَّ كلا التقسيمين ناقص بحيث لم يشمل أنواع الاستخلاف الذي ذكره الله في القرآن، فالأول أغفل نوعا من أنواع الاستخلاف الخاصِّ وهو الاستخلاف على الأموال؛ والثاني أهمل الاستخلاف العامَّ. وعلى ضوء آيات الاستخلاف في كتاب الله يمكننا أن نضع تقسيما جامعا لأنواع الاستخلاف، ولو استعرضناها
__________
(1) عبد القادر عودة: المال والحكم في الإسلام، مرجع سابق، ص14.
(2) الحسب، فاضل عبَّاس: في الفكر الاقتصادي الإسلامي (بيروت: دار عالم المعرفة، ط2، 1401هـ/1981م)، ص39. (1/19)
صفحة 19
لأمكننا تصنيفها صنفين: صنف يشمل الاستخلاف العامَّ، وصنف يشمل الاستخلاف الخاصَّ، والذي بدوره يحتوي على الاستخلاف في الحكم والاستخلاف في الأموال، إلاَّ أنَّ القرآن الكريم ركَّز بصفة عامَّة على الاستخلاف العامِّ؛ لأَنَّهُ يشمل خلافه الإنسان على الأرض بجميع أشكالها، منها: الحكم والمال.
ففي هذين المجالين يُبتلى الإنسان أكثر وتُمتحن إرادته وتظهر إمكانية تحمُّله للأمانة التي تحمَّلها، أو يخفق في تحمُّلها.
فلو تتبَّعنا هذه الآيات لوجدنا أنَّ كلاًّ من آية النور (55)، والأنعام (33)، وهود (57)، والأعراف (129)، والبقرة (30)، والأنعام (165)، ويونس (14) و (73) وفاطر (39)، والأعراف (69، 74)، والنمل (62)، كلُّها تتناول الاستخلاف العامَّ، بينما خصَّت آية (ص: 26) بالخلافة الخاصَّة في الملك والحكم، وآية الحديد (7) بالخلافة الخاصَّة في الأموال.
وبما أنَّ موضوع البحث يدور أصلا حول الاستخلاف على الأموال، ينبغي بيان معنى الآية التي تناولته.
ليس هناك خلاف بين المفسِّرين في المعنى الذي يراد من الآية، فقد قرنت الإيمان بالله ولرسوله بالإنفاق من الأموال التي استخلف عليها البشر، والتي تؤكد أنَّ ملكيَّتهم ليست أصليَّة، وإنَّما هم مستخلفون عليها، وبعد بيان هذه الحقيقة وعد الله المؤمنين المنفقين بالأجر والثواب الكبير. ويتساءل المولى عزَّ وجلَّ عن الإحجام وعدم الإنفاق في مواطن البرِّ ما دام كلُّ شيء يؤول ويصير إليه: {وَمَا لَكُمُ, أَلاَّ تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ} [الحديد:10]، ثُمَّ بيَّنت الآية مراتب الإنفاق مع وعد الجميع بالحسنى، وختم الله السياق بالدعوة إلى القرض الحسن، لما فيه من مظاهر التضامن والتكافل وسدِّ حاجات المحتاجين، وأعطى له نفحة ربَّانيَّة، فكان من أقرض أخاه قرضا كمن أقرض الله، فإنَّ الله غنيٌّ كريم، فسيضاعف له قرضه ويجازيه الجزاء الأوفى. (1/20)
صفحة 20
فالمعنى العامُّ للآية أنَّ الأموال التي بأيدي البشر إنَّما هي أموال الله، بخلقه وإنشائه لها، وهبها الله لهم، وخوَّل لهم الاستمتاع بها، وجعلهم خلفاء في التصرُّف فيها، فهي ليست بأموالهم في الحقيقة، وإنَّما هم بمنزلة الوكلاء والنواب، فلينفقوا منها في حقوق الله، وليَهُن عليهم الإنفاق منها كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه (1).
ويضيف الفخر الرازي (2) معنى جديدا إلى المعنى الأَوَّل، فيقول: «إِنَّهُ جعلكم مستخلفين ممَّن كان قبلكم، لأجل أنه نقل أموالهم إليكم على سبيل الإرث، فاعتبروا بحالهم، فَإِنَّهَا لَمَّا انتقلت منهم إليكم فستنتقل منكم إلى غيركم فلا تبخلوا بها».
وحتَّى تكتمل الصورة العامَّة لأقسام الاستخلاف نورد تفسير آية الخلافة في الملك الذي ورد في آية واحدة، وهي آية سورة ص (3)، فهي وصيَّة عامَّة من الله عزَّ وجلَّ لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحقِّ، وإن وردت في سياق نداء خاصٍّ لنبيِّه داود عليه السلام بكونه خليفة يقتضي منه أن يلتزم بتوجيهات المستخلِف في علاقته مع مرؤوسيه، وقد اشتملت هذه التوجيهات على أمر ونهي: الأمر بالحكم بين الناس بالحقِّ، والنهي عن اتِّباع الهوى، وهي توصيات شاملة لأصول الحكم والسياسة. وختمت الآية بالوعيد الشديد لمن ينحرف عنها ويتناسى يوم الحساب (4).
وبعد النظر في التقسيمات السابقة، والتمعُّن في معاني آيات الاستخلاف، نرى أَنَّهُ يمكن تقسيم الاستخلاف على النحو الآتي:
1) استخلاف عامٌّ. 2) استخلاف خاصٌّ.
1 - فالعامُّ: يشمل البشر كلَّهم باستخلافهم على الأرض، ابتداء من آدم عليه
__________
(1) الزمخشري، الكشَّاف، مرجع سابق، ج4، ص473.
(2) الفخر الرازي: التفسير الكبير (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط3، د. ت،) ج29، ص216.
(3) {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الاَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} آية 26 من سورة ص.
(4) ابن كثير: تفسير ابن كثير، المرجع السابق، مج 6، ص55. (1/21)
صفحة 21
السلام، الذي أنبأ الله ملائكته بجعله وذرِّيَّته من بعده خلفاء في الأرض، إلى آخر خلق يعيش على هذه الأرض.
2 - والخاصُّ: يحتوي على قسمين:
أ) استخلاف الدول: ويشمل أولي الأمر بالقيام بالأمانة التي تحمَّلوها في رعاية حقوق الله وحقوق رعيَّتهم، وفي هذا الإطار يدخل الاستخلاف الذي ورد في سورة ص، الذي خاطب به ربُّ العزة نبيئه داود عليه السلام.
ب) استخلاف الأفراد: ويتضمَّن مسؤوليَّة كلِّ فرد في التصرُّف بالنعم التي امتنَّ الله بها على عباده، وعلى رأسها نعمة المال، التي نصَّ عليها القرآن في عدَّة آيات، منها آية الحديد (1).
ولأهمِّيَّة الاستخلاف على الأموال في حياة الأفراد والجماعات نجد أنَّ القرآن يصف دور المال بالقوامة: {وَلاَ تُوتُوا السُّفَهَآءَ اَمْوَالَكُمُ التِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَمًا} [النساء:5] (2)، والقيام والقوام لغة: اسم لما يقوم به الشيء، أي: يثبت، كالعماد والسناد لما يعمد ويسند به (3)، فالأموال هي عماد الحياة المادِّيَّة للإنسان وقوامها، فبدونها لا يقوم صرح الحياة.
وإذا كانت الأموال كذلك، فلا بدَّ أن تقوم على أسس ثابتة وأرض صلبة، حَتَّى يشيَّد عليها بنيان الحياة الإنسانيَّة، ويعلو صرحها سامقا شاهقا.
__________
(1) {ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} (الحديد، آية 7).
(2) سورة النساء، آية 5.
(3) الراغب الأصفهاني: معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم، مرجع سابق، ص432. (1/22)
صفحة 22
المبحث الثاني
الغاية من الاستخلاف
إنَّ الغاية من الاستخلاف تقودنا إلى البحث عن الغاية من وجود الإنسان أصلا على هذه الأرض، فالإنسان مناط الاستخلاف، والغاية من الاستخلاف تحقيق الخير والصلاح لهذا الإنسان.
فالإنسان وثيق الصلة بخالقه الذي أوجده على هذه الأرض، وبالكون الذي سخَّره له الله في خدمته، كما أَنَّهُ وثيق الصلة ببني جنسه الذين يعيشون على أرض واحدة، وخلقوا لهدف واحد، فهذه حلقات مترابطة محكمة، بها يتقرَّر مصير الإنسان على هذا الكون.
المطلب الأول: الإنسان مركز الوجود
إنَّ العلاقات التي ذكرناها تجعل من الإنسان مركز الوجود، والأساس الذي تقوم عليه الحياة، فبدونه تصبح الحياة بدون معنى وبدون هدف، فما هي هذه العلاقات؟
الفرع الأوَّل: علاقة الإنسان بالخالق:
علاقة الإنسان بالله علاقة العابد بالمعبود، المخلوق بالخالق، فالله خلق الإنسان وسخَّر له من ملكوته ما يمكنه أن يتمكَّن من ناصيته، فأمره بالعبادة بمفهومها الشامل، وهي الإذعان والخضوع لسننه في الكون، والتزام ما جاءت به رسله في منهجه وسلوكه في الحياة: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ يُّطْعِمُونِ} [الذاريات"57].
الفرع الثاني: علاقة الإنسان بالكون:
صلة الإنسان بهذه الأرض وبالكون عامَّة صلة عبوديَّة لخالق واحد لا يُعبد فيه سواه، وبهذا ترتبط علاقة الإنسان بالكون ارتباطا وثيقا لوحدة المبدع (1/23)
صفحة 23
ووحدة الهدف (1).
فالكون يسير وفق سنن مضبوطة لا يمكنها أن تتخلَّف، ويمكن أن نعبر عنها بلغة العصر مبرمجة مسبقا: {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَّرَقَةٍ اِلاَّ يَعْلَمُهَا} [الأنعام:59]، {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس:40].
وإذا كانت هذه سنَّة الكون في الانضباط فبالأحرى أن تنطبق على الإنسان في علاقته بالكون بالانسجام مع سننها، فهو المستخلف على الأرض التي يتصرَّف فيها، فيجب أن تضبط تصرُّفاته بمقتضى سنن الخالق (2).
فالأرض ذلِّلت ليأخذ منها الإنسان منافعه: {هُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك:15]. فهي مستعدَّة للإجابة عن جميع تصرُّفاته المعاشيَّة والعمرانيَّة. وحتَّى الكواكب ذات فوائد بالنسبة للبشر، يقول الأستاذ مزيان: «فالشمس والقمر والنجوم داخلة في نسق حيويٍّ غير بعيد عن الإنسان، فهي مسخَّرة نوعا ما بإعطاء فوائدها من تداول الليل والنهار والفصول حَتَّى تتنوَّع الحياة من السعي إلى الراحة، وتتمَّ دورة النبت والنضج لفائدة البشر والأنعام» (3).
الفرع الثالث: علاقة الإنسان بالإنسان:
هذه العلاقة تضبط بموازين القسط، وتضبط بقيم العدل والمساواة، وتحكمها الأخلاق: {لَقَدَ اَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد:25]، فالله أرسل رسله وأنزل معهم الكتب والميزان ليبيِّنوا هذه الموازين التي تحكم علاقة الناس دون بغي أو ظلم.
__________
(1) محَمَّد محمود بابلي: إعمار الأرض، مرجع سابق، ص33.
(2) مزيان، عبد المجيد: النظريات الاقتصاديَّة عند ابن خلدون (الجزائر: المؤسَّسة الوطنيَّة للكتاب، ط2، 1988م)، ص210
(3) عبد المجيد مزيان: النظريات الاقتصاديَّة عند ابن خلدون، مرجع سابق، ص212. (1/24)
صفحة 24
فلا تمكن حياة البشر بدون شريعة تحكمهم وتنظِّم علاقة بعضهم ببعض، وحتَّى لا يظلَّ البشر في متاهات تجاربهم القاصرة أنزل إليهم على يد رسله هذه الرسائل السماويَّة ليستنيروا بهديها رحمةً بهم، وإقامةً للحجة عليهم: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]، {لِيَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةُم بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء:165].
بهذه العلاقات الثلاثة ترتبط في حلقة محكمة نحو تحقيق هدف واحد، فالله هو الخالق للإنسان وللكون، وفي درجة ثانية تعطي هذه العلاقة بعدا كونيًّا وتعلي من قيمته فوق الكائنات، وتكسبه حرِّيَّة وتصرُّفا في الكون، وفي درجة ثالثة تنبِّهه إلى علاقته مع بني جنسه، وتلفت نظره إلى الأخلاق الاجتماعيَّة والمعاشيَّة، وتجنِّبه الظلم والإسراف والتبذير.
ولعلَّنا نصل في النهاية إلى أنَّ الإنسان هو مركز الوجود باستخلافه على هذه الأرض، وممَّا يؤكِّد هذه المقولة أنَّ الكون كلَّه مسخَّر لبني آدم، فما هو هذا التسخير؟ فهذا ما سنتعرض له في المطلب الآتي:
المطلب الثاني: الاستخلاف والتسخير:
التسخير لغة هو القيام بعمل دون مقابل، فيقال: سخَّره تسخيرا: كلَّفه عملا بلا أجر، سِخريًّا وسُخريًّا. وسَخَرَه كلَّفه ما لا يريد وقهره، وكلُّ مقهور مُدبَّر لا يملك لنفسه ما يخلِّص من القهر فذلك مسخَّر (1).
حين أسكن الله الإنسان على هذه الأرض، وجعله خليفته هيَّأ له سبل الانتفاع بها، بما زوَّده من ملكات: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالاَبْصَارَ وَالاَفْئِدَةَ} [النحل:78]. وَلَمَّا كانت الأرض مصدر حياة ومعاش لهذا الإنسان، فإنَّ جميع ما فيها مخلوق مسخَّر له. بالإضافة إلى ما تحيط بها من أفلاك وعوالم تؤدِّي للإنسان خدمات كبرى: {وَهُوَ الذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا ... } [النحل:14].
يقول الأستاذ عبد الستار:
«فالله سخَّر للإنسان كلَّ عناصر الثروات الطبيعيَّة من معادن الأرض وكنوزها وذخائر البحر وطبقات الجبال: {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد:25]، وكذلك سخَّر له خصائصها وقواها الكامنة فيها، فأودع في الزرع قوَّة النماء، وفي الأرض قوَّة النماء، وفي الماء قوَّة الإحياء، وفي الأحياء قوَّة التوالد والتكاثر. حَتَّى الرياح أودع فيها خصائص اقتصاديَّة كتلقيح الزرع. وأودع في الشمس والقمر ما لا يُحصى، كتهيئة الضوء والحرارة اللازمتين لنشوء أصناف الحياة الحيوانية والنباتية» (2). كلُّها تعمل في صمت وتواضع، ومجاَّنا بدون مقابل في خدمة الحياة الإنسانيَّة على هذه الأرض.
إنَّ للتسخير جانبين:
أ) جانب يهمُّ الطبيعة قاطبة، بتنوُّعها الواسع، يستغلُّها الإنسان بكامل الحرِّيَّة، وفي حدود الاستخلاف الذي استخلفه الله عليه.
ب) جانب يهمُّ علاقات الإنسان بالإنسان في الحياة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة التي تقتضي تسخير البشر بعضهم لبعض (3)، وهو الذي تعنيه الآية الكريمة: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا} [الزخرف:32].
ويندرج في إطار هذا التسخير تبادل المنافع والخدمات؛ فالله أوقع هذا التفاوت بين العباد في القوَّة والضعف، والعلم والجهل، والحذاقة والبداهة، لأَنَّهُ لو سوَّى
__________
(1) ابن منظور، لسان العرب المحيط، مرجع سابق، مج3، ص114.
(2) عبد الستار فتح الله سعيد (القاهرة: المعاملات في الإسلام، دار الطباعة والنشر الإسلاميَّة، ط2، 1406هـ)، ص119.
(3) مزيان، عبد المجيد: النظريَّات الاقتصاديَّة عند ابن خلدون، مرجع سابق، ص213. (1/25)
صفحة 25
بين خلقه في كلِّ هذه الأحوال فلن يخدم أحد أحدا، ولم يصر مسخَّرا لغيره، وحينئذ يفضي إلى خراب العالم وفساد نظام الدنيا (1).
وهذا ما تقتضيه الحياة المدنيَّة من توزيع الأعمال وتقسيمها على فئات المجتمع ليتمَّ العمران، فالإنسان ككائن اجتماعيٍّ مسخَّر لغيره، ومسخَّر لأمثاله. وهو في العلاقات محكوم بقيم، تقتضيها الحياة الاجتماعيَّة.
المطلب الثالث: الغرض من الاستخلاف:
إنَّ الغرض من الاستخلاف ثلاثة أشياء (2):
أ) عبادة الخالق.
ب) عمارة الأرض.
ج) تثميرها.
ويمكننا أن نختصر هذا الغرض في هدفين اثنين هما: عبادة الخالق وعمارة الأرض؛ لأنَّ التثمير هو جزء من العمارة، وثمرة من ثمارها، والعمارة بمفهومها الشامل هو ما يسمَّى بالتنمية في الاصطلاح الاقتصادي، ولنا عودة إلى هذا الموضوع عند البحث في الاستخلاف والعمارة في الفصل الرابع.
والغرض من الاستخلاف توضِّحه آيات من القرآن الكريم.
فآية الأنعام (3) تحصر الغرض والغاية من الاستخلاف في الابتلاء، بعد أن هيَّأ الله أسباب الخلافة. و «ما» الموصولة في الآية عامَّة تشمل جميع النعم التي أنعم بها الخالق، منها: نعمة المال والعلم والعقل، كيف يشكرها الخلق.
__________
(1) الفخر الرازي: التفسير الكبير، مرجع سابق، ج27، ص210.
(2) أحمد يوسف، القيم الإسلاميَّة في السلوك الاقتصادي، مرجع سابق، ص41.
(3) {وَهُوَ الذِي جَعَلَكُمْ خَلآَئِفَ الاَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ ءَاَتَاكُمُ} (الأنعام/ 165). (1/26)
صفحة 26
كما نلاحظ ارتباط الخلافة بالعبادة من خلال نصَّين من القرآن الكريم، يقول تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]. ويقول: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فيِ الاَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30] ففي هذين النصَّين برزت العبادة والخلافة مرتبطتين بالإنسان؛ فالأولى تنصُّ على أنَّ الهدف من خلق الإنسان عبادة الله، والثانية تقرِّر أنَّ الإنسان خليفة الله في الأرض، ومن تزاوج المعنين يتَّضح أنَّ الخلافة التي أرادها الله هي نفسها عبادة الله التي أمرنا بها.
فمركز الإنسان في هذا الكون أَنَّهُ مستخلف من قبل الله تعالى في إقامة العمران على سطح الأرض، فهو يمارس أعمال الخلافة هذه تبعا لإرشاد الله له، إنَّما هو بتعبير آخر يعبد الله.
يقول الأستاذ شوقي دنيا: «إنَّ خلافة الإنسان لله وعبادته له يمثِّلان وجهين لحقيقة واحدة، حيث إنَّ الخلافة إن هي إلاَّ تنفيذ أحكام الله تعالى في شتِّى المجالات، والعبادة المذكورة في آية الذاريات (1)، هي طاعة الله التامَّة، وهي أشمل من العبادات ذات التسميَّات المعروفة كالصلاة والزكاة، فمفهومها شامل لكلِّ أعمال الإنسان ونواياه (2).
إذن يمكن القول: إنَّ الخلافة هي العبادة، وهي الغرض الأسمى من الاستخلاف، وازدواج التسمية يؤدِّي أغراضا عديدة، منها اعتبار أنَّ سلوك الإنسان في حياته يعكس مركز الإنسان بين سائر المخلوقات، ويجعل من حياته كلِّها محراب عبادة الخالق.
وفي نهاية هذا المطلب لنا أن نضع التساؤل الآتي: هل الإنسان مجبر على أن يكون خليفة في الأرض؟
نعم، لأنَّ الله عزَّ وجلَّ جعله كذلك خليفة، وهذا هو الابتلاء الذي ابتلى به
__________
(1) {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (الآية 56 من الذاريات).
(2) شوقي دنيا أحمد، الإسلام والتنمية الاقتصاديَّة (القاهرة: دار الفكر العربي، ط1، 1979م)، ص47. (1/28)
صفحة 27
البشر، غير أنَّ الإنسان مخيَّر أن يكون خليفة لله، فتكون له السيادة في الأرض بتطبيق منهج الله وشرعه، فيحقِّق له الفوز والنجاح في الدنيا والآخرة، أو أن يكون خليفة للهوى والشيطان: {وَمَنَ اَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص:50].
فالناس ـ نتيجة لابتلائهم، ولتوفُّر مقوِّمات الحرِّيَّة والاختيار عندهم يصبحون بالضرورة مستخلفين (1)، ولهم اتِّباع أيِّ السبل التي يختارونها؛ سبل الهداية والرشاد، أو سبل الضلالة والهلاك: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد:10]. فالله أناط بالإنسان عمارة الأرض: {الذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمُ, أَيُّكُمُ, أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك:2]، فقد حدَّد المقصود والغرض لاختبار إرادة البشر.
فالعنصر الذي يستفيد من إعمار الأرض هو الإنسان.
ولا يقصد بلفظ الإنسان الإنسان المسلم فقط، وإنَّما بمفهومه الشامل المنحدر من ذرِّيَّة آدم قاطبة، لأنَّ الخلق كلَّهم عيال الله، كما ورد عن الرسول J أنَّه قال: «كلُّكم عيال الله، وأحبُّهم إليه أنفعهم لعياله» (2).
فالإنسان هو الجدير بخلافة الأرض لما ميَّزه على سائر خلقه من مميِّزات تجعله أهلا لهذا الاستخلاف، وهو الذي سيدير ثروات الله التي بثَّها في ملكوته.
__________
(1) أحمد يوسف: القيم الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص 41.
(2) لم أجد له أثرا في كتب الحديث المتوفِّرة لديَّ. (1/29)
صفحة 28
hhhhh (1/30)
صفحة 29
المبحث الثالث
مستلزمات الاستخلاف
إذا كان الاستخلاف يستلزم تحمُّل الأمانة والمسؤوليَّة، ويترتَّب عليه الجزاء من قِبل المستخلِف {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ ... } [الأحزاب73]، فلا بدَّ من توفُّر شروط تمكِّن المكلَّف من تحمُّل هذه المسؤوليَّة والتبعيَّة، فالله ميَّز الإنسان بالعقل ليحكِّمه في اختياره، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأقام الحجَّة على خلقه.
فالإنسان حامل أمانة التكليف التي عُرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها؛ ولهذا خُلق الإنسان حرًّا ليطيع الله أو يعصيه باختياره، ومنح له وسائل السير وتحمُّل هذا العبء الثقيل، فأُعطي قوَّة العقل، فعاد أفضل الموجودات وأشرفها (1).
وقد حصر البعض (2) مناط المسؤوليَّة في ثلاثة أركان:
1) تبليغ. ... 2) علم. ... 3) عمل.
فلا تبعيَّة بلا تبليغ، كما أنَّه لا مسؤوليَّة بدون حرِّيَّة، {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء:15].
أَمَّا العلم فَإِنَّ أَوَّل آية ي القرآن تلقَّاها صاحب الدعوة الإِسلاَمِيَّة محَمَّد رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، كانت أمرا بالعلم الذي تعلَّمه وامتاز به عن سائر المخلوقات، {وَعَلَّمَ ءَادَمَ الاَسْمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة:31].
أَمَّا العمل فهو مشروط بالتكليف الذي تسعه طاقة المكلَّف، وبالسعي الذي يسعاه لربِّه ولنفسه، {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا اِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة:286].
وإذا توفَّرت هذه العناصر، ترتَّبت عنها المسؤوليَّة التكليفيَّة التي عبَّر عنها القرآن
__________
(1) عطيَّة جمال الدين: النظريَّة العامَّة للشريعة الإسلاميَّة (القاهرة: مطبعة المدينة، ط1،1407هـ/1981م) ص: 18.
(2) العقَّاد عبَّاس محمود: الإنسان في القرآن الكريم (الجزائر: مكتبة رحَّاب، د. ت. ط) ص: 12. (1/31)
صفحة 30
الكريم بالأمانة، فما هي هذه الأمانة؟
المطلب الأوَّل: الأمانة في القرآن الكريم:
إنَّ جوهر قضيَّة الاستخلاف تكمن في أنَّ الإنسان أقدر الكائنات الموجودة على ظهر الأرض على تحمُّل المسؤوليَّة، لأَنَّهُ الكائن الحرُّ المختار، وقد سمَّى القرآن الكريم هذه المسؤوليَّة، بالأمانة، فهذه المسؤوليَّة تستتبع القيام بالعمارة والإصلاح في الأرض، والمحافظة على الطاقات الكامنة في الطبيعة، بل وتنميتها وتوزيعها على أبناء البشريَّة توزيعا عادلا (1).
وقد وردت كلمة الأمانة في القرآن الكريم في خمسة مواضع (2)، وكلُّها تفيد التبعيَّة والعهد والمسؤوليَّة، باستثناء آية البقرة التي خصِّصت بوديعة المال وما إليه، وهي آية الدين، وذلك نظرا لأهمية المال ودوره في الحياة المادِّيَّة، فالمال جزء هامٌّ من الأمانة التي تحمَّلها الإنسان، كما أشرنا سابقا.
ولقد وضَّح معنى الأمانة في آية الأحزاب وضوحا لا يقبل اللبس أو التأويل بالخروج عن جوهره المقصود، وهو التكليف، فما لم يذكره المفسِّرون بنصِّه ذكروه بمقتضياته (3).
فيرى الزمخشريُّ أنَّ الأمانة يريد بها الطاعة، فعظم أمرها، وفخم شأنها (4)، أَمَّا الفخر الرازي فيرى أَنَّهَا التكليف (5).
__________
(1) أحمد يوسف: القيم الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص 41.
(2) عبد الباقي، محَمَّد فؤاد: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، مرجع سابق، ص88.
(3) العقَّاد، عبَّاس محمود: الإنسان في القرآن الكريم، مرجع سابق، ص37.
(4) الزمخشريُّ: الكشَّاف، مرجع سابق، مج3، ص564.
(5) الرازي: التفسير الكبير، مرجع سابق، ج25، ص234. (1/32)
صفحة 31
أَمَّا ابن كثير (1) فأورد أقوال بعض الصحابة والتابعين وأعلن أنْ «لا تنافي بينها، بل هي متَّفقة، وراجعة إلى أنَّها التكليف وقبول الأوامر والنواهي»، ومن المفسِّرين المعاصرين (2) من يرى أنَّها الإرادة والإدراك وحمل التبعيَّة.
وإذا استعرضنا معاني الاستخلاف والأمانة والعبادة نراها متكاملة، فالله استخلف الإنسان على الأرض، فتحمَّل الأمانة ـ وهو التكليف ـ لأجل عبادة الله، إذن لا تنفكُّ الأمانة عن الاستخلاف، وإذا ما توصَّلنا إلى هذه النتيجة فإنَّ أمانة الاستخلاف تقتضي شروطا ومقوِّمات لا يمكن للإنسان بدونها أن يتحمَّل تبعات هذه الأمانة، فما هي هذه المقتضيات؟
يمكن حصرها في ثلاثة عناصر رئيسيَّة هي:
أ) المسؤوليَّة الشخصيَّة.
ب) العقل والاستطاعة.
ج) الحرِّيَّة والإرادة.
وسنخصُّ كلَّ عنصر من هذه العناصر بمطلب، كما نفرد الجزاء ـ الذي هو الثمرة الطبيعيَّة لهذه الأمانة ـ بمطلب خاصٍّ، والذي بدونه يعتبر الاستخلاف ضربا من العبث الذي ننزِّه عنه الخالق تبارك وتعالى، وقد أكَّدته آية الأحزاب صراحة، فبعد ذكرها لتحمُّل الإنسان لأمانة التكليف قال تعالى: {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب:73].
المطلب الثاني: المسؤوليَّة الشخصيَّة:
__________
(1) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق، مج5، ص523.
(2) سيِّد قطب: في ظلال القرآن (بيروت: دار الشروق، ط3، 1398ه/ 1977م)، مج5، ص2885. (1/33)
صفحة 32
أكَّدت كثير من الآيات هذه المسؤوليَّة منها: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [النجم:38]، {وَكُلَّ إِنسَانٍ اَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ, فِي عُنُقِهِ} [الإسراء:13]، {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنَ اَسَآءَ فَعَلَيْهَا} [الجاثية:15]، {فَمَنْ يَّعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَّعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة:8].
وقول رسول الله J : « كلُّكم راع وكلُّ راع مسؤول عن رعيَّته يوم القيامة» (1).
فالفرد في نظر الإسلام كائن حرٌّ مستقلٌّ مسؤول، فالمسؤوليَّة في الشريعة الإسلاميَّة شخصيَّة، وكلُّ فرد يتحمَّل تبعة كسبه وعمله، فإنَّ إثم أيِّ فرد لا يقع على عاتق الآخرين، وذلك خلافا للتصوُّر المسيحي (2) في وجود خطيئة أصليَّة متوارثة في جميع البشر منذ آدم عليه السلام (3).
فالقرآن يؤكِّد أنَّ آدم تاب من خطيئته وأنَّ الله قبل توبته: {وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى}. فقصَّة آدم عليه السلام مثال واضح لما يعرض للإنسان من الخطيئة والنجاة بالتوبة والإنابة، فخطيئته تدينه ولا تدين غيره، ونجاته رهينة بتوبته (4)، فهو محاسب عَمَّا اقترفته يداه، لا على ما فعله غيره.
وحتَّى الحساب يوم القيامة فرديٌّ، تبعا للمسؤوليَّة الفرديَّة: {وَكُلُّهُمُ, ءَاتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم:95]. وينطبق ذلك على كلِّ أصناف البشر، حَتَّى الأنبياء، فلا يغني أحد عن أحد.
وإذا كان الأصل هو المسؤوليَّة الفرديَّة، فإنَّ دواعي التضامن الاجتماعيِّ بين أفراد المجتمع الواحد فرضت بعض الصور من المسؤوليَّة الجماعيَّة، وهو ما يعبَّر عنه
__________
(1) تقدَّم تخريجه، انظر ص 50 من هذا البحث.
(2) لا يمكن نسبة هذه الفكرة إلى السيِّد المسيح عليه السلام، وإنَّما هي فكرة المسيحيَّة المنحرفة والمحرَّفة.
(3) عطية، جمال الدين: النظريَّة العامَّة للشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص20.
(4) عبد المنعم حسنين: الإنسان والمال في الإسلام، مرجع سابق، ص34. (1/34)
صفحة 33
في الفقه بالفروض الكفائيَّة، التي تظل مع ذلك هي الاستثناء من القاعدة الأصليَّة، وهي المسؤوليَّة الشخصيَّة.
ونستخلص مِمَّا تقدَّم أنَّ الإسلام يضع مبدأ المسؤوليَّة الفرديَّة ويكون الحساب على أساسها، غير أنَّ الفرد يرتبط بالجماعة ارتباط تعاون في بعض الفروض وفي الخير المشترك.
المطلب الثالث: العقل والاستطاعة:
إنَّ مناط المسؤوليَّة والتكليف هو العقل، فمتى غاب انتفى التكليف ورفعت المسؤوليَّة وسقط الجزاء، فقد رفعت المسؤوليَّة عن كلِّ الحالات التي ينعدم فيها العقل والتفكر وهي: الصِّبا والجنون والنوم، طبقا للحديث النبويِّ الشريف: «رفع القلم عن النائم حَتَّى يستيقظ، وعن الصبيِّ حتَّى يحتلم، وعن المجنون حَتَّى يعقل» (1).
وقد ميَّز خليفته على الأرض بأن زوَّده بالعقل الذي به يدبِّر ويفكِّر، وامتاز به عن سائر خلقه.
ويبرز الإمام الغزاليُّ أهمِّيَّة العقل ومنزلته الأولى، فهو يسند إلى الرسول J قوله: «أوَّل ما خلق الله العقل» (2). وممَّا يؤكِّد هذا القول أنَّ ذكر العقل يلي آية الاستخلاف في سورة البقرة، إِنَّهَا آية الأسماء والمعقولات، أو المفاهيم التي علَّمها الله لآدم (3).
وقد وردت مادَّة عقل في القرآن الكريم تسعا وأربعين مرَّة (4)، أغلبها ورد في
__________
(1) أخرجه أبو داود سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود، (بيروت: دار الجفان، ط،14091هـ/1988م) كتاب الحدود، رقم 4403، مج2 ص546.
(2) الغزالي، الإمام أبو حامد محَمَّد بن محَمَّد: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، ج1، ص83.
(3) انظر: سورة البقرة، آية 31 - 33.
(4) محَمَّد فؤاد عبد الباقي: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، مرجع سابق، ص468. (1/35)
صفحة 34
سياق التذكير بآيات الله، والتدبُّر في ملكوته، واستخدام العقل في التفكير، وردت حينا في صيغة الاستفهام الاستنكاريِّ، أو في صيغة الطلب، وأغلبها جاءت في صيغة المضارع المخاطب والغائب. فالعقل هو الذي يوفِّر سيادة الإنسان على سائر الكائنات بما يوفِّر له من إدراك ومعرفة، وطاقة تنظيمية خلاَّقة (1).
وقد استطاع الإنسان بالعقل أن ينهض بالاستخلاف وعمارة الأرض ويطوِّر وسائل كسبه ومعاشه، فهو بقوَّة العقل غير محدود الاستعداد ولا محدود الرغائب، ولا محدود العلم والعمل، فهو على ضعف أفراده يتصرَّف بمجموعه في الكون تصرُّفا لا حدَّ له، لذا جعله الله خليفته، وأحقَّ المخلوقات بذلك (2).
وقد خلق الله سائر المخلوقات لأغراض معيَّنة، وجعلها مسخَّرة بأمره بحيث تؤدِّي عملها دون إرادة منها، إلاَّ الإنسان فقد زوَّده بالعقل يؤدِّي عمله بإرادته، ومن هنا كان مسؤولا عن نتائج عمله (3).
والعقل أيضا أداة استمراريَّة تطوُّر الإنسان، وبناء حضارته على هذه الأرض، فهو مسؤول ـ بعد توقُّف الوحي ـ عن استمراريَّة الخلافة وإبداع وسائل الحياة الكريمة، غير أَنَّهُ يستنير بنور الوحي، ولا يقفز على حقائقه، لأنَّ للعقل الإنسانيِّ حدودًا يقف عندها لا يتعدَّاها، كأيِّ طاقة من طاقات الإنسان (4).
غير أنَّ الغرور الإنسانيَّ قد يحمِّل العقل ما لا طاقة له، فيتجاوز حدوده، وينكر الغيب لعجزه عن العلم به؛ لذلك يجب إخضاع العقل لتعاليم الوحي والاستنارة به.
ويدور التكليف والمسؤوليَّة حول عقل الإنسان وحريَّته في توجيه إرادته
__________
(1) حسن صعب: إسلام الحرِّيَّة لا إسلام العبوديَّة، مرجع سابق، ص79.
(2) رشيد رضا: تفسير المنار، مرجع سابق، ج1، ص259.
(3) الدموهي: عوامل الإنتاج، مرجع سابق، ص126.
(4) ابن عاشور، محَمَّد الفاضل: روح الحضارة الإسلاميَّة (واشنطن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1)، ص5. (1/36)
صفحة 35
وجودا وعدما، فمتى وجد العقل ووجدت الحرِّيَّة كان التكليف وكانت المسؤوليَّة، ومتى انعدما انتفى التكليف ورفعت المسؤوليَّة. فحيث لا إدراك فلا تكليف ولا مسؤوليَّة، ومن هنا كانت مباحث الأهليَّة سواء أكانت أهليَّة الوجوب أم أهليَّة الأداء أصلا من أصول الشريعة الإسلاميَّة (1).
المطلب الرابع: الحرِّيَّة والإرادة:
يعدُّ البحث في قضيَّة الحرِّيَّة جزءا من مباحث علم الكلام الذي يتناول الإيمان بالقضاء والقدر، وهل الإنسان مجبر أم مخيَّر في أفعاله وتصرُّفاته؟ وما حدود إرادة الله وإرادة الإنسان التي دلَّت عليه كثير من آيات القرآن الكريم (2) وكيفيَّة التوفيق بينهما؟.
فلا يمكننا الدخول في متاهات علم الكلام، وإنَّما علينا أن نبيِّن في هذا المجال العلاقة بين الاستخلاف والأمانة التي تحمَّلها الإنسان، وحرِّيَّته في كسبه وتصرُّفاته، حَتَّى يحاسب على أفعاله حسب اختياره.
أسوق قولا للشيخ محَمَّد الغزالي يبيِّن فيه بدقَّة الفرق بين إرادة الخالق وأفعال العباد فيقول: «يَتَعَلَّق القضاء والقدر بوقائع الحياة وأحداثها وأعمال الناس وتصرُّفاتهم على نحوين واضحين مميَّزين، لِكُلٍّ منهما حكمه الخاصُّ، وآثاره التي يترتَّب عليها، وبين كلا القسمين فواصل قاتمة، وتجاهلها يوقع في الدِّين الغموضَ والاضطراب» (3)، ويضيف بعد تمييز النوعين وتأكيد خطر الخلط بينهما: «وإنَّ القسم الأَوَّل يتمُّ بإرادة الخالق وحده وعلى وفق مشيئته، أَمَّا القسم الثاني فهو يتَّصل بأعمال البشر على عكس الأولى، ونحن نشعر حين أدائها بيقظة عقولنا، وحركة ميولنا، ورقابة ضمائرنا، ونجد القرآن يؤكِّد هذا الإحساس وينوِّه بحرِّيَّة
__________
(1) جمال الدين عطية: النظرية العامَّة للشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص19.
(2) {وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ} (البقرة، آية 213). {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ} (الأعراف، آية 30). {فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَّشَآءُ وَيَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ} (إبراهيم، آية 4).
(3) محَمَّد الغزالي، عقيدة المسلم (باتنة، الجزائر: دار الشهاب، د. ط، 1985،) ص96. (1/37)
صفحة 36
الإرادة الإنسانيَّة، بل إنَّ طبيعة هذا الدين ـ وهي التكليف والابتلاء ـ لا يتحقَّق مع استبعاد الحرِّيَّة، وتقييدها، وإيقاعُ الجزاء لا يتوجَّه ويقرُّ إلاَّ في هذا الجوِّ الفسيح (1).
لكن كيف نوفِّق بين القول بحرِّيَّة الإرادة الإنسانيَّة والقول: إنَّ أعمالها لن تخرج عن دائرة المشيئة الإلهيَّة؟
هنا يضرب الشيخ مثالا ملموسا من واقع الحياة فيقول: «العلم الإلهيُّ مثله كمثل مرآة تعكس تصرُّفات العباد وأعمالهم، فهي لا تتَّصل بالأعمال اتِّصال تصرُّف، وتحريك، وَلَكِنَّهُ اتِّصال انكشاف ووضوح، فهي تتبع العمل ولا يتبعها العمل، غاية ما يمتاز به العلم أَنَّهُ لا يكشف الحاضر فقط، بل يكشف الماضي والمستقبل أيضا» (2).
إذن، فالإنسان حرٌّ في تصرُّفاته وكسبه، وإن اطَّلعت الإرادة الإلهيَّة عليها مسبقا، ولا يحاسب إلاَّ بما كسبت يداه بمحض إرادته، ثُمَّ إنَّ العدل الإلهيَّ يتنافى مع الجبر، فالذي أعدَّ للعاصي عقابا لا يعاقب عن فعل مجبر عليه، وفي هذا يقول الشيخ بيُّوض (3): «ستَّة تنفي الجبر والجبْل معًا: المدح والذمُّ والأمر والنهي والثواب والعقاب، فأنت ترى أنَّ مدح الله للمحسنين وثناءه عليهم، وذمَّ المسيئين وإنكاره عليهم، والمدح والذمُّ عند العقلاء لا يقعان إلاَّ على فاعل مختار فيما يفعله، وَلَمَا أمره ونهاه، ولا فائدة من أمر من تجبره على العمل، ولا في نهي من تجبره على الترك، وإذا كان العقلاء ينزَّهون فكيف بالعليم الحكيم».
فهناك علاقة وطيدة بين حرِّيَّة الإنسان وكسبه، وبين خلافته في الأرض، إذ لو
__________
(1) نفسه، ص97.
(2) نفسه، ص 90.
(3) انظر: فتاوى الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض، تحقيق الشيخ بالحاج بكير (غرداية، الجزائر، المطبعة العربيَّة، د. ط، 1988 ج1، ص43. (1/38)
صفحة 37
شاء الله لخلق الخلق مفطورا على عمل الخير كالملائكة، وعندئذ لا يكون الإنسان الذي جعله خليفته في الأرض، وكلَّفه بدينه وشرائعه، وأعدَّ له الثواب والعقاب، لَكِنَّهُ خلقه مختارا في أفعاله، حَتَّى يكون جزاؤه يوم القيامة تبعا لما اختاره بنفسه في حياته (1).
وهناك أيضا علاقة محكمة بين الحرِّيَّة والإنسانيَّة، فإذا انتفت الحرِّيَّة فلا إنسانيَّة، وإنَّما تصبح عبوديَّة وحيوانيَّة، فالحرِّيَّة هي الاختيار في الفعل، والترجيح والموازنة في الحكم على الأشياء وتقديرها، والإنسانية التي تميَّز بها الإنسان عن الحيوان هي استعداده لأنْ يفكِّر ويوازن فيما يفكِّر، ثُمَّ يختار ما هو جدير بالتجسيد والعمل والتنفيذ (2) ولو لم يكن للإنسان هذا الاستعداد لكان هو والحيوان سواء.
ويخلص من ذلك إلى نتيجة، وهي أنَّ الإنسانيَّة هي الحرِّيَّة، والحرِّيَّة هي الإنسانيَّة، فالإنسان هو وحده صاحب الحرِّيَّة، وصاحب الإنسانيَّة بين الكائنات، فهو حرٌّ فيما يعتقد، وحرٌّ فيما يملك، لا ضابط لحرِّيَّته إلاَّ التقيُّد بشريعة ربِّه، وإبعاد الأذى عن نفسه وعن غيره ممَّن معه في الوجود والمجتمع (3).
إذن، فالحرِّيَّة في الإسلام ليست حرِّيَّة مطلقه ـ كما قد يفهم ـ إنَّما مُنح الفردُ حقوقه الشخصيَّة، وقُيِّد ذلك بما ألقي عليه من المسؤوليَّة، دينيَّة ودنيويَّة، ولتجعل حرِّيَّته منسجمة مع رسالته الاستخلافيَّة.
وإذا كان الإسلام قد وضع قيودا لحرِّيَّة الإنسان في إطار التشريعات السماويَّة، فهو في آن واحد محرِّر الإنسان.
__________
(1) شلتوت، محمود، الإسلام عقيدة وشريعة (القاهرة: مطبوعات الإدارة العامَّة - 1379هـ/1959م)، ص43.
(2) البهي محَمَّد، الدين والحضارة الإنسانيَّة (الجزائر: مكتبة الشركة الجزائرية، د. ت. ط) ص165.
