صفحة 1
المجال: غير المطبوعات، منشور رقمي
المادة: منشورات الشيخ سلطان الشيباني
------------------------------------------
العنوان: الرجل الأبيض ..
بيانات متقدمة (Metadata):
المؤلف
الاسم كما ورد بالكتاب: سلطان بن مبارك بن حمد الشيباني
بيانات النشر
مكان النشر - الولاية: مسقط
مكان النشر - الدولة: سلطنة عمان
اسم الناشر: محبوب للنشر الرقمي
تاريخ النشر: ديسمبر 2021م
بيانات السلسلة
عنوان السلسلة: السارد والجارد؛ تخليص وتلخيص
رقم السلسلة: 1
التصنيف الموضوعي: الجغرافيا والتاريخ والسير -- التراجم والسير
الموضوع - مصطلح موضوعي
المصطلح الموضوعي: العلماء
التقسيم الفرعي العام: تراجم
المصطلح الموضوعي: رجال الدين
التقسيم الفرعي العام: تراجم
الشكل (الصيغة): رقمي
الوصف المادي: عدد الصفحات: 29
الطبعة: 1
المصدر
المؤسسة: محبوب للنشر الرقمي
الولاية: مسقط
الدولة: سلطنة عمان
بيانات أخرى: mahboub.pd@gmail.com
اللغة الأصلية للمادة: العربية
البيانات نقلا عن موقع المقصورة:
https://www.maqsurah.com/home/library/67/item_detail/80516
------------------------------------------
مصدر النسخة الرقمية للكتاب (PDF) من موقع:
https://www.maqsurah.com/home/library/67/item_detail/80516
ملاحظة: هذه النسخة الرقمية (PDF) يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده. محبوب
الإصدار الخامس عشر
السارد والجارد
تخليص وتلخيص (1)
الرجل الأبيض
ابن التُّبَلاء!
بقلم
سلطان بن مُبَارَك بن حَمَدَ الشَّيْبَانِي
0 (1/1)
صفحة 2
سلسلة: السارد والجارد؛ تخليص وتلخيص الحلقة الأولى
الرجل الأبيض .. ابن النُّبَلاء!
جميع الحقوق محفوظة الطبعة الرقمية الأولى
ربيع الآخر 1443 هـ/ ديسمبر (كانون الأول) 2021 م
محبوب
محبوب للنشـ ر الرقمي
مسقط / سلطنة عُمان
البريد الإلكتروني:
mahboub.pd@gmail.com
1 (1/2)
صفحة 3
له
2
الرجل الأبيض
ابن التَّبَلاء!
(سجلات أفونسو دلبوكيرك) (1/3)
صفحة 4
بسم
الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله،
وعلى آله وصحبه ومن والاه
3
بين يدي الكتاب:
يتعذر - على وجه الدقة - تحديد اللحظة التي ولد فيها مفهومان متلازمان هما: «أوروبا» و «الغرب». فهما من تمخضات تلك الحقبة الطويلة والمتقلّبة التي يُصطلح عليها باسم «العصر الوسيط»، الحقبة التي طوّرت جملة من العناصر الاجتماعية والدينية والسياسية والثقافية، فاندمجت لتشكّل «هُويّة» الغرب، وبانتهاء تلك الحقبة ظهر إلى العيان مفهوم «الغرب»، بأبعاده الدلالية الأولية، وسرعان ما رُكب من المفهومين المذكورين مفهوم جديد هو «أوروبا الغربية» (1).
) هذه المادة هنا ملخصة في مجملها – بالنص أحيانًا وبتَصَرُّف أحيانا أخرى – من كتاب: المركزية الغربية؛ إشكالية التكون والتمركز حول الذات؛ للدكتور العراقي عبد الله إبراهيم. المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت لبنان الطبعة الثانية 2003 م. مع تحلية المادة بأفكار واقتباسات أخرى من: النظرة إلى الآخر في الخطاب الغربي؛ للكاتب: جان جبور. دار النهار - بيروت/ لبنان. 2001 م. و: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب؛ للمؤلف: الدكتور جورج قرم. ترجمة: رلى ذبيان. دار الفارابي- بيروت لبنان. الطبعة الأولى 2011 م و الشرق والغرب منطلقات العلاقات ومحدداتها؛ لأستاذنا العزيز الدكتور علي بن إبراهيم النملة بيسان للنشر والتوزيع - بيروت لبنان. 1431 هـ / 2010 م. (1/4)
صفحة 5
4
هذا المفهوم ذو الدلالات المتموّجة لم يمتثل أبدًا للمعنى الجغرافي
الذي يوحي به فقد راهن منذ البدء على المقاصد الثقافية والسياسية والدينية، ثمّ ثبّت مجموعة من الصفات والخصائص العرقية والحضارية والدينية على أنها ركائز قارّة، تشكل أسس هويته، وغذى هذا الاختزال ولادة مفهوم حديث ذي طبيعة إشكالية هو «المركزية الغربية». وتتجلى إشكالية أنه تقصد أن يؤسس وجهة نظر حول «الغرب»، بناء على
هذا المفهوم من إعادة إنتاج مكوّنات تاريخية توافق رؤيته، معتبرًا إياها جذورًا خاصة به، ومستحوذا في الوقت نفسه على كل الإشعاعات الحضارية القديمة، وقاطعًا أواصر الصلة بينها والمحاضن التي احتضنت نشأتها.
إلى ذلك تقصد ذلك المفهوم أن يمارس إقصاء لكل ما هو ليس غربيًّا، دافعًا به إلى خارج الفلك التاريخي الذي أصبح «الغرب» مركزه، على أن يكون مجالًا يتمدد فيه، وحقلًا يجهزه بما يحتاج إليه.
إن ولادة «العصر الحديث اقترنت بالممارسة الغربية في ميادين المعرفة والاكتشافات الجغرافية، ومؤسسة الدولة بركائزها الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والسياسية. ومن الواضح أن صفة «الحديث» التصقت بالمضمون الفكري الذي أشاعته الثقافة الغربية بما يوافق منظورها، ويترتب ضمن الأفق العام لتصوراتها، فيما يخص العالم والإنسان. وأفضى كل ذلك إلى نوع من «التمركز» حول الذات بوصفها المرجعية الأساسية لتحديد أهمية كل شيء وقيمته، وإحالة «الآخر» إلى (1/5)
صفحة 6
5
مكوّن هامشي، لا ينطوي على قيمة بذاته، إلا إذا اندرج في سياق المنظور
الذي يتصل بتصوّرات الذات المتمركزة» حول نفسها.
