صفحة 1
الكتاب: وجهة نظر في مسألتَيْ رفع اليديْن وقبضهما في الصلاة لإبراهيم بولرواح
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] مركز الدراسات الإباضية
وجهة نظر في مسألتي رفع اليدين وقبضهما في الصلاة
إبراهيم بن علي بولرواح
بسم الله الرحمن الرحيم
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: 13).
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} (الأحزاب: 70 - 71)
فهرس المحتويات
مقدمة: 8
المبحث الأول: مسألة الرفع 10
* رأي الإباضية وأدلتهم وجوابهم عن أدلة المثبتين للرفع: 10
* رأي الشيعة وأدلتهم: 11
* عند المذاهب الأربعة (الذين يسمون أنفسهم أهل السنة) (): 13
المسألة الأولى: مواضع الرفع في الصلاة: 13
المسألة الثانية: حُكْم الرفع: 14
المسألة الثالثة: كيفية الرفع: 15
المسألة الرابعة: وقت الرفع: 15
المسألة الخامسة: إلى أين يرفع: 16
المسألة السادسة: الحكمة من الرفع: 16
ثانيا: دراسة أسانيد ومتون الأحاديث النافية والأحاديث المثبتة للرفع: 18
1) الأحاديث النافية للرفع: 18
2) الأحاديث المثبتة للرفع: 21
ثالثا: مناقشة بعض الأمور والملابسات المتعلقة بمسألة الرفع: 37
الأمر الأول: البون الشاسع بين الأقوال 37
الأمر الثاني: مناقشة حُكْم الرفع عند القائلين به: 38
الأمر الثالث: الاضطراب: 40
الأمر الرابع: مناقشة حِكَم الرفع: 40
الأمر الخامس: الرفع منافٍ للخشوع: 45
المبحث الثاني: مسألة القبض 64
أولا: آراء المذاهب في المسألة: 64
* رأي الإباضية، وأدلتهم، وجوابهم عن أدلة المثبتين للقبض: 64
* رأي الشيعة، وأدلتهم: 64
أ- الشيعة الإمامية: 64
ب- الشيعة الزيدية: 65 (1/1)
صفحة 2
* رأي المذاهب الأربعة (أهل السنة كما يسمون أنفسهم) وأدلتهم على القبض: 66
ثانيا: الأحاديث الواردة في مسألة القبض نفيا وإثباتا: 66
أ ما ورد بشأن النفي: 66
ب- ماورد بشأن إثبات القبض: 67
ثالثا: مسألة القبض من حيث الملابسات المرتبطة بها: 74
رابعا مسألة القبض من حيث قواعد الترجيح: 79
خاتمة 79
مقدمة:
إن مما يحز في النفس هو إصرار فريق من المسلمين على اتهام فريقا آخر من إخوانهم المسلمين بالبدعة، وترك السنة، وما إلى ذلك من التهم؛ بسبب مخالفتهم لهم في بعض الأمور الجزئية الفرعية من شريعتنا الغراء، متناسين أن الاختلاف في الفرعيات لم يقع -في الغالب- إلا بسبب اختلاف وجهات النظر في ثبوت دليل أو تأويله، وما إلى ذلك.
ومن المسائل التي لا يزال الأخذ والرد في شأنها من اهتمام عدد غير يسير من المسلمين مسألتا رفع اليدين وضمهما في الصلاة. ولما كانت الأغلبية في بعض البلدان الإسلامية لمن يرى الرفع والقبض كان الحرج يلاحق من لا يراهما من إخوانهم الأغلبية، أو عند وجود من لا يرفع ولا يقبض في بلاد لا تعرف إلا الرفع والقبض. ويا ليت الأمر توقف عند السؤال عن المعتمد في المخالفة، أو عند حب الاطلاع على جوانب شريعتنا السمحة التي أقرت اختلاف الاجتهاد الناتج عن اختلاف المدارك والوسائل، اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد. وإنما صار الأمر -كما أسلفنا- إلى الاتهام بالبدعة والضلال، وربما إلى التفسيق والتكفير.
لذلك كان من الواجب على أهل العلم تحقيق المسائل الخلافية وتبيين وجه الصواب، وما يمكن الخلاف فيه مما لا يمكن.
ورغم أني لست ممن هم أهل لتلك المهمة الجليلة فإني وجدت نفسي مدفوعا لإدلاء وجهة نظر في هاتين المسألتين، لعلي أسهم في مساعدة من يريد بحث المسألة وتوفيتها حقها من أهل الاختصاص، أو أقدم لكل متحير مثلي بعض ما يزيل حيرته وحرجه، والله من وراء القصد، والهادي إلى سواء السبيل. (1/2)
صفحة 3
وقبل البداية في دراسة هاتين المسألتين نحن بحاجة إلى تصور منهج لدراستهما، وتحديد قواعد منضبطة يرجع إليها، والبعد عن الطروحات الإعلامية الدعائية غير المنبنية على حقائق مسلم بها، وعن الأحكام المسبقة عن طوائف من المسلمين لها منهجها -كما لغيرها- في فهم النصوص التشريعية وترتيب أولوياتها والتعامل معها عند التعارض، -والمهم كثيرا- هوالشجاعة على تقبل النتيجة، ثم طي الصفحة المظلمة من ماضينا، والاستناد –في حاضرنا ومستقبلنا- على الصفحات المضيئة من تاريخ أمتنا المجيدة.
ولعل من يحاول دراسة هذا الموضوع يتبادر إلى ذهنه -أول مرة- أن المسألة هي استعراض الآراء الواردة، ثم النظر في أدلتها، ثم استخراج الراجح منها. نعم إن هذه الخطوات هي بعض المطلوب، ولكن ليست كل المراد؛ ذلك أن المسألة قد احتدم فيها النزاع، وتخللتها الأهواء، وطال بها الزمن، واكتنفتها أمور لا بد من استحضارها واعتبارها أثناء الدراسة؛ وإلا كانت نتيجة البحث خداجا، لا تضع حدا للواقع المؤسف الذي نحياه ونحن نتعامل مع مثل هذه المسائل، من اتهام البعض بالبدعة، وترك السّنّة، ومخالفة السلف، وما إلى ذلك.
ويمكن النظر إلى هذا الموضوع من عدة جوانب:
1) من خلال استعراض رأي كل فريق في حكم المسألة الفقهي، وتَبَيُّنِ وجهة نظره وأدلته.
2) من خلال دراسة أسانيد ومتون الأحاديث المثبتة للرفع والقبض -خاصة-؛ لأنها هي مثار الجدل بين النافين والمثبتين، أما أدلة النفي فهي محل تسليم من الفريقين -مبدئيا.
3) من خلال النظر في الملابسات المرتبطة بأدلة المثبتين، ورد بعضهم على بعض، والملابسات المكتنفة للمسألة والقضايا المرتبطة بها بصفة عامة.
4) من خلال قواعد الترجيح بين الأدلة المتعارضة. (1/3)
صفحة 4
وقبل الشروع في تجلية هذه الجوانب أذكر أن أكثر المصادر التي اعتمدتها هي مصادر رقمية، ولم أهتم بضبط إحالاتها على النسخ المطبوعة المتداولة؛ لأن الرجوع إليها سهل لمن أراد التثبت من معلومة ما حتى وإن اختلفت الطبعات في عدد الصفحات والأجزاء وما إلى ذلك. وأمر آخر لا بد من ذكره هنا هو أني حاولت في مواضع غير يسير أن أنقل النصوص كما هي دون تلخيصها؛ لأني قد رأيت في عدد من الدراسات والمداخلات التسرع إلى اتهام المقتبس ببتر النصوص والكيل بمكيالين، حسب ما يخدم الغرض والتوجه الخاص بالدارس، وغير ذلك مما دأب عليه البعض في رد ما لم يألفوه أو يقتنعوا به.
وفي ختام هذه المقدمة أسأل الله العلي القدير أن يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا، ويزيدنا علما، إنه هو العليم الحكيم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، صلاة دائمة الإشراق، باقية إلى يوم التلاق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
مسقط يوم الجمعة 29محرم 1431هـ/15يناير 2010م.
راجي عفو ربه:
إبراهيم بن علي بولرواح
وجهة نظر في مسألتي رفع اليدين وقبضهما في الصلاة
المبحث الأول: مسألة الرفع
أولا: الآراء الواردة في المسألة:
* رأي الإباضية وأدلتهم وجوابهم عن أدلة المثبتين للرفع:
يقول الشيخ السالمي: "الْمَسأَلَة الثانية: في رفع اليدين عند الإِحرَام، وهو: مكروه ناقض للصلاة عندنا؛ لأَنَّه عمل في الصَّلاَة، وهوينافي الْخُشُوع الْمَأمُور به أو ينقصه.
والدليل على منعه: حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الالتفات في الصَّلاَة فقال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد»، والالتفات عمل، فيجب أن تكون مِثله سائر الأعمال التي لَمْ يؤمر بِها؛ لأَنَّ الْجَمِيع عملٌ منافٍ للخشوع. (1/4)
صفحة 5
وأيضا: قال جابر: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «مَالِي أراكم رافعي أيدِيكم كأنها أذنابُ خَيْل شُمُسٍ، اسْكُنُوا في الصلاة».
وَاعْتُرِضَ: بأن هذا الرفع كان في التشهد؛ لأن عبيد الله بن القبطية قال: "سَمعت جابر بن سَمُرَة يقول: كُنّا إذا صلينا خَلْف النبي - صلى الله عليه وسلم - قلنا: "السلامُ عليكم، السلامُ عليكم"، وأشار بيده إلى الجانبين فقال: «ما لهؤلاء يَؤُمون بأيديهم كأنهم أذناب خَيْل شُمسٍ، إنما يَكفي أحدُكُم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه من عن يمينه وَمنْ عن شماله».
وَأُجِيبَ: بأنَّ الظاهر أَنَّهُما حديثان؛ لأَنَّ الذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له: اسكن في الصَّلاَة، وبأنَّ العبرة للفظ وهوقوله: (اُسكُنُوا)، لاَ لسببه وهوالإيماء حال التسليم (1).
وقد اتَّفق أكثر قومنا على أن رفع اليد عند التحريم مسنون فيكره تركه عندهم، بل قال بَعضُهم: يَحرم تركه.
وَرُدَّ: بِأَنَّهُ مُخَالِف لإجماع من قبله؛ لأَنَّهُم قالوا باستحبابه فقط.
وَأُجِيبَ: بأن ابن سيرين وغيره قالوا به، وهورواية عن الأوزاعي. وَلَم ير الرفع الزيدية ولا بعض قومنا.
__________
(1) – وذلك مقتضى القاعدة الأصولية "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب". انظر؛ الغزالي: المستصفى، 1/ 236/ج ت. القرافي: الفروق مع هوامشه، المسألة الثانية عشر، 1/ 180/ج ت. البعلي: القواعد والفوائد الأصولية، رقم61، 1/ 240/ج ت. (1/5)
صفحة 6
وذكر القطب -متَّعنا الله ببقائه- أَنَّه ذكر في نفح الطيب (1): أنَّ سُلطان الأَندلس همَّ بقطع يد رجل يَرفع يديه عند الإحرام للصلاة، فهرب الرَّجُل، وذَلِكَ عَلَى عهد أبي جعفر بن الزبير شيخ أبي حيان، وأهل الأَندلس في ذَلِكَ الْعَصر لا يرفعون أيديهم.
__________
(1) – وهذا نصه: "ومنهم أبوجعفر أحمد بن صابر القيسي: قال أبوحيان: كان المذكور رفيقا للأستاذ أبي جعفر بن الزبير شيخنا، وكان كاتبا، مترسلا، شاعرا، حسن الخط، على مذهب أهل الظاهر، وكان كاتب أبي سعيد فرج بن السلطان الغالب بالله بن الأحمر، ملك الأندلس. وسبب خروجه من الأندلس: أنه كان يرفع يديه في الصلاة على ما صح في الحديث، فبلغ ذلك السلطان أبا عبد الله فتوعده بقطع يديه، فضج من ذلك، وقال: إن إقليما تُمات فيه سُنَّة رسول الله ? حتى يتوعد بقطع اليد من يقيمها لجدير أن يرحل منه، فخرج وقدم ديار مصر، وسمع بها الحديث، وكان فاضلا نبيلا، ومن شعره .. ". المقري: نفح الطيب، ترجمة أبي جعفر أحمد بن صابر القيسي، رقم291، 2/ 655/ج ت. (1/6)
صفحة 7
وهذه كُلّها مذاهب قومنا، والْحَقُّ عندنا كراهية الرَّفع بل منعه كما تَقدَّم، وَلَم يثبت عندنا ما رووه عن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولوثبت فهومُعارَضٌ بِمَا مرَّ من حديث جابر قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «مَالِي أراكم رافعي أيدِيكم كأنها أذنابُ خَيْل شُمسٍ». مع أنه يحتمل أن الرفع كان في أول الإسلام ثم نسخ، وَيَحتَمِل أَنَّه رفع - صلى الله عليه وسلم - يديه مرَّة واحدة ليظهر صَنم تأبَّطه منافق (1)، وإن لَمْ يرفع افتضح بالْخِلاَف ويتّهم.
قالوا: بقي الرفع بَعْد زوال عِلَّته كما بقي الرمل في الأشواط الثلاثة الأولَى بَعْد زوال عِلَّته التي هي إراءة النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بذَلِكَ الرمل أَنَّهُم أصحَّاء، لا كما قال الْمشركون بأَنَّهُم ضعف مرض.
وَأَيضًا: رفعت الصحابة أيديهم بَعْد رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -. قلنا: لا نُسَلِّم ذَلِكَ كُلّه.
قال القطب: وقبَّح الله الْمُخَالِفين، كَذَبُوا عَلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أَنَّه أدام الرفع إِلَى الْموت (2)، وعلى الصحابة والتابعين بَعْدهم أَنَّهُم يرفعون.
__________
(1) – انظر؛ العوتبي: الضياء، 5/ 152. النفراوي: الفواكه الدواني على رسالة أبي زيد القيرواني، باب صفة العمل في الصلوات المفروضة، 1/ 177/ج ت. البجيرمي: تحفة الحبيب على شرح الخطيب، كتاب الصلاة، 2/ 211/م ش. حاشية البجيرمي على الخطيب، سنن الصلاة، 4/ 346/م ش. الكاندهلوي: أوجز المسالك، 1/ 80.
(2) – سيأتي فيما بعد أن عبارة (فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله) في حديث ابن عمر؛ زيادة مكذوبة موضوعة. (1/7)
صفحة 8
وقال في موضع آخر من كَلاَمه: وأوضح ما يظهر لي أنَّ قومنا وضعوا الأحاديث في التأمين والرفع عنه - صلى الله عليه وسلم - عَلَى استمرار إِلَى أن مات، ووضعوها عن الصحابة بَعْده عَلَى وجه مقبول عندهم وهم كاذبون. يَدُلّ لِذَلِكَ أن جابر بن زيد لَمْ ير الرفع ولا التأمين مع كثرة حضوره للصحابة في أوقات الصَّلاَة وغيرها. قال: وإن من المالكية القدماء من يَمنع الرفع، ومِنهُم من كرّهه. انتهى كَلاَمه، وَاللهُ أَعلَم (1).
* رأي الشيعة وأدلتهم:
أ- الشيعة الإمامية:
يقول الشيخ المجلسي: " .. وربما يستدل بهذا على عدم وجوب الرفع؛ لأن السيد قال بوجوب الرفع في جميع التكبيرات، والمشهور استحبابه في الجميع، ولم يقل أحد بعدم الوجوب في تكبيرة الإحرام، والوجوب في سائرها، بل يمكن القول بالعكس كما هو ظاهر ابن الجنيد" (2).
ويقول الشيخ النجفي: "والمستحب الرابع أن يرفع المصلي بها يديه على المشهور بين الأصحاب نقلا وتحصيلا، بل نفي الخلاف فيه بين العلماء (عن المعتبر)، وبين أهل العلم (عن المنتهى)، وبين علماء أهل الإسلام (عن جامع المقاصد)، بل (عن الأمالي) أن من دين الإمامية الإقرار به، خلافا للمرتضى فأوجبه فيما حكي عن انتصاره فيها وفي كل تكبيرات الصلاة، مدعيا عليه إجماع الطائفة. ولعله أراد به شدة الاستحباب بقرينة نقله الإجماع عليه، وهذا مظنته لا الوجوب بالمعنى المصطلح؛ إذ لم نعرف أحدا وافقه من قدماء الأصحاب ومتأخريهم، سوى ما يحكى عن الكاتب في خصوص تكبيرة الإحرام، نعم ربما مال إليه بعض متأخري المتأخرين كالاصبهاني (في كشفه)، والكاشاني (في مفاتيحه)، والبحراني (في حدائقه)؛ لظاهر الأوامر، كتابا وسنّة، التي لا معارض لها إلا الأصل الذي يجب الخروج بها عنه.
__________
(1) – السالمي: معارج الآمال، 3/ 213 - 217.
(2) – المجلسي: بحار الأنوار، 81/ 189 - 190. (1/8)
صفحة 9
وفيه أنه لا يخفى على الخبير الممارس لأخبارهم -عليهم السلام- المتنبه لكيفية محاوراتهم، ولِما يومون إليه في تعبيراتهم ظهور هذه الأوامر في الندب، خصوصا مع ملاحظة فهم الأصحاب وشيوع الأمر في الاستحباب، مضافا إلى إشعار جملة من نصوص المقام به، كالخبر المروي (عن مجمع البيان) الوارد في تفسير قوله تعالى: {وانحر} لما قال النبي -صلى الله عليه وآله- لجبريل: «ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي فإنه قال له: ليست نحيرة، ولكنه يأمرك إذا تحرمت الصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت، وإذا ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، وإذا سجدت، فإنه صلاتنا وصلاة الملائكة في السماوات السبع، وإن لكل شيء زينة، وإن زينة الصلاة رفع الأيدي عند كل تكبيرة»، وكقول الصادق [أي: جعفر بن محمد الباقر]- عليه السلام - لزرارة: «رفع يديك في الصلاة زينتها»، وكقوله - عليه السلام - أيضا، وعلي - عليه السلام -: "أن رفع اليدين هو العبودية»، وكقول الرضا - عليه السلام - للفضل: «إنما رفع اليدان بالتكبير لأن رفع اليدين ضرب من الابتهال والتبتل والتضرع، فأحب الله عز وجل أن يكون العبد في وقت ذكره له متبتلا متضرعا مبتهلا، ولأن في رفع اليدين إحضار النية وإقبال القلب على ما قصد»، وزاد (في المحكي عن العلل): «ولأن الغرض من الذكر إنما هو الاستفتاح، وكل سنّة فإنما تؤدى على جهة الفرض، فلما أن كان في الاستفتاح الذي هوالفرض رفع اليدين أحب أن يؤدي السنّة على جهة ما يؤدى الفرض»، وكصحيح علي بن جعفر عن أخيه - عليه السلام - «على الإمام أن يرفع يده في الصلاة، ليس على غيره أن يرفع يده في الصلاة» ضرورة وجوب حمله على تأكد الاستحباب، وإلا كان مطرحا، وكخبر معاوية بن عمار عن الصادق - عليه السلام - أيضا في وصية النبي -صلى الله عليه وآله- لعلي - عليه السلام - «وعليك برفع يديك في صلاتك وتقلبهما» بناء على إرادة الرفع للتكبير منه لا القنوت، لغلبة وصيته -صلى الله عليه (1/9)
صفحة 10
وآله- له - عليه السلام - بالمندوبات، بل من المستبعد وصيته بالواجبات؛ لعلو مرتبته عن تركها، كما يؤمي إليه زيادة على ذلك استقراء وصاياه له بها، ومضافا إلى إشعار سلكه في غيره مما علم ندبيته، على أن إرادة الندب من هذه الأوامر أولى من التجوز فيها بإرادة الواجب الشرعي منها بالنسبة إلى تكبيرة الإحرام، والشرطي في غيرها؛ لشيوع المجاز الأول شيوعا لا يعارضه غيره، حتى قيل: إنه مساو للحقيقة، واحتمال إرادة وجوب الرفع في نفسه أو وجوب جميع تكبير الصلاة في غاية الضعف.
وبالجملة: لا يكاد يخفى على السارد للأخبار هنا -بعد فرض كونه من أهل اللسان والمعرفة بأخبارهم عليهم السلام، والمهتدين في ظلمة الضلال بأنوارهم- أن المراد من هذه الأوامر الاستحباب، والله أعلم" اهـ. (1).
أقولُ: إنه ليس من السهل نقد ما اختصت به الشيعة من الروايات والأخبار؛ لأننا لا نتقن جيدا قواعدهم في القبول والرد، أما إذا عاملناهم بمنطق أهل الحديث فإن الأمر سيكون حينئذ سهلا، لا سيما إذا عملنا بمثل قول ابن تيمية فيهم: "والرافضة أشد بدعة من الخوارج، وهم يكفِّرون من لم تكن الخوارج تكفره كأبى بكر وعمر، ويكذبون على النبي ? والصحابة كذبا ما كذب أحد مثله" (2).
لذلك أترك نقد رواياتهم لأهل الاختصاص، وأكتفي منهم في هذه القراءة لمسألة الرفع بقولهم بالاستحباب، واعتراضهم على من قال بالوجوب منهم.
__________
(1) – النجفي: جواهر الكلام، 9/ 231.
(2) – ابن تيمية: منهاج السنة، 5/ 154. (1/10)
صفحة 11
على أنه يبدو أن منهم من لا يرى الرفع أصلا؛ فإننا في مثل كتاب رسائل المحقق الكردي لا نجد ذكرا للرفع في أي موضع من المواضع المتنازع عليها، كما لا نجده -أيضا- فيما يلزم منه السهو، أو تبطل الصلاة بفعله أوتركه، في حين نجد ذكر الرفع في دعاء القنوت، وفي التكبيرات المفتتح بها التعقيب (أي: الأذكار عقب الصلاة) (1).
ب- الشيعة الزيدية: قد نسب غير واحد للزيدية القول بعدم الرفع (2)، ولعل من يطالع بعض كتبهم يظهر له ذلك؛ حيث يذكر في بعض الكتب نفي الرفع مطلقا (3)، وفي بعض الكتب لا يوجد للمسألة ذِكرٌ أصلا (4) ولكن -فيما يبدو- فإن المسألة خلافية عندهم، فمنهم من لا يرى الرفع مطلقا، ومنهم من يستحبه قبل تكبيرة الإحرام فقط، ومنهم يستحبه في كل تكبير (5). وأدلة كل فريق منهم هي -في الغالب- نفس الأدلة المتنازع عليها بين الحنفية وبقية المذاهب الأربعة، وبين الإباضية والمذاهب الأربعة عموما. والمسألة في حاجة إلى مزيد بحث في سبب اختلاف أقوالهم، وتوجيه المانعين منهم لما يروى عن بعض أيمتهم من القول بالرفع (6)، وهل القول بالرفع هو ما نقله أئمتهم بسندهم، أم هو ناتج عن تأثرهم برأي أهل الحديث؟
__________
(1) – انظر؛ الكركي: رسائل المحقق الكركي، 1/ 69، 70، 106، 110، 111، 113.
(2) –النووي: المجموع شرح المهذب، 3/ 251/ج ت. ابن حجر: فتح الباري، 1/ 219. السالمي: معارج الآمال، 3/ 215. البنوري: معارف السنن، 2/ 454.
(3) – انظر -مثلا-؛ الهاروني: شرح التجريد، 1/ 408.
(4) – انظر -مثلا-؛ عبد السلام: الروضة البهية في المسائل المرضية، ص46 وما بعدها.
(5) – انظر؛ الهاروني: ن م. الحسيني: الانتصار على علماء الأمصار، 3/ 204 وما بعدها. الشوكاني: نيل الأوطار، 2/ 190/ج ت. السماوي: الغطمطم الزخار، 5/ 31 وما بعدها. عبد السلام: ن م.
(6) – انظر في توجيه ذلك؛ السماوي: الغطمطم، 5/ 39 - 40. (1/11)
صفحة 12
* عند المذاهب الأربعة (الذين يسمون أنفسهم أهل السنة) (1):
يتعلق بالرفع عند المذاهب الأربعة مسائل متعددة، وفي كل مسألة أقوال متباينة واضطرابات شديدة، تشرّق فيها الأحكام وتغرّب، وبيان ذلك فيما يلي:
المسألة الأولى: مواضع الرفع في الصلاة:
- اتفقت كلمة المذاهب الأربعة على مشروعية الرفع عند تكبيرة الإحرام، إلا الإمام مالكاً فقد اختلفت الرواية عنه؛ فقد قال ابن عبد البر:
"وذكر ابن خويزمنداد قال: اختلفت الرواية عن مالك في رفع اليدين في الصلاة؛ فمرة قال: يرفع في كل خفض ورفع على حديث ابن عمر. ومرة قال: لا يرفع إلا في تكبيرة الإحرام. ومرة قال: لا يرفع أصلاً" (2).
ونقل ابن عبد البر أيضا عن ابن القاسم يروي عن مالك:
"يرفع يديه للإحرام عند افتتاح الصلاة، ولا يرفع في غيرها. قال: وكان مالك يرى رفع اليدين في الصلاة ضعيفا. وقال: إن كان ففي الإحرام" (3).
وقال القرطبي:
__________
(1) – الفقرات المتعلقة بهذا العنصر من البحث مختصرة مع شيء من التصرف من بحث للشيخ ناصر السابعي، وهوبحث مرقون، لدى الباحث نسخة منه. والشيخ السابعي مدرس بمعهد العلوم الشرعية بمسقط-سلطنة عمان، من مؤلفاته: الخوارج والحقيقة الغائبة.
(2) – ابن عبد البر: الاستذكار، 4/ 100.
(3) – ابن عبد البر: الاستذكار، 4/ 99. (1/12)
صفحة 13
"و (في مختصر ما ليس في المختصر) (1) عن مالك: لا يرفع اليدين في شيء من الصلاة. قال ابن القاسم (2): ولم أر مالكاً يرفع يديه عند الإحرام. قال: وأحب إلي ترك رفع اليدين عند الإحرام" (3).
وقال ابن رشد:
__________
(1) – قد حكى ابن العربي ما (في مختصر ما ليس في المختصر) ولم ينسبه لمالك، حيث قال: "واختلف العلماء في رفع اليدين في الصلاة على خمسة أقوال: الأول: إنها لا ترفع في شيء من الصلوات، قاله (في مختصر ما ليس في المختصر). الثاني: إنه يرفع في تكبيرة الإحرام، قاله مالك في مشهور رواية البصريين، وأبو حنيفة. الثالث: يرفع في تكبيرة الإحرام، وإذا ركع. الرابع: يرفع فيهما، وإذا رفع فيهما ((هكذا في الأصل))، وإذا رفع من الركوع، روي ذلك عن مالك. الخامس: الرافع ((هكذا في الأصل)) إذا قام من اثنتين، رواه ابن وهب عنه. والصحيح أنها ترفع في ثلاثة مواضع لحديث ابن عمر المشهور في الموطأ، ومتابعة كبار الصحابة له في ذلك، أو متابعته لهم، تركيب". [ابن العربي: عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي، 2/ 58.].
أقولُ: ونحن نتساءل: لماذا لم ينسب ابن العربي إلى مالك القول بعدم الرفع مطلقا، كما نسب إليه الأقوال الثلاثة الأخرى؟ وهل ذلك مجاراة لِما روى ابن رشد عن ابن لبابة من الأمر بطرح رواية ابن القاسم عن مالك بالقول بعدم الرفع مطلقا؟ إن المسألة تحتاج تحقيقا. وإذا ثبت ذلك فإننا نتساءل ما الداعي إلى ذلك؟ ألا يزيد ذلك من الريبة والحيرة في مشروعية رفع اليدين في الصلاة؟
(2) – قال المحدث البنوري –نقلا عن الكشميري في نيل الفرقدين-: "وروى الشافعي عن مالك أنه كان لا يرفع يديه، كما (في مباني الأخبار شرح معاني الآثار) للبدر العيني، فليس ابن القاسم متفردا برواية الترك عنه .. الخ". معارف السنن، 2/ 457.
(3) – القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 20/ 222. (1/13)
صفحة 14
"قال ابن القاسم: رأيت مالكاً لا يرفع يديه في التكبير للصلاة، ولا أراه ترك ذلك، إلا أنه رأى أن ذلك من تعظيم الله وإجلاله، قال: ولقد سألنا مالكاً عن ذلك، فقال: ولِمَ يرفع يديه؟ أيدرك تبارك وتعالى؟! فأنكر مالك رفع اليدين على الجنازة وفي الصلوات" (1).
وروى العوتبي -من علماء الإباضية في القرن الخامس- بسنده إلى الإمام مالك رجوعه عن القول برفع اليدين في الصلاة (2).
- أما الرفع فيما سوى تكبيرة الإحرام فقد اختلف فيه:
1 - لا يرفع المصلي يديه إلا عند تكبيرة الإحرام فقط، وهذا مذهب أهل الكوفة، وأبي حنيفة، وجمهور الحنفية، وسفيان الثوري، ووكيع (3)، وهي رواية عن مالك كما تقدم، وقد روى ابن القاسم عنه قال:
"لا أعرف رفع اليدين في شيء من تكبير الصلاة لا في خفض ولا رفع، إلا افتتاح الصلاة يرفع يديه شيئاً خفيفاً" (4).
2 - الرفع عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الرفع منه، وهذا مذهب الشافعي، وأحمد، وجمهور أهل الحديث، وأهل الظاهر، وهومروي عن مالك أيضا (5).
3 - الرفع عند الإحرام وعند الركوع والرفع منه وعند القيام من الركعتين، أي من التشهد الأول، وهذا مذهب بعض أهل العلم، وهو الذي رجحه النووي (6).
__________
(1) – ابن رشد: البيان والتحصيل، 2/ 189.
(2) – العوتبي: الضياء، 5/ 153.
(3) – البخاري: رفع اليدين، رقم133، ص128.
(4) – الأصبحي: المدونة الكبرى، (باب) في رفع اليدين في الركوع والإحرام، 1/ 68/ج ت.
(5) – انظر؛ الشافعي: الأم، باب رفع اليدين في التكبير في الصلاة، 1/ 104/ج ت. ابن عبد البر: الاستذكار، رقم 4301، 4307، 4/ 101، 102. ابن حزم: المحلى، مسألة 358 (ورفع اليدين للتكبير مع أول الإحرام في أول الصلاة فرض .. )، 3/ 234/ج ت.
(6) – صحيح مسلم بشرح النووي، 4/ 88. (1/14)
صفحة 15
4 - الرفع عند الإحرام وعند الركوع وعند الرفع منه وعند السجود وعند الرفع منه، وهذا مذهب بعض أهل الحديث (1).
5 - الرفع عند الإحرام وعند كل خفض ورفع في الصلاة، وهذا مذهب البعض (2).
6 - الرفع في المواضع الثلاثة -الإحرام والركوع والرفع منه- ومخير في كل خفض ورفع سوى ذلك، وهذا يفيده صنيع الألباني في كتابه (صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -) حيث نسب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه "كان أحياناً يرفع" في مواضع متعددة من الصلاة، فقال:
-"وكان أحياناً يرفع يديه إذا سجد" (3).
-"وكان يرفع يديه مع هذا التكبير أحياناً" أي: عند الرفع من السجود (4).
-"وكان - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه مع هذا التكبير أحياناً" أي: إلى السجدة الثانية (5).
-"وكان يرفع يديه أحياناً" أي: عند الرفع من السجدة الثانية إلى ما سماه بجلسة الاستراحة قبل القيام (6).
-"وكان - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه مع هذا التكبير أحياناً" أي: عند القيام من التحيات الأولى (7).
المسألة الثانية: حُكْم الرفع:
__________
(1) – انظر؛ ابن عبد البر: الاستذكار، رقم 4307، 4/ 102.
(2) – انظر؛ ابن عبد البر: التمهيد، 9/ 216/ج ت.
(3) – الألباني: صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ص106.
(4) – الألباني: م س، ص117.
(5) – الألباني: م س، ص119.
(6) – الألباني: م س، ص120.
(7) – الألباني: م س، ص140. (1/15)
صفحة 16
اختلفت ألفاظ القائلين بالرفع في حكمه، سواء في تكبيرة الإحرام فقط، أو في المواضع الثلاثة (الإحرام، قبل وبعد الركوع)، أو فيها وفي بقية المواضع؛ اختلافا شديدا يصل إلى حد التناقض، على النحو الآتي: بدعة -وخاصة في غير الافتتاح-، مكروه، جائز، مشروع، فضيلة، مستحب -وهذا قول كثيرين حتى حكى فيه النووي الإجماع-، لا يستحب، مندوب، سنة غير مؤكدة، سنة، سنّة متواترة، حق على المسلمين، لا يجب شيء منه، واجب لا تبطل الصلاة بتركه، واجب تبطل الصلاة بتركه، فرض لا تجزئ الصلاة إلا به، ركن، يأثم تاركه (1).
وما يكاد يكون متفقا عليه بينهم، هو قولهم بعدم بطلان صلاة من لم يفعله، واعتراضهم على من قال بالبطلان منهم، كما سيأتينا قريبا -بحول الله-.
المسألة الثالثة: كيفية الرفع:
__________
(1) – انظر؛ البخاري: رفع اليدين، رقم 19، 132، ص38، 127. النووي: شرح صحيح مسلم، 4/ 95/ج ت. ابن حزم: المحلى، مسألة 358 (ورفع اليدين للتكبير مع أول الإحرام في أول الصلاة فرض .. )، 3/ 234/ج ت. ابن عبد البر: الاستذكار، رقم4291 - 4337، 4/ 99 - 107.طبعة دار الوغى. السرخسي: المبسوط، 1/ 11/ج ت. السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، (باب) ومن مستغرب روايات أبى إبراهيم عن الشافعى ومستظرفها، 2/ 100/ج ت. الباجي: المنتقى، شرح الموطأ، 1/ 170/م ش. القرافي: الذخيرة، 2/ 57. العبدري: التاج والإكليل، 2/ 14/ج ت. ابن قدامة: المغني، مسألة قال (ويرفع يديه إلى فروع أذنيه أوإلى حذومنكبيه، 1/ 280. ج ت. العراقي: طرح التثريب، باب رفع اليدين، رقم 221، 5/ 221 - 225. ج ت. ابن حجر: فتح الباري، 2/ 220. برهان الدين مازه: المحيط البرهاني، 1/ 411/م ش. القاري: مرقاة المفاتيح، باب صفة الصلاة، 3/ 298/ج ت. المناوي: فيض القدير شرح الجامع الصغير، 5/ 154/ج ت. الشوكاني: نيل الأوطار، 2/ 191./ج ت. القروي: الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية، 1/ 77 - 78. ج ت. (1/16)
صفحة 17
ذكر العيني الاختلاف في كيفية الرفع فقال:
1 - "قال الطحاوي: يرفع ناشرا أصابعه مستقبلا بباطن كفيه القبلة. كأنه لمح ما في الأوسط للطبراني من حديثه عن محمد بن حزم: حدثنا عمر بن عمران عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر مرفوعا: (إذا استفتح أحدكم الصلاة فليرفع يديه وليستقبل بباطنهما القبلة فإن الله تعالى عز وجل أمامه).
وفي المحيط: ولا يفرج بين الأصابع تفريجا، كأنه يشير إلى ما رواه الترمذي من حديث سعيد بن سمعان: دخل علينا أبوهريرة مسجد بني زريق فقال: (ثلاث كان يعمل بهن فتركهن الناس، كان - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة قال هكذا)، وأشار أبو عامر العقدي بيده، ولم يفرج بين أصابعه ولم يضمها. وضعفه
2 - وفي الحاوي للماوردي: يجعل باطن كل كف إلى الأخرى.
3 - وعن سحنون: ظهورها إلى السماء وبطونهما إلى الأرض.
4 - وعن القاضي: "يقيمهما محنيتين شيئا يسيرا"
ثم ذكر العيني هيئة الأصابع فقال:
أ "ونقل المحاملي عن أصحابهم: يستحب تفريق الأصابع.
ب وقال الغزالي: لا يتكلف ضما ولا تفريقا، بل يتركهما على هيئتهما.
ج- وقال الرافعي: يفرق تفريقا وسطا.
د- وفي المغني لابن قدامة: يستحب أن يمد أصابعه ويضم بعضهما إلى بعض". انتهى كلام العيني (1).
المسألة الرابعة: وقت الرفع:
1 - يرفع ثم يكبر، وهوقول أكثر الحنفية، وهو الأصح عندهم؛ لأن الرفع نفي صفة الكبرياء عن غير الله والتكبير إثبات ذلك، والنفي سابق على الإثبات كما في كلمة الشهادة (2).
2 - يكبر ثم يرفع (3).
__________
(1) – العيني: عمدة القاري، 5/ 271.
(2) – السرخسي: المبسوط، 1/ 11/ج ت. المرغياني: الهداية شرح البداية، 1/ 46/ج ت.
(3) – م أجده منسوبا لأحد، ولكنه مقتضى رواية مسلم لحديث مالك بن الحويرث. (1/17)
صفحة 18
3 - يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، أي يكون الرفع مقارنا للتكبير، وهوالمشهور من مذهب مالك، والمرجح عند الشافعية، وبه قال أحمد، ونسبه الغزالي إلى المحققين (1).
قال ابن حجر: "وفي المقارنة وتقديم الرفع على التكبير خلاف بين العلماء، والمرجح عند أصحابنا المقارنة، ولم أر من قال بتقديم التكبير على الرفع" (2).
وذكر النووي لهذا القول خمسة أوجه فقال: "وأما وقت الرفع ففي الرواية الأولى: رفع يديه ثم كبر، وفي الثانية: كبر ثم رفع، وفي الثالثة: إذا كبر رفع، ولأصحابنا فيه أوجه:
أحدهما: يرفع غير مكبر، ثم يبتدئ التكبير مع إرسال اليدين وينهيه مع انتهائه.
والثاني: يرفع غير مكبر، ثم يكبر ويداه قارتان، ثم يرسلهما.
والثالث: يبتدئ الرفع من ابتدائه التكبير وينهيهما معا.
والرابع: يبتدئ بهما معا، وينهي التكبير مع انتهاء الإرسال.
والخامس، وهو الأصح: يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، ولا استحباب في الانتهاء، فإن فرغ من التكبير قبل تمام الرفع أو بالعكس تمم الباقي، وإن فرغ منهما حط يديه ولم يستدم الرفع".
ثم قال: "ولو ترك الرفع حتى أتى ببعض التكبير رفعهما في الباقي، فلو تركه حتى أتمه لم يرفعهما بعده" (3).
4 - قال الألباني: "وكان يرفع يديه تارة مع التكبير وتارة بعد التكبير وتارة قبله"؛ أي كل ذلك جائز (4).
ونحوه قول العيني قبله: "فهذه حالات فعلت لبيان جواز كل منها" (5).
المسألة الخامسة: إلى أين يرفع:
1 - إلى المنكبين، وبه قال مالك، والشافعي (6).
__________
(1) – انظر؛ العراقي: طرح التثريب، 2/ 224/ج ت.
(2) – ابن حجر: الفتح، 2/ 218.
(3) – النووي: شرح صحيح مسلم، 4/ 82.
(4) – الألباني: صفة الصلاة، ص87.
(5) – العيني: عمدة القاري، 5/ 271/ج ت.
(6) – الشافعي: الأم، باب رفع اليدين في التكبير في الصلاة، 1/ 104/ج ت. (1/18)
صفحة 19
2 - إلى الصدر، وهوإحدى الروايتين عن مالك (1).
3 - التخيير إلى المنكبين أو إلى الأذنين، وهوقول أحمد (2).
4 - إلى فروع الأذنين، وهومذهب الأحناف (3)، وعندهم أن المرأة ترفع إلى الصدر؛ لأنه أستر لها (4).
قال النووي: "وأما صفة الرفع فالمشهور من مذهبنا ومذهب الجماهير أنه يرفع يديه حذو منكبيه بحيث تحاذي أطراف أصابعه فروع أذنيه أي أعلى أذنيه، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وراحتاه منكبيه، فهذا معنى قولهم: حذومنكبيه، وبهذا جمع الشافعي - رضي الله عنه - بين روايات الأحاديث، فاستحسن الناس ذلك منه" (5).
5 - إلى فوق الرأس، وهو منسوب إلى ابن حبيب (6)، ومروي عن طاووس (7).
6 - التكبيرة الأولى التي للاستفتاح أرفع مما سواها حتى يخلف الرأس. وهذا مروي عن طاووس (8).
المسألة السادسة: الحكمة من الرفع:
__________
(1) – انظر؛ الباجي: المنتقى شرح الموطأ، 1/ 170/م ش. العيني: عمدة القاري: 5/ 272/ج ت.
(2) – ابن المنذر: الأوسط، 3/ 73. ابن الجوزي: التحقيق في أحاديث الخلاف، 1/ 336/ج ت. العراقي: طرح التثريب، 2/ 225/ج ت.
(3) – انظر؛ السرخسي: المبسوط، 1/ 23/م ش.
(4) – انظر؛ المرغياني: الهداية شرح البداية، 1/ 46/م ش. الكاساني: بدائع الصنائع، 1/ 199/م ش.
(5) – النووي: شرح صحيح مسلم، 4/ 82.
(6) – لم أجد من ذكره باسمه، ولعله: عبد الملك بن حبيب بن سليمان السلمي المالكي، توفي سنة238هـ. انظر؛ الحجوي: الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، (القسم الثالث)، 2/ 97.
(7) – انظر؛ العيني: عمدة القاري: 5/ 272/ج ت.
(8) – ابن المنذر: الأوسط، 3/ 73. (1/19)
صفحة 20
اختلفت آراء القائلين بالرفع في الحكمة منه؛ فمنهم من توقف، قال ابن بطال: ورفعهما تعبد (1). ومنهم من خاض في استنباط الحكمة من ذلك على النحو الآتي (2):
1 - قال الربيع بن سليمان: قلتُ للشافعي: ما معنى رفع اليدين عند الركوع؟ فقال: مثل معنى رفعهما عند الافتتاح؛ تعظيما لله وسنة متبعة، يرجى فيها ثواب الله عز وجل، ومثل رفع اليدين على الصفا والمروة وغيرهما (3).
2 - قال صاحب الهداية: "لأن الرفع نفي صفة الكبرياء عن غير الله والتكبير إثبات ذلك، والنفي سابق على الإثبات كما في كلمة الشهادة (4).
3 - استكانة واستسلام وانقياد، وكان الأسير إذا غُلب مدّ يديه علامة للاستسلام.
4 - إشارة إلى استعظام ما دخل فيه.
5 - إشارة إلى طرح أمور الدنيا والإقبال بكليته على الصلاة ومناجاة ربه سبحانه وتعالى، كما تضمن ذلك قوله: الله أكبر، فيطابق فعله قوله.
6 - إشارة إلى دخوله في الصلاة.
7 - إشارة إلى التوحيد.
8 - أن يراه الأصم فيعلم دخوله في الصلاة، والتكبير لسماع الأعمى فيعلم دخوله في الصلاة.
9 - إشارة إلى تمام القيام.
10 - إشارة إلى رفع الحجاب بين العبد والمعبود.
11 - ليستقبل بجميع بدنه، قال القرطبي: هذا أنسبها، قال ابن حجر: "وتُعُقِّب" (5).
قال النووي إثر إيراده لجملة من هذه الأقوال: "وقيل غير ذلك، وفي أكثرها نظر" (6).
__________
(1) – انظر؛ العيني: عمدة القاري: 5/ 272/ج ت.
(2) – انظر؛ النووي: شرح صحيح مسلم، 4/ 96/ج ت. ابن حجر: فتح الباري، 2/ 218. العيني: عمدة القاري: 5/ 272/ج ت. الشوكاني: نيل الأوطار، 2/ 198/ج ت.
(3) – الشافعي: الأم، باب رفع اليدين في الصلاة، 7/ 201/ج ت. البيهقي: السنن الكبرى، باب من لم يذكر الرفع إلا عند الافتتاح، رقم2370، 2/ 82/ج ت.
(4) – المرغياني: الهداية شرح البداية، 1/ 46/م ش.
(5) – ابن حجر: الفتح، 2/ 218.
(6) – النووي، شرح صحيح مسلم، 4/ 96/ج ت. (1/20)
صفحة 21
ثانيا: دراسة أسانيد ومتون الأحاديث النافية والأحاديث المثبتة للرفع:
1) الأحاديث النافية للرفع:
إن المتأمل في الأحاديث النافية للرفع يجدها محل اتفاق على ثبوتها -مبدئيا-، بينما وقع الاختلاف في تأويلها، لذلك أكتفي هنا بسردها مع بعض الملاحظات اليسيرة، وهي على قسمين:
القسم الأول: أحاديث ساكتة عن الرفع مطلقا، وهي لحساب النافين؛ لأن الرفع فعل زائد عن الأصل فيحتاج دليلا، ومن هذه الأحاديث:
*- حديث المسيء صلاته:
هذا الحديث لم يذكر فيه رفع اليدين، وقد يحتج البعض بأنه لا دليل فيه على عدم الرفع، لأنه - صلى الله عليه وسلم - اقتصر في تعليمه على ذكر الفرائض، وهذا نظير ما قاله العراقي والشوكاني وغيرهما في عدم دلالة الحديث على الإرسال (أي عدم القبض).
والجواب في شأن الرفع هوعين ما أجيب به في شأن الإرسال، حيث يقول الشنقيطي: " [هذا القول] مردود بأن الحديث روي عن رفاعة بن رافع بروايات مذكور فيها المستحبات، ... ، وقد ذكر في الفتح روايات فيه فيها ما ليس بواجب، كرواية ... ، فبما ذكر فيه من صفات الصلاة المستحبة، وعدم ذكره للقبض في رواية منها، تعلم صحة الاستدلال به على الإرسال، وبطلان قول من قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - اقتصر فيه على تعليم الفرائض .. الخ" (1).
__________
(1) - الشنقيطي: إبرام النقض، ص55 - 56. (1/21)
صفحة 22
*- روى مسلم والنسائي عن أبي هريرة: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم. ثم يكبر حين يركع ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهوقائم: ربنا ولك الحمد، ثم يكبر حين يهوي ساجدا، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل مثل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من المثنى بعد الجلوس. ثم يقول أبوهريرة: إني لأشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -» (1).
*- وروى مسلم أيضا أن أبا هريرة «كان يصلي لهم فيكبر كلما خفض ورفع فلما انصرف قال: والله إني لأشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -» (2).
*- روى أبوداود عن سالم البراد قال: «أتينا عقبة بن عمروالأنصاري أبا مسعود فقلنا له: حدثنا عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقام بين أيدينا في المسجد فكبر، فلما ركع وضع يديه على ركبتيه، وجعل أصابعه أسفل من ذلك، وجافى بين مرفقيه حتى استقر كل شيء منه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، فقام حتى استقر كل شيء منه، ثم كبر وسجد ووضع كفيه على الأرض، ثم جافى بين مرفقيه حتى استقر كل شيء منه، ثم رفع رأسه حتى استقر كل شيء منه، ففعل مثل ذلك أيضا، ثم صلى أربع ركعات مثل هذه الركعة فصلى صلاته. ثم قال: هكذا رأينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي» (3).
__________
(1) - صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب إثبات التكبير في كل خفض ورفع في الصلاة، رقم 392. 1/ 293. سنن النسائي، كتاب الافتتاح، باب التكبير للركوع رقم 1032، 2/ 181/م أ.
(2) - صحيح مسلم، نفس الإحالة السابقة.
(3) - سنن أبي داود، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، رقم 863، 1/ 228/م أ. (1/22)
صفحة 23
*- عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قام إلى الصلاة كبر حين يقوم فيها، وإذا ركع كبر، وإذا طأطأ رأسه في السجود كبر وإذا رفع رأسه من السجود كبر، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل هذا كله» (1).