(3) الدريني، محَمَّد فتحي، الحقُّ ومدى سلطان الدولة في تقييده (بيروت: مؤسَّسة الرسالة، ط2، 1397هـ/1977م،) ص74. (1/39)
صفحة 38
كيف ذلك؟
الإسلام حرَّر الإنسان بطريقتين (1):
أ) بالعقيدة التي تملأ القلب إيمانا بأنَّ العمر بيد الله والرزق بيده، فمن نخاف؟
ب) بالشريعة التي تكفل حرمة الدماء والأموال والحرمات، وهنا أكبر ضمان للحرِّيَّة والكرامة الإنسانيَّة.
وقد وضع الإسلام وسائل الرقابة على تنفيذ ذلك بوسيلتين:
1) صوت الضمير على أساس التقوى، وهي الوسيلة الأساسية في حياة المسلم، والقرآن مشحون بالآيات التي تحثُّ الفرد على تقوى الله وخشيته، لكن قد يضعف الإيمان، وتنخفض درجة التقوى، وتستعلي الشهوات ويتحكَّم الشيطان؛ لذلك شرع الإسلام الوسيلة الثانية، وهي:
2) سوط السلطان، وهي تأتي في الدرجة بعد الوسيلة الأولى؛ وذلك بإلزام أفراد المجتمع بتنفيذ الواجبات، والكفِّ عن المنهيَّات وإقامة الحدود على المعتدين على حرمات الله.
وعلى هذا الأساس يمكن تقسيم الحرِّيَّة إلى قسمين:
أ) حرِّيَّة داخليَّة.
ب) حرِّيَّة خارجيَّة.
فالأولى تتَّصل بالإنسان من زاوية معتقداته وأخلاقه والسيطرة على اتِّجاهاته، والرقيب عليها صوت الضمير والوازع الدينيُّ. والثانية تتَّصل بعلاقته مع الآخرين أفرادا وسلطة، فهي تتَّصل بالقوانين والأنظمة، والرقيب عليها سوط السلطان.
__________
(1) كمال يوسف: الإسلام والمذاهب الاقتصاديَّة المعاصرة (القاهرة، دار الوفاء، ط1،1986م)، ص117. (1/40)
صفحة 39
وإذا أدركنا هذه الحقيقة عن الحرِّيَّة تبيَّن لنا أنَّ الحرِّيَّة ليست هي الانسلاخ من القيم الأخلاقيَّة والدينيَّة والانغماس في حمم الشهوات (1)، فالقيود الضابطة للحرِّيَّة هي في الأصل نابعة من النفس وليست قيودا، وهي تتكوَّن من حقيقتين:
1) السيطرة على النفس.
2) الإحساس بحقِّ الغير.
المطلب الخامس: الجزاء
الجزاء لغة:
المكافأة على الشَّيْء، وعليه جزاء وجازاه مجازاة وجزاء (2)، فالجزاء هو ثمرة التكليف والمسؤوليَّة وتحمُّل الأمانة، كما أَنَّهُ المحفِّز على العمل طمعا بالفوز بالثواب أو خشية من العقاب، فلا معنى للمسؤوليَّة إن هي خلت من عنصر الجزاء.
الجزاء في القرآن:
وردت مادة «جزاء» في القرآن الكريم مائة وسبع عشرة مرَّة. منها اثنتان وثلاثون في صيغة مصدر جزاء، وواحد وعشرون في صيغة المضارع: «نجزي»، والباقي على صيغ متعدِّدة، وإذا أضفنا إليه مادَّة العقاب والثواب واشتقاقاتهما ـ لأنَّ الجزاء يكون إِمَّا الثواب أو العقاب ـ نجد مادَّة العقاب وردت عشرين مرَّة، والثواب خمس عشرة مرَّة (3).
نلاحظ من هذا التكرار مدى اهتمام القرآن بالجزاء، وخاصَّة الجزاء الأخرويَّ؛
__________
(1) أبو زهرة: تنظيم الإسلام للمجتمع (القاهرة: دار الفكر العربي، د. ت. ط،) ص181.
(2) ابن منظور: لسان العرب المحيط، مرجع سابق، ج14، ص143.
(3) عبد الباقي محَمَّد فؤاد: المعجم المفهرس، مرجع سابق، ص162 - 164، 467. (1/41)
صفحة 40
لأَنَّهُ هو ثمرة التكليف كما أشرنا.
وقد ارتبط الجزاء في القرآن بِكُلِّ التكاليف التي كلِّف بها الإنسان، وأوَّلها وأعمها الأمانة العامَّة التي يحملها، فارتباط الجزاء بالتكليف هو في الحقيقة مرتبط بالاستخلاف، لأنَّ التكليف هو سبب استخلاف الإنسان ووجوده على هذه الأرض.
والجزاء الأخرويُّ هو الأصليُّ والحقيقيُّ والعادل؛ لأنَّ الحياة الدنيا دار ابتلاء وامتحان، والآخرة دار الجزاء، إمَّا بالثواب وإمَّا بالعقاب، إلاَّ أنَّ الجزاء الأخرويَّ يسبقه مرحلة الحساب، فالله لا يجازي إلاَّ عن بيِّنة وحجَّة يقيمها على خلقه، لهذا فهو يحاسبهم ثُمَّ يجازيهم، كلٌّ حسب عمله وكسبه، يقول الرسول J : « لا تزول قدم عبد يوم القيامة حَتَّى يُسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه» (1). والجزاء عنصر جوهريٌّ في الشريعة الإسلاميَّة، بينما ترى بعض النظريَّات الوضعيَّة (2) أنَّ الجزاء، وإن كان أحد عناصر القاعدة القانونيَّة، إلاَّ أَنَّهُ ليس عنصرا جوهريًّا يترتَّب على غيابه افتقاد القاعدة صفتها القانونيَّة، ومثال ذلك القانون الدوليُّ، وجزء من القانون الدستوري.
خصائص الجزاء في الشريعة الإسلاميَّة:
يتميَّز الجزاء في الشريعة الإسلاميَّة بخصائص عديدة منها:
1) لا يقتصر الجزاء على الجزاء الدنيويِّ، وإنَّما يشمل الدنيويَّ والأخرويَّ، ومن هنا كان تقسيم الأحكام إلى ما هو واجب ديانة فقط، حيث يقتصر على الجزاء الأخرويِّ، وما هو واجب قضاء، حيث يجمع الجزاء الدنيويَّ والأخرويَّ.
__________
(1) تقدَّم تخريجه، انظر: ص 51 من الرسالة.
(2) عطيَّة جمال الدين: النظريَّة العامَّة للشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص41. (1/42)
صفحة 41
2) لا يقتصر الجزاء بنوعيه على العقاب، وإنَّما تجمع الشريعة الإسلاميَّة بين العقوبة والمثوبة، ترهيبا وترغيبا.
3) يتحقَّق التوازن بين الجزاء الدنيويِّ والأخرويِّ، حيث أعطى الله صلاحيَّات لوليِّ الأمر لإقامة الجزاء الدنيويِّ بإقامة الحدود والتعازير وفقا لقاعدة: «إنَّ الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» (1).
tTtT
__________
(1) مقولة تنسب للصحابيِّ الجليل عثمان بن عفَّان رضي الله عنه. انظر: عبد الكريم الخطيب: السياسة الماليَّة، مرجع سابق، ص127. (1/43)
صفحة 42
المبحث الرابع
ضوابط الاستخلاف
لم يستخلف الله الإنسان على الأرض عبثا، وإنَّما لرسالة سامية يحملها، فقد رسم الله له الحدود، وبيَّن له المعالم، بواسطة كتبه المنزَّلة على أيدي رسله، وبما أودعه في عقله من نعمة التفكير والتمييز. فالاستخلاف مؤقَّت ومقيَّد، فهو مؤقَّت بمشيئة الله لمدَّة، ثُمَّ يعود ميراث الأرض لله مالكها الأصليِّ والأزليِّ: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الاَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [مريم:40] (1)، فالآية تعلن وراثة الله تعالى لِكُلِّ ما في أيدي البشر، فكان الناس يحوزون ما يحوزونه وديعة أو عارية من الله، وأنَّه مؤقَّت لمدَّة محدَّدة، ثُمَّ يستردُّها خالقها ووارثها.
وهو استخلاف مقيَّد وليس مطلقا، فقد بيَّنت الشريعة أصوله وقواعده، فلم يترك أمر الناس فوضى دون تنظيم، فهو مقيَّد بقيود حدَّدت مداه وكيفيَّته، ووضَّحت طريقة الانتفاع والتمتُّع بما سخَّره الله تعالى للإنسان (2).
يقول الأستاذ سيِّد قطب في شأن الملكيَّة: «فهي ملكيَّة معارة له، خاضعة لشروط المالك الأصليِّ وتعليماته، فإذا تصرَّف المستعير تصرُّفا مخالفا لشروط المالك وقع هذا التصرُّف باطلا، وتحتَّم على المؤمنين ردُّه، أَمَّا في الآخرة فهو محاسب على باطله ومخالفته لشرط الملك صاحب الملك الأصيل (3).
وإذا قيل هذا في الملكيَّة التي هي أبرز مظاهر استخلاف الإنسان، فإنَّ القول ينسحب على قضيَّة الاستخلاف العامَّة، والاستخلاف على الأموال بصفة أخصَّ.
__________
(1) سورة مريم، آية 40.
(2) العبادي: الملكيَّة في الشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص410.
(3) سيِّد قطب: في ظلال القرآن، مرجع سابق، ج5، ص247. (1/44)
صفحة 43
سنن الاستخلاف في القرآن الكريم:
كما سبق أن أشرنا، فالمفهوم القرآنيُّ للاستخلاف أنَّ الإنسان خليفة الله، ولتحقيق ذلك سخَّر له من الكون ما يسهِّل له مَهمَّته، ووهب له العقل المدبِّر، ووضع له من الضوابط ما يحقِّق به هدفه.
كما هدَّده باستبدال غيره به إن لم يحسن القيام بهذه المهمَّة.
وفي معرض قصص القرآن عن الأمم الغابرة التي لم تحسن أداء هذه الأمانة، فالله يذكِّر كلَّ أمَّة بمن سبقها من الأمم، وكيف كان مصيرها لَمَّا تخلَّت عن رسالة ربِّها، كما يهدِّدها بنفس المصير إن هي لم تلتزم وتتقيَّد بشروط الخلافة.
تقول الآية الكريمة التي جاءت على لسان سيِّدنا هود عليه السلام يُذكِّر قومه أنَّ الله استخلفهم في الأرض بعد أن أهلك قوم نوح: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنم بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف:69] (1). كما جاءت آية أخرى على لسان سيِّدنا هود نفسه عندما يئس وقنط من إصلاح قومه مبيِّنا سنَّة الله الاستخلافية. أَنَّهُ ما من أمَّة لم تلتزم بالمهمَّة فستسحب منها وتمنح لغيرها من الأمم: {فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدَ اَبْلَغْتُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا اِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} [هود:57] (2).
وفي نفس المعنى والسياق يُذكِّر سيِّدُنا صالح عليه السلام ويعلن لقومه أنَّ الله جعلهم خلفاء من بعد عاد، وأنَّ عليهم أن يؤدُّوا وظيفتهم الاستخلافية بشكل يرضي الخالق، محذِّرا إيَّاهم عاقبة الفساد: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنم بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الاَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا ... } [الأعراف74] الآية (3).
__________
(1) سورة الأعراف، آية 69.
(2) سورة هود، آية 57.
(3) سورة الأعراف، آية 74. (1/45)
صفحة 44
الانضباط في حدود الانتفاع:
ذكرنا أنَّ الاستخلاف وتسخير الكون للإنسان لا يعني الحرِّيَّة المطلقة للإنسان، رغم أنَّ الطبيعة بكاملها مسخَّرة له، فالكائنات كلُّها يمكن أن تُستغلَّ لفائدة النوع البشريِّ، على شرط ألاَّ يقع إتلافها دون مبرِّر، فالأرض والبحار والجبال، ودوابُّ الأرض تحتوي جميعا على منافع متجدِّدة، ويمكن تصنيف منافعها من القوت الضروريِّ للحياة إلى الرفه والزينة، دون حدٍّ في هذا التنويع إلاَّ الحظر بإتلاف الكائنات دون نفع ظاهر للإنسان (1).
فقد ورد في الحديث الشريف أنَّ طائرا عجَّ إلى ربِّه مشتكيا من الإنسان الذي ذبحه من غير منفعة (2)، فهذا الطائر ألهمه الله أنَّ حياته مسخَّرة لخدمة الإنسان، لكن في حدود الانتفاع لا في الإتلاف والضرر.
فالضابط العامُّ لحدود الاستخلاف فيما سخَّر الله للبشر من موارد الطبيعة وخيرات الأرض هو الانتفاع بها، فهي الأداة المساعدة لحياة الإنسان، ومرفق من مرافقها يجب الانتفاع بها في حدود النفع، بعيدا عن الإتلاف والضرر.
ويمكن تصنيف ضوابط الاستخلاف على صعيدين:
أ) على الصعيد العامِّ، وهي الضوابط التي تقيِّد الإنسان بصفته خليفة الله في أرضه.
ب) على الصعيد الخاصِّ، بصفته مالكا للمال، وسوف نركِّز على هذا النوع لأنَّه محلُّ البحث.
__________
(1) مزيان، عبد المجيد: النظريَّات الاقتصاديَّة عند ابن خلدون، مرجع سابق، ص211.
(2) نصُّ الحديث: «من قتل عصفورا عبثا عجَّ إلى الله يوم القيامة، يقول: يا ربِّ إنَّ فلانا قتلني عبثا ولم يقتلني منفعة». انظر: منتخب كنز العمَّال في سنن الأقوال والأفعال، بهامش مسند الإمام أحمد. دار صادر- بيروت، بدون تاريخ، مج2، ص208. (1/46)
صفحة 45
المطلب الأوَّل: الضوابط العامَّة:
وقد صنَّف الأستاذ أحمد يوسف هذه الضوابط إلى أربعة أصناف (1):
1) ما يضبط علاقة الإنسان بالله عزَّ وجلَّ.
أ) وجوب الخضوع له.
ب) وجوب الاعتقاد بأنَّ الملك لله وحده لا شريك له في ملكه.
2) ما يضبط علاقته بالكون.
أ) أنَّ كلَّ ما في الكون مسخَّر للإنسان.
ب) أنَّ الإنسان خليفة في الأرض.
3) ما يضبط علاقة الإنسان بنفسه.
أنَّ الحياة ليست الغاية، وأنَّه ثمَّة حياة أخرى، ومن ثَمَّ يجب أن يكون نشاطه كلُّه ـ ومنه نشاطه الاقتصادي ـ ابتغاء مرضاة الله.
4) ما يضبط علاقته بالناس من حوله.
إنَّ أبناء المجتمع كلَّهم إخوة، إمَّا لرابطة الدين والعقيدة، أو بحكم عقد الذمَّة الذي يسوِّي بين الحقوق والواجبات.
في الحقيقة إنَّ هذه الضوابط العامَّة هي من صميم عقيدة المسلم، الذي يدخل في علاقة انسجاميَّة مع خالقه، ومع نفسه ومع الكون، ومع من حوله من بني جنسه، ويؤكِّد هذا مدى ارتباط نظريَّة الاستخلاف بالعقيدة الإسلاميَّة، فمتى استقرَّت في قلب المؤمن ورسخت فيه انفعلت مع وجدانه، وترجمت إلى سلوك عمليٍّ بمقتضى هذه الرسالة الربَّانية.
__________
(1) أحمد يوسف: القيم الإسلاميَّة في السلوك الاقتصادي، مرجع سابق، ص11. (1/47)
صفحة 46
المطلب الثاني: الضوابط الخَاصَّة:
سوف نقتصر على الضوابط المُتَعَلِّقة بالاستخلاف على الأموال التي يمكن حصرها في ثلاثة بنود هي:
1) التزام الحلال الطيِّب.
2) اجتناب الخبيث المحرَّم.
3) أداء الواجبات الماليَّة.
1) التزام الحلال الطيِّب:
لقد وسَّع الله في دائرة الحلال الطيِّب، وجعله هو الأصل، والحرام هو الاستثناء: {قُل لآَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِليَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ, إِلآَّ أَنْ يَّكُونَ مَيْتَةً ... } الآية (1)، وعلى سبيل الحصر والتعداد. كما استنكر على من يحرِّم التمتُّع بزينة الحياة الدنيا، والانتفاع بالطيِّبات من الرزق في صيغة سؤال استنكاريٍّ: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ التِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف:32] (2).
فقد نصَّ على الحرام، وحصره في أشياء معدودة، وترك ما عدا ذلك مباحا محلَّلا. أحلَّ البيع والتبادل والهبة والهديَّة والوصيَّة والإجارة والقرض والشركة، وكلَّ سبيل للحلال كالزراعة والصناعة والتجارة، وفي إطار مبدإ عامٍّ، وهو إباحة العقود في دائرة الحلال، ومع الالتزام بشروطها والوفاء بالتزاماتها: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالعُقُودِ} [المائدة:1] (3).
__________
(1) سورة الأنعام، آية 145.
(2) سورة الأعراف، آية 32.
(3) سورة المائدة، آية 1. (1/48)
صفحة 47
2) وجوب اجتناب الحرام الخبيث:
اجتناب كلِّ حرام خبيث سواء في ذاته أو في وسيلته مع تضييق دائرته عكس الحلال، ومدار التحريم فيه هو وصف «الخبث» وما يؤدِّي ذلك إلى ضرر شخصيٍّ أو اجتماعيٍّ مادِّيٍّ أو معنويٍّ، ويمكن تصنيفه على النحو الآتي:
أ) تحريم كلِّ خبيث العين: كالخمر والخنزير والميتة، فهي خارجة من دائرة الحلال، فيحرم استهلاكها أو التعامل بها وتبادلها.
ب) تحريم كلِّ وسيلة خبيثة للكسب: كالاتِّجار في الأعراض، وكذا كلُّ وسيلة من وسائل الغشِّ كالتدليس، واليمين الباطلة، والغرر.
ج) تحريم الكسب الذي لا يقابله جهد وعمل مشروع: كالقمار والمراهنة والغصب والسرقة، ويدخل في هذا الصنف «الربا»؛ لأَنَّهُ في الحقيقة استيلاء على المال بلا جهد حقيقيٍّ، أو مخاطرة يبذلها المرابي، بل هو استنزاف وامتصاص لجهود الآخرين (1).
3) أداء الحقوق الماليَّة:
شكرا لنعم المنعم، الذي هو السبب في كلِّ ما يملك الإنسان من أموال فهو خالقها وموجدها، وواضع خصائصها، والإنسان لا يملك أن يضيف ولو ذرَّة من مادَّة هذه الأرض وكلُّ ما يملك هو التركيب والتحليل والتطوير، واكتشاف خصائص الموادِّ للاستفادة منها، ألاَ يستحقُّ موجد ومنشئ وخالق هذه الموادِّ شكر نعمه وآلائه على خلقه؟ فهو لا يرجو من خلقه أن يطعموه أو يسقوه: {مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ يُّطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات:58] (2)، وإنَّما يريد منهم أن يعبدوه. ومن أنواع عبادته أن يؤدُّوا الحقوق التي فرضها في أموالهم التي رزقهم إيَّاها.
وتكافلا مع أبناء المجتمع الواحد، وتضامنا مع الفئات المحرومة التي لم تستطع توفير كفايتها من المعاش، وضمان حدٍّ أدنى من مستوى المعيشة لسبب أو لآخر. لأجل هذا وذاك أوجب الله بعض الحقوق الماليَّة، يخرجها الإنسان مِمَّا ملَّكه الله واستخلفه عليه: {وَالذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج:25] (3)، {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد:7] (4)، وهذه الحقوق نوعان:
أ) حقٌّ مفروض على سبيل الثبات والتحديد، وهو الزكاة التي أوجبها الله، وجعلها ركنا من أركان الإسلام التي لا يتمُّ إسلام المرء إلاَّ بأدائها، فقد حدَّدت السنَّة النبويَّة مقاديرها وأصنافها، ومن تجب عليه ومن يأخذها.
ب) حقٌّ واجب تبعا للحاجة العامَّة والخاصَّة، ودائرته أوسع من دائرة الزكاة، فيؤخذ بشروطها الشرعيَّة لسدِّ حاجات الأمَّة المسلمة، ومن هذه الحقوق:
1) النفقة على الأقارب.
2) التوظيف من أموال الأغنياء.
وأحكامهما ومداها وشروطها مفصَّلة في كتب الفقه. ودليل وجوبها من القرآن قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرُّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنِ الْبِرُّ مَنَ ـ امَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَالْمَلآَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيئِينَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ ... } [البقرة:177] (5)، فالآية ميَّزت بين الزكاة كفرض من فرائض
__________
(1) عبد الستَّار فتح الله سعيد: المعاملات في الإسلام، مرجع سابق، ص124.
(2) سورة الذاريات، آية 57 - 58.
(3) سورة المعارج، آية 24 - 25.
(4) سورة الحديد، آية 7.
(5) سورة البقرة، آية 177. (1/49)
صفحة 48
الإسلام وبين إيتاء المال فى بعض مواضعه منها: ذوو القربى واليتامى والمساكين. وَأَمَّا دليلها من السنَّة فقوله J : « إنَّ في المال حقًّا سوى الزكاة» (1)، وهذا يؤكِّد ما جاء في الآية الكريمة.
وإذا كان كسب المال ينبغي أن يكون من دائرة الحلال، فإن إنفاقه واستهلاكه يستلزم أن يكون في ذلك السبيل، ولنا بذلك أن نضيف ضابطا إلى الضوابط المذكورة:
- أن يكون الإنفاق في وجوه الحلال الطيِّب؛ فالإنسان لا يملك أن يقول: هذا مالي كسبته بعرق جبيني، لي مطلق الحرِّيَّة في تصريفه، بل هو دائما مقيَّد بالتزامات المالك الحقيقيِّ، والقاعدة في كلِّ هذا: «ما حرِّم التكسُّب به حرِّم الإنفاق فيه». ويمكن عكس القاعدة: «كلُّ ما أحلَّ الكسب فيه أحلَّ الإنفاق منه».
لقد وضع الشارع الحكيم طريقا وسطا في الإنفاق بين الإسراف والتقتير، ورسم معالم ذلك حسب السعة والطاقة: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً اِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا} [الإسراء29] (2)، ويقول في الإنفاق باعتدال: {وَالذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يُقْتِرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَالِكَ قَوَامًا} [الفرقان:67] (3)، هذا القوام يحدِّده المستوى العامُّ للمعيشة السائدة في الأمَّة حسب الزمان والمكان.
ويضع الله معيارا عامًّا لجميع أوجه الإنفاق بقوله: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ
__________
(1) أخرجه الترمذيُّ في سننه، كتاب الزكاة، الباب 27، رقم 660، مرجع سابق، ج3 ص48 - 49.
(2) سورة الإسراء، آية 29.
(3) سورة الفرقان، آية 67. (1/50)
صفحة 49
وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَاهُ اللَّهُ} [الطلاق:7] (1)، وإذا كانت الآية وردت في الإنفاق على الزوجة المطَلَّقَة إلاَّ أنَّ سياقها عامٌّ يشمل جميع أنواع الإنفاق.
ولنا عودة إلى هذا الموضوع عند التطرُّق إلى الاستخلاف ونظريَّة التوزيع في الفصل الخامس.
فإذا التزم الإنسان بهذه الضوابط التي حدَّدتها الشريعة الإسلاميَّة بقسميها العامِّ والخاصِّ، مكَّن الله له ناصية الأرض، وضمن له الحياة الآمنة المطمئنَّة، فسنَّة الله في الاستخلاف أَنَّهُ مادامت الأمَّة أو الفرد قائما على أمر الله، كان الله له، سنَّة الله التي لا تبديل لها، فإذا انحرف وتعدَّى على هذه الضوابط استبدل به أو بأمة من يقيم أمر الله (2).
يقول تعالى: {الذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فيِ الاَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الاُمُورِ} [الحج:41] (3)، فحقُّ التمكين يقابله الالتزام بهدي الله وشريعته، فقد ألزم الله البشر عامَّة يوم أسكنهم الأرض أن يهتدوا بهديه ويتَّبعوا أمره: {فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى وَمَنَ اَعْرَضَ عَن ذِكْري فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} [طه:124] (4)، كما عهد إليهم ألاَّ يتَّبعوا ما يملي عليهم الشيطان من الأهواء ويتركوا هدى الله: {أَلَمَ أَعْهَدِ اِلَيْكُمْ يَابَنِي ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (60) وَأَنُ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [يس:61] (5).
فهذه هي حقوق وواجبات الاستخلاف التي التزم بها الإنسان للقيام برسالته
__________
(1) سورة الطلاق، آية 7.
(2) أحمد يوسف: القيم الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص39.
(3) سورة الحج، آية 41.
(4) سورة طه، آية 123 - 124.
(5) سورة يس، آية 60 - 61. (1/52)
صفحة 50
على هذه الأرض.
[] (1/53)
صفحة 51
المبحث الخامس
نظرية الاستخلاف في الاقتصاد الإسلامي
تعدُّ نظريَّة الاستخلاف حجر الزاوية في علاقة الإنسان بالمال، فمتى اعتقد وأقرَّ في قرارة نفسه أنَّ المالك الحقيقيَّ للمال هو الله، وَأَنَّهُ مستخلف من قبل الله على ما بين يديه من مال، فهذا الاعتقاد متى تركَّز في قلب المؤمن أصبح قوَّة موجبة في مجال السلوك، وضابطا يفرض على المالك التزام التعاليم والحدود المرسومة من قبل المالك الأصلي، كما يلتزم الوكيل المستخلَف بإرادة مستخلِفه.
يقول الأستاذ باقر الصدر: «وهذه النظريَّة إذا نشأت وسادت وأصبحت عامَّة لدى أفراد المجتمع الإسلاميِّ، أصبح لها من القُوَّة ما يحدِّد سلوك الأفراد، ويعدِّل من الانعكاسات النفسيَّة للملكيَّة، ويطوِّر من المشاعر التي توحي بها الثروة إلى نفوس الأغنياء، وبذلك يصبح مفهوم الخلافة قوَّة محرِّكة موجَّهة في الحياة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة» (1).
المطلب الأوَّل: نظرية الاستخلاف من أصول الاقتصاد الإسلامي:
سبق أن رأينا في التمهيد (2) أنَّ الاقتصاد الإسلاميَّ يقوم على وجهين: ثابت ومتغيِّر، فالثابت يَتَعَلَّق بالمبادئ والأصول الاقتصاديَّة التي جاء بها الإسلام، فهي لا تتبدَّل ولا تتغيَّر، مهما تطوَّرت وتغيَّرت أساليب الحياة، وتقدَّمت مناهجها.
ومن هذه الأصول والمبادئ أنَّ المال مال الله، والبشر مستخلفون فيه، فهذا المبدأ مستمدٌّ من القرآن الكريم، حيث نصَّت كثير من الآيات على هذا المبدأ (3).
فهذه النظريَّة من الأسس العقديَّة التي يقوم عليها النظام الاقتصاديُّ في الإسلام، فالإنسان مستخلف بوجه عامٍّ من الله على هذه الأرض لعمارتها
__________
(1) محَمَّد باقر الصدر: اقتصادنا، مرجع سابق، ص564.
(2) انظر ص 14 - 15 من البحث.
(3) الفنجري، محَمَّد شوقي: المذهب الاقتصادي في الإسلام، مرجع سابق، ص31. (1/54)
صفحة 52
واستثمارها.
فبهذا تربط نظريَّة الاستخلاف الاقتصاد بالعقيدة الصحيحة. فلو رأينا كيف أنَّ الاقتصاد الوضعيَّ باستبعاده لهذه العقيدة، وإيمانه المطلق أنَّ الإنسان هو سيِّد الكون بدون ارتباط بالخالق المستخلِف، وجعله يطلق حرِّيَّة الفرد بدون قيد أو ضابط في ظلِّ الاقتصاد الرأسمالي، أو الاشتراكي المنكر أصلا للدين كيف أنَّهما سبَّبَا قلقا واضطرابا في تجارب الإنسان الفاشلة، التي أورثت البشريَّة دمارًا وخرابًا، رغم التقدُّم الهائل في الجانب المادِّيِّ من حياة الإنسان، وبسبب عدم إيمانهم بِأَنَّهُم مستخلفون على ما بين أيديهم من خيرات أفرز تفاوتا صارخا في مداخيل الأفراد والجماعات والأمم. أمم وأفراد تعيش تحت مستوى المعيشة وفي فقر مدقع، وأمم ترمي بفائض منتوجاتها في البحر خوفا من تدهور أسعارها. بينما الاقتصاد الإسلاميُّ ينبني على هذا الأساس، أساس أنَّ البشر مستخلفون على أموالهم، فتكون جميع تصرُّفاتهم في إدارة هذه الأموال تنبع من الإيمان بهذه العقيدة.
إنَّ رسوخ هذه العقيدة ـ عقيدة الاستخلاف ـ تتولَّد عنه سلامة المقصد وحسن النتائج، يقول الأستاذ محمود بابلي: «إنَّ هذه العقيدة تحكم منطق إعمار الأرض، فلا يقبل صاحب هذه العقيدة أن يعطِّل أرضا، أو يفسد إنتاجا قائما أو ينتج إنتاجا ضارًّا، أو يتقاعس عن عمل يعود نفعه عليه وعلى غيره من عباد الله» (1).
وبهذا يكون صاحب هذه العقيدة إنسانا صالحا لعمارة الأرض والاستخلاف عليها، وعليه رقيب من صميم ذاته، وهي تقوى الله وخشيته، وهي الكابح الذي يكبح نفس المسلم عن هواها ويسدِّد خطاها نحو الصلاح.
المطلب الثاني: نظريَّة الاستخلاف والعمارة:
__________
(1) بابلي، محَمَّد محمود: إعمار الأرض، مرجع سابق، ص61. (1/55)
صفحة 53
يقول الله تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الاَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود:61] (1)، فقد أنشأ الله بني آدم من هذه الأرض وأمرهم بعمارتها. والعمارة هي كلُّ ما يقوم عليه العمران، من إحياء الأراضي بما تجعلها صالحة للإنتاج، أو البحث والتنقيب عن كنوز الأرض ومواردها من مياه ومعادن، أو إقامة المشاريع الصناعيَّة عليها ...
وكلُّ استغلال للطاقات الطبيعيَّة يدخل في مفهوم العمارة، فالآية الكريمة وإن وردت على لسان نبيء من أنبياء الله يدعو قومه ويذكِّرهم بنعم الله عليهم، ويأمرهم بعمارتها، إلاَّ انه لا ينفي عمومها، لأنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والطلب فيها بمعنى الأمر، فالله أنشأنا من الأرض وأمرنا بعمارتها بما يحقِّق وظيفة الاستخلاف.
إنَّ تسخير الأرض والكون للإنسان واستخلاف الله لما في الأرض يقتضيان انتفاع الإنسان بما خلق في الكون واستثماره لما في الأرض من خيرات وثمرات (2).
ثُمَّ إنَّ ربط العمارة بنظريَّة الاستخلاف يؤدِّي إلى تحقيق الرخاء الاقتصاديِّ لمجموع أفراد المجتمع.
وفي سبيل تحقيق الغاية من الاستخلاف، لا بدَّ أن يضع الإنسان في اعتباره القيام بعمليَّة تنظيم وتخطيط كامل لموارد الإنتاج المتاحة، واستغلال كلِّ الطاقات البشريَّة والمادِّيَّة، وتسخير كلِّ القوى الموجودة لديه في عمليَّة الإنتاج، فإذا اعتقد أَنَّهُ مأجور دنيا وأخرى على قيامه بعمليَّة العمارة كان حافزا قويًّا على المضيِّ في نشاطه وحيويَّته.
وسنعود إلى هذا الموضوع عند تطرُّقنا للاستخلاف والعمارة في الفصل الرابع بحول الله.
المطلب الثالث: نظريَّة الاستخلاف، وترشيد الإنفاق، وعدالة التوزيع:
إذا كانت نظريَّة الاستخلاف تدعونا إلى الإنتاج وعمارة الأرض، فإنَّ عملية الإنتاج تعقبها عمليَّة الإنفاق والاستهلاك وتوزيع الخيرات المنتجة على عوامل الإنتاج التي لا تقلُّ أهمية على الإنتاج نفسه، فالإنتاج مع سوء توزيع الإنفاق هو من عيوب الأنظمة الوضعيَّة، التي أخفقت في إقامة عدالة للتوزيع وترشيد الإنفاق والاستهلاك.
بينما الاقتصاد الإسلاميُّ يعتني عناية خاصَّة بالتوزيع حَتَّى إنَّ هناك من اعتبر أنَّ الاقتصاد الإسلاميَّ ينحصر هدفه في حسن توزيع موارد الأمَّة توزيعا عادلا (3).
فما دور نظريَّة الاستخلاف في هذا المجال؟
كنَّا ربطنا الاستخلاف بالعقيدة الإسلاميَّة، وبيَّنَّا أنَّ الاستخلاف مضبوط بضوابط محدودة، فالإنتاج مضبوط، وكذا الإنفاق والاستهلاك محكومان في ظلِّ هذه النظريَّة بما فيه منفعة الفرد والجماعة، فلا يوضع مال إلاَّ في موضعه، وفي يد مستحقِّه، فلا تستهلك سلعة أو تؤدَّى خدمة (4) من الخدمات إلاَّ في مكانها المناسب.
فالآية الكريمة تقول: {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ... } [الحديد:7] (5)، فالإنفاق يشمل الإنفاق على النفس، ثُمَّ على الأهل، ثُمَّ
__________
(1) سورة هود، آية 61.
(2) محمَّد المبارك: نظام الإسلام - الاقتصاد، مرجع سابق، ص21.
(3) انظر التمهيد من هذه الرسالة، ص 19.
(4) الخدمة في مفهومها الاقتصاديِّ: هي السلعة غير المادِّيَّة، وهي عمل إنسانيٌّ غير منتج لَكِنَّهُ ذو منفعة، لأَنَّهُ مرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بحاجات الإنسان، مثل النشاط الإداري والصحِّي والثقافي.
(5) سورة الحديد، آية 7. (1/56)
صفحة 54
إخراج الحقوق الماليَّة التي أشرنا إليها في مبحث سابق (1)، كلُّها تدخل في باب الإنفاق. كما أن الإنفاق والاستهلاك مرتبط بالوسطيَّة التي أشارت إليه الآية الكريمة: {وَالذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يُقْتِرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَالِكَ قَوَامًا} [الفرقان:67] (2)، وسنعود إلى هذا الموضوع في الفصل الخامس عند البحث في الاستخلاف والتوزيع.
كما أنَّ الاستخلاف يقتضي توزيع الموارد توزيعا عادلا بين جميع أفراد المجتمع، وهذه من مسؤوليَّة وليِّ الأمر.
وسنعود أيضا إلى الموضوع عند البحث في الاستخلاف ومسؤوليَّة وليِّ الأمر في الفصل الثالث من البحث.
المطلب الرابع: النقد الموجَّه لنظريَّة الاستخلاف والردُّ عليه:
انتقد بعض الكتَّاب (3) نظرية الاستخلاف التي ترتكز عليها الأموال والملكيَّة بصفة عامَّة، وزعموا أنَّها ليست قائمة على أسس شرعيَّة، مستدلِّين بما يلي:
أ) أنَّ المعنى الذي أشارت إليه الآيات الخاصَّة بملكيَّة الله تعالى هو معنى تعبُّدي محض لا أثر له في المعاملات، فالله مالك كلِّ شيء، لأَنَّهُ موجده ومصيِّره إليه، ومعنى ملكيَّته أي سيادته الكونيَّة، ويد الأفراد مهما طالت زائلة، فهذا المستوى من الملكيَّة أعلى من مستوى الملكيَّة في المعاملات، فهي ربَّانيَّة تعبُّديَّة، وليس في أحكام الشريعة ما يجعل لها أثرا ماليًّا، ولا يتأسَّس عليه أيُّ حكم من أحكام المعاملات.
ب) لم يرد بيان لهذه النظريَّة لا في القرآن ولا في السنَّة، ولا في أقوال الفقهاء.
__________
(1) انظر ص 85 من هذه الرسالة.
(2) سورة الفرقان، آية 67.
(3) د/ مصطفى كمال وصفي: المشروعيَّة في النظام الإسلامي، ص106 - 108. نقلا عن: العبادي: الملكيَّة في الشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص415 - 417. (1/57)
صفحة 55
ج) ليس هناك تكييف مفهوم للعلاقة بين ملكيَّة الله وملكيَّة الإنسان، هل هي شركة أم نيابة؟ وهل هي وديعة؟
د) هي نظريَّة خطيرة تفتح بابا واسعا للمغالاة، وقد يستغلُّها الشيوعيُّون كتعليل لمصادرة الأموال الفرديَّة، والاستيلاء عليها بدون ضابط.
بهذه الحجج مجتمعة ينسف الدكتور كمال وصفي نظريَّة الاستخلاف من أساسها، ويقطع الروابط المتينة بين ملكيَّة الله وملكيَّة الإنسان. ويضيف في بحث آخر قدَّمه إلى مجمع البحوث، مؤكِّدا رأيه بقوله: «إنَّ القول بالاستخلاف يؤدِّي إلى إزعاج الأحكام الشرعيَّة، وإلى أن تكون أحكاما قلقة، ويفتح بابا خطيرا واسعا للمغالاة» (1).
مناقشة هذا الرأي:
ساق الدكتور وصفي أربعة حجج لنفي نظريَّة الاستخلاف وإنكارها تماما، ورأى أنَّ القول بها يؤدِّي إلى إزعاج الأحكام الشرعيَّة حسب تعبيره.
وسنناقش الأَدلَّة التي أوردها الدكتور، والتي اتَّخذها أساسا لنسف هذه النظريَّة.
1) ينكر العلاقة بين ملكيَّه الله وملكيَّة الإنسان، ويرى أنَّ الأولى ربَّانية تعبُّديَّة، ولا علاقة بها بالمعاملات الإنسانيَّة على الأرض، وليس لها أثر ماليٌّ، فكيف سمح لنفسه هذا القول والقرآن يصرِّح بنصِّ العبارة: {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}، فالآية تَدُلُّ بأنَّ الأموال التي بين يدي البشر هي لله، وهم مستخلفون عليها، فهو بأمرهم بالإنفاق منها، أليست هناك علاقة وطيدة بين ملكيَّة الله الأصليَّة وملكيَّة الأفراد عن طريق الاستخلاف، وذات أثر مالي واضح، يتجلَّى في أمر المستخلف في كيفية التصرُّف في تلك الأموال.
وقد بيَّنَّا في مبحث سابق (2) العلاقة بين الملكيَّتين، وكيف عبَّر عنها في بعض الآيات بالملكيَّة الإلهيَّة، وفي أخرى بالملكيَّة الإنسانيَّة، فملكيَّة الأفراد تدخل في دائرة ملكيَّة الله تعالى للكون، فلا تنافر بين المعنيين، فالمال مال الله والبشر مستخلفون عليه، والعلاقة بين الملكيَّتين علاقة الأصل بالنيابة.
ويضيف الدكتور أنَّ نظريَّة الاستخلاف لا يتأسَّس عليها أيُّ حكم من أحكام المعاملات.
نعم إنَّ نظريَّة الاستخلاف لا يتأسَّس عليها أيُّ حكم من أحكام المعاملات بصفة مباشرة، لَكِنَّهَا ترتبط بما هو أهمُّ من ذلك، فهي ترتبط بعقيدة المسلم وإيمانه، فمتى استقرَّ في قلبه أنَّ الأموال التي بين يديه هي لله، وَأَنَّهُ مستخلف عليها، فَإِنَّهُ يتقيَّد بتعاليم صاحبها في التصرُّف فيها، تمليكا وإنتاجا وإنفاقا واستهلاكا، أليس في هذا انعكاس للنظريَّة على أحكام المعاملات ولو بصفة غير مباشرة؟.
2) يدَّعي الدكتور أنَّه لم يرد بيان لهذه النظريَّة لا في القرآن ولا في السنَّة ولا في أقوال الفقهاء، نستغرب أن يورد الكاتب هذه الحجَّة مع أن القرآن مليء بالآيات التي تبيِّن أنَّ علاقة الإنسان بالمال علاقة استخلافية (3). وإذا كانت كتب الحديث لم ترو حديثا عن الرسول J عن الاستخلاف بهذا اللفظ وبهذا المعنى، إلاَّ أنَّ هناك أحاديث كثيرة تحمل المعنى ذاته (4). أمَّا الفقهاء فقد تعرَّض الأقدمون منهم والمتأخِّرون إلى هذا الموضوع، فهذا الإمام الزمخشريُّ يقول في معرض تفسيره لآية الاستخلاف على الأموال: إنَّما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها، ووهبها الله لهم، وخوَّل لهم الاستمتاع، وجعلهم خلفاء في التصرُّف فيها،
__________
(1) د/ مصطفى كمال وصفي: الوظيفة الاجتماعيَّة للحقوق في الإسلام. بحث مقدَّم إلى مجمع البحوث الإسلاميَّة بالقاهرة، ص204. نقلا عن: بسيوني سعيد أبو الفتوح محَمَّد: الحرِّيَّة الاقتصاديَّة وأثرها في التنمية (القاهرة: دار الوفاء، ط1، 1408هـ/1988م)، ص59 - 61.
(2) انظر المبحث الثاني من التمهيد، ص 26.
(3) انظر: الفصل الأوَّل، المبحث الأَوَّل، المطلب الثاني، ص 31.
(4) انظر الفصل الأَوَّل، المبحث الأوَّل، المطلب الثالث، ص 49. (1/59)
صفحة 56
فهي ليست بأموالهم في الحقيقة، وإنَّما هم بمنزلة الوكلاء والنواب» (1)، ويذهب الإمام الشاطبيُّ إلى أنَّ الملكيَّة الحقيقيَّة إنَّما هي لله، وأنَّ البشر يملكون الانتفاع بها: «إنَّ الأعيان لا يملكها في الحقيقة إلاَّ بارئها، وإنَّما للعبد منها المنافع» (2). ومعنى ذلك أنَّ اختصاص الأفراد والجماعات بشيء من المال المملوك لله تعالى هو نوع من الاستخلاف على هذا المال.
وهل مع هذا كلِّه يمكن للدكتور أن يزعم أنَّه لم يرد بيان لهذه النظريَّة لا في القرآن ولا في السنَّة وأقوال الفقهاء؟.
3) يرى الدكتور أَنَّهُ ليس هناك تكييف مفهوم للعلافة بين ملكيَّة الله وملكيَّة الإنسان، هل هي شركة أم نيابة؟ وهل هي وديعة؟ إنَّ العلاقة بين الملكيَّتين ليست علاقة شراكة، لأنَّ الملك الحقيقيَّ هو لله سبحانه وتعالى، الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما، وإنَّما هي علاقة استخلافيَّة ونيابة ووكالة من الله المالك الحقيقيِّ لبني البشر الذين استخلفهم على هذه الأرض، وهو ما أكَّدته كثير من الآيات، فمفهوم الخلافة والوكالة والنيابة يؤدِّي معنى واحدا، فعلى الفرد أن يشعر أنَّه ليس له الملكيَّة المطلقة، وَأَنَّهُ مقيَّد في تصرُّفاته بتعاليم المالك الأصليِّ.