وجدير بالذكر أنّ الانتماء الديني كان طوال العصر الوسيط قد شكّل نوعًا من الوحدة الشعورية، لعب دورًا أساسيًا في تكوين «الإمبراطوريات الدينية» المتصارعة، التي ركبت لنظائرها صورًا مشوّهة، ومختزلة، لم تُشْفَ البشرية من آثارها إلى الآن. كانت أوروبا تغادر حقبة العصور الوسطى ولم تفلح بعد في إضفاء صفة على شعوبها، لم تظهر كلمة «أوروبي» ولم تندمج الأعراق التي تستوطنها في هوية محددة، إلاّ الشعور الديني الذي يشكّل بطانة داخلية للتواصل الروحي. وكان هذا الشعور يتنازعه قطبان، كثيرًا ما تداخلت وظائفهما وسلطاتهما: البابا والإمبراطور.
وعندما خاضت أوروبا الحروب الصليبية التي تسميها «الحرب المقدسة من أواخر القرن الخامس الهجري حتى أواخر القرن السابع أواخر القرن الحادي عشر الميلادي حتى أواخر القرن الثالث عشر؛ كانت تتلبس لبوس الدين، غير أنها لم تستطع إخفاء مطامعها السياسية والاقتصادية، لذلك كانت جيوش الفرسان تقضي على كل من يخالفها، من مسلمين ووثنيين ومغول وحتى نصارى أرثوذكسيين، وبلغت ضحاياها بين المليون والثلاثة ملايين (2). (3)
(2)
John Shertzer Hittell "A Brief History of Culture" (1874) p.137. (1/6)
صفحة 7
6
(3)
يرى المفكر النمساوي المسلم محمد أسد ليوبولد فايس؛ سابقا) أن الموقف الغربي تجاه الإسلام ليس مجرد سوء فهم أو عدم اهتمام كما هي الحال بالنسبة إلى الأديان والثقافات الأخرى، بل هو في الغالب كُره عميق الجذور، يصدر عن تعصب شديد، وهو ليس فكريا فحسب، بل يحمل صبغة عاطفية حادة غير متزنة ترجع جذورها الأولى إلى زمن الحروب الصليبية.
لقد كانت الحملات الصليبية حاسمة لأنها وقعت في زمن الطفولة الأوروبية، يوم كانت الخصائص الثقافية المميزة لأوروبا تفرض نفسها للمرة الأولى، وكانت لا تزال في طور ظهورها. والحال في الأمم لا تختلف عن حال الأفراد، فالانطباعات الحادة لمرحلة الطفولة الأولى تثبت في الشعور وما وراء الشعور خلال المراحل اللاحقة من الحياة، وتكون مغروسة في الأعماق إلى درجة لا يمكن إزالتها بسهولة، ونادرا ما يمكن إزالتها نهائيا بالخبرات الثقافية في مرحلة أكثر تروّيًا وأقل عاطفية. وكذلك كانت الحملات الصليبية، فقد أنتجت أعمق وأدوم الانطباعات على النفسية العامة الأوروبية، وكان الحماس العام الذي أثارته في زمنها لا يمكن مقارنته بأي تجربة مرت بها أوروبا من قبل، بل لا يكاد يقارن بما مرت به من بعد. فقد جرفت القارة الأوروبية كلها موجةٌ من النشوة تجاوزت - لبعض الوقت على الأقل – الحدود بين الدول والأمم، وفي ذلك الحين تحققت الوحدة الأوروبية للمرة الأولى في التاريخ، وكانت وحدة ضد العالم المسلم، ودخلت الصورة المشوهة للإسلام العقل الأوروبي لتبقى فيه مدة طويلة. وكانت صورةً تَجْمَعُ للمسلمين صفات الهمجية والوحشية والتخلف
والعدائية.
بسبب
ويضيف محمد أسد: يمكن أن نتساءل: كيف لِحِقْدِ، قديم، ديني في أصله، يحدث في ذلك الزمن تسلط الكنيسة النصرانية؛ أن يستمر في الغرب، في الوقت الذي انحسر فيه الشعور الديني بدون
شك إلى مستوى شديد التدني؟
ولكن علم النفس الحديث لا يرى هذا التناقض الظاهر غريبا أبدا، فإنه يعلم الآن أنه يمكن لفرد أن يفقد تماما معتقداته الدينية التي تلقاها في طفولته، على حين أن بعض الخرافات المتعلقة ابتداءً بتلك المعتقدات المفقودة تبقى بكل قوتها عَصِيَّةً عن أي تفسير معقول طوال حياة ذلك الفرد. انظر كتاب: (1/7)
صفحة 8
7
دخلت أوروبا العصر الحديث حينما طوّرت منظومة من الممارسات والأفعال والأفكار المتداخلة التي دُمجت معًا، ووظفت لتكوّن نسقًا حيًّا يجري في العروق التي جمدتها تناقضات العصور الوسطى. ومن خلالها بدأ الكيان الأوروبي يظهر مؤثَّرًا في العالم. ورافق الشوق إلى استلهام الماضي الاهتمام بالحاضر، سواء في أوساط طبقة المثقفين أو الفئات الحاكمة، ثم المحاولات الأولى للتعرّف إلى «الآخر» بواسطة «الرحلات الأولى إلى الشرق». لكنّ التعبير الحقيقي عن أوروبا تأخر إلى نهاية القرن الخامس عشر، وكشف عن نفسه في ظاهرتين مهمتين، لهما أثر بلغ الغاية في الأهمية في التاريخ الحديث: الكشوف الجغرافية، والثورة العلمية
والفكرية.