القسم الثاني: أحاديث ناهية عن الرفع مطلقا، وهي:
__________
(1) - أبوغانم الخراساني: المدونة الصغرى، 1/ 25. (1/23)
صفحة 24
*- روى مسلم وغيره (الربيع بن حبيب، أبوداود، أحمد .... ) عن جابر بن سمرة قال: «خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: مَا لِي أراكم رافعي أيدِيكم كأنها أذنابُ خَيْلٍ شُمسٍ؟ اسْكُنُوا في الصلاة. قال: ثم خرج علينا فرآنا حِلَقًا فقال: مَا لِي أراكم عِزِين؟ قال: ثم خرج علينا فقال: ألا تَصُفُّون كما تَصُفُّ الملائكة عند ربها؟ فقلنا: يا رسول الله، وكيف تَصُفُّ الملائكة عند ربها؟ قال: يُتِمُّون الصفوفَ الأُوَلَ ويَتراصُّون في الصف» (1)؛ وهذا الحديث يراه الإباضية أصل النهي عن الرفع (2)، وأنه غير حديث النهي عن الرفع حال التسليم (3)، وقد وافقهم على ذلك -حسب اطلاعنا- القائلون بالنهي عن الرفع من الزيدية (4)،
__________
(1) – صحيح مسلم، رقم 651. الربيع: ....
(2) – ابن بركة: الجامع، 1/ 492 - 493. العوتبي: الضياء، 5/ 152.
(3) – قد بحث الشيخ ناصر السابعي هذه القضية بحثا مطولا، على ما تقتضيه الصناعة الحديثية، وتوصل فيه إلى أن الحديث الأول غير الثاني، وبالتالي لا يحمل أحدهما على الآخر.
(4) – قال السماوي: "حديث جابر بن سمرة ... ، وهوحجة عند الجميع. والاستدلال به من جهتين، ... ، وإذا اختلف الحديثان مخرجا وسببا وحكما، والكل من روايات الثقات؛ فالكل منهما صحيح معمول به في بابه، فإحدى الروايتين منعت من رفع الأيدي، وأوجبت السكون في كل الصلاة، والأخرى منعت من الإشارة باليد عند التسليم، وقضت بكفاية الالتفات، وليس ثمة ما يقتضي حمل إحدى الروايتين على الأخرى، إلا مجرد العصبية لمذهب الأسلاف، أعاذنا الله منه. على أن قوله -صلى الله عليه وآله وسلم- (اسكنوا في الصلاة) لا يصح حمله على عدم تحريك الكف حال السلام البتّة؛ لأن تلك الحالة حالة خروج من الصلاة، لا حالة صلاة، وكيف لا وقد أمر فيها بالالتفات إلى صاحبه مع أن الالتفات في الصلاة هلكة، والنهي عنه ثابت في عدة أحاديث .. وأيضا قد أخرج مسلم (في صحيحه) من حديث جابر بن سمرة أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: (لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم)؛ فإذا كانت هذه الرواية عنه لا تقتضي أن تكون هي المرادة عند التسليم فكذا تلك، والفرق تحكم وتصريف لأقوال الشارع بحسب الأهواء، واتضح من هذا أن تشنيعهم على من استدل بحديث جابر بن سمرة في المنع من رفع الأيدي في الصلاة، وزعمهم أنه قول من لا معرفة له بالسّنّة منشؤه جهلهم بفقه معاني السّنّة، وإن حفظوا ألفاظها، فرب حامل فقه إلى من هوأفقه منه". الغطمطم الزخار، 5/ 33 - 34. (1/24)
صفحة 25
بل حتى المحسوبون على القول بإثبات الرفع مِنهم مَنْ أَيَّد كون الحديثين المذكورين حديثين منفصلين، وأن أحدهما غير الآخر، حيث أشار إليه الزيلعي بقوله:
"ولقائل أن يقول: إنهما حديثان لا يفسر أحدهما بالآخر، .... هذا هوالظاهر، والراوي روى هذا في وقت كما شاهده، وروى الآخر في وقت كما شاهده، وليس في ذلك بعد" (1).
وقال علي القاري:
"وأجيب عن اعتراض البخاري بأن هذا الرفع كان في التشهد؛ لأن عبيد الله بن القبطية قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: (كنا إذا صلينا خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ... الحديث)، بأن الظاهر أنهما حديثان؛ لأن الذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال اسكن في الصلاة، وبأن العبرة للفظ وهوقوله (اسكنوا) لا لسببه وهوالإيماء حال التسليم" (2). وبمثله قال القادري (3).
وقد شرح السهارنفوري جواب الزيلعي قائلا:
__________
(1) – الزيلعي: نصب الراية، 1/ 393.
(2) – القاري: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، باب صفة الصلاة، 3/ 302/ج ت.
(3) – القادري: البحر الرائق، 1/ 563. (1/25)
صفحة 26
"وحاصل هذا الجواب أن البخاري فهم أن مؤدى حديث عبيد الله بن القبطية عن جابر بن سمرة ومؤدى حديث تميم بن طرفة الطائي عن جابر بن سمرة واحد، بأن الحديثين محمولان على حال التشهد، فإن الصحابة كانوا يشيرون بأيديهم في التشهد حال السلام، وهذا خلاف الظاهر، نشأ من قلة التدبر فيهما، بل الظاهر أنهما حديثان مختلفا المؤدى والمراد، يدل أحدهما على غير ما يدل عليه الآخر. فأما حديث عبيد الله بن القطبية فإنه محمول على السلام بعد التشهد قطعا، وأما حديث تميم بن طرفة الطائي عن جابر بن سمرة فغير محمول على التشهد، بل هومحمول على رفع اليدين داخل الصلاة عند الرفع والخفض فنهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: (اُسكنوا في الصلاة)، والدليل عليه أن الذي يرفع حال التسليم لا يقال له: اسكن في الصلاة، ولهذا ما قال رسول الله في حديث رفع الأيدي عند التسليم (اسكنوا في الصلاة). والدليل الثاني على أن الحديثين مختلفان أن في حديث تميم بن طرفة قال: (دخل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن رافعوا أيدينا) .. (خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)؛ فهذا يدل على أن هذا الكلام صدر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين دخل المسجد والناس يصلون صلواتهم. وأما حديث عبيد الله بن القبطية .. (كنا إذا صلينا خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - قلنا: السلام عليكم السلام عليكم) .. (كنا إذا صلينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلنا: السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله) .. (كنا إذا صلينا خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلم أحدنا أشار بيده من عن يمينه ومن عن يساره فلما صلى قال: ما بال أحدكم .. ) .. (1/26)
صفحة 27
وهذا السياق يدل على أن هذا الكلام صدر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين كان يصلي بالناس جماعة، فلما فرغ من الصلاة ورآهم رافعي أيديهم عند السلام نهاهم عن ذلك؛ فثبت بهذا مثل ضوء النهار أن حديث تميم بن طرفة كان في وقت، وحديث عبيد الله بن القبطية كان في وقت آخر غير الوقت الأول" (1).
وقال في موضع آخر: "والذي قالوا في جوابه إنه محمول على الإشارة في السلام فهو لغو وباطل كما تقدم" (2).
__________
(1) – السهارنفوري: بذل المجهود، 4/ 422 - 423.
(2) – السهارنفوري: م س، 4/ 427. (1/27)
صفحة 28
وقال التهانوي: المتمسَّكُ به في الحديث قوله - صلى الله عليه وسلم - (اسكنوا في الصلاة)؛ فإنه يدل على وجوب السكون، وأن رفع الأيدي في الصلاة ينافيه. فإن قيل: ... قد ورد في الرفع عند السلام خاصة ..... ؛ قلنا: الظاهر أن حديث تميم بن طرفة وحديث عبد الله بن القبطية حديثان مستقلان؛ لأن رفع اليد عند السلام لا يقال لفاعله اسكن في الصلاة؛ فإنه بهذا الصنع يخرج عن الصلاة، فافهم. وثانيا: أن سياق حديث ابن طرفة يدل على أنه واقعة الصلاة خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسياق حديث ابن القبطية على أنه واقعة الصلاة فرادى، فلا يصح القول باتحادهما، ولو سلم يمكن الاستدلال به أيضا على ترك الرفع عند الركوع وبعده بما قرره الشيخ أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بترك الرفع في حال السلام الذي هو داخل في الصلاة من وجه وخارج عنها من وجه كما لا يخفى، فدل على أن ذلك مطلوب فيما هو داخل في الصلاة من جميع الوجوه بالطريق الأولى، كما يدل عليه تعليله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (اسكنوا في الصلاة)، أفاده أستاذ الأساتذة ... اهـ. فهذا بعمومه يقتضي ترك الرفع عند الركوع وبعده، ولا يقتضي تركه عند الافتتاح؛ فإنه ليس برفع في الصلاة بل خارجا عنها؛ لأن تكبيرة الافتتاح شرط الصلاة عندنا غير داخلة فيها، على أنه مستثنى عن الحديث بالإجماع" (1).
وقال الشوكاني -في شأن حديث النهي عن الرفع مطلقا-: " .. وَرُدَّ هذا الجواب بأنه قَصْرٌ للعامِّ على السّبب وهومذهب مَرجوح كما تَقَرَّر في الأصول وهذا الرَّدُّ مُتّجه لولا أَنَّ الرّفع قد ثبت من فعله ? ثبوتا متواترا كما تقدّم، وأقلّ أحوال هذه السُّنّة المتواترة أن تصلح لِجَعْلِها قَرِينَةً لِقَصر ذلك العامِّ على السبب، أو لتخصيص ذلك العموم على تسليم عدم القصر ... الخ" (2).
__________
(1) – التهانوي: إعلاء السنن، 3/ 56.
(2) – الشوكاني: نيل الأوطار، 2/ 191/ج ت. (1/28)
صفحة 29
وقال الكاندهلوي: "وما توهم من أن المراد منه رفع اليدين عند السلام مردود على قائله، ووهم نشأ عن قلة التدبر في سياق الروايتين، ولوسُلِّم وروده على سبب فقصر العام على السبب الخاص مذهب مرجوح" (1).
وحتى البخاري الذي وصف غير القائلين بقوله (وأما احتجاج من لا يعلم .. الخ)؛ فإنه يفهم منه اعتراف ضمني بعموم النهي عن الرفع في الصلاة مطلقا، ابتداء من تكبيرة الإحرام إلى التسليم والفراغ من الصلاة، حيث قال: (ولوكان كما ذهب إليه لكان رفع الأيدي في أول التكبيرة، وأيضا تكبيرات صلاة العيد، منهيا عنها؛ لأنه لم يستثن رفعا دون رفع) (2).
غير أن جمهور المثبتين للرفع -حسب ما يبدو- يرون أن الحديثين واحد، وأن المطلق منهما يحمل على المقيد، وبالتالي فإن النهي عن الرفع إنما هوحال التسليم فقط (3).
*- عن أنس قال: قال رسول الله ?: «من رفع يديه في التكبير فلا صلاة له». وعن أبي هريرة أن النبي ? قال: «من رفع يديه في الصلاة فلا صلاة له».
هذان الحديثان أخرجهما ابن الجوزي (في التحقيق) وقال: وأما حديث أنس ففيه محمد بن عكاشة، قال الدارقطني: كان يضع الحديث. وأما حديث أبي هريرة ففيه مأمون وكان كذابا، قال ابن حبان: كان دجالا من الدجالين (4).
__________
(1) – الكاندهلوي: أوجز المسالك، 1/ 89.
(2) – البخاري: رفع اليدين، رقم79 - 80، ص90 - 92. ومضمون قول البخاري هو بالفعل ما يقول به الإباضية ومن وافقهم بأن الرفع منهي عنه مطلقا في كل الصلوات.
(3) – انظر -مثلا-؛ البخاري: م س. ابن الجوزي: التحيقيق في أحاديث الخلاف، 1/ 336/ج ت. النووي: شرح صحيح مسلم، 4/ 153/ج ت. ابن تيمية: كتب ورسائل ابن تيمية، 22/ 561/ج ت. ابن الملقن: البدر المنير، 3/ 485 - 486/ج ت. الصنعاني: سبل السلام، 1/ 168/ج ت. المباركفوري: تحفة الأحوذي، 2/ 99 - 100/ج ت.
(4) – ابن الجوزي: التحقيق في أحاديث الخلاف، رقم427، 428، 1/ 334، 336/ج ت. (1/29)
صفحة 30
غير أن السماوي (الزيدي) اعترض عليه قائلا: وزعمهم أنه من الموضوعات هي العلة التي لا يعدمها حمقاؤهم حين لا يجدون للحديث مدفعا، ولا يصح لمتدين أن يجزم بوضع حديث إلا حين أن لا يجد له شاهدا من كتاب الله وسنة رسوله الثابتة عنه، وقد سمعت شواهد الحديث من الكتاب والسنة، فلا جرم يجزم بأن الجازم بوضعه هوالكاذب" (1).
*- قال أبو بكر حدثنا وكيع عن حماد عن بشر بن حرب أنه سمع ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إن رفعكم أيديكم في الصلاة لبدعة، والله ما زاد رسول الله ? على هكذا يعني بإصبعه (2).
قال البوصيري: "قلتُ: بشر بن حرب ضعيف، وله شاهد من حديث ابن مسعود، رواه الترمذي، وقال: لم يثبت" (3).
2) الأحاديث المثبتة للرفع:
إن المتأمل في الأحاديث المثبتة للرفع يجدها كثيرة، وقد نص بعض المنتصرين لها على أنها متواترة، وأنها محل إجماع، وهذا قد يجعل البعض -وخاصة غير المتخصصين- يحكم بصحتها ومشروعية الرفع، ويرى أن إعادة النظر في ثبوتها مضيعة للوقت، وتطاول على العلماء، وغير ذلك.
غير أن المنهج العلمي لا يسمح بمثل ذلك الحكم في مسألة هي محل خلاف شديد بين طوائف الأمة الإسلامية، بمجرد كثرة أحاديثها وادعاء البعض تواترها؛ بل لا بد من دراسة تلك الأحاديث وفق منهج المحدثين لمعرفة ثبوتها وصحة نسبتها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم وفق منهج الأصوليين والفقهاء لمعرفة دلالتها على حكم هذه المسألة.
وهذه الدراسة بذلك الشكل تحتاج اختصاصا وجهدا كبيرا، ومتسعا من الوقت؛ لذلك فإننا في انتظار ما يصدر ممن هو أهل لذلك.
__________
(1) – السماوي: الغطمطم الزخار، 5/ 36.
(2) – ابن حجر: المطالب العالية، باب رفع اليدين، رقم517، 4/ 178/ج ت.
(3) – البوصيري: إتحاف الخيرة المهرة، 2/ 186/م ش. (1/30)
صفحة 31
ولا بأس قبل ظهور تلك النتيجة من القول: على فرض صحة أسانيد تلك الأحاديث وبلوغها درجة التواتر؛ فلماذا اختلف المسلمون في هذه المسألة، وتباينت آراؤهم فيها؟ أم أن العبرة بما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وآراء الرجال بعدها هي خلاف للسّنّة وَحِيدَةٌ عن الحق؟ مع العلم بأن المختلفين هم أئمة الشأن قبل غيرهم. وهذا ما سنحاول تجليته فيما يأتي -بحول الله-.
غير أن صحة تلك الأحاديث -بعد شيء من البحث- هي محل ريبة، بعد أن تبين أن أقواها -عند المثبتين للرفع- ليست صحيحة -بشهادة أهل العلم بالحديث-، وإنما هي من الضعف بما يجعلها غير صالحة للاحتجاج، ولا عبرة بورودها في ما يسمى بالصحيحين، فضلا عن غيرهما.
وقد قال العلامة زاهد الكوثري (1): "لم يسلم سند من أسانيد الرفع عند الركوع من علة؛ بل لم يصح حديثٌ في الرفع غيرُ حديث ابن عمر، وهو لم يأخذ به في رواية أبي بكر بن عياش (2)،
__________
(1) – الكوثري: تأنيب الخطيب، ص136.
(2) – قد اعترض ابن حجر على ذلك فقال: وأما الحنفية فعولوا على رواية مجاهد أنه صلى خلف ابن عمر فلم يره يفعل ذلك، وأجيبوا بالطعن في إسناده؛ لأن أبا بكر بن عياش راويه ساء حفظه بأخرة، وعلى تقدير صحته فقد أثبت ذلك سالم ونافع وغيرهما عنه وستأتي رواية نافع بعد بابين، والعدد الكثير أولى من واحد، لا سيما وهم مثبتون وهو ناف، مع أن الجمع بين الروايتين ممكن، وهو أنه لم يكن يراه واجبا ففعله تارة، وتركه أخرى [فتح الباري: 2/ 220].
وقد أجاب التهانوي على هذا الاعتراض فقال: "لا يضرنا كون أبي بكر بن عياش ساء حفظه بآخره بعد ما قال فيه ابن عدي: أبو بكر بن عياش كوفي مشهور، وهويروي عن أجلة الناس (إلى أن قال:) هوفي كل رواياته عن كل من روى عنه لا بأس به، وذلك أني لم أجد له حديثا منكرا إذا روى عن ثقة إلا أن يروي عن ضعيف. اهـ. كذا في تهذيب التهذيب (12/ 35). وهذا الحديث برواية الثقة عنه؛ فإنه رواه عنه أحمد بن يونس، وهو من رجال الجماعة ثقة، كذا فيه (1/ 50)، وقد احتج به البخاري من طريق أحمد بن يونس في كتاب التفسير من صحيحه". التهانوي: إعلاء السنن، 3/ 64.
وزاد محمد تقي العثماني قائلا: "والبخاري لا يحتج بحديث من تغير بآخره، إلا إذا كان بطريق أصحابه الذين سمعوا منه قبل الاختلاط، كما عرف في شروط الصحيح". العثماني: بهامش إعلاء السنن، 3/ 65.
وقال التهانوي -أيضا-: "وأما قول الحافظ (والعدد الكثير أولى من واحد ولا سيما وهم مثبتون وهوناف) فالجواب عنه بأن التطبيق بين الحديثين ممكن بأنه كان يرفع أولا لعدم العلم بنسخ الرفع في ما سوى الافتتاح، ثم تركه لما علم به، فلا يجوز ترك أحدهما بالآخر. والإثبات وإن كان مقدما على النفي ولكن لا مطلقا؛ بل إذا لم يكن على النفي دليل، والأمر هنا ليس كذلك؛ فإن مجاهدا - رضي الله عنه - قد سعى في ضبط أفعال ابن عمر - رضي الله عنه - في الصلاة حق السعي، ثم أخبر عنه كما يدل عليه قوله (صليت خلف ابن عمر الخ)، فنفيه حينئذ مثل الإثبات". [التهانوي: إعلاء السنن، 3/ 66].
أقولُ: وهكذا كلما أدلى فريق باعتراض أدلى الفريق الآخر باعتراض على اعتراضه، حتى إن المرء ليحار أمام هذا التجاذب بين هم أئمة الشأن. (1/31)
صفحة 32
وترك الراوي الأخذ بمرويّه يكون دليل النسخ عند أبي حنيفة، ومالك، وأصحابهما، وكثير من أهل النقد من السلف".
أقولُ: وسننظر فيما يأتي ما قيل في حديث ابن عمر. فإذا أضفنا ذلك إلى قول العلامة الكوثري فإن النتيجة أن الرفع لم يثبت فيه شيء أصلا، وهذا ما يدل عليه ما ذكره لي الشيخ أحمد بن سعود السيابي (1) عن الشيخ ابن عثيمين الذي قال في برنامج إذاعي يسمى نور على الدرب، وهو من برامج الإذاعة السعودية في التسعينيات من القرن العشرين (بين 1990و1991م)، وتنشره مجلة تسمى "المسلمون"، قال: "لا بوجد في هيئة الصلاة حديث واحد صحيح، وأمثل ما ورد فيها حديث وائل بن حجر" (2).
__________
(1) – الشيخ أحمد بن سعود السيابي، أمين عام مكتب الإفتاء بمسقط-سلطنة عمان.
(2) – قد حاولت جهدي أن أصل إلى هذا البرنامج وتلك المجلة التي ذكر فيها جواب الشيخ ابن عثيمين، إلا أني لم أوفق في ذلك، وكل ما وجدته هو النص الآتي:
-المستمع عصام يسأل عن وضع اليد اليمنى على اليسرى بعد القيام من الركوع في الصلاة؟
فأجاب -رحمه الله تعالى-: إن وضع اليد اليمنى على اليسرى في القيام بعد الركوع سنة كما دل على ذلك حديث سهل بن سعد الذي رواه البخاري في صحيحه قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. فإذا تأملت هذا الحديث وهو أن الناس مأمورون بوضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة تبين لك أن القيام بعد الركوع يشرع فيه هذا الفعل، وهو وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة؛ لأن الحديث عام يخرج منه الركوع؛ لأن اليدين على الركبتين، ويخرج منه السجود؛ لأن اليدين على الأرض، ويخرج منه الجلوس؛ لأن اليدين على الفخذين أو الركبتين، فيبقى ما عدا ذلك وهو القيام قبل الركوع والقيام بعد الركوع، فتكون اليد اليمنى فيه موضوعة إما على الذراع وإما على الرسغ، وهو المفصل الذي بين الكف وبين الذراع، والأفضل أن تكونا على الصدر؛ لأن حديث وائل بن حجر هو أحسن ما روي في ذلك أي في موضع اليدين في حال القيام، وإن كان فيه مقال لأهل العلم، ولكنه أحسن ما روي في هذا الموضوع. [ابن عثيمين: فتاوى نور على الدرب، 137/ 17/م ش]. (1/32)
صفحة 33
وهذا بيان بعض ما قيل في أهم الأحاديث المثبتة للرفع:
*1 - حديث ابن عمر: «رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - افتتح التكبير في الصلاة، فرفع يديه حين يكبر حتى يجعلهما حذومنكبيه، وإذا كبر للركوع فعل مثله، وإذا قال سمع الله لمن حمده فعل مثله وقال ربنا ولك الحمد، ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود». رواه البخاري ومسلم وغيرهما (1).
هذا الحديث يعد عند القائلين بالرفع أقوى ما عندهم فيه، حيث قال ابن المديني: "رَفع الأيدي حق على المسلمين بما روى الزهري عن سالم عن أبيه" (2). وقال -أيضا-: "هَذا الحديث عندي حجة على الخلق، كل من سمعه فعليه أن يعمل به؛ لأنّه ليس في إسناده شيءٌ" (3).
__________
(1) – صحيح البخاري، باب رفع اليدين إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع، رقم705، 1/ 258. صحيح مسلم، باب استحباب رفع اليدين حذوالمنكبين مع تكبيرة الإحرام والركوع وفي الرفع من الركوع وأنه لا يفعله إذا رفع من السجود، رقم390، 1/ 292. والحديث عندهما وعند غيرهما بطرق مختلفة، وبألفاظ تستدعي التوقف والتأمل؛ ففي حبن تفيد رواية البخاري المذكورة أعلاه أن الرفع مقترن بالتكبير تفيد رواية مسلم الآتية أنه يرفع أولا ثم يكبر: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذومنكبيه ثم كبر فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك، ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود). بينما قد يفهم من رواية أبي داود الآتية أنه يكبر ثم يرفع: (كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه). سنن أبي داود، أبواب تفريع استفتاح الصلاة باب رفع اليدين في الصلاة، رقم722، 1/ 192.
(2) – البخاري: رفع اليدين، رقم 19، ص38.
(3) – اللخمي: مختصر خلافيات البيهقي، 2/ 69/ج ت. (1/33)
صفحة 34
وقال الشافعي: "لا يحل لأحد سمع حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رفع اليدين في افتتاح الصلاة وعند الركوع والرفع من الركوع أن يترك الاقتداء بفعله - صلى الله عليه وسلم - ". وقال السبكي معقبا على قول الشافعي: "هذا صريح في أنه يوجبه" (1).
غير أن ما يحيّر الألباب أن هذا الحديث قد ذكر صاحب المعارف (2) أنه مضطرب من ستة أوجه، والمضطرب من أقسام الضعيف الذي لا يصلح للاحتجاج، ومع ذلك ذكر بعضهم أنه قد أجمع أهل النقل على صحته (3)؛ فإن كان المقصود صحة السند فلا إشكال -مبدئيا-، وإن كان المقصود السند والمتن معا فإن هذا ما سندركه بعد الاطلاع على وجوه الاضطراب، وهي:
الأول: أنه جاء بذكر الرفع في الافتتاح.
الثاني: أنه جاء بذكر الرفع في الافتتاح وبعد الركوع، وهوسياق (الموطأ) لمالك، أي في الموضعين، ولم يذكر الرفع عند الركوع، وهو رواية يحيى، وتابعه القعنبي، والشافعي، ومعن، وابن نافع، والزبيدي، وجماعة، وقد تابع مالكا ابن عيينة، ويونس، وغيرهما عن الزهري.
الثالث: أنه جاء بذكر الرفع في المواضع الثلاثه، وهورواية ابن وهب، ومحمد بن الحسن، وابن القاسم، وجماعة عن مالك.
__________
(1) – [السبكي: طبقات الشافعية، ترجمة أبي إبراهيم إسماعيل بن يحي المزني، 2/ 100]، نقلا عن: البخاري: رفع اليدين، هامش ص7.
(2) – البنوري: معارف السنن، 2/ 476.
(3) – قال البرديجي (أبوبكر أحمد بن هارون البرديجي تـ:310هـ): "أجمع أهل النقل على صحة حديث الزهري عن سالم"حكاه عنه ابن حجر في النكت على ابن الصلاح (1/ 261/ج ت)، ولم يعلق عليه بشيء. ونقل بديع الدين الراشدي قول كل من سفيان وأحمد بن حنبل وغيرهما ممن جعلوا هذا الإسناد في أعلى مراتب الصحة. انظر؛ رفع اليدين، هامش ص38. (1/34)
صفحة 35
الرابع: أنه جاء بزيادة الرفع بين الركعتين ما عدا المواضع الثلاثة، من طريق نافع عند البخارى (في صحيحه) فيكون الرفع في أربعة مواضع، وهو وإن اختلف فيه رفعا ووقفا، لكن الحافظ (في الفتح) يرجح الرفع، يزعمه ابن خزيمة سنة، ويلزم ابن دقيق العيد الشافعي به لقاعدته بما ثبت وصح من الزيادة.
الخامس: أنه جاء بزيادة الرفع للسجود ماعدا المواضع الأربعة، عند البخارى (في جزئه) من طريق نافع فيكون الرفع في خمسة مواضع.
السادس: أنه جاء بذكر الرفع في كل خفض ورفع وركوع وسجود وقيام وقعود وبين السجدتين، عند الطحاوي (في مشكل الآثار) كما حكاه الحافظ.
قال: وبالجملة حديث ابن عمر على ستة أوجه: سياق (المدونة)، وسياق (الموطأ) لمحمد، وسياق (الموطأ) لمالك، وسياق البخارى (في صحيحه)، وسياق البخارى (في جزئه)، وسياق الطحاوى (في مشكله)، وهذه وجوه أصل الحديث وقفا ورفعا، فرواه عبدالوهاب الثقفي والمعتمر كلاهما عن عبيد الله عن نافع. وكذا الليث بن سعد، وابن جريج، ومالك عن نافع مرفوعا، وربما يخال الاختلاف في الرابع أي من زيادة الركعتين. وبالجملة احتج أبوداود (في سننه) بالأول، والبخارى (في جزئه) و (في صحيحه) بالثاني، وهذا اختلاف على نافع نفسه في الرفع والوقف.
وكذلك اختلف سالم ونافع في الرفع والوقف، ومن أجل هذا يقول الحافظ الأصيلي: ولم يأخذ به مالك؛ لأن نافعا وقفه على ابن عمر، وهو أحد الأربع التي اختلف فيها سالم ونافع، والترجيح لبعضها وإسقاط بعضها مما لا يمكن. اهـ المراد منه.
وقد عقب الشيخ سعيد القنوبي (1) على ما ذكره البنوري بقوله:
__________
(1) – الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي: باحث ومستشار شرعي بمكتب الإفتاء بمسقط-سلطنة عمان. (1/35)
صفحة 36
"ومع هذا الاختلاف لا تقوم الحجة. على أن في الحديث علة أخرى أشرنا إليها في أول بحثنا في معنى قول ابن معين عن الراوى: ليس بشيء، فليراجع من هناك" (1).
- وزاد البنوري قائلا: "إن للتاركين وجوها قوية في ترك العمل به، وكم من أحاديث تركوا العمل بها بأقل مما هاهنا، فالحديث مع كونه غير معمول به في المدينة في عهد مالك -كما اعتذر منه المالكية- ومع كونه معارَضا بأثر مجاهد عن ابن عمر عند ابن أبي شيبة والطحاوي بإسناد صحيح –كما اعتذر منه الحنفية-؛ فيه من صنوف الاضطراب ما يأتي على ستة أوجه .. " (2).
- قال الكاندهلوي: "فالحق أن حديث ابن عمر -رضي الله عنهم- مع أنه مخرّج في الصحيحين مضطرب في مواضع الرفع، ولعل ذاك السر في أن الإمام مالكا لم يأخذ به في قوله المشهور، وهوالمراد بما (في المدونة) قال مالك: لا أعرف رفع اليدين في شيء من تكبير الصلاة، لا في خفض ولا في رفع، إلا في افتتاح الصلاة. قال ابن القاسم: وكان رفع اليدين عند مالك ضعيفا إلا في تكبيرة الإحرام" (3).
*2 - حديث وائل بن حجر: أنه «رأى النبي ? رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر، وَصفَ هَمَّامٌ حِيَال أذنيه، ثم التحف بثوبه ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب ثم رفعهما ثم كبر فركع، فلما قال سمع الله لمن حمده رفع يديه، فلما سجد سجد بين كفيه».رواه مسلم وأبوداود وغيرهما (4).
__________
(1) – القنوبي: جواب عن سؤال متضمن لحديث ابن عمر، وحديثين في القبض (توجد نسخة منه بمكتب الإفتاء).
(2) – البنوري: معارف السنن، 2/ 475.
(3) – الكاندهلوي: أوجز المسالك، 1/ 82.
(4) – صحيح مسلم، رقم401، 1/ 301. سنن أبي داود، أبواب تفريع استفتاح الصلاة باب رفع اليدين في الصلاة، رقم723، 1/ 192. (1/36)
صفحة 37
- قد صرح الإمام أحمد بن حنبل بأن حديث وائل مختلف في ألفاظه؛ فقد حكى ذلك عنه ابن عبد البر فقال: "قيل لأحمد: نرفع عند القيام من اثنتين وبين السجدتين؟ قال: لا، أنا أذهب إلى حديث سالم عن أبيه، ولا أذهب إلى [حديث] وائل بن حجر؛ لأنه مختلف في ألفاظه" (1).
- قال العيني:
"فإن احتج الخصم بحديث وائل بن حجر قال (رأيت رسول الله ? يرفع يديه حين يكبر للصلاة وحين يركع وحين يرفع رأسه من الركوع يرفع يديه حيال أذنيه) أخرجه أبوداود والنسائي فجوابه: أنه ضاده ما رواه إبراهيم النخعي عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه لم يكن رأى النبي ? فعل ما ذكر من رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام، فعبد الله أقدم صحبة لرسول الله ? وأفهم بأفعاله من وائل، وقد كان رسول الله ? يحب أن يليه المهاجرون ليحفظوا عنه، وكان عبد الله كثير الولوج على رسول الله ?، ووائل بن حجر أسلم في المدينة في سنة تسع من الهجرة، وبين إسلاميهما اثنتان وعشرون سنة، ولهذا قال إبراهيم للمغيرة حين قال إن وائلاً حدث أنه رأى (رسول الله ? يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع): إن كان وائل رآه مرة يفعل ذلك فقد رآه عبد الله خمسين مرة لا يفعل ذلك. فإن قلتَ: خبر إبراهيم غير متصل لأنه لم يدرك عبد الله لأنه مات سنة اثنتين وثلاثين بالمدينة، وقيل: بالكوفة، ومولد إبراهيم سنة خمسين كما صرح به ابن حبان؛ قلتُ: عادة إبراهيم إذا أرسل حديثا عن عبد الله لم يرسله ألاّ بعد صحته عنده من الرواة عنه وبعد تكاثر الروايات عنه ولا شك أن خبر الجماعة أقوى من خبر الواحد وأولى" (2).
__________
(1) – ابن عبد البر: الاستذكار، 1/ 411.
(2) – العيني: عمدة القاري: 5/ 274/ج ت. (1/37)
صفحة 38
- قال السهارنفوري: "وأما حديث وائل بن حجر (1) فرواه عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر، وروى عبد الجبار بن وائل عن وائل، وروى عبد الجبار بن وائل قال: حدثني أهل بيتي عن أبي، وروى عبد الجبار بن وائل بن حجر قال: كنت غلاما لا أعقل صلاة أبي فحدثني وائل بن علقمة عن أبي وائل بن حجر؛ أما حديث عاصم (2) فقد روى عنه شريك ولم يذكر فيه رفع اليدين عند الركوع والرفع منه، وذكره بشر بن المفضل وزائدة عن عاصم، وكذلك روى عبد الواحد وشعبة وسفيان عن عاصم فذكروا الرفع، وكذلك روى جرير وصالح بن عمر الواسطي -عند الدارقطني- فذكروا الرفع؛ فعلى هذا حديث عاصم بهذه ((في الأصل: بهذا)) الطرق صحيح، إلا أنه بعد ما ذكر الحافظ (في تهذيب التهذيب) توثيقه عن ابن معين، والنسائي، وأحمد بن صالح، نقل تضعيفه عن ابن المديني، قال: قال ابن المديني: لا يحتج به إذا انفرد. وأما حديث عبد الجبار بن وائل عن أبيه فمع كونه مرسلا فلم يذكر فيه رفع اليدين إلا عند افتتاح الصلاة. وكذلك حديث عبد الجبار بن وائل عن أهل بيته مع كونهم مجهولين لم يذكر فيه رفع اليدين إلا عند افتتاح الصلاة. وأما حديث عبد الجبار عن وائل بن علقمة عن وائل بن حجر ففيه أنّ هذا غلط، بل هو علقمة بن وائل، قال الحافظ (في التقريب): وائل بن علقمة عن وائل بن حجر، وعنه عبد الجبار بن وائل، صوابه: عن عبد الجبار عن علقمة عن أبيه. ومع هذا فسماع علقمة عن أبيه مختلف فيه (3)،
__________
(1) – قال العلامة محمد زكريا بن يحي الكانهلوي: بسط الكلام على اضطرابه في رسالة (السدل في الصلاة) لهذا العبد. انظر؛ السهارنفوري: بذل المجهود، 4/ 408 (بالهامش).
(2) – قال العلامة الكاندهلوي: مذهب عاصم عدم الرفع في غير الافتتاح كما في الأوجز. انظر؛ السهارنفوري: م س.
(3) – قال العلامة الكانهلوي: كما أنكروه قاطبة في بحث آمين، لكن الحنفية فيه قبلوه. انظر؛ السهارنفوري: م س .. (1/38)
صفحة 39
قال الحافظ (في تهذيب التهذيب): وحكى العسكري عن ابن معين أنه قال: علقمة بن وائل عن أبيه مرسل" (1).
وقال السهارنفوري في باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة: "حديث وائل بن حجر المذكور، أخرجهه البيهقي في سننه من طريقين، أحدهما: من طريق إبراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا محمد بن حجر الحضرمي حدثني سعيد بن عبد الجبار بن وائل عن أبيه عن أمه عن وائل بن حجر، وفي سنده محمد بن حجر، قال الذهبي (في الميزان): له مناكير. وقال البخاري: فيه بعض النظر. وفي سنده أم عبد الجبار، وهي أم يحيى لم أعرف حالها ولا اسمها. والطريق الثاني: أخبرنا أبو بكر بن الحارث ثنا أبو محمد بن حبان ثنا محمد بن العباس ثنا محمد بن المثنى ثنا مؤمل بن إسماعيل عن الثوري عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - وضع يمينه على شماله ثم وضعهما على صدره. قال الشيخ النيموي (في آثار السنن): رواه ابن خزيمة (في صحيحه) وفي إسناده نظر، وزيادة على صدره غير محفوظة. وقال (في التعليق): قوله رواه ابن خزيمة ... قلتُ: مؤمل بن إسماعيل لينه غير واحد، قال الذهبي (في الكاشف): صدوق شديد في السنة كثير الخطأ، وقيل: دفن كتبه فحدث حفظا فغلط. وقال الحافظ ابن حجر (في تهذيب التهذيب): قال البخاري: مؤمل منكر الحديث، وقال ابن سعد: ثقة كثير الغلط، وقال ابن قانع: صالح يخطئ، وقال الدارقطني: ثقة كثير الخطأ. وقال (في التقريب): صدوق سيئ الحفظ. وقال ابن التركماني (في الجوهر النقي): ... وقال أبو حاتم: كثير الخطأ، وقال أبو زرعة: في حديثه خطأ كثير. انتهى كلامه.
__________
(1) – السهارنفوري: بذل المجهود، 4/ 408. (1/39)
صفحة 40
(قوله وزيادة على صدره غير محفوظة) قلتُ: رواه أحمد في مسنده من طريق عبد الله بن الوليد عن ... ، وأحمد والنسائي من طريق زائدة عن ... ، وأبو داود من طريق بشر بن المفضل عن ... ، وابن ماجة من طريق عبد الله بن إدريس وبشر بن المفضل عن ... ، وأحمد من طريق عبد الواحد وزهير .... ، كلهم بغير هذه الزيادة ... ، فالحاصل أن هذا الحديث مع هذه الزيادة ضعيف جدا، ومع ذلك لا يخلو عن الاضطراب ... ، وقد عرفت ما فيه من العلل، وقد أوضحت المرام في رسالتي (الدرة الغرة في وضع اليدين على الصدر وتحت السرة) فمن شاء فليرجع إليه. انتهى كلام النيموي" (1).
- وسيأتي بعض الكلام عنه ملخصا في مسألة القبض.
*3 - حديث أبي حميد الساعدي: في عشرة من أصحاب رسول الله ? منهم أبو قتادة. قال أبوحميد: أنا أَعْلَمُكم بصلاة رسول الله ? قالوا: فَلِمَ؟ فوالله ما كنتَ بأكثرنا له تبعا ولا أقدمنا له صحبة. قال: بلى. قالوا: فاعرض. قال: «كان رسول الله ? إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يكبر حتى يَقِر كل عظم في موضعه معتدلا، ثم يقرأ، ثم يكبر فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع .... سمع الله لمن حمده ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ... ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة، ثم يصنع ذلك في بقية صلاته حتى إذا ... » قالوا: صدقت هكذا كان يصلي ?. أخرجه البخاري معلقا، ورواه أبوداود والترمذي وغيرهما (2).
__________
(1) – السهارنفوري: بذل المجهود، 4/ 485 - 487.
(2) – صحيح البخاري، باب إلى أين يرفع يديه وقال أبوحميد في أصحابه رفع النبي ? حذومنكبيه، 1/ 258. سنن أبي داود، باب افتتاح الصلاة، رقم730، 1/ 194. سنن الترمذي، باب ما جاء في وصف الصلاة باب منه، رقم305، 2/ 107. (1/40)
صفحة 41
- قال ابن التركماني (تـ:745هـ): عبد الحميد مطعون في حديثه، كذا قال يحي بن سعيد، وهو إمام الناس في هذا الباب. وقال الطحاوي: لم يسمع محمد بن عمرومن أبي حميد، ولا من أبي قتادة؛ لأن سنه لا يحتمل هذا؛ لأن أبا قتادة قتل مع علي، وصلى عليه علي، وكذا قال الهيثم بن عدي، وقال ابن عبد البر: هو الصحيح. وفي الكمال: وقيل: توفي بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، ولهذا قال ابن حزم: ولعله وهم فيه يعني عبد الحميد. وأيضا قد اضطرب سند هذا الحديث ومتنه؛ فرواه العطاف بن خالد فأدخل بين محمد بن عمرووبين النفر من الصحابة رجلا مجهولا، والعطاف وثقه ابن معين، وفي رواية قال: صالح، وفي رواية: ليس به بأس. وقال أحمد: من أهل مكة ثقة صحيح الحديث. ذكر ذلك صاحب الكمال. ويدل على أن بينهما واسطة، وأن أبا حاتم بن حبان أخرج هذا الحديث في صحيحه من طريق عيسى بن عبد الله عن محمد بن عمرو عن عباس بن سهل الساعدي أنه كان في مجلس فيه أبوه، وأبو هريرة، وأبو أسيد، وأبو حميد الساعدي الحديث. وذكر المزي ومحمد بن طاهر المقدسي في أطرافهما أن أبا داود أخرجه من هذا الطريق. وأخرجه البيهقي في باب السجود على اليدين والركبتين من طريق الحسن بن الحر (حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك عن محمد بن عمروبن عطاء أحد بني مالك عن عياش أوعباس بن سهل) الحديث. ثم قال: (وروى عتبة بن أبي حكيم عن عيسى بن عبد الله عن العباس بن سهل عن أبي حميد) لم يذكر محمدا في إسناده، وقال البيهقي في باب القعود على الرجل اليسرى بين السجدتين (وقد قيل في إسناده عن عيسى بن عبد الله سمعه من عباس بن سهل أنه حضر أبا حميد). (1/41)
صفحة 42
ثم في رواية عبد الحميد -أيضا- أنه رفع عند القيام من الركعتين، وقد تقدم أنه يلزم الشافعي، وفيها -أيضا- التورك في الجلسة الثانية، وفي رواية عباس بن سهل التي ذكرها البيهقي بعد هذه الرواية خلاف هذه، ولفظها: حتى فرغ ثم جلس فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدر اليمنى على قبلته؛ فظهر بهذا أن الحديث مضطرب الإسناد والمتن (1).
- قال العيني (و:762 - ت:855هـ):
فإن احتج الخصم بحديث أبي حميد الساعدي فجوابه: أن أبا داود قد أخرجه من وجوه كثيرة أحدها عن أحمد بن حنبل، وليس فيه ذكر رفع اليدين عند الركوع، والطريق الذي فيه ذلك فهو عن عبد الحميد بن جعفر فهوضعيف، قالوا: إنه مطعون في حديثه، فكيف يحتجون به على الخصم؟ فإن قلتَ: هو من رجال مسلم؛ قلتُ: لا يلزم من ذلك أن لا يكون ضعيفا عند غيره، ولئن سلمنا ذلك فالحديث معلول بجهة أخرى، وهو أن محمد بن عمرو بن عطاء لم يسمع هذا الحديث من أبي حميد ولا ممن ذكر معه في هذا الحديث، مثل أبي قتادة وغيره؛ فإنه توفي في خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وكانت خلافته في سنة خمس وعشرين ومائة، ولهذا قال ابن حزم: ولعل عبد الحميد بن جعفر وهم فيه يعني في روايته عن محمد بن عمرو بن عطاء. فإن قال الخصم: قال البيهقي (في المعرفة) حكم البخاري (في تاريخه) بأنه سمع أبا حميد؛ قلنا: القائل بأنه لم يسمع من أبي حميد هو الشعبي، وهو حجة في هذا الباب" (2).
__________
(1) – ابن الركماني: الجوهر النقي (بهامش السنن الكبرى للبيهقي)، 2/ 69 - 71. وانظر: السهارنفوري: بذل المجهود، 4،402 - 403.
(2) – العيني: عمدة القاري: 5/ 273/ج ت. (1/42)
صفحة 43
- وقال ظفر أحمد العثماني التهانوي -جوابا لابن حجر الذي اعترض على القول بعدم سماع محمد بن عمرومن الصحابة المذكورين (فتح الباري، 2/ 253) -: "قلتُ: فلما جاز أن يكون من ذكر مقدار عمره أووقت وفاته وَهِم، أوالذي سمى أبا قتادة في الصحابة المذكورين وَهِمَ في تسميته؛ فلم لا يجوز أن يكون عبد الحميد هوالذي وَهِمَ في حكايته سماعَ محمد بن عمروبن عطاء عن أبي حميد ورؤيته إياهم؟ فقد قال (في التقريب): عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاري صدوق، رمي بالقدر، وربما وَهِمَ. اهـ (ص16). و (في تهذيب التهذيب): كان يحيى بن سعيد يضعفه، وكان الثوري يضعفه، وقال النسائي في كتاب الضعفاء: ليس بالقوي. اهـ ملخصا (1).
- وقال التهانوي -أيضا-: وبالجملة فمحمد بن عمرو بن عطاء قد اختلف في سماعه هذا الحديث عن أبي حميد بمحضر من أبي قتادة؛ فرجح الطحاوي عدم سماعه منه، وانتصر الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد للطحاوي، كما صرح به في فتح القدير (1/ 274). ووافقه ابن القطان على ذلك. ورجح غيرهم سماعه منهما. ويرجح قول الطحاوي كون عطاف بن خالد وعيسى بن عبد الله بن مالك قد أثبتا الواسطة بين محمد بن عمرو وأبي حميد. وعيسى بن عبد الله ذكره ابن حبان في الثقات (كذا في التهذيب 8/ 217)، ولم يذكر غيره فيه جرحا. وعطاف بن خالد قد مر توثيقه عن ابن معين في كلام الطحاوي مفصلا، وزيادة الثقة مقبولة، لا سيما إذا تابعه عليها غيره، فالراجح إثبات الواسطة. وتصريح سماع محمد بن عمرو لهذا الحديث عن أبي حميد لم يثبت إلا عن عبد الحميد بن جعفر، ولم يتابعه على ذلك أحد، وهو متكلم فيه؛ فلا يحتج بما تفرد به.
__________
(1) – التهانوي: إعلاء السنن، 3/ 94. وفيه تأييد وجه رأي القائلين بعدم سماع محمد بن عمرومن أبي حميد. (1/43)
صفحة 44
وإذا علمت ذلك فقد ثبت كون الحديث منقطعا، وليس ذكر التورك في الجلوس الأخير إلا في هذا الحديث المنقطع، وهو ليس بحجة عندهم، وأما الموصول فليس فيه ذكر التورك أصلا ....
واعلم أن حديث أبي حميد مع كونه مضطرب الإسناد مضطرب المتن أيضا؛ فإن سياق الليث فيه حكاية أبي حميد بصفة الصلاة بالقول، وكذا في رواية كل من رواه عن محمد بن عمرو بن حلحلة، ونحوه رواية عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن عمرو بن عطاء، ووافقهما فليح عن عباس، فحكى أن أبا حميد وصفها بالفعل، ولفظه عند الطحاوي وابن حبان: (قالوا: فأرنا، فقام يصلي وهم ينظرون، فبدأ فكبر-الحديث) كذا ذكره الحافظ في الفتح (2/ 253) ثم قال: ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون وصفها مرة بالقول ومرة بالفعل. اهـ. قلتُ: وبالإمكان لا يرتفع الاضطراب، وإلا لم يبق في الدنيا حديث مضطرب، فافهم.
قال (أي ابن حجر): وقد وافق عيسى أبضا عنه عطاف بن خالد، لكنه أبهم عباس بن سهل أخرجه الطحاوي أيضا، ويقوي ذلك أن ابن خزيمة أخرج من طريق ابن إسحاق أن عباس بن سهل حدثه فساق الحديث بصفة الفعل أيضا، والله أعلم. اهـ. قلتُ: وبهذا ظهر أن عيسى بن عبد الله ليس متفردا في حكاية الفعل حتى يعدوا روايته شاذة؛ بل له متابع وشاهد، فقوي الاضطراب" (1).