4) يرى الدكتور أنَّ هذه النظرية خطيرة، فهي تفتح بابا واسعا للمغالاة، وفي الحقيقة لو أخذنا بهذه النظريَّة من منطلق عقديٍّ فهي تقيِّد تصرُّفات الأفراد والحكَّام وفق المنهح الربَّانيِّ، فكُلَّمَا سوَّلت نفس الإنسان الانحراف في سلوكه تجاه الملكيَّة تذكَّر أَنَّهُ ليس بالمالك، وَأَنَّهُ مستخلف فقط، عاد إلى رشده، وتقيَّد بتعاليم المستخلِف. ثُمَّ إنَّ الدكتور علَّل ردَّه للنظريَّة بكونها قد يتَّخذها الشيوعيُّون كذريعة لمصادرة الأموال الفرديَّة والاستيلاء عليها بدون ضابط.
فمتى كانت أفعال الناس حجَّة على سنن الله وشرعه؟! فإنَّ ذلك لا ينفي ولا
__________
(1) انظر: الفصل الأوَّل، المبحث الأوَّل، المطلب الرابع، ص 51.
(2) أبو زهرة: الملكيَّة ونظريَّة العقد، مرجع سابق، ص66. (1/60)
صفحة 57
ينقض النظريَّة، نعم أباح الإسلام لوليِّ الأمر التدخُّل في تحديد الملكيَّة الخاصَّة، لكن دائما في إطار نظريَّة الاستخلاف، فمسؤوليَّة وليِّ الأمر عظيمة تجاه أموال الأفراد وأموال الأمَّة، فلا يتَّخذ مثل ذلك الإجراء إلاَّ في إطار تحقيق المصلحة العامَّة، وفي ظروف وحالات معيَّنة، عندما تفوت الملكيَّة الخاصَّة مصلحة عامَّة، أو تجلب ضررا، فحُرمة الأموال مصونة في الإسلام، فتدخُّل وليِّ الأمر يكون في إطار الشريعة التي تقوم أساسا على حفظ الأموال الذي هو مقصد من مقاصدها العامَّة.
إذن فالتخوُّف من تجاوزات السلطة في التعدِّي على الملكيَّة لا يكفي كذريعة لنقد نظريَّة الاستخلاف، وإنَّما يجب أن توضع القيود التي تحدُّ السلطة من تجاوز صلاحيَّتها التي منحها لها الشارع في رعاية المصلحة العامَّة.
وكخلاصة للردِّ على نقد الدكتور وصفي أُورِد نصًّا للدكتور بسيوني في الموضوع: «إنَّ القول بنفي الاستخلاف للبشر يصطدم مع كثير من الآيات التي جاءت لتقرِّر هذا المعنى، وتلحَّ عليه، وتظهره بصورة لا غموض فيها ولا إبهام، فأيُّ باحث يقف على معنى الخلافة حينما يقرأ قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فيِ الاَرْضِ خَلِيفَةً} (1)، كما أنَّ القول بنفي الخلافة يجافي الطبع والواقع، إذ ما دمنا سلَّمنا أنَّ الله خالق الأشياء وبارئها، فلا بد أن نسلِّم أنَّه تعالى هو الذي يملك رقابها وذواتها، ومن هنا لا يمكن أن يؤدِّي القول بالاستخلاف ـ كما قيل ـ إلى إزعاج الأحكام الشرعيَّة، وإلى فتح باب المغالاة والتسلُّط والمصادرة من الدولة أو غيرها، ما دامت هنالك حدود مرعيَّة، وقيود متَّبعة، وضوابط شرعيَّة» (2).
__________
(1) سورة البقرة آية 30.
(2) بسيوني: الحرِّيَّة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص59. (1/62)
صفحة 58
خلاصة الفصل الأوَّل
بعد عرضنا لمفهوم الاستخلاف وأهدافه ومقتضياته وضوابطه، يمكننا استخلاص النتائج الآتية:
1 - أنَّ نظريَّة الاستخلاف جزء من عقيدة المسلم التي يجب أن تتأصَّل في القلوب، وتترجم إلى سلوك عمليٍّ، فهي صمام أمان لربط السلوك الاقتصاديِّ الفرديِّ والجماعيِّ بتعاليم المستخلِف.
فإذا استقرت هذه العقيدة في القلوب، وتمكَّنت من النفوس، تغيَّرت نظرة الناس إلى المال، تلك النظرة المثقلة بالمادِّيَّة الضيِّقة، إلى رحاب المفهوم الإسلاميِّ الواسع.
2 - أنَّ الاستخلاف والأمانة التي تحمَّلها الإنسان هما وجهان لعملة واحدة، فالإنسان استُخلف على الأرض ليتحمَّل المسؤوليَّة، وليحقِّق الغاية من وجوده، وهي عبادة الله.
3 - من الأصول العامَّة التي ينبني عليها الاقتصاد الإسلاميُّ أنَّ المال مال الله، والبشر مستخلفون فيه.
فلهذا الأصل تأثير إيجابيٌّ هامٌّ على تملُّك المال وإنتاجه وتوزيعه واستهلاكه.
بينما الاقتصاديَّات الوضعيَّة التي أبعدت العقيدة عن الاقتصاد أفرزت وضعا مضطربا قلقا متغيِّرا.
4 - يقتضي الاستخلاف أن يتحمَّل الإنسان نتائج أعماله، فهو يخضع في ذلك لسنن كونيَّة بغير إرادة منه، فينبغي له أن يخضع في سلوكه ـ وبإرادة منه ـ إلى شريعة ربَّانيَّة، وقد زوَّده خالقه بالعقل المميِّز، ليختار منهجه بحرِّيَّة وإرادة، فيحاسب محاسبة شخصيَّة.
5 - حدَّد المستخلِفُ ضوابط واضحة ومعالم بارزة يسير الإنسان على هديها، (1/63)
صفحة 59
ويمكن ضبطها على صعيدين:
أ - على الصعيد العامِّ، وهي الضوابط التي يتقيَّد بها الإنسان بصفته خليفة الله في أرضه.
ب- على الصعيد الخاصِّ، بصفته مالكا للمال، وهو مدار بحثنا.
وعلى ضوء هذه الضوابط يمكن تقسيم الاستخلاف إلى استخلاف عامٍّ، واستخلاف خاصٍّ، فالخاصُّ يشمل فيما يشمل الاستخلاف على الأموال.
6 - نظريَّة الاستخلاف نظريَّة أصيلة، يتبلور مفهومها من القرآن الكريم الذي أكَّد عليها، فنفيها يصطدم مع كثير من الآيات التي جاءت لتقرِّرها وتلحَّ عليها وتظهرها بصورة لا غموض فيها ولا إبهام.
CD (1/64)
صفحة 60
- ... -
الفصل الثاني
دور الدولة في تطبيق
الاستخلاف على الأموال
- ... - (1/65)
صفحة 61
تمهيد:
رأينا في الفصل الأَوَّل أنَّ الاستخلاف قسمان: استخلاف عامٌّ واستخلاف خاصٌّ، وأنَّ الخاصَّ يشتمل على استخلاف الدول واستخلاف الأفراد، وأنَّ استخلاف الدول هو مسؤوليَّة أولي الأمر في القيام بالأمانة التي تحمَّلوها في رعاية حقوق الله وحقوق الرعيَّة.
ولقد لخَّص ابن خلدون مفهوم هذه الخلافة بحيث بيَّن دور وليِّ الأمر ومسؤوليَّته العامَّة بقوله: «والخلافة هي حمل الكافَّة على مقتضى النظر الشرعيِّ في مصالحهم الأخرويَّة والدنيويَّة الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلُّها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به» (1).
فالنصُّ يعبِّر بحقٍّ عن معنى الاستخلاف ويربط الخلافة بالعقيدة، إذ يلزم الخليفة بحمل الجميع على مقتضى النظر الشرعيِّ، أي يسوس رعيَّته في مصالحهم الدينيَّة والدنيويَّة وفقا للتشريع الربَّانيِّ، ثُمَّ يحدِّد مسؤوليَّته في بندين عريضين:
أ) حراسة الدين. ب) سياسة الدنيا بالدين.
فالمسؤوليَّة الأولى تتمثَّل في حراسة الدين، فهو الراعي الأَوَّل في تمكين الدين: تبليغا وتفقيها وتطبيقا وتشريعا، والثانية تشتمل على رعاية مصالح العباد والبلاد بما يَتَّفِقُ وهذا الدين.
وتحت هذا البند تدخل مسؤوليَّة وليِّ الأمر في الاستخلاف على الأموال، فمن أهمِّ مسؤوليَّات الخليفة رعاية الحقوق الماليَّة التي استرعى الله ولاة الأمور، فهي جزء من أمانة الاستخلاف على الأموال التي تعتبر من أهمِّ مسؤوليَّاته، والتي نصَّ عليها
__________
(1) ابن خلدون: المقدِّمة، مرجع سابق، ص338. (1/67)
صفحة 62
القرآن (1)، ويعتبر المال الدعامة الكبرى للملك، فالمركز الماليُّ لأيِّ دولة يعكس لدرجة كبيرة وضعيَّة الدولة من حيث القوَّة والضعف، ومكانتها بين الأمم (2).
M
MM
__________
(1) سورة الحديد، آية 7. سورة النساء، آية 5.
(2) الريس، محَمَّد ضياء الدين: الخراج والنظم الماليَّة للدولة الإسلاميَّة. مكتبة دار التراث - القاهرة، سنة 1985، ط5، ص3. (1/68)
صفحة 63
المبحث الأوَّل
مبدأ المشروعيَّة والخلافة في الإسلام
المطلب الأوَّل: مبدأ المشروعيَّة:
إذا كانت المسؤوليَّة الماليَّة جزءا من مسؤوليَّة وليِّ الأمر العامَّة ينبغي ـ أوَّلا ـ الوقوف عند مبدأ المشروعيَّة في الإسلام، أي من أين يستمدُّ السلطان سلطاته المخولة له.
أَمَّا في الفكر الغربيِّ فقد سادت نظريَّتان:
- الأولى: نظريَّة سيادة الأمَّة.
- الثانية: نظريَّة سيادة الشعب.
- الأولى: تقوم على فكرة العقد الاجتماعيِّ الذي جاء بها "روسو"، ومضمونها أنَّ السلطة لا تعود إلى فرد من الأفراد بذواتهم، بل تعود إلى الأمَّة باعتبارها شخصا معنويًّا، يمثِّل الأفراد المكوِّنين لها سواء السابقين أم اللاحقين (1).
- الثانية: ترى هذه النظريَّة تصوُّرا آخر، إذ إنَّ السيادة في الواقع يمتلكها مجموع أفراد الشعب (2) لا بذواتهم الحسِّيَّة. ولكلا النظريَّتين مؤيِّدون ومعارضون، ونتائج تترتَّب على كلٍّ منها.
هذا في الفكر الغربيِّ، أَمَّا الإسلاميُّ، فإنَّ المفكِّرين القدامى لم يتعرَّضوا لهذه النظريَّة ولم يذكروا عنها شيئا، ولم يبحثوا فيها (3)، غير أنَّ هناك من يرى (4) أنَّ
__________
(1) عبد ا الجليل، محَمَّد علي: مبدأ المشروعيَّة في النظام الإسلامي، (القاهرة: عالم الكتب، ط1، 1984م،) ص221.
(2) المرجع نفسه، ص 226.
(3) المرجع نفسه، ص 230.
(4) د/ مدكور/ محمَّد سلام، معالم الدولة الإسلاميَّة (الكويت: مكتبة الفلاح، ط1، 1403هـ/1983م)، ص87. (1/69)
صفحة 64
نظريَّة العقد الاجتماعيِّ نفسها مقتبسة من الإمامة الإسلاميَّة عن طريق مفكِّري الغرب الذين درسوا في جامعات الأندلس، في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، فالخلفاء الراشدون تولَّوا الحكم عن طريق البيعة التي سمَّاها الفقهاء عقد الإمامة، ويعتبرونها عقدا بين الأمَّة والحاكم يترتَّب لكلٍّ من الطرفين التزاما. وإذا كان العقد الاجتماعيُّ مفترض غير واقع فإنَّ عقد الإمامة في الإسلام واقعيٌّ، إذ كانت تتمُّ البيعة فعلاً.
وإذا أخذنا بالرأي القائل بعدم تعرُّض القدامى فإنَّ السبب الذي جعلهم لم يبحثوا في أمرها أنَّها كانت من المسلَّمات التي تدخل في صميم العقيدة في الإسلام، إنَّ الحاكم يستمدُّ سلطته من خلافته لخلفاء رسول الله J الذي كان أوَّل رئيس دولة في الإسلام، فالخليفة مقيَّد في حكمه بالشريعة، ثُمَّ إنَّ واقع الخلافة الإسلاميَّة كانت تستمدُّ مشروعيَّتها من كتاب الله وسنَّة رسول الله J من جهة، ومن جهة أخرى من أفراد الأمَّة الذين بايعوه بتلك الخلافة.
أَمَّا في الفكر الإسلاميِّ المعاصر، فقد تبلورت آراء الفقهاء في ثلاث اتِّجاهات، بناء على التشريع الإسلاميِّ وواقع الخلافة الرشيدة، هي:
أ) السيادة للتشريع الإلهيِّ: الحاكميَّة لله.
ب) السيادة للأمَّة.
ج) ازدواج السيادة.
وسنعرض هذه النظريَّات بإيجاز (1):
أ) الحاكميَّة لله: مصداقا لقوله تعالى: {اِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلآَّ إِيَّاهُ} [يوسف:40] وهو صاحب الحاكميَّة المطلقة، فهو الآمر الناهي، وعلى
__________
(1) د/ عبد الجليل محمَّد علي: مبدأ المشروعيَّة، مرجع سابق، ص230. (1/70)
صفحة 65
الإنسان الطاعة والامتثال. يقول سيِّد قطب: «إنَّ القاعدة التي يقوم عليها النظام الإسلاميُّ تختلف اختلافا كلِّيًّا عن التي تقوم عليها الأنظمة البشريَّة جميعا، إِنَّهُ يقيمها على أساس أنَّ الحاكميَّة لله وحده» (1).
2) السيادة للأمَّة: يرى أصحاب هذه النظريَّة أنَّ السيادة للأمَّة مستندين في رأيهم إلى أنَّ الخليفة هو نائب أو وكيل في ممارسة السيادة، وليس بصاحبها، فقد منحت له باعتبار صفته لا بذاته، وعليه سياسة الرعيَّة وفق الأحكام الإلهيَّة، فالأمَّة هي مصدر السيادة، بما في ذلك سلطان الخليفة، فهي التي أقامته بالبيعة، ولها الحقُّ في سلب هذه الصفة منه بعزله إذا تقاعس في أداء مهامِّه فتسقط خلافته وتنتفي طاعته.
3) ازدواج السيادة: وهي تجمع بين النظريَّتين، وتحاول التوفيق بينهما في نظريَّة واحدة على الوجه الآتي:
أ) سيادة مطلقة للتشريع الإلهيِّ في النصوص التي لا تقبل التأويل.
ب) سيادة محدودة لجمهور المسلمين فيما دون الأحكام الثابتة، وهذه النظريَّة الأخيرة مرجَّحة؛ لأَنَّهَا الأقرب إلى الواقع، وتتماشى مع روح التشريع الإسلاميِّ الذي وضع الأصول الثابتة، وترك الباب مفتوحا في وجه الإجماع والاجتهاد في المسائل المستجدَّة، مع مراعاة المصلحة، وعدم مصادمة النصوص، كما أنَّ الوقائع التاريخيَّة تؤيِّدها بعقد البيعة بين الخليفة وأفراد الأمَّة.
فوليُّ الأمر يستمدُّ سلطته من التشريع الإلهيِّ أوَّلاً، ثُمَّ من الأمَّة التي اختارته ليكون خليفة لها.
المطلب الثاني: تعيين وليِّ الأمر لأمانة الاستخلاف:
استخلف الله الإنسان على الأرض، فهو بطبعه لا يمكنه العيش منفردا منعزلا،
__________
(1) سيِّد قطب، العدالة الاجتماعيَّة، مرجع سابق، ص94. (1/71)
صفحة 66
وتقتضي الحياة أن ينضوي في مجموعات في شكل أسر وقبائل كما كان في عهوده الأولى، أو في مجموعات سكنيَّة في القرى والمدن.
فالحياة الجماعيَّة ضرورة اجتماعيَّة، ولحماية المصالح المشتركة بين الجميع فلا بدَّ من اختيار مسؤول لرعايتها، فلا يمكن تصوُّر تعايش مجموعة بشريَّة بدون سلطة ـ مهما كانت هذه السلطة ـ يُحتكم إليها عند النزاع، وترعى الحقوق الجماعيَّة والخاصَّة، فالسلطة ضرورة اجتماعيَّة، كما هي ضرورة دينيَّة لإقامة التكاليف الشرعيَّة، وحفظ بيضة الإسلام، فقد أناطت الشريعة الإسلاميَّة كثيرا من الأحكام بالسلطة العامَّة، فبدون خلافة لا يمكن تطبيق الشريعة تطبيقا كاملا، فقد كان من أوَّلويَّات الرسول J لَمَّا هاجر إلى المدينة توطيد أركان دولته الفتيَّة (1). وبعد وفاته J كان لا بدَّ أن يتَّجه الناس بولاتهم إلى حاكم يقيم موازين العدل بينهم، ويحفظ الأمن لهم، وقد اتَّفقوا بعد جدال بينهم على تنصيب أبي بكر الصدِّيق خليفة لرسول الله، ولم يخالف أحد من الصحابة في ضرورة إقامة خليفة يرعى شؤون الدولة، وما حدث من خلاف كان في الشخص الذي يُختار للخلافة، وحجَّتهم في ذلك ما وردت به النصوص من كتاب وسنَّة فى وجوب طاعة أولي الأمر، والولاء له. فمن القرآن قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَمْرِ مِنكُمْ} [النساء:59]. ومن السنَّة أحاديث كثيرة منها: «على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدِّي الأمانة، فإن فعل ذلك فحقٌّ على الرعيَّة أن يسمعوا ويطيعوا» (2)، يقول صاحب المحلَّى: «لا يحلُّ لمسلم أن يبيت ليلتين ليس في عنقه لإمام بيعة» (3)، مستدلاًّ بقول الرسول J : « ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهليَّة» (4).
__________
(1) محمَّد سلام مدكور: معالم الدولة الإسلامية، مرجع سابق، ص227.
(2) كنز العمال بهامش مسند أحمد، مرجع سابق، مج2، ص117.
(3) ابن حزم: المحلَّى، مرجع سابق، مج8 ص120.
(4) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، حديث 1851، مرجع سابق. (1/72)
صفحة 67
كما يستدلُّ على وجوب الخلافة على الأمَّة من ناحية العقل، فإنَّ ترك الناس فوضى يأكل القويُّ منهم الضعيف، وسيادة قانون الغاب، ضرر واجب الإزالة، وما لا يتمُّ الواجب إلاَّ به فهو واجب، لذا اهتمَّ الصحابة بإقامة الخلافة، وجعلوها من أولى الأولويَّات (1).
المطلب الثالث: نظرة الخلفاء الراشدين إلى الاستخلاف على الأموال:
لقد وعى الخلفاء الراشدون هذه المسؤوليَّة، وتحمَّلوا هذه الأمانة، وأدَّوها حقَّ الأداء، فهذا الخليفة أبو بكر الصدِّيق يتَّخذ إجراءً صارما في صدر خلافته بقتال مانعي الزكاة، لأَنَّهُم أبطلوا حقًّا من الحقوق الماليَّة، وألغوا موردا هامًّا من موارد بيت المال، فقاتلهم عليها، وقال قولته المشهورة: «والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدُّونها إلى رسول الله لقاتلتهم على منعها» (2). وقد كان حريصا على توزيع ما يرد إليه من أموال الفتوحات بالسويَّة بين المسلمين ولا يستبقي منها شيئا، فَلَمَّا مات لم يجدوا عنده من مال الدولة إلاَّ دينارا سقط من غرارة (3).
وهذا الخليفة الثاني عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يقول: «والله الذي لا إله إلاَّ هو ـ ثلاثا ـ ما من الناس أحد إلاَّ له في هذا المال حقٌّ أُعطِيَهُ أو مُنعَه» (4). فقد تعهَّد بأن يؤدِّي لِكُلِّ ذي حقٍّ حقَّه من أموال الأمَّة. وقد لاحظ أحد الصحابة بأنَّ عمر يقتِّر على نفسه وعلى عياله في النفقة فقال له: لو وسَّعت على نفسك في النفقة من مال الله. فأجابه عمر رضي الله عنه: أتدري ما
__________
(1) مدكور سالم، الدولة الإسلامية، مرجع سابق، ص236.
(2) الكفراوي، عطوف محمود، سياسة الإنفاق العامِّ في الإسلام. (الإسكندرية، مؤسَّسة شباب الجامعة، 1409هـ/1989م)، ص45.
(3) المرجع نفسه، ص47.
(4) الواقدي، محَمَّد بن سعد: الطبقات، تصحيح إدوارد سخاو (طهران: منشورات مؤسَّسة النصر- طهران، سنة 1321هـ، مج3، ص215. (1/73)
صفحة 68
مثلي ومثل هؤلاء كمثل قوم كانوا في سفر فجمعوا ما عندهم من مال وسلَّموه إلى أحد منهم ينفقه عليهم، فهل الرجل يستأثر عنهم مالهم؟» (1)، فقد بيَّن له بالمثال الواضح عن روح المسؤوليَّة التي تحلَّى بها ولاة الأمور في صدر الإسلام، وكيف أَنَّهُم أدركوا مسؤوليَّتهم العظيمة تجاه الرعيَّة، فهو المستخلف أو الوكيل عن أموال الأمَّة، وليس له منها إلاَّ ما يكفي حاجته وحاجة أسرته.
ويبيِّن قول آخر للخليفة عمر وظيفة وليِّ الأمر في مهمَّته تجاه أموال الأمَّة في عبارة مختصرة في مبناها، لَكِنَّهَا عظيمة في معناها، تحمل كلَّ ما تتضمَّنه هذه المسؤوليَّة من وظائف بقوله: «إنَّ الله جعلني خازنا وقاسما» (2)، فهو الخازن الأمين لأموال الأمَّة، يجمعها من مصادرها الشرعيَّة، ويعمل على المحافظة عليها وصيانتها، ثُمَّ يوزِّعها على مستحقِّيها بعدل ومساواة.
وهذا الخليفة الثالث عثمان بن عفَّان رضي الله عنه يكتب إلى عمَّال الخراج في الأمصار يحسِّسهم بهذه المسؤوليَّة: «أَمَّا بعد فإنَّ الله خلق الخلق بالحقِّ فلا يقبل إلاَّ الحقَّ، خذوا الحقَّ وأعطوا الحقَّ به، والأمانةَ الأمانة، قوموا عليها ولا تكونوا أولى من يسلبها، والوفاء الوفاء، لا تظلموا اليتيم ولا المعاهد، فإنَّ الله خصم لمن ظلمهم» (3). فقد أوصاهم بثلاثة أمور هي أساس المعاملات الماليَّة:
أ) الأخذ والعطاء بالحقِّ.
ب) القيام بالأمانة أحسن قيام.
ج) الوفاء بالحقوق وعدم الظلم.
كما كان الخليفة الرابع عليُّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهه شديد المحاسبة في الشؤون الماليَّة، لنفسه ولعمَّاله، كما كان حريصا على توزيع الأموال ولا يتركها حبيسة بيت المال، كما كان زاهدا ورعا، فقد أشرف يوما على بيت المال وهي ملأى بالنقود والجواهر فقال: «يا بيضاء ويا حمراء ابيضِّي واحمرِّي وغرِّي غيري»، ثُمَّ أمر فقسم جميع ما فيها من أموال (4). ومن وصاياه إلى أحد عماله: «فدع الإسراف مقتصدا، واذكر في اليوم غدا، وأمسك من المال بقدر ضرورتك، وقدِّم الفضل ليوم حاجتك» (5).
المطلب الرابع: المسؤوليَّة الاستخلافيَّة لوليِّ الأمر:
إنَّ القاعدة الإسلاميَّة التي يعمل بها أولو الأمر في الإسلام نجدها ملخَّصة في القرآن: {وَلْتَكُن مِّنكُمُ, أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلىَ الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آلعمران:104]، فقد وضعت للهيئة الحاكمة أسلوب العمل يتضمَّن ثلاثة أسس بها يضمن الإسلام إقامة العدل، وإحقاق الحقِّ، وإزالة الباطل، وهي (6):
1 - الدعوة إلى الخير. ... 2 - الأمر بالمعروف. 3 - النهي عن المنكر.
هكذا وردت مرتَّبة حسب أهمِّيَّتها، ولا يمكن أن تخرج سلطة وليِّ عن هذه الأسس الثلاثة:
أوَّلاً: الدعوة إلى الخير:
وليس هو ذلك المعنى الدارج والمتعارف عليه بِأَنَّهُ الموعظة الحسنة والقول الحسن فقط، وإنَّما الخير خير القرآن، وهو العمل الإيجابيُّ في كلِّ مجالات العمل
__________
(1) ابن تيميَّة، تقيُّ الدين أحمد: السياسة الشرعيَّة في إصلاح الراعي والرعيَّة، مرجع سابق، ص35.
(2) دنيا، شوقي: الإسلام والتنمية، مرجع سابق، ص196.
(3) قطب، إبراهيم محَمَّد: السياسة الماليَّة لعثمان بن عفَّان (القاهرة: الهيئة المصريَّة العامَّة للكتاب، د. ت. ط، 1986) ص59.
(4) الكفراوي، عوف: سياسة الإنفاق العام في الإسلام، مرجع سابق، ص79.
(5) الإمام عليُّ بن أبي طالب، نهج البلاغة، جمع الشريف الرضي، وشرح الإمام الشيخ محَمَّد عبده، (بيروت: دار الجيل، د. ت، ط) ج2، ص19.
(6) صابر طعيمة: الإسلام والتقدُّم الاجتماعي، (بيروت: المكتبة العصرية، ط2، 1973م)، ص116. المبارك، محمَّد: نظام الإسلام: الاقتصاد، مرجع سابق، ص107. (1/74)
صفحة 69
الصالح، فالقيام بعمارة الأرض والنهوض بالتنمية الاقتصاديَّة، وضمان حدِّ الكفاية لِكُلِّ فرد من أفراد المجتمع، والعمل على إزالة كلِّ تناقضات المجتمع واختلالاته، بتحقيق التوازن الاقتصاديِّ والاجتماعيِّ، كلُّها دعوة إلى الخير الذي يشمله المعنى القرآنيُّ. والخلاصة هو تحقيق مقتضيات الخير في كلِّ ما يأمله أفراد المجتمع.
ويندرج في هذا المعنى إقامة التوازن بين المصلحة العامَّة والخاصَّة، فالأساس الذي ينبني عليه دور الدولة يقوم على قاعدة «تصرُّف الإمام على الرعيَّة منوط بالمصلحة» (1).
لهذا رأى الفقهاء ضرورة قيام الدولة بالخدمات التي تَتَعَلَّق بها مصالح المسلمين، وتقوم بالإنفاق عليها وهو ما يعبَّر عنه بالقطاع العامِّ الذي هو مرتبط بحاجات أفراد المجتمع وضروريَّاته، وأوَّل هذه المهامِّ: دور الدولة في الإشراف على الدفاع والأمن والعدالة والمرافق العامَّة، وكلُّ ما يعجز الأفراد عن تحقيقه، أو إلى احتكاره بحيث يسبِّب ضررا بالمجتمع. فالإسلام يوازن بين هذه المصالح ومصلحة الأفراد فيعطي الفرد القدر الذي لا يطغى به على الجماعة.
فالإنسان مسؤول عن عمله مسؤوليَّة فرديَّة، ولا يتحمَّل انحرافَه غيرُه، لكنَّ الجماعة مسؤولة عن مراعاة مصلحة الجميع، يقول الدكتور شبرا: «إنَّ الإسلام يعترف بالحرِّيَّة الفرديَّة، ولكنَّه لا يقدِّس قوى السوق، فإنَّ العمل الأعمى لقوى السوق لا يكافئ بالضرورة تلقائيًّا الجهد الإنتاجيَّ الاجتماعيَّ، ولا يكبح الاستغلال ولا يساعد الضعفاء والمحتاجين، فمن مسؤوليَّة الدولة أن تلعب دورا إيجابيًّا في توجيه وتنظيم الاقتصاد (2).
__________
(1) محَمَّد يوسف كمال: فقه الاقتصاد العام، ستابرس للطباعة والنشر، 1410هـ/1990م، ص152.
(2) د/ شبرا، محَمَّد عمر، نحو نظام نقدي عادل (دار البشير: عَمَّان (الأردن)، ط2، 1410هـ/1990م)، ص70. (1/75)
صفحة 70
هكذا يتميَّز الاقتصاد الإسلاميُّ في ظلِّ التوجيه القرآنيِّ إلى الخير بالتدخُّل الاقتصاديِّ للدولة ولا يترك تنظيمه لقوى السوق كما فعلت الرأسماليَّة، إلاَّ أَنَّهُ حدَّد مجالات التدخُّل وجعل لها معيارا محدَّدا وهو تحقيق المصلحة، فكُلَّمَا اقتضت المصلحة العامَّة مدَّت يدها بالتنظيم والمراقبة، وإلاَّ تركت المبادرة الفرديَّة تؤدِّي دورها تحت إشرافها ورعايتها.
ثانيا: الأمر بالمعروف:
بعد الدعوة إلى الخير العامِّ وتوفير سبل الحياة في كنف المجتمع المتوازن، فوليُّ الأمر مطلوب منه الأمر بالمعروف، وهو القاعدة الكلِّيَّة العامَّة التي فرضها الإسلام بإقامة التكاليف وأداء الحقوق، وصيانة المجتمع في مجال المعاملات والأخلاق والآداب العامَّة، والمعروف مفهوم شامل، فهو اسم لكُلِّ فعل يُعرف بالعقل أو الشرع حُسنُه (1)، فكل فعل محسَّن شرعا وعقلا، فالله يأمر بإتيانه والقيام به، من طرف الأفراد ومن الجماعة الممثَّلة في وليِّ الأمر، كلٌّ في نطاق صلاحيَّاته ومستواه.
ثالثا: النهي عن المنكر:
والمنكر: هو ما يترتَّب عليه إلحاق الضرر بالفرد أو الجماعة، وهو كلُّ ما قبَّحه وأنكره الشرع والعقل، أي: عكس المعروف، والنهي عن المنكر يشمل كلَّ ما نهت عنه أصول التشريع الإسلاميِّ، فالاحتكار منكر، والاكتناز منكر، وبخس المكيال والميزان منكر، فعلى وليِّ الأمر محاربتها والقضاء عليها. وله كامل الصلاحيَّة في اتِّخاذ الوسائل لتحقيق ذلك. هذه هي الأسس التي تقوم عليها مسؤوليَّة أولي الأمر، دعوة إلى الخير وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ويمكن جمعها كلِّها في تحقيق المصلحة، فوليُّ الأمر محكوم في تصرُّفه بتحقيق المصلحة، والمصلحة العامَّة هي المحافظة على مقصود الشرع، يقول الإمام أبو حامد الغزالي: «نعني بالمصلحة العامَّة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة، فكلُّ ما يتضمَّن حفظ هذه الأصول فهو مصلحة، وكلُّ ما يفوِّتها فهو مفسدة ودفعها مصلحة» (2).
حقوق وواجبات الأفراد تجاه السلطة:
إذا كانت مسؤوليَّة وليِّ الأمر تقتضي مراعاة مصالح العباد والبلاد، فإنَّ للأفراد واجبات وحقوقا ينبغي القيام بها ليسود الانسجام والتكامل بين أطراف عقد البيعة المبرم بين الأفراد والسلطة:
أ) الحقوق:
ذكر ابن حزم في المحلَّى أنَّ للمسلم على الدولة حقوقا (3)، وهي:
1) للمسلم على الوليِّ حقُّ المأكل والملبس والمشرب، فلا يجوز أن يجوع مسلم أو يعرى.
2) حقُّ التعلُّم، فعلى الدولة توفير سبل التعليم.
3) حقُّ العمل كُلَّمَا طلبه الأفراد، وإن لم تستطع الدولة توفير فرص العمل فعليها ضمان معيشتهم.
4) حماية دم المسلم وماله وعرضه.
هذه هي الحقوق الأساسية لكُلِّ فرد، إلى جانب الحقوق العامَّة المستمدَّة من روح الشريعة ونصوصها وهي المساواة والعدل بين جميع أفراد الأمَّة.
__________
(1) الأصفهاني: معجم مفردات ألفاظ القرآن، مرجع سابق، ص343.
(2) الإمام أبو حامد الغزالي: المستصفى، ج1 ص85.
(3) أبو السعود، محمود، خطوط رئيسيَّة في الاقتصاد الإسلامي (الكويت: الاتِّحاد الإسلامي للمنظمات الطلاَّبيَّة - السالميَّة، د. ط، 1398هـ/1978م، ص71. (1/77)
صفحة 71
ب) الواجبات:
على أنَّ للأفراد مراعاة الواجبات التي على أعناقهم بصفتهم مواطنين تجاه السلطة الحاكمة، وتتلخَّص في واجب الطاعة والامتثال لكُلِّ التشريعات والتنظيمات التي تصدرها ابتغاء تحقيق المصلحة العامَّة.
تعرَّضنا في ثنايا هذا المبحث إلى قضيَّة المشروعيَّة التي ترتكز عليها سلطة وليِّ الأمر، ثُمَّ ضرورة إقامة السلطة شرعا وعقلا، وإلى لمحة عن نظرة الخلفاء الراشدين إلى المال وسياستهم الاقتصاديَّة، وإلى مسؤوليَّة وليِّ الأمر المستوحاة من القرآن الكريم، وسنعرض في المباحث الثلاثة القادمة إلى أهمِّ مجالات مسؤوليَّة وليِّ الأمر المتعلِّقة بالوظائف الماليَّة، بدءا بدورها في سكِّ النقود وتداول العملة والمحافظة عليها.
I` I` (1/78)
صفحة 72
المبحث الثاني
دور الدولة في سكِّ العملة وتداولها
بما أنَّ العملة هي وسيلة تبادل الخيرات بين أفراد المجتمع، بغضِّ النظر عن كونها نقودا ذهبيَّة أو فضِّيَّة، أو معدنا آخر، أو على شكل بنكنوت (1)، فهي مال في الاصطلاح الذي اعتمدناه في البحث، وسوف يقتصر البحث في هذا المجال على سكِّ العملة وتداولها دون الدخول في السياسات الماليَّة والنقديَّة التي على الدولة أن تتَّخذها لوضع منهج لسياستها الاقتصاديَّة، لأنَّ ذلك خارج عن نطاق البحث، لذا فسوف يدور المبحث في نقطتين أساسيَّتين:
1) سكُّ النقود من الأعمال السياديَّة للدولة.
2) مسؤوليَّة الدولة في المحافظة على القوَّة الشرائيَّة للنقود.
وقبل ذلك نتعرَّض بإيجاز إلى تعريف العملة ودورها في الدولة الإسلاميَّة.
العملة: هي مجموع الرموز والإشارات المادِّيَّة وغير المادِّيَّة التي تسمح توزيع الخيرات الاقتصاديَّة اعتمادا على نظام للمداخيل والأسعار (2).
فالدور الأساسيُّ للنقود كونها أداة التبادل والمقياس العامَّ للقيمة، وقد استخدمها الإنسان للتخلُّص من مشاكل المقايضة لِمَا تتَّسم به من خصائص جعلتها تقوم بهذا الدور الأصيل، غير أنَّ دور النقود تطوَّر، واستعمل لغرض آخر غير الغرض الأصليِّ، فأصبح هدفها الاكتناز والادِّخار (3).
وهكذا استقرَّ في الفكر الاقتصاديِّ أنَّ وظائف النقود أربعة:
__________
(1) البنكنوت: سند إذني يصدره عادة البنك المركزي بقيمة معيَّنة قابلة للدفع لحامل السند لدى الطلب، فله قوَّة إبراء غير محدودة بمقتضى القانون، وتمثِّل هذه العملة الورقة عادة: الأداة الرئيسية في الوفاء بالمدفوعات النقديَّة. د/ حسين عمر: موسوعة المصطلحات الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص58.
(2) هني، أحمد، العملة والنقود. (الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعيَّة، د. ت. ط)، ص7
(3) الصدر، محَمَّد باقر: اقتصادنا، مرجع سابق، ص659. (1/80)
صفحة 73
1) وسيلة للتبادل.
2) مقياس للقيم.
3) مخزن للقيم.
4) معيار للدفوعات الآجلة (1).
إلاَّ أن الفكر الاقتصاديَّ الإسلاميَّ حدَّد وظائف النقود كما يراها ابن خلدون في ثلاث وظائف، بقوله: «إنَّ الله خلق الحجرين المعدنين من الذهب والفضَّة قيمة لِكُلِّ متموَّل، وهما الذخيرة والقِنْية لأهل العالم في الغالب» (2).
ففي قوله: «قيمة لكُلِّ متموَّل» تحديدٌ لوظيفة قياس القيم. وفي قوله: «الذخيرة» تحديدٌ لوظيفة تخزين القيمة، وفي قوله: «القنية» تحديد لوظيفة التوسُّط في التداول (3).
ظهور النقود في الدولة الإسلاميَّة:
كان اعتماد الدولة الراشدة وصدر الدولة الأمويَّة في معاملاتها الماليَّة على العملات الأجنبيَّة، وهي الدنانير الروميَّة والدراهم الفارسيَّة في الغالب، وفي جزء منها على العملة اليمنيَّة، يقول الماوردي: «كانت الدنانير ترد روميَّة والدراهم ترد كسرويَّة وحميريَّة قليلة» (4).
غير أنَّ الدولة الإسلاميَّة فكَّرت بعد اتِّساع رقعتها وتزايد نشاطها الاقتصاديِّ، ألاَّ تبقى معتمدة على عملات أجنبيَّة، خاصَّة وأنَّ ظروف الحرب ما تزال قائمة بينها وبين جيرانها عقب الفتوحات، زد على ذلك أَنَّهَا كثيرا ما ترد عليها
__________
(1) يوسف كمال محَمَّد، فقه الاقتصاد النقدي (القاهرة: دار الهداية، دار الصابوني، ط1، 1414هـ/1993م)، ص28.
(2) ابن خلدون، المقدِّمة، مرجع سابق، ص680.
(3) يوسف كمال محَمَّد: فقه الاقتصاد النقدي، مرجع سابق، ص28
(4) الماوروي، أبو الحسن علي بن محَمَّد: الأحكام السلطانيَّة والولايات الدينيَّة (مصر: دار الوفاء، المنصورة، ط1، 1409هـ/1989م)، ص197. (1/81)
صفحة 74
مغشوشة، كلُّ هذه العوامل مجتمعة عجَّلت بوضع عملة إسلاميَّة مستقلَّة.
يقول ضياء الدين الريس: «يقول المؤرِّخون: هناك صلة بين سوء العلاقات بين دولتي الإسلام والروم وبين التفكير في وضع عملة مستقلَّة» (1).
فكان أوَّل من ضرب الدراهم باسم الدولة الإسلاميَّة هو عبد الملك بن مروان، يقول الماوردي: «قال سعيد بن المسيّب: إنَّ أوَّل من ضرب الدراهم المنقوشة عبد الملك بن مروان .... فأمر الحجَّاج أن يضرب الدراهم بالعراق فضربها سنة أربع وسبعين، وقال المدائنيُّ: بل ضربها الحجَّاج سنة خمس وسبعين، ثُمَّ أمر بضربها في النواحي سنة ستٍّ وسبعين» (2).
ولا يهمُّ الاختلاف في الشخص، وإن كنَّا نرجِّح أن يكون عبد الملك هو الذي ضربها، أو أمر الحجَّاج بضربها، لأنَّ أمرا بهذه الخطورة لا يمكن أن يصدر من والي العراق بمفرده.
المطلب الأوَّل: سكُّ النقود من مهام وليِّ الأمر:
نظرا للدور الهامِّ الذي تقوم به النقود في الحياة الاقتصاديَّة فَإِنَّهُ يجب أن يكون سكُّ العملة من الأعمال السياديَّة للدولة فلا تتنازل عنها لأيِّ مؤسَّسة أو جهة أخرى (3)، كما أنَّ عليها المحافظة على قيمتها باتِّخاذ السبل الكفيلة، ونهج سياسة اقتصاديَّة وماليَّة صحيحة.
وإنَّ مبدأ إصدار النقد من قبل الدولة ينبغي أن يشمل أيضا ما يسمَّى بالنقود الخطِّيَّة (4) التي تصدرها البنوك، وليس فقط النقود الورقيَّة والمعدنيَّة.
__________
(1) الريس، محمَّد ضياء الدين: الخراج والنظم الماليَّة للدولة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص204.
(2) الماوردي. الأحكام السلطانيَّة، مرجع سابق، ص197.
(3) منذر قحف: الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص145.
(4) النقود الخطِّيَّة: هي مثل النقود الورقيَّة تعتمد على ثقة الناس بها، إلاَّ أَنَّهَا تختلف عنها بكونها عبارة عن أوراق تحرَّر كتابيًّا مثل: الصكوك المصرفية والبريديَّة، وكلُّ السندات التي تمثِّل قيمة معيَّنة، ما عدا الأوراق النقديَّة. (1/82)
صفحة 75
وقد بيَّن المقريزي (1) أنَّ النقود يجب سكُّها من قبل الحاكم، ويجب أن تكون مضبوطة غير مغشوشة، ويردُّ أسباب المجاعات التي حدثت في مصر إلى التلاعب بقيمة النقود فيقول: «وليس بالناس غلاء، وإنَّما نزل بهم سوء التدبير من الحكَّام نتيجة التلاعب بالنقد وضريهم الفلوس بكثرة إلى درجة أصبحت معها النقد الرائج الوحيد في التعامل تقريبا» (2). ويضيف في إعطاء العلاج لهذا التدهور لقيمة النقود قولَهُ: "فلو وفَّق الله من أسند إليه أمر عباده حَتَّى ردَّ المعاملات إلى ما كانت عليه قبل، من المعاملة بالذهب خاصَّة، وردَّ قيم السلع، وعوض الأعمال كلِّها إلى الدينار لكان في ذلك غياث الأمَّة وصلاح الأمور" (3).
والعلاج يكمن ـ في رأي المقريزي ـ في الرجوع إلى قاعدة الذهب، وهو ما كان سائدا في العصر الحديث إلى قيام الحرب العالميَّة الأولى.
ذلك لأنَّ إصدار النقود والتوسُّع في ذلك دون حاجة اقتصاديَّة يؤدِّي إلى انخفاض قيمتها الشرائيَّة لزيادة كمِّيَّتها مِمَّا يسبِّب زيادة الأسعار فيؤدِّي إلى آثار تضخُّمية، فيؤثِّر سلبا على الحياة الاقتصاديَّة (4).
لهذا اهتمَّت الدولة الإسلاميَّة بالنقود وثبات قيمتها، وأداء دورها المنوط بها، حَتَّى لا تحدث تقلُّبات في الاقتصاد، أو تحوِّل القوَّة الشرائيَّة لصالح طبقة على حساب الأخرى، ولا يختلُّ التكامل والتضامن الاجتماعيُّ بين أفراد المجتمع الإسلامي.
__________
(1) هو تقيُّ الدين أحمد بن علي المقريزي، ولد بمصر عام 766هـ، وتوفِّي عام 845هـ، من مؤلَّفاته: إغاثة الأمَّة بكشف الغمَّة، وفيه يبيِّن أسباب المجاعات الإنسانيَّة.
(2) المقريزي: تاريخ المجاعات في مصر، تقديم بدر الدين السباعي (القاهرة: 1956م) ص87.
(3) المرجع نفسه، ص84.