والكشوفات – حسب
، كثير من المؤرخين الغربيين - هي الحدث الذي أسس هوية الغرب الحديثة، إذ لا يوجد تاريخ أنسب لتمييز بداية العصر الحديث من عام 1492 م، العام الذي يعبر فيه كولومبوس المحيط الأطلسي، فاعتبارًا من هذا التاريخ صار الغرب يعيش زمنًا جديدًا لا يشبه أي زمن آخر» (4). فقد انكمش العالم وصار صغيرًا. ارتهنت أوروبا التي ترى نفسها في مظهر القوة - بلذَّة الاكتشاف، ووُصف «العالم
—
الإسلام على مفترق الطرق؛ تأليف: محمد أسد. ترجمة: صالح بن عبد الرحمن الحصين. مكتبة الملك عبد العزيز العامة - الرياض / المملكة العربية السعودية. 1430 هـ/ 2009 م. ص 57 فما بعدها.
(4) المركزية الغربية؛ إشكالية التكون والتمركز حول الذات: عبد الله إبراهيم. ص 36. (1/8)
صفحة 9
8
الجديد»، بأنه «أمريكا»، ومنذ أن وطأت قدما الأميرال الأسباني
«أمريكو فيسبوتشي» هذه الأرض، هذه الأرض، أُعلنت نسبتها إليه، أُلغي وجودها
وتاريخها الذاتي، وأعلنت ملكيتها بـ «التسمية»، وأصبحت علاقة هذه الأرض، بكل ما فيها، أشبه بعلاقة النوع بالجنس في الفلسفة القديمة. فمنذ الاكتشاف لا تُعرف هذه الأرض إلاّ بعلَمٍ مُعَرَّف بذاته. إنّ التسمية بذاتها تنطوي على ممارسة إقصاء فريد من نوعه. لقد انتسب هذا العالم، منذ اللحظة التي عرفه فيها الغرب إلى الغرب نفسه، وأُخمل أصله
تماما.
والواقع، أنّ تلك التسمية الاستملاكية قد عُمّدت بالدم، شأنها في ذلك شأن أي اغتصاب غايته كما يقول تودروف: الاستحواذ والإخضاع، وذلك بـ «اقتراف أوسع إبادة في تاريخ الجنس البشري» (5). هذا العماد بحد ذاته أول ما عبّرت به أوروبا عن وجهها الحديث لتأسيس هويتها. ومأساة اكتشاف أمريكا انطوت على هدف مزدوج: الإعلان عن الذات الغربية بالقوة، واكتشاف الآخر بالعنف الذي يماثل الاغتصاب، وكأن ثمن الشطر الأول من الهدف، لا بد أن يكون الثاني. أظهرت الكشوفات لأوروبا عالمًا «ثريا وخاملًا». وكما ازدوج هدف الاكتشاف، فقد ازدوج هدف الاستثمار، فقد رافق المستكشفين باحثون عن الذهب، وحاملون للإنجيل.
) فتح أمريكا مسألة الآخر؛ تأليف: تزفيتان تودوروف. ترجمة بشير السباعي. دار سينا- القاهرة/ مصر. 1992 م. ص 11. (1/9)
صفحة 10
9
الفئة الأولى غايتها نقل الثروة إلى أوروبا، وغاية الفئة الثانية بثّ الحيوية
الروحية في ذلك «الخمول الوثني».
ومعلوم أن الكشوفات جَرَتْ تحت غطاء ديني، فكولومبوس يكتب إلى «البابا» أن رحلته ستكون المَجْدِ الثالوث المقدس ولمجد الدين المسيحي». وأنّ ما يفعله هو أمر جليل ومن شأنه زيادة مجد ونمو الدين المسيحي المقدس»، وهدفه «نشر اسم الرب المقدس وإنجيله في أرجاء الكون». وجملة ما ينتظره كولومبوس من ذلك هو «استخدام مكتسباته المنشودة في ردّ الديار المقدسة إلى الكنيسة المقدسة»، ويخص الكاثوليكيين بالخير الوفير، قائلًا: إنّ أخيار الكاثوليكيين فقط هم الذين يجب أن يكون لهم موطئ قدم هنا، بما أنّ الهدف الأول للمشروع هو دائما نشر الصليب والعقيدة المسيحيّة». ولكن تحت هذا الغطاء كان استنزاف كامل ونهب لم يسبق له مثيل لثروات البلاد المكتشفة، التي لم تلبث أن حوّلت إلى مستعمرات.
أفضى (الفتح) إلى شعور جارف بالتفوق والقوة، فالفاتح - سواء أكان مكتشفا أم مقاتلًا أم باحثًا عن الذهب أم راهبًا - وجد نفسه في
التي
مواجهة منظومة قِيَم مغايرة لمنظومة القيم التي يحملها. فكلّ الأهداف عبر المحيطات من أجل تحقيقها غير مفهومة من أهالي البلاد، كما يظهر
ذلك بجلاء في علاقة الشعوب بـ (الفاتحين الجدد في كل مكان وصلوا إليه. (1/10)
صفحة 11
10
والحق إنّ الاكتشافات الجغرافية وضعت ولأول مرة منظومات
القيم في صراع مباشر. وتمخض عن ذلك انهيار قيم وظهور أخرى، ومن وجهة نظر الفاتح الغربي، فإنه بقوته وحضارته وأهدافه قد اخترق سكون ذلك العالم الخامل. ولكنه في الوقت نفسه كان يقوّض نظم العلاقات الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية، دون أن يكون معنيا بالنتائج التي تترتب على كل ذلك. لقد أجهز على المقومات الخاصة بتلك الشعوب والجماعات البشرية، وألحقت بنموذج غربي أصبح يغذي تلك المناطق بالحياة؛ لأنه امتد بنفوذه إلى أعماقها، وسيطر على المفاصل الرئيسة فيها. كان كل شيء يرتبط بأوروبا التي أصبحت مركز العالم، والعالم غير الأوروبي يحيا بها. أما فيما يخص الثورة العلمية والفكرية فإن أوروبا خرجت من العصر الوسيط وبدأت تتخلى عن مضمونها الديني الذي أشاعته أحلام العصور الوسطى، وحل محله مضمون عقلي وعلمي يهدف إلى السيطرة على العالم. صار الغرب مصدرًا لمدنية جديدة، فيما وسم العالم الآخر بالتوحش والهمجية، وأصبح القول بـ حيوية أوروبا» و «خمول العالم» شائعًا، ثنائية جديدة تحل محل ثنائيات تناسلت من بعضها قبل ذلك: في العصور الوسطى كان الإيمان يوضع قبالة الكفر، ومن قبل كان الرومان يوضعون مقابل
البرابرة. وجاء الآن دور ثنائية الحيوية والخمول، والتمدن والتوحش. (1/11)
صفحة 12
11
برزت أوروبا بوصفها مكوّنًا ثقافيًا، ينتظم في سياق فكرة واحدة
هي: بناء هوية أوروبا. وهذا البناء يلزم منه الإجهاز على المكوّنات الحضارية القائمة في العالم، أو اختزالها في أنماط لا هوية لها إلى تقليد الغرب. وصار الأوروبيون في الأطروحات الأوروبية «هم شعوب الأرض الأكثر تهذبا، الأكثر تمدنا، والأحسن صُنعًا. يبزون جميع شعوب سائر
العالم في العلوم والفنون ... في التجارة، في الملاحة، في الحرب، في الفضائل العسكرية والمدنية، إنهم أكثر بسالة، وأكثر فطنة، وأكثر كرما، وأكثر نعومة، وأكثر اجتماعية، وأكثر إنسانية وفكرة «السمو الأوروبي» هذه بدأت تفرض نفسها بقوة منذ القرن الثامن عشر للميلاد.