- أقولُ: والحديث رغم احتجاج الشافعي به في هذا الموضع إلا أنه لم يأخذ به في الرفع عند القيام من الركعتين، وفي التورك في الجلسة الثانية.
__________
(1) – التهانوي: إعلاء السنن، 3/ 96 - 98. (1/44)
صفحة 45
*4 - حديث مالك بن الحويرث (1): «إذا صلى كبر ورفع يديه، وإذا أراد أن يركع رفع يديه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه، وحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع هكذا». رواه البخاري ومسلم بهذا اللفظ (2). وعند النسائي وأحمد (3) بزيادة الرفع في السجود، ولفظ النسائي: عن مالك بن الحويرث أنه «رأى النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه في صلاته، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من السجود حتى يحاذي بهما فروع أذنيه».
- الحديث في إسناده عند البخاري، ومسلم في أحد طرقه أبو قلابة:
قال الذهبي: "عبد الله بن زيد أبو قلابة الجرمي إمام شهير من علماء التابعين، ثقة في نفسه، إلا أنه يدلس عمن لحقهم وعمن لم يلحقهم، وكان له صحف يحدث منها ويدلس" (4).
__________
(1) – ذكر الشيخ الألباني أن الشيخ زاهد الكوثري قد ضعف هذا الحديث في كتابه تأنيب الخطيب ص83، إلا أني لم أجد ذكرا لهذا الحديث في تأنيب الخطيب في كامل الكتاب، ولعل الألباني يقصد قول الكوثري: (لم يسلم سند من أسانيد الرفع عند الركوع من علة؛ بل لم يصح حديثٌ في الرفع غيرُ حديث ابن عمر. [تأنيب الخطيب، ص136]). انظر؛ الألباني، مقدمة شرح العقيدة الطحاوية، ص38.
(2) – صحيح البخاري، باب رفع اليدين إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع، رقم704، 1/ 258. صحيح مسلم، باب استحباب رفع اليدين حذوالمنكبين مع تكبيرة الإحرام والركوع وفي الرفع من الركوع وأنه لا يفعله إذا رفع من السجود، رقم391، 1/ 293.
(3) – سنن السائي، كتاب الافتتاح، باب رفع اليدين للسجود، رقم1085، 2/ 205. مسند أحمد، 5/ 53.
(4) – الذهبي: ميزان الاعتدال، ترجمة عبد الله بن زيد بن عمرو (أبي قلابة الجرمي)، رقم4339، 4/ 103/ج ت. (1/45)
صفحة 46
وقال ابن حجر: "قال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: لم يسمع أبو قلابة من علي، ولا من عبد الله بن عمر، وقال أبو حاتم: لم يسمع من أبي زيد عمرو بن أخطب، ولا يعرف له تدليس، وهذا مما يقوي من ذهب إلى اشتراط اللقاء في التدليس لا الاكتفاء بالمعاصرة. وقال ابن خراش: ثقة. وقال أبو الحسن علي بن محمد القابسي المالكي (فيما نقله عنه ابن التين شارح البخاري في الكلام على القسامة بعد أن نقل قصة أبي قلابة مع عمر بن عبد العزيز): العجب من عمر على مكانه في العلم كيف لم يعارض أبا قلابة في قوله، وليس أبو قلابة من فقهاء التابعين، وهو عند الناس معدود في البله. كذا قال" (1).
- وفيه أيضا خالد بن مهران الحذاء:
قال الذهبي: " .. وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وجماعة، وحديثه في الصحاح، قال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال عباد بن عباد: أراد شعبة أن يضع من خالد الحذَّاء، فأتيته أنا وحماد بن زيد فقلت له: مالَكَ أجننت أنت أعلم؟ قال: وتهددناه فأمسك.
وقال يحيى بن آدم: قلت لحماد بن زيد: ما لخالد الحذاء في حديثه؟ قال: قدم علينا قدمة من الشام فكأنا أنكرنا حفظه، وقال عبد الله بن أحمد: حدثني أبي قال: قيل لإسماعيل بن علية في هذا الحديث، فقال: كان خالد يرويه، فلم يكن يلتفت إليه، ضعف ابن علية أمره، يعني الحذَّاء.
قال يحيى بن آدم: حدثنا عبد الله بن نافع القرشي أبو شهاب قال: قال لي شعبة: عليك بحجاج بن أرطأة ومحمد بن إسحاق فإنهما حافظان، واكتم علي عند البصريين في خالد الحذَّاء، وهشام يعني ابن حسان.
__________
(1) – ابن حجر: تهذيب التهذيب، ترجمةعبد الله بن زيد بن عمرو (أبي قلابة الجرمي)، رقم388، 5/ 197/ج ت. (1/46)
صفحة 47
قلتُ: هذا الاجتهاد من شعبة مردود لا يلتفت إليه، بل خالد وهشام محتج بهما في الصحيحين هما أوثق بكثير من حجاج وابن إسحاق، بل ضعف هذين ظاهر ولم يتركا" (1).
وقال ابن حجر: " .. عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائي. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به .... وقال العجلي: بصري ثقة .... وحكى العقيلي (في تاريخه) من طريق يحيى بن آدم عن أبي شهاب قال قال لي شعبة: عليك بحجاج بن أرطأة ومحمد بن إسحاق فإنهما حافظان وأكتم علي عند البصريين في خالد الحذاء وهشام، قال يحيى: وقلت لحماد بن زيد: فخالد الحذاء؟ قال: قدم علينا قدمة من الشام فكأنا أنكرنا حفظه. وقال عباد بن عباد: أراد شعبة أن يقع في خالد فأتيته أنا وحماد بن زيد فقلنا له: مالك أجننت؟ وتهددناه، فسكت. وحكى العقيلي من طريق أحمد بن حنبل قيل لابن علية في حديث كان خالد يرويه: فلم يلتفت إليه ابن علية وضعف أمر خالد. قرأت بخط الذهبي: ما خالد في الثبت بدون هشام بن عروة وأمثاله. قلتُ: والظاهر أن كلام هؤلاء فيه من أجل ما أشار إليه حماد بن زيد من تغير حفظه بآخره، أو من أجل دخوله في عمل السلطان والله أعلم" (2).
- قال الشيخ حمود التويجري:
"وقد جاء في رفع اليدين في السجود، وفي كل خفض ورفع، أحاديث ضعيفة جداً، منها ما رواه الإمام أحمد، وابن ماجة ...
__________
(1) – الذهبي: سير أعلام النبلاء، ترجمة خالد بن مهران، رقم90، 6/ 190/ج ت.
(2) – ابن حجر: تهذيب التهذيب، ترجمة خالد بن مهران الحذاء، رقم224، 3/ 104/ج ت. (1/47)
صفحة 48
وقد اعتمد الشيخ الألباني في إثبات رفع اليدين في السجود والرفع منه على ما ذكرنا من الروايات الشاذة عن مالك بن الحويرث، ووائل بن حجر -رضي الله عنهما-، ولا ينبغي الاعتماد على مثلها لشذوذها ومخالفتها لما هوأصح منها، وهوما تقدم في حديث ابن عمر، وعلي -رضي الله عنهم-، والله أعلم" (1).
-قال الشيخ خالد بن علي المشيقح:
"وكذلك أيضاً استدلوا بحديث مالك بن الحويرث وهذا أيضاً فيه ضعف. والبخاري ... -رحمه الله- في كتابه جزء القراءة خلف الإمام أشار إلى أن الأحاديث الواردة في الرفع عند السجود وعند الرفع منه أنها ضعيفة" (2).
أقولُ: الظاهر أن الأيمة لم يلتفتوا إلى ما ذكر في شأن أبي قلابة وخالد الحذاء، وأن إسناد الحديث برواية الرفع عند السجود صحيحة، وفي ذلك يقول الطيب آبادي:
__________
(1) – التويجري: التنبيهات التنبيهات على رسالة الألباني في الصلاة، التنبيه السادس، 62/ 452 - 457/ أرشيف ملتقى أهل الحديث، م ش.
(2) – المشيقح: شرح كتاب الصلاة من عمدة الطالب، 1/ 205 - 206/م ش. (1/48)
صفحة 49
"فظهر من قول الحافظ هذا أن حديث النسائي من طريق سعيد بن نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث أنه «رأى النبي يرفع يديه في صلاته إذا ركع، وإذا رفع رأسه من ركوعه، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من سجوده، حتى يحاذي بهما فروع أذنيه». وقد أخرج مسلم بهذا الإسناد طرفه الأخير كما ذكرناه في أول الباب الذي قبل هذا، ولم ينفرد به سعيد؛ فقد تابعه همام عن قتادة عند أبي عروبة عن قتادة (1) عن نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث صحيح الإسناد، فقد قام دليل صحيح على الرفع في السجود؛ فيجب القول به. قلتُ: لا يستلزم من صحة إسناده صحته، كيف وقد روى البخاري في صحيحه حديث مالك بن الحويرث من طريق خالد عن أبي قلابة، وليس فيه زيادة وإذا سجد وإذا رفع رأسه من السجود، ورواه مسلم من طريق أبي عوانة عن قتادة عن نصر بن عاصم، وليس فيه تلك الزيادة، وكذا رواه أبو داود وابن ماجة والدارمي والدارقطني والبخاري في جزء رفع اليدين، ولم يذكر أحد من هؤلاء تلك الزيادة". اهـ (2).
وعلى القول بصحة إسناده فإنه زيادة إلى معارضته لحديث ابن عمر، هو حديث مضطرب؛ حيث ذكر مرة الرفع في السجود ومرة لم يذكره.
__________
(1) – هكذا وردت العبارة، ولعل صوابها: .. همام عن قتادة عن أبي عروبة، وعن قتادة عن نصر ...
(2) – الطيب آبادي: عون المعبود، 2/ 311/ج ت. (1/49)
صفحة 50
*5 - حديث عليّ: «كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وأراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر». رواه الأربعة (أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وأحمد)، وغيرهم (1).
- قال ابن التركماني:
"ابن أبي الزناد هو عبد الرحمن، قال ابن حنبل: مضطرب الحديث. وقال هو وأبو حاتم: لا يحتج به. وقال عمرو بن علي: تركه ابن مهدي. ثم في هذا الحديث -أيضا- زيادة وهي الرفع عند القيام من السجدتين، فيلزم -أيضا- الشافعي أن يقول به على تقدير صحة الحديث، وهو لا يرى ذلك. وقد روى البيهقى هذا الحديث فيما مضى في باب افتتاح الصلاة بعد التكبير، وذكر معه رواية ابن جريج عن ابن عقبة بسنده، وليس فيه الرفع عند الركوع والرفع منه، ولا نسبة بين ابن جريج وابن أبي الزناد، وعزى البيهقى في ذلك إلى مسلم أنه أخرج حديث الماجشون عن الأعرج بسنده هذا، وليس فيه -أيضا- الرفع عند الركوع والرفع منه، قال الطحاوي: وصح عن علي - رضي الله عنه - ترك الرفع في غير التكبيرة الأولى، فاستحال أن يفعل ذلك بعد النبي - عليه السلام -، إلا بعد ثبوت نسخ الحديث عنده، والبيهقي قد ذكر ذلك عن عليّ في الباب الذى بعد هذا الباب" (2).
__________
(1) – سنن أبي داود، باب افتتاح الصلاة، رقم744، 1/ 198. سنن الترمذي، باب ما جاء في الدعاء ثم افتتاح الصلاة بالليل باب منه، رقم3423، 5/ 487. سنن ابن ماجة، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب رفع اليدين إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع، رقم864، 1/ 280. مسند أحمد، رقم717، 1/ 93./ج ت.
(2) – ابن التركماني: الجوهر النقي (بهامش السنن الكبرى للبيهقي)، 2/ 73، 80. وانظر؛ السهارنفوري: بذل المجهود، 4/ 404. (1/50)
صفحة 51
- قال العيني: "فإن احتج الخصم بحديث علي -رضي الله تعالى عنه- أخرجه الأربعة، وفيه «رفع يديه حذو منكبيه ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته إذا أراد أن يركع، ويصنعه إذا ركع ورفع من الركوع» فجوابه: أنه روي عنه أيضا ما ينافيه ويعارضه؛ فإن عاصم بن كليب روى عن أبيه أن عليا كان يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة ثم لا يرفع بعد، رواه الطحاوي وأبوبكر بن أبي شيبة (في مصنفه)، ولا يجوز لعلي أن يرى ذلك من النبي ? ثم يترك هو ذلك إلاّ وقد ثبت نسخ الرفع في غير تكبيرة الإحرام، وإسناد حديث عاصم بن كليب صحيح على شرط مسلم" (1).
- قال السهارنفوري: "وأما حديث عليّ فمعارض بما رواه الطحاوي، وأبو بكر بن أبي شيبة، والبيهقي بإسناد صحيح عن عاصم بن كليب عن أبيه أنّ عليًّا «كان يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة ثم لا يرفع بعد»؛ فحديث عاصم بن كليب هذا قد دل أنّ حديث ابن أبي الزناد على أحد وجهين: إما أن يكون في نفسه سقيما، أو لا يكون فيه ذكر الرفع أصلا؛ فإن ابن خزيمة حدثنا قال: ثنا عبد الله بن رجاء ح وحدثنا ابن أبي داود قال: ثنا عبد الله بن صالح والوهبي قالوا: أنا عبد العزيز بن أبي سلمة عن عبد الله بن الفضل فذكروا مثل حديث ابن أبي الزناد في إسناده ومتنه، ولم يذكروا الرفع في شيء من ذلك؛ فإن كان هذا هوالمحفوظ، وحديث ابن أبي الزناد خطأ فقد ارتفع بذلك أن يجب لكم بحديث خطأ حجّة. وإن كان ما روى ابن أبي الزناد صحيحا -لأنه زاد على ما روى غيره- فإن عليًّا لم يكن ليرى النبي ? يرفع ثم يترك هو الرفع بعده إلا وقد ثبت عنده نسخ الرفع؛ فحدبث علي -إذا صح- ففيه أكثر الحجّة لقول من لا يرى الرفع" (2).
__________
(1) – العيني: عمدة القاري: 5/ 274/ج ت.
(2) – السهارنفوري: بذل المجهود، 4/ 407.
أقولُ: ومن جهة أخرى فإن هناك من يصحح هذا الحديث ويعظم من شأنه؛ فقد قال ابن العربي: " .. وأما من قال إنه تسبيح الصلاة فهو أفضله، والآثار في ذلك كثيرة أعظمها ما ثبت عن علي بن أبي طالب عن النبي أنه كان إذا قام للصلاة المكتوبة رفع يديه .. الخ". ابن العربي: أحكام القرآن، سورة الطور، الآية الثانية، 4/ 170/ج ت. (1/51)
صفحة 52
*6 - حديث أبي بكر الصديق:
[قال البيهقي] أخبرنا أبوعبد الله الحافظ ثنا أبوعبد الله محمد بن عبد الله الصفار الزاهد إملاء من أصل كتابه قال: قال أبوإسماعيل محمد بن إسماعيل السلمي: صليت خلف أبي النعمان محمد بن الفضل فرفع يديه حين افتتح الصلاة، وحين ركع، وحين رفع رأسه من الركوع، فسألته عن ذلك فقال: صليت خلف حماد بن زيد فرفع يديه حين افتتح الصلاة، وحين ركع، وحين رفع رأسه من الركوع، فسألته عن ذلك فقال: صليت خلف أيوب السختياني فكان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، فسألته فقال: رأيت عطاء بن أبي رباح يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، فسألته فقال: صليت خلف عبد الله بن الزبير فكان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، فسألته فقال عبد الله بن الزبير: صليت خلف أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فكان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع. وقال أبوبكر: «صليت خلف رسول الله ? فكان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع». رواته ثقات" (1).
- قال ابن التركماني:
"السلمي تكلم فيه أبوحاتم؛ قال الدار قطني: وقال ابن أبي حاتم: تكلموا فيه، ومحمد بن الفضل عارم تغير واختلط بآخره. وقال ابن حبان: تغير حتى كان لا يدري ما يحدث به، فوقع في حديثه المناكير الكثيرة فيجب التنكيب عن حديثه فيما رواه المتأخرون، فإذا لم يعلم هذا من هذا ترك الكل، ولا يحتج بشيء منها، انتهى كلامه. ثم لو سلمنا أن رواته ثقات فلا بد من الاتصال، والصفار لم يصرح بالتحديث عن السلمي" (2).
__________
(1) – البيهقي: السنن الكبرى، كتاب الصلاة، باب رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس منه، رقم2349، 2/ 73.
(2) – ابن الركماني: الجوهر النقي (بهامش السنن الكبرى للبيهقي)، 2/ 71. وانظر؛ السهارنفوري: بذل المجهود، 4/ 403. (1/52)
صفحة 53
- وقال التهانوي: "وقد تكلم العلامة ظهير على هذا الحديث بوجوه، منها: أن هذا الأثر قد تفرد به أبو عبد الله الصفار، ولم يتابعه عليه أحد من أهل العلم. ومنها: أن الصفار لم يصرح فيه بسماعه من محمد بن إسماعيل السلمي، بل أتى بلفظة (قال) ولها حكم الانقطاع بعد المتقدمين، كما نص بذلك الحافظ في الفتح: "أنَّ (قال) لا تُحمل على السماع إلا ممن عرف عادته أنه يأتي بها في موضع السماع مثل حجاج بن محمد الأعور". وذهب ابن الصلاح إلى أن حكم الاتصال لا يستمر بعد المتقدمين، وهوالصواب.
ومنها: أن فيه أبوالنعمان محمد بن الفضل عارم السدوسي، وهو ثقة تغير بآخره، رواه عنه أبو إسماعيل السلمي، وهوليس من أصحابه القدماء. اهـ
قلتُ [أي التهانوي]: ولم يعلم أن سماعه منه كان قبل تغيره أم بعده، قال في تهذيب التهذيب: "قال [أي ابن أبي حاتم]: وسئل أبي عنه فقال: ثقة. قال: وسمعت أبي يقول: اختلط عارم في آخر عمره وزال عقله، فمن سمع منه قبل الاختلاط فسماعه صحيح، وكتب عنه قبل الاختلاط سنة أربع عشرة، ولم يسمع منه بعد ما اختلط، فمن سمع منه قبل سنة عشرين فسماعه جيد. وقال النسائي: كان أحد الثقات قبل أن يختلط. وقال ابن حبان: اختلط في آخر عمره وتغير، حتى كان لا يدري ما يحدث به، فوقع في حديثه المناكير الكثيرة، فيجب التنكب عن حديثه فيما رواه المتأخرون، فإن لم يعلم هذا من هذا ترك الكل، ولا يحتج بشيء منها. اهـ ملخصا" (9/ 403 - 404). (1/53)
صفحة 54
فإن قلتَ: قد قال الدارقطني -كما في تهذيب التهذيب أيضا-: تغير بآخره، وما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر، وهو ثقة. قلتُ: قد خالفه أبوحاتم والنسائي وابن حبان، فقول أبي حاتم يدل على أن من سمع منه بعد الاختلاط فسماعه غير صحيح، وقول النسائي يدل على أنه لم يبق ثقة بعد الاختلاط، وصرح ابن حبان بعدم الاحتجاج بحديثه إذا لم يعلم هذا من هذا؛ فلا يعتد في ذلك بقول الدارقطني وحده. وأما ما قاله الذهبي -كما فيه أيضا (أي في تهذيب التهذيب) -: لم يقدر ابن حبان أن يسوق له حديثا منكرا، والقول فيه ما قاله الدارقطني، اهـ؛ ففيه أن عدم سوقه لا يدل على عدم قدرته على ذلك، كيف؟ وقد قال الآجري عن أبي داود: كنت عند عارم فحدث عن حماد عن هشام عن أبيه أن ماعزا الأسلمي سأل عن الصوم في السفر، فقلتُ له: حمزة الأسلمي يعني أن عارما قال هذا، وقد زال عقله اهـ؛ فهذا يؤيد قول ابن حبان إنه تغير حتى كان لا يدري ما يحدث به، فوقع في حديثه المناكير اهـ كذا في التهذيب (9/ 404). فالحق أن هذا الحديث لا يحتج به ما لم يعلم أن سماع أبي إسماعيل السلمي كان منه قبل الاختلاط، وقد اكتفى البيهقي بتوثيق رجاله (1)، ولم يحكم بصحته، والله أعلم" (2).
*7 - حديث عمر بن الخطاب:
__________
(1) – واكتفاء البيهقي بتوثيق رجاله يوهم تصحيحه له، وهذه إحدى المغامز في معرض سوق الحجج والانتصار لرأي دون آخر.
(2) – التهانوي: إعلاء السنن، 3/ 70 - 71. (1/54)
صفحة 55
[قال البيهقي] أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ثنا أبوجعفر أحمد بن عبيد الحافظ وأبوالقاسم عبد الرحمن بن الحسن القاضي الأسديان بهمدان قالا ثنا إبراهيم بن الحسين بن ديزيل الهمداني ثنا آدم بن أبي إياس ثنا شعبة ثنا الحكم قال: رأيت طاوسا كبر فرفع يديه حذو منكبيه عند التكبير وعند ركوعه وعند رفعة رأسه من الركوع، فسألت رجلا من أصحابه فقال: إنه يحدث به عن ابن عمر عن عمر عن النبي ?. قال أبو عبد الله الحافظ: فالحديثان كلاهما محفوظان عن ابن عمر عن عمر عن النبي ?، وابن عمر عن النبي ?؛ فإن ابن عمر رأى النبي ? فعله، ورأى أباه فعله، ورواه عن النبي ?" (1).
- قال ابن التركماني:
" (في الإمام): كذا رواه آدم وابن عبد الجبار المروزي عن شعبة، ووهما فيه، والمحفوظ عن ابن عمر عن النبي - عليه السلام -، وهذه الرواية ترجع إلى مجهول، وهو الرجل الذي من أصحاب طاووس حدث الحكم، فإن كانت قد رويت من وجه آخر على هذا الوجه عن عمر، وإلا فالمجهول لا تقوم به حجة، وفي علل الخلال عن أحمد بن أصرم سألت أبا عبد الله -يعني عن هذا الحديث- فقال: من يقول هذا عن شعبة؟ قلتُ: آدم العسقلاني، قال: ليس هذا بشيء، إنما هو عن ابن عمر عن النبي ?. وفي الخلافيات للبيهقي: ورواه محمد بن جعفر غندر عن شعبة، ولم يذكر في إسناده عمر.
- .. والذي روي عن عمر في الرفع في الركوع والرفع منه ذكر البيهقى سنده، وفيه من هو مستضعف، ولهذا قال البيهقي -في الباب السابق-: (ورويناه عن أبي بكر وعمر)، وذكر جماعة، ولم يذكره بلفظ الصحة كما فعل ابن اسحاق" (2).
__________
(1) – البيهقي: السنن الكبرى، كتاب الصلاة، باب رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس منه، رقم2351، 2/ 73.
(2) – ابن الركماني: الجوهر النقي (بهامش السنن الكبرى للبيهقي)، 2/ 72، 80. وانظر؛ السهارنفوري: بذل المجهود، 4/ 403 - 404. (1/55)
صفحة 56
- قال التهانوي: " .. وذكر فيهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -؛ فإن البخاري ذكره تعليقا ولم يسق سنده، ولم يذكره أيضا بلفظ الصحة والجزم، بل في قوله (وكذلك يروى) إشارة إلى الضعف، فلا حجة فيه بعد ما صح عن عمر - رضي الله عنه - ترك الرفع بسند رجاله كلهم ثقات" (1).
- قال السهارنفوري: "وأما حديث عمر فمعارض بما رواه الطحاوي، وأبوبكر بن أبي شيبة عن الأسود قال: رأيت عمر بن الخطاب يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود. وقال الطحاوي -بعد تخريج هذا الحديث-: وهو حديث صحيح؛ لأن الحسن بن عياش -وإن كان هذا الحديث إنما دار عليه- فإنه ثقة حجة، وقد ذكر ذلك يحي بن معين وغيره. أفترى عمر بن الخطاب خفي عليه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه في الركوع والسجود، وعلم ذلك مَنْ دونه ومن هومعه يراه يفعل غير ما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل ثم لا ينكر ذلك عليه؟! هذا عندنا محال، وفعل عمر هذا، وترك أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياه على هذا دليل صحيح أن ذلك هو الحق الذي لا ينبغي لأحد خلافه. انتهى. وما أخرجه البيهقي بإسناده عن سعيد بن المسيب قال: رأيت عمر بن الخطاب يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة وإذا ركع وإذا رفع رأسه؛ ففيه رشدين بن سعد، وهوضعيف" (2).
أقولُ: هل تقبل هذه الروايات عن عمر - رضي الله عنه - وهي على هذه الحال؟؟!!
*8 - عن عثمان:
- قال ابن التركماني: ولم أجد أحدا ذكر عثمان - رضي الله عنه - في جملة من كان يرفع يديه في الركوع والرفع منه (3).
*9 - حديث أنس بن مالك:
__________
(1) – التهانوي: إعلاء السنن، 3/ 63.
(2) –السهارنفوري: بذل المجهود، 4/ 407.
(3) – ابن التركماني: الجوهر النقي (بهامش السنن الكبرى للبيهقي)، 2/ 80. (1/56)
صفحة 57
حدثنا محمد بن بشار ثنا عبد الوهاب ثنا حميد عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «كان يرفع يديه إذا دخل في الصلاة وإذا ركع». رواه ابن ماجة وغيره (1).
- قال السهارنفوري: "وأما حديث أنس فقال الطحاوي فيه: وأما حديث أنس بن مالك فهم يزعمون أنه خطأ، وأنه لم يرفعه أحد إلا عبد الوهاب الثقفي خاصة، والحفاظ يوقفونه على أنس. وقال الدارقطني -بعد تخريج حديث أنس-: لم يروه عن حميد مرفوعا غير عبد الوهاب والصواب من فعل أنس" (2).
*10 - حديثا أبي هريرة:
الحديث الأول: حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث حدثني أبي عن جدي عن يحيى بن أيوب عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبي هريرة أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر للصلاة جعل يديه حذو منكبيه، وإذا ركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع للسجود فعل مثل ذلك، وإذا قام من الركعتين فعل مثل ذلك. [رواه أبو داود] (3).
حدثنا عثمان بن أبي شيبة وهشام بن عمار قالا ثنا إسماعيل بن عياش عن صالح بن كيسان عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه في الصلاة حذو منكبيه حين يفتتح الصلاة، وحين يسجد». رواه ابن ماجة (4).
__________
(1) – سنن ابن ماجة، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب رفع اليدين إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع، رقم866، 1/ 281.
(2) –السهارنفوري: بذل المجهود، 4/ 408 - 409.
(3) – سنن أبي داود، باب افتتاح الصلاة، رقم738، 1/ 197.
(4) – سنن ابن ماجة، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب رفع اليدين إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع، رقم860، 1/ 279. (1/57)
صفحة 58
- قال العيني: " ... فجوابه أنه من طريق إسماعيل بن عياش عن صالح بن كيسان وهم لا يجعلون إسماعيل فيما يروى عن غير الشاميين حجة، فكيف يحتجون بما لواحتج بمثله عليهم لم يسوغوه إياه. وقال النسائي: إسماعيل ضعيف. وقال ابن حبان: كثير الخطأ في حديثه، فخرج عن حد الاحتجاج به. وقال ابن خزيمة: لا يحتج به" (1).
- قال السهارنفوري -بعد أن ذكر مثل كلام العيني نقلا عن الطحاوي-: "قلتُ: وأخرج أبوداود -فيما سيأتي من قريب- حديث أبي هريرة بسند آخر ليس فيه إسماعيل بن عياش، ولكن في سنده يحي بن أيوب، وهومختلف فيه" (2).
- قال التهانوي: " ... كذلك حجة على الشافعي وغيره؛ فإن الجمهور منهم لا يقولون بالرفع للسجود، ولا عند الرفع منه" (3).
أقولُ: هذا إقرار منهم بعدم صحة ذلك الجزء من هذا الحديث، وغيره من الأحاديث التي تفيد الرفع للسجود وعند الرفع منه، مثل حديث وائل، وحديث علي.
الحديث الثاني: حدثنا مُسَدَّدٌ ثنا يحيى عن بن أبي ذِئْبٍ عن سَعِيدِ بن سمعان عن أبي هريرة قال «كان رسول اللَّهِ ? إذا دخل في الصّلاة رفع يديه مَدًّا». رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وأحمد، والدارمي وغيرهم (4).
__________
(1) – العيني: عمدة القاري، 5/ 273 - 274.
(2) –السهارنفوري: بذل المجهود، 4/ 409.
(3) – التهانوي: إعلاء السنن، 3/ 78.
(4) – سنن أبي داود، باب من لم يذكر الرفع عند الركوع، رقم753، 1/ 200. سنن الترمذي، باب ما جاء في نشر الأصابع عند التكبير، رقم239، 2/ 5. سنن النسائي، باب رفع اليدين مدا، رقم883، 2/ 124. مسند أحمد، رقم8862، 2/ 375. سنن الدارمي، باب رفع اليدين عند افتتاح الصلاة، رقم1237، 1/ 308./ج ت. (1/58)
صفحة 59
قال الشيخ السيابي: "هذا الحديث في سنده سعيد بن سمعان عند أحمد وأبي داود والترمذي والنسائي، وقال فيه الحافظ الذهبي (في كتابه ميزان الاعتدال) (1): فيه جهالة، وضعفه الأزدي. وعند الدارمي في سنده عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، نقل الذهبي (2) عن عثمان بن سعيد عن يحي أنه ليس بشيء ... ، وعلى هذا فالحديث ضعيف" (3).
*11 - حديث أبي موسى الأشعري: قال: هل أريكم صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ «فكبر ورفع يديه، ثم كبر ورفع يديه للركوع، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم رفع يديه، ثم قال: هكذا فاصنعوا ولا يرفع بين السجدتين». رواه الدارقطني (4).
__________
(1) – الذهبي: ميزان الاعتدال، ترجمة سعيد بن سمعان، رقم3209، 3/ 209/ج ت. وتتمة كلامه فيه: " .. وقواه غيره. وقال النسائي ثقة".
(2) – الذهبي: ميزان الاعتدال، ترجمة عبيد الله بن عبد المجيد، رقم5386، 5/ 18/ج ت. ونص كلامه: " .. قال أبو حاتم وغيره: ليس به بأس. وروى عثمان بن سعيد عن يحيى: ليس بشيء. وقال شيخنا (في التهذيب) قال عثمان الدارمي عن يحيى وأبي حاتم: ليس به بأس. وذكره العقيلي (في كتابه) وساق له حديثا لا أرى به بأسا". وقال ابن حجر فيه بعد أن ذكر من وثقه: " .. وضعفه العقيلي وروى عن ابن معين أنه قال: ليس بشيء". ابن حجر: تهذيب التهذيب، ترجمة المذكور، رقم63، 7/ 31/ج ت.
(3) – السيابي: الرفع والضم، ص8.
(4) – سنن الدارقطني، باب ذكر التكبير ورفع اليدين عند الافتتاح والركوع والرفع منه وقدر ذلك واختلاف الروايات، رقم16، 1/ 292/ج ت. (1/59)
صفحة 60
- قال السهارنفوري: " .. أخرجه الدارقطني من طريق النضر بن شميل وزيد بن الحباب عن حماد بن سلمة مرفوعا، ورواه ابن المبارك عن حماد بن سلمة فوقفه عن أبي موسى أنه توضأ قال: هلموا أريكم فكبر ورفع يديه، ثم قال: هكذا فاصنعوا. وقال الدارقطني بعد تخريج الروايتين المتقدمتين: رفعه هذان، ووقفه غيرهما عنه" (1).
*12 - حديث جابر: «كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك، ويقول: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل مثل ذلك». ورفع إبراهيم بن طهمان يديه إلى أذنيه. رواه ابن ماجة (2).
- قال السهارنفوري: "وأما حديث جابر عند ابن ماجة ففي سنده أبو حذيفة موسى بن مسعود، وهوضعيف عند المحدثين، قال (في الميزان): تكلم فيه أحمد، وضعفه الترمذي، وقال ابن خزيمة: لا يحتج به، وقال عمرو بن علي: لا يحدث عنه من ينصر الحديث، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم، وقال بندار: ضعيف الحديث. وقال (في تهذيب التهذيب): وقال ابن قانع: فيه ضعف، وقال الحاكم أبو عبد الله: كثير الوهم، سيئ الحفظ، وقال الساجي: كان يصحف ولين" (3).
*13 - حديث ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «كان يرفع يديه عند كل تكبيرة». رواه ابن ماجة (4).
__________
(1) –السهارنفوري: بذل المجهود، 4/ 409.
(2) – سنن ابن ماجة، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب رفع اليدين إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع، رقم868، 1/ 281.
(3) – السهارنفوري: بذل المجهود، 4/ 409 - 410.
(4) – سنن ابن ماجة، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب رفع اليدين إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع، رقم865، 1/ 281. (1/60)
صفحة 61
- قال السهارنفوري: "وأما حديث ابن عباس عند ابن ماجة ففي سنده عمر بن رياح، قال البخاري عن عمرو بن علي الفلاس: هو دجال. وقال النسائي، والدارقطني: متروك. وقال الحاكم: أبو أحمد ذاهب الحديث له عنده في الرفع عند كل تكبير. قلتُ: وقال ابن عدي: يروي عن ابن طاوس بواطيل ما لا يتابعه أحد عليه، والضعف ببّن على حديثه. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات، لا يحل كتب حديثه إلا على التعجب. وقال العقيلي: منكر الحديث. وقال: قال عمرو بن علي: كان دجالا. وقال الساجي: عمر بن رياح أبو حفص مولى باهلة يحدث ببواطيل ومناكير (هكذا في تهذيب التهذيب) " (1).
*14 - حديث ابن الزبير:
حدثنا قتيبة بن سعيد ثنا ابن لهيعة عن أبي هبيرة عن ميمون المكي أنه رأى عبد الله بن الزبير وصلى بهم يشير بكفيه حين يقوم، وحين يركع، وحين يسجد، وحين ينهض للقيام، فيقوم فيشير بيديه، فانطلقتُ إلى ابن عباس فقلتُ: إني رأيت ابن الزبير صلى صلاة لم أر أحدا يصليها، فوصفتُ له هذه الإشارة، فقال: إن أحببت أن تنظر إلى صلاة رسول الله ? فاقتد بصلاة عبد الله بن الزبير. رواه أبو داود (2).
- قال السهارنفوري: "وأما حديث ابن عباس عند أبي داود في قصة صلاة ابن الزبير ففي سنده عبد الله بن لهيعة، وهوضعيف، قال (في الميزان): قال ابن معين: ضعيف لا يحتج به، الحميدي عن يحيى بن سعيد أنه كان لا يراه شيئا. وفي سنده ميمون المكي وهو مجهول (كذا في التقريب). وقال (في الميزان): ميمون المكي عن ابن عباس لا يعرف، تفرد عنه عبد الله بن هبيرة السبائي" (3).
__________
(1) – السهارنفوري: بذل المجهود، 4/ 410 - 411.
(2) – سنن أبي داود، باب افتتاح الصلاة، رقم739، 1/ 197.
(3) – السهارنفوري: بذل المجهود، 4/ 411. (1/61)
صفحة 62
*15 - حديث عمير بن حبيب الليثي: «كان رسول الله ? يرفع يديه مع كل تكبيرة في الصلاة المكتوبة».رواه ابن ماجة (1).
- قال العيني: "قلتُ: قال ابن حبان: هذا خبر مقلوب إسناده، ومتنه منكر، ما رفع النبي ? يديه في كل خفض ورفع قط، وإخبار الزهري عن سالم عن أبيه مصرح بضده، وأنه لم يكن يفعل ذلك بين السجدتين. وقال ابن عدي: حديث الرفع يعرف برفدة، وقد روي عن أحمد بن أبي روح البغدادي عن محمد بن مصعب عن الأوزاعي. وقال مهنأ: سألت أحمد ويحيى عن هذا الحديث، فقالا: ليس بصحيح ولا يعرف عبيد بن عمير بحديث عن أبيه شيئا ولا عن جده" (2).
__________
(1) – سنن ابن ماجة، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب رفع اليدين إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع، رقم861، 1/ 280.
(2) – العيني: عمدة القاري، 5/ 276/ج ت. (1/62)
صفحة 63
- قال السهارنفوري: "وأما حديث عمير الليثي عند ابن ماجة ففي سنده رفدة بن قضاعة، قال أبوحاتم: منكر الحديث. وقال البخاري: في حديثه بعض المناكير، لا يتابع في حديثه. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الدارقطني: متروك، وروى له ابن ماجة حديثا واحدا في رفع اليدين. وقال ابن حبان: كان ممن يتفرد بالمناكير عن المشاهير، لا يحتج به إذا وافق الثقات، فكيف إذا انفرد بالأشياء المقلوبات؟ روى عن الأوزاعي بسنده أن النبي ? «كان يرفع يديه في كل خفض ورفع»، وهذا خبر إسناده مقلوب، ومتنه منكر. وقال مهنأ: سألت أحمد ويحي عن هذا الحديث فقالا ((في الأصل: فقال)): ليس بصحيح ولا يعرف عبيد بن عمير روى عن أبيه شيئا، ولا عن جده. وقال يحي: رفدة قد سمعت به، وهو شيخ ضعيف (هكذا في تهذيب التهذيب مختصرا). ومع هذا فالحديث مرسل، قال الحافظ (في تهذيب التهذيب في ترجمة عمير بن قتادة): وعنه ابنه عبيد وحده، له عندهم حديثان. قلت: ذكر العسكري أنه شهد الفتح. وذكر البغوي أنه أنه شهد حجة الوداع. وروى أبو يعلى (في مسنده) من طريق عبيد الله بن عبيد بن عمير الليثي عن أبيه قال: أتيت عمر إلى عمر وهو يعطي الناس، فقلت: يا ابن الخطاب أعطني فإن أبي استشهد مع النبي ?، فأقبل إلي وضمني إليه، ثم قال: فذكر قصة. قلتُ: فإن صح هذا فحديث عبيد بن عمير عن أبيه مرسل، وأيضا: عبد الله لم يسمع من أبيه شيئا، ولا يذكره، قاله البخاري (في الأوسط، نقله في تهذيب التهذيب) " (1).
*16 - حديث المراوح (2):
روى الإمام البخاري (في جزء رفع اليدين) بسنده قال: "حدثني مسدد قال حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة عن الحسن قال: كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كأنّما أيديهم المراوح يرفعونها إذا ركعوا وإذا رفعوا رؤوسهم".
__________
(1) – السهارنفوري: بذل المجهود، 4/ 410.
(2) – ملخص من بحث الشيخ السابعي (مرقون، ولدى الباحث نسخة منه). (1/63)
صفحة 64
وقال: "حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبوهلال عن حميد بن هلال قال: كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلوا كأن أيديهم حيال آذانهم المراوح" (1).
ولم يكتف البخاري بالسكوت عن نقده هذين الأثرين – وإنما علق بما يفيد -صراحة- قبوله إياهما قائلاً: "فلم يستثن الحسن وحميد بن هلال أحداً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - " (2).
وروى كل من الإمام أحمد (3) والحارث بن أبي أسامة (4) بسندهما إلى حميد بن هلال: "حدثني من سمع من الأعرابي قال: «رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي، قال: فرفع رأسه من الركوع، ورفع كفيه حتى حاذتا أذنيه؛ أوبلغتا فروع أذنيه، كأنهما مروحتان» ".
وعند دراسة الإسنادين الأولين اللذين عند البخاري –وهو من هو في النقد ومعرفة الرجال!! - يتبين الآتي:
أ- في الإسناد الأول:
- سعيد، وهو ابن أبي عروبة، قال الحافظ ابن حجر: "ثقة حافظ، له تصانيف، كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة" (5).
إذن فسعيد: مختلط، كثير التدليس، ولا ينفعه كونه من أثبت الناس في قتادة ما دام عنعن ولم يصرح بالسماع.
- وفيه أيضا: قتادة، وهو مدلس كما هو معروف، وقد روى هنا بالعنعنة.
إذن فهذا الأثر ضعيف لثلاثة أسباب:
1 - اختلاط سعيد.
2 - عنعنته.
3 - عنعنة قتادة.
ب- في الإسناد الثاني:
- أبو هلال، وهو محمد بن سليم الراسبي، وقد ضعفه غير واحد (6).
__________
(1) – البخاري: رفع اليدين، ص75.
(2) – البخاري: رفع اليدين، ص76. وسيأتينا ما يرد تعقيب البخاري هذا من قول الحسن نفسه "فعله من فعله وتركه من تركه". انظر الفقرة *3* من الملابسات المرتبطة بمسألة الرفع.
(3) – مسند أحمد، 3/ 6.
(4) – مسند الحارث، باب رفع اليدين بعد الرفع من الركوع، رقم177، 1/ 289/ج ت.
(5) – ابن حجر: التقريب، رقم 2365.
(6) – المزي: تهذيب الكمال، 9/ 619. (1/64)
صفحة 65
وقال فيه الحافظ ابن حجر: "فيه لين" (1).
- وفيه حميد بن هلال: وهو نفسه فيه كلام (2).
فهذا الأثر ضعيف أيضاً.
فهل خفيت كل هذه العلل على الإمام البخاري؟!
والعجب من هذا الإمام أنه أورد بنفسه في كتابه (الضعفاء) سعيد بن أبي عروبة -أحد رواة الأثر الأول- وذكر له دلائل اختلاطه، وأبي هلال الراسبي أحد رواة الأثر الثاني (3).
فلماذا قبلهما هنا؟!
أما إسناد أحمد والحارث فواضح الضعف؛ لأن الراوي عن الأعرابي شخص مجهول!! ضف إلى ذلك تصوير خشوع النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاته كيف كان؟؟!!
وللأسف فإن من المحدثين من يورد هذه الرواية ويسكتون عن بيان ضعفها وبطلانها سنداً ومتناً، والله المستعان.
*- قول البخاري: يروى عن سبعة عشر نفسا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع وعند الرفع منه، منهم أبو قتادة الأنصاري ... الخ (4):
- قال التهانوي: .. وذكر فيهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -؛ فإن البخاري ذكره تعليقا ولم يسق سنده، ولم يذكره أيضا بلفظ الصحة والجزم، بل في قوله"وكذلك يروى" إشارة إلى الضعف، فلا حجة فيه بعد ما صح عن عمر - رضي الله عنه - ترك الرفع بسند رجاله كلهم ثقات" (5).
__________
(1) – ابن حجر: التقريب، رقم5278، 1/ 437/ج ت. قال الذهبي: عياض بن عبد الله الفهري عن الزهري وأبي الزبير، وعنه الليث وابن وهب، وثق، وقال أبوحاتم: ليس بقوي. الذهبي: الكاشف، رقم4359، 2/ 107/ج ت.
(2) – قال ابن حجر: حميد بن هلال العدوي أبونصر البصري ثقة عالم توقف فيه ابن سيرين لدخوله في عمل السلطان، من الثالثة. ابن حجر: التقريب، رقم1563، 1/ 182/ج ت.
(3) – البخاري: الضعفاء، رقم138، 1/ 51، ورقم324، 1/ 102/ج ت.
(4) – البخاري: رفع اليدين، رقم9، ص22.
(5) – التهانوي: إعلاء السنن، 3/ 63. (1/65)
صفحة 66
*- قال ابن حجر: "وذكر الحاكم، وأبو القاسم ابن مندة ممن رواه العشرة المبشرة، وذكر شيخنا أبوالفضل الحافظ (العراقي) أنه تتبع من رواه من الصحابة فبلغوا خمسين رجلا" (1).
وقال السيوطي: "وحديث رفع اليدين في الصلاة من رواية نحو خمسين". وقال مجد الدين الفيروز آبادي (في سفر السعادة): "إن الأخبار والآثار التي رويت في هذا الباب تبلغ أربع مائة" (2). وقال البيهقي: "وسمعت أبا عبد الله الحافظ يقول لا نعلم سنة اتفق على روايتها عن النبي ? الخلفاء الأربعة ثم العشرة فمن بعدهم من أكابر الصحابة على تفرقهم في البلاد الشاسعة غير هذه السنة" (3):
- قال الزيلعي: "وقال الشيخ في الإمام: وجزم الحاكم برواية العشرة ليس عندي بجيد فان الجزم إنما يكون حيث يثبت الحديث ويصح، ولعله لا يصح عن جملة العشرة" (4).
- وقال محمد تقي العثماني: "وكذلك جزم العراقي وغيره بكون رواته من الصحابة بلغوا خمسين ليس بجيد ما لم يثبت عنهم بسند صحيح، ولعله لا يصح إلا عن قليل منهم؛ فإن أصح الروايات في الرفع حديث ابن عمر، وقد اختلف فيه؛ فرفعه سالم، ووقفه نافع، فذكره من فعل ابن عمر، ورواه مالك في الموطأ فلم يذكر فيه الرفع عند الركوع، والبسط في الزيلعي (1/ 212، و213) والله أعلم" (5).
- قال السهارنفوري: "فأما من ذَكَرهم مجملا نقلا عن الحافظ ... وكذا ما قال مجد الدين الفيروز آبادي ... فبلغ إلى أربع مائة. انتهى. فلم أقف على أسمائهم، ولا على رواياتهم وسندها" (6).
*- الرفع متواتر:
__________
(1) – ابن حجر: فتح الباري، 2/ 220.
(2) – انظر؛ السهارنفوري: بذل المجهود، 4/ 411.
(3) – اللخمي: مختصر خلافيات البيهقي، 2/ 72/ج ت.
(4) – الزيلعي: نصب الراية، 1/ 417/ج ت.
(5) – بهامش كتاب إعلاء السنن للتهانوي، 3/ 80.
(6) – السهارنفوري: بذل المجهود، 4/ 411. (1/66)
صفحة 67
- قال التهانوي: "أيش ((هكذا في الأصل)) يجدي لكم تواتره بعد ما ثبت عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من أجلة الصحابة أنهم تركوا العمل به [أي في غير الافتتاح] " (1).
- قال السهارنفوري -معقبا على الشوكاني-: "لا يخفى عليك أن قوله (إن الرفع قد ثبت من فعله - صلى الله عليه وسلم - ثبوتا متواترا) دعوى لا دليل عليه، ولو سلم فرضا فلا نسلم جعلها قرينة لقصر العام وتخصيصه ((في حديث النهي عن الرفع كأذناب خيل شمس))، وهذا ظاهر جدا" (2).
- قال الكاندهلوي: "وادعاء التواتر عند اختلاف الروايات، واختلاف الصحابة، واختلاف التابعين، واختلاف الأئمة المجتهدين؛ من المضحكات" (3).
*- حديث ابن مسعود وغيره من الأحاديث التي تفيد تقييد الرفع بتكبيرة الإحرام فقط: وهذه قد تكلم فيها القائلون بالرفع في بقية المواضع، ولكن الحنفية القائلين بالرفع عند الإحرام فقط وقبل التكبير قد دافعوا عنها وانتصروا لها (4)، ومن غير الحنفية من شاركهم في ذلك (5).
ثالثا: مناقشة بعض الأمور والملابسات المتعلقة بمسألة الرفع:
*1* مناقشة ما سبق من الخلاف في مسائل الرفع (6):
تبين أن الخلاف في كل مسائل الرفع شاسع واسع، وكل قول يعتمد في -كثير من الأحيان- على رواية منسوبة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والشكوك في موضوع الرفع واردة من جهة كونه أمرا عمليا في الصلاة، يتكرر ليلا ونهارا، ولا يمكن أن يخفى عدده ومواضعه وكيفيته وكل ما يتعلق به، بَيْد أننا وجدنا أن المسألة مضطربة إلى أبعد الحدود.