(4) الكفراوي، عوف محمود، النقود والمصارف في النظام الإسلامي، الإسكندرية: دار الجامعات المصريَّة، ط2، 1407هـ)، ص326. (1/83)
صفحة 76
المطلب الثاني: مسؤوليَّة الدولة في المحافظة على قيمة النقود:
يقول سهل بن عبد الله التستريُّ: «أطيعوا السلطان في سبعة: ضرب الدراهم والدنانير والمكاييل والأوزان والأحكام والحجِّ والجمعة والعيدين والجهاد» (1).
حتَّى إن لم نتأكَّد من مصدر القول وصاحبه، فَإِنَّهُ من الناحيه المنطقيَّة والعقليَّة، تعتبر هذه الأمور من رموز وحدة الأمَّة، فلا يعقل أن يكون لأمَّة واحدة عملتان مختلفتان أو مكيالان، أو أن تقام صلاة العيد في يومين مختلفين، فإن حدث ذلك فَإِنَّهُ يعتبر من مؤشِّرات التصدُّع في كيان الأمَّة، واختلاف اتِّجاهاتها، فعلى الرعيَّة التزام الطاعة في هذه المسائل التي تعبِّر عن وحدة الأمَّة. وبناء على ذلك يكون لوليِّ الأمر الحقُّ في (2):
أ) سكِّ النقود المعدنيَّة، ووزن وعيار كلِّ معدن يدخل في صنعها، وتحديد الوحدة الرئيسيَّة لعملتها، وبيان أسعار العملات الأجنبيَّة بها، وأسعار الذهب والفضَّة.
ب) إصدار الأوراق النقديَّة، وإصدار القوانين التي تفرض صفتها الإلزاميَّة في التعامل، سواء مع النقود المعدنيَّة، أو الورقيَّة.
ج) الإشراف على الائتمان الذي تصدره البنوك، وهو ما يعبَّر عنه بالنقود الخطِّيَّة، وتحديد نسبته وفقا لسياسة الدولة النقديَّة.
د) تحديد النقود كمًّا ونوعًا، طبقا لحاجة التعامل الفعليَّة في إطار سياسة نقديَّة رشيدة، واتِّخاذ الإجراءات اللازمة للمحافظة على قوَّتها الشرائيَّة عن طريق زيادة الإنتاج.
هـ) على وليِّ الأمر أن يوقع أشدَّ العقوبات على كلِّ من يبدِّل أو يغيِّر أو يغشُّ أيَّ عملة من العملات، حرصا على سلامتها وحفاظا على قوَّتها الشرائيَّة.
__________
(1) الدموهي، عوامل الإنتاج، مرجع سابق، ص305.
(2) الدموهي، نفس المرجع، ص306. (1/84)
صفحة 77
المحافظة على قيمة النقود عند فقهاء الإسلام:
كما رأينا أن إصدار النقود يكون من سلطات الهيئة الحاكمة، فإنَّ فقهاء المسلمين يرون أنَّ ذلك من تمام سيادة الدولة، يقول النوويُّ:
«ويكره لغير الإمام ضرب الدراهم والدنانير، وإن كانت خالصة فَإِنَّهُ لا يؤمن فيها الغشُّ والفساد» (1).
فهو يعزي سبب ذلك إلى مظنَّة الغشِّ والفساد، غير أنَّ الضرورة الاقتصاديَّة أولى بالاعتبار، فالنقود لها أثر بالغ في التبادل لا يمكن أن تكون بيد غير سلطة الدولة، بينما يعلِّل أبو يعلى سبب اختصاص الإمام بضرب الدراهم والدنانير، بأَنَّهُ لو سمح بذلك للأفراد لاحتكروا ولأثَّروا في سير اقتصاد الأمَّة، بنقله عن الإمام أحمد قوله: «ولا يصلح ضرب الدراهم إلاَّ في دار الضرب بإذن السلطان؛ لأنَّ الناس إذا رخِّص لهم ركبوا العظائم» (2).
فهذه النصوص تؤكِّد أنَّ ضرب النقود هو من اختصاص السلطان، خوفا من استشراء الفساد والفوضى وغلقا لباب الاحتكار والتحكُّم في مصير الاقتصاد، كما أنَّ دور السلطة لا يقتصر فقط على سكِّ العملة، بل يتعدَّاه إلى المحافظة على قيمتها الشرائيَّة بمنع كلِّ ما يخفض من قيمتها.
ويوجب الفقهاء على السلطات النقديَّة المحافظة على القوَّة الشرائيَّة للنقود، ويحرمون استخدامها مَصدرًا لإيراد الدولة. ويمنعون الإضرار بالناس بإلغاء عملة سائدة وإصدار غيرها. ثُمَّ إِنَّهُم لا يُحمِّلون العملة تكاليف إصدارها، وإنَّما يتحمَّلها بيت المال (3).
يقول البهوتي: «قال الشيح: ينبغي للسلطان أن يضرب لهم فلوسا تكون
__________
(1) النووي: المجموع، نقلا عن كمال يوسف: فقه الاقتصاد، مرجع سابق، ص388.
(2) أبو يعلى: الأحكام السلطانيَّة، نقلا عن كمال يوسف، نفس المرجع والصفحة.
(3) كمال يوسف. فقه الاقتصاد النقدي، مرجع سابق، ص380. (1/85)
صفحة 78
بقيمة العدل في معاملاتهم من غير ظلم، تسهيلا عليهم وتيسيرا لمعاشهم، ولا يتجر السلطان في الفلوس بأن يشتري نحاسا فيضربه فيتَّجر فيه، ولا يحرِّم عليهم الفلوس التي بأيديهم ويضرب لهم غيرها، لأَنَّهُ إضرار بالناس وخسران عليهم، بل يضرب النحاس فلوسا بقيمته من غير ربح فيه للمصلحة العامَّة، وتعطى أجرة الصنَّاع من بيت المال، فإنَّ التجارة فيه ظلم عظيم من أبواب ظلم الناس، وأكل أموالهم بالباطل (1).
ففي هذا النصِّ توجيهات اقتصاديَّة في كيفيَّة سكِّ العملة وتداولها وضعها فقهاء الإسلام قبل قرون من ظهور علم الاقتصاد، حَتَّى وكأنَّ التشريعات المعاصرة أخذت منها، فقد نصَّت تشريعات الدول الحديثة على ذلك.
فنرى مثلا المشرِّع الجزائريَّ ينصُّ:
- في المادَّة: 58 من قانون النقد والقرض على ما يلي (2): يصدر البنك المركزيُّ مجَّانا الأوراق النقديَّة.
في المادة: 4 من نفس القانون (3): يعود للدولة امتياز إصدار الأوراق النقديَّة والقطع المعدنيَّة في التراب الوطني.
وقد تضمَّنت هذه التوجيهات ثلاث نقاط رئيسية:
1) إصدار كمِّيَّة النقود بقيمة العدل، بما يقابل الإنتاج، فإصدار النقود بكمِّيَّات أكبر يؤدِّي إلى التضخُّم.
2) إنَّ النقود تسكُّ للتداول، فلا يحقُّ للسلطان اتِّخاذها تجارة، وقد ذكر
__________
(1) البهوتي: كشَّاف القناع عن متن الإقناع، نقلا عن كمال يوسف: فقه الاقتصاد النقدي، مرجع سابق، ص387.
(2) ترقية الاستثمار: نصوص تشريعيَّة. (الجزائر: الشركة الوطنيَّة للنشر والإشهار، ص36.
(3) المرجع نفسه، ص 25. (1/86)
صفحة 79
صورة التجارة بالنقود في عهده، أما الآن فإنَّ التجارة بالنقود اتَّخذت شكلا جديدا وخطيرا، إذ إنَّ أغلب الدول ـ وخاصَّة النامية منها ـ تغطِّي عجزها في ميزانياتها بأسلوب التمويل بالعجز، أي بطبع كمِّيَّة من النقود الورقيَّة بدون مقابل، لتسدَّ بها الخلل الناجم في موازينها، ويترتَّب على ذلك ضرر فاحش باقتصاد الأمَّة، إذ تتسبَّب في ارتفاع الأسعار وزيادة التضخُّم، وهذا نوع من التجارة التي أشار إليها الشيخ وحذَّر منها، واعتبرها ظلما، وأكلا لأموال الناس بالباطل.
3) أن تسدَّد تكاليف سكِّ العملة من بيت المال، حَتَّى تعطى لها قيمتها الحقيقيَّة، كأساس للتبادل، لا بقيمها الذاتيَّة.
عقوبة من يقوم بكسر الدراهم والدنانير:
حفاظا على قيمة النقود، وعلى قوَّتها الشرائيَّة، فقد نصَّ الفقهاء على عقوبة من يقوم بتكسير الدنانير وقطع النقود، وقد نصَّت كثير من النصوص على تحريم ذلك؛ لأَنَّهُ إضرار بالمجتمع والأفراد، فعلى وليِّ الأمر التصدِّي لذلك. ويندرج في هذا التحريم كلُّ ما يؤدِّي إلى تخفيض قيمة النقود، إمَّا بكسرها مادِّيًّا، أو تخفيض قوَّتها الشرائيَّة بإصدار النقود الورقيَّة دون ما يقابلها من العمل والإنتاج.
وإذا كان النوع الأَوَّل هو السائد عند عصور الفقهاء القدامى، إلاَّ أنَّ هذا الشكل من النقود قد زال منذ أن حلَّت النقود الورَقيَّة محلَّ النقود المعدنيَّة.
يقول ابن العربي: «وكسر الدنانير والدراهم ذنب عظيم؛ لأَنَّهَا الواسطة في تقدير قيم الأشياء، والسبيل إلى معرفة كمِّيَّة الأموال وتنزيلها في المعارضات، حَتَّى عبَّر عنها بعض العلماء أَنَّهَا القاضي بين الأموال عند اختلاف المقادير أو جهلها».
ويضيف قائلا: «والدراهم والدنانير إذا كانت صحاحا قام معناها وظهرت فائدتها، فإذا كسرت صارت سلعة وبطلت الفائدة، فأضرَّ بذلك الناس فلأجله حرِّم»، وقد قال ابن المسيّب قطع الدنانير والدراهم من الفساد في الأرض، إلاَّ أنَّ (1/87)
صفحة 80
هناك من الفقهاء من يذهب إلى كراهيَّة ذلك بدل الحرمة، منهم الإمام مالك وأكثر فقهاء المدينة، وبذهب الإمام أبو حنيفة وفقهاء العراق إلى أنَّ كسرها غير مكروه (1). إلاَّ أن القول الأَوَّل أرجح ـ أي الحرمة ـ نظرا للضرر البالغ الذي يحدثه، ولشدة العقوبة التي نصَّ عليها الفقهاء، ولو كان مكروها لما وضعوا له تلك العقوبة، كما نصُّوا أيضا على ردِّ شهادة الذي يقوم بتقطيع العملة.
واختلف الفقهاء، في نوع العقوبة إلى ثلاثة أقوال (2):
أ) عقوبته مطلقا.
ب) قطع اليد.
ج) التعزير.
وإذا كان تكسير النقود وتقطيعها زال مع زوال النقود المعدنيَّة (الذهب والفضَّة) وظهر محلَّها نقودٌ ورقيَّة أو غيرها من الأشكال فإنَّ روح الحكم يبقى ساريا على كلِّ حالة من الحالات التي تؤدِّي إلى إضعاف قيمة النقود، والتخفيض من قوَّتها الشرائيَّة.
ويتجلَّى ذلك في صورتين: إحداهما ظاهرة وجليَّة قد وضعت لها السلطات التشريعات لمكافحتها، والأخرى وهي الأخطر وهي خفيَّة لا يظهر أثرها إلاَّ بعد مدَّة في انخفاض القيمة الشرائيَّة للنقود.
أَمَّا الأولى: فهي تزوير الأوراق النقديَّة، وإصدارها من غير جهتها المختصَّة، فهو الغشُّ الجليُّ الذي نهت عنه التعاليم الإسلاميَّة، ونصَّت القوانين الوضعيَّة على عقوبة من يقوم بها، فقد نصَّت المادَّة: 197 من قانون العقوبات الجزائري (3):
__________
(1) الماوردي: الأحكام السلطانيَّة، مرجع سابق، ص198.
(2) المرجع نفسه، ص 198.
(3) ترقية الاستثمار، نصوص تشريعيَّة، مرجع سابق، ص25. (1/88)
صفحة 81
بالعقوبة على تقليد وتزوير الأوراق النقديَّة والقطع النقديَّة التي أصدرها البنك الجزائريُّ أو أصدرتها أيَّة سلطة نقديَّة قانونيَّة أجنبيَّة أخرى، كما يعاقب طبقا لنفس المادَّة أعلاه على إدخال هذه الأوراق النقدية المقلَّدة أو المزوَّرة وبيعها بالتجوُّل وتوزيعها».
أَمَّا الصورة الثانية: فهي إصدار العملة بدون مقابل، فهي تشبه الصورة الأولى من حيث النتيجة، لكنَّ خطورتها تكمن في أنَّهَا تقوم بها السلطات النقديَّة المسؤولة عن حماية القيمة الشرائيَّة للنقود، فعند عجز الميزانيَّة العامَّة للدولة، يُسدُّ الخلل بإصدار مزيد من الأوراق النقديَّة بدون مقابل ـ كما أشرنا سابقا ـ. والمتضرِّر الأكبر من هذه العمليَّة هو الاقتصاد القوميُّ بصفة عامَّة، وفئات المجتمع ذوي الدخل المحدود.
فإذا كانت التشريعات الوضعيَّة وضعت العقوبات للصورة الأولى، فمن يحمي النقود من الصورة الثانية، خاصَّة وأنَّها تقوم بها السلطات النقديَّة نفسها كإجراء اقتصاديٍّ لمعالجة عجز الميزانيَّة؟!.
فإذا كان العالم يقف في حيرة أمام هذا الداء ـ داء التضخُّم ـ فإنَّ الإسلام ينفرد بعلاج شاف لهذا الداء، فعلى السلطات النقديَّة أن تتعبَّد بالبحث عن الأساليب التي توفِّر ثبات القوَّة الشرائيَّة للعملة كأصل من أصول النظام العامِّ (1).
]]]
__________
(1) كمال يوسف: فقه الاقتصاد النقدي، مرجع سابق، ص390. (1/89)
صفحة 82
المبحث الثالث
دور الدولة في الإشراف على الأموال العامَّة
تعرَّضنا في الفصل الثاني إلى أشكال الملكيَّة في الاقتصاد الإسلامي، وانتهينا إلى أنَّها قسمان: فرديَّة وعامَّة، ووضعنا المعيار المميِّز بين الملكيَّتين، فالأولى يرعاها الأفراد بحكم الغريزة الفطريَّة، مع ارتباطها بالوظيفة الاستخلافية، أَمَّا الثانية فإنَّ وليَّ الأمر هو المسؤول عنها وعلى رعايتها وضمان أداء دورها، وهي التي تقوم بالوفاء بالحاجات الجماعيَّة.
المطلب الأوَّل: الأدلَّة المثبتة للملكيَّة العامَّة في الإسلام:
قد يُعتقد أنَّ نشأة الملكيَّة العامَّة هي نتاج الفكر الاشتراكيِّ المعاصر، إلاَّ أنَّ الوقائع التاريخيَّة تؤكِّد أنَّه مع وضع أسس الدولة الإسلاميَّة بعد هجرة الرسول J إلى المدينة المنوَّرة كانت ملامح كلٍّ من الملكيَّتين العامَّة والخاصَّة متميِّزة، فقد وردت أَدلَّة من الكتاب والسنَّة وفعل الصحابة ما يؤكِّد ذلك (1):
أ) قال تعالى: {هُوَ الذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فيِ الاَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة:29]، وفي معنى من معاني الآية ما يفيد الملكيَّة الجماعيَّة (2).
ب) قال الرسول J : « المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار» (3)، وهي أشياء ضروريَّة لا غنى للإنسان عنها.
ج) يقول الرسول J : « من أحيى أرضا ميِّتة فهي له» (4). فالإحياء تمليك بالاختصاص من الأصل الذي هو أنَّ ملكيَّة الأرض تعود إلى الملكيَّة العامَّة.
__________
(1) بسيوني: الحرِّيَّة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص218.
(2) انظر: البهي الخولي: الثروة في ظلِّ الإسلام، مرجع سابق، ص93.
(3) تقدَّم تخريجه، انظر: ص117 من الرسالة.
(4) البخاريُّ، مرجع سابق، كتاب الحرث وا لمزارعة، الباب 15، ج5، ص18 (1/90)
صفحة 83
د) قوله تعالى: {مَآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ اَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ... } [الحشر:7]، المعنى العامُّ للآية أنَّ أموال الفيء والغنائم قبل قسمتها تكون ملكا لجماعة المسلمين، ويقول بعض المفسِّرين (1) إنَّه عندما ترد كلمة «لله وللرسول»، فَإِنَّهُ يقصد بها الحقُّ العامُّ، مثل ما ورد في حدِّ الحرابة في قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَآؤُاْ الذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ, وَيَسْعَوْنَ فِي الاَرْضِ فَسَادًا ... } [المائدة:33]، فالحرابة لا تكون إلاَّ للأشخاص والممتلكات العامَّة والخاصَّة.
هـ) يقول الرسول J : « لا حمى إلاَّ لله ولرسوله» (2)، فالحمى لا يكون إلاَّ لمصلحة ومنفعة عامَّة ولا يخصُّ أحدا، والحمى هو نوع من أنواع الملكيَّة العامَّة التي شرعها الرسول J ، وحدَّد نطاقها وأهدافها.
المطلب الثاني: أهداف الملكيَّة العامة وأشكالها
الفرع الأوَّل: أهدافها:
إنَّ الغاية من تشريع الملكيَّة العامَّة تحقيق أهداف بعيدة، والاضطلاع بمهامَّ تعود بالفائدة لصالح الجميع، ويمكننا أن نستنتج من خلال النصوص الواردة في تشريع الملكيَّة بعض الأهداف (3):
1) إيجاد إيراد عامٍّ لتمويل النفقات العامَّة للدولة التي تحتاج إليها، فعلى الإمام إيجاد قطاع عامٍّ يكون المصدر الرئيسيَّ لهذه النفقات، وقد أستخدم النبيُّ J ريع أراضي خيبر في جانب كبير منه للمصالح العامَّة، كما فعل كذلك بأراضي الحمى التي حماها، ونفس الموقف اتَّخذه الخليفة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه من أراضي السواد بالعراق لَمَّا افتتحها، فأبى قسمتها كملكيَّة خاصَّة، بل تركها من أموال
__________
(1) انظر: سيِّد قطب: في ظلال القرآن، مرجع سابق، مج2، ص873 - 879.
(2) أخرجه البخاريُّ، مرجع سابق، كتاب الجهاد، ج1 - 2، ص291، رقم 1292
(3) النبهان: محَمَّد فاروق: الاتِّجاه الجماعي، مرجع سابق، ص251. (1/91)
صفحة 84
القطاع العامِّ، وفرض على استغلالها الخراج لتمويل الخزانة العامَّة وتغطية نفقاتها.
2) الملكيَّة العامَّة أداة من أدوات إقامة التوازن الاجتماعي في المجتمع الإسلامي، فهي بمثابة إجراء توزيعيٍّ يهدف إلى إشباع حاجات الفئات الفقيرة، وقد وظَّفها عمر بن الخطَّاب لهذا الغرض لَمَّا حمى الربذة، وقال لعامله عليها: «أدخل ربَّ الصريمة والغنيمة ـ أي صاحب الإبل القليلة والغنم القليلة ـ ودعني من نعم ابن عفَّان وابن عوف ... » (1). وعلَّل ذلك بأنَّهما من الأغنياء ولهم موارد أخرى، بينما ربُّ الغنيمة والصريمة ليس له مورد غيرها.
ويمكن أن يتَّخذ هذا الإجراء أشكالا أخرى لإقامة التوازن الاجتماعيِّ والاقتصاديِّ في إطار الملكيَّة العامَّة.
3) وإذا اعتبرنا أنَّ الوقْف شكل من أشكال الملكيَّة العامَّة، فإنَّ ذلك تشجيع للأعمال الخيريَّة، لِمَا يقوم به من تقديم خدمات عامَّة في التعليم والرعاية الصحِّيَّة ومساعدة الفقراء والمساكين وأبناء السبيل.
الفرع الثاني: أشكال الملكيَّة العامَّة:
عند البحث عن أنواع الملكيَّة رجَّحنا التقسيم الذي يقسِّمها إلى صنفين: ملكيَّة عامَّة وملكيَّة خاصَّة بالمعيار المميِّز بين الملكيَّتين.
إلاَّ أنَّ اصطلاح الملكيَّة العامَّة يمكن أن يأخذ مصطلحا معبِّرا وجامعا، وهو ملكيَّة الأمَّة، فهي تشمل ملكيَّة الدولة والملكيَّة العامَّة، وتعبِّر من ناحية أخرى أنَّ هذه الأموال هي حقٌّ للأمَّة جمعاء، كما أنَّها تقابل النوع الثاني من الملكيَّة وهي ملكيَّة الأفراد.
إلاَّ أَنَّهُ لا مشاححة في المصطلحات، وسواء أصطلحنا عليها بملكيَّة الأمَّة أو الملكيَّة الجماعيَّة، فهي تعبِّر عن الأموال التي تملك ملكيَّة جماعيَّة،
__________
(1) أبو عبيد، الأموال، مرجع سابق، ص 125. (1/92)
صفحة 85
وتشرف عليها الدولة.
وقبل استعراض أنواع الأموال العامَّة في الإسلام، لا بأس من عرض مختصر لأشكال الأموال العامَّة في الاقتصاد الوضعيِّ:
أوَّلاً: أشكال الأموال العامَّة في الاقتصاد الوضعي:
تقسِّم النظم المعاصرة أملاك الدولة إلى نوعين (1):
أ) الدومين العام: ويراد به ممتلكات الدولة المعدَّة للاستعمال العامِّ، ولخدمة المرافق العامَّة، مثل: الطرق والجسور والمباني الإداريَّة، كالوزارات والبلديَّات، والحدائق العامَّة، وعادة ما لا تطلب الدولة من الأفراد ثمنا مقابل استعمالهم لهذه الأموال، إلاَّ أنَّها قد تفرض رسوما عليها، مثل زيارة المتاحف والحدائق.
ب) الدومين الخاص: يقصد به الأموال التي تملكها الدولة كالملكيَّة الخاصَّة للأفراد، بصفتها شخصا معنويًّا من أجل الصالح العامِّ، ويدرُّ الدومين الخاصُّ ـ عكس العام ـ إيرادا يشكِّل جزءا من إيرادات الدولة. وينقسم الدومين الخاصُّ تبعا لنوع المال الذي يتكوَّن منها إلى ثلاثة أقسام:
1) الدومين الزراعي: يشمل الأراضي الزراعيَّة والغابات.
2) الدومين التجاري والصناعي: يشمل المشروعات الصناعيَّة والتجاريَّة.
3) الدومين المالي: يشمل محفظة الدولة من الأوراق الماليَّة.
ثانيا: أشكال الأموال العامَّة: في صدر الإسلام:
عند استعراضنا لأشكال الأموال العامَّة في الإسلام لا نجدها تختلف في كثير من مكوِّناتها عن التقسيم الوضعي، إلاَّ أنَّنا نجد بعض الأموال تزيد في التقسيم الإسلاميِّ، وهي تتطابق مع روح الشريعة في الحضِّ على بذل الخير ومساعدة الضعفاء، مثل:
__________
(1) رفعت المحجوب، الماليَّة العامَّة، (القاهرة: دار النهضة العربية، 1979م)، ص188. (1/93)
صفحة 86
الوقف والحمى، كما أنَّ معيار التمييز بين أنواعه يختلف من نظام لآخر.
ونظرا للدور الاقتصاديِّ والاجتماعيِّ للملكيَّة العامَّة فقد عمل الرسول J على إيجادها وتنظيمها، وإن كان نطاقها ضيِّقا في زمنه J مقارنة بالوقت الحاضر، إلاَّ أَنَّهُ يجب أن يوضع في الحسبان أنَّ الاقتصاد الإسلاميَّ كان ذا طابع رعويٍّ زراعيٍّ، حيث تسود تربية الأنعام، خاصَّة الإبل والغنم وزراعة النخيل في المدينة.
وقد اتَّخذ الرسول J إجراءات في هذا المجال لتأكيد مهمَّة ملكيَّة الأمَّة ووجودها منذ نشأة دولة الإسلام:
أ) أنَّه حَمى النقيع:
يقول أبو عبيد: «حمى الرسول J النقيع، وهو موضع معروف بالمدينة لخيل المسلمين» (1)، وقال: «لا حمى إلاَّ الله ولرسوله» (2)، تصحيحا لعرف كان سائدا في الجاهليَّة، يستند إلى القوَّة والغلبة، فقد كان الرجل العزيز من العرب إذا قصد لأجل الكلأ بلدا مخصبا أوفى بكلب على جبل ثُمَّ استعوى الكلب بعد أن وقف له من يسمع صوته بالعواء، فحيث بلغ صوته حماه من كلِّ ناحية، فيمنع الناس من الرعي في هذا الحمى، ويرعى مع الناس في باقي الأرض، وهذا المفهوم الخاصُّ للحمى منعه الإسلام (3)، وشرع المفهوم العامَّ له، وهو الذي يكون لمصلحة عامَّة للمسلمين، مثل جمع خيل الجهاد أو أنعام الصدقة والجزية.
فالحمى نوع من ملكيَّة الأمَّة التي شرعها الإسلام لمصلحة عامَّة، يمكن أن يطوَّر ويوسَّع في مفهومه، طبقا للتطوُّر الاجتماعيِّ والاقتصاديِّ، فيؤدِّي دوره كشكل من أشكال الملكيَّة العامَّة، وعلى وليِّ الأمر تقنينه وتنظيمه بناء على الأسس التي أقامه عليها الرسول J .
__________
(1) أبو عبيد: الأموال، مرجع سابق، ص125.
(2) تقدَّم تخريجه، انظر فيما سبق، ص175.
(3) رفيق المصري: أصول الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص172. (1/94)
صفحة 87
كما سلك عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه نفس السبيل في حمايته للربذة، يقول أبو عبيد: حمى عمر لإبل الصدقة ولابن السبيل جميعا (1)، ويستدلُّ من وصيَّة عمر لعامله على الربذة أنَّه جعلها أيضا لأنعام الفقراء من المسلمين (2).
ومن خلال إجراء الرسول J وعمر بن الخطَّاب رضي الله عنه نرى أنَّ ملكيَّة الأمَّة تقوم بدور رعاية مصالح الأمَّة، والوفاء بالحاجات العامَّة حيث طبيعة النشاط الاقتصادي السائد.
ب) خراج الأراضي المفتوحة عنوة:
أوَّلاً: خراج أراضي خيبر:
ذكر أبو عبيد: «وممَّن منَّ عليه النبيُّ J أهل خيبر، وإنَّما افتُتحت عنوة، فقد قسم رسول الله J أرضها ومنَّ على رجالها، وتركهم عمَّالا في الأرض معاملة بالشطر لحاجة المسلمين كانت إليهم، حَتَّى أجلاهم عمر حين استغنى الناس عنهم» (3). كانت خيبر مصدر خراج للماليَّة العامَّة في الإسلام، أي موردًا من موارد القطاع العامِّ الذي يلبِّي حاجات الأمَّة في مجال الإنفاق، منذ فتحها في عهد الرسول J ، حَتَّى عهد عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، حيث استبدل العمَّال اليهود بالعمَّال المسلمين لَمَّا تدرَّبوا، وأتقنوا فنَّ الزراعة والفلاحة، وبقيت خيبر تموِّل بيت مال المسلمين.
ومن أسباب موافقة الرسول J على الصلح الذي تقدَّم به اليهود، أنَّ الحدائق والنخيل التي كانت تحفل بها، هي في حاجة إلى الأيدي العاملة الوفيرة والمدرَّبة لضمان الإنتاج. وإن كان الأنصار أهل زراعة، فقد كانت أرضهم في حاجة إلى جهودهم كما كانوا جنودا في الجيش الإسلاميِّ (4)، ولَمَّا لغيرت الأمور في عهد عمر بن الخطَّاب، استبدل اليد العاملة، غير أنَّ تلك الأراضي بقيت تؤدِّي دررها الاقتصاديَّ كقطاع عامٍّ لتمويل بيت مال المسلمين.
ثانيا: خراج أراضي السواد:
لَمَّا تمَّ فتح أراضي العراق والشام جعلها عمر بن الخطاب فيئا على المسلمين ما تناسلوا ولم يخمِّسه، رغم معارضة بعض الصحابة على ذلك، لَكِنَّهُ حاجَّهم بأَدلَّة من القرآن، ووافقه على رأيه عليُّ بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل (5)، وقال في معرض حجَّته: «إن قسَّمت أرض العراق بعلوجها، وأرض الشام بعلوجها، وما يكون للذرِّيَّة والأرامل بهذا البلد وبغيره من أرض الشام والعراق» (6). ولذلك رأى ما يلي:
أ) توقف الأرض بعمَّالها، أي تصبح ملكا للأمَّة الإسلاميَّة عامَّة، ويوضع عليها الخراج، وفي رقاب أصحابها الجزية.
ب) يؤول ذلك الخراج ـ بالإنفاق ـ إلى مصالح المسلمين، وخاصَّة الجيوش في الثغور، فالزمن كان زمن فتوحات، والإنفاق العسكريُّ يتطلب موارد ضخمة، لضمان إدرار العطاء على الجيوش (7).
من خلال هذين النموذجين: خراج خبير الذي وضعه الرسول J ، وخراج سَوَاد العراق الذي وضعه الخليفة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، ندرك مدى أهمِّيَّة الملكيَّة العامَّة لدى الرسول J وخلفائه من بعده.
__________
(1) أبو عببد: الأموال، مرجع سابق، ص52.
(2) انظر نصَّ الوصية فيما سبق، ص176.
(3) أبو عبيد: الأموال، مرجع سابق، ص52.
(4) قطب، إبراهيم محَمَّد: الماليَّة العامَّة في الدولة الإسلاميَّة، ص161.
(5) أبو عبيد: الأموال، مرجع سابق، ص163.
(6) أبو يوسف: الخراج، مرجع سابق، ص124 - 125.
(7) قطب، إبراهيم محَمَّد. الماليَّة العامَّة، مرجع سابق. ص163. (1/95)
صفحة 88
ج) المرافق العامَّة:
تقوم المرافق العامَّة بدور هامٍّ في الحياة الاجتماعيَّة المتمثِّلة في الوفاء بالرغبات الإنسانيَّة والمعنويَّة والمادِّيَّة، فعلى وليِّ الأمر إنشاء كلِّ مرفق يراه ضروريًّا لتوفير حياة أفضل لأفراد أمَّته، ولمساعدتهم على إدراك الغايات التي من أجلها خلقوا.
انطلاقا من غاية المرافق العامَّة نجد أنَّ الرسول J أنشأ عدَّة مرافق عند تأسيسه لدولته بالمدينة، وسنخصُّ بالذكر مرفقين هامَّين لهما أثرهما البالغ في الحياة السياسيَّة والاقتصاديَّة:
1) بناؤه للمسجد.
2) إنشاؤه للسوق.
1) بناء المسجد: عقب وصوله J إلى المدينة فكر ـ أوَّل ما فكَّر ـ في بناء مسجده ليجمع كلمة المسلمين، ويكون نقطة ارتكاز في بناء دولته الفتيَّة، فكان يقوم بدور المدرسة والمحكمة والبرلمان، إلى جانب جمعه للمسلمين خمس مرَّات في اليوم لأداء الصلوات المفروضة.
2) إنشاء السوق: وجد النبيُّ J عند هجرته إلى المدينة أنَّ اليهود يحتكرون الحياة الاقتصاديَّة، إذ كان سوقهم في بني قينقاع، فكانت لهم السيادة عليه، فمضى الرسول J إلى مكان فسيح وضرب فيه برجله، وقال: «هذا سوقكم لا تنتقص ولا يضرب عليه خراج» (1)، فقامت السوق قويَّة منظَّمة، على هدي الرسول J وتعاليمه، فأزيل تسلُّط اليهود على الأسواق واحتكارهم.
د) الوقف:
يدخل في نطاق ملكيَّة الأمَّة، وهو يشبه في غرضه وهدفه ما وُقف لجماعة المسلمين، كالأراضي التي فتحت عنوة ولم توزَّع على الغانمين، والوقف لغة: الحبس، وفي الاصطلاح الفقهيِّ: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة (2)، على خلاف بين الفقهاء لمن تنتقل إليه الملكيَّة؟ إلى الله أم للموقوف له، أم تبقغى على ملك الواقف.
والأصل في الوقف قول الرسول J لعمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ أصاب أرضا بخيبر فاستشاره في كيفيَّة استثمارها فقال: «إن شئت حبست أصلها وتصدَّقت بثمرتها» (3).
وقوله J : « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاَّ من ثلاث: صدقة جارية ... » (4)، والصدقة الجارية قد تكون وقفا على جهة البرِّ والمعروف. وقد أدَّى الوقف عبر التاريخ الإسلامي مهمَّة عظيمة في ميدان التضامن والتكافل الاجتماعيِّ في مختلف المجالات الإنسانيَّة، وهو نوع من أنواع أموال الأمَّة.
وقد قسَّم بعض الفقهاء المحدثين الوقف باعتبار الجهة الموقوفة له إلى قسمين: أهليٍّ وخيريٍّ.
أ) الأهلي: وقف المرء على نسبه أو ذرِّيَّته وأقاربه.
ب) الخيري: وهو الوقف الحقيقيُّ الذي حثَّ عليه الرسول، وأشار إليه في قصَّته مع عمر بن الخطاب، وهو وقف على جهة البرِّ والمعروف كالمساجد والمدارس والملاجئ والمستشفيات.
__________
(1) عبد السميع المصري، التجارة في الإسلام (القاهرة: مكتبة وهبة، ط2، 1406هـ/1986م)، ص16.
(2) نزيه حماد: معجم المصطلحات الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص289.
(3) أخرجه البخاريُّ، كتاب الوصايا، الباب 28، ج5 ص399، رقم 2772 / مرجع سابق.
(4) أخرجه الترمذيُّ، مرجع سابق، كتاب الأحكام، الباب 36، في الوقف، مج3، ص660، رقم 1376 (1/96)
صفحة 89
من خلال تتبُّعنا لأشكال ملكيَّة الأمَّة في صدر الإسلام يتبيَّن لنا أنَّ الدولة الإسلاميَّة فكَّرت في إنشاء ملكيَّة عامَّة لضمان الوظائف التي ذكرناها آنفا، وان كان قد اقتصر شكلها على القطاع الزراعيِّ، لأنَّ الاقتصاد السائد كان زراعيًّا بالدرجة الأولى، إلاَّ أن ذلك لا يمنع إيجاد أموال الأمَّة في المجالات التي يتطلَّبه، التطوُّر كالمجالات الصناعيَّة والتجاريَّة والماليَّة.
المطلب الثالث: الأموال التي اختلف الفقهاء في شكل ملكيَّتها:
بعد عرضنا لنماذج من الملكيَّة العامَّة الموجودة منذ عهد الرسول J وخلفائه من بعده، نورد بعض الأموال التي اختلف فيها المجتهدون في شكل ملكيَّتها؛ أتملك ملكيَّة عامَّة أم خاصَّة؟
وهذا الاختلاف يؤكِّد مرونة الشريعة الإسلاميَّة، وصلاحيَّتها لِكُلِّ زمان ومكان، إذ يصلح أن تكون بعض الأموال تحت الملكيَّة العامَّة في ظلِّ ظروف وزمان ومكان معيَّن، بينما تملك ملكيَّة فرديَّة متى تغيَّرت تلك الظروف.
إلاَّ أنَّ المعيار الذي وضعه الفقهاء للتمييز بين الملكيَّتين يبقى دائما هو الحَكَم والمقياس.
وممَّا اختلف الفقهاء في ملكيَّته نوعان من المال يعتبران موردين هامَّين من الموارد الاقتصاديَّة، هما:
أ) الأراضي الزراعيَّة.
ب) المعادن.
الفرع الأوَّل: الأراضي الزراعيَّة:
ينبغي التمييز في البحث عن ملكيَّة الأراضي الزراعية على مستويين:
أوَّلاً: التاريخ الإسلامي.
ثانيا: الواقع المعاصر. (1/98)
صفحة 90
أوَّلا: التاريخ الإسلامي:
قسَّم الفقهاء ملكيَّة الأراضي باعتبار دخولها في الإسلام إلى خمسة أنواع كما يلي (1):
أنواع الأرض و أحكامها في الإسلام
نوع الأرض ... الحكم فيها
1 ... الأراضي التي أسلم عليها أهلها ... تبقى لأهلها مع حرمة دمائهم
2 ... الأراضي التي صولح عليها أهلها ... على ما صولح عليها واتَّفَقوا عليه
3 ... الأراضي التي فتحت عنوة ... خلاف بين الفقهاء في تقسيمها وتركها
4 ... الأراضي التي جلا عنها أهلها ... تعود لملكيَّة الأمَّة
5 ... الأراضي التي لم تكن في حوزة أحد ... تعود لملكيَّة الأمَّة
والنوع الخامس والأخير وهو عادي: الأرض التي لا مالك لها أثناء دخول الفتح الإسلامي، وهي صنفان:
أ) الأراضي الموات: وهي ليست أراضي زراعيَّة، ولا يوجد عليها بناء ولا حريم لأهل قرية مجاورة، فهذه الأرض يمكن أن يقطعها الإمام لمن أراد، أو تملك ملكيَّة فرديَّة بالإحياء.
ب) الصوافي: وهي الأرض التي تأخذها الدولة بعد أن باد أهلها أثناء الحرب، وحكمها حكم أرض الموات (2).
__________
(1) العبادي، الملكيَّة في الشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص272. الصدر: اقتصادنا، مرجع سابق، ص441.
(2) الحسب: في الفكر الاقتصادي، مرجع سابق، ص36. (1/100)
صفحة 91
آراء الصحابة والتابعين في أراضي العنوة (1):
الأقوال ... القائلون به
1 ... وجوب تقسيمها على الفاتحين (تملك ملكيَّة خاصَّة) ... بلال والزبير وأنس بن مالك
2 ... تصير وقفا لجميع المسلمين (تملك ملكيَّة عامَّة) ... عمر بن الخطَّاب وعليُّ بن أبي طالب ومعاذ
3 ... للإمام الخيار بين الوقف والتقسيم ... أبو عبيد وسفيان بن سعيد
ثانيا: الواقع المعاصر:
ذهب بعض المحدثين (2) إلى أنَّ الأرض التي فتحت عنوة ما زالت تعتبر ملكا مشتركا بين جميع المسلمين، فلا تباع ولا تشترى ولا تورث، وتبقى كذلك إلى يوم الدين، فهو بذلك يعتبر معظم أراضي البلاد العربيَّة أراضي مشتركة، ويستدلُّ على ذلك بآيات من القرآن، وبما فعله عمر بن الخطَّاب بأراضي الشام والعراق وما قال به أئمَّة المذاهب.
ولو أخذنا بهذا الرأي لمنعنا تمليك الأراضي ملكيَّة فرديَّة إلاَّ في نطاق الاستغلال. غير أنَّ التاريخ الإسلاميَّ يبيِّن لنا أنَّ بعض الملوك حاولوا استرجاع هذه الأراضي إلى بيت المال مرَّة أخرى، لكن عارضه علماء زمانه، فهذا الملك الظاهر بيبرس الذي حكم مصر وتوفِّي سنة 676هـ أراد أن يعيد إلى بيت المال كلَّ أرض لا يُثبِتُ مَن هي تحت تصرُّفه عقدَ ملكيَّته، فعارضه العلماء، وعلى رأسهم الإمام النوويُّ (3). ويقرِّر الإمام أبو زهرة وهو من العلماء المعاصرين بأنَّ أراضي
__________
(1) أبو عبيد: الأموال، مرجع سابق، ص33.
(2) محَمَّد المنتصر الكتاني: الأموال، القسم الأوَّل، ص50 - 1 5. نقلا عن: العبادي، الملكيَّة في الشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ج1، ص335.
(3) العبادي: الملكيَّة، مرجع سابق، ج1، ص330. (1/101)
صفحة 92
البلاد الإسلاميَّة أراضٍ مفتوحة، لذلك فهي تملك تمليك منفعة لا ملكيَّة رقبة، إلاَّ أَنَّهُ أباح التصرُّف فيها بالبيع والشراء والإجارة والمزارعة (1).
فهو تعطي كلَّ صلاحيَّات ملكيَّة الرقبة للمنتفع بها، ولا يلزمه دفع أيِّ خراج للدولة، ويعطي لوليِّ الأمر حقَّ استرجاعها متى اقتضت المصلحة.
وأغلب التشريعات الحديثة في البلاد العربيَّة والإسلاميَّة تعتبر الأراضي غير المملوكة ملكيَّة فردية من أملاك الدولة، ولا يجوز التصرُّف فيها إلاَّ بإذنها، فقد نصَّ المشرِّع الجزائريُّ في مادَّة 773 من القانون المدنيِّ (2): «تعتبر ملكا من أملاك الدولة جميع الأموال الشاغرة التي ليس لها مالك، وكذلك أموال الأشخاص الذين يموتون من غير وارث أو الذين تهمل تركتهم».
أخلص من بيان مواقف مذاهب المسلمين قديما وحديثا حيال الأرض أنَّ الشريعة أولت لها اهتماما كبيرا باعتبارها من الأموال الإنتاجيَّة التي تهمُّ مصلحه الأمَّة إلى جانب المصالح الفرديَّة، فقد حرَّم الإسلام إهمال الأرض وتركها دون نفع، وحثَّ على إعمارها، وتنمية موارد الأمَّة. وأنَّ اشتراط قبول وليِّ الأمر في إحياء الأراضي ضرورة تنظيميَّة تقتضيها الظروف المعاصرة (3).
الفرع الثاني: المعادن:
يقصد بالمعادن كلُّ ما يخرج من العناصر المخلوقة في الأرض من غير التراب، كالذهب والفضَّة من الجوامد، والنفط والقار من السوائل. ويقسِّم الفقهاء المعادن إلى قسمين:
أ) معادن ظاهرة: وهي المعادن التي لا يحتاج تحصيلها إلى طلب، وهي تتميَّز عن الأرض، ويوصل إليها من غير مؤونة مثل الملح.
__________
(1) أبو زهرة: الملكيَّة ونظريَّة العقد، مرجع سابق، ص110.
(2) القانون المدني، (الجزائر: وزارة العدل: ديوان المطبوعات الجامعيَّة، 1984م)، ص179.
(3) الفضل: الوظيفة الاجتماعيَّة، مرجع سابق، ص76. (1/102)
صفحة 93
ب) معادن باطنة: وهي التي يحتاج تحصيلها إلى طلب، فلا تتميَّز عن الأرض، ولا يوصل إليها إلاَّ بالعمل والمؤونة (1).
وقد ميَّز الفقهاء أيضا في بيانهم لأحكام المعادن بين أنواع الأراضي التي توجد فيها، أهي مملوكة ملكيَّة خاصَّة أم ملكيَّة الأمَّة، ولقد اتَّفَقت كلمة المذاهب على أنَّ المعادن الموجودة في الأراضي التابعة للأمَّة تعود لبيت مال المسلمين، أمَّا ما كان في ملكيَّة خاصَّة ففيه خلاف بين أئمَّة المذاهب، فيقول ابن حزم:
«ومن خرج في أرضه معدن فضَّة أو ذهب أو نحاس أو أيِّ شيء كان له، ويورث عنه، وله بيعه ولا حقَّ للإمام معه فيه، ولا لغيره، وهو قول أبي حنيفة والشَّافعيِّ، وقال مالك: تصير الأرض للسلطان (2).