تضافرت منذ بداية القرن السادس عشر مقومات ظهور الغرب الحديث «المتمركز» على نفسه الذي سعى إلى تجاوز تناقضاته، بإعلان ضمني ومن طرف واحد اعتبار العالم بأجمعه ميدانا للاستثمار الاقتصادي والفكري والسياسي اقتضى هذا الهدف السيطرة على معظم ما كان يعرف بـ «العالم القديم خارج القارة». والكشف عن «عوالم جديدة»، وإلحاقها بأوروبا بالقوة، وتجاهل خصوصياتها وقيمها، وإعلان ولادتها طبقًا لطقوس كنسية. ولا غرابة أن يخلع كولومبوس على المدن التي «اكتشفها» في «العالم الجديد» تسميات مثل: سان سلفادور، وسانتا ماريا، أو اقتداء بملوك البلاط الإسباني وأميراته مثل إيزابيلا، وفرناندا وجوانا. مستعينًا بكل (1/12)
صفحة 13
12
من
الموروث الديني والزمني لإضفاء أسماء جديدة على كل المناطق التي يمر بها، معلنا أنها أملاك الكنيسة والملك الإسباني؛ لأنها منحت الأسماء الصحيحة المعبرة عنها، وكذلك فعل «دلبوكيرك» في الشرق. فـ «إطلاق الأسماء على الأشياء يساوي امتلاكها». وحيثما وصل الغربيون أعلنوا أنّ الهدف هو إدراج «العالم الخامل» في سياق التاريخ الإنساني الحيوي. وظهرت رسالة الرجل «الأبيض» مثلث الوجوه: الفاتح المسلح، والمبشر
الديني، والباحث عن الثروة.
دعونا من كولومبوس الذي (اكتشف ذلك الجزء النائي من العالم أقصى الغرب، وتعالوا نتعرف إلى دلبوكيرك، الذي اختار بلادنا العربية والإسلامية (ليستكشفها) وينقل إليها (الحيوية) الأوروبية، و (التمدن)
في
الغربي.
• سجلات أفونسو دلبوكيرك:
ألفونسو دي ألبوكيرك Afonso D'alboquerque
-
هكذا
يُكتب اسمه، وينطقه البرتغاليون بحذف حرف اللام لفظا: أفونسو دي أبوكيرك - (وُلِدَ: 1453 م - وتُوفّي: 16 ديسمبر 1515 م) قائد برتغالي. شارك في عدة أعمال حربية بحرية، وساهم في توسيع نفوذ الإمبراطورية البرتغالية. يرجع إلى أصول أرستقراطية، ومُنح اللقب البرتغالي (فيدالغو) ومعناه: ابن
النبلاء. (1/13)
صفحة 14
13
انطلق في حملة عسكرية تنصيرية من لشبونة في إبريل 1503 م، فغزا شرق إفريقيا وعدن وساحل البحر الأحمر، وعُمان، وبلاد فارس والهند، وامتد نفوذه إلى ملقة (في ماليزيا) وجزر المالديف. ثم أعلنه الملك البرتغالي دوم عمانوئيل Dom Emmanuel (ت 1521 م) نائبا له في الهند بتاريخ 4 نوفمبر 1509 م، فاتخذ من مدينة جوا (Goa) على الساحل مقرا له. ولحفظ دولته أقام حصونا في ملقة وهرمز وكلكتا وغيرها، كما عقد معاهدات سلام مع أمراء جاوة (في إندونيسيا) والصين. وقد منحه ملك البرتغال لقب (دوق جَوَا) قُبيل وفاته، ليكون أول دوق لا ينتمي إلى الأسرة المالكة، وأول الألقاب الممنوحة خارج البرتغال.
تَسَمَّى
دونت مسيرة دلبوكيرك العسكرية في كتاب جمعه «ابنه غير الشرعي براز دلبوكيرك Braz D'alboquerque (ت 1580 م) - الذي بعد وفاة «أبيه» باسم (أفونسو) - من المراسلات الواردة إلى الملك دوم عمانوئيل، وترجم إلى الإنجليزية بعنوان (Commentaries of the Great fonso D'alboquerque) (طبعة لندن (1875 م ثم صدر باللغة العربية سنة 1420 هـ / 2000 م باسم: «السجل الكامل لأعمال (1/14)
صفحة 15
14
أفونسو دلبوكيرك». وهو يحكي السيرة التفصيلية لهذا القائد على لسانه، ومن مراسلاته (6)
بعد أن ارتحل دلبوكيرك مرتين إلى الهند وما جاورها عاد إلى
تابعة
البرتغال لاستئذان الملك دوم عمانوئيل في شن حملة عسكرية لتوطيد نفوذه في الهند والتحكم في تجارتها، جاعلا نصب عينيه أهدافا أخرى؛ على رأسها إقامة حصن للنصارى في سقطرى، والسيطرة على هرمز نظرا لأهميتها وموقعها الاستراتيجي على مدخل الخليج، وتجارتها الرائجة وثرائها. فاقتنع الملك وأذن له وانطلق من البرتغال سنة 1506 م شاقا طريق أسطوله عبر المحيط الأطلنطي، التفافا حول القارة الإفريقية عن طريق رأس الرجاء الصالح.