__________
(1) – التهانوي: إعلاء السنن، 3/ 80.
(2) – السهارنفوري: بذل المجهود، 4/ 421.
(3) – الكاندهلوي: أوجز المسالك، 1/ 90.
(4) – انظر؛ الزيلعي: نصب الراية، 1/ 412 - 413/ج ت. السهارنفوري: بذل المجهود، 4/ 411وما بعدها.
(5) – انظر؛ السماوي: الغطمطم الزخار، 5/ 34 - 35، 43 - 45.
(6) – هذه الفقرة مختصرة مع شيء من التصرف، من بحث الشيخ ناصر السابعي (مرقون). (1/67)
صفحة 68
ويفترض أن يكون نقل الرفع بنفس الأوصاف نقلا جماعيا متفقا عليه بين كل النقلة، والواقع أن شيئا من ذلك لم يكن.
بل على العكس نجد الروايات تناقض بعضها، ويمنع بعضها ما يجيزه بعضها الآخر، وبناء عليه تتباين المواقف بين العلماء في أي من الروايات يأخذ الواحد منهم، وأي من الأقوال يتبنى.
وأما الموقف الذي يبيح العمل بأيها شاء المصلي مع ندرة من يتخذه من العلماء - كما يفعل الألباني من نحو قوله: وكان - صلى الله عليه وسلم - يرفع أحيانا في هذا الموضع"– فالظاهر أنه مجرد محاولة لحل لغز التناقض والاضطراب في القضية.
والحديث عن ذلك يمكن حصره في الأمور الأربعة الآتية:
الأمر الأول: البون الشاسع بين الأقوال
وثمة فارق كبير بين القول بالرفع مرة واحدة في الصلاة، وبين القول بالرفع ستًا وعشرين مرة في الصلاة، وبيان ذلك من خلال استرجاع الأقوال في مواضع الرفع:
1 - عند الافتتاح فقط. وعليه فالرفع يكون مرة واحدة في الصلاة الواحدة.
2 - عند الافتتاح وعند الركوع وعند الرفع منه. وعليه فالرفع يكون في الصلاة الثنائية خمس مرات، وفي الثلاثية سبع مرات، وفي الرباعية تسع مرات.
3 - عند الافتتاح وعند الركوع وعند الرفع منه وعند القيام من التشهد الأول في الصلاة الثلاثية والرباعية. وعليه فعدد مرات الرفع في الصلاة الثنائية خمس، وفي الثلاثية ثمان، وفي الرباعية عشر.
4 - عند الافتتاح وعند الركوع وعند الرفع منه وعند السجود وعند الرفع منه. وعليه فعدد مرات الرفع في الصلاة الثنائية ثلاث عشرة مرة، وفي الثلاثية تسع عشرة مرة، وفي الرباعية خمس وعشرون مرة.
5 - عند الافتتاح وعند كل خفض ورفع. (1/68)
صفحة 69
6 - عند الافتتاح وعند الركوع وعند الرفع منه، والتخيير في الرفع عند السجود وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول، وهذا مذهب الألباني. وعلى هذين القولين الأخيرين فعدد مرات الرفع في الصلاة الثنائية ثلاث عشرة مرة، وفي الثلاثية عشرون مرة، وفي الرباعية ست وعشرون مرة!!
فأي هذه الأشياء كان يفعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - في صلاته؟؟!!
* واختلاف أمر الرفع بهذه الصورة الكبيرة في ظرف قرن ونصف من الزمان بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر يكتنفه الغموض، وتحوم حوله الريب والظنون؛ لِمَا سبق من كون هيئة الصلاة أمرا يتأتى فيه النقل الجماعي، ولكن الروايات مضطربة جدا، وكل واحد ممن يرفع يستند إلى سلسلة من الرواة تنقل كيفية مختلفة عن الكيفية التي تنقلها سلسة أخرى منهم.
فكيف يمكن أن يفسر ذلك؟!
وحتى لوسلمنا بأن كُلاًّ من ذلك فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فتبقى الشكوك كثيرة وكبيرة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يمكث بين أصحابه أياما يسيرة معدودة، بل ظلّ بين ظهرانيهم يصلّي صلوات عديدة كل يوم، واستمر به الحال عدد سنين، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يلازمونه كثيرا، ومن غاب عن حادثة أو فَاته شيء نقله إليه غيره، ما عدا القليل، كما أن الصلاة هي الركن العملي الأكبر في الإسلام، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمهم كل شيء فيها.
والسؤال المحيّر الآن:
لِمَ اختلفوا من بعده ذلك الاختلاف الذي تصوره الروايات وتنبئ عنه الأقوال؟!
وحتى لوكان كل ذلك جائزا أفيعجز النبي - صلى الله عليه وسلم - حاشاه- أن يعلمهم ذلك؟!
ولوكان يفعل بعض ذلك أحيانا ويفعل غيره أحيانا، أفيخفى على الصحابة الكرام كل ذلك وهم الملازمون له -عليه الصلاة والسلام- في سفره وحضره سنين طويلة؟! (1/69)
صفحة 70
والمسألة أشد اضطرابا من ذلك، فإن الصحابي الواحد ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حسبما يروي- الاختلاف البين في الرفع، وخير مثال على ذلك ما يروى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فالروايات مختلفة عنه في الرفع على النحوالتالي:
1 - يرفع في المواضع الثلاثة.
2 - يرفع في الافتتاح فقط.
3 - يرفع في المواضع الثلاثة، وإذا قام من الركعتين (وهو إحدى الروايات عند البخاري).
4 - يرفع عند الافتتاح، وعند الرفع من الركوع (رواية في أبي داود، ورواية مالك في الموطأ).
5 - حين يستفتح، وحين يركع، وحين يقول سمع الله لمن حمده، وحين يرفع رأسه من الركعة، وحين يستوي قائما من مثنى (مصنف عبد الرزاق، موقوف على ابن عمر).
6 - (أن ابن عمر كان يقول إذا سجد أحدكم فليضع يديه مع وجهه فإن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، وإذا رفع رأسه فليرفعهما معه)، (عن ابن عمر قال إذا سجد أحدكم فليرفع يديه فإن اليدين تسجدان مع الوجه) -مصنف عبد الرزاق.
الأمر الثاني: مناقشة حُكْم الرفع عند القائلين به:
تفاوتت الأحكام المتعلقة برفع اليدين في الصلاة على النحوالتالي:
1 - عند الافتتاح: مكروه، مستحب، سنة، واجب لاتبطل الصلاة بتركه، واجب تبطل الصلاة بتركه، ركن، يأثم تاركه.
2 - عند الركوع والرفع منه: جائز، من تمام الصلاة، سنة، واجب، مكروه، بدعة، يبطل الصلاة.
3 - في غير المواضع الثلاثة: مستحب، جائز، مكروه، لا يجوز.
ونجد الخلاف يبلغ ذروته عند من ينص بأن حكم الرفع في المواضع الثلاثة مجمع عليه، وأن من خالف في شيء من ذلك فهو مبتدع، وعدم جواز الصلاة وراء من خالف في شيء من الرفع في الصلاة (1).
وهذا التفاوت الواضح في الحكم دليل بين وبرهان ساطع على كونه ليس من أعمال الصلاة الثابتة.
__________
(1) – أي إجماع مع ما تقدم من شدة الخلاف؟! أيكون بدعةً الخشوعُ في الصلاة والامتناع فيها من الحركة إجلالا للموقف؟! (1/70)
صفحة 71
ولو تجاوزنا حكم الرفع عند تكبيرة الاحرام -مع وجود الخلاف فيه كما تقدم- لوجدنا النزاع يحتدم بضراوة، لاسيما بين الأحناف من جانب، وبين الشافعية والمحدثين من جانب آخر، وكان من نتائج ذلك أن بعض الأحناف -من المتأخريين خاصة- أخذوا برفع اليدين ثلاث مرات، مما أدى إلى رد بعضهم على بعض.
وقد شارك في المعترك المالكية أيضا، وكان بينهم وبين غيرهم مقالات وردود، وانعكس أثر ذلك على المالكية أنفسهم، فوجد بينهم من أخذ برواية الرفع مرة واحدة، ومن أخذ برواية الرفع ثلاث مرات (1)،
__________
(1) – هذه بعض النصوص التي تبين مدى تأصل النزاع فيما بين المذاهب، بل وبين أتباع المذهب الواحد بسبب موضوع الرفع: **روى ابن العربي المالكي قال:
"ولقد كان شيخنا أبو بكر الفهري يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس منه، فحضر عندي يوما بمحرس ابن الشواء بالثغر موضع تدريسي عند صلاة الظهر، ودخل المسجد من المحرس المذكور، فتقدم إلى الصف الأول وأنا في مؤخره قاعد على طاقات البحر أتنسم الريح من شدة الحر، ومعه في صف واحد أبو ثمنة رئيس البحر قاعد مع نفر من أصحابه ينتظر الصلاة، فلما رفع الشيخ يديه في الركوع وفي رفع الرأس منه قال أبو ثمنة لأصحابه: ألا ترون إلى هذا المشرقي كيف دخل مسجدنا؟ فقوموا إليه فاقتلوه وارموا به البحر فلا يراكم أحد، فطار قلبي من بين جوانحي، وقلت: سبحان الله!! هذا الطرطوشي فقيه الوقت. فقالوا لي: ولم يرفع يديه؟! فقلت: كذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل، وهو مذهب مالك في رواية أهل المدينة عنه، وجعلت أسكنهم وأسكتهم، حتى فرغ من صلاته، وقمت معه إلى المسكن من المحرس، ورأى تغير وجهي، فأنكره وسألني، فأعلمته فضحك، وقال: من أين لي أن أقتل على سنّة؟! فقلت له: لا يحل لك هذا، فإنك بين قوم إن قمت بها قاموا عليك، وربما ذهب دمك، فقال: دع هذا الكلام وخذ في غيره" [ابن العربي: أحكام القرآن، تفسير سورة البروج، المسألة الثانية، 4/ 371/ج ت].
**ومن ضمن الصراع الدائر بين الحنفية وبين غيرهم كتاب"رفع اليدين" للإمام البخاري الذي عنّف فيه على من يرى الرفع مقصورا على تكبيرة الاحرام فحسب، وهم أبو حنيفة وأصحابه [بل حتى على الإمام مالك في أحد أقواله]، وقسا في حكمه عليهم، وكان مما قال: "الرد على من أنكر رفع الأيدي في الصلاة عند الركوع وإذا رفع رأسه من الركوع، وأبهم على العجم في ذلك تكلفا لما لا يعنيه فيما ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فعله وقوله ومن فعل أصحابه وروايتهم كذلك، ثم فعل التابعين واقتداء السلف بهم في صحة الأخبار بعض الثقة عن الثقة من الخلف العدول -رحمهم الله تعالى- وأنجز لهم ما وعدهم، على ضغينة صدره وحرجة قلبه نفارا عن سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستحقا لما يحمله استكبارا وعداواة لأهلها، لشوب البدعة لحمه وعظامه ومخه، وأنسته باحتفال العجم حوله اغتراراً [رفع اليدين، ص20]
ويبدو أن موقف الإمام البخاري -مع حدته غير المقبولة- كان ردة فعل على من أنكر ذلك، فقد قال:
"من زعم أن رفع الأيدي بدعة فقد طعن في أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - والسلف ومن بعدهم .. " [رفع اليدين ص127].
ورفع الأيدي الذي يريده هو ما يكون في الموضعين بعد الافتتاح، أي عند الركوع وعند الرفع منه، كما يدل عليه كلامه من قبل.
وقد علق محقق الكتاب بديع الدين الراشدي على كلام البخاري فقال: "لأن المسألة بينهم إجماعية، كما تقدم من أقوال المصنف وعامة السلف، فهذا طعن لا شك فيه". [رفع اليدين، ص127، هامش رقم1].
إذن، فقد انضاف شيء آخر، هو دعوى الإجماع على قضية الرفع، وليس الرفع عند الافتتاح فحسب، بل حتى الإجماع على الرفع عند الركوع وعند الرفع منه!!
هذا، وقد عد بديع الدين الراشدي الرفع في الصلاة سنة "ولا يبغضها إلا حاسد أومعاند"، وألمح إلى أن من لم يرَها أويعمل بها فهو من "أهل البدع وأعداء السنن"!! [رفع اليدين، مقدمة المحقق ص5].
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه كثيرا، وها هو الأمر يتناول حكم الصلاة، فقد نقل عن الإمام أبي حنيفة القول بفساد صلاة من رفع اليدين بعد الافتتاح، وممن نقل ذلك مكحول النسفي الحنفي صاحب كتاب الشعاع، كما أن أمير كاتب بن أمير الإتقاني المكنى بأبي حنيفة صنف رسالة بفساد الصلاة بذلك، ورد عليه اللكنوي الحنفي قائلا: "ما أقبح كلامه وما أضعفه، أتفسد الصلاة بما تواتر فعله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه؟! أما علم أن الصحابة منهم من كان يرفع ومنهم من كان لا يرفع، وكان يقتدي أحدهما بالآخر ولم يرو عن أحد منهم ما تفوه به؟!! أما فهم أن إمامنا وإن لم يأخذ بأحاديث الرفع ورجح عليها أخبار ترك الرفع لكن لم يشدد في ذلك كما تشدد هو فيما هنالك؟ أما تدبر في أن مكحولا الراوي لرواية الفساد من هو؟ وكيف هو؟ وهل تقبل روايته مرسله أم ترد عليه منتقضة؟ أما تفكر أن مشائخنا الثقات وفقهاءنا الأثبات قد صرحوا بعدم الفساد ولم يعتبر أحد منهم رواية الفساد؟ أفلا يكون إعراضهم موجبا لهجران تلك الرواية؟ أفلا يكون ذلك دليلا على أنها خلاف الدراية؟ وبالجملة فمقاصد التعصب وعدم التدبر لا تعد، والبشر له ذنوب وأخطاء لا تعتد" [رفع اليدين، هامش ص18]. (1/71)
صفحة 72
ولا يبعد يكون منهم من لا يرى الرفع أصلا؛ اتباعا لأحد أقول الإمام مالك.
ومن جهة أخرى فإنه يبدو أن منهم من أشكل عليه اختيار اللفظ المناسب للتعبير به على حكم الرفع، ولم يكن موافقا لبعض الألفاظ التي قالها البعض، ومن ذلك -مثلا- قول ابن حجر:
"قال النووي في شرح مسلم أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، ثم قال –بعد أسطر-: أجمعوا على أنه لا يجب شيء من الرفع، إلا أنه حكي وجوبه عند تكبيرة الإحرام عن داود، وبه قال أحمد بن سيار من أصحابنا. اهـ. واعترض عليه بأنه تناقض، وليس كما قال المعترض، فلعله أراد إجماع من قبل المذكورين، أو لم يثبت عنده عنهما، أو لأن الاستحباب لا ينافي الوجوب، وبالاعتذار الأول يندفع اعتراض من أورد عليه أن مالكا قال -في روايته عنه-: إنه لا يستحب، نقله صاحب التبصرة منهم، وحكاه الباجي عن كثير من متقدميهم. وأسلم العبارات قول ابن المنذر: لم يختلفوا أن رسول الله ? كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وقول ابن عبد البر: أجمع العلماء على جواز رفع اليدين عند افتتاح الصلاة" (1).
ومنهم من أشكل عليه كيفية استفادة حكم الرفع؛ لذلك وجد من يتعقبه، ومن ذلك ... -مثلا- قول العيني:
__________
(1) – ابن حجر: فتح الباري، 2/ 219. (1/72)
صفحة 73
"والعجب من الأكمل يقول: رفع اليدين في أول الصلاة سنة بلا خلاف؛ لأن النبي - عليه السلام - واظب عليه مع الترك، وهوعلامة السنّة بخلاف ما إذا كان بلا ترك، فإن ذلك دليل الوجوب. قلتُ: كيف يقول واظب عليه مع الترك؟ فمن أين أخذ هذا؟ وجميع الأحاديث التي رويت في صفة صلاة النبي - عليه السلام - يدل صريحا على رفع اليدين في أول الصلاة، حتى قال ابن المنذر: لم يختلف أهل العلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه إذا افتتح؛ فلذلك ذهب قوم إلى وجوبه كما ذكرنا. وقال قوم: بلا خلاف يدل على عدم اطلاعه فإن فيه خلافا، وإن كان الجمهور على خلافه. والعجب من الاترازي أيضا أنه يقول: رفع اليدين سنة؛ لأن النبي - عليه السلام - عَلَّم الأعرابي واجبات الصلاة ولم يذكر رفع اليدين. قلتُ: كيف يدل هذا على سنية رفع اليدين؟ بل يدل هذا صريحا على كونه غير سنة، ولا يلزم من عدم ذكره الرفع فيه عدم كونه سنة، ومع هذا ... " (1).
ومنهم من يذكر حكما في موضع، ويذكر حكما آخر في موضع آخر، كما سيأتينا فيما بعد بحول الله.
الأمر الثالث: الاضطراب:
واضح جدا أن القائلين بالرفع قد اختلفوا اختلافا شديدا في أكثر ما يتعلق بالرفع، من عدد مراته، ومواضعه، وحكمه، ووقته، والحكمة منه، وإلى أين يرفع، وكيفية رفع اليدين، والمسافات بين الأصابع، وكل ذلك يزيد قضية الرفع اضطراباً وشكوكاً.
الأمر الرابع: مناقشة حِكَم الرفع:
نلحظ أن بيان بعض تلك الحكم إنما هو نتيجة سؤال عن سبب الرفع، كمثل ما سئل الشافعي عن ذلك فأخبر أنه تعظيم لله تعالى واتباع لسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
ويسبق إلى الذهن ها هنا أمران:
الأول: ما الدافع لمن يرفع أن يبحث عن حكمة الرفع دون غيره مما يتعلق بأفعال الصلاة؟.
الثاني: ما سرّ الاهتمام المركّز ببيان الحكمة من الرفع؛ من قِبَل عدد من العلماء ومحاولة إعطاء تفسير له.
__________
(1) – العيني: البناية في شرح الهداية، 2/ 191. (1/73)
صفحة 74
وفي كلا هذين إشارة صريحة إلى الآتي:
1 - أن الرفع أمر جديد على الناس، غير مقبول عندهم، وفي النفس منه ارتياب، وإلا فإننا لا نجد التساؤل ذاته وبنفس هذا الإلحاح عن حكمة الركوع والسجود وعدد الركعات، ونحو ذلك. فما الذي يوجه الأذهان للاشتغال بالبحث عن حكمة الرفع والعناية باستنباطها وبيانها؟
2 - أن الرفع معتمد على روايات فردية، لا على نقل جماعي، مع أنه أمر يمكن أن يشاهده الجميع، ويتكرر ليل نهار، وفي كل مكان.
وتلك التساؤلات والمحاولات للكشف عن حكمة هذا العمل دليل على الفردية في النقل، الأمر الذي يشكك في الروايات والنقولات، بمعنى أنه لوكان نقله نقلاً متواتراً بحيث اعترف به الكل ورسخ لديهم رسوخ الركوع والسجود والقعود للتحيات لما تكرر السؤال في النفس باحثاً عن إجابة ترضي.
ولم يقف مُثْبِتُو الرفع عند القول إنه تعبدي، بل صاروا يبحثون عما وراءه من العلل والحِكَم، ولم يكتفوا بذلك بل تعدوه إلى عده زينة للصلاة؛ فقد روي عن الإمام أحمد قال:
"الرفع زينة الصلاة" (1).
كما روى أبوحمزة السهمي بسنده إلى بكير الجرجاني قال:
"رفع اليدين سَنَاهُ، وهوأفضل". وفسروا (سناه) بأنه: حسن. (2).
ولوأن القائلين بالرفع عبروا عن رأيهم في استحسانهم له لكان الأمر عادياً، ولكنهم نسبوا ذلك إلى بعض الصحابة - رضي الله عنهم -:
- فقد روى الحافظ أبوبكر الأثرم قال: حدثنا على بن أحمد بن القاسم الباهلي حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني عياض بن عبد الله الفهري أن عبد الله بن عمر كان يقول: لكل شيء زينة وزينة الصلاة التكبير ورفع الأيدي فيها" (3).
وهذه رواية ضعيفة جدا من جهتين:
- أن بين عياض وبين ابن عمر انقطاعاً.
__________
(1) – مناقب أحمد لابن الجوزي ص 159، انظر رفع اليدين، هامش ص18.
(2) – [أبوحمزة السهمي: تاريخ جرجان، ص127.] نقلا عن: البخاري: رفع اليدين، هامش ص7.
(3) – ابن عبد البر: التمهيد، 9/ 225/ج ت. (1/74)
صفحة 75
- أن عياضاً نفسه ضعيف، قال عنه ابن حجر: "فيه لين" (1).
ولو تساءلنا عن وجه الزينة في رفع اليدين في الصلاة فماذا يمكن أن يقال؟!!
إن الزينة في الصلاة مرهونة بما إذا كانت تحقق الخشوع وتزيد من طمأنينة المصلي. فأيّ الأمرين أدعى للخشوع: الحركة بالرفع، أم السكون والهدوء؟!!
أحسب أن منطق الصلاة يقضي أن السكون وعدم الرفع أجمل للصلاة، وأدعى للخشوع، وأسكن لنفس المصلي، وأن الرفع مشغلة للمصلي عندما يوجه قلبه وعقله لضبط اليدين أين تكونان؟ ولضبط الكفين كيف تتجهان؟! ولضبط الأصابع كم مقدار ما بينهما؟!
وكما نسب إلى ابن عمر كون الرفع في الصلاة زينة نسب إلى غيره اعتبار ذلك أجرًا ومضاعفة في الحسنات؛ فقد روى الطبراني عن ابن لهيعة حدثني ابن هبيرة أن أبا المصعب مشرح بن هاعان المعافري حدثه أنه سمع عقبة بن عامر الْجُهَنِيَّ يقول: "إنه يُكتب في كل إشارة يشيرها الرجل بيده في الصلاة بكل أُصْبُعٍ حسنةٌ أودرجةٌ" (2). قال الهيثمي: "إسناده حسن" (3).
وقال بديع الدين الراشدي:
"وإنما حسّنه مع كون ابن لهيعة فيه؛ لأنه من رواية أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، ورواية العبادلة -ومنهم المقرئ- صححها بعض أهل العلم" (4).
__________
(1) – ابن حجر: التقريب، رقم 437.
(2) – الطبراني: المعجم الكبير، رقم819، 17/ 297/ج ت.
(3) – الهيثمي: مجمع الزوائد: 2/ 103
(4) – البخاري: رفع اليدين، هامش ص28. (1/75)
صفحة 76
والصحيح أن هذه الرواية ضعيفة، فإن ابن لهيعة ضعيف كما لا يخفى، ولا يشفع لهذه الرواية مجيؤها من طريق المقرئ وهو أحد العبادلة الذين نُسب إلى بعض أهل العلم تصحيح حديث ابن لهيعة إذا ورد من طريق أحدهم، فإن هذا القول ليس بصواب، بل الذي قاله أهل النقد والتحري: إن سماع العبادلة من ابن لهيعة صحيح، وهذا لا يعني تصحيح الحديث، وإنما غاية ما يستفاد منه تصحيح سماعهم منه دون غيرهم ممن روى عنه، أما هو -أي ابن لهيعة- فقد كان في نفسه ضعيفاً، ومما يدل على ما قلت (1) قول عمروبن علي الفلاّس:
"عبد الله بن لهيعة احترقت كتبه، فمن كتب عنه قبل ذلك مثل ابن المبارك وعبد الله بن يزيد المقرئ أصح من الذين كتبوا بعدما احترقت كتبه، وهو ضعيف الحديث" (2).
ويقول سبط ابن العجمي: "والعمل على تضعيف حديثه" (3).
إذن، فحديث ابن لهيعة ضعيف.
وفوق ذلك فإننا نسأل بديع الدين الراشدي، وقد دفعه تقليده للهيثمي إلى غضّ الطرف عن عثرة كبرى. أليس لهذه الرواية علة أخرى؟
ونكفيه الجواب فنقول: إن مِشْرَح بن هامان مقبول عند ابن حجر. وقد عرَّف ابن حجر المقبول بقوله: "من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإشارة بلفظ مقبول، حيث يتابع، وإلا فلين الحديث" (4).
ورغم توثيق ابن معين والعجلي له، لكن ابن حبان قال: "يخطئ ويخالف" (5).
وذكره في المجروحين فقال: "يروي عن عقبة بن عامر أحاديث مناكير لا يُتابَع عليها" (6).
وروايته هنا عن عقبة بن عامر.
__________
(1) – القائل هنا هو الشيخ السابعي.
(2) – ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل، 2/ 147. وانظر لمزيد من التفصيل: النقد البناء لحديث أسماء ص47 - 59.
(3) – العجمي: نهاية الاغتباط، رقم58، ص190.
(4) – ابن حجر: تقريب التهذيب، 1/ 74/ج ت.
(5) – ابن حبان الثقات، رقم5677، 5/ 452/ج ت.
(6) – ابن حبان: المجروحين، رقم1068، 3/ 28/ج ت. (1/76)
صفحة 77
فبين الرواية والحُسْنِ كما بين الثرى والثريا، وهي من المناكير بحسب حكم ابن حبان، ولا تقويها الرواية الأخرى.
وعند البيهقي عن إسحاق بن راهويه قال: قال عقبة بن عامر:
"إذا رفع يديه عند الركوع وعند رفع رأسه من الركوع فله بكل إشارة عشر حسنات" (1).
فهي رواية ضعيفة أيضًا؛ لأن بين إسحاق وعقبة بن عامر زمناً طويلاً. ومثل هذا الضعف بينهما لا يتعاضد. هذا من جهة السند.
والحكم بضعف هاتين الروايتين يغني عن محاولة التوفيق بين ما في المتن فيهما، حيث نجد بديع الدين الراشدي يقول:
"ولا تعارض بين الروايتين؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها بنص التنزيل والحمد لله، وأيضا ففي الأول ذكر الحسنة بالأصبع، وفي الثانية ذكر العشر برفع اليدين، فهي عشر أصابع، فالمعنى واحد" (2).
ولوجارينا هذه المحاولة لقلنا بوجود التعارض بين مَتْنَيْ الروايتين؛ لأن الأولى فيها ذكر الحسنة بالأصبعين لا بالأصبع الواحد، فالعشرة أصابع بخمس حسنات، هذا ما تفيده الرواية الأولى أما الثانية فعشر حسنات لليدين، فلم يزل التعارض!!
ومهما يكن، فشتان ما بين الموقفين، موقف من يرفض تلك الروايات لضعفها، وموقف من يتطلب الأعذار لإزالة التعارض والاضطراب فيما بينهما، خدمةً للتقليد والجمود اللَّذَين يرفضهما الدليل الصريح، والمنطق الصحيح، والعقل السليم.
هذا، وعلى حين يُعَدّ الرفع عبثاً في الصلاة يأتي البعض الآخر ليجعلوه زينة لها ويثيبوا عليه بالحسنات، ثم ليبحثوا عن علل لهذا العمل!!
وإذا أمعنا النظر في تلك الحِكم وجدناها ضروباً من التصورات المجردة، ودليلا على أن تلك الاستنتاجات تعبير عن التضارب والحيرة، وعدم الاستقرار على معنى واضح لها.
- فأين معنى التعظيم لله تعالى في رفع اليدين؟!
__________
(1) – البيهقي: معرفة السنن والآثار، باب من قال لا يرفع يديه في الصلاة إلا عند الافتتاح، رقم 792، 1/ 562/ج ت.
(2) – البخاري: رفع اليدين، هامش ص29. (1/77)
صفحة 78
- وأين معنى التوحيد حين يرفع المصلّي يديه كلتيهما وأصابعه العشرة؟!
- وأي حجاب بين العبد والمعبود ترفعه اليدان في الصلاة؟!
- وهل يحتاج الإنسان لطرح الدنيا أن يرفع يديه، أي كأنه يلقيها وراء ظهره؟! وهل أقبل الإنسان على الدنيا أو أدبر عنها إلا بقلبه؟!
- وأما القول بأن رفع اليدين تعبير عن الاستسلام كفعل الأسير إذا غلب فذلك مما لا يحتاج إلى التعليق.
وقل مثل ذلك في سائر ما ذكروه حِكَماً للرفع.
ولذا نجد من يقول عن هذه الحِكم: "في أكثرها نظر". كما نجد من تعقبها.
وفريق آخر توقَّف فجعل الرفع تعبدياً!! وهؤلاء ليسوا أقلّ حيرة من أصحابهم، حيث عجزوا عن تفسير الرفع في الصلاة، ولم يجدوا سببا مقنعا لفعله، ولذا فإن التسليم لتلك الروايات العابثة بالسكنية والخشوع هو أمثل السبل عندهم للاقتناع.
والحقيقة أن ما ذكروه من حِكَم الرفع أو من كونه زينة للصلاة يتعارض مع تشبيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - رفع اليدين بحركة أذناب الخيل الشمس، في قوله: «ما بال أقوام ... كأنها أذناب خيل شمُس»
ومهما قيل في تأويل معنى ذلك، فالرفع ليس من زينة الصلاة بحال من الأحوال.
هذا، ومما يدهش اللب، هذه المحاولة للجمع بين الأمرين، إذ كيف تصبح حركة أذناب الخيل الشمس زينة للمصلي؟!
فقد روى البخاري حديث جابر بن سمرة «ما بال هؤلاء يومئون بأيديهم كأنها أذناب خيل شمس .. » وروى عقبة عن سعيد بن جبير حين سئل عن رفع اليدين في الصلاة فقال: "شيء تزين به صلاتك" (1).
قال المحقق بديع الدين الراشدي: (إيراد المصنف لهذا الأثر عقيب خبر جابر بن سمرة فيه إيماء منه بأن ما كان زينة للصلاة لا يكون مشابهاً لأذناب الخيل، فما أدق النظر وما أحسن الفكر) (2).
__________
(1) – البخاري: رفع اليدين، ص95.
(2) – البخاري: رفع اليدين، هامش ص96. (1/78)
صفحة 79
وأقول [أي السابعي]: ما قيمة كلام سعيد بن جبير إن صح عنه، ولم يصح (1). مع حكم النبي عليه الصلاة والسلام؟!
وما قيمة محاولة البخاري المواءمة بين النهي عن الرفع لشبهه حركة أذناب الخيل الشمس، وبين ما ظنّه رفعًا مشروعًا في الصلاة من خلال إيراد كلام سعيد بن جبير المنسوب إليه؟!
وما قيمة محاولة المحقق بيان النظر الدقيق والفكر الحسن في صنيع البخاري! وقد أخبرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن رفع اليدين في الصلاة مشبه لحركة أذناب الخيل الشمس؟!
إن حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - في الرفع واضح جلي، والبحث يميناً وشمالاً عن علة له وحكمة تبرره لهو دليل الاضطراب.
__________
(1) – لا يصح هذا الأثر إلى سعيد بن جبير، لأنه من رواية عبدالملك بن أبي سليمان العزري، قال عنه ابن حجر: "صدوق له أوهام". انظر؛ التقريب، رقم 4184. (1/79)
صفحة 80
وأيًّا ما قيل، فإن عد الرفع زينة للصلاة -إن سلمنا به- لا ينافي مشابهة حركة أذناب الخيل الشمس، فإن المشابهة حاصلة من خلال نفس الحركة والهيئة (1).
الأمر الخامس: الرفع منافٍ للخشوع:
__________
(1) – قد عقد الشيخ محمد العتبي -بحكم تجريته في تربية الخيل- مقارنة بين الأحوال المختلفة لرفع اليدين عند القائلين به وبين أحوال رفع الخيل لأذنابها، ومما قال في ذلك: "والمعروف في هذا الرفع أنه غير منضبط، وأنه يختلف باختلاف فاعله من (القوم) وذلك بين رفع أطول، ورفع مطال، ورفع متوسط، وقصير. شأنه في هذه الهيئة شأن رفع الخيل الشمس أذنابها .... ، فالخيل -والعجيب من أمرها- تزداد حركتها، ورفعها لأذنابها، وإيماؤها بها في الأوقات الخمسة: الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ويكون رفعها لأذنابها بين رفع أطول، ورفع مطال، ورفع متوسط وقصير. بينما هي في غير هذه الأوقات لا ترفع بكثرة، وإذا امتطى صهوتها فارسها كفّت عن الرفع، إلا إذا عدت به عدوا شديدا، فكأنها في حين الرفع، وفي الأوقات الخمسة تحاكي رفع القوم لأيديهم في هذه الأوقات، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ". العتبي: المناهل الصافية في تطهير الرسائل الشافية، ص5 - 6 (بحث مرقون، توجد لدى الباحث نسخة منه). (1/80)
صفحة 81
وبعد أن اطلعنا على ضعف ما نسب إلى بعض الصحابة عن عدِّهم رفع اليدين في الصلاة زينة لها؛ نصطدم بما هو أشد غرابة، حيث يتضاعف التركيز على أهمية رفع اليدين في الصلاة إلى درجة هوانِ شأن الخشوع الذي هو روح الصلاة وسرها بجانب هذا العمل، وإذا بنا ننتقل من السكينة والخشوع، والسكون والخضوع إلى عكس ذلك تماماً، ونتذكر هنا -إذن- حكم الأوزاعي والحميدي وابن حزم الظاهري حين جعلوا رفع اليدين واجباً في الصلاة، وأوغل من ذلك حكم ابن خزيمة وداوود الظاهري عليه بأنه ركن، شأنه شأن الخشوع، وتساوى عندهم تلك الروايات في الرفع مع قوله تعالى: {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون} (المؤمنون:01).
ونحن لا نشك في امتثال الصحابة رضوان الله عليهم لمعاني هذه الآية الكريمة وأمثالها؛ فيما يتعلق بالصلاة وغيرها، ولذا نطمئن إلى ما يروى عنهم مما يوافق الخشوع والسكينة والوقار في أعظم ركن عملي.
فمن ذلك ما روى البيهقي، وصححه ابن حجر (1) عن مجاهد قال: "كان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عود، وحدّث أن أبا بكر الصديق كان كذلك" (2).
فما معنى (كأنه عود)؟!!
إنه دليل على الثبات والسكون والخشوع وعدم الحركة، ذلك هو الظن بالصحابة الكرام.
ولكن الذي نشك فيه ولا يمكن أن يقبله أحد أن يروي البخاري وغيره ما يفيد أن الصحابة كانوا أسوأ حالاً من جهلة الناس وطغامهم، ثم يقرّ الرواة ذلك ولا ينكرونه!!
فقد روى الإمام البخاري (في جزء رفع اليدين) عن الحسن قال: «كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كأنّما أيديهم المراوح يرفعونها إذا ركعوا وإذا رفعوا رؤوسهم».
وعن حميد بن هلال قال: «كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلوا كأن أيديهم حيال آذانهم المراوح» (3).
__________
(1) – ابن حجر: الفتح 2/ 467.
(2) – البيهقي: السنن الكبرى، باب الخشوع في الصلاة والإقبال عليها، رقم868، 1/ 493/ج ت.
(3) – البخاري: رفع اليدين، ص75. (1/81)
صفحة 82
أهكذا كان خشوع الصحابة الكرام - رضي الله عنهم -!! ليت شعري كيف تكون حركة المراوح خشوعاً وسكوناً؟!
ثم لا يكتفي البخاري بالسكوت عن نقده هذين الأثرين -وإنما علق بما يفيد -صراحة- قبوله إياهما قائلاً: "فلم يستثن الحسن وحميد بن هلال أحداً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - " (1).
فهذا دليل إثبات البخاري لقضية المراوح، وهو من هو في النقد ومعرفة الرجال!! وقد تقدم بيان أن هذين الحديثين ضعيفان وإن رواهما البخاري وأقرهما؟؟!!
ولا ريب أن من حرّك يديه المرات والكرات التي قد يصل مجموعها -على بعض الأقوال وفي بعض الأحوال- ستاً وعشرين مرة فسوف تكون يداه كالمراوح!!
__________
(1) – البخاري: رفع اليدين، ص76. (1/82)
صفحة 83
هنالك سنتصور الخشوع كيف يكون، وسينتهي عجبنا عندما نقرأ حكاية النووي الإجماع على أن الخشوع ليس بواجب!! (1).
فماذا بقي من الصلاة -إذن- إذا كان الخشوع غير واجب، وكانت حركة اليدين ... -كالمراوح- فرضاً وركناً في الصلاة؟!
وتشبيه رفع اليدين بالمراوح يبرز بصورة صافية في صلاة العيد، عندما يكون الرفع متوالياً مرات عديدة بعدد التكبيرات، ولك أن تتصور في مثل هذا الموقف كيف تكون حركات أيدي كل المصلين في جماعة واحدة!!
وبناءً على ما مر، فإن نسبة الرفع إلى الصحابة - رضي الله عنهم - وأنه كالمراوح لا يمكن أن تقبل؛ لأنه منافٍ للخشوع، وهو تشبيه يذهب برونق هذه الشعيرة ويهوّن من شأنها العظيم، كما يذهب بوقار المصلي وحسن سمته.
__________
(1) – قد نسب هذا القول إلى النووي غير واحد (انظر -مثلا-؛ ابن حجر: فتح الباري، 2/ 226. العيني: عمدة القاري، 5/ 281. الزرقاني: شرح الموطأ، 1/ 479/ج ت)، ولكني لم أجد قول النووي هذا صريحا بهذا اللفظ، وفي المجموع شرح المهذب ما يدل على معناه؛ فقد قال النووي: "أما حكم المسألة فأجمع العلماء على استحباب الخشوع والخضوع في الصلاة وغض البصر عما يلهي وكراهة الالتفات في الصلاة .. الخ" [المجموع، 3/ 260]. وقال: "المسألة الثالثة: يستحب الخشوع في الصلاة والخضوع وتدبر قراءتها وأذكارها وما يتعلق بها والإعراض عن الفكر فيما لا يتعلق بها، فإن فكر في غيرها وأكثر من الفكر لم تبطل صلاته لكن يكره سواء كان فكره في مباح أو حرام كشرب الخمر ... الخ" [المجموع، 4/ 114]. وقال: "وحكى أصحابنا الخراسانيون وصاحب البيان عن الشيخ أبي زيد المروزي أنه إذا انتهى به مدافعة الأخبثين إلى أن ذهب خشوعه لم تصح صلاته، وبه جزم القاضي حسين، وهذا شاذ ضعيف، والمشهور من مذهبنا ومذاهب العلماء صحة صلاته مع الكراهة" [المجموع، 4/ 117/ج ت]، ومع ذلك فإن رأيه هذا محتاج إلى مزيد بحث فيما يقصد به، والله أعلم. (1/83)
صفحة 84
وبعد كل ما سبق نفاجأ بما لم يكن في الحسبان؛ فقد روى كل من الإمام أحمد (1) والحارث بن أبي أسامة (2) بسندهما إلى حميد بن هلال: حدثني من سمع من الأعرابي قال: (رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي، قال: فرفع رأسه من الركوع، ورفع كفيه حتى حاذتا أذنيه؛ أوبلغتا فروع أذنيه، كأنهما مروحتان).
إذن، بناء على هذه الرواية، فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى، تكون يداه لفرط خشوعه كأنهما مروحتان إذا ركع وإذا رفع!!
ويورد من يورد من المحدثين هذه الرواية ويسكتون عن بيان ضعفها وبطلانها سنداً ومتناً (3)، مع أن الراوي عن الأعرابي شخص مجهول!!
ولا نشك أيضا في امتثال الصحابة -رضوان الله عليهم- لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم بالسكون في الصلاة؛ فقد روى أحمد ومسلم عن جابر بن سمرة قال:
«خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس، اسكنوا في الصلاة، قال: ثم خرج علينا فرآنا حلقا فقال: مالي أركم عزين؟ قال: ثم خرج علينا فقال: ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ فقلنا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصفوف الأول، ويتراصون في الصف» (4).
__________
(1) – مسند أحمد، رقم20068، 5/ 6/ج ت.
(2) – مسند الحارث، باب رفع اليدين بعد الرفع من الركوع، رقم177، 1/ 289/ج ت.
(3) – انظر؛ ابن حجر: المطالب العالية، باب رفع اليدين، رقم517، 4/ 178/ج ت. مغلطاي: شرح ابن ماجة، 1/ 1465/م ش.
(4) – صحيح مسلم، كتاب الصلاة باب 27 الأمر بالسكون في الصلاة، والنهي عن الإشارة باليد ورفعها عند السلام وإتمام الصفوف الأول والتراص فيها، والأمر بالاجتماع حديث رقم 119 (430). مسند أحمد، رقم21065، 5/ 107/ج ت. (1/84)
صفحة 85
*2* أخرج أحمد عن أنس بن مالك أنه كان يخالف عمر بن عبد العزيز فقال له عمر: ما يحملك على هذا؟ فقال: إني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي صلاة متى توافقها أصلي (1) معك، ومتى تخالفها أصلي وأنقلب إلى أهلي".
وقال الطبراني (في الكبير): حدثنا أحمد بن عمرو الخلال المكي حدثنا يعقوب بن محمد حدثنا عبد الله بن رجاء عن ابن أبي ذئب عن عبد العزيز بن عباس عن محمد بن كعب القرظي عن أبي أيوب أنه كان يخالف مروان بن الحكم في صلاته، فقال له مروان: مايحملك على هذا؟! قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي صلاة إن وافقته وافقتك، وإن خالفته صليت وانقلبت إلى أهلي. أوردهما الهيثمي أيضا (في مجمع الزوائد) وقال في كل واحد منها: "رجاله ثقات" (2).
__________
(1) – الأصل على قواعد النحوحذف الياء في الموضعين من (أصلي) جوابا لمتى.
(2) – [الطبراني: المعجم الكبير، 4/ 186، 187. الهيثمي: مجمع الزوائد، 2/ 68.] نقلا عن: البخاري: رفع اليدين، هامش ص19. (1/85)
صفحة 86
تُرَى ماذا أنكر الصحابيان أنس بن مالك وأبي أيوب الأنصاري من صلاة التابعِيَّيْن عمر بن عبد العزيز وجده مروان بن الحكم؟؟ (1).
__________
(1) – وللعلم فإن مروان قد روي عنه مخالفة سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صراحة في صلاة العيد، فعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قال كان رسول اللَّهِ ? يَخْرُجُ يوم الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إلى الْمُصَلَّى فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ الناس وَالنَّاسُ جُلُوسٌ على صُفُوفِهِمْ فَيَعِظُهُمْ وَيُوصِيهِمْ وَيَأْمُرُهُمْ فَإِنْ كان يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ أويَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ. قال أبوسَعِيد: فلم يَزَلْ الناس على ذلك حتى خَرَجْتُ مع مَرْوَانَ وهو أَمِيرُ الْمَدِينَةِ في أَضْحًى أو فطْر، فلما أَتَيْنَا الْمُصَلَّى إذا مِنْبَرٌ بَنَاهُ كَثِيرُ بن الصَّلْت، فإذا مَرْوَانُ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَقِيَهُ قبل أَنْ يُصَلِّيَ، فَجَبَذْتُ بِثَوْبِهِ فَجَبَذَنِي فَارْتَفَعَ فَخَطَبَ قبل الصَّلَاةِ، فقلتُ له: غَيَّرْتُمْ والله، فقال: أَبَا سَعِيدٍ قد ذَهَبَ ما تَعْلَمُ. فقلتُ: ما أَعْلَمُ والله خَيْرٌ مِمَّا لا أَعْلَمُ. فقال: إِنَّ الناس لم يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لنا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَجَعَلْتُهَا قبل الصَّلَاةِ. [صحيح البخاري، بَاب الْخُرُوجِ إلى الْمُصَلَّى بِغَيْرِ مِنْبَرٍ، رقم913، 1/ 336/ج ت]
وقد قال فيه ابن حبان: عَائِذٌ بِالله أَنْ نَحتجَّ بخبر رواه مروانُ بن الحكم وذَوُوه في شيء من كُتُبنا؛ لأَنَّا لا نَستحلُّ الاحتجاجَ بغير الصحيح من سائر الأخبار وإن وافق ذلك مذهبَنا، ولا نعتمد من المذاهب إلا على الْمُنْتَزَعِ من الآثار وإن خالف ذلك قول أئمتنا، وأَما خبرُ بُسرةَ الذي ذكرناه فإنّ عروة بن الزبير سمعه من مروان بن الحكم عن بُسرةَ فلم يقنعه ذلك حتى بعث مروانُ شرطيًّا له إلى بُسرةَ فسألها، ثُمّ آتاهم فأخبرهم بمثل ما قالت بُسرةُ، فسمعه عروةُ ثانيا عن الشرطيّ عن بسرة ثُمّ لم يقنعه ذلك حتَّى ذهب إلى بسرة فسمع منها، فالخبر عن عروةَ عن بُسرةَ مُتَّصلٌ ليس بِمنقطع، وصارَ مروانُ والشرطيُّ كأنّهما عاريتان يسقطان من الإسناد. صحيح ابن حبان، ذكر خبر فيه كالدليل على أن الملامسة للرجل من امرأته لا يوجب الوضوء عليها، رقم1112، 3/ 396/ج ت. (1/86)
صفحة 87
لقد حاول الشيخ السابعي الإجابة عن هذا السؤال فقال -في شأن إنكار أنس على عمر بن عبد العزيز-:
[على صحة هاتين الروايتين فـ] لا ريب أن هذه الحادثة كانت قبل بيعة عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -؛ لأنه بويع سنة 99 للهجرة، وتوفي أنس سنة 93 للهجرة، وهذا يكشف جانباً من القضية، بمعنى أن صلاة عمر مختلفة عن صلاة أنس حين لم يكن عمر خليفة بعد، بزمن.
تُرى، ماذا لاحظ أنس على عمر مما دعاه إلى تنبيهه إياه ألاّ يفعله، وإلا صلّى لوحده ثم انصرف إلى أهله؟!
قد يتضح المعنى بما يروي البخاري (في رفع اليدين) بسنده إلى عمرو بن المهاجر قال:
"كان عبد الله بن عامر يسألني أن أستأذن له على عمر بن عبد العزيز، فاستأذنت له عليه، فقال: الذي جلد أخاه في أن يرفع يديه؟! إن كنا لنؤدّب عليه ونحن غلمان بالمدينة، فلم يأذن له" (1).
ومفاد هذه الرواية أن عبد الله بن عامر رفض عمر أن يأذن له بالدخول عليه، وهو خليفة للمسلمين؛ لأن عبد الله جلد أخاه بسبب رفعه يديه في الصلاة، وبيّن عمر أنه لما كان في المدينة وهو غلام، كان يؤدَّب ويؤمَر برفع يديه في الصلاة.
إذن فعمر كان يرفع في الصلاة منذ كان غلاما إلى أن صار خليفة.
فهل لنا أن نقول إن أنساً رفض الصلاة خلف عمر لأنه رآه رفع يديه في الصلاة؟
ذلك أن مروان جد عمر بن عبد العزيز بن مروان، وغير بعيد أن يكون من مخالفات مروان أن يكون يؤدب أفراد أسرته ومن له عليه قدرة على الرفع. وعمر كان غلاماً، فالتأديب على الرفع كان من قبل أسرته وأقربائه، ولا سيما أن مروان كان في بداية أمره في المدينة ثم انتقل إلى الشام في نهاية حياته فبايعه أهلها سنة 64هـ، وقتل بعد عام (2).
__________
(1) – البخاري: رفع اليدين، ص57.
(2) – انظر؛ ابن سعد: الطبقات الكبرى، 5/ 36، 38، 40، 43/ج ت. (1/87)
صفحة 88
وحاصل الكلام أن صلاة أنس مختلفة عن صلاة عمر، وصلاة أنس هي صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصلاة عمر مختلفة، وفيها بعض ما لم يكن من هديه عليه الصلاة والسلام.