ولو سلَّمنا بقول ابن حزم ومن معه، فإنَّ الشريعة لا تعفي مالك المعدن من الحقِّ الواجب فيه، فهو يصرف مصرف الزكاة، فيعتبر ركازًا أو ممَّا يخرج من الأرض: {أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الاَرْضِ} [البقرة:267]، أو يخرج مخرج الفيء على القول الآخر (3)، فيخرج منه خمسه، أي عشرون بالمائة 20 %.
وقد ذهب المالكيَّة كما أشرنا (4) والشيعة (5) إلى أنَّ المعادن مهما كانت طبيعة الأرض، ومهما كانت طبيعة المعدن، ظاهرة أو باطنة تعود ملكيَّتها إلى الأمَّة، أي: لا يجوز تمليكها ملكيَّة خاصَّة نظرا لأهمِّيَّتها، وعدم التوافق بين الجهد المبذول والناتج الذي يحصل منها.
__________
(1) نزيه حماد: معجم المصطلحات الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص257.
(2) ابن حزم: المحلَّى، مرجع سابق، ج7، ص80.
(3) الزرقا: نظم التوزيع، مرجع سابق، ص13.
(4) النبهان: الاتِّجاه الجماعي، مرجع سابق، ص249 - 250.
(5) محمَّد باقر الصدر: اقتصادنا، مرجع سابق، ص506. (1/103)
صفحة 94
وهو رأي جدير بالاهتمام والأخذ به، خاصَّة وأنَّ الصناعات الاستخراجيَّة تعتبر القاعدة الأساسية لبناء اقتصاد الأمَّة، وتشكِّل الجزء الأكبر من دخل الأمَّة، ممَّا لا يجوز أن تبقى ملكا للأفراد (1).
خلاصة القول: إنَّ الملكيَّة العامَّة أصليَّة في التشريع الإسلاميِّ، وقد وضع الرسول J أسسها ومبادئها منذ هجرته إلى المدينة، فقد شرعت لأداء وظائف معيَّنة، وعلى وليِّ الأمر إنشاء كلِّ مرفق يرى ضرورته وفائدته التي تعود على أفراد المجتمع، كما عليه المحافظة عليها بالتعهُّد والرعاية، لأنَّها جزء من أموال الأمَّة.
وإذا اختلف الفقهاء في شكل ملكيَّة بعض الأموال فإنَّ ذلك دليل على مرونة الشريعة وصلاحيَّتها لكلِّ زمان ومكان.
fh8
__________
(1) النبهان: محمَّد فاروق: الاتِّجاه الجماعي، مرجع سابق، ص249. (1/104)
صفحة 95
المبحث الرابع
إقامة التوازن الاقتصادي في أموال الأمَّة
من أهمِّ وظائف وليِّ الأمر السعي إلى إقامة التوازن الاقتصاديِّ، وتحقيق العدالة في أموال الأمَّة، بحيث لا تطغى المصالح الفرديَّة على المصلحة العامَّة أو العكس، لأَنَّهُ بمثابة المستخلف العامِّ على الأمَّة، ولقد أكَّد القرآن على هذه المسؤوليَّة وارتباطها بوليِّ الأمر في أكثر من آية، وجاءت مرَّة في صيغة نداء إلى الأنبياء والرسل بوصفهم خلفاء الله في الأرض، أو بنداء عامٍّ لأولي الأمر من المؤمنين.
{لَقَدَ اَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد:25]، {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الاَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} [ص:26]، {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء:58]، فالعدل والحقُّ والقسط معان متقاربة تَدُلُّ على المساواة والمطابقة والعدالة، وقد أمرنا القرآن بالعدل في أحكامنا وسلوكنا دون تأثُّر بأيِّ عاطفة أو هوى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة:8]. {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُم ... } [النساء:135].
ومن الناحية الماليَّة فالدولة مسؤولة عن إقامة العدل والمساواة وإقامة التوازن في جمعها وعطائها لموارد الأمَّة، وهو من الحقِّ والعدل والقسط الذي تضمَّنته الآيات القرآنيَّة، فالتفاوت الاجتماعيُّ والاقتصاديُّ بين أفراد وطبقات المجتمع ضرر بالغ الأثر يورث الإحن، ويولِّد البغضاء، ويسبِّب الصراع. فالسلطة مسؤولة عن إقامة ميزان العدل بين أفراد المجتمع فهي تعطي للأفراد حرِّيَّتهم إلاَّ أَنَّهَا تقيِّدهم بضوابط لا يمكن تجاوزها، فمن طبيعة الإنسان أنَّه يسعى لتحقيق مصالحه، ولو أدَّى ذلك إلى الإضرار بغيره، لذلك فإنَّ مسؤوليَّة الدولة أن تتدخّل في الحياة الاقتصاديَّة، كي تقيم العدل بين المجتمع. (1/105)
صفحة 96
فالحرِّيَّة والعدالة مطلبان أساسيَّان في الشريعة الإسلاميَّة (1)، وسنتعرَّض لأهمِّ المجالات التي تتجلَّى فيها مسؤوليَّة وليِّ الأمر في إقامة التوازن، فلو تخلَّى عن التدخُّل في هذه المجالات لأدَّى إلى الاختلال والتفاوت الطبقيِّ الذي يحاربه الإسلام، وذلك في ثلاثة مطالب:
أ) ضمان حدِّ الكفاية.
ب) الوفاء بالحاجات العامَّة.
ج) مراقبة الملكيَّة الخاصَّة.
وسنخصِّص مطلبا رابعا لبيان مفهوم التوازن وعرض نماذج من التوازن الاقتصاديِّ في صدر الإسلام.
المطلب الأوَّل: ضمان حدِّ الكفاية:
الكفاية ما فيه سدُّ الخلَّة وبلوغ المراد من الأمر (2). أَمَّا حدُّ الكفاية: فهو ما كان بقدر الحاجة، ولا يفضل منه شيء، ويكفُّ عن السؤال (3)، فالكفاية ما يتعلَّق بمتطلَّبات الحياة الكريمة، ويعبَّر عنه أحيانا بحدِّ الغنى، بمعنى أن يعدَّ الفرد فقيرا ما لم تتوفَّر له متطلَّبات بالقدر الذي يجعله في غنى عن غيره، أَمَّا حدُّ الكفاف فهو الحدُّ الأدنى من المأكل والملبس والمأوى، الذي بدونه لا يستطيع أن يعيش (4).
وحدُّ الكفاية من المفاهيم المرنة التي يتَّسع مضمونها كلَّما ازدادت متطلَّبات الحياة العامَّة يسرا ورخاءًا. ويضع الماوردي ثلاثة عوامل في تقدير الكفاية
__________
(1) وحيد الدين سوار، النزعة الجماعيَّة، مرجع سابق، ص14.
(2) الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، مرجع سابق، ص454.
(3) نزيه حماد، معجم المصطلحات، مرجع سابق، ص232.
(4) الفنجري: الإسلام والمشكلة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص26. (1/106)
صفحة 97
الفرديَّة (1):
أ) عدَّة من يعوله من الذراري والمماليك.
ب) عدد ما يربطه من الخيل والظهر.
ج) الموضع الذي يحلُّه من الغلاء والرخص.
فتقدَّر كفايته في نفقته وكسوته لعامه كلِّه. والعامل الثالث مهمٌّ في تقدير الكفاية واختلافها باختلاف الزمان والمكان، حسب المستوى العام للمعيشة.
وقد حدَّد الفقهاء حدَّ الكفاية كمؤشِّر للحقِّ في مال الزكاة، فمن وفَّر بنفسه حدَّ الكفاية يعتبر غنيًّا، فلا حقَّ له في الزكاة ومن لم يستوف هذا الحدَّ فهو فقير فله الحقُّ فيها (2).
وهناك من رجال الاقتصاد الإسلاميِّ المعاصرين من يرى أنَّ ضمان حدِّ الكفاية هو أصل من أصول الاقتصاد الإسلاميِّ الثابت الذي لا يتغيَّر مهما تغيَّرت الأحوال والظروف، فوليُّ الأمر مطالب بتوفيره لجميع أفراد الأمَّة، مستندا في ذلك إلى آيات من القرآن الكريم (3).
إذ لو نظرنا إلى النصوص الشرعيَّة من الكتاب والسنَّة لوجدناها تجعل ضمان حدِّ الكفاية من صميم الدين، وإنَّ مجرَّد إنكاره أو إهداره هو تكذيب لرسالة الإسلام.
يقول تعالى: {أَرَآيْتَ الذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَالِكَ الذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الماعون:3]، ويقول أيضا: {لَيْسَ الْبِرُّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنِ الْبِرُّ مَنَ ـ امَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَالْمَلآَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيئِينَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وابْنَ
__________
(1) الماوردي: الأحكام السلطانيَّة، مرجع سابق، ص269.
(2) يوسف القرضاوي: فقه الزكاة، مرجع سابق، ج2 ص554.
(3) الفنجري، محَمَّد شوقي: المذهب الاقتصادي، مرجع سابق، ص 32. (1/107)
صفحة 98
السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة:177]، ويقول J : « من ترك كَلاًّ أو ضُيَّاعا فإليَّ» (1)، أي من ترك ذرِّيَّة ضعيفة فليأتني بصفتي الإمام، فأنا مسؤول عنه وكفيل به، ويقول أيضا: «فأيُّكم ترك دينا أو ضياعا فإليَّ وعليَّ» (2).
فالدولة إذن مسؤولة أمام الله في ضمان حدِّ الكفاية لِكُلِّ فرد من أفراد الرعيَّة على السواء دون التمييز بين المسلم وغير المسلم، لأنَّ الجميع يشتركون في الإنسانيَّة، والرحمة أعمُّ من أن تخصَّص بمسلم دون غيره، وقصَّة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مع الشيخ اليهوديِّ الضرير الذي لقيه يسأل الصدقة، فقال لخازنه خارجة بعد أن أمر له بالصدقة من بيت المال: والله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثُمَّ نخذله عند الهرم (3).
هذه القصَّة خير دليل على اهتمام أولي الأمر في الإسلام بضمان حدِّ الكفاية لِكُلِّ أفراد المجتمع الإسلامي.
وإنَّ مهمَّة الدولة في هذا المجال تكون على مراحل (4):
- أوَّلاً: تهيئة الدولة فرص العمل للقادرين عليه للعيش الكريم بعرق الجبين، وإذا كان الفرد فقيرا، أي لم يتح له دخله مستوى حدِّ الكفاية، أو عاجزا عن العمل بسب المرض أو الشيخوخة، أو كانت مجالات العمل غير متوفِّرة حلَّت المرحلة الثانية.
- ثانيا: تعتبر تطبيقا لمبدأ التضامن الاجتماعيِّ في سدِّ حاجات الأفراد وتعبِّر عن التكافل الاجتماعيِّ، وما يقتضيه حقُّ الفرد في كفاية الدولة. والإسلام ـ من جهة أخرى ـ يوفِّر الموارد الكافية لضمان حدِّ الكفاية للمستحقِّين من رعايا الدولة، وأكبر مورد لذلك هو الزكاة.
وأمَّا إذا شحَّت الموارد، وانخفضت المداخيل بسبب من الأسباب فإنَّ الناس
__________
(1) البخاريُّ، مرجع سابق، كتاب النفقات، الباب15، ج9، ص515 / مرجع سابق.
(2) مسلم، مرجع سابق، كتاب الفرائض، ج5، ص62 / مرجع سابق.
(3) أبو يوسف، الخراج، مرجع سابق، ص 255.
(4) الفضل، الوظيفة الاجتماعيَّة، مرجع سابق، ص147. (1/108)
صفحة 99
يتساوون على حدِّ الكفاف، وقد عبَّر عن ذلك عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أحسن تعبير بقوله: «إنِّي لحريص على ألاَّ أدع حاجة إلاَّ سددتها ما اتَّسع بعضنا لبعض، فإذا عجزنا تأسَّينا حَتَّى نستوي على الكفاف» (1).
المطلب الثاني: الوفاء بالحاجات الأساسيَّة الجماعيَّة:
إنَّ ثاني الوظائف التي يلتزم بها وليُّ الأمر أمام الرعيَّة هي الوفاء بالحاجات العامَّة.
الحاجة: هي الأشياء التي يشعر الإنسان أو المجتمع بالحاجة إليها، وهي عدَّة أنواع: حاجات أوَّليَّة، وحاجات ثانويَّة (2).
وإذا كانت الحاجات الثانويَّة لا تتوقَّف عند حدٍّ معيَّن لفطرة الإنسان في حبِّ التملُّك وحبِّ البقاء، فإنَّ الحاجات الأساسيَّة يمكن ضبطها وتحديدها، ووضع معيار لتحديدها على كافَّة الأفراد والمجتمعات، فحاجات الإنسان الأساسيَّة كفرد هي: المأكل والملبس والمسكن، وهى لا تتبدَّل ولا تتغيَّر لأَنَّهَا تتعلَّق بالناحية البيولوجيَّة للإنسان.
ونفس الأمر بالنسبة للحاجات الأساسيَّة الجماعيَّة يمكن تحديدها في أيِّ مجتمع مهما كان نهجه وانتماؤه السياسيُّ والاقتصاديُّ والاجتماعيُّ، ومن استقراء واقع المجتمع، نجد الحاجات الأساسيَّة الجماعيَّة ثلاثة (3):
أ) الأمن.
ب) الصحَّة.
__________
(1) الفنجري: الضمان الاجتماعي، مرجع سابق، ص 35. وقد نقله عن: ابن الجوزي، سيرة عمر بن الخطَّاب، ص101.
(2) عُلية محَمَّد بشير، القاموس الاقتصادي، مرجع سابق، ص145.
(3) محمود الخالدي، سوسيولوجيا الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص15. (1/109)
صفحة 100
ج) التعليم.
فالشرع جعل من مسؤوليَّات الدولة توفير هذه الحاجات الأساسيَّة للجماعة، والدليل على ذلك الأَدِلَّة الواردة في وجوب قيام الدولة برعاية شؤون الناس، يقول الرسول J : « الإمام راع فهو مسؤول عن رعيَّته» (1).
أوَّلاً: الأمن:
يتجسَّد إشباع حاجة الأمن في بعدين:
أ) الدفاع عن الأمَّة ضدَّ أيِّ عدوان خارجيٍّ، بإقامة الثغور، وردِّ أيِّ اعتداء.
ب) السهر على الأمن الداخليِّ للأشخاص بواسطة الجهاز القضائي.
ثانيا: الصحَّة:
فالحرص على سلامة الأجسام أدعى لبقاء خلافة الإنسان في عمارة الأرض، فالدعوة إلى التداوي من الأمراض، وتحريم إيقاع النفس في التهلكة هي حاجة من حاجات المجتمع التي تتطلَّب من الدولة إعداد المستشفيات وتجهيزها وتكوين الأطبَّاء وتوفير الأدوية.
ثالثا: التعليم:
فالعلم هو أساس العمل، فلا تقوم الحياة على الجهل، فهي حاجة معنويَّة وليست مادِّيَّة كالحاجات الفسيولوجيَّة، فهي تتعلَّق بقيم الإنسان الذي تميَّز بالعقل والإدراك عن سائر المخلوقات، وقد حثَّ الإسلام على العلم فكانت أوَّل آية نزلت من القرآن الكريم (2) تدعو إلى القراءة، وكان أوَّل ما عمل آدم في مهمَّته الاستخلافيَّة تعلُّم الأسماء: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ الاَسْمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة:31].
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، ج6، ص8 / مرجع سابق.
(2) وهي قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ} (سورة العلق، آية 1). (1/110)
صفحة 101
فعلى وليِّ الأمر توفير وسائل إشباع هذه الحاجة من بناء المدارس وإعداد المعلمين وإعداد الكتب ومستلزمات الدراسة.
المطلب الثالث: مراقبة الملكيَّة الخاصَّة:
إذا كانت مهمَّة وليِّ الأمر فيما تخصُّ ملكيَّة الأمَّة الإشراف عليها وتسييرها وصيانتها، فإنَّ دوره فيما يتعلَّق بالملكيَّة الفرديَّة يقتصر على مراقبتها والمحافظة عليها من أيِّ تعدٍّ، لأنَّ الإشراف والتسيير والاستثمار هي المهمَّة الفطريَّة لأربابها.
وتتحدَّد مهمَّة وليِّ الأمر تجاه الملكيَّة الخاصَّة في عدَّة مجالات، ولتنفيذ هذه المسؤوليَّة فقد وضعت الشريعة الإسلاميَّة عدَّة تنظيمات وتشريعات يمارس فيها الإمام سلطته في مراقبة الأفراد منها:
1 - الحسبة.
2 - التحجير.
3 - نزع الملكيَّة لمصلحة عامَّة.
الفرع الأوَّل: الحسبة:
هي الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه، والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله (1)، وهي سلطة أو ولاية من السلطات العامَّة، والمحتسب هو المشرف على هذه الولاية، وله صلاحيَّات عديدة منها: مراقبة الأسواق والنظر في المكاييل والموازين وتحديد الأسعار ومنع الاحتكار، ومنع الغشِّ والتدليس ورفع الضرر عن الطريق (2).
والحسبة هي رقابة إداريَّة تقوم بها الدولة عن طريق موظَّفين خاصِّين على
__________
(1) الماوردي: الأحكام السلطانيَّة، مرجع سابق، ص315.
(2) البشري الشوربجي، التسعير في الإسلام (مصر: شركة الإسكندريَّة، د. ت، 1393ه/ 1973م)، ص121. (1/111)
صفحة 102
نشاط الأفراد تحقيقا للعدل والفضيلة وفقا للمبادئ الأساسيَّة (1).
والدليل على ذلك من الكتاب قوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمُ, أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلىَ الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران:104]. وأمر الرسول J بذلك في عدَّة أحاديث منها: «من رأى منكم منكرا فليغيِّره ... » (2)، كما كان يجول بنفسه في الطرقات والأسواق يراقب السلع ويحثُّ التجَّار على إيفاء الكيل والميزان، وعدم الغشِّ والتدليس في السلع، فالحسبة في الإسلام من أهمِّ سلطات الإمام الاقتصاديَّة، إذ هو مطالب بالقيام بدور الرقيب للدفاع عن مصالح المجتمع.
ومن أهمِّ صلاحيات المحتسب ما يلي:
1 - التسعير.
2 - منع الاحتكار.
3 - منع الغشِّ والتدليس.
أوَّلاً: التسعير:
اختلف الفقهاء اختلافا كبيرا في مسألة التسعير، فمنهم من نهى عن التسعير ورأى أنَّ حرِّيَّة السوق تقتضي ترك الأسعار تتحدَّد حسب العرض والطلب، واستدلُّوا بأحاديث نبويَّة منها: لَمَّا غلا السعر في عهده J فقالوا يا رسول الله، لو سعَّرت، فقال: «إنَّ الله هو القابض الباسط وإنِّي لأرجو أن ألقى الله ... » (3).
كما روي عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أَنَّهُ تراجع عن التسعير بعد أن همَّ أن يسعِّر، وقال: «إنَّ الذي قلت ليس بعزمة ولا قضاء، وإنَّما أردت الخير
__________
(1) بسيوني، الحرِّيَّة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص44.
(2) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، ج1، ص50 / مرجع سابق.
(3) أخرجه ابن ماجه، كتاب التجارات، مج2، ص741، رقم2200. (1/112)
صفحة 103
لأهل البيت، فحيث شئت فبع، وكيف شئت فبع» (1).
أَمَّا القائلون بالتسعير فيستندون على ثلاث حقائق:
1) أنَّ الاحتكار محرَّم بنصوص صريحة، والتسعير لازم لمقاومة الاحتكار.
2) التسعير سياسة شرعية تسدُّ بها ذرائع الاستغلال والجشع، وتكفل سلامة البيع، وسدُّ الذرائع من الأدلَّة الفقهيَّة المعروفة، فالذرائع هي الوسائل الموصلة إلى الشَّيْء، وسدُّها هو المنع منها، فسدُّ الذرائع هو المنع من بعض المباحات، لأَنَّهَا تؤدِّي إلى مفسدة، ومقتضى ذلك: أنَّ ما يؤدِّي إلى الحرام فهو حرام فيجب منعه.
3) المصلحة تقتضي التسعير، فكلُّ ما فيه مصلحة للناس أو دفع مضرَّة عنهم يكون واجبا شرعا، فالتسعير لا يعدو أن يكون سياسة لتحقيق المصلحة العامَّة، ودفع الغلاء المفتعل عنهم.
إلاَّ أن القائلين بالتسعير فصَّلوا في الأمر، وبيَّنوا الأحوال التي يجب فيها التسعير، والموادَّ التي يشملها، ورسموا سياسة التسعير (2).
ثانيا: منع الاحتكار:
الاحتكار: شراء ما يحتاج الناس إليه من طعام ونحوه وحبسه انتظارا لغلائه وارتفاع ثمنه (3)، وقد وردت أَدلَّة قاطعة في تحريم الاحتكار، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لا يحتكر إلاَّ خاطئ» (4)، «من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فقد برئت منه ذمَّة الله» (5).
__________
(1) منتخب كنز العمَّال، بهامش المسند، مرجع سابق، مج2، ص238.
(2) البشري الشوربجي، التسعير، مرجع سابق، ص114.
(3) نزيه حماد، معجم المصطلحات، مرجع سابق، ص32.
(4) أخرجه ابن ماجه، كتاب التجارات، الباب 6، ج2، ص728، رقم 2154.
(5) أخرجه الإمام أحمد بن حنبل، انظر: الترغيب والترهيب للمنذري، مرجع سابق، ج2، ص582. (1/113)
صفحة 104
وفضلا عن هذه النصوص الشرعيَّة فإنَّ القواعد العامَّة للشريعة تفيد هذا النهي، فهو النهي عن الظلم والعدوان، ومنعا لضرر الاحتكار فإنَّ المحتسب يجبر المحتكر على بيع السلع المحتكرة بالثمن المعقول. يرى الإمام مالك جواز التسعير لدفع الضرر عن الناس، لا بجبر الناس على البيع، ولكن بمنعهم من البيع بغير السعر المحدَّد (1).
ثالثا: منع الغش والتدليس:
الغشُّ: أن يوهم وجود مفقود مقصود وجوده في المبيع، أو يكتم وجود موجوب فقده. والتدليس: بمعنى أدلس العيب أي: كتمه عن المشتري مع علمه به، أو غطَّاه عنه بما يوهم المشتري عدمه، أمَّا الفرق بينهما فقد ذهب أكثر الفقهاء إلى أنَّ الغشَّ أعمُّ من التدليس (2).
وأصل ذلك أنَّ النبيَّ J مرَّ على صرَّة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ فقال أصابته السماء يا رسول الله فقال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غشَّ فليس منَّا» (3).
فيدخل في هذا النطاق كل إيهام يقوم به البائع في أوصاف المبيع للاستزادة في الثمن، فعلى وليِّ الحسبة مراقبة مثل هذه العمليَّات الخارجة عن نطاق الشريعة بإجبار البائعين على إظهار السلع على حقيقتها، وإن كانت معيبة حَتَّى يكون المشتري على بيِّنة، ويتمَّ التبايع بالمعاينة والرضا.
الفرع الثاني: التحجير:
وثاني مظاهر مراقبة الملكيَّة الخاصَّة من قِبل السلطة، والتدخُّل في الحدِّ من
__________
(1) النبهان، الاتِّجاه الجماعي، مرجع سابق، ص382.
(2) نزيه حماد: معجم المصطلحات، مرجع سابق، ص96، 211.
(3) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، ج1 ص69 / مرجع سابق. (1/114)
صفحة 105
نشاط هذا النوع من الملكيَّة هو التحجير، والحجر هو المنع في التصرُّف في المال وهو نوعان:
أ) حجر على الإنسان لحقِّ نفسه، كالحجر على الصبيِّ والمجنون.
ب) حجر على الإنسان لحقِّ غيره كالحجر على المفلس لحقِّ الغرماء، وعلى الراهن في التصرُّف في العين المرهونة لحقِّ المرتهن (1).
والأصل في ذلك قوله تعالى: {وَلاَ تُوتُوا السُّفَهَآءَ اَمْوَالَكُمُ التِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَمًا} [النساء:5]، واختلف المفسِّرون في الخطاب، فمنهم من يرى أَنَّهُ موجَّه إلى الجماعة، أي وليِّ أمر المسلمين باعتبار أنَّ المال هو مال الجماعة أعطاها الله إيَّاها لتقوم به، فهي متكافلة في الانتفاع بهذا المال على أحسن الوجوه (2)، ومنهم من رأى أَنَّهُ موجه إلى الأولياء، ومنهم من يرى أَنَّهُ موجَّه إلى الآباء (3)، وقال محَمَّد رشيد رضا: «هي عامَّة في كلِّ سفيه» (4)، فالصحيح أنَّ المراد به الجميع لقوله تعالى: {التِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَمًا} [النساء:5]، والقول الأَوَّل هو الأرجح؛ لأنَّ سياق الآية يَدُلُّ عليه، وعليه فإنَّ مسؤوليَّة وليِّ الأمر واضحة في هذا المجال، والقضاء هو المكلَّف بتعيين الأوصياء والأولياء على السفهاء حَتَّى يستأنس منهم الرشد إن كانوا صغارا أو فاقدي العقول، أو تستوفى الحقوق إن كانوا غرماء.
إلاَّ أنَّ الفقهاء اختلفوا في الحجر على الكبير، فذهب الإمام مالك وجمهور الفقهاء إلى التحجير عليه، أَمَّا أبو حنيفة فيرى عدم التحجير على من بلغ عاقلا، إلاَّ أن يكون مفسدا ماله (5).
__________
(1) نزيه حماد، معجم المصطلحات، مرجع سابق، ص119.
(2) سيِّد قطب، في ظلال القرآن، مج 1، ص585.
(3) الرازي: التفسير الكبير، مرجع سابق، مج9، ص184. الزمخشري: الكشَّاف، مرجع سابق، ج1 ص471.
(4) محمَّد رشيد رضا: تفسير المنار، (بيروت ط2، دار المعرفة، د. ت، ط،) مج4، ص379.
(5) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق، مج3، ص22. (1/115)
صفحة 106
فإذا كان كذلك يمنع من تسلُّم المال حَتَّى يبلغ خمسا وعشرين سنة، فإذا بلغها سلِّم إليه بكُلِّ حال، سواء أكان مفسدا أو غير مفسد (1).
وقول الجمهور أرجح لعموم الآية، وذلك لمصلحة السفيه نفسه والاحتياط في حفظ الأموال.
إذن فمسؤوليَّة وليِّ الأمر ثابتة في هذا الشأن، وعليه اتِّخاذ الإجراءات التي تنظِّم هذا النوع من التدخُّل في شأن الملكيَّة الخاصَّة.
الفرع الثالث: تحويل الملكيَّة الفرديَّة إلى ملكيَّة الأمَّة:
قد تتجاوز مهمَّة الإمام ـ في إطار المصلحة العامَّة ـ مهمَّة المراقبة والمحافظة على الملكيَّة الفرديَّة إلى نزعها وتحويلها إلى ملكيَّة الأمَّة، إلاَّ أنَّ هذا الإجراء أحيط في الشريعة الإسلاميَّة بسياج من الشروط حَتَّى لا يصبح هو القاعدة؛ لأنَّ الأصل هو حُرمة الملكيَّة الخاصَّة، ويبقى النزع هو الاستثناء، وذلك إذا اقتضت المصلحة العامَّة، فإنَّ للإمام حقُّ التدخُّل في تحويل الملكيَّة الخاصَّة إلى ملكيَّة عامَّة، فتدخُّل وليِّ الأمر في أيِّ مجال يكون غرضه تحقيق مصلحة الجماعة.
وتحقيق المصلحة هو ما قرَّره الفقهاء «فحيثما وجدت المصلحة فثمَّ شرع الله»، ولم تترك الشريعة أمر تقدير المصلحة بدون ضوابط، بل بيَّنت حدودها وفق شروط وضعها الفقهاء، ويجب توافرها، من أهمِّها (2):
أ) أن تكون قطعيَّة، ولا تعارضها مصلحة أهمُّ منها أو مثلها.
ب) أن تكون عامَّة لا نادرة تتعلَّق بآحاد الناس.
ج) أن تكون ضروريَّة يتعلَّق بها رفع الحرج اللازم.
د) أن تكون ملائمة لمقاصد الشرع، فلا تصادم نصًّا أو دليلا. فإذا رأى الإمام
__________
(1) النبهان، الاتِّجاه الجماعي، مرجع سابق، ص372.
(2) البوطي، محمَّد سعيد رمضان، ضوابط المصلحة، مرجع سابق، ص110 وما بعدها. (1/116)
صفحة 107
تحقيق المصلحة في نقل الملكيَّة الخاصَّة إلى ملكيَّة الأمَّة بهذه الشروط نقلها بشرط ضمان التعويض العادل لصاحب الملك.
التعويض العادل: وهو شرط أساسيٌّ لإتمام عمليَّة التحويل، وإلاَّ كانت غصبا لا تقرُّه الشريعة الإسلاميَّة، وقد أشرنا في الفصل الثاني أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه اشترى بعض ديار الصحابة الملاصقة للمسجد الحرام لَمَّا عزم على توسعته، كما اشترى دار صفوان بن أميَّة ليجعلها سجنا بأربعة آلاف (1).
أَمَّا شرط الرضا فقد وقع فيه خلاف بين الصحابة (2).
المطلب الرابع: مفهوم التوازن ونماذج منه في صدر الإسلام:
إنَّ إقامة التوازن الاقتصاديِّ في المجتمع الإسلاميِّ من أوكد المهامِّ الاستخلافيَّة للإمام، لأَنَّهُ هو الذي يملك أدواته، ولا يعني ذلك المساواة التامَّة بين أفراد وفئات المجتمع، لأنَّ التفاوت في المواهب ومداخيل الأفراد سنَّة كونيَّة تقتضيها الحياة الإنسانيَّة، يقول تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} [الزخرف:32]. وقد علَّلت الآية الكريمة هذا التفاوت لتتمَّ الاستفادة من كلٍّ من مواهبه وخبرته، ولو تساوى الناس لَمَا استقامت الحياة، فضلا على أنَّ التساوي غير ممكن من الناحية الواقعيَّة، فلو فرضناه فرضا في مجتمع ما، فتركنا الناس يعمل كلٌّ بجهده وإمكاناته، فهل تبقى المساواة بعد ذلك؟ حتما لا، ولو حاولنا أن نعيد المساواة مرَّة ثانية، بأن نأخذ ممَّن معه أكثر لمن هو أقلَّ، فماذا سيحدث؟ يفرز ذلك نتيجتين سلبيَّتين:
أ) أنَّ الذي بذل أكثر حَتَّى كثر ماله، سيترك بذل الجهد عندما يرى أنَّه لا يستفيد من ثمرة جهده، بل يذهب لغيره.
__________
(1) قلعه جي، محَمَّد رواس: موسوعة فقه عمر بن الخطَّاب، مرجع سابق، ص620.
(2) انظر: المبحث الرابع، الفصل الثاني من هذه الرسالة، ص145. (1/117)
صفحة 108
ب) أنَّ الذي لم يبذل الجهد سيزداد كسلا لرؤيته وصول المال إليه دون تعب أو نصب (1).
ونخلص من هذا إلى أنَّ التوازن الاقتصاديَّ هو في مستوى المعيشة لا في مستوى الدخل، والتوازن في مستوى المعيشة يعني تطبيق حقيقتين (2):
1 - أنَّ المال يكون موجودا ومتداولا بين أفراد المجتمع.
2 - ضمان الإمام حدَّ الكفاية لمن لم يتمكَّن من توفيره بعمله الخاصِّ.
وقد قام الإسلام من ناحيته بتحقيق هذا الهدف بضغط مستوى المعيشة من أعلى، بتحريم الإسراف والتبذير والاكتناز، وبضغط من أسفل برفع ومساعدة مستوى دخل الضعفاء، وبهذا الأسلوب يتمُّ التوازن المنشود في المجتمع.
الفرع الأوَّل: إقامة التوازن الاقتصادي بين المهاجر ين والأنصار:
ولأهمِّيَّة هذا التوازن يقرِّره القرآن في آية محكمة، هي بمثابة أصل من أصول الاقتصاد الإسلاميِّ، بقوله: {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةَم بَيْنَ الاَغْنِيَآءِ مِنكُمْ} [الحشر:7]، وذلك تعقيبا على تقسيم أموال بني النضير على المهاجرين دون الأنصار، إذ كانت الوضعيَّة الاقتصاديَّة للمسلمين بعد الهجرة تتَّسم بالتمايز الشديد بين الفقر الشديد الذي كان عليه المهاجرون، الذين تركوا ديارهم وأموالهم، وبين الغنى النسبيِّ الذي كان عليه الأنصار، وهو وضع لم يكن بسبب الظلم والاحتكار والاستغلال، وإنَّما سببه وضع خاصٌّ وهو الهجرة، وهذا الاختلال كان يقلق النبيَّ J ، ولَمَّا جاءت غنائم بني النضير، ولم يكن ما يحقِّق التوازن ويزيل الخلل إلاَّ
__________
(1) سعيد حوى، الإسلام، (الجزائر: شركة الشهاب، ط2، 1408هـ/1988م)، ص409.
(2) الصدر، محَمَّد باقر، اقتصادنا، مرجع سابق، ص708. (1/118)
صفحة 109
صرف المال إلى الفقراء المهاجرين (1)، فقسَّم رسول الله J ما سوى الأرضين من أموال بني النضير على المهاجرين دون الأنصار، إلاَّ سهل بن حنيف وأبا دجانة، فهما من الأنصار، فإنَّهما ذَكَرَا فَقْرًا فأعطاهما (2).
فهذه الآية وضعت قاعدة كبرى من قواعد التنظيم الاقتصاديِّ، فهي تمثِّل جانبا كبيرا من أسس النظريَّة الاقتصاديَّة، قاعدة ألاَّ يكون المال دولة بين الأغنياء، ممنوع التداول بين الفقراء، فكلُّ وضع ينتهي إلى أن يكون المال بين الأغنياء وحدهم فهو وضع مخالف للنظريَّة الاقتصاديَّة في الإسلام (3)، فالمال لا يجوز أن يكون متداولا أو محتكرا بين طبقة الأغنياء وحدهم، فاحتكارهم يورثهم شعورا بالاستعلاء والامتياز، فيختلُّ التوازن الاجتماعيُّ، وتضعف أو تنعدم مشاعر التقارب والتواصل، ويؤدِّي هذا الوضع إلى الأثرة وجموح المطامع لِمَا لهم من جاه ونفوذ في دوائر الحكم، فيستغلُّون حقوق الضعفاء (4). ويسبِّبون ضغطا على القرارات الاقتصاديَّة، لتكون في خدمة مصالحهم الاحتكاريَّة.
فالطبيعة البشريَّة مجبولة على حبِّ المال، وعلى الشحِّ والظلم والطغيان.
أ) حبُّ المال: {وَتَاكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمًّا وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} [الفجر:20].
{وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات:8].
{وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج:21].
ب) شحُّ الإنسان: {وَكَانَ الاِنسَانُ قَتُورًا} [الإسراء:100]، {وَأُحْضِرَتِ الاَنفُسُ الشُّحَّ} [النساء:128]، {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنَ ـ اتَانَا مِن فَضْلِهِ
__________
(1) البهي الخولي: الثروة في ظلِّ الإسلام، مرجع سابق، ص115.
(2) الماوردي: الأحكام السلطانيَّة، مرجع سابق، ص217.
(3) سيِّد قطب: في ظلال القرآن، مج6، ص3525.
(4) البهي الخولي: الثروة في ظلِّ الإسلام، مرجع سابق، ص113. (1/119)
صفحة 110
لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّآ ءَاتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ} [التوبة:76].
ج) ظلم الإنسان: {إِنَّ الاِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم34]، {وَحَمَلَهَا الاِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً} [الأحزاب:72].
د) طغيان الإنسان: {كَلآَّ إِنَّ الاِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنَى} (1). فإذا كانت هذه هي الطبيعة الإنسانيَّة، فإنَّ الشريعة الإسلاميَّة هذَّبت من هذه النزعة بالترغيب والترهيب، منها مسؤوليَّة وليِّ الأمر بالحدِّ منها، لتحقيق التوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع.
الفرع الثاني: تجر بة الخليفة عمر بن الخطَّاب في إقامة التوازن بين الأجيال:
لم يكتف ولاة الأمور في الصدر الإسلاميِّ بإقامة التوازن بين الجيل الواحد الذين يعيشون في مجتمع واحد كما فعل الرسول J بأموال بني النضير، وإنَّما تعدَّاه إلى إقامة التوازن بين الأجيال الحاضرة واللاحقة، لتتكافأ حظوظهم في الانتفاع بأموال الأمَّة، فَلَمَّا تمَّ فتح العراق والشام قرَّر عمر بن الخطَّاب عدم توزيع الأراضي على الفاتحين.
وإنَّما تركها كملكيَّة للأمَّة، يعود ريعها لكافَّة أفراد المجتمع، وحافظ بذلك على المبدأ الاقتصاديِّ القائم على التوازن، ليس بين الحاضرين فحسب، بل نظر بنظرته الثاقبة إلى توازن الأجيال، فقال ردًّا على الذين طالبوه بتقسيم الأراضي على الفاتحين: «لولا آخر الناس ما افتتحت قرية إلاَّ قسمتها». فأرسل بكتابه إلى سعد بن أبي وقَّاص قائلا: «انظر ما جلبوا به عليك في العسكر من كراع ومال فاقسمه بين من حضر من المسلمين، واترك الأراضي والأنهار بعمَّالها ليكون ذلك في أعطيات المسلمين، فإنَّنا لو قسَّمنا بين من حضر لم يكن لمن بعدهم شيء» (2).
__________
(1) سورة العلق، الآيتان 6 - 7.
(2) أبو عبيدة الأموال، مرجع سابق، ص32. (1/120)
صفحة 111
هكذا علَّل عدم التقسيم حفاظا على مصالح الأجيال اللاحقة حَتَّى تستفيد من خيرات الأمَّة، فقسَّم العروض من الأموال المنقولة، وترك الأموال الثابتة ـ وتتمثَّل في الأراضي الزراعيَّة ـ ملكا للأمَّة، يعمل فيها عمَّالها، ويكون ريعها لأبناء الأمَّة جيلا بعد جيل.
كما أدَّت وجهة نظر عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه إلى تفادي خلق طبقة من كبار الملاَّك والإقطاعيِّين في المجتمع الإسلاميِّ، وهذه لو وجدت فإنَّها تتحوَّل بمرور الزمن إلى طبقه مترفة، تخلُّ بتوازن المجتمع، وتكون متميِّزة، ومتسلِّطة على قرارات السلطة، ومتحكِّمة في رقاب العباد (1).
خلاصة الفصل الثاني
- إنَّ الحاكم في ظلِّ الإسلام يستمدُّ مشروعيَّته من الله أوَّلاً، الذي هو مالك الملك وله الحكم، وعليه أن يلتزم بتعاليمه في استخلافه، ثُمَّ من الرعيَّة الذين أبرموا معه عقد الإمامة، فعليه تحقيق مصالحهم بما يتَّفق ومقتضى الشرع.
- إنَّ مبايعة الخليفة في الإسلام ضرورة دينيَّة شرعيَّة، إذ لا يتمُّ تطبيق الشريعة إلاَّ بها، كما أنَّها ضرورة اجتماعيَّة يقتضيها العقل ويوجبها.
- إنَّ النموذج الأمثل للسياسة الماليَّة في الإسلام والتوازن الاقتصاديِّ يؤخذ من منابعه في عهد الرسول J وخلفائه الراشدين، ثُمَّ يطوَّر حسب تغيُّر الظروف والأساليب والأدوات، وقد وضعت مصادر التشريع أسسها وقواعدها.
- حدَّد الفقه الإسلاميُّ وظائف النقود بدقَّة قبل بروز الاقتصاد الحديث بقرون، ووضع كلَّ الإجراءات لحمايتها والمحافظة على قيمتها وقوَّتها الشرائيَّة. وأكَّد على اختصاص وليِّ الأمر في سكِّها وتداولها.
__________
(1) قطب، إبراهيم محَمَّد، الماليَّة العامَّة للدولة الإسلاميَّة (القاهرة: دار الشهاب، معهد الدراسات الإسلاميَّة، ط4، 1408هـ/1988م،) ص169. (1/121)
صفحة 112
- لا يؤيِّد الفقه الإسلاميُّ أسلوب التمويل بالعجز الذي تستعمله الدول في الوقت الحاضر لتغطية العجز في موازينها، لأَنَّهُ يؤدِّي إلى التضخُّم، وفي ذلك ضرر جسيم باقتصاد الأمَّة. ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام.
- يقوم الاقتصاد الإسلاميُّ على الملكيَّتين الفرديَّة والعامَّة. وكانت ملامحهما بارزة منذ صدر الإسلام، وقد حدَّد أهدافهما في تكامل وتناسق، ووليُّ الأمر هو المسؤول عن الملكيَّة العامَّة.
- إنَّ اختلاف الفقهاء في شكل ملكيَّة بعض الأموال يَدُلُّ على سعة ومرونة الشريعة الإسلاميَّة، إلاَّ أنَّ معيار التفرقة بينهما يبقى هو الحَكَم في ذلك.
- من أوكد وظائف وليِّ الأمر تحقيق التوازن الاقتصاديِّ، ويقاس مدى التقدُّم بمدى تحقيق حدِّ الكفاية للأفراد والوفاء بالحاجات العامَّة.
- الملكيَّة الفرديَّة ليست مطلقة، بل هي مقيَّدة بنظريَّة الاستخلاف، وبناء على ذلك فعلى وليِّ الأمر مراقبتها وصيانتها وتتمثَّل هذه المراقبة في بعض الوظائف التي هي أداة من أدوات التوازن الاقتصاديِّ، وهي:
- الحسبة.
- التحجير.
- نزع الملكيَّة الخاصَّة لمصلحة عامَّة. (1/122)
صفحة 113
0 H3 (1/123)
صفحة 114
صفحة 208 بيضاء (1/124)
صفحة 115
- ... -
الفصل الرابع
نظريَّة الاستخلاف والتوزيع والإنفاق
- ... - (1/125)
صفحة 116
صفحة 258 بيضاء (1/126)
صفحة 117
تمهيد:
إنَّ توزيع الأموال هو المؤشِّر الأساسيُّ على سلامة اقتصاد ما، فإذا اختيرت المعايير التي يقوم عليها، ونفِّذت على أرض الواقع كان الاقتصاد سليما ومتوازنا، وإذا أقيمت معايير غير منسجمة ولا تتماشى مع الحاجات الأساسيَّة، كان الاقتصاد مشوَّها، مهما كان الإنتاج وفيرا، وهذه هي العلَّة التي تعاني منها الاقتصاديَّات الوضعيَّة من رأسماليَّة واشتراكيَّة.
وكلُّ عمليَّة إنتاجيَّة تعقبها عمليَّة التوزيع، أي توزيع المنتوج على من اشتركوا في تكوينه في صورة مداخيل، وهذه المداخيل يعبَّر عنها نقديًّا بأثمان عناصر الإنتاج التي ساهمت في العمليَّة.