نزل دلبوكيرك في عدة محطات أبرزها (ماليندي) (7) التي استقبلهم فيها مَلِكُها بكل ترحاب - خوفا من بطشهم، وطمعا في مساندتهم له ضد منافسيه - مُبْدِيًا صداقته لملك البرتغال، وأمدّهم بمرشدين ملاحيين،
(6)
براز دلبوكيرك: السجل الكامل لأعمال أفونسو دلبوكيرك. ترجمة: د. عبدالرحمن عبدالله الشيخ. ط 1: 1420 هـ / 2000 م. المجمع الثقافي / أبوظبي - الإمارات العربية المتحدة. ط 2: 1433 هـ/ 2012 م؛ بعنوان: سجلات أفونسو دلبوكيرك. مراجعة وتقديم: د.: د. أحمد عبدالرحمن السقاف. ماليندي: ميناء في كينيا حاليا، كان آنذاك إمارة منافسة لممباسة التي تبعد عنها نحو 120 كم، وعندما جاء البرتغاليون حالفتهم وصادقتهم لتستقوي بهم على منافسيها في إمارات ممباسة وزنجبار وكلوة (من سجلات دلبوكيرك؛ الطبعة الثانية؛ بتعليق المراجع د. السقاف ص 45).
(7) (1/15)
صفحة 16
15
وزودهم بما يحتاجون إليه في رحلتهم (8). ثم انطلقوا إلى (أنجوجا) فعارضهم أهلوها ومنعوهم، فرماهم جيش البرتغال بالمدافع، واضطرهم لترك المدينة، فنزلها دلبوكيرك وجنوده، ونهبوها وأحرقوها. وتوجهوا إلى (براوة) على الساحل الصومالي، وفعلوا بها ما فعلوا في (أنجوجا).
ولم يمنعهم مانع من مواصلة أفاعيلهم الوحشية في موانئ أخرى إلا خشية أن تعصف بهم الرياح الموسمية، فشقوا طريقهم مباشرة نحو جزيرة (سقطرى)، التي كانت تحت نفوذ سلطنة المهرة، وفيها عدد من النصارى (9)، فأخضعوها بعد طول ممانعة سنة 912 هـ / 1507 م، واستبدلوا بمسجدها كنيسة أطلقوا عليها اسم قديسة النصر»، وبنوا فيها حصنا في وقت قصير. وكان جيش البرتغال قد أَسَرَ أحد المرشدين البحارة في سقطرى يسمى (عُمَر)، وله خبرة بالمسالك البحرية والخرائط الجغرافية، فقدّم لدلبوكيرك خريطة لشبه الجزيرة العربية، كانت عونا كبيرا
للبرتغاليين في حروبهم.
(8)
سنرى لاحقا حرص دلبوكيرك على الاستعانة بملاحين من أهل المنطقة أينما نزل، وهو انتعاش علم الملاحة البحرية آنذاك ومكانة الملاحين في أوساط المجتمع.
(9)
يؤكد
ذكر المؤلف المجهول لكتاب دليل البحر الإرثري) الذي عاش في القرن الأول الميلادي أن سقطرى كان يسكنها خليط من العرب والهنود واليونان، هاجروا إليها للتجارة. وحكى ياقوت الحموي بعد ذلك في (معجم البلدان) قصة تحول اليونان فيها إلى النصرانية، كما أكد وجود النصارى فيها كل من: الهمداني والمسعودي وأبي الفداء في تقويم البلدان). (من تعليقات د. السقاف على سجلات دلبوكيرك
ص 59). (1/16)
صفحة 17
16
واصل البرتغاليون طريقهم نحو وجهتهم التالية (هرمز)، فمروا بمحاذاة ظفار، ورأس نوس، وجزر كوريا موريا، ورأس مدركة، وجزيرة مصيرة، ورأس ألاقيت، وأول محطة رَسَى فيها دلبوكيرك من عُمان في ربيع الأول 913 هـ/ أغسطس 1507 م هي (قلهات)، التابعة آنذاك لمملكة هرمز، وكانت بوابة الوصول إليها، ومركزا تجاريا مهما. وقد توقف فيها بجيشه لإصلاح السفن، ولم تجر بينه وبين أهل (قلهات) مواجهات عسكرية، بعد أن أعلنوا خضوعهم له غير أن أهالي (قريات) – التي كانت محطته الثانية - لم يقابلوه بنفس الخضوع، فحاربهم وأحرق دورهم ومساجدهم. وكانت خطته تقضي بأن يتوجه إلى هرمز واضعا قبضته على كل المدن خلفه، ليأمن أن لا يأتيه عدو من وراء ظهره.
فتابع طريقه إلى مسقط)، وقابله أهلُها بإعلان الطاعة راجين منه أن لا يشن حربا عليهم، بعد أن بلغتهم أنباء قريات، وأجابهم دلبوكيرك إلى مطلبهم، مشترطا عليهم إتاوة يدفعونها إليه، مع إمداده بالمؤن والمياه طيلة فترة هجومه المرتقب على هرمز. غير أن ولاة الأمر في المدينة رأوا شروطه قاهرة لهم، فأبدوا انصياعهم له، ثم اتخذوا تحصيناتهم اللازمة، فشن دلبوكيرك حربا عليهم، وارتكب مجزرة في حق رجال المدينة ونسائها وأطفالها، وبعد استيلائه على معاقلها أباحها لرجاله يسلبونها وينهبونها، (1/17)
صفحة 18
17
فأخذوا متاعا وغذاء وأسلحة كثيرة، ثم أمر بإشعال النار فيما لم يقدروا
على حمله (10)
وفي كلتا المدينتين (مسقط) و (قريات) حرص دلبوكيرك على إثخان القتل في المسلمين، كما أمر بقطع أنوف بعضهم وآذانهم وإرسالهم إلى هرمز ليكونوا شاهدا على ما وقع بهم. وقد نهب جنوده من مسقط زادا وفيرا لكثرة سكانها آنذاك، وسعة معيشتهم، وانتعاش تجارتهم، ثم غادروها قاعا
صفصفا (11).