بيد أنه كيف يفعل عمر بن عبد العزيز شيئاً يخالف سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو من هو؟؟!!
الجواب: إنه أرغم -بالتأديب- على ذلك منذ الصغر، ونُشِّئ عليه حتى صار أمراً ملازماً له.
ولا احتمال لكون لقاء أنس بعمر في وقت صِبَا عمر ليترتب عليه أن الصلاة التي أنكرها أنس عليه إنما كانت قبل أن يتعلم الصلاة الموافقة لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. بل لقاؤهما يكون فيما بعد مرحلة صِبَا عمر؛ لأن حوار عمر مع أنس يدل أنه كان بلغ مبلغ الرجال، بل يدل على أن عمر كان له شأن في ذلك الوقت، يفهم من خلال ما في الرواية عن أنس بن مالك أنه كان يخالف عمر بن عبد العزيز، والمخالفة لها دلالات شتى، منها القدرة على تبني رأي واتخاذ قرار، وأيضاً كان عمر يتقدم الناس للإمامة بهم في الصلاة، وكان أنس يصلي خلف عمر، وهذا واضح من قوله: (متى توافقها أصلي معك، ومتى تخالفها أصلي وأنقلب إلى أهلي).
وأغلب الظن أن هذا اللقاء حينما كان عمر والياً على المدينة. هنالك رأى أنس أن هذا الوالي -عمر- أتى بصلاة لم يعهدها عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، تربى عليها عمر منذ الصغر، وكان يؤدب كي ينشأ عليها، فحدث ذلك.
ولعل قائلاً يقول: إن صلاة أنس كانت تتضمن الرفع، وصلاة عمر هي الخالية منه، بدليل أن أنساً هو الراوي للرفع وجاء عنه ذلك من طرق عديدة.
وهذا الاحتمال غير مقبول لأمرين:
1 - أن كل تلك الروايات ضعيفة لا تصح عن أنس - رضي الله عنه -، وانظرها في محلها، وإذا لم يثبت ذلك فعدم الرفع هو الأصل.
2 - أن عدم إذن عمر لعبد الله بن عامر للدخول عليه في زمن خلافته، وقوله: (1/88)
صفحة 89
(أن كنا لنؤدب عليه ونحن غلمان بالمدينة) يدل على أن أمر عمر واحد مذ كان غلاماً إلى هذا الوقت، فالصلاة التي تعلمها في الصغر لازمته حتى صار خليفة، وفيما بين ذلك لقيه أنس فرفض الصلاة خلفه متى ما بقي على الصفة المخالفة لصفة صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ولعل قائلاً آخر يقول: ليس في الرواية ما يدل على أن المخالفة كانت من قبل الرفع؟
والجواب أن أنساً قال:
(رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلى .. إلخ) فمنطوقه صريح في أن المخالفة في شيئ يرى ويشاهد، وذلك هو هيئة الصلاة من القيام والركوع والسجود والقعود، والصفح بالوجه عند السلام، وحركة اليدين عموماً.
وليس بين الأمة اختلاف في عدد الركعات، أو في صفة الركوع، أو السجود، اللهم إلا ما بينهم من الخلاف المتعلق بكيفية الخرور من القيام للسجود، أو بما يسمى بجلسة الاستراحة، أو بهيئة القعود للتحيات، أوبرفع اليدين وضمهما.
والظن بعمر - رضي الله عنه - أنه لا يمكن أن يفعل شيئا مما اتفق على ثبوت النهي عنه، كالتلفت، ونقر الغراب، وقعود القرد، وإقعاء الكلب، ونحو ذلك.
*3* عند نظرنا في الأدلة على الرفع، والإجابات التي أجاب بها المثبتون بعضهم على بعض؛ نجد بعضها غير مستساغة القبول وإن جعلها صاحبها حجة دامغة. ومثال ذلك:
- مما استدل به الأحناف على الاكتفاء بالرفع في الافتتاح فقط ما روي عن علي -كرم الله وجهه- في ذلك، لكن اعترض عليهم بأنه يعارضه ما روي عن عليّ بالرفع في أزيد من الافتتاح، وهو أصح وأثبت. وما لم يحسب له هؤلاء حسابا هو أن الإمام علي قد اتخذ الكوفة عاصمة له في آخر حياته، فإذا كان يرى الرفع في أزيد من الافتتاح فإن أهل الكوفة سيأخذونه ويروونه عنه، لكنا وجدنا النقل بأن أهل الكوفة بأجمعهم لا يرون ذلك، فكيف نفسر ذلك؟! (1/89)
صفحة 90
- يروى أن أهل مكة قد أخذوا رفع اليدين في الافتتاح والركوع والرفع منه عن ابن جريج، وأخذه ابن جريج عن عطاء عن ابن الزبير، وأخذه ابن الزبير عن أبي بكر الصديق، وأخذه أبو بكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (1). ومفهوم هذا أن الرفع لم يكن معلوما عند أهل مكة قبل ابن جيرج، وإلا فما الداعي لهذا الإسناد الأحادي في أمر كان من المفروض أن يكون معلوما لدى أهل مكة كافة، ونقلوه عمن سلفهم نقلا جماعيا عن مثلهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؟
-ويروى أيضا (2) أن ميمون المكي رأى ابن الزبير وصلى بهم يشير بكفيه حين يقوم وحين يركع وحين يسجد وحين ينهض للقيام فيشير بيديه، فانطلق إلى ابن عباس فقال له: إني رأيت ابن الزبيرِ صلى صلاة لم أر أحدا يصليها، فوصف له هذه الإشارة، فقال له ابن عباس: إن أحببت أن تنظر إلى صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاقتد بصلاة عبد الله ابن الزبير (3). وهذا الأثر يدل على أن ميمون لم يكن يعرف ذلك الرفع قبل رؤيته لابن الزبير، وإلا لما استشكله وسأل عنه. ومن جهة أخرى فإن موقف ابن عباس يثير التساؤل فيما إذا كان عارفا بالرفع وسكت عن التنبيه عليه حتى يسأله من يسأله، وغير ذلك من الأسئلة التي تتبادر عند التسليم بتلك الرواية وفهمها.
__________
(1) – البيهقي: السنن الكبرى، رقم2350، 2/ 73.
(2) – وهذا الأثر وإن كان قد ذكره بعضهم بالضعف، إلا أن بعضهم قد استدل به على نفي ما ينسب لابن الزبير من عدم الرفع في غير الاقتتاح. انظر؛ الكلوذاني: الانتصار في المسائل الكبار، 1/ 254. ابن الجوزي: التحقيق في أحاديث الخلاف، رقم429، 1/ 334/ج ت. ابن عبد الهادي: تنقيح تحقيق أحاديث التعليق، 1/ 331/ج ت. ابن حجر: الدراية في تخريج أحاديث الهداية، 1/ 145/ج ت. الشوكاني: نيل الأوطار، 2/ 196/ج ت.
(3) – سنن أبي داود، باب افتتاح الصلاة، رقم739، 1/ 197/ج ت. مسند أحمد، رقم2308، 2627، 1/ 255، 289/ج ت. (1/90)
صفحة 91
- قول الحسن البصري لمحمد بن جحادة لما ذكر له حديث وائل بن حجر في صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هي صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعله من فعله وتركه من تركه": هذا القول من الحسن البصري صريح في أن من الصحابة من ترك الرفع، مثل ما أن منهم من فعله.
وقد يقول قائل: إن قول الحسن عائد إلى الرفع في بعض المواطن المذكورة مثل السجود، لا إلى كل ما ذكر. والجواب: إن سياق كلامه يأبى ذلك، وواضح منه أنه عائد على ما ذكر من الرفع في المواضع كلها، ومن العلماء من أشار إلى ذلك أو نص عليه؛ فقد قال ابن عبد البر: "ففي هذا الحديث دليل على أن منهم من تركه، ولم يعب عليه من فعله، والله أعلم" (1).
وقال عبد المحسن العباد: "يعني أنَّ هذا الذي ذكره في الحديث من الرفع في هذه المواطن هو صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " (2).
وبهذا فإن استدلال البخاري ومن تبعه بقول الحسن:
"كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كأنّما أيديهم المراوح يرفعونها إذا ركعوا وإذا رفعوا رؤوسهم". وقول حميد بن هلال: "كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلوا كأن أيديهم حيال آذانهم المراوح"، ثم تعقيب البخاري على الأثرين بقوله: "فلم يستثن الحسن وحميد بن هلال أحداً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - " (3)؛ مردود بقول الحسن: "فعله من فعله وتركه من تركه".
وإذا كان من الصحابة من ترك الرفع ولم يتهموا بترك السنة فلماذا يتهم من يقتدي بهم الآن بترك السنة؟! على أنه هل يجرؤ مسلم على اتهام الصحابة بترك السنة؟!
-موقف ابن عمر ممن لا يرفع (4):
__________
(1) – ابن عبد البر: التمهيد، 9/ 227/ج ت.
(2) – العباد: شرح سنن أبي داود، 4/ 335/م ش.
(3) – البخاري: رفع اليدين، ص75 - 76.
(4) – فقرة ملخصة من بحث الشيخ ناصر السابعي (مرقون). (1/91)
صفحة 92
قد أكثر الرواة عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- في مسألة الرفع، ومما يروون عنه أنه كان إذا رأى رجلاً لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رماه بالحصى (1).
إن من حقنا أن نتساءل:
أحقاً كان ابن عمر يتصرف مثل هذا التصرف؟!!
وهل كان يرمي بالحصى من لا يقيم ركوعه أو سجوده أو قيامه أو قعوده؟!
وهل كان يرمي بالحصى من كان ينقر نقر الغراب، أو يقعد قعود القرد، أو يقعي إقعاء الكلب، أو يفترش يديه افتراش السبع، أو يلتفت التفات الثعلب؟!
وهل كان يرمي بالحصى من يرفع بصره إلى السماء إذا رفع رأسه من الركوع؟!
وهل كان يرمي بالحصى من يعبث بيديه ويحركهما يميناً وشمالاً؟!!
لقد أصبح الرفع في الصلاة -من خلال هذه الرواية- أولى باهتمام ابن عمر من متابعته كل تلك المخالفات، وحرصه على تطبيق السنة فيها؟!!
إن هذه الرواية صعب قبولها؛ لأنها تصور هذا الصحابي الجليل في مظهر العابث الذي يتصرف تصرفات ينأى عنها العقلاء، فحاشاه - رضي الله عنه - وأرضاه عن ذلك.
ومن روى هذه الرواية وأخواتها، أو أيّدها فقد أساء إلى من نسبها إليه من الصحابة من حيث حسب أنه أحسن إليه. فليت شعري هل يعي أمثال هؤلاء هذا المعنى، أم لا؟ (2)
وهذه الروايات ومثيلاتها تزيد من الإبهام والحيرة في شأن ثبوت مسألة الرفع، بدلا من أن تدل على ثبوته ومشروعيته.
__________
(1) – البخاري: رفع اليدين، ص53.
(2) – وقد عبر البنوري عن نقده لهذا الأثر أيضا، انظر: معارف السنن، 2/ 468. أما التهانوي فقد حاول توجيه الأثر فقال: " .. فهو محمول على أنه كان يفعل ذلك بمن يرى الرفع بدعة واجبة الترك، وإلا فقد ثبت عنه أنه كان لا يرفع عند الركوع ولا بعده، وصح ذلك عن الصديق .... ؛ فلا يمكن أن يرمي ابن عمر بالحصى من يعمل بمثل عمل الخلفاء الراشدين، إلا أن يحمل على ما ذكرنا، والله أعلم". التهانوي: إعلاء السنن، 3/ 66. (1/92)
صفحة 93
*4* ما ذكره المثبتون للرفع في حكمه لم يزيدوا -في الأشهر من الأقوال- على القول باستحبابه، والقول بأنه سنة يحتاج إلى تحقيق، وحتى على القول بأنه سنة؛ فإننا نتساءل: لماذا لم يقولوا بأنه واجب حينما حشدوا ذلك الكم من الروايات؟ إذ كان من المفروض أن ذلك الكم يدل على شيء داوم عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما كان بتلك الصفة لا يدل على مجرد السنية فضلا عن الاستحباب، وذلك بالفعل هو قول بعضٍ مثل: داود بن علي، والشافعي -حسب ما يفهم من عبارته- (1)، والحميدي، والأوزاعي في رواية عنه (2).
ضف إلى ذلك أن القائلين بمجرد الاستحباب -أو السنية- قد أنكروا على من قال بالوجوب وبطلان الصلاة بتركه؛ فقد قال ابن عبد البر:
"كل من رأى الرفع، وعمل به من العلماء لا يبطل صلاة من لم يرفع، إلا الحميدي، وبعض أصحاب داود، ورواية عن الأوزاعي، .... فلا وجه لمن جعل صلاة من لم يرفع ناقصة، ولا لمن أبطلها مع اختلاف الآثار في الرفع عن النبي، واختلاف الصحابة ومن بعدهم، واختلاف أئمة الأمصار في ذلك. والفرائض لا تثبت إلا بما لا مدفع له ولا مطعن فيه. وقول الحميدي ومن تابعه شذوذ عند الجمهور وخطأ لا يلتفت أهل العلم إليه" (3).
__________
(1) – نقل السبكي عن الشافعي قال: "لا يحل لأحد سمع حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رفع اليدين في افتتاح الصلاة وعند الركوع وعند الرفع من الركوع أن يترك الاقتداء بفعله - صلى الله عليه وسلم - "، ثم عقب عليه بقوله: "هذا صريح في أنه يوجب ذلك". السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، (باب) ومن مستغرب روايات أبى إبراهيم عن الشافعى ومستظرفها، 2/ 100/ج ت.
(2) – ابن عبد البر: الاستذكار، رقم4332، 4/ 107.
(3) – ابن عبد البر: الاستذكار، رقم4332 - 4337، 4/ 107 - 109. (1/93)
صفحة 94
وقال -أيضا-: "وقد روي عن الأوزاعي، وذهب إلى ذلك الحميدي فيمن لم يرفع يديه على حديث ابن عمر أن الصلاة فاسدة أو ناقصة، ورأى بعضهم عليه الإعادة، وليس هذا بصحيح عندنا؛ لِمَا ذكرنا، لأن إيجاب الإعادة إيجاب فرض، والفرائض لا تثبت إلا بحجة أو سنة لا معارض لها أوإجماع من الأمة" (1).
وقال النووي: "ورأيت أنا فيما علق من فتاوى القفال أن الإمام البارع في الحديث والفقه أبا الحسن أحمد بن سيار المروزي، من متقدمي أصحابنا في طبقة المزني قال: (إذا لم يرفع يديه لتكبيرة الإحرام لا تصح صلاته؛ لأنها واجبة، فوجب الرفع بخلاف باقي التكبيرات لا يجب الرفع لها؛ لأنها غير واجبة)، وهذا الذي قاله مردود باجماع من قبله" (2).
وقال القاري: "وفي الأم يكره تركه، بل قال بعض أصحابنا يحرم تركه، لكن رُدَّ بأنه مخالف لإجماع من قبله، ورُدَّ بأن ابن سيرين وغيره من السلف قالوا به، وهورواية عن الأوزاعي" (3).
وقال الكاشاني: "واحتمال إرادة وجوب الرفع في نفسه أو وجوب جميع تكبير الصلاة في غاية الضعف" (4).
وموقف هؤلاء القائلين بمجرد الاستحباب أو السنية -مع ما يروُونه- يثير الريبة، ويدل على تشكيكهم -قبل غيرهم- في صحة تلك الروايات، أو أنهم يرونها معارَضَة بما هو أقوى منها، أو مساوٍ لها، وإلا لما اكتفوا بدلالتها على السنية، فضلا عن الاستحباب، أو غير ذلك.
__________
(1) – ابن عبد البر: التمهيد، 9/ 225 - 226.
(2) – النووي: المجموع شرح المهذب، 3/ 251 (ج ت).
(3) – القاري: مرقاة المفاتيح، باب صفة الصلاة، 3/ 298. /ج ت.
(4) – النجفي: جواهر الكلام، 9/ 231. (1/94)
صفحة 95
*5* إذا نظرنا إلى ترتيب زمن ظهور المذاهب وما نسب إلى أيمتها في حكم الرفع نجد الإباضية، وفريقا من الزيدية لا يقولون بالرفع مطلقا، والإمامَ أبا حنيفة يقول بالرفع قبل تكبيرة الإحرام، فهو عنده أمر خارج عن الصلاة، ونجد الإمام مالكا -في نقل أشهر تلاميذه عنه؛ ابن القاسم والشافعي (1) - لا يقول بالرفع أيضا، وبعد ذلك نجد القول بالرفع عند الإمام الشافعي والإمام أحمد -مع الاضطراب في حكمه-؛ فإن ذلك يزيدنا ريبة في أمر زمن ظهور القول، والسبب الداعي إليه.
وما يحير أيضا: ما نسب من الأقوال المتناقضة إلى كل من الإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، وموقف أصحابهما مما نسب إليهما، وبالأخص أصحاب مالك، وهذا بعض التفصيل:
أما الإمام أبوحنيفة -فرغم أن قوله بالرفع في الافتتاح فقط، وقبل الشروع في التكبير، إضافة إلى أن تكبيرة الإحرام ليست ركنا عنده- فإننا نجد من نسب إليه القول ببطلان صلاة من لم يفعله؛ فقد قال ابن حجر: "ونقل بعض الحنفية عن أبي حنيفة يأثم تاركه" (2).
فيا ترى لماذا يأثم، وقد ترك أمرا مستحبا، وغير داخل في الصلاة؟ والعجب من ابن حجر كيف ساقه ولم يعقب عليه، بل كيف استساغ التعقيب به على قول ابن عبد البر: (كل من نقل عنه الإيجاب لا يبطل الصلاة بتركه إلا في رواية عن الأوزاعي والحميدي) حيث قال على إثره مباشرة: قلتُ: ونقل بعض ... ؟!
__________
(1) – قال المحدث البنوري -نقلا عن الكشميري في نيل الفرقدين-: "وروى الشافعي عن مالك أنه كان لا يرفع يديه، كما (في مباني الأخبار شرح معاني الآثار) للبدر العيني، فليس ابن القاسم متفردا برواية الترك عنه .. الخ". معارف السنن، 2/ 457.
(2) – ابن حجر: فتح الباري، 2/ 219. (1/95)
صفحة 96
ومن جهة أخرى نجد من يروي عن أبي حنيفة جواز ترك الرفع -أي: نقيض القول بالإثم- فقد قال برهان الدين مازه: "وقد روي عن أبي حنيفة ما يدل على هذا القول، فإنه قال: إن ترك رفع اليدين جاز، وإن رفع فهو أفضل" (1).
كما نجد من ينسب إلى أبي حنيفة القول بعدم سنية الرفع أصلا، فقد قال صديق حسن خان: "وفيما لا بد منه أن رفع اليدين عند الإمام الأعظم ليس بسنة، ولكن أكثر الفقهاء والمحدثين يثبتونه انتهى" (2).
وأما الإمام مالك، فقد تقدم أنه قد روي عنه القول بالرفع في الافتتاح فقط –وهو أشهر أقواله-، والقول بالرفع في المواضع الثلاثة على حديث ابن عمر، والقول بترك الرفع أصلا. والإمام مالك هو أكثر الأئمة الذين شُهر عنهم أكثر من قول في هذه المسألة، لكن الملفت للنظر هو كيف تعامل أهل العلم -من أتباع مالك خاصة- مع هذه الأقوال المتعارضة؟ في هذه المسألة وغيرها.
فمنهم من قال: بأن أرجح أقواله هو ما في المدونة؛ لأنها هي التي كان عليه مذهب مالك ومختاره، أما الموطأ فلم يكن كتاب فقه، وإنما هو كتاب رواية، وهذا معروف من تاريخ الفقه المالكي وأصوله (3). ويبدو أن هذا الرأي أقرب للقبول، لكن ما يعكر عليه في خصوص مسألة الرفع، أن في غير المدونة من مصادر المالكية ما يفيد أن قول مالك بعدم الرفع مطلقا (4) هو قوله المختار، وهو من رواية ابن القاسم نفسه -راوي أقوال مالك في المدونة-.
__________
(1) – برهان الدين مازه: المحيط البرهاني، 1/ 411/م ش. وانظر؛ القادري؛ محمد بن حسين: البحر الرائق شرح كنز الدقائق، 1/ 528.
(2) – صديق حسن خان: الروضة الندية: 1/ 283/ج ت ..
(3) – انظر؛ محمد عابد: القول الفصل في تأييد سنة السدل، ص4. وانظر مداخلات المالكية في مواقع الانترنت حول رأي مالك في الرفع.
(4) – انظر؛ ابن عبد البر: الاستذكار، 4/ 100. ابن رشد: البيان والتحصيل، 2/ 189./م ش. القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 20/ 222. (1/96)
صفحة 97
وقد يكون الجواب: إن عدم رفع مالك كان بعد تعرضه للضرب في عهد أبي جعفر المنصور -كما هو مشهور في التاريخ-، فهو لم يرفع لعدم قدرته عليه، لا لأنه لا يراه. وهذا الجواب يضعفه جواب الإمام مالك نفسه لما سئل عن ذلك؛ فقد قال: (ولِمَ يرفع يديه؟ أيدرك تبارك وتعالى؟!)، ولم يقل بأنه بسبب ما يعانيه.
ومن جهة أخرى نحن نتساءل: لماذا لم تدوّن هذه الرواية في المدونة إلى جانب الرواية المفيدة للرفع في الإحرام فقط؟ على أن هناك ما يفيد أنه كان من ضمن المدونة تضعيف مالك للرفع في الإحرام وغيره، وليس في ماعدا الإحرام فقط؛ فقد قال ابن رشد: (وقد وقع في بعض الروايات من كتاب الحج الأول من المدونة تضعيف رفع اليدين في الإحرام وغيره) (1).
وقد يكون الجواب: إن تلك الرواية كانت من ضمن مسموعات ابن القاسم عن مالك، ولكن سُحنون لما عرض المدونة الأسدية على ابن القاسم لم يرضها فحذفها سحنون. وهذا الاحتمال يضعفه قول ابن القاسم في نفس الرواية: (ولا أراه ترك ذلك). وقوله في رواية أخرى: (وأحب إلي ترك رفع اليدين عند الإحرام) (2).
وقد يكون الجواب: إنه يحتمل أن سُحنون قد حذف تلك الرواية بعد ما أعاد فيها نظرا آخر فهذَّبها وبوبها ودونها وألحق فيها من خلاف كبار أصحاب مالك ما اختار ذكره، وذيل أبوابها بالحديث والآثار (3).
__________
(1) – ابن رشد: البيان والتحصيل، 2/ 189./م ش.
(2) – القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 20/ 222.
(3) – في إعادة سحنون نظرا آخر في المدونة انظر؛ الدرديري: تخريج الأحاديث النبوية الواردة في مدونة الإمام مالك، ص24. صالح: منهج كتابة الفقه المالكي، ص68. (1/97)
صفحة 98
وقد يؤيد هذا الاحتمال الأخيرَ أمرٌ يستدعي الحيرة والدهشة، وهو ما ذكره ابن رشد ... -وسيأتي نصه قريبا- من موقف ابن لبابة (1) من رواية ابن القاسم لقول مالك بنفي الرفع مطلقا؛ بسبب اتفاقه مع قول الإباضية في المسألة.
فيا تُرى: كم رأيا للإمام مالك قد ضرب عليه؟ وما ذا لوكان القول بنفي الرفع مطلقا هو المقدم عند الإمام مالك؟
ومن المالكية -وغيرهم- من قال: بأن أرجح أقوال الإمام مالك المختلفة هو ما في الموطأ (2)، ومن ذلك مسألة رفع اليدين، فقول مالك فيها على حديث ابن عمر، وأنه هو آخر أقواله. وهذا القول مستساغ لوكانت المسألة في أصلها مبنية على الأسانيد ونقد الروايات فقط، ولكن مسألتنا هذه المرجع فيها إلى النقل العملي؛ لأن صفة الصلاة شيء تراه الأعين، ويفعله كل الناس، وينقله الكافة عن الكافة؛ فكيف يكون للإمام مالك فيها أكثر من قول، فضلا عن أن يعمل فيها برأي ثم يترجح له غيره فيرجع إليه؟ وحتى لو قلنا بأن مالكا قد اختار الرفع في آخر الأمر فهذا دليل على أن سلفه كانوا على غير مختاره الأخير، وهذا دليل واضح على أن أمر الرفع لم يكن معروفا، أو أنه قد ترك العمل به، وإلا كان طعنا فيهم وهم شيوخه الذين أخذ عنهم كما يُطعن اليوم فيمن لا يرفع، ويُتهم بالبدعة وترك السنة.
__________
(1) – هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن لبابة القرطبي، دارت عليه الأحكام نحو ستين سنة. توفي سنة 314هـ. انظر؛ الحجوي: الفكر السامي، 2/ 104.
(2) – انظر؛ الغماري: المثنوني والبتار، ص14، 74، 76. الهلالي: الحسام الماحق لكل مشرك ومنافق، 1/ 50/م ش. سالم: شرح الأربعين النووية، 59/ 7/م ش. سالم: شرح بلوغ المرام، مسألة خلاف المالكية في الضم، 61/ 4/م ش. وانظر أيضا بعض مداخلات المالكية المنتصرين للقبض في مواقع الانترنت التي تحدثت عن الموضوع. (1/98)
صفحة 99
وأما الإمام الشافعي -فرغم قوله بأن الرفع في المواضع الثلاثة لا يحل لأحد سمع حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها أن يترك الاقتداء بفعله - صلى الله عليه وسلم -، كما تقدم- نجده يقول:
(وإن ترك رفع اليدين في جميع ما أمرته به، أو رفعهما حيثُ لم آمره في فريضة، أو نافلة، أو سجود، أو عيد، أو جنازة؛ كرهتُ ذلك له، ولم يكن عليه إعادة صلاة، ولا سُجودٌ لسهوٍ، عمد ذلك، أونسيَه أو جهله؛ لأنّه هيئةٌ في العمل، وهكذا أقُولُ في كل هيئةٍ في عملٍ تركها) (1). فيا تُرى: أليس بين قوليه اضطراب واضح؟ وما الذي جعل الإمام يصدر منه مثل ذلك؟
وأما الإمام أحمد فنجد عنه -أيضا- اختلافا في حكم تارك الرفع؛ فقد نقل عنه ما يفيد أن من رفع أتَمَّ صلاةً ممن لم يرفع، وأن من ترك الرفع فهو تارك للسنة (2)، ومن جهة أخرى قد نقل ابن عبد البر بسنده عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: من رفع يديه فهو أفضل (3). فهذا دليل واضح على الاضطراب، وعلى أن المسألة أهون بكثير مما آلت في العصور المتأخرة.
__________
(1) – الشافعي: الأم، 1/ 105/ج ت. وقد حكى العوتبي (الضياء، 5/ 151) عن الشافعي أنه يخيّر المصلي بين أن يرفع يديه وبين أن لا يرفع. وهذا القول من الشافعي في حاجة إلى بحث في المصادر الشافعية.
(2) – الماوردي: الإنصاف، 2/ 65/ج ت. ابن مفلح: الفروع، 1/ 379.
(3) – ابن عبد البر: التمهيد، 9/ 226. (1/99)
صفحة 100
*6* ما روي عند القوم من الاستشكال بعد زمن الصحابة (1)
__________
(1) – * اجتمع أبو حنيفة مع الأوزاعي بمكة في دار الحناطين -كما حكى ابن عيينة- فقال الأوزاعي: ما بالكم لا ترفعون عند الركوع والرفع منه؟ فقال: لأجل أنه لم يصح عن رسول الله ? فيه شيء. فقال الأوزاعي: كيف لم يصح وقد حدثني الزهري عن سالم عن أبيه أن رسول الله ? كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وعند الركوع وعند الرفع منه؟ فقال أبو حنيفة: حدثنا حماد عن إبراهيم عن علقمة والأسود عن عبد الله بن مسعود أن النبي ? كان لا يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة ثم لا يعود لشيء من ذلك. فقال الأوزاعي: أحدثك عن الزهري عن سالم عن أبيه، وتقول حدثني حماد عن إبراهيم؟ فقال أبو حنيفة: كان حماد أفقه من الزهري، وكان إبراهيم أفقه من سالم، وعلقمة ليس بدون من ابن عمر في الفقه، وإن كانت لابن عمر صحبة وله فضل صحبة فالأسود له فضل كثير، وعبد الله عبد الله. السيواسي: شرح فتح القدير، 1/ 311/ج ت. القاري: مرقاة المفاتيح، 2/ 468/ج ت.
* يقول السابعي (في بحث مرقون لدى الباحث نسخة منه): وإلى جانب ذلك نجد موقفاً غريباً ممن يرفع يديه في بعض مواضع الصلاة، حيث يريبنا كلام الإمام أبي حنيفة وهو الذي يروي الرفع عند تكبيرة الإحرام فقط.
واقرأ معي هذه الحادثة حيث التقى عبد الله بن المبارك وأبوحنيفة، فكان بينهما هذا الحوار. يقول وكيع بن الجراح:
"صليت في مسجد الكوفة، فإذا أبو حنيفة قائم يصلي، وابن المبارك إلى جنبه يصلي، فإذا عبد الله يرفع يديه كلما ركع وكلما رفع، وأبو حنيفة لا يرفع، فلما فرغوا من الصلاة، قال أبو حنيفة لعبد الله: يا أبا عبد الرحمن، رأيتك تكثر رفع اليدين، أردت تطير؟ فقال له عبد الله: يا أبا حنيفة، قد رأيتك ترفع يديك حين افتتحت الصلاة، فأردت أن تطير؟ فسكت أبوحنيفة.
قال وكيع: فما رأيت أحضر من جواب عبد الله لأبي حنيفة" [البيهقي: السنن الكبرى، 2/ 117].
إذن فرفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه لا معنى له عند أبي حنيفة، وكذا عند جمهور الأحناف.
والمحدثون ومعهم الشافعية وغيرهم يروون هذه الحادثة ويجعلونها مثلاً للجواب الحاضر وسرعة البديهة.
ومع أن وكيعاً هو الراوي لها عن مشاهدة، وهو المتعجب من جواب ابن المبارك، إلا أن الأعجب أن وكيعاً نفسه يذهب مذهب أبي حنيفة في عدم الاقتصار على الرفع عند الافتتاح فحسب كما سبق ذكره، وجواب ابن المبارك لم يقنع كلاً من أبي حنيفة ووكيع، ولم يريا كلامه دافعًا القول بكون الرفع في ذينك الموضعين لا معنى له ولا حكمة فيه.
ويبدولي -والعلم عند الله سبحانه- أن جواب ابن المبارك لأبي حنيفة غير دقيق، فإن تشبيه أبي حنيفة الرفع بالطيران مفسر بقوله في الرواية أعلاه: (رأيتك تكثر رفع اليدين) فالإكثار من رفع اليدين أشبهَ حركةَ جناحي الطائر عند توثبه للطيران، بخلاف المرة الواحدة التي يفعلها أبوحنيفة عند تكبيرة الإحرام. اهـ كلام السابعي.
* وقد علق التهانوي على هذه الحادثة التي أوردها البخاري في جزء رفع اليدين فقال: ولا حجة في هذا الجواب للخصم أصلا؛ فإن أبا حنيفة إنما شبه الرفع بالطيران كما شبه النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع الأيادي عند السلام بأذناب خيل شمس، ومراد الإمام أن هذا الرفع في غير موضعه، فينبغي تركه كما هو مراده - صلى الله عليه وسلم - بهذا التشبيه، فما أورده ابن المبارك على الإمام يرد على الحديث أيضا؛ فإنه يمكن أن يقال: إن كان الرفع عند السلام كأذناب خيل شمس فهو عند الافتتاح مثلها، وإلا فلا، فما هو جوابكم في الحديث فهو جوابنا عن قول ابن المبارك، فافهم. اهـ. التهانوي: إعلاء السنن، 3/ 57. (1/100)
صفحة 101
في قضية الرفع، يثير السؤال عن سبب الاستشكال، وعن توقيته. ومن جهة أخرى فإنهم نسبوا إلى الصحابة الاختلاف في النقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ينسبوا لهم الاستشكال، أو تدارس الموضوع، كما وقع في مسائل أخرى مثل: تدارسهم لساعة الإجابة في صلاة الجمعة، ولمقدار القراءة في الظهر والعصر، ولعدد التكبيرات في صلاة الجنازة، ورأي عمر على جمعهم على أربع تكبيرات .. الخ.
وعلى فرض أن الصحابة قد تدارسوا الموضوع، فإن نتيجة ذلك لا تخلو من أحد الأمور الآتية:
إما أنهم قد حسموا الخلاف واستقروا على رأي موحد، فإن كان كذلك فلِمَ استمر نقل الخلاف بعدهم؟ بل ولِمَ اشتد النزاع بعدهم في أمر قد رأوا فيه رأيهم؟
وإما أنهم قد رأوا أن المسألة واسعة، وأنها ليست بذي شأن. فإن كان كذلك فلماذا أثيرت القضية بعدهم واحتدم النزاع فيها؟
وعلى فرض أنهم لم يتدارسوها فإن ذلك يعني أنهم لم يشغلهم أمرها، وبالتالي لماذا يشغلنا نحن من بعدهم؟ ثم نتساءل: لماذا لم يشغلهم أمرها وهي منسوبة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ ربما قد علموا بالنسخ فسكتوا عن المنسوخ، أو يعني ذلك أنها لم تكن في عهدهم أصلا، وبالتالي فالمسألة مُختلَقَة، والروايات المثبتة لها تحوم حولها شبهة الوضع. والأسئلة المترتبة عن هذا التصور تأتي بعد ذلك تباعا.
*7* عندما حكى المثبتون آراء المذاهب في المسألة لم نجد عندهم ذكرا لرأي الإباضية، فضلا عما نقلوه بشأنها، على أن الإباضية -بشهادة خصومهم، ورغم اعتبارهم لهم من الخوارج (1)
__________
(1) * وتطالعنا المصادر بموقف آخر لأبي حنيفة شبيه بموقفه مع ابن المبارك:
"ثنا الفريابي قال: سمعت قتيبة يقول: سمعت أبا مقاتل يقول: صليت الى جنب أبي حنيفة وكنت أرفع يدي، فلما سلم قال لي: يا أبا مقاتل لعلك من أصحاب المراوح؟ قال قتيبة: ولم أر أحدا أحسن رفعا من أبي مقاتل؛ كان يجاور منكبيه". ابن عدي: الكامل في ضعفاء الرجال، ترجمة حفص بن سلم أبي مقاتل السمرقندي، رقم515، 2/ 393. الذهبي: ميزان الاعتدال، ترجمة حفص أبي مقاتل، رقم2123، 2/ 318. ابن حجر: لسان الميزان، ترجمة حفص بن سلم أبي مقاتل، رقم1322، 2/ 322./ج ت.
ولكي نعرف من هو أبو مقاتل الذي أنكر عليه أبو حنيفة فعله في صلاته نقرأ ما ذكره ابن عدي قبل إيراده للنص السابق، حيث قال: "حفص بن سلم أبو مقاتل السمرقندي: أنا الحسن بن سفيان ثنا أبو الدرداء المروزي قال: سألت أبا رجاء قتيبة بن سعيد عن حديث كور الزنابير، فقال: ثنا أبو مقاتل السمرقندي عن سفيان عن الأعمش عن أبي ظبيان: سئل علي عن كور الزنابير، فقال: هم من صيد البحر لا بأس به. قال: قلت: يا أبا مقاتل هو موضوع، قال: بابا هو في كتابي وتقول هو موضوع؟! قال: قلتُ: نعم، وضعوه في كتابك. سمعت بن حماد يقول: قال السعدي: أبو مقاتل السمرقندي كان فيما حدث ينشىء لكلام الحسن إسنادا".
() – ثنا أبوعبيد محمد بن على الآجري قال: سمعت أبا داود سليمان بن الأشعث يقول: ليس في أصحاب الأهواء أصح حديثا من الخوارج، ثم ذكر عمران بن حطان، وأبا حسان الأعرج. [الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية، 1/ 130/ ج ت].
وقال ابن تيمية: " ... والخوارج لا يكذبون، لكن الخوارج كانوا أصدق وأشجع منهم، وأوفى بالعهد منهم (أي من الرافضة) ". ابن تيمية: منهاج السنة النبوية، 5/ 154، 157. 7/ 41، 260. مجموع الفتاوى، 3/ 357. 13/ 31، 98، 209. 28/ 484، 527/ج ت. (وللعلم فإن ابن تيمية يجعل الإباضية فرقة من الخوارج حيث يقول: "وهؤلاء الخوارج كانوا ثمان عشرة فرقة كالأزارقة أتباع نافع بن الأزرق، والنجدات أتباع نجدة الحروري، والإباضية أتباع عبدالله بن إباض". ابن تيمية: منهاج السنة النبوية، 5/ 11/ ج ت). السباعي: السنة ومكانتها في التشريع، ص99 - 101. (1/101)
صفحة 102
- لايكذبون؛ لأن الكذب عندهم كبيرة محبطة للعمل، مخلدة في النار، ولم يثبت عنهم وضعٌ لحديث. وهذا الإقصاء لم يكن لصالح المسألة المختلف فيها؛ فإذا كانت الإباضية بتلك المكانة، وهم لا يرون الرفع مطلقا؛ أفلا يثير موقفهم الريبة في صحة ما يَرْوِي ويَرَى غيرهم في شأن الرفع؟! لا سيما إذا أضفنا إلى ذلك الاختلاف الشديد والاضطراب المحير عند القائلين بثبوت الرفع.
وما يثير الدهشة والاستغراب ما يطالعنا به ابن رشد في النص الآتي:
"قال ابن القاسم: رأيت مالكاً لا يرفع يديه في التكبير للصلاة، ولا أراه ترك ذلك، إلا أنه رأى أن ذلك من تعظيم الله وإجلاله، قال: ولقد سألنا مالكاً عن ذلك، فقال: ولم يرفع يديه؟ أيدرك تبارك وتعالى؟! فأنكر مالك رفع اليدين على الجنازة وفي الصلوات.
قال محمد بن رشد: قد أنكر على مالك إنكاره لرفع اليدين في الصلاة، للآثار المتواترة في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأمر ابن لبابة بطرح هذه الرواية، وقال: ما قالت الإباضية بأكثر من هذا؛ -يريد دفع السنن بالقياس والرأي-، وقد وقع في بعض الروايات من كتاب الحج الأول من المدونة - تضعيف رفع اليدين في الإحرام وغيره" (1).
__________
(1) – ابن رشد: البيان والتحصيل، 2/ 189/م ش.
وموقف ابن لبابة هذا في حاجة إلى تحقيق؛ فقد قال العبدري: " [قال] ابن العطار وبقول المغيرة القضاء عندنا، وكذلك كان ابن لبابة لا يرى كلام ابن القاسم ولا روايته". العبدري: التاج والإكليل، كتاب التخيير، 4/ 36/ج ت. (1/102)
صفحة 103
*8* لعل مما يصح جوابا عن حيرتنا في الاضطراب والتنازع لدى المثبتين للرفع، كونه علامة لمعرفة الخصوم، وشعارا لبعض الفرق دون أخرى، خاصة أهل الحديث. وذلك عين ما صرحوا به في مسألة القبض؛ حيث قال العيني: " .. قالوا: إنه يعتمد في كل قيام سواء كان فيه ذكر مسنون أوْ لا؛ تحقيقا لخلاف الروافض -لعنهم الله- فإن مذهبهم إرسال اليدين من أول الصلاة، فنحن نخالفهم من أول الصلاة، ... وقيل: إذا طال القيام [من الركوع] يعتمد مخالفة للشيعة" (1).
وقال صاحب كتاب (فلك النجاة):
"و (في تنوير العينين): يحكى أنّ الإمام مالك حكم بالإرسال مع أنه كان مشهورا في القرن الأول، واتفق عليه أكثر العلماء في القرن الأول، واتفق عليه أكثر العلماء في القرون الأخر، وقالوا أيضا: إن هذا الفعل في هذه البلاد تشبيه بالروافض، حيث تُرِكَ سوى مذهب الحنفية، فلم يبق فاعلوه غير الشيعة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اتقوا مواضع التهم». قلنا: هذا من قصوركم حيث تركتموه فصار شعارا لهم، فعليكم بالاتفاق على فعله لئلا يبقى مختصا بهم. وترك السّنّة للتحرز عن التشبيه بالفرق الضالة غير مشروع"اهـ (2).
كما نجد في ترجمة الإمام البخاري عند الذهبي ما يشبه التصريح بذلك؛ فقد قال الذهبي:
"وقال الحاكم حدثنا خلف بن محمد حدثنا سهل بن شاذوبه قال: كان محمد بن إسماعيل يسكن سكة الدهقان، وكان جماعة يختلفون إليه يظهرون شعار أهل الحديث من إفراد الإقامة، ورفع الأيدي في الصلاة، وغير ذلك، فقال حريث بن أبي الورقاء، وغيره: هذا رجل مشغب، وهويفسد علينا هذه المدينة" (3).
__________
(1) – العيني: البناية في شرح الهداية، 2/ 211. وانظر؛ السيواسي: شرح فتح القدير، 1/ 288/ج ت.
(2) – فتح الدين: فلك النجاة، ص330.
(3) – الذهبي: سير أعلام النبلاء، ترجمة أبي عبد الله البخاري محمد بن إسماعيل، (ذكر محنته مع أمير بخارى)، 12/ 465/ج ت. (1/103)
صفحة 104
وفي هذا المضمار يطالعنا العلامة السماوي (الزيدي) بما أعظم؛ حيث نسب للقائلين بالرفع ترجيح الروايات المتعارضة بمن هم موالين للدولة الأموية على من هم محسوبون من خصومها ومعارضيها؛ فقد قال: "إنما تعصبوا للأخذ بهذه السّنّة لكون مدار الحديث على سفبان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه، وسنّة الترك مدارها على يزيد بن أبي زياد، ويزيد من رؤوس الشيعة، والزهري وابن عمر من أشياع بني أميّة. ونحن نقول: حق على كل متشيع -الذي هو المسلم حقا- أن يرفض الأخذ بهذه السنّة التي رواها النواصب المجروحون بجرح الله تعالى، ولا يغتر بتزكية أضرابهم لهم ... " (1).
وهذا القول منه لا ندري صحته بعد، وإن كنا لا نستبعده؛ لِما سبق ذكره، ولِما سيأتي في شأن هذه المسألة التي احتدم فيها النزاع، حتى صعب إدراك الصواب فيها.
*9* عند مطالعتنا لِمَا رَدَّ به المختلفون في مسائل الرفع، المتفقون على أصله، بعضهم على بعض (2)؛
__________
(1) – السماوي: الغطمطم الزخار، 5/ 38.
(2) – يبدو أن هذا غير خاص بمسألة الرفع، بل هو أيضا في غيرها من مسائل الخلاف، ومن ذلك -مثلا- قال المحدث البنوري: "وحديث الباب حجة لأبي حنيفة ومالك، ويقول الحافظ ابن حجر (في الفتح) و (التلخيص) .... ، فمن العجائب أن (في الفتح) يعزوه إلى الطحاوي فقط ويقول: (وفيه ما فيه) يشير إلى قوله: (فهي رواية ضعيفة) ولم يعز إلى أحمد ولا إلى ابن حبان، ولما عزاه (في التلخيص) إلى أحمد سكت عليه، ولم يصرح بالتصحيح، ومن المستبعد جدًّا أن يذهل (في الفتح) عن رواية أحمد، وليس من الممكن أن يضعف رجال أحمد هؤلاء الأعلام الثقات، ولذا سكت عليه. وبذلك يعلم قدر تحامله على الحنفية. اللهم إلا أن يدعى ذهوله عن رواية أحمد، ومع هذا فيؤخذ بعدم التصريح على التصحيح مع علمه بالصحة .... فلا أدري كيف يحجم عن تصحيحه أحد" (معارف السنن، 2/ 135 - 136).
ويقول البنوري أيضا: "ويعجبني قول الشيخ الكوثري (في تأنيب الخطيب، ص49): ومن الغريب أن للانقطاع، وعدم الضبط، وتهمة الكذب، وجهالة العين، وجهالة الوصف، والبدعة، أحكامها في رد الخبر عند النقلة، إلا إذا كان الخبر في مثالب أبي حنيفة الذي اتخذه شطر هذه الأمة، بل ثلثها إماما في دين الله على توالي القرون، رغم تقول الجهلة الأغمار، فهناك تقبل الأخبار كلها على علاتها .. الخ. قال الراقم: وهكذا حال كثير منهم ما يتمسك به من الأخبار في الأحكام، والله يقول الحق وهويهدي السبيل." (معارف السنن، 2/ 368). (1/104)
صفحة 105
وجدنا نبزا بينهم بالسكوت على أمور بخصوص تعديل أو تجريح راو، أو تعديله في موضع وتجريحه في موضع آخر، حسب ما يخدم الرأي المختار، ضف إلى ذلك تركهم الرواية عن أناس محسوبين على أهل الحديث، فضلا عن غيرهم -كما تقدم بخصوص الإباضية- ممن رموا بالبدعة ونحوها. وهذه الأمور -وغيرها- كلها تجعل أقوال أصحابها غير موضوعية، وبالتالي هي محل ريبة في أمر متنازع عليه. ومن ذلك ما يأتي:
قال المحدث البنوري (الحنفي صاحب كتاب المعارف):
"منها: حديث وائل، ... ولكنه وقع في سند ابن خزيمة مؤمل بن إسماعيل، وكثر خطؤه في آخر عمره، وفيه عاصم بن كليب، ويوثقونه ها هنا (1)، وقد ضعفوه في حديث ترك رفع اليدين، ذكر ذلك ابن القيم (في إعلامه) (2) عنه، ويؤيده أن البيهقي مع شدة حرصه على تخريج ما يؤيد مذهبه لم يخرجه إلا من طريق مؤمل بن إسماعيل هذا، ولوكان له طريق آخر أمثل عنه لأخرجه ولا بد، أو كان عند غيره لنبه عليه البتة. على أن ابن القيم يدعي أنه لم يقل (على صدره) غير مؤمل بن إسماعيل، وتوسع ابن القيم في مثل هذا لا ينكر." (3).
وقال أيضا: "قال الحافظ (في الفتح في الجزء التاسع ص206): (وكذلك مؤمل بن إسماعيل في حديثه عن الثوري ضعف .. الخ) حكاه شيخنا -رحمه الله- (في تعليقاته)، فانظر يا رعاك الله هذا مؤمل بن إسماعيل، هو الذي يروي زيادة (على صدره) عن سفيان الثوري نفسه، ومن طريقه يروي ابن خزيمة، ويحكيه الحافظ ويسكت عليه فيما يفيده، ويغمزه في مقام آخر، ومن الغريب المدهش مثل هذا الصنيع من مثله، فيرتفع رجل تارة فيما ينفعهم، ويرسب أخرى فيما يضرهم، فسبحان من هو الغني الحميد" (4).
__________
(1) – في مسألة وضع اليدين على الصدر.
(2) – أي إعلام الموقعين.
(3) – البنوري: معارف السنن، 2/ 437.
(4) – البنوري: معارف السنن، 2/ 439. (1/105)
صفحة 106
وقال أيضا: "وقال الأصيلي: (ولم يأخذ به مالك؛ لأن نافعا وقفه على ابن عمر، وهو أحد الأربع التي اختلف فيها سالم ونافع ... إلى آخر ما نقله). ثم قال الشيخ: وبه يعلم تحامل الحافظ في قوله: (لم أر للمالكية دليلا على تركه، ولا متمسكا إلا قول ابن القاسم ... الخ)؛ لأن سالما ونافعا لما اختلفا في رفعه ووقفه تركه مالك في مشهور القول باستحباب ذلك؛ لأن الأصل صيانة الصلاة عن الأفعال" (1).