تعتبر مشكلة التوزيع من أهمِّ القضايا الاقتصاديَّة التي اختلفت فيها المذاهب والنظم الاقتصاديَّة، وذلك تبعا للاختلاف العقديِّ في أسس التوزيع، وقبل البحث في هذه الأسس ينبغي معرفة التوزيع لغة واصطلاحا.
فالتوزيع لغة: القسمة والتفريق، وزَّع الشيء: قسَّمه وفرَّقه. وتوزَّعوه فيما بينهم أي تقاسموه (1).
والتوزيع في الاصطلاح الاقتصاديِّ: هو وسيط بين الإنتاج والاستهلاك، وهو مجموع العمليَّات الرامية إلى إيصال الإنتاج إلى المستهلك (2).
ويجيب التوزيع في علم الاقتصاد على سؤال: لمن ننتج؟ وهو من الأسئلة الكبرى التي يواجهها الاقتصاد في ظلِّ نظام معيَّن، أعني: من الذي سيحصل على السلع والمنتجات (3). بما يوحي بالعلاقة الوطيدة بين الإنتاج والتوزيع، وهو ما بحثناه في مبحث سابق.
__________
(1) الفيروزآبادي: لسان العرب المحيط، مرجع سابق، مج6، ص919.
(2) محَمَّد بشير عطيَّة: القاموس الاقتصادي، مرجع سابق، ص133.
(3) الزرقا: نظم التوزيع، مرجع سابق، ص2. (1/127)
صفحة 118
المبحث الأوَّل
التوزيع في النظم الاقتصاديَّة
المطلب الأوَّل: التوزيع في النظام الرأسمالي:
إنَّ أوَّل من أثار مشكلة التوزيع في إطار الاقتصاد الرأسمالي هم الفيزوقراط، الذين استعملوا طريقة للتحليل ذات الطابع الاجتماعي، فقسَّموا المجتمع إلى ثلاث طبقات تتوزَّع الناتج الصافي العامَّ وهي (1):
أ) طبقة الملاَّك.
ب) طبقة المزارعين.
ج) الطبقة العقيمة: الصناعة والتجارة والمهن غير الفلاحيَّة.
وترى هذه المدرسة أنَّ الطبقة المنتجة الحقيقيَّة هي طبقة المزارعين؛ لأَنَّهَا الطبقة الوحيدة التي تخلق الإنتاج.
ثُمَّ تطورت هذه النظريَّة بارتباطها بعوامل الإنتاج، أي كيفية توزيع الإنتاج على مختلف عوامله، وهو ما يطلق عليه بالتوزيع الوظيفي، فكلُّ عامل من عوامل الإنتاج ينال العائد الذي يستحقُّه: فالأجر للعمل، والريع للأرض، والفائدة للرأسمال، والربح للتنظيم.
إلاَّ أنَّ هناك شكلا آخر من أشكال التوزيع تقوم به الدولة ويسمَّى بإعادة التوزيع، ويكون بالطرق الآتية (2):
أ) الضرائب: باقتطاع جزء من الدخول وإعادة توزيعها كإنفاق عامِّ.
ب) تدخُّل المؤسَّسات الاجتماعيَّة عن طريق الاقتطاعات والتحويلات
__________
(1) فتح الله ولعلو: توزيع المداخيل، (بيروت: دار الحداثة، ط1،د. ت،) ص9.
(2) المرجع نفسه، ص 169. (1/128)
صفحة 119
الاجتماعيَّة.
ويعتبر كينز (1) صاحب فكرة تدخُّل الدولة لتحسين توزيع المداخيل في اتِّجاه تعادليٍّ، وحفاظا على التوازن بين الطلب العامِّ والعرض العامِّ.
نلاحظ على نظام التوزيع في الرأسمالية أمرين اثنين:
1) حين دراستها لتوزيع عوائد الإنتاج على العناصر التي ساهمت فيه لا تنظر إلى الثروة الكلِّيَّة للمجتمع، وإنَّما تنصبُّ دراستها فقط على الثروة المنتجة في زمن معيَّن، مِمَّا يجعل نظرتها غير شاملة لكُلِّ الأموال الموجودة فعلا، وبعبارة أخرى: تقوم على أساس توزيع القيمة النقديَّة للناتج بغضِّ النظر عن الثروة العامَّة للأمَّة (2)، التي تشمل كلَّ الأموال المنتجة في سنوات سابقة.
2) إنَّ التوزيع يكون على أساس الملكيَّة الخاصَّة، فهي أداة إنتاج وأداة توزيع في آن واحد، ويترتَّب على ذلك التفاوت الشديد في المداخيل بحسب التفاوت الشديد في ملكيَّة أدوات ووسائل الإنتاج (3)، إلاَّ أنَّ آراء "كينز" في تدخُّل الدولة عقب أزمة الرأسماليَّة الخانقة قد عدَّلت كثيرا من أفكار هذا النظام لصالح إعادة التوزيع.
إلاَّ أَنَّهُ بالرغم من تصحيح مسار الرأسماليَّة فإنَّ نظرتها للتوزيع ظلَّت ثابتة، ولم تتغيَّر من الناحية المنهجيَّة.
__________
(1) هو: "جُون مِيرانْد كِينْز"، اقتصاديٌّ إنجليزي (1883 - 1946)، نادى بضرورة تدخُّل الدولة للإنعاش الاقتصادي. من أشهر مؤلَّفاته: النظرية العامَّة للاستخدام والفائدة والنقد .. انظر: علية محَمَّد بشير: القاموس الاقتصادي، مرجع سابق، ص343.
(2) فكري نعمان: النظريَّة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص207.
(3) الفنجري: الإسلام وعدالة التوزيع، مرجع سابق، ص11. (1/129)
صفحة 120
المطلب الثاني: التوزيع في النظام الاشتراكي:
يقوم هذا النظام على أساس الملكيَّة العامَّة لوسائل الإنتاج، أي لا يسمح للأفراد إلاَّ بامتلاك الأشياء الخاصَّة غير المنتجة، كالمسكن مثلا، والمعيار الذي يقوم عليه أساس التوزيع ينبني على قاعدة: «لِكُلٍّ حسب عمله، ومن كل حسب طاقته»، ثُمَّ تتطوَّر حسب منظِّريه (1)، لتصبح في النهاية في ظلِّ الشيوعيَّة: «لِكُلٍّ حسب حاجته، ومن كلٍّ حسب طاقته» (2). إلاَّ أنَّ هذا النظام لم يحقِّق حلمه بالوصول بالمجتمع إلى تحقيق كافَّة احتياجات الأفراد، بل انهار وهو في المرحلة الأولى ـ مرحلة الاشتراكيَّة ـ لأنَّ مبادئه تصادم الواقع والفطرة الإنسانيَّة.
يقوم أساس التوزيع في النظام الاشتراكيِّ على العمل، فهو أداة إنتاج وأداة توزيع في آن واحد، فيجب أن يكون توزيع القيم المنتجة في مختلف فروع الثروة على العمل، وينتج عن ذلك لكُلٍّ حسب عمله، ومن كلٍّ حسب طاقته، فلكلِّ عامل الحقُّ أن يحصل على ما أنتج من قيم، مهما كانت النتيجة ضئيلة أو كبيرة، وبذلك فالحاجة مستبعدة في ظلِّ هذا التوزيع وفي ظلِّ هذه النظريَّة، فإنَّ الطبقة التي لا تملك من القدرة الفكريَّة والجسديَّة إلاَّ ما يؤمِّن لها الحدَّ الضروريَّ، عليها أن تستسيغ الفوارق الكبيرة في مستوى معيشتها بينها وبين الفئات التي تتوفَّر لها الحظوظ للحصول على عوائد كبيرة.
أَمَّا الفئة الثالثة وهي المجرَّدة كلِّيَّة من وسائل الإنتاج وعن طاقة العمل، وهم العاجزون طبيعيًّا عن العمل، فلا يوجد تفسير علميٌّ على الطريقة الاشتراكية يبرِّرُ نصيب هؤلاء من التوزيع وحقَّهم في الحياة (3).
__________
(1) صاغ هذه النظرية مؤسِّس المذهب: كارل ماركس.
(2) محَمَّد باقر الصدر، اقتصادنا، مرجع سابق، ص345.
(3) محَمَّد باقر الصدر، اقتصادنا، مرجع سابق، ص357. (1/130)
صفحة 121
المطلب الثالث: التوزيع في ظلِّ الاقتصاد الإسلامي:
قبل تناول البحث في قضيَّة التوزيع في الاقتصاد الإسلاميِّ، لا بدَّ من بيان نقطتين وهما:
أ) الأهداف الشرعيَّة للتوزيع.
ب) المعايير المعتمدة في التوزيع.
أ) الأهداف الشرعيَّة للتوزيع:
إذا كان المال مال الله، والبشر مستخلفين فيه، فإنَّ توزيعه يعتبر من صميم الاستخلاف الذي يتحمَّل مسؤوليَّته الأفراد والأمَّة في توزيعه وإيصاله إلى مستحقِّيه، وقد حصرت الأهداف الشرعيَّة كالآتي:
1) إشباع حاجة المخلوقات، وهو هدف رئيسيٌّ قائم على أساس توفير الكفاية لِكُلِّ فرد، فإذا لم يَفِهِ عمله، أو كان بدون عمل أصلا قامت وسائل أخرى بمدِّه بالكفاية، وقد بيَّنت الشريعة موارد هذه الوسائل.
2) إحداث آثار إيجابيَّة في المساهمين في التوزيع، وفي إعادة التوزيع، فالغنيُّ الذي يساهم في هذه العمليَّات بالزكاة وغيرها من الصدقات تطهير لنفسه وماله من الشحِّ، وتثبيت على الطاعة والإيمان، وشعوره بالنعم التي أنعم الله بها عليه.
3) إحداث آثار إيجابيَّة في المستفيدين من التوزيع بتأليف القلوب والشعور بالتضامن والأخوَّة، وإزالة الضغائن من النفوس.
4) تخفيف التفاوت في توزيع الدخل والثروة، وهو ما دلَّت عليه آية الحشر في توزيع فيء بني النضير على الفئة المحرومة من المهاجرين: {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةَم بَيْنَ الاَغْنِيَآءِ مِنكُمْ} [الحشر:7].
ب) المعايير المعتمدة في التوزيع:
يقصد بمعيار التوزيع القاعدة التي على أساسها ينبني التوزيع، ويكون من توفَّرت فيه (1/131)
صفحة 122
صفاتها مستحقًّا لدخل معيَّن، فمعايير التوزيع التي طبَّقتها البشريَّة عبر العصور هي (1):
1) المعاوضة.
2) الحاجة.
3) المعايير المستندة إلى قيم اجتماعيَّة وأخلاقيَّة.
وهناك معيار رابع طبَّقته البشريَّة هو معيار القوَّة، وهو الاستيلاء على الحقوق والأموال غصبا باستعمال القوَّة، إلاَّ أَنَّهَا مرفوضة في غالبيَّة النظم الأخلاقيَّة، إلاَّ أنَّ أسلوب القوَّة السافر لم يعد مطبَّقا، وإنَّما الغالب أن يُعصب بثوب أخلاقيٍّ ولو كان مهلهلا، مثل استغلال الدول القويَّة لخيرات وموارد الدول الضعيفة تحت شعارات وأساليب متنوِّعة.
1) المعاوضة: بحسب هذه القاعدة يأخذ الإنسان من الدخل بقدر ما أعطى من الإنتاج، فمن أنتج مثلا قيمة مائة من الوحدات النقديَّة يحقُّ له أن يتقاضى من السلع والخدمات ما يساوي مائة، وهو ما يقابل التوزيع الوظيفيَّ في الاقتصاد الرأسماليِّ، أو العمل في الاقتصاد الاشتراكيِّ.
إلاَّ أَنَّهُ لا يمكن تطبيق هذه القاعدة على من لا ينتجون أصلا من الأطفال والعجزة، غير أَنَّهُ يمكن اعتبار هذه القاعدة ركنا أساسيًّا في التوزيع، لأَنَّهَا تعبِّر عن فكرة العدالة، إذ يرتبط فيها الجهد بالجزاء.
2) الحاجة: يوزَّع الدخل بمقدار ما يحتاج كلُّ فرد، بصرف النظر عَمَّا قدَّمه، فمن يعول عائلة كبيرة مثلا يُعطى دخلا أكبر من الأعزب، حَتَّى ولو قاما بنفس العمل، والعاجز يُعطى قدر حاجته ولو لم يقدِّم أيَّ شيء.
فهذه القاعدة تعبِّر عن سموِّ الإنسان وتقدُّمه أخلاقيًّا وحضاريًّا (2).
__________
(1) الزرقا: نظم التوزيع، مرجع سابق، ص3.
(2) نفس المرجع، ص5. (1/132)
صفحة 123
3) النطام الأخلاقي والقيم الاجتماعيَّة: هذا المعيار يأخذ بعين الاعتبار الفوارق الاجتماعيَّة، ويكون التوزيع على أساس أخلاقيٍّ، تراعى فيه العدالة الاجتماعيَّة، وهو أشمل معيار للتوزيع، لأَنَّهُ يمكن أن يتضمَّن المعايير الأخرى، ويكمِّل نقصها، فالمعاوضة مثلا لا يمكن اعتبارها معيارا وحيدا، لأَنَّهَا تخرج منها كثير من الفئات التي لا تملك أيَّ وسيلة للعمل، حَتَّى يتمَّ لها المعارضة.
الفرع الأوَّل: أهمِّيَّة التوزيع في الاقتصاد الإسلامي:
لقد منيت الإنسانيَّة عبر العصور بشتَّى أنواع الظلم والاستغلال لعدم وجود معايير سليمة لتوزيع ثروات الأمَّة، التي تقوم أحيانا على أساس فرديٍّ بحت، وأحيانا على أساس جماعيٍّ، فكان الأَوَّل تعدِّيا على حقوق الجماعة، والثاني بخسا لحقوق الأفراد (1).
ولقد وضع الإسلام جهازا عادلا لتوزيع الثروات، بحيث يوازن بين حقوق الأفراد والجماعة، ويؤدِّي وظيفة المال الاستخلافيَّة.
والإسلام يرى أنَّ المشكلة الاقتصاديَّة سببها الرئيسيُّ هو سوء التوزيع، وَأَنَّهُ قد أودع في الكون ما يكفي حاجة البشر قاطبة، لو أَنَّهَا استغلَّت هذه الإمكانيَّات ووزَّعتها بعدالة، يقول الله تعالى: {للَّهُ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الاَنْهَارَ} [إبراهيم:34]، لكنَّ الإنسان لم يستثمر هذه الموارد الطبيعيَّة بسبب ظلمه وكفرانه كما أشارت الآية الكريمة.
فظلم الإنسان وكفرانه هما السببان الأساسيَّان للمشكلة الاقتصاديَّة وليس بعجز الموارد عن الوفاء بإشباع رغبات الإنسان كما ترى الرأسماليَّة، أو التناقص بين الإنتاج وقوى الإنتاج كما ترى الاشتراكيَّة (2).
__________
(1) الصدر: اقتصادنا، مرجع سابق، ص348.
(2) الصدر: اقتصادنا، مرجع سابق، ص349 - 350. (1/133)
صفحة 124
فظلم الإنسان على الصعيد الاقتصاديِّ يتمثَّل في سوء التوزيع، وكفرانه للنعمة بتجسَّد في إهماله الإنتاج واستثمار مواهبه في استغلال الطبيعة.
ولقد كفل الإسلام لهذه المشكلة بما قدَّمه من منهجيَّة التوزيع العادلة، وهو ما سنعالجه في هذا الفصل، كما عالج جانب الكفران بما وضع للإنتاج والعمارة من أهمِّيَّة، وبما حفَّه من حوافز، وهو ما تقدَّم في الفصل السابق.
مكانة التوزيع في الاقتصاد الإسلامي:
يتمُّ التوزيع على مستويين:
أوَّلاً: توزيع المصادر المادِّيَّة للإنتاج.
ثانيا: توزيع الثروة المنتجة.
فالمصادر المادِّيَّة للإنتاج هي: الأرض والموارد الأوَّليَّة والأدوات اللازمة لإنتاج السلع المختلفة، لأنَّ هذه العوامل تساهم جميعها في الإنتاج.
إذن هناك ثروة أوَّليَّة وهي: مصادر الإنتاج، وثروة ثانويَّة: هي ما يظفر به الإنسان عن طريق استخدام تلك المصادر. والبحث في التوزيع ينبغي أن يستوعب كلتا الثروتين.
ومن الواضح أنَّ توزيع المصادر الأساسيَّة للإنتاج يسبق عمليَّة الإنتاج نفسها، لأنَّ الأفراد إنَّما يمارسون نشاطهم، وفقا للطريقة التي يقسِّم بها المجتمع مصادر الإنتاج.
فالاقتصاد الإسلاميُّ يعالج قضيَّة التوزيع، ويعطيها بعدا شموليًّا على أوسع نطاق، فهو لا يكتفي بمعالجة توزيع الثروة المنتجة، بل يبدأ بمصادر الإنتاج، فيبيِّن كيف توزع، ويتدخَّل تدخُّلا إيجابيًّا في توزيع الخيرات الطبيعيَّة، وما تضمنه من مصادر الإنتاج، واهتمَّ بها وقسَّمها عدَّة أقسام في إطار الملكيَّة.
لذا أصبح التوزيع هو نقطة الانطلاق في الاقتصاد الإسلاميِّ بدلا من الإنتاج (1).
أَمَّا الدراسات الاقتصاديَّة الوضعيَّة فهي تبدأ بالإنتاج ثُمَّ التوزيع، تاركة القضيَّة الأولى ـ وهي امتلاك وتوزيع المصادر الأولى للإنتاج ـ يسيطر عليها القويُّ، ثُمَّ هي ـ كما أشرنا ـ لا تنظر إلى الثروة الكلِّيَّة للمجتمع، وإنَّما تنظر إلى توزيع الثروة المنتجة، أي: القيمة النقديَّة للإنتاج لسنة ما، لذلك تعتبر الإنتاج هو الموضوع الأَوَّل من مواضيع البحث، فتدرس الإنتاج ثُمَّ التوزيع.
غير أنَّ الواقع أنَّ المشكلة التي تواجه الاقتصاد تكمن في التوزيع وليس في الإنتاج، ونقصد بالتوزيع التوزيع الشامل الذي يراه الاقتصاد الإسلاميُّ، وخاصَّة وأنَّ التقدُّم التكنولوجي وفَّر إنتاجا عظيما يكفي حاجات الناس، فليست هناك مشكلة مضاعفة الإنتاج بقدر ما هو مشكلة توزيع الناتج، ونجد كثيرا من الآيات القرآنيَّة والأحاديث النبويَّة تشير إلى المشكلة التي تتعلَّق بالفقر وسوء التوزيع، وحيازة الثروة، حَتَّى إنَّ هناك من يرى أنَّ الاقتصاد الإسلاميَّ اقتصاد توزيعيٌّ، أي أنَّ هدفه الأساسيَّ هو حلُّ مشكلة التوزيع وإقرار العدالة في الحصول على الثروة (2).
كما أنَّ هناك من يربط مشكلة التوزيع بمشكلة تداول النقود التي أصبحت عائقا في سبيل التداول بدلا أن تكون مشجِّعا لها (3).
__________
(1) الصدر: اقتصادنا، مرجع سابق، ص435.
(2) الخالدي: مفهوم الاقتصاد في الإسلام، مرجع سابق، ص33.
(3) أبو السعود: خطوط رئيسيَّة في الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص68. (1/134)
صفحة 125
الفرع الثاني: نظريَّة التوزيع عند عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه:
تعتبر تطبيقات الصحابة واجتهاداتهم في مجال المال المصدر الذي يستمدُّ منه الاقتصاد الإسلاميُّ أسسه ومبادئه بعد الكتاب والسنَّة، أهمُّها وأبرزها اجتهادات الخليفة عمر بن الخطَّاب لأسباب منها:
1 - بقاء أغلب الصحابة في المدينة.
2 - طول فترة خلافته النسبيَّة واستقرارها.
3 - التدفُّق المالي بسبب الفتوحات.
ولقد لخَّص الخليفة عمر سياسته في التوزيع بقوله: «فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقِدَمه في الإسلام، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته» (1).
وقد ضبط الخليفة عمر معيار التوزيع ضبطا دقيقا، ورتَّبه حسب الأولويَّات، مصدِّرا إيَّاه بمعيار العمل، بقوله «الرجل وبلاؤه»، فالعمل أساس التوزيع الأَوَّل، وقسَّم أفراد المجتمع إلى مراتب، القائم على التفاضل في الأعطيات، مخالفا بذلك سلفه أبا بكر، الذي أقام التوزيع على أساس المساواة بين الجميع (2)، ثُمَّ تأتي الدرجة الثانية وهي الحاجة «الرجل وحاجته»، وقد ضبط الفقه الإسلاميُّ مفهوم الحاجة وحدَّدها في إطار ضمان حدِّ الكفاية (3).
التوزيع حسب ظروف المعيشة:
ولم يكتف الخليفة عمر بوضعه معيار التوزيع، بل جعل لِكُلِّ ظرف من الظروف الاقتصاديَّة التي تمرُّ عليه الأمَّة ـ رخاء وعسرا ـ أساسا للتوزيع، فيقول:
__________
(1) الواقدي: الطبقات، مرجع سابق، مج3، ص215.
(2) قطب إبراهيم: الماليَّة العامَّة للدولة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص209.
(3) انظر: الفنجري: الإسلام والمشكلة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص31. (1/135)
صفحة 126
«إنِّي لحريص على ألاَّ أدع حاجة إلاَّ سددتها ما اتَّسع بعضنا لبعض، فإذا عجزنا تأسَّينا في عيشنا حَتَّى نستوي في الكفاف» (1)، فهو يضع سياسة التوزيع في الحالة العادية والحالة الاستثنائية، ففي الأولى حيث يسود الرخاء يسعى إلى توفير حدِّ الكفاية بصفته المسؤول الأَوَّل على المجتمع، وفي الحالة الثانية إذا نزل مستوى المعيشة دون حدِّ الكفاية، ففي هذه الوضعيَّة يتساوى الناس في المعيشة لضمان الحدِّ الأدنى للمعيشة وهو ما يعبَّر عنه بحدِّ الكفاف، وهو ما طبَّقه الخليفة عمر فعلا في عام الرمادة (المجاعة) سنة 18هـ فقال: «لو لم أجد للناس ما يسعهم إلاَّ أن أدخل على أهل كلِّ بيت عُدَّتهم فيقاسموهم أنصاف بطونهم حَتَّى يأتي الله بالحيا ـ أي: المطر ـ فعلت، فإنَّهم لن يهلكوا على أنصاف بطونهم» (2).
خلاصة القول: إنَّهُ في الظروف الاستثنائية كالحروب والمجاعات يساوى المسلمون في حدِّ الكفاف، وفي الظروف العادية يتساوون من حيث توفير حدِّ الكفاية، وما فوق ذلك يكون لكُلٍّ حسب عمله وبلائه (3). فالاقتصاد الإسلاميُّ يميِّز في التوزيع بين الحالات العادية والحالات الاستثنائيَّة.
الفرع الثالث: المعايير التي اعتمدها الاقتصاد الإسلاميُّ في التوزيع:
بعد عرض المعايير التي اعتمدتها النظم الوضعيَّة والمعيار الذي اعتمده الإسلام من خلال تطبيقات الصحابة واجتهاداتهم يبرز لنا جهاز التوزيع في الاقتصاد الإسلاميِّ، الذي اعتمد على معيارين اثنين هما (4):
1) العمل.
ب) الحاجة.
__________
(1) ابن سعد: الطبقات، مرجع سابق، مج 3، ص224.
(2) المرجع نفسه، ص 225.
(3) الفنجري: الإسلام والمشكلة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص 70.
(4) عربي: نظرات في الاقتصاد، مرجع سابق، ص102. (1/137)
صفحة 127
وهما وسيلتان متكاملتان، عندما تتخلَّف إحداهما تعوِّضها الأخرى؛ فالعمل أساس لتملُّك المال في نظر الإسلام، وبالتالي فهو أداة رئيسيَّة في جهاز التوزيع، لأنَّ كلَّ عامل يحصل على ثمرة عمله، وفقا لقاعدة أنَّ العمل سبب الملكيَّة، أَمَّا دور الحاجة في التوزيع، فقد بيَّنه الإسلام من خلال تقسيم المجتمع إلى ثلاث فئات (1):
فئات المجتمع الإسلامي ومعايير التوزيع
الفئات ... نوعية طاقتها ... أساس التوزيع
أ) ... تتمتَّع بطاقة فكريَّة وعمليَّة، وتستطيع توفير معيشتها ... العمل (فقط)
ب) ... تتمتَّع بطاقة فكريَّة وعمليَّة، لكن لا تستطيع توفير معيشتها ... العمل + الحاجة
ج) ... لا تستطيع توفير معيشتها لضعف بدنيٍّ ... الحاجة (فقط)
فعلى أساس الاقتصاد الإسلاميِّ تعتمد الفئة (أ) في كسب نصيبها من التوزيع على العمل بوصفه أساسا وسببا للملكيَّة، وأداة رئيسيَّة للتوزيع، فيحصل كلُّ فرد من هذه الفئة على حظِّه الكامل من التوزيع بالعمل، فالحاجة لا تعمل شيئا بالنسبة لهذه الفئة، بينما ترتكز الفئة (ج) في كيانها الاقتصاديِّ على أساس الحاجة وحدها، فهي تحصل على نصيب التوزيع لتضمن حياتها كاملة على أساس حاجتها، وفقا لمبادئ التضامن والكفالة في المجتمع الإسلاميِّ.
أَمَّا الفئة (ب) التي تعمل ولا تجني من عملها إلاَّ الحدَّ الأدنى من المعيشة فهي تعتمد في دخلها على العمل والحاجة معا، فالعمل الذي تمارسه لا يوصلها إلى عتبة حدِّ الكفاية، ثُمَّ يُكمل لها بقدر ما يوصلها إلى ذلك المستوى على أساس الحاجة، وفقا لمبادئ الكفالة والتضامن، وذلك بأساليب وطرق محدَّدة سنتعرض لها في المبحث اللاحق.
بعد استعراض أسس التوزيع بين كلٍّ من النظام الرأسماليِّ والاشتراكيِّ والاقتصاد الإسلاميِّ نستطيع إدراك أوجه الاختلاف لدور الحاجة بين هذه النظم
__________
(1) الصدر: اقتصادنا، مرجع سابق، ص 353. (1/138)
صفحة 128
المختلفة بصفتها أداةً ومعيارَ توزيع.
حيث لم نجد تفسيرا علميًّا لأساس التوزيع للفئة (ج) في ظلِّ النظام الاشتراكيِّ الذي يقوم التوزيع فيه على أساس العمل فقط.
أمَّا النظام الرأسماليُّ القائم على أساس التوزيع الوظيفيِّ، فلم يراع الفئات المحرومة من الدخل، إلاَّ من خلال إدخال نظام التحويلات الاجتماعيَّة التي أدخلت على هذا النظام بعد ظهور الأفكار الاشتراكيَّة. إلاَّ أنَّ الاقتصاد الإسلاميَّ يُبنى من أساسه على ضمان حقِّ العامل من الاستفادة بمجهوده، كما ضمن حقَّ المحروم من ضمان كفايته من التوزيع على أساس الحاجة.
الفرع الرابع: كيفيَّة تطبيق هذه المعايير على مستويات التوزيع:
بعد استعراض أسس التوزيع في كلٍّ من الأنظمة الوضعيَّة والاقتصاد الإسلاميِّ، نرى كيف طبِّقت هذه المعايير على مستويات التوزيع، ويمكن إجمال مستويات التوزيع في ثلاث (1):
أسس التوزيع في الاقتصاد الإسلامي
المستوى ... أصناف التوزيع ... مجالها ... أساس التوزيع
المستوى الأَوَّل ... توزيع الثروات على أساس الكفاءة ... الإحياء، الإقطاع، الحمى ... التملُّك أو الاستغلال
المستوى الثاني ... توزيع الدخول على أساس المعاوضة ... الريع = الأرض. ... العمل ... الأجر = العمل. ... الربح = المضاربة.
المستوى الثالث ... إعادة التوزيع على أساس الحاجة. ... الصدقات ... الحاجة
- الزكاة
__________
(1) رفيق المصري: أصول الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص161. (1/139)
صفحة 129
- النفقات ... - التحويلات الاِجتِمَاعِيَّة
- المستوى الأَوَّل: توزيع الثروات والمصادر الطبيعيَّة، وهو ما يختصُّ به الاقتصاد الإسلاميُّ دون غيره من النظم، وقد اعتنت كتب الأموال والخراج بهذا النوع من التوزيع، وأولت له أهمِّيَّة كبرى، لأَنَّهُ يعتبر نقطة الانطلاقة في التوزيع السليم، فتعرَّضت إلى أحكام الأرض بمختلف أنواعها (1)، وكيفيَّة توزيعها واستغلالها، فهذه الثروات منحة ربَّانيَّة من الأراضي والمياه والثروات الظاهرة والباطنة بمختلف أنواعها.
ويعتبر الأستاذ محَمَّد باقر الصدر، أوَّل من سلَّط الضوء على هذا الصنف من التوزيع في العصر الحاضر، في كتابه القيم "اقتصادنا"، وتعتبر هذه الفكرة من صميم عقيدة المسلم الذي يستشعر نعم الله التي مَنَّ الله بها عليه، ومنحها إيَّاه، فهو مستخلف عليها، يستثمر منها قدر حاجته، وعليه بشكر المنعم على هذه النعم، والقرآن الكريم مليء بالآيات التي تذكِّرنا بهذه الخيرات التي وهبها الله لخلقه أجمعين (2).
- المستوى الثاني: يعتبر المستوى الأَوَّل قاعدة للمستوى الثاني؛ فالإنتاج يكون باستخدام الموادِّ الأوليَّة من أرض ومعادن ومياه، وهذا الإنتاج ينشئ الدخول، ويقسَّم الدخل على مختلف عوامل الإنتاج التي ساهمت في إنشائه، وهي الأرض والرأسمال والعمل والتنظيم، على خلاف بين المفكِّرين في عددها (3).
__________
(1) انظر المبحث الثالث من الفصل الثالث، من هذه الرسالة، ص184. وانظر: أيضا:
- أبو عبيد: الأموال، مرجع سابق، ص31 وما بعدها.
- أبو يوسف: الخراج، مرجع سابق، ص129 وما بعدها.
- ابن آدم القرشي: الخراج، مرجع سابق، ص476 وما بعدها.
(2) مثل: - النحل، آية 14. - القصص، آية 73. - السجدة، آية 9.
(3) انظر المبحث الثاني من الفصل الرابع من هذه الرسالة. (1/140)
صفحة 130
أَمَّا في الفكر الإسلاميِّ (1)، فتتألف عناصر الإنتاج من عاملين فقط، هما: العمل والمال، بحيث يصبح التنظيم مشمولا بالعمل، بينما الأرض تدخل في المستوى الأَوَّل من التوزيع، وذلك بالعمل بالمبدأ السائد في فقه الشركات بأنَّ استحقاق الربح في الإسلام يكون بالمال والعمل.
وهذا التقسيم يتماشى مع النظريَّة الاستخلافيَّة التي تعتبر الطبيعة وما فيها من خيرات هبة ربَّانيَّة يجب على الإنسان الاستشعار بها والعمل على شكر المنعم عليها.
- المستوى الثالث: تقوم به الدولة والمؤسَّسات والأفراد لإعادة التوازن على مستوى التوزيع الأَوَّل والثاني، وضمان حدِّ الكفاية لمن لم يتمكَّن من الحصول عليه بصفة جزئيَّة أو كليَّة، فتقوم الدولة بجمع الزكاة، ووضعها في مستحقِّيها، كما يقوم الأفراد بواجب الزكاة والنفقات، كما يبقى الباب مفتوحا أمام الصدقات التطوُّعيَّة التي تساعد أيضا في إعادة التوازن على مستوى التوزيع، وذلك بحثِّ الأفراد على الإنفاق التطوعيِّ، إلى جانب الإنفاق الإلزاميِّ من زكاة ونفقات.
والتوزيع على أساس الحاجة، قد يسمَّى بالتوزيع التوازني؛ لأَنَّهُ يعيد التوازن، بخلاف التوزيع على أساس العمل ينبني على أساس توزيع الثمرة على من ساهم في تكوين الدخل، أما التوزيع على أساس الحاجة، فينبني على أساس إقامة التوازن بين أفراد المجتمع، خاصَّة الأفراد الذين لم يساهموا مباشرة في إنتاج الدخل، أو الذين لم يتيسَّر لهم بدخلهم الحصول على عائد يكفيهم نظير مساهمتم في الإنتاج، وتلك تمثِّل فئة عريضة من المجتمع، وقد احتواها هيكل التوزيع، ووضع لها المبادئ والتنظيم الذي يحقِّق لها مستوًى معيشيًّا كريما (2).
__________
(1) رفيق المصري، أصول الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص181.
(2) شوقي دنيا، الإسلام والتنمية، مرجع سابق، ص274. (1/141)
صفحة 131
المطلب الرابع: نتائج هذا التقسيم على نظرية التوزيع في الاقتصاد الإسلامي:
أخذا بمبدأ العمل والحاجة في التوزيع في الاقتصاد الإسلاميِّ يترتَّب على ذلك نتائج تعكس وجهة النظر الإسلاميَّة في وظيفة المال.
- أوَّلاً: إنَّ الإسلام لا يسمح بالثروة والاغتناء إلاَّ بعد توفير حدِّ الكفاية لا الكفاف لكُلِّ فرد، أو بعبارة أخرى لا يسمح بالغنى مع وجود الفقر والحرمان، وإنَّما يبدأ الغنى والتفاوت بعد إزالة الفقر والقضاء على الحرمان، وذلك من خلال توفير وضمان حدِّ الكفاية، وهو حقُّ الله تعالى الذي يعلو فوق كلِّ الحقوق (1).
وعلى هذا فالإسلام يعترف بالغنيِّ بعد ضمان حدِّ الكفاية، ويكون ملزما بشرع الله في توظيفه للمال وفقا للاعتبارات التالية:
أ) لا يستسيغ لنفسه كنز المال وحبسه عن التداول والإنتاج؛ لأَنَّهُ مطالب باستثمار ماله كلِّه لصالح المجتمع.
ب) لا يتصرَّف في ماله عن هوى، بعيدا عن تحكُّم الحكمة والتعقُّل، وإلاَّ اعتُبر سفيها وجاز عليه الحجر، فهو مطالب بالرشد في إنفاقه.
ج) لا يعيش عيشة المترفين، لأنَّ الترف ظلم وفساد في الطبع، تأنفه الأخلاق الإسلاميَّة.
د) وهو ملزم بإخراج حقوق الله وحقوق العباد في ماله، فهو ينفق كلَّ ما زاد عن حاجته في سبيل الله، إمَّا إنفاقا استثماريا، بإقامة المشاريع الإنتاجيَّة، وإمَّا إنفاقا مباشرا في أوجه الخير والبرِّ.
ثانيا: التفاوت المنضبط في المجتمع الإسلاميِّ:
التفاوت في المداخيل والثروات بين أفراد المجتمع الإسلاميِّ أمر طبيعيٌّ باعتباره
__________
(1) الفنجري: الإسلام والمشكلة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص73. (1/142)
صفحة 132
محفِّزا على العمل والجدِّ والتنافس، ومُيسِّرا لتقديم الخدمات المختلفة بين الأفراد، إذ لو تساوى الناس لانعدم التبادل والتعاون. إلاَّ أنَّ هذا التفاوت الذي يسمح به الإسلام، هو تفاوت منضبط ومتوازن، أي بالقدر الذي يحقِّق التكامل لا التناقض، والتعاون لا الصراع، بحيث لا يؤثِّر على التوازن الاقتصاديِّ في المجتمع.
ثالثا: شرعيَّة الملكيَّة الخاصَّة متوقِّفة على ضمان حدِّ الكفاف:
إنَّ الملكيَّة الخاصَّة لها حرمتها في الإسلام، فقد وضع لها الضمانات الكافية لحمايتها، إلاَّ أنَّ هذه الحرمة مشروطة بضمان حدِّ الكفاف لِكُلِّ مواطن كحدٍّ أدنى، بحيث إذا وجد في المجتمع الإسلامي جائع واحد فإنَّ حقَّ الملكيَّة الخاصَّة في الأقوات لا يُحترم، وهو معنى قول الرسول J : « إذا بات مؤمن جائعا فلا مال لأحد» (1)، إلى جانب الجريمة التي تقترف في حقِّ الإنسانيَّة، بل اعتبر الفقه ذلك من باب قتل نفس بغير حقٍّ، يقول الإمام ابن حزم:
«إذا مات رجل جوعا في بلد، اعتُبر أهله قتلة، وأخذت منهم دية القتيل» (2).
وإذا تقاعس المجتمع عن ضمان حدِّ الكفاف، يحقُّ للفرد أن يطلب حقَّ الحياة من أفراد المجتمع، وإن أبوا عليه أخذه أخذا ولو باستعمال القوَّة، ولا يعدُّ غاصبا أو متعدِّيا، يقول الصحابيُّ الجليل أبو ذرٍّ رضي الله عنه في وصف هذه الوضعيَّة: «عجبت لمن لم يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه» (3)، وهي حالة لا يصل إليها المجتمع الإسلاميُّ القائم على التضامن والتكامل، والذي تقوم فيها الأمَّة وأفرادها بواجبهم في العمل أوَّلا، ثُمَّ بواجب الإنفاق والصدقات.
__________
(1) أخرجه أبو داود.
(2) ابن حزم: المحلَّى، مرجع سابق.
(3) الفنجري: الإسلام والمشكلة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص71. نقلا عن: عبد الحميد جودت السحار: أبو ذرٍّ الغفاري، مطبوعات مكتبة مصر، ص8. (1/143)
صفحة 133
> (1/144)
صفحة 134
المبحث الثاني
التكافل الاجتماعي والضمان الاجتماعي
تمهيد:
تعرَّضنا في المبحث السابق إلى وسائل التوزيع، ورجَّحنا المعيار القائم على تقسيم التوزيع إلى أساسين رئيسيَّين، وهما: العمل والحاجة، فالمعيار الأَوَّل ـ وهو العمل ـ يحمل معه واسطة التنفيذ، أي أنَّ كسب الإنسان يتطلَّب جني ثمار مجهوداته دون غيره، إلاَّ أنَّ الأساس الثاني وهو الحاجة يحتاج إلى واسطة التنفيذ، وهو ما سنعرض له في هذا المبحث.
فالتوزيع على أساس الحاجة يكون إمَّا:
أ- بواسطة وليِّ الأمر، ويتمثَّل في جمع الزكاة والواجبات الماليَّة.
ب- بواسطة الأفراد، ويتمثَّل في النفقات الإجباريَّة.
ج- بواسطة الأفراد تطوُّعا، ويتمثَّل في الصدقات الاختياريَّة.
وقبل البحث في هذه الوسائل يجب أن نميِّز بين بعض المفاهيم التي قد تبدو مترادفة وتحمل معنى واحدا، إلاَّ أنَّها تحمل معاني مختلفة.
أ) الضمان الاجتماعي: كفالة الدولة حدَّ الكفاية لكُلِّ فرد يعيش في المجتمع، سواء أكان مسلما أم غير مسلم، وذلك بالنسبة لِكُلِّ من عجز عن تحقيق هذا المستوى لنفسه (1).
ب) التكافل الاجتماعي: أن يتضامن أبناء المجتمع ويتساندوا فيما بينهم ـ سواء أكانوا أفرادا أم جماعات، حكَّاما أم محكومين ـ على اتِّخاذ مواقف إيجابيَّة فيما بينهم كرعاية اليتيم، أو سلبية كتحريم الاحتكار، بدافع من شعور إيمانيٍّ وجدانيٍّ عميق ينبع من أصل العقيدة الإسلاميَّة، حيث يتعاون الجميع وتتضامنوا لإيجاد المجتمع الأفضل (2).
ج) التأمين الاجتماعي: تتولاَّه الدولة والمؤسَّسات الخاصَّة، وهو يتطلَّب مساهمة المستفيد باشتراكات يؤدِّيها، وتمنح له مزايا التأمين، أيَّا كان نوعها متى توافرت فيه شروط استحقاقه بغض النظر عن دخله (3).
وفي صدد بحثنا سنعرض للمفهوم الأَوَّل والثاني، مبعدين المفهوم الثالث المتعلِّق بالتأمين الاجتماعي؛ لأَنَّهُ لا يعبِّر عن التوزيع على أساس الحاجة، بينما يعبِّر المفهومان الأوَّلان عن ذلك.
والتوزيع على أساس الحاجة، قد يسمَّى بالتوزيع التوازني؛ لأَنَّهُ يعيد التوازن، بخلاف التوزيع على أساس العمل ينبني على أساس توزيع الثمرة على من ساهم في تكوين الدخل، أَمَّا التوزيع على أساس الحاجة فينبني على إقامة التوازن بين أفراد المجتمع.
وإعادة التوزيع أو التوزيع التوازنيُّ كما عبَّر عنه البعض، أو تحت اسم التكافل الاجتماعي أو الضمان الاجتماعي، كلُّها تسميات تعبِّر عن قضيَّة واحدة، وهي معيار الحاجة في التوزيع، إلاَّ أنَّ الحاجة لا تنفرد فقط كمعيار وأساس للتوزيع، بل قد تشترك معها معايير أخلاقيَّة ودينيَّة واجتماعيَّة، تعطي للتوزيع بعدا تكافليًّا، مِمَّا يجسِّم الوحدة والتلاحم بين أفراد المجتمع. ومن هذه الأسس التودُّد والقرابة، وهو ما يجسِّده نفقات الأقارب والمواريث والهبات والوصايا (4).
المطلب الأوَّل: الدليل الشرعي لنظام التكافل الاجتماعي:
إنَّ روح التشريع الإسلاميِّ يقوم أساسا على تكوين مجتمع متماسك متعاون
__________
(1) عطية عبد الواحد: دور السياسة الماليَّة، مرجع سابق، ص642.
(2) عبد الله ناصح علوان، التكافل الاجتماعي، مرجع سابق، ص15.
(3) الفنجري، الإسلام والضمان الاجتماعي، مرجع سابق، ص30.
(4) رفيق المصري، أصول الاقتصاد، مرجع سابق، ص226. (1/145)
صفحة 135
متضامن، كما أنَّ نصوصا عديدة من الكتاب والسنَّة تؤكِّد هذا التوجُّه العامَّ للشريعة الإسلاميَّة.
أ) من الكتاب: {لَيْسَ الْبِرُّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنِ الْبِرُّ مَنَ ـ امَنَ بِاللهِ} ... {وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ} [البقرة:177]، فقد قرنت الآية إيتاء المال ـ على حبِّه ـ مع الإيمان بالله واليوم الآخر، وقدَّمته على الصلاة والزكاة، مِمَّا يَدُلُّ على أهمِّيَّة بذل المال على هذه الأصناف.
{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ} [النساء:36]، فهذه الآية جاءت في صيغة الأمر بالإحسان، وأوَّل الإحسان إلى هذه الأصناف هو الإنفاق عليها، كما أنَّ سياق الآية يَدُلُّ على ذلك، وهو ما تشير إليه الآية الموالية.