ورغم حرص دلبوكيرك على الابتعاد عن البر اضطرته الرياح إلى الاتجاه نحو الساحل، فوصل قرب صحار، وكان رأيه أن يفعل بها ما فعل
(10)
—
يذكر دلبوكيرك ص 79 أن بمسقط مسجدا واسعا «جميل البناء، مشيدا في غالبه بالأخشاب التي نحتت نحتا متقنا جميلا، وبه أعمال تجصيص في جزئه العلوي». وقد أمر أتباعه بتدميره وحرقه. أما مسجد قريات الذي أشعلوا فيه النار أيضا فقد كان حسب وصفه – ص 71 «واحدا من أجمل المساجد التي رأيناها على الإطلاق». وفي قلهات ص 179 يعترف دلبوكيرك أنه «أمر بإشعال النار في المسجد الذي يجله المسلمون كثيرا، لأنه كان مبنىً كبيرا جدا، به سبعة أروقة، كلها تحفّها ألواح مربعة، وقد ثبت على جدرانه كثير من أشغال الخزف، وعند مدخل بوابته رواق كبير مُقَنْطَر (أي: أن سقفه على شكل قوس)، وفوقه شرفة تطل على البحر كلها مغطاة بالألواح المربعة، وبوابات هذا المسجد وسقفه كلها مشيدة بطريقة متقنة». وعندما أشعل فيه البرتغاليون النار لم يتركوه إلا رمادا، فلم يبق منه شيء إلا
واحترق.
(11)
يذكر دلبوكيرك أن الجزء الساحلي فقط من (مسقط) كان تابعا لمملكة هرمز، أما أجزاؤها الداخلية فكانت تحت سيطرة بني جبر. وقد كان نفوذ الجبريين آنذاك في أوج قوته، فقد شمل الأحساء والقطيف والبحرين وقسما من بلاد نجد وبعض الأجزاء الداخلية من عمان كمنطقة الظاهرة. (1/18)
صفحة 19
18
بالبلدان الأخرى، غير أن قواد جيشه عارضوه بعد أن رأوا قوة حصنها وعدد عساكرها، ثم جرت مفاوضات بين البرتغاليين وأهل صحار انتهت بتسليم الحصن لدلبوكيرك ورفع علم البرتغال عليه، مع دفع إتاوة كبيرة، وأبقى دلبوكيرك والي الحصن في منصبه شرط الطاعة والتبعية له. ثم مر على (خورفكان) فاستولى عليها ونكل بأهلها وأحرقها. (12)
(12)
جرت عادة دلبوكيرك الوحشية على قتل من يقاتلهم من الشباب، أو أسرهم واسترقاقهم للمساعدة في الأعمال البحرية والعسكرية، أما الشيوخ ممن لا يصلحون للعمل فقد كان يأمر بقطع آذانهم وجدع أنوفهم ثم تخلية سبيلهم، إذ كان لا بد أن يَسمَ كل من أبقى على حياته بهذه الطريقة!.
ويروي هو بنفسه عند دخوله (خورفكان) أنه كان من بين أسراهم شيخ عجوز قيّده الكبر فلم يستطع الهرب، وتوسّم فيه دلبوكيرك من هيئته أنه من أعيان البلد، فحاوره فوجده ملما بالتاريخ، قارئا لحياة الإسكندر، ولما سأله. عن مصدر معلوماته أخرج له الشيخ كتابا بالفارسية «ملفوفا في قطيفة حمراء على وفق عادتهم» قدمه إلى دلبوكيرك هدية، فقدرها تقديرا بالغا أكثر من تقديره لأي شيء آخر قدّم له، نظرا لتعلقه بالإسكندر وميله إلى تقليده في أفعاله وأمر بإهداء الشيخ ثوبا قرمزيا وهدايا أخرى من البرتغال، ففرح بها الشيخ فرحا شديدا، لكن فرحته بها لم تكن تعادل إطلاق سراحه بأنف لم يجدع وأذن
لم تُقطع!!. ويرجح مترجم المذكرات أن يكون الكتاب الفارسي المقصود هو الملحمة الشعرية التي نظمها الشاعر نظامي كَنْجَوِي بعنوان (إسكندر) (نامه أو: تاريخ الإسكندر الأكبر. وقد توفي الشاعر قرابة سنة 607 هـ / 1210 م. (انظر سجلات دلبوكيرك ص 91). ويذكر دلبوكيرك ص 92 من مشاهداته في خورفكان أن عددا كبيرا من تجار (جوزرات) الأثرياء كانوا يعيشون هناك، لانتعاش تجارتها واقتصادها. (1/19)
صفحة 20
19
أما (هرمز) فكانت إمارة مزدهرة يحكمها اسميًا: سيف الدين بانضر (وعمره آنذاك خمس عشرة سنة) الذي ترجع تبعيته إلى ملك فارس: الشاه إسماعيل الصفوي (حكم سنة 907 هـ / 1501 م إلى سنة 930 هـ/ 1524 م)، لكن الحاكم الفعلي فيها كان: خوجة عطار؛ أحد وزارء الملك وكبير المتنفذين في دولته، وهو قلهاتي الموطن من أصل فارسي.