وقال أيضا: " ... الثاني: أن دعوى التفرد لم ينقل إلا من ابن عبد الحكم، ثم [إن] ابن عبد الحكم ادعى ذلك ذَبًّا عن مالك؛ لئلا يلزم عليه إنكاره من الآثار. الثالث: أن دعوى ابن عبد الحكم لتأثره من مبالغة الشافعي في الرد على مخالفيه؛ لكي يهون أمر الخلاف فيه ... الخ" (2).
وقال أيضا: "إن ما يدعيه البخاري (في جزئه) من عدم صحة الترك عن الصحابة [أي ترك الرفع في غير الافتتاح] فهومن المبالغة على عادته فيما لم يجزم به، ومع هذا فقد ناقضه خليفته الإمام الترمذي (في جامعه)، وكذا محمد بن نصر المروزي وغيره، وقد ثبت عند أهل الكوفة عن عمر، و ... ، وكثير من الصحابة والتابعين بأسانيد قوية، ولا يمكن لأحد أن يزاحمهم فيما توارثوه طبقة بعد طبقة وتخصصوا به" (3).
وقال أيضا: "ثم إن ما يذكرونه من الزيادة في حديث ابن عمر (فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله) كما عند البيهقي، فهو كذب؛ ففيه عبد الرحمن بن قريش، اتهمه سليماني (4) بوضع الحديث. وفيه عصمة بن محمد الأنصاري، قال يحي: كذاب يضع الحديث، وقال الدارقطني وغيره: متروك. ومن المؤلم جدًّا حكاية الحافظ (في التلخيص) إياه وسكوته على مثله، وهو أعلم بمغامزه، فلا حول ولا قوة إلا بالله." (5).
__________
(1) – الشوكاني: نيل الأوطار، 2/ 192/ج ت.
(2) – البنوري: معارف السنن، 2/ 457.
(3) – البنوري: معارف السنن، 2/ 469.
(4) – هكذا في الأصل.
(5) – البنوري: معارف السنن، 2/ 479. (1/106)
صفحة 107
وقال العلامة التهانوي: "قال الشوكاني في النيل (1): ..... الحديث أخرجه البيهقي بزيادة (فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله تعالى). قال ابن المدِينِيِّ: هذا الحديث عندي حجة على الخلق، كل من سمعه فعليه أن يعمل به؛ لأنّه ليس في إسناده شيء. اهـ. وهذا يوهم بظاهره أن ابن المديني قواه مع هذه الزيادة التي ذكرها البيهقي، وأنه ثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بها، وليس في إسناده بهذه الزيادة شيء، وهذا غلط؛ بل كلام ابن المديني راجع إلى الحديث بلفظ أخرجه الشيخان، ولا ريب في صحة إسناده ..... ، وأما هو بالزيادة التي رواها البيهقي فليس بصحيح أصلا؛ بل كأنه موضوع، .... فتنبه له فقد اغتر بهذه الزيادة كثير من الناس، والله أعلم" (2).
وقال البنوري -نقلا عن المحدث محمد أنور شاه الكشميري في كتابه: نيل الفرقدين في رفع اليدين-:
"وسفيان إذا روى لهم الجهر بآمين كان أحفظ الناس، ثم إذا روى ترك الرفع صار أنسى الناس!! " (3).
__________
(1) – الشوكاني: نيل الأوطار، 2/ 192/ج ت.
(2) – التهانوي، إعلاء السنن، 3/ 90 - 91.
أقولُ: قد قال الشوكاني -في كتابه قبل هذا الموضع الذي تكلم عليه التهانوي-: "وهو لا يدري أن الصحابة قد أجمعت على هذه السّنّة بعد موته ? وهم لا يجمعون إلا على أمر فارقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه على أنه قد ثبت من حديث ابن عمر عند البيهقي أنه قال بعد أن ذكر أن رسول الله ? كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الاعتدال: فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله تعالى" (نيل الأوطار، 2/ 191). وقد نقل الألباني كلام الشوكاني، وعقب عليه -بعد كلام- بقوله: "وأما ادعاء النسخ فقد سبق الجواب عنه من كلام الشوكاني، وفيه مَقْنَغٌ لكل منصف". الألباني سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، رقم6044، 13/ 118، 120/م ش.
(3) – البنوري: معارف السنن، 2/ 484. (1/107)
صفحة 108
وبمثله قال التهانوي، مع بعض الزيادة حيث قال: "والعجب من المحدثين حيث جعلوا سفيان أحفظ من شعبة في باب رفع الصوت بآمين، وتركوا بقوله روايةَ شعبة بلفظ (خفض بها صوته) وهو أمير المؤمنين في الحديث، وتركوا أيضا قول سفيان بكتاب ابن إدريس، وهو أدنى منزلة من سفيان، والكتاب يحتمل الخطأ بأزيد من الحفظ، فهل هذا إلا مكابرة بيّنة؟؟!! " (1).
وقال الكاندهلوي -معقبا على ما اعترض به على ما يروى عن ابن مسعود في شأن الرفع في الافتتاح دون بقية المواضع، بأن عاصم بن كليب غير مقبول-: "قلتُ: ولكنه سيصير مقبولا إذا يروي حديث السجود، يضع ركبتيه قبل يديه، وأيضا يصير مقبولا إذا يروي حديث وائل في الرفع، وصرح الحافظ لحديث عاصم إنه سند قوي" (2).
وقال الكاندهلوي أيضا: "والعجب أنهم يوردون على هذه الأحاديث بالأمور التي يحتجون بمثلها في مستدلاتهم، فردوا تخطية الطحاوي تفرد الراوي في طواف القارن كما في الفتح" (3).
وقال أيضا: "قلتُ: أما قول ابن عبد البر ([والقول قول سالم، و] لم يلتفت الناس [فيها إلى نافع]) كان ممكن التسليم لو لم يلتفت الناس إلى قول نافع في أحاديثه الأربعة التي وقفها نافع ورفعها سالم، وأما إذا لم يكن كذلك، بل التفت الناس، بل أكابر الناس في بعضها، بل أكثرها إلى وقف نافع، وجعلوه قدحا في الحديث، فأي داع لهم إلى أن لا ((في الأصل: لم)) يلتفتوا إليه ..... قلتُ: فلا يلتفت إلى وقف نافع في حديث رفع اليدين؛ لأنه يوافق مذهبهم، ويلتفت إلى وقفه في العشر؛ لأنه يخالفهم ... ((هكذا في الأصل: ولعل الصواب: ... لأنه يخالف مذهبهم، ويلتفت ... لأنه يوافقهم)) " (4).
__________
(1) – التهانوي: إعلاء السنن، 3/ 60.
(2) – انظر؛ السهارنفوري: بذل المجهود، 4/ 415 (بالهامش).
(3) – انظر؛ السهارنفوري: بذل المجهود، 4/ 415 (بالهامش).
(4) – الكاندهلوي: أوجز المسالك، 1/ 110. (1/108)
صفحة 109
وقال أيضا: "ولا يذهب عليك أن الإمام البخاري مع تجنبه رواية حماد بن سلمة -كما هو المشهور عند أهل الفن- استشهد ها هنا بروايته، هل هذا إلا تحامل؟! " (1).
وقال البنوري: "وكذا ما رواه الحافظ (في التلخيص: إن أحمد بن حنبل وشيخه يحي بن آدم قالا: هو ضعيف، نقله البخاري عنهما الخ)؛ فهومن الحافظ عجلة تأخذ المرء عند الظفر بالمقصود من غير أن يمعن نظره في الكلام، وأين ذلك في كلامهما؟ وإنما الذي حكاه البخاري ... فلا دخل لأحمد وشيخه بالتضعيف، كما يريده الحافظ، نَعم والعجلة تعمل العجائب." (2).
وقال: "ثم إن ما ذكره الفقيه أبو بكر بن إسحاق الشافعي، وتبعه البيهقي (في سننه) ثم ابن عبد الهادي (في تنقيحه)، كما حكاه الزيلعي (في التخريج) من عدم علمه [أي: ابن مسعود] بنسخ التطبيق وغيره، ثم قياسه على ذلك نسيانه للرفع، وظنوا التلازم بين الأمر أي نسخ التطبيق وترك الرفع [فيما عدا تكبيرة الإحرام]، وابتهج بذلك من خلفهم، فتمطقوا بحكايته؛ فقد أجاب عنه الحافظ علاء الدين (في الجوهر النقي) وشيخنا .... ومن المؤسف أنهم تبعوا أبا بكر بن إسحاق في هفوته وكبوته، ولم يدروا أن لكل جواد كبوة، وابتهجوا بها لموافقتها آراءهم، وغفلوا عن جلالة قدر [ابن] أم عبد بما شحنت بها أسفار الأحاديث من جليل مناقبه، وغفلوا عن كثرة اطلاعه بالسّنّة، كما شهد به أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ... وبالجملة أساؤوا في قولهم ذلك إلى علمهم كل إساءة، سامحهم الله بفضله، ووفقنا لاتباع الحق ... الخ" (3).
__________
(1) – الكاندهلوي: أوجز المسالك، 1/ 111.
(2) – البنوري: معارف السنن، 2/ 487.
(3) – البنوري: معارف السنن، 2/ 489 - 491. (1/109)
صفحة 110
وقال أيضا: "وبالجملة ليس نقل عدم تصحيحه مطلقا صحيحا، كما اغتروا به، ولم يمعنوا النظر في سياقه. قال الشيخ [أي: الكشميري]: والتبس على الحافظ فحكى كلامه في حديث البراء في حديث ابن مسعود، حيث قال (في التخيص: قال أبوداود: وليس بصحيح .. الخ). ذكره بعد تخريج حديث ابن مسعود .... وكذا انعكس الأمر على صاحب (مشكاة المصابيح) حيث قال: (وقال أبوداود: ليس هوبصحيح على هذا المعنى .. الخ). وقد علمت آنفا ما أفاده الشيخ، وهو لو صح لصح على ذلك اللفظ، لا على ما حكاه الحافظ. مع أن أبا داود تكلم في حديث البراء، لا في حديث ابن مسعود ... الخ" (1).
وقال: " ... فهل من الإنصاف إسقاط مثله؟! وما ذلك إلا أنه يخالف مسلكهم. فالحق أن ذلك ما هو بممكن لهم، كلا ثم كلا." (2).
وقال العلامة السماوي (من الزيدية):
"وبالله العجب من عصبية أهل الحديث وتمردهم عن الحق؛ لما روى لهم علي بن عاصم هنا ما وافق المذهب أخذوا بقوله، وهم يرمونه في غير هذا الموضع بكل حجر ومدر. ولما لم يجدوا سبيلا لدفع رواية يزيد بن أبي زياد نسبوا إليه أنه تلقنها حين اختلط بآخره، أخذا بظن سفيان بن عيينة أنه تلقنها، مع أنهم قد اعترفوا بأنه لم ينفرد بروايته ... الخ" (3).
__________
(1) – البنوري: معارف السنن، 2/ 491 - 492.
(2) – البنوري: معارف السنن، 2/ 493.
(3) – السماوي: الغطمطم الزخار، 5/ 35. (1/110)
صفحة 111
وقال التهانوي: "وفي تهذيب التهذيب (9/ 89): وقال ابن أبي حاتم عن محمد بن يحي: سمعت أبا الوليد يقول: نحن نظلم محمد بن جابر (1) بامتناعنا عن التحديث عنه اهـ. وفيه أيضا (9/ 90): وقال الذهلي: لا بأس به اهـ. وفي التقريب (ص189): ورجحه أبو حاتم على ابن لهيعة اهـ" (2).
*10* الملاحظ على عدد غير قليل من القائلين بالرفع التجوز في إطلاق الأحكام في خصوص مشروعية الرفع، ومن ذلك:
-قال: ابن عبد البر: "وحجة من رأى الرفع عند الركوع وعند الرفع منه حديث ابن عمر المذكور في هذا الباب عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه عن النبي عليه السلام وهو حديث لا مطعن لأحد فيه" (3).
أقولُ: كيف (لا مطعن لأحد فيه) مع ما تقدم فيه من وجوه الاضطراب؟!
-وقال النووي: "أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام" (4).
أقولُ: كيف (أجمعت الأمة .. ) مع ما نقل عن الإمام مالك، وكثير من متقدمي المالكية من القول بعدم الاستحباب؟! وقد نقل ابن حجر اعتراض البعض على قول النووي -كما تقدم.
-قال ابن رشد: قد أنكر على مالك إنكاره لرفع اليدين في الصلاة، للآثار المتواترة في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " (5).
__________
(1) – محمد بن جابر عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: صليت خلف النبي ? وأبي بكر وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا عند افتتاح الصلاة .... قال علي بن عمر الحافظ: تفرد به محمد بن جابر، وكان ضعيفا عن حماد عن إبراهيم، وغير حماد يرويه عن إبراهيم مرسلا عن عبد الله من فعله غير مرفوع إلى النبي ?، وهو الصواب. [البيهقي: السنن الكبرى، باب من لم يذكر الرفع إلا عند الافتتاح، رقم2365 - 2367، 2/ 80./ج ت].
(2) – التهانوي، إعلاء السنن، 3/ 68.
(3) – ابن عبد البر: الاستذكار، رقم4313، 4/ 104.
(4) – النووي: شرح صحيح مسلم، 4/ 95/ج ت.
(5) – ابن رشد: البيان والتحصيل، 2/ 189/م ش. (1/111)
صفحة 112
أقولُ: هل يصح التواتر مع أن أغلب الأحاديث المعتمدة قد انتقدت بما لا يمكن رده؟!
-قال العيني: "والعجب من الأكمل يقول: رفع اليدين في أول الصلاة سنة بلا خلاف" (1).
أقولُ: هذا يقول (سنة بلا خلاف) والنووي يقول (أجمعت الأمة على استحباب)، فيا تُرى هل القول بالاستحباب والقول بالسنية شيء واحد؟ أم أن كلا من المصطلحين يعني غير ما يعني الآخر؟ ومن جهة أخرى كيف يُدَّعى عدم الخلاف مع قول الإمام مالك -المتقدم-، فضلا عن قول القائلين بعدم الرفع من الإباضية وفريق من الزيدية؟
- يقول الكاندهلوي: "وهذا الرفع عند افتتاح الصلاة مجمع على مشروعيته" (2).
أقولُ: كيف يكون (مجمعا على مشروعيته) وفي الأمة من لا يقول به ولو على قول؟! والأعجب أن هذا القول يحكيه الكاندهلوي نفسه في موضع آخر قريب -كما سيأتينا لفظه؟!
-قال المباركفوري: "وقد اعترف صاحب العرف الشذي بأنه قد ثبت الرفع تَوَاتُرًا عَمَلاً لا يمكن لأحد إنكاره، وقال الإمام محمد بن نصر: أجمع علماء الأمصار على مشروعية ذلك إلا أهل الكوفة كما عرفت" (3).
أقولُ: أي تواتر مع شدة الاختلاف؟! وهل يصح الإجماع مع مخالفة أهل الكوفة؟! وهل يدخل في الأمصار المجتمعة أمصار الإباضية والزيدية القائلين بعدم الرفع، أم أنهم ليسوا من زمرة المسلمين أصلا؟!
__________
(1) – العيني: البناية في شرح الهداية، 2/ 191.
(2) – الكاندهلوي: أوجز المسالك، 1/ 76.
(3) – المباركفوري: تحفة الأحوذي، 2/ 98/ج ت. (1/112)
صفحة 113
أما عند المتأخرين والمعاصرين فالتجوز في إطلاق الأحكام في مسألة الرفع غير قليل في مؤلفاتهم، ومن ذلك: (لأنه ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من رواية نحو خمسين صحابيا) (1). (وهذا ثابت عن النبّي من رواية نحو خمسين صحابياً قاله في الأشباه اهـ. فعلم أن رفع اليدين في جميع محاله سنة مؤكدة) (2). (لا خلاف في استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام لافتتاح الصلاة) (3). (أجمع العلماء على مشروعية رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام لتواتر الأحاديث في ذلك، حيث رُوِيَ عن خمسين صحابياً، منهم العشرة المبشرون بالجنة) (4). (اتّفق الفقهاء على أنّه يسنّ للمصلّي عند تكبيرة الإحرام أن يرفع يديه) (5).
*11* كما نلاحظ أن من القائلين بالرفع من يذكر في موضع حكما، ويذكر في موضع آخر حكما آخر مغايرا له، وقد يكون مخالفا للحكم الأول، ومن ذلك:
-أن النووي قد حكى الإجماع على الاستحباب (في شرح مسلم، والمجموع -كما تقدم)، وذكر (في الروضة): أنه سنة (6).
-وأن الكاندهلوي قال في موضع: "وهذا الرفع عند افتتاح الصلاة مجمع على مشروعيته"، وفي موضع آخر قال: "اختلف العلماء في رفع اليدين في الصلاة ... الأول: أنه لا ترفع في شيء من الصلاة" (7).
__________
(1) – اللحجي: إيضاح القواعد الفقهية لطلاب المدرسة، 1/ 70/م ش.
(2) – البجيرمي: تحفة الحبيب على شرح الخطيب، 2/ 211/م ش.
(3) – الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، 2/ 60/م ش.
(4) – البسام: تيسير العلام شرح عمدة الأحكام، 1/ 127/م ش.
(5) – الشحود: موسوعة فقه العبادات، رقم57، ص13/م ش.
(6) – النووي: روضة الطالبين، 1/ 231.
(7) – الكاندهلوي: أوجز المسالك، 1/ 76، 77. (1/113)
صفحة 114
وقد يجيب البعض: بأن ذلك من التجوز في المصطلح، ولم يكن القصد المصطلح المتعارف عليه وما يترتب عنه من أحكام. وهذا الجواب يضعّفه أنّا وجدنا من يتعقب مثل تلك الأقوال بما يضاده، كما فعل ابن حجر مع قول النووي -وقد تقدم-. ولو فهم منه التجوز لم يعترض عليه.
ومن جهة أخرى فإنّا وجدنا من يصرح بتقسيم أعمال الصلاة إلى فرائض وواجبات، ثم مسنونات، ثم مندوبات، ويذكر الرفع والضم ضمن المندوبات (1)، وهذا يؤكد أن من قال بالاستحباب أو السنية لم يكن متجوزا في المصطلح؛ فإذا لم يكن كذلك فالاضطراب والتخبط والحيرة هي ما يصدق على مثل تلك المواقف.
*12* والملاحظ -أيضا- التعويل على الروايات وصحة أسانيدها -في غالب الاستدلالات على الرفع، والردود على المخالفين-، والأمثلة على ذلك كثيرة، وهي غير خافية على متصفح مسألة الرفع في مظانها، ومن ذلك:
__________
(1) – القروي: الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية، 1/ 77 - 78. ج ت. (1/114)
صفحة 115
(هذه الأحاديث كلها صحيحة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لا يخالف بعضها بعضا، وليس فيها تضاد؛ لأنها في مواطن مختلفة) (1). (ولم يثبت عن أحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يرفع يديه، وليس أسانيده أصح من رفع الأيدي)، (ولا أسانيد أصح من أسانيد الرفع) (2). (ما زاده ابن عمر وعليّ وأبو حميد في عشرة من الصحابة من الرفع عند القيام من الركعتين صحيح؛ لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة فاختلفوا فيها، وإنما زاد بعضهم على بعض، والزيادة مقبولة من أهل العلم) (3). (رفع الأيدي حق على المسلمين بما روى الزهري عن سالم عن أبيه) (4). (هذا الحديث عندي حجة على الخلق، كل من سمعه فعليه أن يعمل به؛ لأنّه ليس في إسناده شيء) (5). (وقال الشافعي: لا يحل لأحد سمع حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رفع اليدين في افتتاح الصلاة وعند الركوع والرفع من الركوع أن يترك الاقتداء بفعله - صلى الله عليه وسلم -) (6). (وقال الأوزاعي و ... وجماعة أهل الحديث بالرفع على حديث ابن عمر، إلا أن من أهل الحديث من يرفع عند السجود والرفع منه على حديث وائل بن حجر) (7).
__________
(1) – انظر مثلا؛ البخاري: جزء رفع اليدين، رقم164، ص148.
(2) – انظر مثلا؛ البخاري: جزء رفع اليدين، رقم135، ص129. ابن الملقن: البدر المنير، 3/ 504/ج ت. ابن حجر: فتح الباري، 2/ 220.
(3) – انظر مثلا؛ البخاري: جزء رفع اليدين، رقم170، ص150. ابن حجر: فتح الباري، 2/ 222. الطيب آبادي: عون المعبود، 2/ 308/ج ت.
(4) – انظر مثلا؛ البخاري: رفع اليدين، رقم 19، ص38.
(5) – انظر مثلا؛ اللخمي: مختصر خلافيات البيهقي، 2/ 69/ج ت.
(6) – انظر مثلا؛ [السبكي: طبقات الشافعية، ترجمة أبي إبراهيم إسماعيل بن يحي المزني، 2/ 100]، نقلا عن: البخاري: رفع اليدين، هامش ص7.
(7) – انظر مثلا؛ ابن عبد البر: الاستذكار، رقم4307، 4/ 102. (1/115)
صفحة 116
(وسمعت شيخنا أبا عمر أحمد بن عبد الله بن هاشم يقول: كان أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم شيخنا يرفع يديه كلما خفض ورفع على حديث ابن عمر في الموطأ، وكان أفضل من رأيت وأفقههم وأصحهم علما، فقلت لأبي عمر: لِمَ لا ترفع فنقتدي بك؟ قال: لا أخالف رواية ابن القاسم؛ لأن الجماعة عندنا اليوم عليها، ومخالفة الجماعة فيما أبيح لنا ليست من شيم الأيمة) (1). (وأما الحنفية فعولوا على رواية مجاهد أنه صلى خلف ابن عمر فلم يره يفعل ذلك، وأجيبوا بالطعن في إسناده؛ لأن أبا بكر بن عياش راويه ساء حفظه ... ) (2).
وكأن المسألة متوقفة على الرواية والإسناد فقط. نعم إن الإسناد معتبر في نقل السّنّة النبوية، وغيرها من الآثار المستفادة منها الأحكام الشرعية، وله وزنه وقوته في الترجيح بين ما ثبت وبين ما لم يثبت؛ ولكن الاعتماد على الإسناد ليس دائما كافيا في الاستدلال أو ترجيح دليل على آخر في مسألة ما. ومسائل الصلاة العملية هي أصدق مثال؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يؤدي صلاته بالناس أمامهم خمس مرات في اليوم، في الحضر والسفر، فتعلمها الناس منه ونقلوها إلى من بعدهم نقلا جماعيا. فكان من المفروض أن يكون هذا النقل الجماعي المتفق عليه هو المرجع عند وجود رواية يفهم منها مخالفة ما نقله الناس كافة، وما لم يمكن توجيهه فإنه يكون أدعى لعدم القبول والاستناد عليه.
__________
(1) – انظر مثلا؛ ابن عبد البر: الاستذكار، رقم4306، 4/ 102
(2) – انظر مثلا؛ ابن حجر: فتح الباري، 2/ 220. شرح الزرقاني، 1/ 229/ج ت. (1/116)
صفحة 117
لذلك فإنه من الصعب جدا قبول القول بأن كل تلك الروايات المختلفة -إلى حد التعارض والتناقض أحيانا- ثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنها بمجموعها تفيد مشروعية الرفع. فلا هي اتفقت على مواضع الرفع، ولا على كيفيته، ولا على وقته، ولا على حكمه، بل ولم تتفق الروايات حتى على أصل مشروعية الرفع؛ لأن هناك أحاديث ثابتة لا تذكر الرفع أصلا.
هذا ومن الجدير بالذكر أن بعض الإجابات على المعترضين على الرفع في بعض المواضع كانت غير مكترثة بأن المسألة ليست قضية رواية وإسناد فقط، ومن ذلك -مثلا- هذا الجواب: (وكما خفي على ابن مسعود - رضي الله عنه - سنية وضع اليدين على الركبتين، خفيت عليه أيضاً سنّيّة رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام -كما سبق بيانه -. أما كيف يخفى عليه ذلك وهو من قدماء الصحابة الملازمين للرسول - صلى الله عليه وسلم - سفراً وحضرًا؟! فمن عجائب الأمور التي لا نجد لها تعليلاً إلا مجرد كونه بشراً يسهو وينسى، والله تعالى أعلم بوقائع الأمور) (1).
*13* الملاحظ على القائلين بالرفع استنادا إلى تلك الأحاديث المذكورة وغيرها؛ أن أغلبهم لم يعمل بكل ما تضمنته تلك الأحاديث؛ لذلك وجدنا من يتعقب ما ترك ويرى فعله، ومن ذلك -إضافة إلى ما هو مشهور عند الأحناف والمالكية من ترك الرفع في غير الافتتاح-:
-قال الكاندهلوي: "وإلى استحباب رفع اليدين في السجود ذهب ... ، وقال الحافظ (في الفتح) (2): هو خلاف ما عليه الجمهور. قلتُ: لكنه ثابت بعدة روايات ... وغير ذلك من الروايات الصريحة في ذلك" (3).
__________
(1) – الألباني: أصل صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، 2/ 627/م ش (وهذا الكتاب غير المختصر المعروف بـ: صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -).
(2) – ابن حجر: فتح الباري، 2/ 223.
(3) – الكاندهلوي: أوجز المسالك، 1/ 84. (1/117)
صفحة 118
-وقال أيضا: "وأما رفع اليدين عند ابتداء الركعة الثانية فمروي ... ، لكن قال الخطابي: لا أعلم أحدا من الفقهاء قال به. وقال ابن رسلان: لعله لم يقف على طرق الحديث، ولو وقف لحمله على الركعتين كما حمله الأئمة، وقال الشوكاني: والمراد بالسجدتين الركعتان بلا شك. انتهى. قلتُ: اضطروا إلى تأويله؛ لِما يخالف ما اختاروه من عدم الرفع في هذا الموضع، وإلا فلفظ (إذا قام من السجدتين) نص في معناه، سيما إذا هو مؤيد بعدة روايات .... " (1).
-وقال أيضا: "وأما رفع اليدين إذا قام من التشهد الأول .... وصحح هذه الزيادة غيرهم -كما ذكره الحافظ (في الفتح) -، ومع هذا لم يقل به الأئمة، قال ابن بطال: هذه زيادة يجب قبولها لمن يقول بالرفع. وقال الخطابي: لم يقل به الشافعي، وهو لازم على أصله في قبول الزيادة. وقال ابن خزيمة: هو سنة وإن لم يذكره الشافعي ... " (2).
-وقال أيضا: " ... ثابت بالروايات الصحيحة في مواضع كثيرة، وَرَدَت فيها الأحاديث الصحيحة الكثيرة، وأخذ بها بعض من الفقهاء أيضا، ومع ذلك فالجمهور ما أخذوا منها إلا المواضع الثلاثة المذكورة، حتى نقل أبو حامد الإجماع على أنه لا يشرع الرفع في غير المواضع الثلاثة ... " (3).
فإذا قُبل من بعض الأيمة ترك الرفع في بعض المواضع لأمور صحت عندهم -رغم صحة الروايات بها- فلماذا لا يقبل من البعض الآخر القول بترك الرفع أصلا لأمور صحت عندهم أيضا؟!
__________
(1) – الكاندهلوي: م س، 1/ 84 - 85.
(2) – الكاندهلوي: م س، 1/ 85 - 86.
(3) – الكاندهلوي: أوجز المسالك، 1/ 86. (1/118)
صفحة 119
وقد يقول قائل: إن العمل على ما دلت عليه الروايات الصحيحة وإن خالفها من خالفها من الأيمة. وهذا القول يمكن الإجابة عليه: بأن هؤلاء الأيمة هم الذين رووا تلك الروايات، وهم الذين أُخِذَ عنهم منهج نقد الروايات والرجال، فإذا تُرِكَ نقدهم للرواية وعدم العمل بها فهذا تشكيك فيما قالوه فيها ورفض له، وإذا كنا نشك في حكمهم ونرفضه فكيف نقبل عنهم ما قالوه في الرجال ومنهج نقد الروايات بصفة عامة، وهم هم في كلا الأمرين، وما وصلنا مما ينسب للنبي - صلى الله عليه وسلم - إلا على أيديهم وأمثالهم؟! وهل هذا إلا دليل التخبط والاضطراب؟!
رابعا: مسألة الرفع من حيث قواعد الترجيح:
من المعلوم أن الأدلة المختلفة المتعارضة تُلجئ أهل العلم إلى قواعد لحل ذلك الاختلاف، إما بقبول تلك الأدلة جميعا وتوجيهها، وإما بقبول بعضها دون بعض، وذلك بالترجيح بينها، وإما بإسقاطها جميعا، على خلاف بين العلماء في تلك القواعد. (1/119)
صفحة 120
وفي مطالعتنا لما كتب في مسألة الرفع تبيَّن أن الأقوال المختلفة كانت ناشئة عما ذهب إليه كل مذهب في خصوص توجيه تلك الأدلة المختلفة (1).
__________
(1) – قال الكاندهلوي: "فلعلك قد دَريتَ مما تقدم من ذكر الروايات، وأقاويل العلماء أن رفع اليدين في الصلاة ثابت بالروايات الصحيحة في مواضع كثيرة، وَرَدَت فيها الأحاديث الصحيحة الكثيرة، وأخذ بها بعض من الفقهاء أيضا، ومع ذلك فالجمهور ما أخذوا منها إلا المواضع الثلاثة المذكورة، حتى نقل أبو حامد الإجماع على أنه لا يشرع الرفع في غير المواضع الثلاثة، لكنه متعقب -كما قاله الحافظ (في الفتح) -. ولا يمكن أن يتوهم بِهم أنهم تركوا تلك المواضع -مع صحة الرواية فيها- بلا وجه، سيما الرفع بعد التشهد -مع كثرة الروايات فيها-، وكذلك الرفع بعد السجدتين، أو السجود -مع صحة الرواية فيهما- نقل الخطابي الإجماع على خلافه، واضطر الشوكاني -مع ظاهريته- إلى تأويله. وكذلك الرفع بعد السجدتين، وغير ذلك من مواضع الرفع؛ فلا يمكن الإنكار إذًا من أن يقال: إن الجمهور والأئمة الأربعة دعاهم أمر آخر إلى ((في الأصل: على)) تركهم هذه الروايات الصحيحة المنصوصة في معناها، فهذا شاهد عدل على أن بعض المواضع منها -مع ورود الرواية الصحيحة برفع اليدين في ذلك- ترجح عند بعض العلماء بوجه من وجوه الترجيح ترك الرفع فيها؛ ولذا أولوا ما ورد من الرفع، أو رجحوا ترك الرفع على إثباته، فكذلك الحنفية والمالكية رجحوا روايات عدم الرفع بوجه من وجوه الترجيح، وترجح عندهم الروايات التي روي فيها الرفع مرة واحدة، كما ترجح عند غيرهم الروايات المتضمنة للرفع في المواضع الثلاثة .. وكما أن القائلين بالرفع تركوا الروايات المتضمنة للرفع بأكثر من المواضع الثلاثة لتعارض الروايات، أو بوجوه الترجيح الأخر؛ فكذلك القائلون بعدم الرفع تركوا الروايات المتضمنة بأكثر من رفع واحد بمثل هذه الوجوه، فما هو جوابكم عن ترككم الروايات الصحيحة -على زعمكم- فهو جوابنا". الكاندهلوي: أوجز المسالك، 1/ 86 - 87.
أقولُ: وكذلك القائلون بعدم الرفع مطلقا -من الإباضية وغيرهم- يلزمون غيرهم من القائلين بالرفع بِهذا الجواب. (1/120)
صفحة 121
ومن أهم القواعد الضابطة لتعارض الأدلة:
- القول مقدم على العمل (1).
- النهي مقدم على الأمر (2).
- حكاية الفعل المجملة لا يحصل منها غرض في الاحتجاج لأجل الإجمال فيحتاج إلى البيان (3).
- الترجيح بجودة الإسناد –عند بعض-، وبعمل أهل المدينة –عند المالكية-، وبفقه الرواة -عند آخرين، وخاصة الحنفية (4).
- المتفق عليه مقدم على المختلف فيه (5).
- الأصل صيانة الصلاة عن الأفعال (6)، وأفعال الصلاة يحتاج ثبوتها إلى الشرع (7). فأي عمل لم يثبت فالأصل عدمه.
__________
(1) – الزيلعي: نصب الراية، 3/ 173/ج ت. ابن العربي: المحصول، 1/ 112/ج ت. القاري: مرقاة المفاتيح، 7/ 126/ج ت. القرافي: الذخيرة، 3/ 273/ج ت. العطار: حاشية العطار على جمع الجوامع، 2/ 410/ج ت. المباركفوري: تحفة الأحوذي، 1/ 381/ج ت.
(2) – الزيلعي: تبيين الحقائق، 1/ 87/ج ت. السيوطي وآخرون: شرح سنن ابن ماجة، رقم324، 1/ 28/ج ت. ابن عابدين: حاشية ابن عابدين، 1/ 338/ج ت. العدوي: حاشية العدوي، 1/ 370/ج ت. المرداوي: التحبير شرح التحرير، 5/ 2239/ج ت.
(3) – الحسيني: الانتصار على علماء الأمصار، 3/ 218.
(4) – البنوري: معارف السنن 2/ 504 - 505. التهانوي: إعلاء السنن، 3/ 79.
(5) – الجصاص، أحكام القرآن، باب كيفية القصاص، 1/ 201/ ج ت. الشرواني: حواشي الشرواني، باب شروط الصلاة، 2/ 115/ج ت. الزركشي: البحر المحيط في أصول الفقه، 2/ 540/ج ت. المرداوي: التحبير شرح التحرير، 8/ 4170/ج ت. الشوكاني: نيل الأوطار، باب تعجيلها (الظهر) وتأخيرها في شدة الحر، 1/ 386/ج ت.
(6) – الزرقاني: شرح الموطأ، 1/ 229/ج ت. البنوري: معارف السنن، 2/ 456.
(7) – النجفي: جواهر الكلام، 11/ 16. (1/121)
صفحة 122
- الأصل في الصلاة السكون؛ لقوله عليه الصلاة السلام: «اسكنوا في الصلاة» -كما في رواية مسلم-، فكل فعل في الصلاة يكون خلاف هذا الأصل لا يثبت إلا بأن يكون ثبوته واضحا بَيِّنًا (1).
- الصلاة انتقلت من الحركة إلى السكون، حيث كانت فيها حركات مباحة ثم نسخت، فكلما تعارضت الروايات أخذ بالأقرب منها إلى السكون (2).
- الاحتياط (3)، وخشية النقصان مما شرع ليست أولى من خشية الزيادة.
- الواجب إذا تعارضت الأخبار وتضادت الوقوف عن استعمالها (4).
- إذا تعارضت السُّنَّتَان يرجع إلى أقوال الصحابة وأفعالهم، فإن اختلفت يرجع إلى القياس (5).
- حكي عن حماد بن سلمة أنه قال: إذا جاءك عن رجل حديثان مختلفان لا تدري الناسخ من المنسوخ، ولا الأول من الآخر فلم يجئك عنه شيء (6).
- السنن لا تثبت إذا تعارضت وتدافعت (7).
- الاضطراب قادح في الحديث وإن أخرجه الشيخان (أي: البخاري ومسلم) (8).
- الحكم على فعل من أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه مسنون؛ محتاج إلى اقتران الفعل الثابت بالقول
الثابت. والفعل بنفسه لا ظاهر له، أو يدل على الندب عند عدم المعارض، ولا تزيد كثرة رواة الفعل على إثبات أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله، وقوة السند لا تجدي شيئا مع ضعف الدلالة (9).
- إذا دار الشيء بين كونه سُنَّة أو بدعة رجح كونه بدعة، وإذا دار بين كونه محرما أو مباحا رجح كونه محرما (10).
__________
(1) – السهارنفوري: بذل المجهود، 4/ 427.
(2) – الكاندهلوي: أوجز المسالك، 1/ 96.
(3) – النجفي: جواهر الكلام، 11/ 16.
(4) – ابن المنذر: الأوسط، 1/ 225. الإشراف، 1/ 112.
(5) – التهانوي: إعلاء السنن، 3/ 79.
(6) – ابن المنذر: نفس المصادر.
(7) – ابن عبد البر: التمهيد، 9/ 227.
(8) – السماوي: الغطمطم الزخار، 5/ 51.
(9) – السماوي: الغطمطم الزخار، 5/ 36، 41، 49.
(10) – الكاندهلوي: أوجز المسالك، 1/ 97. (1/122)
صفحة 123
وبناء على تلك القواعد وغيرها نتبيّن أن رأي القائلين بنفي الرفع مطلقا، أولى بالتصويب؛ لما يأتي:
أ- لأن الرفع -على التسليم بثبوته- قد عارضه النهي عنه -وإن حاول المثبتون صرف النهي إلى حالة التسليم، والصواب خلاف ذلك (1) -، على أن الرفع ورد بحكاية الفعل، بينما ورد النهي عنه بصريح القول.
ب- أدلة النهي عن الرفع مختلف في تأويلها، أما أدلة الرفع فمختلف في ثبوتها، فأيهما أولى بالتقديم؟!
ج- الصلاة أعظم ركن بعد التوحيد، وهي صلة بين العبد وربه، والتثبت في أمرِ مَا شُرع فيها يكاد يكون موازيا للتثبت في الأمور المرتبطة بالتوحيد.
د- على القول بثبوت كل من الرفع والنهي عنه، فهما سنتان متعارضتان، فنرجع إلى أقوال الصحابة وأفعالهم. وعلى القول بثبوت كل من الرفع وعدمه عن الصحابة فإنهم في ذلك مختلفون أيضا؛ لذلك كان المرجع إلى القياس، وقد قال التهانوي (2): "والقياس ها هنا يقتضي عدم الرفع بناء على ما سمعت مرارا أن المطلوب من الشرع عدم الحركة في الصلاة، ومبناها السكون والخشوع، كما هو شاكلة الخدام والعبيد والغلمان بين أيدي سادتهم بالاستكانة، والقرار بلا حركة على حسب عادتهم" (3).
هـ- القول بعدم فساد صلاة من لم يرفع محل اتفاق -تقريبا-، بينما القول بفساد صلاة من رفع له وزنه من حيث إن الرفع زيادة عن الأصل، ولا بد في تلك الزيادة من الثبوت، وقد علمنا أن ثبوتها محل نزاع؛ فأي القولين أولى بالاتباع والاطمئنان إليه؟!
و- قال الكاساني:
__________
(1) – كما قد تقدم في كلامنا عن الأحاديث الناهية عن الرفع مطلقا.
(2) – قد ذكر هذا الكلام في معرض الاحتجاج لأرجحية الرفع في الافتتاح دون غيره، وللقائلين بنفي الرفع مطلقا أن يلزموه بقوله في أرجحية نفي الرفع في مطلق الصلاة. وكذلك قول الكاساني الآتي بعده.
(3) – التهانوي: م س. (1/123)
صفحة 124
"ترك الرفع عند تعارض الأخبار أولى؛ لأنه لو ثبت الرفع لا تربو درجَتُهُ على السُّنّة ولو لم يثبت كان بدعة، وترْكُ البدعة أولى من إتيان السُّنّة؛ ولأن ترك الرفع مع ثبوته لا يوجب فساد الصلاة، والتَّحْصِيلُ مع عدم الثبوت يوجب فساد الصلاة؛ لأنه اشتغال بعمل ليس من أعمال الصلاة باليدين جميعا" (1).
المبحث الثاني: مسألة القبض
أولا: آراء المذاهب في المسألة:
* رأي الإباضية، وأدلتهم، وجوابهم عن أدلة المثبتين للقبض:
يقول السالمي: "المسألة الثالثة: في وضع اليدين على السرَّة، وهو: مكروه عندنا.
وزعم بعض قومنا أن إرسالهما مكروه، بل يضع يده على يده ويطأطئ رأسه، تنبيها على أن القائم بين يدي الملك الجبار ينبغي أن لا يهمل شريطة الأدب كما يصنع بين يدي الملوك.
ثم اختلفوا في محل الوضع وصفته:
فقيل: لم يثبت فيه حديث يوجب العمل في حال على المعهود من وضعهما حال قصد التعظيم في القيام، والمعهود في الشاهد تحت السرَّة.
وقال ابن حجر: سنَّة الوضع أن يَكُون بين سُرَّته وصدره.
وأما صفته عندهم فقيل: أن يضع الكفّ على الكفّ. وقيل: على المفصل. وعن أبي يوسف: يقبض باليمنى رُسغ اليسرى. وقال محمد: يضعهما كذلك ويكون الرسغ وسط الكفِّ. وقيل: يأخذ الرسغ بالإبهام والخنصر، يعني: ويضع الباقي فيَكُون جَمعا بين الأخذ والوضع.
هذه أقوالهم، وحُجَّتُهُم عَلَى ذَلِكَ: ما روى أبو داود وأحمد عن عليّ: «وَمِن السُّنّة في الصلاة وضع الكفِّ على الكفّ تحت السُّرَّة». قال النووي: اتَّفقوا على تضعيفه؛ لأنّه من رواية عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، وهو مُجمَع على ضعفه.
وقد رُوي في وضع اليمنى على اليسرى فقط أحاديث زعموا صحَّتها، فالله أعلم بها.
__________
(1) – الكاساني: بدائع الصنائع، 2/ 305/م ش. (1/124)
صفحة 125
وأنت خبير أنَّ رواية قومنا فيما تفرَّدوا به غير مقبولة عندنا، حتى يقوم عليها شاهد الصّحّة أو يعضدها دليل من السنَّة، ولا شاهد لصحَّة ما رووه ها هنا ولا عضد، وقد نقل أسلافنا صفة الصلاة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم ينقلوا فيها صفة الرفع، ولا الكفت، وهم الثِّقاة في دينهم بإجماع الأُمَّة؛ لأن من عرف الحقّ شهد لَهُم به، ومن لَمْ يعرفه زعم أَنَّهُم قصدوه فأخطؤوه، وذَلِكَ عندهم لا يوجب طرح روايتهم بل هم عندهم أوثق من غيرهم.
على أنَّ أئمة الْحَدِيث من قومنا قد رووا عنهم، واعتمدوا عَلَى ثقتهم، فليس لنا أن نعدل عن الصِفَة التي نقلوها إلينا إِلَى ما ذكره قومنا، وزعموا أَنَّه سنَّة؛ لكثرة الْهرج، ووقوع الكذب فيما بينهم.
وأمَّا ادِّعاؤهم في الكفت الأدب فغير مسموع، بل الأدب أن يَكُون عَلَى الْهَيْئة التي خلقه الله عليها حالة القيام، لا ينقل عضوا عن عضو إِلاَّ بأمر من الشارع، فكأنَّ حاله تقول: "رَبَّنَا كَمَا خَلَقْتَنَا"، والله أعلم" (1).
* رأي الشيعة، وأدلتهم:
أ- الشيعة الإمامية:
__________
(1) – السالمي: معارج الآمال، 3/ 217 - 218. (1/125)
صفحة 126
يقول الشيخ النجفي: "والقسم الثاني لا يبطلها إلا فعله عمدا اختيارا، وهو أمور: أحدها وضع اليمين على الشمال: المسمى في النصوص وكُتب بعض الأصحاب بالتكتيف والتكفير، من تكفير العلج للملك، بمعنى وضع يده على صدره والتطامن له، .... ، وعلى كل حال فالمشهور بين الأصحاب نقلا وتحصيلا، بل (في الخلاف، والغنية، والدروس، وعن الانتصار الإجماع عليه) عدم جوازه في الصلاة، بل لا أجد فيه خلافا إلا من الإسكافي فجعل تركه مستحبا، وأبي الصلاح ففعله مكروها، واختاره المصنف (في المعتبر)؛ للإجماع المحكي المعتضد بالتتبع، والنهي في صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما -عليهما السلام- قلت له: الرجل يضع يده في الصلاة وحكى اليمنى على اليسرى، فقال: ذلك التكفير لا تفعله. وفي حسن زرارة عن أبي جعفر - عليه السلام -، ومرسل حريز: لا تُكَفِّرْ فإنما يصنع ذلك المجوس. والمروي عن قرب الإسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر قال: قال أخي -ع- قال علي بن الحسين -ع-: وضع الرجل إحدى يديه على الأخرى في الصلاة عمل، وليس في الصلاة عمل. وخبر أبي بصير ومحمد بن مسلم المروي عن الخصال عن الصادق عن آبائه -عليهم السلام- قال: قال أمير المؤمنين - عليه السلام -: لا يجمع المؤمن يديه في صلاته وهو قائم بين يدي الله عز وجل يتشبه بأهل الكفر يعني المجوس. وعن (كتاب المسائل) لعلي بن جعفر: سألته عن الرجل يكون في صلاته أيضع إحدى يديه على الأخرى بكفه أو ذراعه؟ قال: لا يصلح ذلك، فإن فعل لا يعودن له، ثم قال عليّ: قال موسى - عليه السلام -: سألت أبي جعفرًا - عليه السلام - عن ذلك فقال: أخبرني أبي محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب -عليهم السلام- قال: ذلك عمل، وليس في الصلاة عمل. (1/126)
صفحة 127
وفي المروي (عن دعائم الإسلام) عن جعفر بن محمد: إذا كنت قائما في الصلاة فلا تضع يدك اليمنى على اليسرى واليسرى على اليمنى، فإن ذلك تكفير أهل الكتاب، ولكن أرسلهما إرسالا، فإنه أحرى أن لا تشغل نفسك عن الصلاة.
وزاد (في الخلاف) الاستدلال بأن أفعال الصلاة يحتاج ثبوتها إلى الشرع، وليس في الشرع ما يدل على كون ذلك مشروعا، وبطريقة الاحتياط. لكن ومع ذلك كله قال (في المعتبر): والوجه عندي الكراهية، أما التحريم فيشكل؛ لأن الأمر بالصلاة لا يتضمن حال الكفين، فلا يتعلق بهما تحريم، لكن الكراهية من حيث هي مخالفة لِما دلت عليه الأحاديث عن أهل البيت -عليهم السلام- من استحباب وضعهما على الفخذين محاذيتين للركبتين، واحتجاج علم الهدى بالإجماع غير معلوم لنا، خصوصا وقد وجد من أكابر الفضلاء من يخالف في ذلك، ولا نعلم من رواه ((في الأصل: وراه)) من الموافق، كما لا نعلم أنه لا موافق له، وقوله: هو فعل كثير في غاية الضعف؛ لأن وضع اليدين على الركبتين ليس بواجب، ولم يتناول النهي وضعهما في موضع معين، وكان للمكلف وضعهما كيف شاء. وأما احتجاج الطوسي -رحمه الله- بأن أفعال الصلاة متلقاة، قلنا: حق، لكن كما لم يثبت تشريع وضع اليمين لم يثبت تحريم وضعها، فصار للمكلف وضعها كيف شاء، وعدم تشريعه لا يدل على تحريمه؛ لعدم دلالة على التحريم. وقوله: الاحتياط يقتضي طرح ذلك، قلنا: متى؟ إذا لم يوجد ما يدل على الجواز، أم إذا وجد؟ لكن الأوامر المطلقة بالصلاة دالة بإطلاقها على عدم المنع، أو نقول: متى يحتاط؟ إذا علم ضعف مستند المانع، أم إذا لم يعلم؟ ومستند المانع هنا معلوم الضعف. (1/127)
صفحة 128
وقوله: عندنا تكون الصلاة باطلة، قلنا: لا عبرة بقول من يبطل إلا مع وجود ما يقتضي البطلان، أما الاقتراح فلا عبرة به، وأما الرواية فظاهرها الكراهية لِما تضمنته من قوله - عليه السلام -: إنه تشبه بالمجوس، وأمر النبي -صلى الله عليه وآله- بمخالفتهم ليس على الوجوب؛ لأنهم قد يفعلون الواجب من اعتقاد الإلهية، وأنه فاعل الخير، فلا يمكن حمل الحديث على ظاهره؛ فإذن ما قاله الشيخ أبو الصلاح من الكراهية أولى، إلى آخر ما ذكره، ... ، فإنه حكي عن عمر لَمّا جيء بأسارى العجم كفّروا أمامه فسأل عن ذلك، فأجابوه: بأنا ننستعمله خضوعا وتواضعا لملوكنا، فاستسحن هو فعله مع الله تعالى في الصلاة، وغفل عن قبح التشبيه بالمجوس في الشرع، وكم له ولا بأس عليه؛ إذ لا يعرف خدمة الملك إلا وزراؤه (ص19) ..... أما إذا اقتضت التقية فعله فلا خلاف في جواز فعله، بل وجوبه مع فرض توقف دفعها عليه، ولا بطلان به حينئذ كما صرح به جماعة، بل الظاهر الإجماع عليه؛ لعموم أدلة التقية، وكونه مسنونا عندهم لا ينافي ذلك، بل أقصاه تخيير المكلف بين الفردين ... الخ" (1).