ب) من السنَّة: أمَّا السنَّة النبويَّة فإنَّ الأحاديث الكثيرة التي وردت في هذا المجال لخير دليل على اهتمام الشريعة بهذا الجانب الهامِّ من حياة المسلم، لأَنَّهُ يعبِّر بحقٍّ عن الأخوَّة والتعاون والتضامن، يقول الرسول J : « ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادِّهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى» (1)، كما أنَّ حديثا آخر للرسول J جعل الإيمان الحقيقيَّ في أن يحبَّ المسلم لأخيه المسلم ما يحبُّ لنفسه، بمعنى ألاَّ يترك أخاه المسلم في حاجة وفاقة وهو يتنعَّم بالرفاه والغنى، يقول عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم حَتَّى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه» (2).
ج) الإجماع: فإنَّ المسلمين قد أجمعوا في كلِّ زمان ومكان على التعاون والتكافل والتساند، واتَّفقوا على حماية الضعيف، ونصرة المظلوم وإغاثة الملهوف،
__________
(1) أخرجه البخاريُّ، كتاب الأدب، ج10، ص438، رقم: 6011.
(2) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، ج1، ص49. (1/146)
صفحة 136
والتعاون الشامل في حالتي الشدَّة والرخاء (1).
كما أنَّ مبدأ التكافل الاجتماعيِّ يجد موقعه في نفس كلِّ مسلم، فهو يستند إلى شعور في نفس كلٍّ منهم، وأنَّه لا يسوغ أن يتنعَّم هو ويجوع غيره، وإذا غاب هذا الشعور كان لوليِّ الأمر أن يوقظه بما له من سلطة في التشريع (2).
والمجتمع الذي يسوده نظام التكافل ويقوم على أساس التعاون ويعمُّ أرجاءَه الشعورُ بالمحبَّة والإخاء والأخوَّة، يقتضي أن يكون مجتمعا حصينا متماسكا.
والتعاون ظاهرة اجتماعيَّة قديمة قدم الإنسانيَّة، وقد أكَّدتها الشرائع السماويَّة، وأدرجتها ضمن العقيدة والإيمان الحقيقيِّ، وقد اتَّسع نطاقها باتِّساع الجماعة البشريَّة، وبتعدُّد وتنوُّع الحاجات الإنسانيَّة وفق التطوُّر المعيشيِّ عبر العصور.
المطلب الثاني: نطاق ومجال التكافل الاجتماعي:
لا شكَّ أنَّ الأسرة هي الخليَّة الأولى في المجتمع الذي يتكوَّن من مجموعها، وتتكوَّن منها الدولة إذا توافرت المقوِّمات الأخرى (3).
وبهذا يكون مجال ونطاق التكافل الاجتماعيِّ على هذا النحو:
أ) التكافل الاجتماعيُّ في نطاق الأسرة.
ب) التكافل الاجتماعيُّ في نطاق المدينة أو القرية.
ج) التكافل الاجتماعيُّ في نطاق الدولة.
وقد بحثنا في الفصل الثالث التكافل الاجتماعيَّ في نطاق الدولة، وقد سمِّي بالضمان الاجتماعيِّ، تمييزا له عن التكافل الاجتماعيِّ، وبيَّنَّا واجب الدولة في
__________
(1) عبد الله علوان، التكافل الاجتماعي، مرجع سابق، ص16.
(2) عطية، دور السياسة الماليَّة، مرجع سابق، ص658.
(3) الفضل، الوظيفة الاجتماعيَّة، مرجع سابق، ص139. (1/148)
صفحة 137
ضمان توفير حدِّ الكفاية والوفاء بالحاجات الأساسيَّة العامَّة (1). وبتضافر الجهود على هذه المستويات: الدولة والمدينة والأسرة يتمُّ التكافل العامُّ، ويتحقَّق التضامن الاجتماعيُّ ويسود مبدأ العدالة الاجتماعيَّة.
وينصبُّ بحثنا هنا على نطاق الأسرة، والمجتمع الصغير: المدينة أو القرية، وذلك في فرعين:
الفرع الأوَّل: التكافل في نطاق الأسرة:
ويشمل هذا التكافل: وجوب نفقة الرجل على زوجته وأبنائه القاصرين، أي على أسرته الصغيرة الخاصَّة، فقد أوجب الإسلام على الآباء والأمَّهات تربية أبنائهم وإرضاعهم وحضانتهم، والنفقة عليهم، ولا تقتصر الكفاية على الرعاية المادِّيَّة فحسب بل تشمل التربية الإيمانيَّة، والناحية العقليَّة والخُلقيَّة والناحية النفسيَّة.
ثُمَّ يتَّسع نطاق التكافل ليشمل النفقة الواجبة بسبب القرابة في حالة احتياج هؤلاء الأقارب، ففي كلِّ عائلة لا بدَّ أن يكون منهم أغنياء ومتوسطو الحال وفقراء، فلو قام الأغنياء منهم بكفالة الفقراء لما بقي في المجتمع محتاج ولا فقير.
إنَّ التكافل في نطاق الأسرة والقرابة يخفِّف عبئا كبيرا عن المجتمع والدولة بالاستناد إلى رابطة فطريَّة، وإلى علاقة القرابة والرحم، وبهذه الطريقة يستفيد المجتمع من تنظيم طبيعيٍّ يستند إلى الفطرة والغريزة، وهو انقسام المجتمع إلى مجموعات منظَّمة، بسبب رابطة الزواج والقرابة، وهي الأسرة، باعتبارها خلايا ووحدات اجتماعيَّة تشدُّ أفرادَها روابطُ اجتماعيَّة وعاطفيَّة يمكن أن يستفيد منها المجتمع (2).
__________
(1) انظر المبحث الرابع من الفصل الثالث من هذه الرسالة، ص190 وما بعدها.
(2) محمَّد المبارك: نظام الإسلام، الاقتصاد، مرجع سابق، ص138. (1/149)
صفحة 138
ومن حيث الثواب والأجر نجد أن الشريعة الإسلاميَّة جعلت الإنفاق على الأقارب والأرحام يترتَّب عليه أجران: أجر الصدقة، وأجر صلة الرحم (1)؛ يقول الرسول J : « الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة» (2).
الفرع الثاني: التكافل على مستوى المجتمع (المدينة والقر ية)
إذا كانت الأسرة تتكوَّن من أفرادها الذين تربطهم رابطة الدم أو النسب، فإنَّ المجتمع يتكوَّن من مجموع الأسر، وإذا كانت الشريعة قد عنيت عناية فائقة بالأسرة، فإنَّ ما ساقته من أحكام لتنظيم الأسرة هو تنظيم للمجتمع، ومن هنا جاءت نصوص القرآن والسنَّة تقضي بمسؤولية المجتمع المشتركة، من قِبل أفراده، والوقائع التاريخيَّة تعطينا مثالا حيًّا للمجتمع الإسلامي المتجسِّد في المجتمع الذي أقامه الرسول J في المدينة غداة هجرته من مكَّة، فقد آخى بين المهاجرين والأنصار، وتقاسموا معًا تكاليف الحياة، وتأصَّلت بينهم صلات المودَّة والتضامن، حَتَّى غدا الواحد منهم يرث الآخر إذ وصلت درجة العلاقات بينهم إلى مرتبة القرابة الدمويَّة. وتتجسَّد كفالة المجتمع في رعاية الأصناف الآتية، والتي يجمعها معيار الحاجة، فلا بدَّ للمجتمع أن يوفِّر لها كفايتها من العيش الكريم، وهي (3):
- أوَّلا: كفالة اليتيم: اليتيم: هو من مات أبوه وتركه صغيرا وهو ضعيف يحتاج إلى رعاية وكفالة، وقد اهتمَّ الإسلام به اهتماما بالغا، من حيث تربيته وضمان معيشته حَتَّى ينهض ويقوم على ساقيه ويتحمَّل أعباء الحياة، وجعل القرآن الكريم احتقار اليتيم من التكذيب بالدين: {أَرَآيْتَ الذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَالِكَ الذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ} [الماعون:2]، كما أمر سبحانه بالمحافظة على أموال اليتامى والإحسان فيها: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالتِي هِيَ
__________
(1) عبد الله ناصح علوان: التكافل الاجتماعي، مرجع سابق، ص112.
(2) أخرجه الترمذيُّ في سننه، كتاب الزكاة، الباب 126 ص46، رقم: 658.
(3) عبد الله علوان: التكافل الاجتماعي، مرجع سابق، ص61. (1/150)
صفحة 139
أَحْسَنُ} [الأنعام:152]. وأحسن إجراء يقام تجاه أموال اليتامى هو استثمارها في المشاريع الإنتاجيَّة حَتَّى لا تأكلها الزكاة، يقول الرسول J : « اتَّجروا في أموال اليتامى حَتَّى لا تأكلها الزكاة» (1). كما اهتمَّ الإسلام بالحضِّ على كفالة اليتيم ووجوب رعايته: «أنا وكافل اليتيم في الجنَّة كهاتين» (2). فيجب على المجتمع فتح دور لرعاية اليتامى ورعايتهم والإنفاق عليهم، حَتَّى يكونوا في مأمن عن التشرُّد والضياع.
يندرج في هذا الإطار رعاية اللقيط وهو المولود الذي لا يعرف له أبٌ ولا أمٌّ، ويجب على من رآه أن يلتقطه، وفي التقاطه رحمة بالصغار ودليل الإيمان.
فالإسلام بتشريعه العادل الحكيم لم يأخذ اللقيط ـ وإن كان ولد زنى ـ بجريرة أبويه، فهو من الناحية الإنسانيَّة لا يختلف عن اليتيم الذي مات عنه أبواه، لذلك يجب على المجتمع كفالته، «وكان عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه إذ أوتي بلقيط فرض له مائة، وفرض له رزقا يأخذه وليُّه كلَّ شهر ما يصلحه، ثُمَّ ينقله من سنة إلى سنة، وكان يوصي بهم خيرا ويجعل رضاعتهم من بيت المال» (3).
فقد راعى الإسلام نفسيَّة اللقيط وأعطاه الحقوق الممنوحة للولد الشرعيِّ دون تمييز بينهما.
- ثانيا: كفالة العاجزين: يدخل في هذا الصنف العاجزون بسبب عاهة أو ضعف بدنيٍّ، أو العجز بسبب الشيخوخة والهرم، وأهمُّ هذه الفئات (4):
1) العميان.
2) الصمُّ البكم.
__________
(1) أخرجه الإمام مالك في الموطَّأ، كتاب الزكاة، ص127. رقم 588.
(2) أخرجه البخاريُّ، كتاب الأدب، ج 10. ص436، رقم 6005.
(3) ابن سعد: الطبقات، مرجع سابق، مج3، ص215.
(4) عبد الله علوان: التكافل الاجتماعي، مرجع سابق، ص63. (1/151)
صفحة 140
3) الصرعى.
4) المعتوهون.
5) أصحاب الأمراض المزمنة.
6) الشيوخ العجزة.
فهؤلاء يجب أن يعطف عليهم المجتمع، ويشملهم برعايته وكفالته، تحقيقا لقوله J : « الراحمون يرحمهم الرحمن» (1).
يجب أن تتضافر جهود الأسر والمجتمع والدولة في تحقيق الخير والتكافل، والعيش الأفضل، حَتَّى يشعروا بروح العطف والتعاون، وأنَّهم محلُّ العناية الكاملة.
- ثالثا: كفالة المطلَّقات والأرامل: المطلَّقة هي التي تخلَّى عنها عائلها بسبب انحلال العقدة الزوجيَّة، والأرملة هي التي فقدت كفيلها بسبب الموت، فلا بدَّ للمجتمع أن يعوِّضهن الرعاية والكفالة والإنفاق عليهنَّ، ولا يتركهنَّ للضياع، والرعاية لا تقتصر على الناحية المادِّيَّة، بل تشمل أيضا الناحية الخلقيَّة والنفسيَّة على السواء، ليشعرن بالكرامة، والصيانة، ومن أفضل الرعاية لهنَّ، هو تشجيعهنَّ على العودة إلى الحياة الزوجيَّة مرَّة أخرى، يقول تعالى: {وَأَنكِحُواْ الاَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآئِكُم} [النور:32].
- رابعا: كفالة المنكوبين والمكروبين: إنَّ الحياة الدنيا لا يسلم فيها المرء من النكبات والكروب التي قد تحيل الغنيَّ فقيرا، والموسر معدما، فالإسلام يوجب التضامن والتكافل مع هؤلاء للتخفيف عن مصائبهم، ويحثُّ على التفريج عن الكروب، وإغاثة المنكوب، يقول J : « من فرَّج عن أخيه المسلم كربة فرَّج الله
__________
(1) أخرجه الترمذيُّ، كتاب البرِّ، الباب 16، ص324، رقم: 1924. (1/152)
صفحة 141
عنه بها كربة من كرب يوم القيامة» (1). والإسلام يربِّي المجتمع على هذه المعاني السامية، من التكافل والإيثار والتضحية بمتاع الدنيا من أجل حصول المثوبة الكبرى يوم القيامة، بإدخال السرور وإزالة الكروب على كافَّة أفراد المجتمع.
yWy
__________
(1) أخرجه البخاريُّ، كتاب الظلم، الباب 3، ج5، ص97، رقم: 2442. (1/153)
صفحة 142
المبحث الثالث
الإنفاق والاستهلاك في ظلِّ نظرية الاستخلاف
إنَّ توزيع المال يؤدِّي إمَّا إلى إنفاقه واستهلاكه، أو إلى ادِّخاره وإعادة إدخاله في دورة الإنتاج من جديد، فالإنفاق هو القناة الثالثة التي يصبُّ فيها المال بعد تملُّكه وإنتاجه وتوزيعه.
وقد ضبط التشريع الإسلاميُّ طرق إنفاق المال، حَتَّى يكون في إطار الوظيفة التي أناطها بالمال، والتي من خلاله يستشعر الإنسان أَنَّهُ مستخلف على هذا المال، وبالتالي مراعاته للتعاليم الإسلاميَّة في إنفاقه واستهلاكه وادِّخاره لهذا المال.
وسنخصِّص هذا المبحث للإنفاق والاستهلاك، ونفرد الادِّخار بمبحث خاصٍّ.
المطلب الأوَّل: الإنفاق لغة واصطلاحا:
قبل التعرُّض إلى الإنفاق ودوره في الاقتصاد الإسلاميِّ ينبغي معرفة معنى النفقة لغة واصطلاحا.
أ) لغة: ما ينفقه الرجل من الدراهم ونحوها. القوم نفقت سوقهم، ونفق السلعة تنفيقا: روَّجها كأنفقها (1)، نفق الشَّيْء: مضى ونفذ، إما بالبيع أو الموت، أو بالفناء، والإنفاق يكون في المال وفي غيره، وقد يكون واجبا أو تطوُّعا (2).
ب) شرعا: ما يلزم المرء صرفه لمن عليه مؤونته من زوجته أو قنه أو دابَّته (3).
ج) اصطلاحا: صرف المال الحلال للحصول على منافع مادِّيَّة أو معنويَّة
__________
(1) الفيروزآبادي، القاموس المحيط، مرجع سابق، ج3، ص286.
(2) الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، مرجع سابق، ص523.
(3) نزيه حماد، معجم المصطلحات، مرجع سابق، ص276. (1/154)
صفحة 143
مشروعة تساعد في تحقيق الإشباع المادِّيِّ والروحيِّ (1).
نستنتج من خلال هذه التعاريف أنَّ النفقة والإنفاق من وجهة نظر الفقهاء هي النفقة الواجبة، إلاَّ أنَّ مقصودنا هو الإنفاق بصفة عامَّة، كما نلاحظ تقارب المعنى الاصطلاحيِّ مع المعنى اللغويِّ الذي يقصد الإخراج والإفناء مقابل منافع، وقد قيِّد هذا الإخراج أن يكون من دائرة الحلال، ويقصد به إشباع منافع مشروعة، فالإنفاق على محرَّمات لا يسمَّى إنفاقا، كما وسِّع من دائرة الإشباع ليشمل الإشباع الروحيَّ، فالذي ينفق ماله ليؤدِّي فريضة الحجِّ مثلا، يكون قد حقَّق منفعة روحيَّة.
وقد شاع مصطلح النفقات العامَّة، ويقصد بها النفقات التي تتولاَّها الدولة من خزينتها العامَّة، من أجل غرض عامٍّ.
المطلب الثاني: الإنفاق في القرآن الكريم:
ذكر الإنفاق واشتقاقاته في القرآن الكريم في 73 موضعا (2)، ولو أضفنا إليه المعاني التي تحمل معنى الإنفاق، كإطعام المساكين والحثِّ على الصدقات لوجدناها كثيرة، مِمَّا يَدُلُّ على اعتناء القرآن الكريم بهذا الجانب من توزيع المال. ومن اليقين أنَّ التركيز الإلهيَّ على برِّ المحتاجين والإنفاق، وجزيل ثوابه للمنفقين، ولوم أصحاب الشحِّ والبخل والأثرة، يؤكِّد في نفوس المسلمين مفهوما يجب أن يرسخ في الأعماق وهو مسؤوليَّة المجتمع على كافَّة الأصعدة، ابتداء من الأسرة إلى مستوى الدولة في الإنفاق على ذوي الحاجات، بما أنَّ هذا المال هو مال الله وهم مستخلفون فيه (3).
وإنَّا لنرى من آيات القرآن الكريم أنَّ الصحابة الكرام حين تقرَّرت لديهم هذه
__________
(1) حسين شحاته، اقتصاد البيت المسلم، مرجع سابق، ص45.
(2) محَمَّد فؤاد عبد الباقي، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، مرجع سابق، ص716.
(3) رفيق المصري، مقوِّمات الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص44. (1/155)
صفحة 144
الحقيقة، كيف تحرَّجوا في كيفيَّة الإنفاق، ماذا ينفقون وما يبقون؟ فذهبوا إلى رسول الله J يسألونه ماذا ينفقون؟ وقد تكرَّر هذا السؤال أكثر من مرَّة، وسجَّل القرآن موقفين في سورة البقرة.
أ) {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالاَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ ... } [البقرة:215]، وقد أجابت هذه الآية لمن يكون الإنفاق ورتَّبته حسب الأولويَّة.
ب: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العَفْوَ} [البقرة:219] فقد حدَّدت هذه الآية معيار ووعاء الإنفاق وهو العفو، وقد ذكر المفسِّرون ستَّة تأويلات لمعنى العفو (1)، إلاَّ أنَّ أرجحها هو ما فضل عن الأهل.
ونظرة القرآن إلى الإنفاق تعطى بعدا عقديًّا مرتبطا بإيمان المسلم باليوم الآخر، وشعوره بوجوب تعاونه وتآزره للأخوَّة في الإيمان، فحين يأمر بالنفقة لا يبيح أن يكون ذلك في الترف والبذخ، وهي نظرة تختلف عن نظرة الاقتصاد الوضعيِّ للإنفاق.
يظنُّ غير المؤمن أنَّه إذا أنفق المال افتقر وإذا جمعه تموَّل، ويقول القرآن ويؤكِّد أنَّ الله يبارك في مال الرجل إذا أنفق منه ويضاعفه له: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَامُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً} [البقرة:268].
ويظنُّ غير المؤمن أنَّ ما ينفقه من مال يضيع إلى غير رجعة، ويقول القرآن: إنَّ المال لا يضيع بالإنفاق، بل يعود على صاحبه بالخير العميم: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [البقرة:272].
لا شكَّ أنَّ هذه النظريَّة غريبة في نظر الاقتصاد الوضعيِّ، إذ من الغريب حقًّا أنَّ يزيد المال بالإنفاق، ويرجع على صاحبه لا بتمامه بل مع فائدة مزيدة: {وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم:39]، فالإسلام
__________
(1) محيي الدين عطيَّة: الكشَّاف الاقتصادي، مرجع سابق، ص112. (1/156)
صفحة 145
يعطى لهذه الزيادة بعدين (1): بعدًا أخرويًّا، وهو مضاعفة الأجر والثواب في الآخرة للمنفقين في سبيل الله في مختلف الأغراض، وبعدًا دنيويًّا، فقد دعا الإسلام إلى الإنفاق وحثَّ عليه، لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى الرواج وانتعاش الأحوال، أما الإمساك فيؤدِّي إلى الكساد والبطالة وركود الحالة الاقتصاديَّة، فالنفقة سواء أكانت على النفس أو الأهل والأقارب أو على محتاج تؤدِّي في النهاية إلى تداول الإنتاج والأموال والإقبال على شراء السلع، مِمَّا يتطلب الزيادة في الإنتاج (2).
المطلب الثالث: مراتب الإنفاق:
إنَّ مراتب الإنفاق على درجتين: من حيث أولويَّتها ومن حيث وجوبها وندبها.
الفرع الأوَّل: من حيث أولويَّتها (3):
لقد وضع الإسلام أولويَّات يجب الالتزام بها في مجال الإنفاق لتحقيق مقاصد الشرع.
1) الضروريَّات: وهي ما يتعلَّق بقوام الحياة والمخلوقات، والتي بدونها لا تستقيم الحياة، مثل الإنفاق على المأكل والمشرب والصحَّة والتعليم، وهي مقدَّمة على غيرها، فلا يعقل شرعا ولا منطقا أن ينفق المرء على الحاجيَّات والتحسينيَّات تاركا ضروريَّات الحياة.
2) الحاجيَّات: ويقصد بها الإنفاق على ما يحتاجه المرء لتيسير سبل العيش، والتخفيف من المشاقِّ والمتاعب، وتأتي بعد استيفاء المطالب الضروريَّة.
3) التحسينيَّات: وتشمل النفقات التي تجعل حياة الإنسان طيِّبة، وعلى أحسن حال، وتأتي في المرتبة الثالثة، إلاَّ أنَّه يجب عدم الإسراف فيها؛ لأَنَّهَا مدخل
__________
(1) المودودي، أسس الاقتصاد، مرجع سابق، ص147.
(2) بسيوني، الحرِّيَّة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص465.
(3) حسين شحاته، اقتصاد البيت المسلم، مرجع سابق، ص50. (1/157)
صفحة 146
للترف والبذخ، فعلى المرء أن يراعي محيطه الذي قد لا تتسنَّى له ظروف الحياة لاستيفاء الضروريَّات من مطالب الحياة.
الفرع الثاني: من حيث وجوبها وندبها:
ينقسم الإنفاق في الإسلام إلى قسمين رئيسين:
1) إنفاق الفريضة.
2) إنفاق التطوُّع.
- القسم الأوَّل: إنفاق الفريضة: هو ما افترضه الله على المسلم وألزمه بأدائه في السبل التي أرشده إليها، وفي الحالات التي يجب فيها هذا الإنفاق، ويدخل أوَّل ما يدخل في هذا القسم ما ينفقه الإنسان على نفسه وعلى عياله، من أبناء وزوجة ووالدين، تطبيقا لمبدأ «ابدأ بمن تعول» (1)، ويحدِّد حديث آخر مراتب ودرجات النفقة: «ابدأ بنفسك فتصدَّق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا وهكذا، يقول: فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك» (2).
فهذا المبدأ الذي وضعه الرسول، يضع الإنفاق في دوائر تتَّسع، حسب طاقة الفرد وإمكانيَّاته، والإنفاق على الأهل من أفضل الصدقات، لقوله J : « أفضل دينار المرء دينار ينفقه على أهله» (3).
وقد فصَّل الفقهاء في أسباب وشروط ودرجات القرابة الموجبة للنفقة.
فأسبابها: النكاح والقرابة، فالأوَّل يوجبها للزوجة على الزوج. والثاني لكُلٍّ من القريبين على الآخر (4)، وهناك من أضاف سببا ثالثا هو الملك: مثل الإنفاق على العبد المملوك أو الحيوان المملوك، أو الأشياء المملوكة لصيانتها وحفظها (5). أَمَّا درجات القرابة، فقد اختلف الفقهاء في تحديدها، والواقع أنَّ المذهب الحنبلي أكثر المذاهب الإسلاميَّة توسُّعا في القرابة الموجبة للنفقة، فهو يعمُّ القرابة كلَّها بلا استثناء، فكلُّ من يرث الفقير العاجز عن الكسب إذا مات غنيًّا تجب عليه نفقته في حال عجزه، لأنَّ الحقوق متبادلة، والغرم بالغنم (6)، وهو رأي يتماشى مع روح التشريع الإسلاميِّ، ويحقِّق صورة أوضح للتكافل والتضامن الاجتماعيِّ.
أَمَّا شروط النفقة على الترتيب فهي:
1) حاجة القريب الذي يطالب بالنفقة، فإذا لم يكن محتاجا لا يستحقُّ النفقة.
2) عجزه عن العمل، لأنَّ إعطاء المحتاج مع قدرته على العمل تعطيل لقوَّة من قوى الإنتاج، وتشجيع على الكسل والاتِّكال.
3) ألاَّ يكون القريب الذي يطالب بالنفقة موسرا.
وهذه الشروط خاصَّة بالقرابة من الدرجة الثانية فما فوق، أَمَّا نفقة الوالد على أولاده أو الولد على والديه العاجزين أو على زوجته، فهي واجبة في كلِّ الظروف والحالات أن يقاسمهم ما يملك من قوت، فيأكلون مِمَّا يأكل.
- القسم الثاني: إنفاق التطوُّع: إنَّ إنفاق التطوُّع ليس له حدود، وإنَّما هو متروك لأريحيَّة المنفق ورغبته في ابتغاء رضوان الله، وقد حثَّت آيات كثيرة وأحاديث نبويَّة عليه، ووعدت المنفقين بأجزل الثواب وأعظم الأجر (7)، هذا
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، ج3، ص294، رقم: 1426.
(2) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، ج3، ص79.
(3) محَمَّد بن الحسن الشيباني: الاكتساب في الرزق المستطاب، مرجع سابق، ص66.
(4) الدبو: الضمان الاجتماعي، مرجع سابق، ص227.
(5) رفيق المصري: أصول الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص227.
(6) ابن حزم: المحلَّى، مرجع سابق، ج7، ص226.
(7) من ذلك:
- قوله تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} [المزمل:20].
- قوله عليه الصلاة والسلام: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلاَّ ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهمَّ أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهمَّ أعط ممسكا تلفا». رواه البخاري. (1/158)
صفحة 147
النوع لا يصحُّ من صاحبه إلاَّ بعد أداء إنفاق الفريضة الذي يعتبر دينا في عنق صاحبه، فلا يصحُّ من المدين التبرُّع وذمَّته مشغولة بالدَّين (1).
وأبرز سبل إنفاق التطوُّع:
أ) صدقة التطوُّع.
ب) الوقف (الصدقة الجارية).
ج) الهبة والهديَّة.
د) القرض الحسن.
وقد أدرج القرض الحسن في هذا السبيل مع أنَّه يستردُّه صاحبه لأَنَّهُ يلبِّي حاجات الناس في الضائقات الماليَّة، ويخفِّف عن المعسرين، فقد روى ابن ماجه: «ما من مسلم يقرض مسلما مرَّتين إلاَّ كان كصدقة مرَّة»، وعن أبي الدرداء أنَّه قال: «لأن أقرض دينارين ثُمَّ يردَّان، ثُمَّ أقرضهما أحبُّ إليَّ من أن أتصدَّق بهما» (2).
المطلب الرابع: ضوابط الإنفاق:
إذا كان الإسلام قد رسم الخطوط العامَّة لكسب المال من طرقه المشروعة، فإنَّهُ أيضا رسم الخطوط العريضة لإنفاقه، يؤدِّي فيها المال دوره في تلبية مطالب الحياة الطيِّبة الكريمة.
1) الإنفاق على إشباع الحاجيات الإنسانيَّة ومتطلَّباته من مأكل ومسكن وملبس، وكلِّ متطلَّبات الحياة الكريمة، وهو مأمور به على سبيل الوجوب بلا إسراف ولا تبذير ولا تقتير: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا} [الأعراف:31].
2) الإنفاق التعاوني على الأسرة والأقارب والمجتمع بصفة عامَّة، وهو مأمور به على جهة الوجوب في بعض صوره، وعلى جهة الندب والتطوُّع في صور أخرى،
__________
(1) البابلي: الكسب والإنفاق، مرجع سابق، ص126.
(2) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الصدقات، الباب 19 (القرض)، ص812، رقم 2431. (1/159)
صفحة 148
ومطلوب ذلك في اعتدال بلا تبذير، يقول تعالى: {وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ, وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} [الإسراء:26].
3) وما بقي بعد ذلك، فإمَّا أن يدَّخره لوقت الحاجة ولمواجهة الطوارئ، وإمَّا أن ينفقه في شكل إنفاق استثماريٍّ لتنمية أمواله، والمساهمة في تداول المال وتحقيق التنمية العامَّة للأمَّة، وليتمكَّن من الوفاء بالإنفاق على حاجته مستقبلا (1).
هكذا يكون الإسلام قد وضع القنوات التي ينساب فيها المال، فبعد أن تُؤدَّى الحقوق المتعلِّقة بالمال من زكاة ونفقة على النفس والولد والقرابة، وما تجود به النفس في سبل الخير فما فضل بعد ذلك كان من الواجب أن يستثمر ولا يمسك به في ظلمات الاكتناز، فالمال قوَّة يجب أن تؤدِّي وظيفتها في الحياة وألاَّ تتعطَّل، فتدخل في حقل التنمية والعمارة. من تشييد وبناء واستصلاح، فإنَّ في ذلك نماء لثروة المجتمع، ومضاعفة لقوَّتها.
من ضوابط الإنفاق:
أوَّلاً: الموازنة بين الكسب والإنفاق:
إذا كان الإسلام قد وضع مراتب الإنفاق، ابتداء من ضروريَّات الحياة إلى المحسِّنات، فإنَّه لا يولي اعتبار التوازن في الجانب الإنفاقي فحسب، بل ينظر إلى جانب الكسب، فالكسب والإنفاق عمليَّة دائريَّة تؤول في النهاية إلى الجهد الإنسانيِّ.
فعندما ينفق الإنسان مالا فإنَّهُ في الحقيقة ينفق جهدا، أي: الجهد الذي اكتسب به المال (2). ويعبِّر القرآن الكريم عن هذه الموازنة أحسن تعبير: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَاهُ اللَّهُ} [الطلاق:7]، فالكسب هو وعاء للإنفاق، فكُلَّمَا اتَّسع الوعاء اتَّسع الإنفاق، فلا يكلِّف الإنسان نفسه ما
__________
(1) بسيوني: الحرِّيَّة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص472.
(2) حسين غانم: مجلَّة الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص32. (1/161)
صفحة 149
لا تطيق، ويرمي بها في دوَّامة الاستدانة، ويؤدِّي بها إلى الإفلاس والخراب.
فإذا التمس الإنسان كسبه من طرق سليمة، وجمع المال من وجوهه المشروعة، كان من المحتم عليه أن ينفقه في وجوه سليمة، فالمرء يُسأل يوم القيامة سؤالين في المال: «من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه» (1)، ولذلك يتحرَّى المسلم الوسائل المشروعة في كسبه وفي إنفاقه، وقد قال الحسن البصريُّ: «إذا أردتم أن تعرفوا من أين اكتسب الرجل ماله، فانظروا فيم أنفقه» (2).
فالإنسان الذي بذل الجهد في كسبه، وسلك سبل الحلال في ذلك يتخيَّر مواضع الإنفاق ويميِّز بين مراتبها، لأَنَّهُ يحسُّ أنَّ جزءا من مجهوده ضاع لو وضع المال في غير موضعه، أَمَّا الذي يكتسب المال بدون بذل الجهد وبطرق ملتوية وسريعة، فإنَّهُ يعمد إلى ماله ينفقه كيفما اتَّفَق، ويبدِّده بإسراف في مواطن الترف، وفي الكماليَّات والتحسينيَّات.
ثانيا: الوسطية في الإنفاق:
يقوم الإسلام على الوسطيَّة في كلِّ شَيْء ومنها الاعتدال في الإنفاق دون إسراف أو تقتير.
فالإسراف في اللغة: تجاوز الحدِّ في كلِّ فعل يفعله الإنسان، وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر. أَمَّا التبذير فهو صرف المال في غير مصارفه المعروفة عند العقلاء (3).
أَمَّا التقتير: فمن القتر: تقليل النفقة (4)، وهو الرمقة من العيش (5).
أمَّا اصطلاحا: فالإسراف هو الإنفاق في مباح إذا زاد عن الحدِّ، أو الإنفاق في
__________
(1) ورد في حديث نبويِّ: «لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة حَتَّى يُسأل ... »، تقدَّم تخريجه، انظر ص51.
(2) بسيوني: الحرِّيَّة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص471.
(3) نزيه حماد: معجم المصطلحات، مرجع سابق، ص57. عبد الباقي: المعجم المفهرس، مرجع سابق، ص236.
(4) محَمَّد فؤاد عبد الباقي: المصدر نفسه، ص407.
(5) ابن منظور: لسان العرب المحيط، مرجع سابق، ج5، ص16. (1/162)
صفحة 150
حرام ولو قلَّ.
أمَّا التبذير فهو أشدُّ من الإسراف، فهو المغالاة في تجاوز الحدِّ، والتوسُّع في الإنفاق على المحرَّمات والمعاصي (1).
والفرق بينهما أنَّ الإسراف هو الجهل بمقادير الحقوق، والتبذير هو الجهل بمواقع الحقوق، وكلاهما مذموم (2).
فصاحب المال ليس حرًّا في التقتير وغلِّ ما في يديه كما يشاء، أو في بسطها والإسراف في الإنفاق كما يشاء، فاليد المغلولة والمبسوطة بإسراف لا يقبلهما الإسلام، لما فيه من ضرر عائد على النفس والجماعة (3): {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً اِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا} [الإسراء:29].
ويحذِّرنا الرسول J من الإسراف حَتَّى في ماء الوضوء، فيقول لجابر وهو يتوضَّأ: «ما هذا السرف؟ فقال جابر: أفي الوضوء سرف يا رسول الله؟ فقال: نعم، لا سرف في الماء ولو كنت على نهر جارٍ» (4)، وعلى النقيض من ذلك نهى الإسلام عن التقتير وغلِّ اليد؛ لأَنَّهُ حرمان النفس من المتاع المشروع، فهو يأمر الإنسان أن يتمتَّع بالحياة وزيتها في إطار الحدود الشرعيَّة: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ التِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ... } [الأعراف:32]، ففي الآية أمر صريح بالتمتُّع بزينة الحياة والطيِّبات من الرزق، في صيغة سؤال استنكاريٍّ.
ثالثا: تجنُّب النفقات الترفيَّة:
الترف: هو التوسُّع في النعمة، يقال: أترف فلان فهو مترف (5)، والترف أشدُّ من التبذير فهو التوسع في ملاذ الدنيا وشهواتها إلى حدِّ البطر، فالشريعة الإسلاميَّة تحرِّم النفقات الترفيَّة؛ لأَنَّهَا تؤدِّي إلى الفساد والهلاك، وهي مؤشِّر إلى تردِّي الأخلاق، وخراب الذمم، وخواء الضمائر، فهو آية ومؤشِّر للانهيار والإفلاس، يقول تعالى: {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء:16]. {وَكَمَ اَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةِم بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} [القصص:58].
لذلك نجد الإسلام قد نهى الرجال عن لبس الحرير والذهب؛ لأَنَّهُ دليل البطر والترف، وهو يؤدِّي إلى الميوعة والفساد. والحكمة الكبرى من هذه الأحكام أنَّ هذه الثروة يمكن أن تسدَّ الحاجات لكثير من الفقراء والمعدومين، وتوفِّر لهم حدَّ الكفاية، بدلا من صرفها في تزيين الجسد، وزخرفة البيوت، وتجميل الوجوه، وفي اللهو والشهوات (6).
ويمكن إجمال هذه العناصر كلِّها في النهي عن إضاعة المال، فالسرف والتبذير والترف تدخل كلُّها في هذا المعنى، وقد نهى J عن إضاعة المال: «إنَّ الله كره لكم ثلاثا: القيل والقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» (7).
رابعا: تجنُّب النفقات غير المشروعة:
إذا كان الإسراف والتبذير والترف تصرُّفات ينهى عنها التشريع الإسلاميُّ، فإنَّ الإنفاق في محرَّم لا يجوز قطعا لما فيها من مضرَّة مادِّيَّة، كالخمر والخنزير والميتة، يقول تعالى: {إِنَّمَا حَرَمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ} [البقرة:173]، أو لمضرَّة معنويَّة، كالأكل مِمَّا لم يذكر اسم الله عليه: {وَلاَ تَاكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ, لَفِسْقٌ} [الأنعام:121]. أي إنَّ الأكل منه لمعصية وخروج عن
__________
(1) رفيق المصري، أصول الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص155.
(2) بسيوني، الحرِّيَّة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص478.
(3) سيِّد قطب، العدالة الاجتماعيَّة، مرجع سابق، ص138.
(4) منتخب كنز العمَّال، بهامش مسند أحمد، مرجع سابق، مج3. ص441.
(5) الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، مرجع سابق، ص70.
(6) الموسوي: لمحات في اقتصاديات الملكيَّة الخاصَّة، مرجع سابق، ص67.
(7) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، ج3، ص340، رقم: 1477. (1/163)
صفحة 151
طاعة الله، فلا تأكلوا أيُّها المؤمنون مِمَّا ذبح لغير الله، كالذي يذبح للأوثان (1).
فالإنفاق على هذه المحرَّمات المنصوص عليها لا يجوز قطعا، ويقاس عليها كلُّ ما يؤدِّي إلى المضرَّة بالفرد أو المجتمع، كتناول السموم وكذا المخدِّرات.
المطلب الخامس: نظرية الاستهلاك في الاقتصاد الوضعي:
بعد البحث واستعراض نظرة الإسلام إلى الإنفاق، والضوابط التي شرعها لتحقيق الوسطيَّة والاعتدال، نرى كيف ينظر الاقتصاد الوضعيُّ إلى الاستهلاك، وما هي أهدافه منه.
وقبل البحث في نظريَّة المستهلك ينبغي وضع بعض التعاريف ليسهل فهم هذه النظريَّة على ضوء المفاهيم المتعلِّقة بها.
الاستهلاك: هو استعمال السلع والخدمات في إشباع الحاجات (2). أي الاستعمال المباشر للسلع والخدمات، ويعدُّ حجر الزاوية، ونقطة الانطلاق لجميع أنواع النشاط الاقتصادي. وينقسم إلى استهلاك فرديٍّ، واستهلاك جماعيٍّ على مستوى المجتمع، كالتعليم والأمن والدفاع، وهو إِمَّا أن يكون عن طريق السوق، وقد يكون ذاتيًّا مثل ما يقوم به المزارع من استهلاك جزء من إنتاجه (3)، وهو يقابل الإنفاق في الاقتصاد الإسلاميِّ.
الحاجات: هي الأشياء التي يشعر الإنسان أو المجتمع بالحاجة إليها، وهي عدَّة أنواع: حاجات أوَّليَّة، حاجات ثانويَّة (4).
المنفعة: قدرة السلعة أو الخدمة على إشباع رغبة إنسانيَّة (5).
__________
(1) محَمَّد علي الصابوني، صفوة التفاسير، مرجع سابق، ج3، ص94.
(2) الدموهي، عوامل الإنتاج، مرجع سابق، ص283.
(3) عفر، النظام الاقتصادي، مرجع سابق، ص157.
(4) علية، القاموس الاقتصادي، مرجع سابق، ص145.
(5) حسين عمر، موسوعة المصطلحات، ص 231. (1/164)
صفحة 152
إنَّ دراسة تصرُّف المستهلك في الاقتصاد الوضعيِّ لا يقصد به وضع القواعد التي يجب أن يلتزم بها المستهلك في تصرُّفاته، بل يفترض أَنَّهُ شخص عاقل ويتَّصف بالرشد الاقتصادي، يسعى أساسا للحصول على أقصى إشباع ممكن من دخله (1).
ويتحكَّم في الاستهلاك أربعة عوامل هي:
1) الدخل الذي يحصل عليه المستهلك.
2) كيفية توزيع الدخل بين الاستهلاك والادِّخار.
3) الحاجات الشخصيَّة لأفراد المجتمع، إذ يختلف الاستهلاك كمًّا ونوعا باختلاف ميول المستهلك ومعتقداته وعاداته.
4) الثمن المحدَّد للسلع والخدمات، فكُلَّمَا زادت الأسعار انخفض الاستهلاك.
وعلى ضوء هذه العوامل يتَّخذ المستهلك قراراته في الاستهلاك.
الفرع الأوَّل: نظر يَّة الاستهلاك في الاقتصاد الرأسمالي:
إنَّ نظريَّة المستهلك في الاقتصاد الرأسماليِّ تقوم على أساس تحصيل الحدِّ الأعلى من المنفعة، فهي هدف المستهلك في سلوكه وسعيه، وليس له إلاَّ محفِّز واحد وهو حاسَّة حبِّ المال، ولقد مرَّت بمرحلتين:
أ) كانت مرتبطة بالنظريَّة الحدِّيَّة (2)، وتبعا لذلك فقد كان ينظر إلى المنفعة على أَنَّهَا شيء قابل للقياس، وأنَّ الوصول إلى توازن المستهلك يتحقَّق عندما يصل المستهلك الحدَّ الأعلى من المنفعة.
__________
(1) أحمد داود: محاضرات في الاقتصاد الجزئي، مرجع سابق، ص25.
(2) النظرية الحدِّيَّة: نظريَّة اقتصاديَّة ظهرت في حدود سنة 1870، مبنيَّة على فكرة أنَّ القيمة التبادليَّة لسلعة ما متوقِّفة على المنفعة التي تحقِّقها آخر وحدة منتجة من هذه السلعة. علية: القاموس الاقتصادي، ص451. (1/166)
صفحة 153
ب) وهي حديثة فهي تستبعد إمكانيَّة قياس المنفعة عدديًّا، ولا شكَّ أنَّ قياس المنفعة بوحدات عدديَّة ما هو إلاَّ ضرب من المستحيل، ذلك لأنَّ المنفعة التي يحصل عليها الفرد من الاستهلاك هي مسألة شخصيَّة تختلف من شخص لآخر (1).
فهي تقوم على تفضيل المستهلك كمِّيَّة معيَّنة من سلعة على كمِّيَّة من سلعة أخرى، أو تفضيل مجموعة من سلع مختلفة على مجموعة أخرى. وعلى هذا الأساس فالمستهلك يوزِّع دخله بين السلع والخدمات الاستهلاكيَّة حسب تفضيلاته وميوله، وفي إطار العوامل المحدَّدة للاستهلاك، ولذلك تسود قاعدة سيادة المستهلك حيث حرِّيَّة توزيع دخله بين السلع والخدمات دون قيد أو تدخُّل من المجتمع، حَتَّى ولو كان هذا الاستهلاك ترفيًّا أو ضارًّا بالفرد نفسه.
إلاَّ أنَّ هذه القاعدة تسود نظريًّا، أَمَّا في أرض الواقع، فإنَّ أجهزة التسويق المختلفة تبذل جهودا ضخمة، وتنفق أموالا طائلة للتأثير على سلوك وقرار المستهلك من خلال الدعاية والإعلان عبر وسائل الإعلام المختلفة، حَتَّى يغيِّر من قراراته، ويتَّجه وفق رغبات الشركات الإنتاجيَّة، دونما اعتبار لقواعد اجتماعيَّة أو أخلاقيَّة، مِمَّا يؤدِّي في النهاية إلى انحراف الإنتاج في الاستخدام الأمثل للموارد في توفير الاحتياجات الحقيقيَّة للمجتمع، والتوسُّع في إنتاج السلع الكماليَّة والترفيهيَّة على حساب الحاجات الأساسيَّة للمجتمع (2).