وكان ملك هرمز - بمشورة خوجة عطار - قد بدأ الاستعداد للحرب قبل وصول الأسطول البرتغالي، فحشد كثيرا من السفن والجند والمدفعية، وكل ما تحتاجه من ذخيرة وعتاد، وبعد مفاوضات رفض دلبوكيرك مصالحة ملك هرمز، وأصر على قتاله، فجرت معركة ضارية بين الطرفين انتهت بخراب هرمز وتدمير أهم معاقلها (13)، فتدخل ملك هرمز
(19) كانت هرمز إمارة على الساحل الفارسي، تأسست بعد غزو المغول مطلع القرن الثامن الهجري تقريبا، وازدهرت تجارتها في القرنين الثامن والتاسع الهجريين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، وصارت منفذا بحريا مهما على مدخل الخليج، واشتهرت بتجارة اللؤلؤ والحرير والمنسوجات وأصناف عدة من الحبوب والأطعمة. وشهدت انتعاشا اقتصاديا ملحوظا، وسَكَّت عملة خاصة بها كانت تتداول في أنحاء عمان وتعرف بـ «الدراهم الهرموزية». اضمحلت مكانة هرمز التجارية بعد الهجوم البرتغالي الكاسح الذي دمرها وأحرقها. ثم انسحبت سريعا من ميدان المنافسة التجارية، وقد رصد الرحالة الأجانب هذا التحول في مكانة هرمز، فقد زارها الرحالة الإنجليزي توماس هربرت Thomas Herbert (1093 هـ / 1682 م) سنة 1626 م (= 1036 هـ)، ووجدها فقيرة في تلك السنة، فهي لا تنتج شيئا عدا الملح الذي تفرزه صخورها. ويرى أنها قبل عشر سنوات فقط من زيارته كانت المدينة العظيمة الوحيدة في الشرق مقتبسًا المثل القائل: «إذا كان العالم خاتما، فإن هرمز هي جوهرته». لمزيد من المعلومات انظر: مملكة هرمز. للمؤلف: جان أوبان. (1/20)
صفحة 21
لإيقاف الحرب وتنفيذ مطالب دلبوكيرك مقابل عدم تدمير المدينة، فاستغل دلبوكيرك ثراء المدينة لفرض إتاوة ضخمة عليها، ووقعت اتفاقية بين الطرفين كتبت باللغات العربية والفارسية (وهي اللغة الشائعة في (هرمز والبرتغالية في أكتوبر،1507 م، وشرع دلبوكيرك في بناء حصن بهرمز في السنة نفسها. غير أن خلافا نشأ بينه وبين بعض قباطنته منعه من إكمال بنائه، كما أن رسالة وصلته من سقطرى جعلته يترك هرمز، ويحث المسير نحو سقطرى لتزويد حصنها بالمؤن، ودعم رجاله هناك، خشية انقضاض المسلمين عليهم، وذلك مطلع سنة 1508 م. وفي منتصف أغسطس من السنة نفسها قفل راجعا إلى هرمز بعد توطيد أموره في سقطرى، وفيه من الحنق ما فيه على هرمز وملكها وأهلها، بعد أن بلغه نوع تمرُّد فيها، فلم منه (قلهات هذه المرة، إذ وضع خطة محكمة لتدميرها لكونها بوابة هرمز وإحدى أهم توابعها، فدخلها ودكها بالمدافع وأحرق مبانيها
تسلم
ومساجدها.
وفي هذه الأثناء علم دلبوكيرك أن خوجة عطار استغل الوضع في هرمز، فأحكم عليها سيطرته، واستعد لمحاربة البرتغال إن عادوا إليها، فصمم دلبوكيرك على دحره ومحاصرة المدينة حتى تستسلم، لكن ذلك لم
ترجمة: ناديا عمر صبري. ط 1: 1423 هـ / 2002 م. مركز الوثائق والبحوث/ أبوظبي - الإمارات
العربية المتحدة.
20
20 (1/21)
صفحة 22
21
يتم له، بعد أن وصلته أوامر من ملك البرتغال بالتوجه إلى الهند على خلفية النزاعات السابقة التي دارت بينه وبين قباطنته، ففك الحصار عن هرمز أواخر سنة 1508 م. وبعد استقرار دلبوكيرك عدة سنوات في الهند وتعيينه نائبا لملك البرتغال فيها قرر في فبراير من سنة 1513 م/ 918 هـ أن يعود مجددا إلى شبه الجزيرة العربية، فخرج من (جَوَا) متجها إلى (رأس جوردفوي) على ساحل الصومال، ومنه إلى جزيرة (سقطرى)، ومع أنه نزلها للتزود إلا أنه أمر بهدم كل بيوت المسلمين فيها وإشعال النار في ممتلكاتهم.
ثم توجه إلى (عدن)، واقتضت خطته اقتحامها ليلا دون سابق إنذار حتى لا يجد أهلوها فرصة للدفاع، غير أن الرياح عكرت عليه خطته، ووقعت مناوشات بين جنده وأهل عدن لعدة أيام، مُنِي فيها الجيش البرتغالي بهزيمة نكراء، وقتل من رجاله نحو المئتين من غير الجرحى
والأسرى.
لكن دلبوكيرك - بالرغم من الهزيمة التي لم يقرّ بها في سجلاته – صمم على تنفيذ مراده بالتوغل في البحر الأحمر، وقطع طريق الحج على المسلمين، فعبر مضيق باب المندب، ووصل إلى جزر كمران، غير أن الظروف لم تُوَاتِه، كما أن حرارة الجو أرهقت جنده، فقرر العودة إلى الهند في يوليو 1513 م/ 919 هـ، بعد أن كان طامعا في تنفيذ مشروعين مهمين: الأول: أن يتوغل في سلسلة الجبال على جانبي النيل في بلاد الحبشة (1/22)
صفحة 23
222
لتحويل مجرى نهر النيل، وبذلك لا تجد القاهرة مياها لري أراضيها. والثاني: أن ينطلق إلى (مسجد مكة) – على حد تعبيره – ويسلب منه كنوزه، ويأخذ منه رفات نبي المسلمين للمقايضة عليه بمعبد القدس. هكذا قال وكفى الله المسلمين شره (14).
لم يستفد دلبوكيرك من تجربته هذه شيئا، فأعاد الكرة وهجم على عَدَن مرة أخرى في طريق عودته إلى الهند في ربيع الآخر 919 هـ/ يوليو 1513 م، غير أن استعداد أهلها كان أقوى هذه المرة، فأذاقوا البرتغاليين الخسار، ورجعوا متقهقرين إلى طريق الهند – كما يقول ابن الديبع مكسورين مخذولين مذمومين مدحورين أول يوم من جمادى الآخرة، لا بخير، ولا كتب لهم سلامة (15). وكان دلبوكيرك يُمني نفسه
قابلهم
الله بإحكام قبضته على ثلاثة معابر رئيسة في الشرق؛ هي: مضيق ملقة، ومضيق هرمز، ومضيق باب المندب.