ب- الشيعة الزيدية:
لا يرى الزيدية القبض في الصلاة، وحكى الحسيني القول بكراهته عن أئمة العترة القاسمية والناصرية، واحتج لرأيهم بقوله:
__________
(1) – النجفي: جواهر الكلام، 11/ 15 - 25. (1/128)
صفحة 129
والحجة على ما قلناه من الكراهة قوله تعالى: {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون} (المؤمنون: 1 - 2). ولا شك أن رفع ((لعل الصواب: وضع)) اليد على اليد ينافي الخشوع، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «اسكنوا في الصلاة». ومَنْ وضع اليد على اليد فليس ساكنا في الصلاة، فظاهر هذه الأدلة المنع من ذلك، وأدنى المنع هو الكراهة الشرعية .... والحجة على بطلان الصلاة بفعله قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة} (النساء: 77). ومن رفع يده ثم وضعها في كل ركعة فلم يكفّها فصار ما يفعل منهيا عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه؛ لأن القربة معتبرة فيها، والنهي يضاد القربة. الحجة الثانية: هو أن وضع اليد على اليد مرة بعد مرة في كل ركعة عمل كثير، وما كان من الأفعال الكثيرة فإنه يكون مبطلا للصلاة كالأكل والشرب ....
والمختار: أنه مكروه غير مفسد للصلاة. وإنما قلنا: إنه مكروه فلقوله -صلى الله عليه وآله وسلم- لما رأى رجلا يعبث بلحيته فقال: أما هذا فلو خشع قلبه لخشعت جوارحه .... وإنما قلنا: إنه ليس مفسدا للصلاة فلأنه لا يمكن الإقدام على فساد الصلاة وبطلانها إلا بدلالة؛ لقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} (محمد: 33) ... الخ" (1).
* رأي المذاهب الأربعة (أهل السنة كما يسمون أنفسهم) وأدلتهم على القبض:
يرى الأيمة الثلاثة؛ أبو حنيفة، والشافعي، وابن حنبل؛ استحباب القبض. بينما حكي عن مالك فيه ثلاث روايات: الكراهة في الفرض، والإباحة في الفرض والنفل، والاستحباب فيهما (2). واستدلوا على ذلك بأحاديث سيأتي ذكرها.
ثانيا: الأحاديث الواردة في مسألة القبض نفيا وإثباتا:
أ ما ورد بشأن النفي:
القسم الأول: ما كان صريحا في نفي القبض:
__________
(1) – الحسيني: الانتصار، 3/ 213 - 215.
(2) – القرافي: الذخيرة، 2/ 65. (1/129)
صفحة 130
* روى ابن أبي شيبة عن الحسن البصري مرسلا بإسناد جيد (1) قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كأني أنظر إلى أحبار بني إسرائيل واضعي أيمانهم على شمائلهم في الصلاة" (2).
ورواه المرتضى محمد بن يحي الهادي في كتاب النهي عن أبيه عن آبائه عن علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "نهى أن يجعل الرجل يده على يده على صدره في الصلاة، وقال: ذلك فعل أهل اليهود، وأمر أن يرسلهما. وهذا الحديث عند الزيدية صحيح الإسناد، فهو مسلسل عندهم بالأيمة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - (3).
* وروى ابن أبي شيبة عن مجاهد أنّه كان يكره أن يضع اليمنى على الشِّمال، يقول: على كفِّه أو على الرّسغ، ويقول فوق ذلك، ويقول أهل الكتاب يفعلونه (4).
* وروى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه قال حين سئل عن الرجل يمسك بيمينه شماله فقال: إنما ذلك من أجل الدم. (5). [وورد في كتاب الغطمطم الزخار بلفظ (الروم) بدل (الدم)، والمسألة تحتاج إلى تحقيق؛ لأن لفظ الروم موافق في معناه لـ (أهل الكتاب)].
__________
(1) – ابن الملقن: البدر المنير، باب صفة السلام، 3/ 512/ج ت. وقد عبر السماوي عنه بقوله (بإسناد صحيح).
(2) – ابن أبي شيبة: المصنف، باب وضع اليمين على الشمال، رقم3937، 1/ 343/ج ت.
وقد قال صديق خان عقب ذكره لرواية ابن أبي شيبة عن الحسن: "وهكذا أخرج [أي: ابن أبي شيبة] عن أبي مجلز وأبي عثمان النهدي ومجاهد وأبي الجوزاء"، ولكني لم أجد ذلك في مصنف ابن أبي شيبة. صديق خان: الروضة الندية، باب الضم، 1/ 285/ج ت.
(3) – السماوي: الغطمطم الزخار، 5/ 47 - 48 ..
(4) – ابن أبي شيبة: المصنف، باب وضع اليمين على الشمال، رقم3947، 1/ 343/ج ت.
(5) – ابن أبي شيبة: المصنف، باب من كان يرسل يديه في الصلاة، رقم3951، 1/ 343/ج ت. (1/130)
صفحة 131
* روى عبدالله بن أحمد: سألتُ أبِي عن حديث إسماعيل بن علية عن أيوب عن أبي معشر قال: يكره التكفير في الصلاة، قال أبِي: التكفير أن يضع يمينه عند صدره في الصلاة (1).
القسم الثاني: ما سكت عن القبض فاستدل به على الإرسال: وهذا القسم يشمل أحاديث كثيرة، منها:
* حديث المسيء صلاته.
* حديث ابن عمر في رفع اليدين، وحديث أبي حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحديث مالك بن الحويرث في صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد سبق ذكرها في مسألة الرفع. وهذه الأحاديث وإن كان ما ورد فيها من رفع اليدين غير معمول به عند النافين للرفع مطلقا، والنافين للرفع في غير الافتتاح؛ إلا أنها ثابتة عند أهل السنة القائلين بالقبض، وهي أحاديث لم يذكر فيها القبض.
*- حديث أبي هريرة المتقدم في مسألة الرفع: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع .... ثم يقول أبوهريرة: إني لأشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -». رواه مسلم والنسائي.
* حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري، المتقدم في مسألة الرفع، حيث قيل: له حدثنا عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «فقام بين أيدي سائليه في المسجد فكبر فلما ركع وضع يديه على ركبتيه ... ثم قال: هكذا رأينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى». رواه أبوداود.
ب- ماورد بشأن إثبات القبض:
قد أورد المثبتون للقبض أحاديث عديدة، وهي في حاجة إلى دراسة مستقلة، ونحن ننتظر ما يقوم به بعض الأساتذة المختصين في ذلك الشأن، وبالأخص الأخ خالد بن محمد العبدلي (2) الذي تبنى دراستها وقضى فيها شوطا.
__________
(1) – أبو الحسين: طبقات الحنابلة، 1/ 8/ج ت.
(2) – الأستاذ خالد بن محمد العبدلي مدرس بمعهد العلوم الشرعية بمسقط-سلطنة عمان. (1/131)
صفحة 132
ولا ننسى أن نذكر أن ثلة من المالكية قد تصدوا لتلك الأحاديث، وبينوا عدم ثبوت شيء منها، ومن هؤلاء: محمد عابد (مفتي المالكية بمكة سابقا، توفي سنة 1341هـ) في كتابه (القول الفصل في تأييد سنة السدل)، ومحمد الخضر بن سيدي عبد الله الشنقيطي (مفتي المالكية بالمدينة أثناء إقامته بها) في كتابه (إبرام النقض)، ومختار بن امحميدات الداوودي في كتابه (مشروعية السدل في الفرض) (1)، وقد رجح هؤلاء أن الصحيح من مذهب مالك هو القول بالإرسال، وفندوا ما يخالف ذلك. غير أن هؤلاء لم يسلموا من الرد عليهم من بعض المالكية أيضا، ولعل أهم تلك الردود هو كتاب "المثنوني وبالبتار في نحر العنيد المعثار الطاعن فيما صح من السنن والآثار" للشيخ أحمد بن محمد بن الصديق الغماري (ت:1380هـ)، ورغم أنه كتاب قد أفرغ فيه مؤلفه جهده، إلا أنه لا يخلو من تعقيب، وخاصة في بعض المقدمات التي بنى عليها نتائجه في إثبات سنية القبض، ونفي القول بالسدل عن الإمام مالك أصلا.
وترجيح الكفة لأحد الفريقين يحتاج دراسة خاصة، ولعل الأخ خالد العبدلي يتحفنا بها مع عمله المرجو بحول الله تعالى.
وفيما يأتي ذكر لملخص ما قاله المالكية الثلاثة المؤيدين لسنية السدل في شأن الأحاديث المستدل بها على القبض، بغض النظر عن بعض ما يمكن التعقيب به عليهم، والغرض عرض نظرة أولية على الأحاديث التي بنيت عليها مسألة القبض:
__________
(1) – ومن الكتب المالكية في هذا الصدد -أيضا-: تحرير المقال في أشهرية وأرجحية سنة الإرسال، تأليف العلامة القاضي أحمد بن سالم بن سيدي محمد الديماني (1920 - 1989م)، وهو رد على نظم القبض للمختار بن حامدن. والكتاب مخطوط صعب القراءة، وقد اطلعت على نسخة منه بيد الأخ الأستاذ خالد بن محمد العبدلي بمسقط، ولعل الأقدار الإلهية تمن علينا بطبعه حتى نستفيد منه ومن غيره. (1/132)
صفحة 133
1 - حديث سهل بن سعد: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبوحازم: لا أعلمه إلا ينمي ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -».
- هذا الحديث لا غبار عليه من حيث السند، وهو في الموطأ والبخاري، وليس في صحيح مسلم.
- قال محمد عابد: " .. وفيه أن الخلاف موجود، وأن ما ذكره [ابن حجر في الفتح] من أن قول الصحابي (كنا نفعل كذا أو نؤمر بكذا) مسند ولو لم يصرح بإضافته لزمن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو اختيار أبي عبد الله الحاكم. وقال أبو الحسن الدارقطني والخطيب والإمام أبو بكر الإسماعيلي وغيرهم: لا يكون مرفوعا بل هو موقوف لا غير.
وقال الجمهور من المحدثين والفقهاء والأصوليين: إن لم يضفه إلى زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - فليس بمرفوع، وإن أضافه فقال: كنا نفعل في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو في زمنه، أو فينا، أو بين أظهرنا، ونحو ذلك فهو مرفوع، هذا هو المذهب الصحيح، قاله النووي في شرح مسلم (1).
__________
(1) – أقولُ: يبدو أن قول النووي قد التبس عليه، وإلا فإن النووي قد بين أن قول الصحابي (كنا نقول أو نفعل أو يقولون أو يفعلون كذا أو كنا لا نرى أو لا يرون بأسا بكذا) موقوف على المذهب الصحيح. وأن قول الصحابى (أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا أو من السنة كذا) مرفوع على المذهب الصحيح الذي قاله الجماهير. [انظر النووي: شرح صحيح مسلم، المقدمة، 1/ 30/ج ت].
ولا بأس أن ننقل هنا بعض النصوص في مسألة قول الصحابي (أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا) لنتبين مدى صحة نسبة حديث سهل بن سعد للنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فقد قال السرخسي:
"واختلف العلماء في فصل من هذا الجنس، وهو أن الصحابي إذا قال (أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا أو السنة كذا) فالمذهب عندنا أنه لا يفهم من هذا المطلق الإخبار بأمر رسول الله - عليه السلام - أو أنه سنة رسول الله. وقال الشافعي (في القديم): ينصرف إلى ذلك عند الإطلاق، و (في الجديد) قال: لا ينصرف إلى ذلك بدون البيان؛ لاحتمال أن يكون المراد سنة البلدان أو الرؤساء، حتى قال في كل موضع قال مالك -رحمه الله-: السنة ببلدنا كذا؛ فإنما أراد سنة سليمان بن بلال، وهو كان عريفا بالمدينة. وعلى قوله القديم أخذ بقول سعيد بن المسيب - رضي الله عنه - في العاجز عن النفقة: إنه يفرق بينه وبين امرأته؛ لأنه حمل قول سعيد السنة على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك أخذ بقوله في أن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية بقول سعيد فيه السنة، فحمل ذلك على سنة رسول الله - عليه السلام -. ولم نأخذ نحن بذلك؛ لأنا علمنا أن مراده سنة زيد، ورجحنا قول عليّ وعبد الله -رضي الله عنهما- على قول زيد - رضي الله عنه - بالقياس الصحيح.
وحجتنا في ذلك: أن الأمر والنهي يتحقق من غير رسول الله - عليه السلام - كما يتحقق منه، قال تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}، وعند الإطلاق لا يثبت إلا أدنى الكمال؛ ألا ترى أن مطلق قول العالم (أمرنا بكذا) لا يحمل على أنه أمر الله أنزله في كتابه نصا، فكذلك لا يحمل على أنه أمر رسول الله - عليه السلام - نصا؛ لاحتمال أن يكون الآمر غيره ممن يجب متابعته. وكذلك السنة فقد قال - عليه السلام -: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي»، وقال - عليه السلام -: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة». وقد ظهر من عادة الصحابة التقييد عند إرادة سنة رسول الله - عليه السلام - بالإضافة إليه على ما قال عمر لصبي بن معبد: هديت لسنة نبيك. وقال عقبة بن عامر - رضي الله عنه -: ثلاث ساعات نهانا رسول الله - عليه السلام - أن نصلي فيهن. وقال صفوان بن عسال - رضي الله عنه -: «أمرنا رسول الله - عليه السلام - إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها» الحديث. فبهذا يتبين أنهم إذا أطلقوا هذا اللفظ فإنه لا يكون مرادهم الإضافة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نصا ومع الاحتمال لا يثبت التعيين بغير دليل". [السرخسي: أصول السرخسي، 1/ 380 - 381/ج ت].
- وقال الجويني: "اختلف الأصوليون من أصحاب الشافعي وغيره في مسئلتين، إحداهما: أن الصحابي إذا قال (أمرنا بكذا و نهينا عن كذا) فهل يحمل ذلك على أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ونهيه؟ فذهب بعضهم إلى أنه لا يحمل عليه؛ لجواز أن يعني بقوله أمرنا بعض الخلفاء، أو اعتقاد أمر الله تعالى بظاهر يتمسك به من الكتاب. ومنهم من قال: يحمل ذلك على أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإليه صار الأكثرون. والذي يجب أن نختار في ذلك أن اللفظة مترددة؛ فإن تعرَّت عن القرائن وقارنها الاحتمال فلا يحمل على أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وإن اقترن اللفظ من قيد مقال أو قرينة حال فيجري على قضيتها حينئذ". [الجويني: التلخيص في أصول الفقه، م1130، 2/ 412/ج ت].
- وقال الزركشي: "المرتبة الرابعة أن يبني الصيغة للمفعول فيقول (أُمِرْنَا بكذا أو نُهِينا عن كذا) فهذا يتطرق إليه من الاحتمالات ما يتطرق لِـ (قال وأمر)، وَيَزِيدُ أن يكون الآمر والناهي بَعْضَ الخلفاء أو الأمراء، والذي عليه الشافعي وأكثر الأئمة أنه حُجَّةٌ، وَصُرِفَ الْفِعْلُ إلى من له الأمر وهو النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبه قال عبد الجبار وأبو عبد الله البصري. وخالف أبو بكر الصيرفي والإسماعيلي وإمام الحرمين مِنَّا والكَرْخِي والرازي من الحنفية وَأَكْثَرُ مالكية بغداد ومنعوا إضافة ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لِعَدم تسمية الفاعل؛ لأنه يُحْتَمَل غيرُه قطعا، فلا يضاف إليه بالاحتمال، وحكى أبو الحسين بن القطان أن الشافعي نَصَّ (في الجديد) على أنه ليس في حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، و (في القديم) على أنه مَرْفُوعٌ وسيأتي بيانُهُ. وحكى ابن السمعاني قولا ثَالِثًا بالوقف. وحكى ابن الأثير الجزري (في مقدمة جامع الأصول) قولا رَابِعًا بالتفصيل بين أن يكون القائل ذلك الصِّدِّيقَ فَمَرْفُوعٌ؛ لأنه لم يتأمر عليه غيره. وَيَخْرُجُ من كلام ابن دقيق العِيدِ [قولٌ] خَامِسٌ فإنه قال (في شرح الإِلمام): إن كان قائله من أكابر الصحابة كالخلفاء الأربعة فيغلِب على الظن غلبةً قويةً أَنَّ الآمر هو الرسول، وفي معناهم علماءُ الصحابة كابن مسعود وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل، وفي معناهم من كَثُرَ إِلمامُه بالنبي وَمُلازمتُه كأنس وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس، وإن كان ممن هو بَعيدٌ عن مثل ذلك من آحاد الصحابة الذين تأخر التحاقهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو يفدون إليه ثم يعودون إلى بلادهم فإن الاحتمال فيهم قَوِيٌّ، انتهى. وحاصلُه تَفاوت الرُّتَب في ذلك، ولا شك فيما قال، والأظهر قبوله مُطْلَقًا وإضافته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن مراد الصحابي إنما هو الاحتجاج بقوله (أُمِرْنَا) فيجب حملُ الأمر على صدوره ممن يُحتجّ بقوله وهو النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ غيرُهُ لا حُجّة في أمره". [الزركشي: البحر المحيط في أصول الفقه، 3/ 432/ج ت].
- وفي المسودة لآل تيمية: "مسألة: فان قال الصحابى (أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا أو رخص لنا فى كذا) انصرف ذلك الى النبي - صلى الله عليه وسلم - عندنا، وبهذا قال أكثر الحنفية والشافعية، خلافا للرازى والصيرفى والكرخي وكذلك الجوينى في (أمرنا ونهينا) ولم يذكر (رخص لنا). وقال ابن الباقلاني وصاحبه فى (أمرنا ونهينا وأحل لنا وحرم علينا وكانوا يفعلون كذا) ليس بحجة عنده. واختار أبوالطيب الأول وقال: هو الظاهر من المذهب، ولم يذكر في (رخص لنا) خلافا، بل جعلها أصلا، واحتج بها فى المسألتين، وكذلك ابن عقيل مثله، قال ابن عقيل: إذا قال الصحابي (أمرنا بكذا أو من السنة كذا أونهينا عن كذا) فهو راجع الى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمره ونهيه وسنته. وإن قال التابعى ذلك فهو كالمرسل". [آل تيمية: المسودة، 1/ 266/ج ت]
- وقال ابن حجر -بعد نقل حكاية ابن عبد البر للاتفاق-: "وفي نقل الاتفاق نظر؛ فعن الشافعي في أصل المسألة قولان، وذهب إلى أنه غير مرفوع أبو بكر الصيرفي من الشافعية، وأبو بكر الرازي من الحنفية، وابن حزم من الظاهرية. ومما هو في حكم المرفوع قول الصحابي (أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا) فالخلاف فيه كالخلاف في الذي قبله". [ابن حجر: نخبة الفكر، ص]
- وقال الأمير الصنعاني: "فاعلم أنهم جعلوا للصحابي سبع مراتب فيما يرويه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .... الرابعة: قوله (أمرنا بكذا أو أمر بصيغة البناء للمفعول أو نهينا عن كذا) فإنه يحتمل أن الأمر غير الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أحد الخلفاء أو أنه استنباط من الصحابي وأنه سمع النهي فاستنبط منه الأمر؛ بناء على أن النهي عن الشيء أمر بضده". [الصنعاني: إجابة السائل شرح بغية الآمل، 1/ 133/ج ت]. (1/133)
صفحة 134
وبناء عليه فلا يكون الحديث مرفوعا ولو جزم به أبو حازم فكيف إذا لم يجزم" اهـ.
- عبارة: (كان الناس يؤمرون) تحتمل ما يلي: أمر الخلفاء، أو أمر الأمراء، أو أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -. ونظرا للاحتمال فلا تقوم به حجة. قاله الشيخ ملا علي القارئ (في شرح موطأ مالك).
- قال الداني (في أطراف الموطأ): هذا الحديث معلول بالإرسال؛ لأنه ظن من أبي حازم، لقوله: لا أعلمه .. الخ.
- قال ابن حجر: "قيل لو كان مرفوعا ما احتاج أبو حازم إلى قوله لا أعلمه الخ. والجواب: أنه أراد الانتقال إلى التصريح، فالأول لا يقال له مرفوع وإنما يقال له حكم الرفع" (1) اهـ.
وهذا الجواب من ابن حجر يُعترض عليه: بأن قول ابن أبي حازم ليس فيه تصريح؛ لأنه لم يقطع بأن الصحابي نَمَى ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما أتى بكلمة غير مفيدة للقطع؛ إذ لو كان جازما قاصدا التصريح لقال بدل تلك العبارة: (نَمَى، أو ينمي ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -)، وبهذا يبقى كلام ابن أبي حازم على ما قاله الداني -سابقا- من أنه ظنٌّ منه.
- نصَّ ابنُ عبد البر (في التقصي) على أن هذا الأثر موقوف على سهل.
- أشار البخاري إلى إعلال الحديث بالإرسال بقوله إثره: قال اسماعيل [أحد رواة الحديث]: يُنْمَى ولم يقل يَنْمِي [والبناء للمجهول يعني الانقطاع المفيد للإرسال في هذا الحديث]. وأيد إعلاله ابن حجر على هذا الوجه من الرواية، وحكم بأن رواية إسماعيل بن أبي أويس مرسلة؛ لأن أبا حازم لم يعين من نماه إليه، وأن إسماعيل قد وافقه على هذه الرواية عن مالكٍ سويدُ بن سعيد فيما أخرجه الدارقطني (في الغرائب) " (2).
__________
(1) – ابن حجر: الفتح، 2/ 224.
(2) – ابن حجر: الفتح، 2/ 225. (1/134)
صفحة 135
- إذا اختلف بين وقف ورفع، أو بين إرسال واتصال كان الحكم للوقف أو الإرسال (1). وهذا الحديث مختلف فيه من هذا الوجه.
- على القول بأنه مرفوع، أو موقوف تقوم به الحجة فإنه منسوخ. وقد أيد الشيخ الكافي (في التبصرة) ذلك بثلاثة أمور، وهي:
أ- إن الراوي للحديث إذا قال بخلاف ما رواه فإنه يدل على النسخ، وهذا الحديث رواه الإمام مالك (في الموطأ)، وعنه أخذه البخاري، ومع ذلك قال الإمام مالك بكراهة القبض (في المدونة) وباستحباب السدل، والمدونة متأخرة في التأليف، وهي لبيان الأحكام.
ب- القول بنسخ هذا الحديث نظير القول بنسخ حديث ابن عمر في الرفع في غير تكبيرة الإحرام؛ حيث رواه مالك أيضا، ولم يعمل به إلا في تكبيرة الإحرام.
ج- قول (المدونة): "كره مالك وضع اليد اليمنى على اليسرى في الفريضة، وقال: لا أعلمه في الفريضة"؛ صريح في أن عمل أهل المدينة على خلافه. وحيث كان مالك هو راوي الحديث دل ذلك على النسخ لا محالة.
__________
(1) – أقولُ: هذه القاعدة محل اختلاف، فقد قال النووي: " .. هذا كلام الدارقطني، وهذا الذي استدركه بناه على القاعدة المعروفة له ولأكثر المحدثين أنه إذا تعارض في رواية الحديث وقف ورفع، أو إرسال واتصال حكموا بالوقف والإرسال، وهي قاعدة ضعيفة ممنوعة، والصحيح طريقة الأصوليين والفقهاء والبخاري ومسلم ومحققي المحدثين أنه يحكم بالرفع والاتصال؛ لأنها زيادة ثقة، وقد سبق بيان هذه المسألة واضحا في الفصول السابقة" [النووي: شرح صحيح مسلم، كتاب الجمعة، قوله - صلى الله عليه وسلم - في يوم الجمعة فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه، رقم852، 6/ 141/ج ت]
والظاهر أن القاعدة تحتاج دراسة مستفيضة من المختصين لتبيين أي القولين أولى بالصواب، والثمرة العلمية المترتبة عن كل منهما. (1/135)
صفحة 136
- استئناس الحافظ ابن حجر (في الفتح) لرفع حديث سهل بحديث ابن مسعود «رآني النبي - صلى الله عليه وسلم -» تضعيف منه للحديثين المذكورين.
أقولُ: وهذا الحديث بحاجة إلى مزيد بحث فيما قاله العلماء أو أشاروا إلى ما فيه من العلل، وأذكر هنا نصا لابن رجب الحنبلي، وأترك القارئ يتأمله بنفسه، ويتلمس ما فيه من إشارات إلى إعلال الحديث، بل إعلال القبض أصلا، فقد قال ابن رجب:
"هذا الحديث (في الموطأ) ليس فيهِ ذكر النبي، وإنما فيهِ: قالَ أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمي ذَلِكَ، ولم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -. وكذا رأيناه (في موطإ القعنبي)، وهو الذي خرَّج عنه البخاري هذا الحديث، ومراد البخاري: أن إسماعيل -وهو: ابن أبي أويس- رواه بالبناء للمفعول: يُنمَى. ومعنى (ينمى) يرفع ويسند، والمراد: إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. ورواه عمار بن مطر، عن مالك، فقالَ فيهِ: أمرنا أن نضع. وعمار ليس بحجة. وليس (في صحيح البخاري) في هذا الباب غير هذا الحديث، ولا (في صحيح مسلم) فيه غير حديث محمد بن جحادة: حدثني عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل ومولى لهم، حدثاه عن أبيه وائل بن حجر، أنه «رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع يديه حين داخل في الصلاة، كبر ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من ثوبه، ثم رفعهما وكبر فركع، فلما قالَ: (سمع الله لمن حمده) رفع يديه، فلما سجد سجد بين كفيه». وله طرق أخرى عن وائل. وفي رواية للإمام أحمد: «وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد». وفي الحديث: دليل على أن المصلي إذا التحف في صلاته بثوبه، ثم أخرج يديه منه لمصلحة الصلاة لم يضره ذَلِكَ. وفي الباب أحاديث كثيرة، لا تخلو أسانيدها من مقال .. الخ" (1).
__________
(1) – ابن رجب: فتح الباري، 4/ 331/م ش. (1/136)
صفحة 137
2 - حديث وائل بن حجر: أنه «رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر، وصف همام حيال أذنيه، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب ثم رفعهما ثم كبر فركع، فلما قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه فلما سجد سجد بين كفيه». رواه مسلم وأبو داود وغيرهما.
وفي رواية لأبي داود: « .. ثم وضع يدَه اليمنى على ظَهرِ كَفِّه اليسرى وَالرُّسْغِ والساعد. وقال فيه: ثم جئتُ بعد ذلك في زمان فيه بَردٌ شديدٌ فرأيتُ الناس عليهم جُلُّ الثِّيَابِ تَحَرَّكُ أيدِيهم تحت الثياب» (1).
- اختلف في انقطاع الحديث واتصاله، للاختلاف في سماع علقمة عن أبيه: قال الترمذي (في العلل الكبرى): سألت البخاري هل سمع علقمة من أبيه؟ فقال: إن علقمة ولد بعد موت أبيه بسته اشهر. وقال يحي بن معين: إن رواية علقمة عن أبيه مرسلة. وقال الذهبي: علقمة صدوق لكن لم يسمع من أبيه.
وقال البخاري أيضا (في التاريخ الكبير): إن علقمة قد سمع من أبيه.
فهذا البخاري قد اضطرب النقل عنه في سماع علقمة من أبيه، والراجح عدم سماعه؛ لِما قد ذكر المديني، وأحمد بن حنبل: بأن يحي بن معين أعلم زمانه بالرجال، وقد حكم بالإرسال.
وبذلك فالحديث مضطرب في إرساله وإسناده اضطرابا لا تقوم به حجة.
__________
(1) – وقد تقدم ما قيل فيه بالتفصيل في مبحث الرفع. (1/137)
صفحة 138
- الحديث غير متصل، ولعل هذا هو سبب عدم رواية البخاري له (في صحيحه)، وإنما انفرد به مسلم (1). وقد عد بعض المتأخرين انفراد أحد الشيخين بالحديث من العلل، واتفاقهما من أعلى درجات الصحيح.
- الكلام في سند الحديث ومتنه وإن لم يضعفه فلا أقل من أن يحطه عن درجته في الصحة.
- قال ابن حبان: علقمة ثقة. لكن يعرف عن ابن حبان التساهل في توثيق من لا يعرف حاله، ومع هذا لا يقدح في حديث علقمة إلا أنه لم يسمع من أبيه.
__________
(1) – إخراج مسلم له رغم انقطاعه فيه نظر؛ لأنه قد قال في شأن كتابه "إنما وَضَعْتُ هَا هُنَا ما أَجْمَعُوا عليه" [صحيح مسلم، رقم404، 1/ 304/ج ت]. يقول النووي: وأما قول مسلم -رحمه الله- (في صحيحه) في باب صفة صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (ليس كل شيء صحيح عندي وضعته ها هنا -يعنى في كتابه هذا الصحيح- وإنما وضعت ها هنا ما أجمعوا عليه) فمشكل؛ فقد وضع فيه أحاديث كثيرة مختلفا في صحتها لكونها من حديث من ذكرناه ومن لم نذكره ممن اختلفوا في صحة حديثه، قال الشيخ: وجوابه من وجهين: أحدهما: أن مراده أنه لم يضع فيه إلا ما وجد عنده فيه شروط الصحيح المجمع عليه وإن لم يظهر اجتماعها في بعض الأحاديث عند بعضهم، والثاني: أنه أراد أنه لم يضع فيه ما اختلفت الثقات فيه في نفس الحديث متنا أو إسنادا، ولم يرد ما كان اختلافهم إنما هو في توثيق بعض رواته، وهذا هو الظاهر من كلامه، فإنه ذكر ذلك لما سئل عن حديث أبي هريرة (فاذا قرأ فأنصتوا) هل هو صحيح؟ فقال: هو عندي صحيح، فقيل: لِمَ لَمْ تضعه ها هنا؟ فأجاب بالكلام المذكور، ومع هذا فقد اشتمل كتابه على أحاديث اختلفوا في إسنادها أو متنها لصحتها عنده، وفي ذلك ذهول منه عن هذا الشرط أو سبب آخر، وقد استدركت وعللت هذا آخر كلام الشيخ رحمه الله" اهـ. [النووي: شرح صحيح مسلم، المقدمة، 1/ 16/ج ت]. (1/138)
صفحة 139
- سند الحديث فيه عاصم بن كليب، وثقه يحي بن معين وغيره، وقال ابن المديني: لا يحتج بما انفرد به. وقال أبوحاتم: صالح. وقال ابن القطان: إنه رديء الحفظ (1).
- قال أبو داود: عاصم عن أبيه عن جده؛ ليس بشيء (2).
- بين روايات هذا الحديث اضطراب في متنه في كون قوله (ثم جئتهم بعد ذلك .. الخ) زيادة ليست في بعض الروايات، وعلى القول بقبول تلك الزيادة كانت دالة على نسخ ما رآه في المرة الأولى من القبض؛ لأن تحرك الأيدي تحت الثياب -في المرة الثانية- لا يتسنى للقابض إلا إذا تحرك جسده معها، كما هو ظاهر بالمشاهدة. أما على القول برد تلك الزيادة فإن ذلك موجب لاضطراب الحديث.
- سند الحديث فيه عند ابن خزيمة مؤمل بن اسماعيل: قال الذهبي: حافظ عالم يخطئ، وثقه بن معين، وقال أبوحاتم: صدوق شديد في السنة كثير الخطأ، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال أبوزرعة: في حديثه خطأ كثير (3).
- الخلاصة: الطريق الى وائل بن حجر لم تصح بحال؛ ولهذا لم يرو عنه البخاري في صحيحة.
3 - حديث ابن مسعود قال: «رآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضعت شمالي على يميني في الصلاة فأخذ يميني فوضعها على شمالي». رواه أبوداود والنسائي وابن ماجة والدارقطني.
- مدار الروايات على الحجاج بن أبي زينب، وقد قال فيه ابن معين: ليس به بأس. وقال ابن المديني: شيخ من أهل واسط ضعيف. وقال أحمد بن حنبل: أخشى أن يكون ضعيف الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الدارقطني: ليس هو بقوي ولا حافظ (4).
__________
(1) – الذهبي: ميزان الاعتدال، رقم 3064، 2/ 356./ دار المعرفة.
(2) – ابن حجر: الإصابة، ترجمة شهاب بن المجنون، رقم3938، 3/ 365/ج ت.
(3) – الذهبي: ميزان الاعتدال، رقم 8949، 4/ 228./دار المعرفة
(4) – الذهبي: م س، رقم 1736، 1/ 462. (1/139)
صفحة 140
- وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي، قال فيه البخاري: فيه نظر -واتفقوا أن البخاري لا يقول هذه الكلمة إلا فيمن كان ضعيفا-. وقال أحمد: ليس بشيء منكر الحديث. وقال ابن معين: متروك، وقال مرة: ضعيف. وقال النووي: ضعيف باتفاق.
- وفيه هشيم بن بشير، قال فيه الذهبي: كان مدلسا، وهو لين في الزهري. قال أحمد: لم يسمع من يزيد بن أبي زياد، ولا من عاصم بن كليب، ولا من الحسن بن عبد الله، ولا من ابن أبي خلدة، ولا من سيار، ولا من علي بن زيد، وسمى جماعة، قال: وقد حدث عنهم. وقال أبو الحسن بن القطان: ولهشيم محذورة في التدليس (1).
- وفيه محمد بن بكار، قال فيه ابن حزم والذهبي: محمد بن بكار مجهول (2).
- ضعف في المتن: قال الداوودي: مع ضعف سند حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - فإن متنه لا يصح؛ لأن ابن مسعود - رضي الله عنه - من كبار المهاجرين فلا يصح أن يجهل هيئة فعل من أفعال الصلاة التي يتكرر اقتداؤه فيها بالنبي - صلى الله عليه وسلم - خمس مرات كل يوم أن لوكان الفعل من هيئاتها لأحد أن يتهمه بهذه الغباوة.
- قال الشوكاني -رغم انتصاره للقبض-: هذا الحديث ضعيف (3).
4 - حديث هلب الطائي: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه». رواه الترمذي وحسنه، ورواه أحمد وابن ماجة والدارقطني والبيهقي.
- فيه قبيصة بن هلب، قال فيه النسائي: مجهول. وقال ابن المديني: مجهول، لم يرو عنه غير سماك. وقال العجلي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقاة مع تصحيح حديثه -والمعروف عن ابن حبان التساهل في التوثيق-.
__________
(1) – الذهبي: م س، رقم 9250، 4/ 306.
(2) – الذهبي: م س، رقم 7276، 3/ 492.
(3) – أقولُ: يبدو أن ذلك وهم؛ لأن الشوكاني قال عقب الحديث: "قال ابن سَيِّدِ الناس: رجاله رجال الصحيح، وقال الحافظ في الفتح: إسناده حسن". ولم يشر إلى ما يفيد تضعيفه للحديث. الشوكاني: نيل الأوطار، 2/ 203/ج ت. (1/140)
صفحة 141
- قبيصة لم يسمع من أبيه، فالحديث منقطع.
- وفيه سماك بن حرب، احتج به مسلم، ووثقه ابن معين، وقال فيه أحمد: مضطرب الحديث. وضعفه شعبة وسفيان. وقال صالح جزرة: يضعف. وقال النسائي: إذا انفرد بأصل لم يكن بحجة؛ لأنه كان يلقن فيتلقن؛ وقد انفرد بهذا الخبر. وقال ابن عمار: كان يغلط ويختلفون في حديثه. وقال يعقوب بن شيبة: هو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبتين (1).
- الحديث حسنه الترمذي، لكن بما أن من شرط الترمذي في تعريف الحسن: أن يروى الحديث من وجه آخر؛ فإن هذا الحديث لم يتوفر فيه هذا الشرط.
- الخلاصة: الحديث رواه ضعيف عن مجهول، فلا يلتفت إليه وليس بحجة.
5 - حديث ابن عباس وابن عمر: «إنا معشر الأنبياء أمرنا بثلاث تعجيل الإفطار وتأخير السحور وأخذ اليمين على الشمال». رواه البيهقي. ورواه الدارقطني بلفظ: «إنا معشر الأنبياء أمرنا أن نعجل إفطارنا ونؤخر سحورنا ونضرب أيماننا على شمالنا».
- فيه طلحة بن عمرو المكي الحضرمي، ضعفه ابن معين وغيره. وقال البخاري وابن المديني: ليس بشيء. وقال أحمد والنسائي: متروك.
- وفيه عبد الحميد بن محمد، وهوضعيف. وقال فيه العيني: متروك.
- قال الشوكاني في هذا الحديث: ضعيف (2).
6 - حديث عائشة: "ثلاثة من النبوة تعجيل الإفطار وتأخير السحور ووضع اليمين على الشمال". رواه الدارقطني والبيهقي.
- رواه ابن حزم موقوفا وبدون إسناد. وقال الحافظ في التلخيص: موقوف ومنقطع السند (3).
- فيه محمد بن أبان، قال فيه البخاري: إنه لا يعرف له سماع عن عائشة (4).
- وفيه هشيم، وفيه مقال.
- وفيه شجاع بن مخلد، له ما ينكر، وقد ذكره العقيلي في الضعفاء.
__________
(1) – الذهبي: ميزان الاعتدال، رقم3548، 2/ 232.
(2) – الشوكاني: نيل الأوطار، 2/ 202/ج ت.
(3) – انظر؛ ابن حجر: تلخيص الحبير، رقم330، 1/ 223/ج ت.
(4) – الذهبي: ميزان الاعتدال رقم 7129، 3/ 454. (1/141)
صفحة 142
7 - حديث ابن عباس في قوله تعالى {فصل لربك وانحر} قال: «وضع اليمين على الشمال في الصلاة». رواه البيهقي.
- فيه عمر بن مالك النكري، قال عنه ابن عدي: منكر الحديث عن الثقاة، يسرق الحديث. وضعفه أبو يعلي الموصلي.
- وفيه روح بن المسيب، قال فيه ابن عدي: يروي أحاديث غير محفوظة.
وقال ابن حبان -المتساهل في التوثيق-: يروي الموضوعات عن الثقات، لا تحل الرواية عنه (1).
8 - حديث علي: «إن من السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة». رواه أبوداود وأحمد والدارقطني والبيهقي.
- في سنده عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي، قال فيه النووي: ضعيف باتفاق. [وقد تقدم في حديث ابن مسعود].
- قال العيني: الحديث إسناده للنبي غير صحيح (2).
- قال الشوكاني في هذا الحديث: ضعيف (3).
9 - حديث أبي هريرة: «أخذ الكف على الكف في الصلاة سنة تحت السرة». رواه أبو داود والدارقطني.
- فيه عبد الرحمن بن إسحاق، وقد تقدم الاتفاق على تضعيفه.
- وفيه عبد الواحد بن زياد، وفيه مقال.
10 - عن أبي الزبير قال: أمرني عطاء أن أسأل سعيد بن جبير: أين تكون اليدان في الصلاة، فوق السرة أو أسفل السرة؟ فسألته فقال: فوق السرة. رواه البيهقي وقال فيه: أصح أثر روي في هذا الباب.
- في سنده يحي بن أبي طالب، قال فيه أبو عبيد الآجوري: خط أبو داود سليمان بن الأشعث على حديث يحي بن أبي طالب. وقال فيه الخطيب البغدادي عن موسى بن هارون أنه قال: أشهد على يحي بن أبي طالب أنه يكذب. وقال أبو أحمد محمد بن إسحاق الحافظ: ليس بالمتين.
- هذا الحديث على ما فيه اعتبره البيهقي أصح ما في الباب؟؟!!
11 - حديث جابر بن عبد الله: «مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رجل يصلي فوضع شماله على يمينه فأخذ بيمينه فوضعها على شماله». رواه أحمد والدرقطني.
__________
(1) – الذهبي: مس رقم 2812، 2/ 61.
(2) – العيني: عمدة القاري، 5/ 279/ج ت.
(3) – الشوكاني: نيل الأوطار، 2/ 202/ج ت. (1/142)
صفحة 143
- فيه أبوسفيان (طلحة بن نافع الواسطي)، ضعفه ابن المديني وابن معين وأبوحاتم وغيرهم. واحتج به مسلم. ومما قال الذهبي فيه: "قال شعبة وابن عيينة: حديثه عن جابر إنما هي صحيفة (1). وقال أحمد: ليس به بأس. وسئل عنه ابن معين فقال: لا شيء. وقال ابن المديني: كانوا يضعفونه في حديثه. وسئل أبو زرعة عنه فقال: أتريد أن أقول ثقة؟ الثقة سفيان وشعبة. وقال (الذهبي) -أيضا-: احتج به مسلم وأخرج له البخاري مقرونا بغيره" (2).
- وفيه الحجاج بن أبي زينب وعبد الرحمن بن اسحق، وكلاهما ضعيف كما تقدم.
والخلاصة: أن الحديث في سنده من هو إما ضعيف بالاتفاق، وإما عند الأكثر.
12 - حديث أنس بن مالك: قال: «ثلاث من أخلاق النبوة تعجيل الإفطار وتأخير السحور ووضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة تحت السرة». ذكره صاحب الجوهر النقي بلفظ التمريض، وليس له إسناد.
13 - حديث عبد الكريم بن المخارق: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت .. الحديث، وفيه: وضع اليمنى على اليسرى». رواه مالك.
- الحديث قال فيه عبد البر: لا يختلفون في ضعفه.
- قال ابن معين، كل من روى عنه مالك لا بأس به إلا عبد الكريم. وقال النسائي: لم يرو مالك عن ضعيف إلا عبد الكريم. وقد قال ابن عبد البر -معتذرا عن رواية مالك عنه-: غر مالكا منه سمته، ولم يكن من أهل بلده فيعرفه ... ، ولم يخرِّج عنه مالك حكما بل ترغيبا وفضلا. وقد نقل عن مالك أنه قال: غرني عبد الكريم بكثرة بكائه في المسجد.
- الحديث مرسَل، والمرسَل وإن كان معمولا به عند مالك، لكنه بشرط أن يكون مرسله ثقة، والمرسِل هنا [عبد الكريم] متروك منكر الحديث.
__________
(1) – ومرادهما أنه كتاب أخذه فرواه عن جابر ولم يسمعه. انظر؛ ابن رجب: شرح علل الترمذي، 2/ 852/ج ت.
(2) – الذهبي ميزان الاعتدال، ترجمة طلحة بن نافع أبي سفيان الواسطي، رقم4017، 3/ 469/ج ت. (1/143)
صفحة 144
14 - حديث غضيف بن الحارث أو الحارث بن غضيف: «لم أنس أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضعا يده اليمنى على اليسرى في الصلاة». رواه الروياني في مسنده (1)، والبغوي.
- اختلف في اسمه هل هو غضيف بن الحارث أو الحارث بن غضيف، وهل هو صحابي أم تابعي (2)؛ فبذلك فهو حديث مضطرب موجب لاطراحه.
15 - حديث ابن الزبير: «صف القدمين القدمين ووضع اليد على اليد من السنة». رواه أبوداود.
- في سنده العلاء بن صالح، وهو مختلف فيه، وثّقه أبو داود وابن معين. وقال ابن المديني: روى أحاديث مناكير (3).
__________
(1) – مسند الروياني، رقم1536، 2/ 502/ جت.
(2) – قال ابن حجر: الحارث بن غطيف بالمعجمة مصغرا، السكوني، الشامي، روى حديثه معاوية بن صالح عن يونس بن سيف عنه. اختلف فيه؛ فقال أبو صالح وحماد بن خالد عن معاوية به: «لم أنس أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضعا يده اليمنى على اليسرى في الصلاة»، أخرجه البغوي وسمويه. وقال عبد الرحمن بن مهدي وزيد بن الحباب عن معاوية كذلك، إلا أنهما قالا: غطيف بن الحارث أو الحارث بن غطيف على الشك، أخرجه ابن أبي شيبة وابن السكن، ورواه ابن وهب ورشدين بن سعد عن معاوية كرواية أبي صالح بلا شك، لكن زادا بين يونس والحارث أبا راشد الحبراني، أخرجه ابن منده والباوردي وابن شاهين، قال ابن منده: ذكر أبي راشد فيه زيادة، وقال معين عن معاوية: غضيف بن الحارث بالضاد المعجمة أخرجه ابن منده، قال: والأول أصح، ونقل ابن السكن عن ابن معين أنه قال: الصواب الحارث بن غطيف، قال ابن السكن: ومن قال فيه غضيف فقد صحف؛ فإن غضيف بن الحارث آخر يكنى أبا أسماء [الإصابة، رقم1466، 1/ 591/ج ت].
(3) – الذهبي: ميزان الاعتدال، رقم 5733، 3/ 101. (1/144)
صفحة 145
- قال الداودي: معلوم أن صف القدمين مكروه (1). ومن أوضح الأدلة على بطلان هذا الأثر اتفاق السلف على أن مذهب ابن الزبير -رضي الله عنهما- (2) سدل اليدين في الصلاة؛ فلا يصح أن يخالف السنة عمدا.
ثالثا: مسألة القبض من حيث الملابسات المرتبطة بها:
ملاحظة: بعض ما قيل في الملابسات المرتبطة بمسألة الرفع يقال أيضا في مسألة القبض. وفي الآتي مزيد التفصيل.
*1* اختلف القائلون بالقبض في حكمه بين قائل بكراهته، وقائل باستحبابه، وقائل بندبيته، وقائل بسنيته، ولا نعلم أحدا قال بوجوبه، وهذا يجعل ثبوت الأحاديث المفيدة للقبض محل ريبة، وإلا فإن ما ثبت مداومة النبي - صلى الله عليه وسلم - على فعله لا يكون مستحبا فقط، فضلا عن القول بكراهته!!
والقول بسنية القبض محل نظر؛ لأن القبض أمر عملي مشاهد عند كل الناس، ولا يختص به أحد دون أحد، أو قوم دون قوم؛ فكيف يكون مكروها عند مثل الإمام مالك؟!
*2* لا نجد مسألة من مسائل القبض عند القائلين به إلا وهي مختلف فيها؛ فقد اختلف في أصل وحكم الوضع، وصفته، ومكانه، ووقته، ويلخص العيني ذلك فيقول:
"اعلم أن الكلام في وضع اليد على اليد في الصلاة على وجوه:
__________
(1) – قال الكاندهلوي تعليقا على قول ابن الزبير (صف القدمين): "يشكل عليه ما في النسائي في باب الصف بين القدمين عن ابن مسعود أنه رأى رجلا قد صف بين قدميه فقال: خالفت السنة. والبسط فيما علقته على النسائي فارجع إليه"اهـ[بهامش: بذل المجهود في حل أبي داود، للسهارنفوري، 4/ 475].