الفرع الثاني: الاستهلاك في النظام الاشتراكي:
إنَّ الدولة في النظام الاشتراكيِّ تقوم نيابة عن المجتمع بتخطيط كلٍّ من الإنتاج والاستهلاك، لتحقيق المستوى المناسب لهما، وفقا لتقديراتها، وهي تسعى لتوفير الاحتياجات الأساسيَّة للمواطنين بالسعر المناسب، أَمَّا الاحتياجات غير الأساسيَّة فهي ترفع أسعارها لتحقيق فائض مناسب لدعم الطاقة الإنتاجيَّة.
__________
(1) داود محَمَّد، محاضرات في الاقتصاد الجزئي، مرجع سابق، ص26.
(2) عفر، النظام الاقتصادي، مرجع سابق، ص157. (1/167)
صفحة 154
إنَّ هذا النمط من السلوك يحقق استخداما أفضل للموارد، وإشباعا أنسب للمستهلكين، إلاَّ أَنَّهُ يعاب عليه أَنَّهُ يتمُّ من وجهة نظر مجموعة من رجال التخطيط والاقتصاد على المستوى المركزيِّ لأجهزة الدولة، وليس للمستهلكين رأي في الأمر، وفي ذلك تقييد من حرِّيَّة المواطنين، وقد لا تتناسب ورغباتهم التي تتَّصف بالتنوُّع والتغيُّر (1).
المطلب السادس: الاستهلاك والإنفاق بين النظريَّة الوضعية والاقتصاد الإسلامي:
سوف نجري هذه المقارنة من خلال النقاط التالية:
أ) إنَّ أوَّل الاختلافات تتعلَّق بمفهوم التوازن، فالإسلام يهتمُّ بتوازن سلوك المستهلك، فهو يأمر بالاعتدال في النفقات، والابتعاد عن السرف والترف، بينما النظريَّة الوضعيَّة تهتمُّ بتوازن المستهلك نفسه، والفرق واضح بين توازن المستهلك وتوازن سلوك المستهلك.
فالنظريَّة الوضعيَّة تقوم على أساس الفلسفة المادِّيَّة، وهي تنظر إلى الكون والحياة نظرة مادِّيَّة بحتة، لذلك ترى الإنسان من جانبه المادِّيِّ ككائن له احتياجاته البيولوجيَّة، وترى أنَّه يحصل التوازن بتحقيق أكبر قدر من الإشباع (2).
لكن الإسلام بواقعيَّته، ينظر إلى الإنسان من حيث كونه خلقه الله من طين، ثُمَّ نفخ فيه من روحه، واستخلفه على الأرض، وفضَّله على سائر خلقه، وأكرمه بنعمة العقل والتفكير، لكي يؤدِّي رسالة سامية في هذه الحياة، فهو لا يفصل بين التكوين المادِّيِّ والتكوين الروحيِّ، لذلك كان طبيعيًّا أن يهتمَّ بسلوك المستهلك من حيث كونه سلوكا متوازنا أو سلوكا منحرفا، ووضع التعاليم والإجراءات لتقويمه وتسديده عند الانحراف.
__________
(1) عفر، النظام الاقتصادي، مرجع سابق، ص158.
(2) حسين غانم، مجلَّة الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، 531. (1/168)
صفحة 155
ب) إنَّ العوامل المهمَّة التي تدخل في تحديد قرارات المستهلك هي دخل الفرد والأسعار السائدة في السوق، فهو يسعى إلى تعظيم المنفعة بالحصول على السلع والخدمات التي يسمح بها دخله في ظلِّ الأسعار السائدة، فهو يحقِّق التوازن. طبقا للنظريَّة التقليديَّة، عندما تتساوى المنفعة الحدِّيَّة للنقود من كافَّة السلع والخدمات التي يحصل عليها، أمَّا طبقا لتحليل منحنيات السواء، فإنَّ شرط التوازن يتحقَّق عند النقطة التي يمسُّ فيه خطُّ الميزانيَّة ـ أي خطُّ الدخل ـ أحد منحنيات السواء. إنَّ هذا الشرط يتحقَّق مهما كان مستوى دخل المستهلك، فصاحب الدخل المنخفض الذي لا يحصل على إشباع كلِّ رغباته من السلع والخدمات يتوازن عندما تتساوى المنفعة الحدِّيَّة للنقود، أو عندما يمسُّ خطُّ الميزانيَّة أحد منحنيات سوائه، فهو طبقا لهذه النظريَّة في حالة توازن رغم الحرمان الذي يعاني منه.
ج) إنَّ هذه النظريَّة لا تتضمَّن أيَّ ضوابط وقيود للتحكُّم في سلوك المستهلك، بل تترك ذلك لمحض حرِّيَّته واختياره، فالمستهلك الذي يفضِّل كأسا من الخمر على شريحة من اللحم مثلا يقال عنه: إنَّه متوازن، والذي يحرم نفسه من الطيِّبات ويسرف في الملذَّات والشهوات يقال عنه: إنَّه متوازن، وهكذا يصبح مصطلح التوازن خاليًا من أيِّ محتوى موضوعيٍّ، لأَنَّهُ في الواقع لا يميِّز بين الاختلال والتوازن.
د) لو سلَّمنا بالرشد الاقتصاديِّ للمستهلك الذي تفرضه النظريَّة الوضعيَّة، أي أنَّ المستهلك يسلك سلوكا رشيدا في قراراته، إلاَّ أنَّ وسائل الدعاية التي تقوم بها المؤسَّسات الإنتاجيَّة، بمختلف أنواع الإشهار تؤثِّر على سلوك المستهلك، تجعله ينقاد إلى استهلاك سلعة معنيَّة تحت تأثير الإغراء، ولو كانت فيه مضرَّة له، مثل الإشهار لمختلف أنواع السجائر الذي تقوم به أجهزة الإعلام المختلفة، رغم أنَّ مضرَّتها محقَّقة.
إنَّ الإسلام لا يفترض تحقيق التوازن تلقائيًّا، ولا الرشد الاقتصاديّ؛ لأنَّ الناس (1/169)
صفحة 156
منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، فقد ألهم الله النفس البشريَّة فجورها وتقواها. لذلك يستخدم الإسلام وسائل فعَّالة من أجل ترشيد سلوك المستهلك، لكي تتحقَّق الوسطيَّة في الإنفاق والاستهلاك ويمنع كلُّ انحراف بالتقتير والإسراف، كما وضع أوَّليَّات الإنفاق ودرجاته.
ووسائل الإسلام في هذا السبيل: إمَّا ذاتيَّة، تنبع من شعور من ضمير المسلم وإيمانه ومراقبته لربِّه، وإمَّا وسائل يستخدمها وليُّ الأمر بتنفيذ التشريعات في هذا المجال، وهي ما ذكرناه في مباحث سابقة من الرسالة. (1/170)
صفحة 157
المبحث الرابع
الادِّخار والاكتناز في ظلِّ الاستخلاف
ذكرنا في المبحث السابق أنَّ المال بعد توزيعه يؤول إِمَّا إلى الاستهلاك أو إلى الادِّخار، وقد تقدَّم بحثنا في الاستهلاك والإنفاق في الإسلام مع مقارنة بالنظم الوضعيَّة، وتبقى القناة الأخيرة التي يصبُّ فيها المال وهي الادِّخار، الذي هو في الحقيقة الوعاء الذي يتجمَّع فيه المال، ليذهب مرَّة أخرى في دورة جديدة للإنتاج والاستثمار، أو إلى الاستهلاك، ولا يبقى في ذلك الوعاء إلاَّ ليتجمع لينطلق من جديد، فإن بقي في ذلك الوعاء يتحوَّل إلى الاكتناز الذي يحاربه الإسلام ويعاقب عليه أشدَّ العقاب، فيصبح كالماء الآسن الراكد في المستنقع، فما مفهوم الادِّخار في الإسلام، وما الفرق بينه وبين الاكتناز؟
هذا ما سنتناوله في هذا المبحث.
المطلب الأوَّل: معنى الادِّخار والاكتناز:
أ) لغة: الادِّخار: تخبئة الشَّيْء لاستخدامه عند الحاجة (1).
الاكتناز: من الكنز، وهو جعل المال بعضه على بعض وحفظه (2)، والكنز: المال المدفون. واكتنز: أجمع وامتلأ (3).
ب) اصطلاحا: الادِّخار: هو الفرق الحاصل بين الكسب الطيِّب والإنفاق المقتصد (4)، وفي اصطلاح الاقتصاديِّين: هو الفرق بين الدخل والاستهلاك، وبالتالي تخصيص الجزء الذي لم يذهب إلى الاستهلاك من الدخل للاكتناز أو للتوظيف أو التسليف أو الاستثمار المباشر، ويسمَّى الأَوَّل بالادِّخار العقيم؛ لأَنَّهُ لا يساهم في الإنتاج.
__________
(1) نزيه حماد، معجم المصطلحات الاقتصادية، مرجع سابق، ص39.
(2) الأصفهاني، معجم مفردات ألفاظ القرآن، مرجع سابق، ص360.
(3) الفيروزآبادي، القاموس المحيط، مرجع سابق، ج2، ص189. .
(4) شحاته، اقتصاد البيت المسلم، مرجع سابق، ص52. (1/171)
صفحة 158
ويعتبر الادِّخار المصدر الداخليَّ لتكوين رأس المال (1).
الاكتناز: بخلاف الادِّخار هو سحب النقد من التداول والاحتفاظ به دون توظيف أو استثمار (2).
من خلال هذه التعاريف يتجلَّى لنا الفرق الجوهريُّ بين الادِّخار والاكتناز، فالاكتناز هو جمع المال وتراكمه وسحبه من التداول، أمَّا الادِّخار فهو تخصيص جزء من الدخل لاستثماره من جديد، أو لمواجهة الطوارئ.
وقد شدَّد التشريع الإسلاميُّ في تحريم الاكتناز وتوعَّد المكتنزين بأشدِّ العذاب، لما يسبِّبه من ضرر فادح على اقتصاد الأمَّة، ومن ناحية أخرى شجَّع على الادِّخار، واعتبره من حسن التدبير.
المطلب الثاني: الاكتناز في القرآن الكريم:
إنَّ الآية الصريحة والواضحة في الاكتناز هي آية التوبة (3)، وقد توعَّدت الكانزين بأشدِّ العذاب، نظرا لفداحة الضرر الذي يلحقونه بالاقتصاد بسحبهم لجزء من الكتلة النقديَّة من التداول، وقد اختلف الفقهاء في المال المزكَّى هل يعتبر كنزا أو لا يسمَّى كنزا بإخراج الزكاة؟.
وقبل بيان أقوال الفقهاء في ذلك، ينبغي بيان تطوُّر معنى الاكتناز بتطوُّر دور النقود في الحياة الاقتصاديَّة، وإذ لم تكن النقود ـ التي تسكُّ نقودا ذهبيَّة أو فضِّيَّة أو من معادن أخرى ـ تتداول على نطاق وأسع في العهد الإسلامي الأَوَّل، فقد كانت المقايضة هي الأسلوب السائد في المبادلات. كما كان الاقتصاد اقتصادا زراعيًّا بالدرجة
__________
(1) عُليه، القاموس الاقتصادي، مرجع سابق، ص24.
(2) المرجع نفسه، ص62.
(3) {وَالذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ اَلِيمٍ ... } [التوبة:34]. (1/172)
صفحة 159
الأولى، كما أنَّ الحاجات الإنسانيَّة لم تكن متنوِّعة متعدِّدة كما هي الآن، كلُّ هذه العوامل جعلت النقود لا تؤدِّي الوظيفة الحسَّاسة التي أصبحت تؤدِّيها الآن، إذ هي العصب الرئيسيُّ للاقتصاد المعاصر، فحبسها عن التداول يؤدِّي إلى ضرر اقتصاديٍّ بالغ.
لذلك كانت نظرة المفسِّرين القدامى وجمهور الفقهاء إلى الاكتناز من الجانب الدينيِّ، فقد أكَّدوا أنَّ المال إذا أدِّيت زكاته ليس بكنز، قال ابن عمر: «ما أُدِّي زكاته فليس بكنز، وان كان تحت سبع أرضين، وكل ما لم تؤدَّ زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض» (1). غير أنَّ هناك من الصحابة من يرى خلاف ذلك، فهذا الإمام عليُّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهه يقول: «ما كثر من المال فهو كنز، وإن أدَّيت زكاته» (2). فهو لم يحدِّد هذه الكثرة بمعيار مضبوط، إلاَّ أنَّ هناك من يذهب إلى التشديد أكثر، فيرى أنَّ ما فضل عن حاجة الإنسان فهو كنز يجب التصدُّق به، فقد روي عن الصحابيِّ الجليل أبي ذرٍّ الغفاريِّ: «الكنز ما فضل عن الحاجة» (3).
وإذا أخذنا برأي الجمهور، فالمال المكنوز سيتناقص بالتدريج بالزكاة وسيزول لا محالة من يد صاحبه، فمن حكمة تشريع الزكاة تحفيز الاستثمار ومنع الاكتناز، وإيجاب الزكاة في المال النامي بالقوَّة أو بالفعل يَدُلُّ دلالة قاطعة على محاربة اكتناز النقود وتجميدها وتعطيل وظائفها، إذ إنَّ النقود مال نام حكما بالقوَّة (4)، وإيجاب الزكاة فيه ولو لم يكن لها نماء بالفعل مدعاة لعدم اكتنازها.
وقد اتَّجه التشريع الإسلاميُّ إلى تحريم كلِّ ما يمنع ويصدُّ عن الإنتاج، ويعيق التنمية، وليس كنز المال فحسب، فقد منع الفقهاء أيضا تحجير الأرض من أجل إحيائها أكثر من ثلاث سنين، فإن لم يستثمرها يحقُّ لوليِّ الأمر أخذها منه ودفعها
__________
(1) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق، مج4، ص80.
(2) المصدر نفسه والصفحة نفسها.
(3) المصدر نفسه والصفحة نفسها.
(4) القرضاوي: فقه الزكاة، مرجع سابق، ج1، ص142. (1/173)
صفحة 160
لمن يحييها (1).
مضارُّ الاكتناز:
إنَّ الاكتناز يقلِّل من الرزق وفرص الكسب، فبقاء الأموال مسحوبة من التداول تشكِّل خطرا على الاقتصاد، فعدم تداول النقود يُوقف عجلة التنمية، وهو ما ينتج عنه انخفاض مستوى المعيشة، وانتشار البطالة، وضعف القدرة الشرائيَّة تؤثِّر في تقليل الإنتاج، وبالقضاء على الاكتناز تتدفَّق الأموال على جميع مجالات الإنتاج (2)، فحبسه تعطيل لوظيفته في توسيع ميادين التنمية.
ويعتبر كتاب طاهر بن الحسين (3) إلى ابنه عبد الله أحسن بيان في مضارِّ الاكتناز: «واعلم أنَّ الأموال إذا كنزت وادُّخرت في الخزائن لا تنمو، وإذا كانت في صلاح الرعيَّة وإعطاء حقوقهم، وكفِّ الأذية عنهم نمت وزكت وصلحت به العامَّة، وبرحت به الولاية، وطاب به الزمان، واعتقد فيه العزُّ والمنفعة، فليكن كنز خزانتك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله» (4).
كما صوَّر الإمام الغزاليُّ النقدين حاكما بين المسلمين، نظرا للوظيفة التي تقوم بها النقود في المبادلات، وإنَّ اكتنازهما كمن حبس الحاكم عن القيام بمهامِّه المنوطة به، يقول: «فكلُّ من عمل فيهما ـ النقدين ـ عملا لا يليق بالحكم بل يخالف الغرض المقصود بالحكم، فقد كفر نعمة الله فيهما ... فإنَّ من كنزهما فقد ظلمهما، وكان كمن حبس حاكم المسلمين في سجن يمتنع عليه الحكم بسببه، لأَنَّهُ إذا كنز فقد ضيَّع الحكم، ولا يحصل الغرض المقصود به» (5).
ويستطرد في بيان وظيفة النقود: «وما خلقت الدراهم والدنانير لزيد أو عمرو خاصَّة، إذ لا غرض للآحاد في أعيانهما، فإنَّهما حجران، وإنَّما خلقا لتتداولهما الأيدي، فيكونا حاكمين بين الناس، وعلامة معرفة المقادير، ومقوِّمة للمراتب» (6).
فهل يبقى لنا الآن القول بأنَّ تكديس الأموال ـ وإن أدِّيت زكاته ـ ليس بالكنز الذي وعد الله أصحابه بأشدِّ أنواع العذاب؟.
وخلاصة القول: إنَّ الاكتناز يشمل منع الزكاة وحبس المال، فمنع الزكاة منع للإنفاق في سبيل الله، وحبس المال تجميد وإخلال بوظائفه التي خلق من أجلها، وهي التداول والدوران.
المطلب الثالث: الاكتناز في الاقتصاد الوضعي:
يرى الاقتصاد الوضعيُّ أنَّ الاكتناز هو الادِّخار العقيم، لأَنَّهُ سحب النقود من التداول، فهو يحرم الاقتصاد جزءًا من الكتلة النقديَّة، فيؤثِّر سلبا على سوق المبادلات.
ويرتفع مستوى الاكتناز عند انخفاض أسعار الفائدة، إذ تغدو غير مشجِّعة على الاستثمار، أو في حالة عدم الاستقرار السياسيِّ والاجتماعيِّ، فيفضِّل الأفراد اكتناز النقود إحجاما عن المخاطرة بها في ظلِّ تلك الظروف.
وقد حاول بعض الاقتصاديِّين معالجة ظاهرة الاكتناز باقتراح تحديد مدَّة صلاحيَّة النقود، ومن ثَمَّ فقد قيمتها بعد مضيِّ مدة معيَّنة من الزمن فتبطل صلاحيَّتها للادِّخار والكنز، وتسمَّى هذه العملة المقترحة بالعملة الدائبة (7).
__________
(1) انظر المبحث الثالث من الفصل الرابع من الرسالة، ص241.
(2) الخالدي، سوسيولوجيا الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص62.
(3) طاهر بن الحسين: مشهور بكتابه الذي أرسله إلى ابنه عبد الله لَمَّا ولاَّه المأمون على مصر.
(4) ابن خلدون: المقدِّمة، مرجع سابق، ص546.
(5) الإمام أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، كتاب الشكر، ج4، ص91 - 92.
(6) المرجع نفسه، والصفحة نفسها.
(7) القرضاوي: مجلَّة الاقتصاد الإسلامي، سنة87، ع. 68،، 6/ 297. (1/174)
صفحة 161
كما اقترح بعضهم فكرة أخرى، وهي فرض «دمغة» أي ضريبة شهريَّة على كلِّ ورقة نقدية، حَتَّى يحاول كلُّ من يحوزها في يده التخلُّص منها قبل نهاية الشهر وهذا يؤدِّي إلى نشاط التبادل واتِّساع حركة التداول، وإنعاش الاقتصاد بوجه عامٍّ (1).
ولو قارنَّا بين هذه الحلول المقترحة، والتي واجهت صعوبات على أرض الواقع، وبين العلاج الإسلاميِّ، لوجدنا الحلَّ الإسلاميَّ حلاًّ واقعيًّا، ينبع من عقيدة المسلم وإيمانه، وذلك على صعيدين:
أ) فالإسلام يحرِّم الاكتناز، ويعد الكانزين بأشدِّ العقاب، كما يحثُّ على الإنفاق والصدقات والاستثمار.
ب) طريقة عمليَّة بسيطة تقاوم الاكتناز، وهي فرض 2.5 % كزكاة على الأموال، مِمَّا يحفِّز الإنسان حفزا إلى تنمينها واستغلالها، حَتَّى تنمو فعلا، وتدرَّ دخلا منتظما، وإلاَّ أكلتها الزكاة بمرور الأيَّام (2).
المطلب الرابع: الادِّخار وعاء الاستثمار:
بيَّنَّا الفرق الجوهريَّ بين الادِّخار والاكتناز، وذكرنا مضارَّ الاكتناز وحكم الإسلام فيه، فما هو موقف الإسلام من الادِّخار؟.
لقد وضع الإسلام القواعد التي تنظِّم الادِّخار على النحو التالي (3):
1) ادِّخار ما يفيض عن الحاجات الأساسيَّة:
إذا كان الإسلام يحثُّ على الاقتصاد في النفقة والوسطيَّة فيها، فَإِنَّهُ يحثُّ على ادِّخار ما يفيض عن الحاجات الأساسيَّة، فالرسول J يقول: «رحم الله امرءًا
__________
(1) محمود أبو السعود: خطوط رئيسيَّة في الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص42.
(2) القرضاوي: مجلَّة الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص297.
(3) حسين شحاته: اقتصاديات البيت المسلم، مرجع سابق، ص53. (1/175)
صفحة 162
اكتسب طيِّبا وأنفق قصدا، وقدَّم فضلا ليوم فقره وحاجته» (1)، والمسلم يمرُّ بحالات الرخاء وسعة الرزق، كما يمرُّ بحالات شدَّة وضيق في الرزق، لذلك يجب أن يأخذ من وقت الرخاء لوقت الشدَّة، القول نفسه يقال على الادِّخار على مستوى الأمَّة.
فقد قصَّ لنا القرآن الكريم في سورة يوسف كيف وضع سيِّدنا يوسف خطَّة اقتصاديَّة لمواجهة الأزمة الغذائيَّة بسبب الجفاف الذي تنبَّأ به من خلال تعبيره لرؤيا الملك، فكان من بين الإجراءات التي اتَّخذها: الحدُّ من الاستهلاك، وادِّخار ما فضل عن الحاجة. يقول تعالى: {ثُمَّ يَاتِي مِنم بَعْدِ ذَالِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَاكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ} [يوسف:48]. والإحصان هو حفظ الشَّيْء بحرص شديد يكاد يبالغ بصاحبه حرصه على الشرف، وإذا تعلَّق هذا الحرص بالموارد الغذائيَّة فإنَّ الأمر لا يخرج عن مدلول الادِّخار بالتعبير الاقتصاديِّ (2).
2) الادّخار لصالح الأجيال القادمة:
يحثُّ الإسلام على أن يستشعر الوالدان على مستوى الأسرة، ووليُّ الأمر على مستوى الدولة، أنَّ للأجيال القادمة حقًّا في أموالهم، فلا يبذِّروا ولا يسرفوا في استنزاف خيرات الأسرة والأمَّة، وأن يضعوا في حسبانهم الاستثمار والادِّخار لصالح الأجيال اللاحقة، ولقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك: {وَالذِينَ جَآءُوا مِنم بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الذِينَ سَبَقُونَا بِالاِيمَانِ} [الحشر:10].
وقد كان من أسباب عدم تقسيم سيِّدنا عمر بن الخطَّاب لأراضي الفتوحات أَنَّهُ رأى لو قسِّمت لَمَا وجد لمن يأتي من بعد أرضا ولا خراجا (3).
والسنَّة النبويَّة حافلة بالأحاديث التي تؤكِّد ذلك، منها قول الرسول J : « إنَّك
__________
(1) منتخب كنز العمَّال، بهامش مسند الإمام أحمد بن حنبل، مرجع سابق، مج2، ص208.
(2) سمير نوفل: مجلَّة الاقتصاد الإسلامي، ع57، سنة 86، 5/ 360.
(3) انظر المبحث الرابع من الفصل الثالث من هذه الرسالة، ص205. (1/177)
صفحة 163
أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكفَّفون الناس» (1).
وفي ذلك تحسيس للآباء بأن يدَّخروا لأبنائهم من بعدهم، وهكذا تتواصل الأجيال، ويترحَّم بعضهم على بعض. وفي ذلك حثٌّ على عدم الإسراف والتبذير وتبديد الأموال في الحاجات الآنيَّة.
هكذا تتجلَّى لنا صورة الادِّخار في الإسلام على مستويين:
1 - ادِّخار لمواجهة الطوارئ، والتحسُّب لتقلُّبات الدهر.
2 - ادِّخار لصالح الأجيال القادمة على مستوى الأسرة والأمَّة، ولا يتأتَّى ذلك بتكديس الأموال في الخزائن وإنَّما بإنشاء وإقامة المشاريع الاقتصاديَّة التي تدرُّ إيراداتها على الأجيال القادمة.
وإذا كان الادِّخار وعاء الاستثمار ـ كما أشرنا ـ فعلى وليِّ الأمر تشجيع الأفراد عليه، وإبراز فوائده، بفتح صناديق للادِّخار على الطريقة الإسلاميَّة الخالية من الربا. أو القيام بالادِّخار الإجباريِّ باقتطاع جزء من أجور الموظَّفين والعمَّال، واستثماره في المشاريع الإنمائيَّة، ثُمَّ إعادته إليهم في صورة تحويلات المعاش حين بلوغهم سنَّ التقاعد.
ولقد سنَّت النظم الوضعيَّة أنواعا من الادِّخار، فلا بأس للاقتصاد الإسلاميِّ أن يستفيد من هذه الأساليب والنظم المتطوِّرة شرط أن يخلِّصها من شائبة الربا القائمة عليه.
__________
(1) أخرجه البخاريُّ، كتاب الوصايا، ج5، ص363، رقم 2742. (1/178)
صفحة 164
خلاصة الفصل الرابع:
بعد استعراض نظريَّة التوزيع في الاقتصاد الإسلاميِّ، نصل إلى النتائج الآتية:
- أوَّلاً: ينظر الاقتصاد الإسلاميُّ إلى عمليَّة التوزيع بنظرة شاملة ومميَّزة عن النظم الوضعيَّة. فالتوزيع يتمُّ على مستويين:
1 - مستوى توزيع مصادر الإنتاج.
2 - مستوى توزيع الثروة المنتجة.
فالمستوى الأَوَّل لا تدرجه النظم الوضعيَّة ضمن نظريَّة التوزيع، فالرأسمالية تترك ذلك لمبادرة الأفراد والشركات الاحتكاريَّة، بينما الاشتراكيَّة تجعل مصادر الإنتاج تحت تصرُّف الدولة، بينما الإسلام أولى عناية فائقة بهذا الجانب من التوزيع الذي يسبق الإنتاج. فنظَّم ملكيَّة وسائل الإنتاج من أراضي ومعادن وغيرها من الثروات المبثوثة في الطبيعة، فالانحراف في التوزيع يبدأ من كيفيَّة ملكيَّة وسائل الإنتاج.
- ثانيا: وضع الاقتصاد الإسلامي معايير للتوزيع تتَّفق مع طبيعة الإنسان، وتنسجم مع هدفه في الحياة، فالمعيار الأَوَّل والأساسيُّ هو العمل، ثُمَّ يليه في الترتيب معيار الحاجة، الذي ينال بموجبه كلُّ فرد في المجتمع حقَّه من خيرات الأمَّة.
- ثالثا: يستقي الاقتصاد الإسلاميُّ أسسه ومبادئه من تطبيقات الرسول J ، ومن اجتهادات الصحابة رضوان الله عليهم، ومنهم الخليفة عمر بن الخطَّاب، الذي أرسى منهجا مثاليًّا في التوزيع، ينبغي على فقهاء الاقتصاد الإسلاميِّ في الوقت الحاضر دراسته وإسقاطه على الواقع المعيش.
- رابعا: إنَّ التكافل الاجتماعيَّ في الإسلام هو تطبيق وتنفيذ لمعيار الحاجة في نظريَّة التوزيع الذي يتمُّ ضمن دوائر متكاملة، من الأسرة إلى المجتمع إلى الدولة. (1/179)
صفحة 165
- خامسا: إنَّ الإنفاق في الإسلام لا يعني فقط التصدُّق على الفقراء والمساكين، بل مفهومه يتَّسع في الاقتصاد الإسلامي ليشمل ما ينفقه وليُّ أمر المسلمين، إمَّا على سبيل توفير حدِّ الكفاية، أو الإنفاق على المرافق العامَّة، أو التكفُّل بالحاجات العامَّة للأفراد، كما يشمل أيضا إنفاق الأفراد، سواء أكان إنفاقا استهلاكيًّا على النفس والعيال والقرابة، أم إنفاقا استثماريًّا في إقامة المشاريع الإنمائيَّة.
فهذا المفهوم الشامل للإنفاق يجعله من صميم عقيدة المسلم التي تؤكِّد أنَّ المال مال الله، والبشر مستخلفون فيه.
وهذا المفهوم لا نجده في النظم الوضعيَّة التي ترى الإنفاق من جانبه المادِّيِّ النفعيِّ.
- سادسا: بقدر ما حارب الإسلام الاكتناز، وتوعَّد المكتنزين بأشدِّ العذاب لما يسبِّب من أضرار اجتماعيَّة واقتصاديَّة، بقدر ما شجَّع الادِّخار، الذي هو وعاء الاستثمار، حيث تتجمَّع الأموال لتنطلق من جديد في دائرة الإنتاج.
ونلاحظ أنَّ النظم الوضعيَّة تلتقي مع الاقتصاد الإسلاميِّ في نظرتها إلى الاكتناز، فتسمِّيه: الادِّخار العقيم، إلاَّ أنَّهما يختلفان في طرق محاربته ومكافحته.
k (1/180)
صفحة 166
صفحة 312 بيضاء (1/181)
صفحة 167
- ... -
الخاتمة
- ... - (1/182)
صفحة 168
بعد البحث والاستقصاء في نظريَّة الاستخلاف وأثرها على وظيفة المال، لا أدَّعي أنِّي قد أعطيت الموضوع ما يستحقُّه من بحث وتمحيص، فبضاعتي قليلة، وتجربتي قصيرة، بل لا يزال الموضوع في حاجة إلى مزيد من البحث وتسليط الأضواء على مختلف جوانبه، ذلك أنَّ البحث في الاقتصاد الإسلاميِّ بصفة عامَّة مازال بكرا، رغم العشرات بل المئات من البحوث والرسائل الجامعيَّة التي قُدِّمت، وحاولت الكشف عن الجانب الاقتصاديِّ للشريعة الإسلاميَّة، التي هي الأساس الذي يعتمد عليه وجود الاقتصاد الإسلاميِّ، فهي تقدِّم للنظام الاقتصاديِّ الإسلاميِّ مذهبه الذي يحدِّد فلسفة النظام وأسسه وغايته.
إنَّ نظريَّة الاستخلاف تعتبر سلسلة من حلقات ارتباط الشريعة الإسلاميَّة بالاقتصاد الذي هو جزء من النظام الإسلاميِّ الشامل لجميع مجالات الحياة: الفكريَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة.
لقد توصَّلت إلى نتائج أرجو أن يستفيد منها الباحثون في مجال الفكر الإسلاميِّ، الذي يجب أن تُعاد قراءته بنظرة عصريَّة، فعلى العاملين في مجال الدعوة التركيز على نظرة الإسلام إلى المال، باعتبارها جزءا من العقيدة الصحيحة، كما ألفتُ انتباه من بيدهم اتِّخاذ القرارات الاقتصاديَّة إلى أنَّ الإسلام يقدِّم الحلول لكُلِّ المشاكل التي تتخبَّط فيها الاقتصاديَّات العصريَّة.
ويمكن حصر النتائج كالآتي:
1 - إنَّ نظريَّة الاستخلاف جزء من عقيدة المسلم التي يجب أن تتأصَّل في القلوب، وتُترجم إلى سلوك عمليٍّ، فهي صمام أمان يربط السلوك الاقتصاديَّ الفرديَّ والجماعيَّ بتعاليم المستخلِف عزَّ وجلَّ. فإذا استقرَّت هذه العقيدة في النفوس وتمكَّنت من القلوب تغيَّرت نظرة الناس إلى المال المثقلة بالمادِّيَّة الضيِّقة لتتَّسع في رحاب المفهوم الإسلامي. (1/184)
صفحة 169
2 - إنَّ الاستخلاف والأمانة التي تحمَّلها الإنسان هما وجهان لعملة واحدة، فالإنسان استُخلف على الأرض ليتحمَّل المسؤوليَّة، وليحقِّق الغاية من وجوده، وهي عبادة الله.
3 - من الأصول العامَّة التي ينبني عليها الاقتصاد الإسلاميُّ أنَّ المال مال الله، والبشر مستخلفون فيه. فهذا الأصل له تأثير إيجابيٌّ هامٌّ على تملُّك المال وإنتاجه وتوزيعه واستهلاكه. بينما الاقتصاديَّات الوضعيَّة أبعدت العقيدة عن الاقتصاد، فأفرزت وضعا قلقا مضطربا متغيِّرا.
4 - يقتضي الاستخلاف أن يتحمَّل الإنسان نتائج أعماله، فهو يخضع لسنن كونية بغير إرادة منه، فينبغي له أن يخضع أيضا في سلوكه ـ بإرادة منه ـ إلى شريعة ربَّانيَّة، فحتَّى تتمَّ محاسبته محاسبة شخصيَّة، فقد زوَّده خالقه بالعقل المميِّز، ليختار منهجه بحرِّيَّة وإرادة منه.
5 - حدَّد المستخلِف ضوابط واضحة ومعالم بارزة تسيِّر الإنسان على هديها، ويمكن ضبطها على صعيدين:
أ) على الصعيد العامِّ، وهي الضوابط التي يتقيَّد بها الإنسان بصفته خليفة الله في أرضه.
ب) على الصعيد الخاصِّ، بصفته مالكا للمال ـ وهو مدار بحثنا ـ وعلى ضوء هذه الضوابط يمكن تقسيم الاستخلاف إلى استخلاف عامٍّ واستخلاف خاصٍّ، فالخاصُّ يشمل فيما يشمل الاستخلاف على الأموال.
6 - نظريَّة الاستخلاف نظريَّة أصيلة، يتبلور مفهومها من القرآن الكريم الذي أكَّد عليها، فنفيها يصطدم مع كثير من الآيات التي جاءت لتقرِّرها، وتلحُّ عليها، وتظهرها بصورة لا غموض فيها ولا إبهام.
7 - الملكيَّة في الإسلام منحة إلهيَّة ذات طبيعة استخلافيَّة، يتحدَّد مفهومها في (1/185)
صفحة 170
علاقة ثابتة بين البشر وخالقهم، وتقوم بوظائفها في إطار الأهداف التي رسمها المالك الحقيقيُّ.
أَمَّا الملكيَّة في النظم الوضعيَّة فتقوم ضمن العلاقة بين البشر أنفسهم، وتتغيَّر طبيعتها حسب تغيُّر تلك النظم.
8 - نظرة الإسلام إلى المال تنبع من نظرته إلى الإنسان ذاته كخليفة، وتعطيه أبعادا متعدِّدة متكاملة شاملة.
9 - بناء على أنَّ الملُك الحقيقيَّ لله فوسائل كسب المال محدَّدة من مصادر التشريع الإسلاميِّ، وما عداها فسُحت واغتصابٌ وأكلٌ لأموال الغير بالباطل.
10 - يقوم الاقتصاد الإسلاميُّ على ازدواجيَّة الملكيَّة: عامَّة وخاصَّة، استجابة للفطرة الإنسانيَّة في حبِّ التملُّك، لكن أحاطها التشريع الإسلاميُّ بجملة من الضوابط لتقوم بهدفها في إطار خلافة الإنسان.
والوقائع التاريخيَّة تَدُلُّ على وجود الملكيَّة العامَّة منذ بناء الدولة الإسلاميَّة في المدينة على يد الرسول J ، وهي تعكس الواقع الاقتصاديَّ لتلك الفترة، فقد حدَّد التشريع الإسلاميُّ دورها وأهدافها، ووليُّ الأمر هو المسؤول عن الملكيَّة العامَّة، وإذا اختلف الفقهاء في شكل ملكيَّة بعض الأموال، فإنَّ ذلك يَدُلُّ على سعه ومرونة الشريعة الإسلاميَّة. إلاَّ أنَّ معيار التفرقة بين الملكيَّتين يبقى هو الحكَم في ذلك.
11 - إنَّ الحاكم في ظلِّ الإسلام يستمدُّ مشروعيَّته من الله أوَّلا، الذي هو مالك الملك، وعليه أن يلتزم بتعاليمه، ثُمَّ من الرعيَّة الذين أبرم معهم عقد الإمامة، فعليه تحقيق مصالح الأمَّة بما يتَّفقُ ومقتضى الشرع.
12 - حدَّد الفقهاء وظائف النقود بدقَّة قبل بروز الاقتصاد الحديث بقرون، ووضعوا كلَّ الإجراءات لحمايتها والمحافظة على قيمتها وقوَّتها الشرائيَّة، وأكَّدوا على اختصاص وليِّ الأمر بسكِّها وتداولها. (1/186)
صفحة 171
لا يؤيِّد الفقه الإسلاميُّ أسلوب التمويل بالعجز، الذي تستعمله الدول في الوقت الحاضر كنوع من الإيرادات لتغطية العجز في موازينها؛ لأَنَّهُ يؤدِّي إلى التضخُّم، وفي ذلك ضرر جسيم باقتصاد الأمَّة، فلا ضرر ولا ضرار في الإسلام.
13 - ومن أوكد وظائف وليِّ الأمر: تحقيق التوازن الاقتصاديِّ، ويقاس مدى التقدُّم لدولة ما بمدى تحقيق حدِّ الكفاية للأفراد، والوفاء بالحاجات العامَّة.
ومن مهامِّ وليِّ الأمر مراقبة الملكيَّة الفرديَّة، وتتمثل هذه المهمَّة في المظاهر الآتية:
أ - الحسبة.
ب - التحجير.
ج - نزع الملكيَّة الخاصَّة لمصلحة عامَّة.
14 - إنَّ العلاقة بين الاستخلاف والعمارة علاقة تلازميَّة، فلا استخلاف بلا عمارة، كما لا عمارة ـ مهما كانت نتائجها المادِّيَّة ـ بدون ارتباطها بالرسالة الاستخلافيَّة.
فقد سبق الإسلام بالدعوة إلى العمارة من خلال النصوص الشرعيَّة وتوجيهات ولاة أمور المسلمين وكتابات الفقهاء والمفكِّرين، وإن أخذت مفهوما ومصطلحا متميِّزا، إلاَّ أَنَّهَا تنفي الزعم بأنَّ التنمية الاقتصاديَّة هي وليدة النهضة الأوروبيَّة.
15 - تتميَّز العمارة بخصائص لا نظير لها في النظم الأخرى، مِمَّا يضفي عليها طابع الشموليَّة والتوازن بين كافة مهامِّ الإنسان، المادِّيَّة والروحيَّة، فالعمارة ليست نتاجا مادِّيًّا فحسب، بل هي عبادة من أَجَلِّ العبادات إلى جانب كونها فريضة لا تقلُّ شأنا عن الفرائض الأخرى.
16 - وضع الاقتصاد الإسلاميُّ معايير للتوزيع تتَّفق مع طبيعة الإنسان، وتنسجم (1/187)
صفحة 172
مع هدفه في الحياة، فالمعيار الأَوَّل والأساسيُّ هو العمل، ثُمَّ يليه في الترتيب معيار الحاجة، الذي ينال بموجبه كلُّ فرد في المجتمع حقَّه من خيرات الأمَّة.
17 - يستقي الاقتصاد الإسلاميُّ أسسه ومبادئه من تطبيقات الرسول J ، ومن اجتهادات الصحابة رضوان الله عليهم، ومنهم الخليفة عمر بن الخطَّاب الذي أرسى منهجا مثاليًّا في التوزيع، ينبغي على فقهاء الاقتصاد الإسلاميِّ في الوقت الحاضر دراسته وإسقاطه على الواقع المعيش.
18 - إنَّ التكافل الاجتماعيَّ في الإسلام هو تطبيق وتنفيذ لمعيار الحاجة في نظريَّة التوزيع، الذي يتمُّ ضمن دوائر متكاملة من الأسرة إلى المجتمع إلى الدولة.
19 - الإنفاق في الإسلام لا يعني فقط التصدُّق على الفقراء والمساكين، بل مفهومه يتَّسع في الاقتصاد الإسلاميِّ ليشمل ما ينفقه وليُّ الأمر إمَّا على سبيل توفير حدِّ الكفاية، أو الإنفاق على المرافق العامَّة، أو التكفُّل بالحاجات العامَّة للأفراد، كما يشمل إنفاق الأفراد سواء أكان إنفاقا استهلاكيًّا على النفس والعيال والقرابة أم إنفاقا استثماريًّا في إقامة المشاريع الإنمائيَّة، فهذا المفهوم الشامل للإنفاق يجعله من صميم عقيدة المسلم التي تؤكِّد على أنَّ المال مال الله والبشر مستخلفون فيه، وهو ما لا يوجد في الاقتصاد الوضعيِّ.
20 - بقدر ما حارب الإسلام الاكتناز وتوعَّد المكتنزين بأشدِّ العذاب لما يسبِّبه من أضرار اقتصاديَّة واجتماعيَّة، بقدر ما شجَّع الادِّخار الذي هو وعاء الاستثمار، حيث تتجمَّع الأموال لتنطلق من جديد في دائرة الإنتاج.
ونلاحظ أنَّ الاقتصاد الوضعيَّ يلتقي مع الاقتصاد الإسلاميِّ في نظرته إلى الاكتناز، فيسمِّيه بالادِّخار العقيم، إلاَّ أنَّهما يختلفان في طرق محاربته ومكافحته. (1/188)
صفحة 173
التوصيات:
باستعراض أهمِّ نتائج البحث أكون قد أشرفت على نهاية جولتي في مضمار الموضوع، وأغتنم هذه الفرصة لأقدِّم التوصيات الآتية:
- إلى الباحثين ..
ألفت الانتباه إلى أنَّ التحدِّي الذي يواجه المسلمين في الوقت الحاضر هو التحدِّي الاقتصادي بالدرجة الأولى، فقد أشهر الغرب هذا السلاح من خلال أنظمته الماليَّة، فعلى الباحثين إظهار موقف الإسلام من جميع القضايا الاقتصاديَّة المطروحة، وبيان أَنَّهُ قادر على مقابلة هذا التحدِّي بنظام إسلاميٍّ شامل لِكُلِّ نواحي الحياة .. بدلا من طرح المواضيع التي أشبعت بحثا وتحميصا.
- إلى المعاهد والجامعات الإسلاميَّة ..
- فتح المزيد من التخصُّصات لدراسة الاقتصاد الإسلاميِّ دراسة مقارنة مع علم الاقتصاد الوضعيِّ، كما هو حاصل في بعض الأقطار العربيَّة والإسلاميَّة، حيث يتحصَّل الطالب على المعرفة العلميَّة لعلم الاقتصاد إلى جانب تضلُّعه في العلوم الشرعيَّة.
- عقد ندوات ولقاءات لطرح المشاكل الاقتصاديَّة التي تواجه اقتصادنا من منظور إسلاميٍّ.
- تزويد المكتبات بالمصادر والمراجع في هذا التخصص، فلا يمكن تصوُّر خلوُّ مكتبة لجامعة إسلاميَّة من مصادر مثل: الأموال لأبي عبيد، والخراج لأبي يوسف، وغيرهما من المراجع المهمَّة.
- إلى رجال الاقتصاد والسياسة ..
إنَّ من أسباب تخلُّف الأمَّة الإسلاميَّة استيرادها لأفكار وأنظمة الغير، ولنا في الإسلام غناء في كلِّ المجالات، خاصَّة من الناحية الاقتصاديَّة، فلو طبِّقت النظريَّة (1/189)
صفحة 174
الإسلاميَّة للاقتصاد لضمنَّا تنمية اقتصاديَّة حقيقيَّة، ومجتمعا إسلاميًّا يسوده الرخاء والاستقرار.
والحمد لله والصلاة والسلام على رسوله أوَّلاً وآخرا. (1/190)