وفي مايو 1514 م 920 هـ أبحر بيرو دلبوكيرك من جوا، في رحلة كلفه بها عمه أفونسو دلبوكيرك إلى شبه الجزيرة العربية، فنزل هرمز، ووجد أن ملكها توران شاه الذي خلف أخاه سيف الدين، فطلب منه تجديد
(14)
من سياق النص يتضح تخليط دلبوكيرك، فهو لم يكن متصورا أن المسجد الحرام شيء، والمسجد النبوي شيء ا ء آخر، وأن مناسك الحج تجري في مكة، وأن القبر الشريف للنبي محمد صلى الله عليه وسلم في المدينة، كما أنه يتحدث عن كنوز لا وجود لها. وعلى كل حال فالنص ينم عن حقد موغل في صدره على الإسلام وأهله.
(15) ابن الديبع في الفضل المزيد على بغية المستفيد ص 205. نقلا عن د. السقاف ص 599. (1/23)
صفحة 24
23
الاتفاق بينه وبين البرتغال ودفع الإتاوة، غير أن مماطلة ملك هرمز دفعت دلبوكيرك إلى أن يعود أدراجه إلى الهند خائبا، فعقد أفونسو دلبوكيرك بيرو عزمه على التوجه بنفسه إلى هرمز، ليصحح الأمور قبل أن يرسخ الشاه إسماعيل أقدامه هناك. فأبحر بجيش جرّار في فبراير 1515 م 920 هـ، ونزل مسقط للتزود
/
من
مسالمته
بالمؤن والماء، وعندما رآه أهلها سارعوا إلى ممالأته ومداراته خشية بطشه، ثم توجه إلى هرمز مباشرة، فلم يجد ملكها وأتباعه مناصا وتسليمه الحصن، فاستقر فيه وشرع في إكمال بنائه، غير أنه لم يلبث أن تدهورت صحته واشتد عليه المرض، فأمر أتباعه بحمله إلى الهند، وزادت حالته سوءا عندما بلغه - وهو في طريقه إلى الهند – نبأ عزله عن منصب نائب ملك البرتغال في الهند، فمات كمدا عند وصوله (جوا) فجر الأحد 16 ديسمبر 1515 م/ 10 ذي القعدة 921 هـ، ونقل رفاته إلى البرتغال في السنة التالية. أدت سياسة دلبوكيرك التوسعية إلى تشتيت هائل للقوة الاستعمارية البرتغالية، جعلتها في خاتمة المطاف غير قادرة على تركيز نفسها بالسرعة الكافية، فقد انصرف دلبوكيرك إلى الاستيلاء على خطوط ساحلية، لكنه أهمل البلدان الواقعة خلف هذا الخط الساحلي، ما دفع أهلها إلى الانتفاض فيما بعد لصد البرتغاليين وطردهم. وعبرت سجلاته التي كتب أغلبها بنفسه عن شخصية وحشية مشرئبة إلى القتل والتنكيل والتسلط (1/24)
صفحة 25
24
معتدة بذلك مفاخرة به ترى في الشعوب الأخرى فريسة مشروعة مباحة
لها باسم الدين!.
ومع
هذه الوحشية لم يفلح دلبوكيرك في كسب ولاء الشعوب التي غزاها، وربما لم يسع إلى ذلك البتة خلال طوافه المتواصل لحوالي عشر سنوات في سواحل الجزيرة العربية واليمن وعُمان ثم الشواطئ الهندية، بحكم النظرة الاستعلائية التي ينظر بها إلى نفسه، والنظرة الدونية التي يرمق بها ضحاياه، ولم ينجح بصورة نهائية في الاستقرار بمكان ما، فكان الأسطول البرتغالي هو المكان المفضل له، يقطع فيه طرق السفن، ويستولي
ذلك
على حمولاتها من الأطعمة وغيرها، فيصادرها ويبعث بها إلى البرتغال. وفي الوقت نفسه يبدي في كل لحظة تعلقا بالقيم النصرانية التي جعلته موجودا في هذه الأصقاع لنشر الفضيلة وخدمة الكنيسة (منبع الخير الأبدي) التي ينبغي أن تعم سلطتها العالم من أجل تطهيره من العفن الوثني كما يرى دلبوكيرك. وتنبثق المفارقة من التضاد الذي يسبب صدمة بين الأخلاقيات النصرانية المزعومة والعنف المبالغ فيه الذي يمارسه دلبوكيرك ضد المسلمين حيثما يراهم باسمها.
هذه – باختصار – صورة الرجل الأبيض القادم إلى بلاد المسلمين من الغرب، وهي أول صورة رسخت في أذهان الشعوب الإسلامية في الجزيرة العربية والهند عن «الفرنجة النصارى». ومن المفارقات أن دلبوكيرك – ونحن نعيش اليوم في عالمٍ يضجّ بنفس مجازر دلبوكيرك وأشد (1/25)
صفحة 26
منها – لم يدع لنا مجالا لنحسّن صورتنا عنه، أو أن نتعاطى القول إن بعض (المنغلقين) و (المتخلفين) سعى إلى تشويه سيرته، ودسّ فيها أخبارا زائفة، فقد وثقها دلبوكيرك بقلمه في سجل ضخم مليء بالاعترافات متشدقا أكثر من مرة فيه بأنه ابن النبلاء الذي يتحرَّقُ شفقةً على الشعوب البائسة!! (16)
(10) من الإنصاف أخيرا أن نذكر أمرا آخر ما زال الناس يتذكرون به سيرة ألفونسو دلبوكيرك، فقد عرف بحبه لفاكهة (المانجو) الهندية المنشأ، وكان يحرص على اصطحاب كميات وافرة منها في رحلاته البحرية. وقد زرعت بكثرة في عهده، حتى صارت تسمى إلى اليوم (مانجو ألفونسو) تبعا له.
25
25 (1/26)
صفحة 27
أفونسو دلبوكيرك
26
26 (1/27)
صفحة 28
المجلد الاول
2 - 1
السحل الكامل لأعمال
أفونسو دلبوكيرك
ترجمة
د. عبد الرحمن عبدالله الشيخ
اصدارات
المجمع الثقافي
غلاف الطبعة الأولى
27 (1/28)
صفحة 29
AMA
سجلات أفونسو دلبو كيرك
ترجمة
د. عبد الرحمن عبدالله الشيخ
مراجعة وتقديم
د. أحمد عبد الرحمن السقاف
غلاف الطبعة الثانية
28 (1/29)