(2) – سيأتي تخريجه قريبا. (1/145)
صفحة 146
(الوجه الأول) في أصل الوضع: فعندنا يضع، وبه قال الشافعي، وأحمد، واسحاق، وعامة أهل العلم، وهو قول علي، وأبي هريرة، والنخعي، والثوري، وحكاه ابن المنذر عن مالك، وفي التوضيح: وهو قول سعيد بن جبير، وأبي مجلز، وأبي ثور، وأبي عبيد، وابن جرير، وداود، وهو قول أبي بكر، وعائشة، وجمهور العلماء. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. وحكى ابن المنذر عن عبد الله بن الزبير، والحسن البصري، وابن سيرين أنه يرسلهما، وكذلك عند مالك في المشهور يرسلهما، وإن طال ذلك عليه وضع اليمنى على اليسرى للاستراحة قاله الليث بن سعد، وقال الأوزاعي: هو مخير بين الوضع والإرسال. ومن جملة ما احتججنا به في الوضع حديث رواه ابن ماجة من حديث الأحوص عن سماك بن حرب عن قبيصة بن المهلب عن أبيه قال: «كان النبي يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه»، وحديث آخر أخرجه مسلم في صحيحه عن وائل بن حجر أن رسول الله «رفع يديه الحديث وفيه: ثم وضع يده اليمنى على اليسرى»، وحديث آخر أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث الحجاج بن أبي زينب سمعت أبا عثمان يحدث عن عبد الله بن مسعود أنه «كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى فرآه النبي فوضع يده اليمنى على اليسرى»، وحديث آخر أخرجه الدارقطني من حديث ابن عباس عن النبي قال: «إنا معشر الأنبياء أمرنا بأن نمسك بأيماننا على شمالنا في الصلاة»، وفي إسناد طلحة بن عمرو متروك، وعن ابن معين: ليس بشيء، وحديث آخر أخرجه الدارقطني -أيضا- من حديث أبي هريرة مرفوعا نحو حديث ابن عباس، وفي إسناده النضر بن إسماعيل قال ابن معين: ليس بشيء ضعيف. (1/146)
صفحة 147
(الوجه الثاني) في صفة الوضع: وهي أن يضع بطن كفه اليمنى على رسغه اليسرى، فيكون الرسغ وسط الكف، وقال الاسبيجابي: عند أبي يوسف يقبض بيده اليمنى رسغ يده اليسرى، وقال محمد: يضعها كذلك ويكون الرسغ وسط الكف، وفي المفيد ويأخذ رسغها بالخنصر والإبهام، وهو المختار، وفي الدراية يأخذ كوعه الأيسر بكفه الأيمن، وبه قال الشافعي، وأحمد. وقال أبو يوسف ومحمد -في رواية- يضع باطن أصابعه على الرسغ طولا ولا يقبض، واستحسن كثير من مشايخنا الجمع بينهما بأن يضع باطن كفه اليمنى على كفه اليسرى، ويحلق بالخنصر والإبهام على الرسغ. (1/147)
صفحة 148
(الوجه الثالث) في مكان الوضع: فعندنا تحت السرة، وعند الشافعي على الصدر، ذكره في الحاوي، وفي الوسيط تحت صدره، واحتج الشافعي بحديث وائل بن حجر أخرجه ابن خزيمة في صحيحه قال: «صليت مع رسول الله فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره»، ولم يذكر النووي غيره في الخلاصة، وكذلك الشيخ تقي الدين في الإمام، واحتج صاحب الهداية لأصحابنا في ذلك بقوله: «إن من السنة وضع اليمنى على الشمال تحت السرة»، (قلتُ) هذا قول علي بن أبي طالب، وإسناده إلى النبي غير صحيح، وإنما رواه أحمد في مسنده، والدارقطني، ثم البيهقي من جهته في سننيهما، من حديث أبي جحيفة عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: «إن من السنة وضع الكف على الكف تحت السرة»، وقول علي: (إن من السنة) هذا اللفظ يدخل في المرفوع عندهم، وقال أبو عمر في التفصي: واعلم أن الصحابي إذا أطلق اسم السنة فالمراد به سنة النبي، وكذلك إذا أطلقها غيره، ما لم تضف إلى صاحبها كقولهم سنة العمرين وما أشبه ذلك (فإن قلت) سلمنا هذا ولكن الذي روي عن علي فيه مقال؛ لأن في سنده عبد الرحمن بن اسحق الكوفي قال أحمد: ليس بشيء منكر الحديث؛ قلتُ: روى أبو داود وسكت عليه، ويعضده ما رواه ابن حزم من حديث أنس «من أخلاق النبوة وضع اليمين على الشمال تحت السرة». وقال الترمذي: العمل عند أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وضع اليمين على الشمال في الصلاة، ورأى بعضهم أن يضعها فوق السرة، ورأى بعضهم أن يضعها تحت السرة، وكل ذلك واسع.
(الوجه الرابع) وقت وضع اليدين: والأصل فيه أن كل قيام فيه ذكر مسنون يعتمد فيه أعني اعتماد يده اليمنى على اليسرى، وما لا فلا، فيعتمد في حالة القنوت، وصلاة الجنازة، ولا يعتمد في القومة عن الركوع، وبين تكبيرات العيدين الزوائد، وهذا هو الصحيح، وعند أبي علي النسفي والإمام أبي عبد الله وغيرهما يعتمد في كل قيام سواء كان فيه ذكر مسنون أو لا. (1/148)
صفحة 149
(الوجه الخامس) في الحكمة في الوضع على الصدر أو السرة: فقيل: الوضع على الصدر أبلغ في الخشوع، وفيه حفظ نور الإيمان في الصلاة، فكان أولى من إشارته إلى العورة بالوضع تحت السرة، وهذا قول من ذهب إلى أن السنة الوضع على الصدر. ونحن نقول: الوضع تحت السرة أقرب إلى التعظيم، وأبعد من التشبه بأهل الكتاب، وأقرب إلى ستر العورة، وحفظ الإزار عن السقوط، وذلك كما يفعل بين يدي الملوك، وفي الوضع على الصدر تشبه بالنساء فلا يسن" (1).
*3* عند ثلاثة من الأيمة القائلين بالقبض، وهم مالك والشافعي وابن حنبل؛ وجدنا القول بالقبض وما يفيد القول بعدمه أو التخيير؛ فقد تقدم النقل عن مالك، وسيأتي النقل عن الشافعي، أما ابن حنبل فقد قال ابن مفلح: (وعن أحمد: أو يرسلهما، وعنه: نقلا ((هكذا في الأصل))، ويكره وضعهما على صدره؛ نص عليه مع أنه رواه أحمد) (2).
__________
(1) – العيني: عمدة القاري، 5/ 279 - 280/ج ت. وانظر قريبا من قوله هذا في: البناية في شرح الهداية، 2/ 207 - 210.
(2) – ابن مفلح: الفروع، 1/ 266.
أقول: وقد يعترض قائل بأن هذا القول من أحمد إنما هو في القبض بعد الرفع من الركوع، أما بعد تكبيرة الإحرام إلى حين الركوع فليس لأحمد إلا القول بالقبض. فالجواب: إن الرد على هذا الاعتراض هو من نص ابن مفلح نفسه حيث أورد القول المذكور في سياق الحديث عن القبض في الموضع المشهور من الصلاة وهو بعد الافتتاح إلى حين الركوع، وهذا نصه: " وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: يَجْعَلُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِبْهَامَيْهِ عِنْدَ شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ، وَقَالَهُ فِي التَّعْلِيقِ، وَأَنَّ الْيَدَ إذَا أُطْلِقَتْ اقْتَضَتْ الْكَفَّ، وَأَنَّ أَحْمَدَ أَوْمَأَ إلَى هَذَا الْجَمْعِ، وَهُوَ تَحْقِيقُ مَذْهَبِ (ش) وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مَكْشُوفَتَانِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ هُنَا وَفِي الدُّعَاءِ، وَرَفْعُهُمَا إشَارَةٌ إلَى رَفْعِ الْحِجَابِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، كَمَا أَنَّ السَّبَّابَةَ إشَارَةٌ إلَى الْوَحْدَانِيَّةِ ذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ.
وَيَرْفَعُ لِعُذْرٍ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ، وَيُسْقِطُ بِفَرَاغِ التَّكْبِيرِ كُلِّهِ، ثُمَّ يَجْمَعُ الْيُمْنَى عَلَى كُوعِ الْيُسْرَى (م) نَصَّ عَلَيْهِ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ بَعْضُهَا عَلَى الْكَفِّ، وَبَعْضُهَا عَلَى الذِّرَاعِ، لا بَطْنُهَا عَلَى ظَاهِرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى (هـ) وَجَزَمَ بِمِثْلِهِ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ، وَزَادَ الرُّسْغَ وَالسَّاعِدَ، وقال: وَيَقْبِضُ بِأَصَابِعِهِ عَلَى الرُّسْغِ، وَفَعَلَهُ أَحْمَدُ، وَمَعْنَاهُ ذُلٌّ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ عَزَّ، نَقَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الرَّقِّيُّ.
تَحْت سُرَّتِهِ (و هـ) قِيلَ لِلْقَاضِي: هُوَ عَوْرَةٌ فَلَا يَضَعُهَا عَلَيْهِ كَالْعَانَةِ وَالْفَخِذِ، فَأَجَابَ بِأَنَّ الْعَوْرَةَ أَوْلَى وَأَبْلَغُ بِالْوَضْعِ عَلَيْهِ، لِحِفْظِهِ، ثُمَّ يُقَابِلُهُ بِقِيَاسٍ سَبَقَ، وَعَنْهُ تَحْتَ صَدْرِهِ (و م ش) وَعَنْهُ يُخَيَّرُ، اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْإِرْشَادِ وَالْمُحَرَّرِ، وَعَنْ أَحْمَدَ أَوْ يُرْسِلُهُمَا، وَعَنْهُ نَقْلًا وَيُكْرَهُ وَضْعُهُمَا عَلَى صَدْرِهِ نَصَّ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ" اهـ.
أما تخيير أحمد في قبض اليدين بعد الرفع من التكبير فيذكره ابن مفلح في موضع آخر بلفظ: "مَسْأَلَة15: قَوْلهُ ثُمَّ يَرْفَعُ قَائِلًا سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، مُرَتِّبًا وُجُوبًا وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فَعَنْهُ مَعَ رَأْسِهِ، وَعَنْهُ بَعْدَ اعْتِدَالِهِ ....
قال أحمد: إن شاء أرسل يديه، وإن شاء وضع يمينه على شماله"اهـ. ابن مفلح: الفروع، 1/ 282. (1/149)
صفحة 150
وروى عبدالله بن أحمد: سألتُ أبِي عن حديث إسماعيل بن علية عن أيوب عن أبي معشر قال: يكره التكفير في الصلاة، قال أبِي: التكفير أن يضع يمينه عند صدره في الصلاة (1).
فإذا أضفنا إلى ذلك ما نقل من القول بالإرسال عن ابن الزبير، وسعيد بن المسيب، والحسن الصري، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي، وغيرهم (2)، وما استظهره البعض بأن القول بالإرسال هو قول أبي بكر الصديق بناء على نقل ابن الزبير صلاته عنه، وقول عمر بن الخطاب بناء على نقل ابن المسيب وروايته عنه (3)، وكذلك من نقل عنه التخيير كالأوزاعي، والليث بن سعد -كما سيأتي- فضلا عن المانعين للقبض من الإباضية والشيعة، إمامية وزيدية؛ فإن ذلك يزيد من الريبة في ثبوت ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من القبض، أو على الأقل مداومته - صلى الله عليه وسلم - عليه.
*4* وما يزيدنا ريبة، بل ويزيدنا حيرة في أمر ثبوت ما نسب للنبي - صلى الله عليه وسلم - من القبض، ما يطالعنا به أبو زرعة الدمشقي في تاريخه، حيث قال:
__________
(1) – أبو الحسين: طبقات الحنابلة، 1/ 8/ج ت.
(2) – ابن المنذر: الإشراف على مذاهب العلماء، 2/ 12.
(3) – الشنقيطي: إبرام النقض، ص62، 70. (1/150)
صفحة 151
"حدثني عبد الرحمن بن إبراهيم عن عبد الله بن يحيى المعافري عن حيوة عن بكر بن عمرو: أنه لم ير أبا أمامة -يعني ابن سهل- واضعاً إحدى يديه على الأخرى قط، ولا أحداً من أهل المدينة، حتى قدم الشام، فرأى الأوزاعي، وناساً يضعونه" (1).
__________
(1) – تاريخ أبي زرعة الدمشقي، 1/ 90/م ش. وهذا النص قد رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق بسنده إلى أبي زرعة ثم ذكره بلفظه. (ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق، 10/ 384/ج ت). وقال ابن منظور: بكر بن عمرو المعافري المصري: إمام المسجد الجامع بمصر. حدث عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر الجهني قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لو كان بعدي نبيٌ لكان عمر بن الخطاب». توفي بكر بن عمرو في خلافة أبي جعفر المنصور، وكانت له عبادةٌ وفضل.
حدث بكر عن عمرو: أنه لم ير أبا أمامة -يعني ابن سهل- واضعاً إحدى يديه على الأخرى قط، ولا أحدٌ من أهل المدينة حتى قدم الشام فرأى الأوزاعي وناساً معه يضعونه. ابن منظور: مختصر تاريخ دمشق، 2/ 198/م ش. (1/151)
صفحة 152
*5* يقول المؤيد بالله (الزيدي): "إن القائلين بهذه المقالة [أي القبض] أقاويلهم فيها مضطربة، ومذاهبهم فيما زعموه مختلفة، فحكي عن الشافعي (1)
__________
(1) – نسبه إليه في موضع آخر وأحاله على كتاب الأم. وقد حكى غير واحد قول الشافعي وأحاله على الأم (انظر؛ الحسيني: الانتصار، 3/ 214. الأنصاري: أسنى المطالب في شرح روض الطالب، 1/ 145/ج ت. الشرواني: حواشي الشرواني على تحفة المحتاج، 2/ 102/ج ت. الأنصار: فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب، 1/ 85 - 86/ج ت. حاشية البجيرمي على المنهاج، 2/ 540/م ش. الجمل: حاشية الجمل، 3/ 474/م ش. الشربيني: مغني المحتاج، 1/ 181/ج ت. الرملي: نهاية المحتاج، 1/ 549/ج ت. الهيتمي: تحفة المحتاج في شرح المنهاج، 6/ 205/م ش. الشبراملسي: حاشية الشبراملسي، 6/ 169/م ش. عليش: فتح العلي الملك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، 1/ 257/م ش. وزارة الأوقاف: الموسوعة الفقهية الكويتية، 37/ 87 - 88/ م ش. وزارة الوقاف (موقع): فتاوى الأزهر، 8/ 460/ م ش.).
ومع هذا فإني لم أجد في الأم قول الشافعي هذا، بل لم أجد فيه ما يخص مسألة وضع اليمنى على اليسرى، وذلك في أكثر من طبعة، وحتى بالبحث الإلكتروني. ولعل قول الشافعي هذا في غير كتاب الأم، ويمكن الاستئناس إلى هذا بما ذكره صاحب كفاية الأخبار حيث قال: "نقل ابن الصباغ عن الشافعي أنه إن أرسلهما ولم يعبث فلا بأس، وعلله الشافعي بأن المقصود تسكين يديه". (انظر: الحسيني (الشافعي): كفاية الأخبار، 1/ 113/ج ت). وقد ذكر غير واحد نفس القول من غير نسبته للشافعي. (انظر: الشربيني: الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، 142/ج ت. حاشية البجيرمي على الخطيب، 4/ 343/م ش. الرملي: غاية البيان شرح زبد ابن رسلان، 1/ 94/ج ت. الجاوي: كاشفة السجا في شرح سفينة النجا، 1/ 196/م ش. وزارة الأوقاف: الموسوعة الفقهية الكويتية، 3/ 95/ م ش. فقه العبادات، 1/ 312/ م ش). (1/152)
صفحة 153
أنه قال: (القصد هو سكون يدي المصلي فإن أرسل يديه ولم يعبث بهما فلا بأس)، فكلامه هذا مشعر بأنه غير مسنون ولا مستحب. وعن مالك: أنه مسنون في النافلة دون الفريضة. وقال الأوزاعي: (من شاء فعله ومن شاء تركه)؛ وما كان مسنونا فليس هذا حاله. وقال الليث: (إن اشتغل في الصلاة فعله وإلا لم يفعله)، فهذه كلها في غاية الاضطراب لا تثبت على حالة واحدة، ولا هي جارية على قياس واحد، وما هذا حاله فلا يكون معدودا من السنن، ولا يقال إنه من المستحبات في الصلاة" (1).
*6* قد ذهب البعض من المالكية إلى أن الإمام مالكا وإن صح عنه القول بالسدل فقد رجع عنه في آخر أمره، وقال بالقبض كغيره؛ وهذه الدعوى قد رد عليها محمد عابد، بما هو عند المالكية مما يعرفونه من أمرهم وقواعد مذهبهم.
غير أنا نتساءل: هل تغير قول مالك في هذا الأمر بين صغره وكبره في أمر قد ثبت بالنقل العملي؟
وحتى على القول برجوع مالك عن قوله بالسدل بسبب ترجيحه لأحاديث القبض؛ فإن هذا يُعد طعنا في سلف مالك الذين تركوا القبض وتعلم منهم مالك تركه كما تعلم غيره من أمور الصلاة. وبهذا يتبين أن أحكام الصلاة ليست من الأحكام الفقهية التي يكتفى في ثبوتها بالروايات، ويرجح بعضها على بعض عند الاختلاف أو التعارض، وإنما شأن الصلاة شأن عام يشترك فيه المجتمع بأسره على معرفته ونقله، فما كثر حوله اختلاف الروايات بَيْنَ الإثبات والنفي كان أدعى للرد وعدم القبول.
__________
(1) – الحسيني: الانتصار على علماء الأمصار، 3/ 218 - 219. (1/153)
صفحة 154
*7* رغم أن القول بالسدل هو المشهور من قول مالك، وقد حكاه عنه المالكية وغيرهم؛ إلا أننا نجد من المالكية -المتأخرين منهم خاصة- من ينفي قول مالك بالسدل أصلا، ويرى أن ما في المدونة -بالخصوص- لم يفهم على حقيقته، وحشد لرأيه هذا أدلة كثيرة، قد يسلم له بعضها، ويناقش في أخرى (1)، إلا أن موقفه هذا -حتى وإن سلّمت أدلته- فإنه يعارضه ما اشتهر عن مالك عند المالكية (2) قبل غيرهم (3)،
__________
(1) – انظر مثلا؛ الغماري: المثنوني والبتار، الكتاب كله. الشنقيطي: دروس عمدة الفقه، 2/ 282/م ش.
(2) – ومن ذلك -مثلا- قول ابن رشد: "في ذكر سنن الصلاة: وأما سنن الصلاة فثمان عشرة سنة وهي .....
في ذكر مستحبات الصلاة: وأما مستحباتها فثمان عشرة أيضا، وهي: ... ، ووضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة، وقد كرهه مالك (في المدونة)، ومعنى كراهيته أن يُعدّ من واجبات الصلاة". ابن رشد: المقدمات الممهدات، ص164.
وقول النفراوي: "كما يستحب إسالهما بعد التكبير لكراهة القبض في المفروضة، ويكون إرسالهما برفق ولا يرفعهما إلى قدّام". النفراوي: الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، 1/ 177/ج ت.
(3) – ومن ذلك -مثلا- قول النووي: " ... وعن مالك -رحمه الله- روايتان أحداهما يضعهما تحت صدره، والثانية يرسلهما ولا يضع إحداهما على الأخرى، وهذه رواية جمهور أصحابه وهي الأشهر عندهم، وهي مذهب الليث بن سعد، وعن مالك -رحمه الله، أيضا- استحباب الوضع في النفل والإرسال في الفرض وهو الذي رجحه البصريون". شرح صحيح مسلم، 4/ 114/ج ت.
وقول الشوكاني: "وروى ابن المنذر عن ابن الزبير والحسن البصري والنخعي أنه يرسلهما ولا يضع اليمنى على اليسرى، ونقله النووي عن الليث بن سعد. ونقله المهدي في البحر عن القاسمية والناصرية والباقر. ونقله ابن القاسم عن مالك، وخالفه ابن الحكم فنقل عن مالك الوضع. والرواية الأولى عنه هي رواية جمهور أصحابه وهي المشهورة عندهم". نيل الأوطار، 2/ 201/ج ت. (1/154)
صفحة 155
ومن جهة أخرى فإنه لا يزيد القضية إلا ريبة وتخبطا، بدلا من تأييد مشروعية القبض وأنه سنة ثابتة غير منسوخة.
وإذا قيل: ولو صح ذلك عن مالك، وصح ما نقله هؤلاء عنه؛ فإنه لا عبرة بقول الرجال في مخالفة السنة؛ فإن الجواب حينئذ: إن هذه السنة المدعاة هي من نقل هؤلاء الرجال، فإذا تركوها وهم يرون صحتها فهم ليسوا بأهل لأن يكونوا أئمة يقتدى بهم، بل إن من شأن هذا القدح في عدالتهم، وعدم قبول أحكامهم الأخرى في الرجال والروايات.
*8* في جملة الأحاديث المثبتة للقبض نجد للبخاري ومسلم حديثين هما من أقوى ما يستدل به على الموضوع، انفرد كل واحد منهما بحديث دون الآخر -البخاري بحديث سهل، ومسلم بحديث وائل-، مع ما هو معلوم من اعتنائهما بالروايات الصحيحة وتبحرهما في ذلك، والظن بهما أن ذلك لاطلاع كل واحد منهما على علة حديث الآخر، غير أن البخاري أشار إلى علة حديثه الذي أخرجه، ولم نجد ذكرا عند مسلم لعلة حديثه الذي أخرجه، ولا ندري أكان ذلك منه غفلة أو إغفالا، وعلى كل حال فإن إخراج البخاري ومسلم لذينك الحديثين دون غيرهما يعني أنهما أصح ما عندهما، وهذا يكفي شهادة على عدم صحة بقية الأحاديث الواردة في القبض (1)، وإذا زدنا إلى ذلك ما تقدم من العلل حتى في ما رواه البخاري ومسلم في الموضوع؛ فإن النتيجة أن قبض اليدين لم يثبت فيه شيء، ويؤيد ذلك موقف الإمام مالك المشهور عنه أكثر من غيره، وإن اعتل البعض باختلاف النقل عن مالك، أو نفي ما نسب إليه أصلا.
*9* قول البيهقي في أثر سعيد بن جبير -على ما تقدم ذكره فيه- "إنه أصح أثر روي في هذا الباب" يُظهِرُ أن الباب لم يصح فيه شيء؛ لأن البيهقي -وهو من هو في تبحره في الحديث- من القائلين بالقبض المنتصرين له، وقد جمع فيه أحاديث كثيرة، ورغم ذلك قال ما قال.
__________
(1) – انظر؛ الشنقيطي: إبرام النقض، ص25. (1/155)
صفحة 156
*10* قد ذكرنا في مسألة الرفع نبز القائلين به بعضهم لبعض، وكذلك تعامل كثير منهم مع المسألة من الناحية الإسنادية دون الاكتراث بملابسات المسألة من جوانب أخرى. وفي مسألة القبض نجد ما يشبه ذلك أيضا، غير أني أكتفي هنا بمثالين فقط، وهما كالآتي:
يقول السهارنفوري نقلا عن النيموي: "والعجب من ابن القيم كيف أورده مثالا لترك السنة الصحيحة مع أنه ذهب إلى تفرد مؤمل بن إسماعيل بهذه الزيادة. ثم لا يخفى أن هذا الحديث من أقوى الدلائل للخصوم، لم يذكر النووي في الباب غيره (في الخلاصة)، وابن دقيق العيد (في الإمام)، والحافظ ابن حجر (في بلوغ المرام)، وقال الشوكاني (في النيل): ولا شيء في الباب أصح من حديث وائل المذكور، انتهى. وقد عرفت ما فيه من العلل، وقد أوضحت المرام في ... " (1).
ويقول السهارنفوري -أيضا-: "واعلم أنه قال في عون المعبود: ((وقد جاء في الوضع على الصدر حديثان آخران صحيحان، أحدهما حديث هلب، رواه الإمام أحمد (في مسنده) قال ... ، ورواة هذا الحديث كلهم ثقات)) ثم ذكر توثيق رواة الحديث. قلتُ: لعل عند صاحب عون المعبود لا يلزم لثبوت صحة الرواية إلا كون رواتها ثقات، وإن كانت شاذة أو معلولة؟! والحق أن رواة هذا الحديث كلهم ليس ((لعل الصواب: ليسوا)) رواة الصحيح، بل تكلم في بعضهم كما ذكره هو بنفسه، وإن سلم فليس هو بخال من الشذوذ أيضا ... ". وبعد أن فصل السهارنفوري ما أجمله قال: "وثانيهما حديث وائل بن حجر قال صليت ... " (2). (وأغلب بقية نصه قد نقلناه في مسألة الرفع عند التعرض لحديث وائل).
__________
(1) – السهارنفوري: بذل المجهود، 4/ 487.
(2) – السهارنفوري: بذل المجهود، 4/ 482 - 487. (1/156)
صفحة 157
*11* من المحيّر جدا أن يكون في أحاديث القبض كل ما ذكر سابقا، ويعتمدها عدد من أصحاب المصنفات دون الإشارة إلى أغلب ما فيها من ضعف، أو ذكر ما يدفع به ذلك الضعف، ولسان حالهم يقول: إنها أحاديث ثابتة لا مطعن فيها، بل إن منهم من صرح بذلك، أو بما يفيد أن القبض سنة صحيحة، ومنهم من يكتفي بذكر ضعف ما يخالف مختاره من وضع اليدين تحت السرة أو فوقها (1).
__________
(1) – انظر مثلا؛ ابن المنذر: الأوسط، 3/ 90 - 94. الثعلبي: الكشف والبيان (تفسير الثعلبي)، قوله تعالى: {فصل لربك وانحر}، 10/ 310 - 311/ج ت. ابن عبد البر: التمهيد، 20/ 72وما بعدها/ج ت. الاستذكار، 2/ 290/ج ت. البيهقي: السنن الكبرى، باب وضع اليد اليمنى على اليسرى فى الصلاة، 2/ 396. البغوي: شرح السنة، 3/ 30/ج ت. ابن الجوزي: التحقيق في أحاديث الخلاف، 1/ 337/ج ت. النووي: شرح صحيح مسلم، 4/ 114/م ش. ابن القيم، إعلام الموقعين، المثال الثاني والستون، 2/ 400/ج ت. ابن قدامة: المغني، 1/ 281/ج ت. ابن بطال: شرح صحيح البخاري، 2/ 357/م ش. العيني: عمدة القاري، 5/ 279 - 280/ج ت. ابن حجر: الدراية في تخريج أحاديث الهداية، 1/ 128/ج ت. السندي: حاشية السندي على ابن ماجة، رقم801، 2/ 210/م ش. البوصيري: إتحاف الخيرة المهرة، كتاب المساجد، 2/ 156/م ش. الزرقاني: شرح الموطأ، 1/ 453/م ش. الحزامي: خلاصة الأحكام، 1/ 356 وما بعدها/ج ت. البهوتي: شرح منتهى الإرادات، 1/ 186/ج ت. ابن نجيم: البحر الرائق، 1/ 320/ج ت. الصنعاني: سبل السلام، 1/ 169/م ش. مغلطاي: شرح سنن ابن ماجة، 1/ 470/م ش. الهلالي: الحسام الماحق لكل مشرك ومنافق، 1/ 50وما بعدها/م ش. العدوي: سلسلة التفسير، مسألة جلسة الاستراحة، 49/ 19/م ش. سالم: شرح بلوغ المرام، 61/ 1/م ش. البنوري: معارف السنن، 2/ 439 - 445. (1/157)
صفحة 158
وقد يقول قائل: إن ذلك الفعل منهم دليل على صحة تلك الأحاديث، فلو كانت غير ذلك لبينوا ضعفها وعدم الاعتماد عليها، لا سيما وهم الأيمة في الشأن.
ولعل مما يصلح جوابا على مثل هذا القول: إننا لو لم نطلع على ما سبق ذكره في تلك الأحاديث ربما لسلمنا بأن سكوت هؤلاء عنها تصحيح وتثبيت لها، أما وقد رأينا فيها ما تقدم، ضف إلى ذلك ما نقل عن عدد من الأيمة في شأن المسألة وخصوصا الإمام مالك؛ فإن الأمر محير حقا.
وإن أخشى ما نخشاه أن يكون ذلك الفعل منهم مدعاة للطعن فيهم ورد باقي آرائهم، بل ورد رواياتهم لعدم الوثوق بهم. وهذا بالفعل ما نقرؤه ونسمعه من صيحات تنادي بإلغاء الإرث الروائي للسنة النبوية المطهرة جملة وتفصيلا، وما ذلك -في ظني- إلا من نتائج ما دخل منهج نقد الروايات من أمور تتطلب منا مراجعتها بكل شجاعة، أو من نتائج عدم الالتزام بتطبيق قواعد النقد بكل موضوعية (1)، والله أعلم.
*12* مما يساعد على فهم تخبط القائلين بالقبض وموقفهم منه تصريح بعضهم بأن السدل كان شعار الروافض، وأن التمسك بالقول بالقبض كان القصد منه إظهار المخالفة لهم (2). ضف إلى ذلك إلى ما سبق نقله من تاريخ أبي زرعة الدمشقي.
لهذا فإننا لا نستبعد تدخل السلطة الحاكمة بعد زمن الراشدين في تشريع هذه المسألة، وتورط الفقهاء -إما كرها أو اختيارا- في تبريرها، والدليل على ذلك ما سبق ذكره في مسألة الرفع التي حكى الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز أنهم كانوا يضربون عليها في صغرهم -رغم أنه لم يصرح بأن الضرب كان على تلك المسألة بالذات-.
رابعا مسألة القبض من حيث قواعد الترجيح:
__________
(1) – انظر؛ الكردي: نحو تفيعل قواعد نقد متن الحديث، كلُّه.
(2) – العيني: البناية في شرح الهداية، 2/ 211. السيواسي: شرح فتح القدير، 1/ 288/ج ت. فتح الدين: فلك النجاة، ص330. (1/158)
صفحة 159
إن القواعد المتبعة في هذه المسألة أغلبها هي نفس القواعد المتبعة في مسألة الرفع، فلتنظر هناك. وبناء عليها فإن القول بالإرسال وعدم القبض هو الأدعى للطمأنينة، والأولى بالتصويب.
خاتمة:
بناء على ما ذكر في هذا البحث يتبين أن القول بنفي رفع اليدين وقبضهما في الصلاة ليس قول من ينكر السنة، أو يجهل تعاليم دينه، أو يعبد الله بما لم يشرع.
وأن القائلين بالنفي ليسوا أقل حرصا على شرع الله من غيرهم، فلنتق الله معاشر المسلمين بعضنا في بعض، ولنتدارس أمور الخلاف بما يرضي ربنا، ويقود أمتنا إلى شاطئ النجاة في الدنيا والآخرة، والله الموفق للصواب، والحمد لله رب العالمين.
ملحق: بعض أقوال المثبتين للقبض فيمن لم يقبض:
* قال ابن عبدالبَرِّ: "وأما القيام فالسنة أن يضع كفه اليمنى على كوعه، وقد قيل: إن المقصد في وضعه اليمنى على كوعه الأيسر تسكين يديه؛ لأن إرسالهما لا يؤمن معه العبث بهما، وذلك أيضا سنة" (1).
وقال أيضا: "إرسال اليدين ووضع اليمنى على الشمال كل ذلك من سنَّة الصلاة" (2).
__________
(1) – ابن عبد البر: التمهيد، باب مالك عن مسلم بن أبي مريم، 13/ 197/ج ت.
(2) – القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، تفسير سورة الكوثر، 20/ 221/ج ت.
أقولُ: هذا الكلام من ابن عبد البر جميل من حيث عدم التعصب للمذهب، واتهام الآخر بترك السنة وما إلى ذلك. إلا أن قوله بأن الإرسال مسنون مشكل من حيث إنه قال في غير هذا الموضع: "وأما وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة ففيه آثار ثابتة أيضا ((وكلامه هذا بعد تعليقه على الحديث: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فافعل ما شئت)) عن النبي ? ... ((التمهيد، 20/ 71)) ... قال أبو عمر: لم تختلف الآثار عن النبي ? في هذا الباب، ولا أعلم عن أحد من الصحابة في ذلك خلافا، إلا شيء روي عن ابن الزبير أنه كان يرسل يديه إذا صلى، وقد روي عنه خلافه مما قدمنا ذكره عنه وذلك قوله - رضي الله عنه -: وضع اليمين على الشمال من السنة، وعلى هذا جمهور التابعين وأكثر فقهاء المسلمين من أهل الرأي والأثر ((التمهيد، 20/ 74)) ... فهذا ما روي عن بعض التابعين في هذا الباب، وليس بخلاف؛ لأنه لا يثبت عن واحد منهم كراهية، ولو ثبت ذلك ما كانت فيه حجة؛ لأن الحجة في السنة لمن اتبعها، ومن خالفها فهو محجوج بها، ولا سيما سنة لم يثبت عن واحد من الصحابة خلافها". التمهيد، 20/ 76/ج ت.
فهو في هذا الموضع قد بذل جهده في تفنيد كل ما يستدل به على سنية الإرسال، وهذا دليل آخر على ما أسلفنا ذكره من حيرة القائلين بالقبض وتخبطهم واضطرابهم، والله تعالى أعلم. (1/159)
صفحة 160
* من جواب للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية:
"قبض اليدين على الصدر في الصلاة سنّة، وإرسالها جائز، وهو خلاف الأولى، ولا تبطل الصلاة به، ولا يجوز التفرق بين المسلمين بسبب الخلاف فيه، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «صلوا كما رأيتموني أصلي» لا يدل على وجوبه؛ لأنه لَمَّا علَّم المسيء صلاته كيف يصلي لم يذكر له القبض ولا الإرسال، وليس مذهب الحنابلة بطلان صلاة من أرسل، بل هذا غلط من قائله.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء [برئاسة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز] " (1).
* ومن جواب آخر للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:
"تَصِحُّ الصلاة وراء الإمام الذي لم يضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره في الصلاة؛ لأن وضعهما فوق صدره من سنن الصلاة، لا من فرائضها، ولا من واجباتها، ولا يجوز لك أن تنفصل عنه من أجل ذلك.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء [برئاسة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز] " (2).
* قال الشيخ عطية محمد سالم:
__________
(1) – فتاوى اللجنة الدائمة، المجموعة الثانية، الجواب على السؤال الأول من الفتوى رقم (17880)، 5/ 358/م ش.
(2) – فتاوى اللجنة الدائمة، المجموعة الأولى، الجواب على السؤال الثاني من الفتوى رقم (3112)، 7/ 368/م ش. (1/160)
صفحة 161
"وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة حال القيام للقراءة هو السنة، ولكن لنعلم أن الصلاة تصح بوضعهما وبدون وضعهما، ولكن السنة وضع اليمنى على اليسرى، وأحب أن أقول ذلك حتى لا يكون وضع اليدين وإرسالهما موضع خلاف ونزاع بين الناس، فالسنة هي أن تفعل ذلك، فإذا رأيت إنساناً لا يفعلها، وتعلم أنه متأثر بقول في مذهبه، فاعذره، ولا ينبغي أن تبالغ بالإنكار عليه، وخاصة إذا كان طالب علم يفهم، وهذه المسألة لا ينبغي أن ندخلها في الخلاف حتى توجد نزاعاً بيننا، بل من وضع يديه فقد عمل بالسنة، وهو الأكمل والواجب على كل إنسان، ومن تركها لقول عنده أو تأوّل عنده فلا ينبغي لنا أن نجعل ذلك محل خصام ونزاع وتفريق بين إخواننا، والله تعالى أعلم" (1).
* وقال الشيخ عطية أيضا:
"بهذه المناسبة، ونظراً لآثار الخلاف في الفروع، فقد يتخذ البعض هذه المسألة بالذات ... -لأنها واضحة وعملية- سبباً للشقاق والفرقة بين المسلمين، ونسمع من الإخوة الأفارقة أنه في بعض الأماكن يوجد هناك الخصومة، أو النزاع، وقد يكون هناك التبديع، لماذا؟ لأنه خالف المذهب أو الإمام، أو لأنه خالف الحديث؛ لأن الحديث يقول بالقبض، وهم يقولون بالسدل.
__________
(1) – سالم: شرح الأربعين النووية، مسألة وضع اليد على الصدر، 59/ 8/م ش. (1/161)
صفحة 162
أقول: هذا الوضع وهذه الكيفية هيئة من هيئات الصلاة، وبإجماع المسلمين ومنهم أئمة المذاهب الأربعة أن الفريضة والنافلة صحيحة؛ سواء قبض اليمنى على اليسرى أو سدل اليدين بجانبيه، فإذا كانت الصلاة صحيحة على كلا الحالتين فلماذا نختلف ونفترق، ونجعل جزئية فقهية في فرع من فروع الإسلام سبباً للخلاف والشقاق والخصومات والفرقة؟ هذا غرض عدو الإسلام، أن يشغل المسلمين بجزئيات عن أساسيات الدين، سواء عن جهاد، أو صلاة بعينها، أو طلب العلم حقيقة، أو بحث العقائد والتوحيد وضرورة ذلك، ويشغلهم بجزئية يدورون فيها، وخصومات، لماذا هذا كله؟ لا حاجة لهذا" (1).
* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين:
"أما قولهم: إما أنْ يقرأها ويترك السجود، فنقول: حتى لو تَرَكَ السُّجودَ فإن ذلك لا يقتضي الكراهةَ؛ لأنَّ ترك المسنون ليس مكروها، وإلا لقلنا: إنَّ صلاتنا في غير النِّعال مكروهة. ولقلنا: إنَّ الإنسان إذا لم يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام فقد فعل مكروها. ولقلنا: إن الإنسان إذا لم يجهر في الجهرية فقد فعل مكروها، وما أشبه ذلك. وهذا ليس بصحيح" (2).
أقولُ: لازم قوله إن من أسدل يديه في الصلاة ولم يضع إحداهما على الأخرى فإنه لم يفعل مكروها، حتى على القول بسنية الوضع.
قائمة المصادر والمراجع:
أولا: البرامج الرقمية:
الجامع الكبير لكتب التراث الإسلامي والعربي. الإصدار الثاني 1426هـ/2005م. (وإليه الإشارة بالرمز: ج ت).
المكتبة الشاملة. الإصدار 3،28. (وإليها الإشارة بالرمز: م ش).
ثانيا: الكتب المطبوعة:
__________
(1) – سالم: شرح بلوغ المرام، (مسألة) كيفية التعامل مع المسائل الخلافية، 61/ 5/م ش.
(2) – العثيمين: الشرح الممتع على زاد المستقنع، مسألة: ويكره للإمام قراءةُ سجدة في صلاة سِرّ وسجودُه فيها، 4/ 102/ م ش. (1/162)
صفحة 163
* البخاري؛ محمد بن إسماعيل: رفع اليدين في الصلاة. وهامشه جلاء العينين بتخريج روايات البخاري في جزء رفع اليدين، بقلم: بديع الدين الراشدي. ط1: 1416هـ/1996م. دار ابن حزم-بيروت.
* ابن التركماني؛ المارديني، علاء الدين بن علي: الجوهر النقي. بهامش السنن الكبرى للبيهقي. دار المعرفة-بيروت.
* ابن رشد؛ محمد بن أحمد: المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات. تحقيق: محمد حجي. ط1: 1408هـ/1988م. دار الغرب الإسلامي-بيروت.
* ابن عبد البر؛ يوسف بن عبد الله: الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار وشرح ذلك كله بالإيجاز والاختصار. تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي. ط1: 1413هـ/1993م. دار الوغى-حلب، القاهرة.
* ابن العربي؛ محمد بن عبد الله: عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي. دار الكتب العلمية-بيروت.
* ابن المنذر؛ محمد بن إبراهيم:
أ- الإشراف على مذاهب العلماء. تحقيق: أبو حماد صغير أحمد الأنصاري. ط1: 1425هـ/2004م. الناشر: مكتبة مكة الثقافية. دار المدينة-رأس الخيمة، الإمارات.
ب- الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف. تحقيق: أبو حماد صغير أحمد بن محمد حنيف. ط1: 1405هـ/1985م. دار طيبة-الرياض.
* الألباني؛ محمد ناصر الدين: صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - من التكبير إلى التسليم كأنك تراها. ط14: 1408هـ/1997م. المكتب الإسلامي-بيروت.
* البنوري؛ محمد يوسف بن محمد زكريا: معارف السنن شرح جامع الترمذي. الناشر: ايج-ايم-سعيد كمبني. كراتشي-باكستان.
* البيهقي؛ أحمد بن الحسين: السنن الكبرى. دار المعرفة-بيروت. د ت ط.
* التهانوي؛ العثماني، ظفر أحمد: إعلاء السنن. تحقيق وتعليق: محمد تقي عثماني. نشر: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية-كراتشي، باكستان. (1/163)
صفحة 164
* الحجوي؛ محمد بن الحسن: الفكر السامي في الفقه الإسلامي. خرج أحاديثه وعلق عليه: عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ. دار التراث-القاهرة.
* الحسيني؛ يحي بن حمزة: الانتصار على علماء الأمصار في تقرير المختار من مذاهب الأئمة وأقاويل علماء الأمة. تحقيق: عبد الوهاب بن علي المؤيد، وعلي بن أحمد مفضل. ط1: 1424هـ/2003م. مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية-صنعاء.
* الدرديري؛ طاهر بن محمد: تخريج الأحاديث النبوية الواردة في مدونة الإمام مالك بن أنس. ط1: 1406هـ. مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي. جامعة أم القرى-مكة المكرمة.
* الداوودي؛ مختار بن امحميدات: مشروعية السدل في الفرض. تحقيق: علي بن سيد عبد الرحمن الهاشمي. دار النصر للطباعة الإسلامية-القاهرة.
* السابعي؛ ناصر بن سليمان: بحث في مسألة الرفع (مرقون).
السالمي؛ عبد الله بن حميد: معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال. تحقيق: الحاج سليمان بابزيز، وإبراهيم بولرواح، وداود بابزيز، وحمزة السالمي. ط1: 2008م. دار الرشد-بيروت.
* السباعي؛ مصطفى حسني: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي. ط3: 1423هـ/2003م. دار الوراق-بيروت.
* السليمي؛ عبد الله بن محمد بن بركة: الجامع. تحيق: عيسى بن يحي الباروني. نشر وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان.
* السماوي؛ محمد بن صالح: الغطمطم الزخار المطهر لرياض الأزهار من آثار السيل الجرار. تحقيق: محمد يحي سالم عزان. ط1: 1415هـ/1994م-صنعاء.
* السهارنفوري؛ خليل أحمد: بذل المجهود في حل أبي داود. تعليق: محمد زكريا بن يحي الكاندهلوي. دار الكتب العلمية-بيروت.
* السيابي؛ أحمد بن سعود: الرفع والضم في الصلاة
* الشنقيطي؛ محمد الخضر بن سيدي عبد الله: إبرام النقض لما قيل من أرجحية القبض. ط2: 1416هـ/1996م. دار البشائر الإسلامية-بيروت. (1/164)
صفحة 165
* صالح؛ بدوي عبد الصمد الطاهر: منهج كتابة الفقه المالكي بين التجريد والتدليل. ط1: 1423هـ/2002م. دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث-دبي.
* عبد السلام؛ جعفر بن أحمد: الروضة البهية في المسائل المرضية شرح نكت العبادات. تحقيق: المرتضى بن زيد المحطوري. ط2: 1425هـ/2004م. مكتبة بدر-صنعاء.
* العتبي؛ محمد بن عبد الله:
أ- لفت الانتباه إلى تحقيق أحاديث الرفع والضم في الصلاة. مكتبة الاستقامة-مسقط.
ب- المناهل الصافية في تطهير الرسائل الشافية (مرقون، لدى الباحث نسخة منه).
* العك؛ خالد عبد الرحمن: موسوعة الفقه المالكي. ط1: 1413هـ/1993م. دار الحكمة-دمشق.
* العوتبي؛ سلمة بن مسلم: الضياء. ط1: 1411هـ/1991م. نشر وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان.
* العيني: محمود بن أحمد: البناية في شرح الهداية. ط2: 1411هـ/1990م. دار الفكر-بيروت.
* الغماري؛ أحمد بن محمد بن الصديق: المثنوني وبالبتار في نحر العنيد المعثار الطاعن فيما صح من السنن والآثار. ط: 1352هـ. المطبعة الإسلامية بالأزهر-القاهرة.
* فتح الدين؛ علي محمد: فلك النجاة في الإمامة والصلاة. تحقيق: أصغر علي محمد جعفر. ط2: 1418هـ/1998م. مركز الغدير للدراسات الإسلامية-بيروت.
* القرافي؛ أحمد بن إدريس: الذخيرة في فروع المالكية. ط1: 1422هـ/2001م. دار الكتب العلمية-بيروت.
* الكاندهلوي؛ محمد زكريا بن يحي: أوجز المسالك إلى موطأ مالك. تعليق: تقي الدين الندوي. ط1: 1424هـ/2003م. دار القلم-دمشق.
الكردي؛ إسماعيل: نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث، دراسة تطبيقية على بعض أحاديث الصحيحين. ط1: 2002. دار الأوائل-دمشق.
* الكركي؛ علي بن الحسين: رسائل المحقق الكركي. المجموعة الأولى. تحقيق: محمد الحسون. ط1: 1409هـ. مطبعة الخيام- قم (إيران). (1/165)
صفحة 166
* الكلوذاني؛ محفوظ بن أحمد: الانتصار في المسائل الكبار على مذهب الإمام أحمد بن حنبل. تحقيق: سليمان بن عبد الله العمير. ط1: 1413هـ/1993م. مكتبة العبيكان-الرياض.
* الكوثري؛ محمد زاهد بن الحسن: تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب. ويليه: الترحيب بنقد التانيب للمؤلف. بها زيادات الأستاذ: أحمد خيري. ط1: 1998م. المكتبة الأزهرية للتراث-القاهرة.
* المجلسي؛ محمد باقر: بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار. ط2: 1403هـ/1983م. مؤسسة الوفاء-بيروت.
* المكي؛ محمد عابد بن حسين: القول الفصل في تأييد سنة السدل. نشر: لجنة التراث والتاريخ-أبو ظبي.
* ميكلوش موراني: دراسات في مصادر الفقه المالكي. نقله عن الألمانية: سعيد بحيري، وعمر صابر عبد الجليل، ومحمود رشاد حنفي. ط1: 1409هـ/1988م. دار الغرب الإسلامي-بيروت.
* النجفي؛ محمد حسن: جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام. تحقيق: عباس القوجاني. 1347هـ. دار الكتب الإسلامية-طهران.
* النووي: روضة الطالبين وعمدة المفتين. ط3: 1412هـ/1991م. المكتب الإسلامي-بيروت.
* الهاروني؛ أحمد بن الحسين: شرح التجريد في فقه الزيدية. تحقيق: محمد يحي سالم عزان، وحميد جابر عبيد. ط1: 1427هـ/2006م. مركز التراث والبحوث اليمني-صنعاء. (1/166)